بعد نبينا ﷺ ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا تنسخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس ... " انتهى.
أقول: وفي عصرنا هذا ينكر بعض الكتاب الجهال وأنصاف العلماء نزول عيسى ﵇ اعتمادًا على عقولهم وأفكارهم، ويطعنون في الأحاديث الصحيحة، أو يؤولونها بتأويلات باطلة، والواجب على المسلم التصديق بما أخبر به النبي ﷺ ، وصح عنه اعتقاده؛ لأن ذلك من الإيمان بالغيب الذي أطلع الله رسوله عليه.
قال العلامة السفاريني ﵀: "ويكون مقرِّرًا لشريعة نبينا محمد ﷺ ؛ لأنه رسول لهذه الأمة كما مر، ويكون قد علم أحكام هذه الشريعة بأمر الله تعالى وهو في السماء قبل أن ينزل".
قال: "وزعم بعض العلماء أنه بنزول سيدنا عيسى بن مريم ﵇ يرفع التكليف، وهذا مردود؛ للأخبار الواردة أنه يكون مقرِّرً لأحكام هذه الشريعة ومجدِّدًا لها؛ إذ هي آخر الشرائع، ونبينا محمد ﷺ آخر الرسل، والدنيا لا تبقى بلا تكليف؛ فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف، إلى أن لا يقال في الأرض: الله الله. ذكره القرطبي في تذكرته".
قال: "وأما مدته ووفاته؛ فقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبراني وابن عساكر؛ أنه ﷺ قال: "ينزل عيسى بن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة"، وعند الإمام أحمد وأبي شيبة وأبي داود وابن جرير وابن حبان عنه؛ أنه يمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنوه عند نبينا
стр. 247
محمد ﷺ "انتهى كلامه.
стр. 248
خروج يأجوج ومأجوج:
نتكلم عن خروج يأجوج ومأجوج على ضوء ما جاء ف كتاب الله وسنة رسوله من ذكر هذا الحدث العظيم؛ لأن الإيمان بذلك واعتقاده واجب على المسلمين.
وخروج يأجوج ومأجوج ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ذكر ذلك السفاريني ﵀.
أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى في قصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ٢.
وهذا سد من حديد بين جبلين، بناه ذو القرنين، فصار ردما واحداً يحجز هؤلاء القوم المفسدين في الأرض عن أذية الناس والإفساد في الأرض، فإذا جاء
стр. 249
الوقت الذي قُدر انهدام السد فيه؛ جعله الله مساويا للأرض، وعد لا بد منه، فإذا انهدم؛ يخرجون على الناس ويموجون وينسلون؛ أي: يسرعون المشي من كل حدب، ثم يكون النفخ في الصور قريبا من ذلك.
وأما الدليل من السنة؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث النواس بن سمعان ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "إن الله تعالى يوحي إلى عيسى بن مريم ﵇ بعد قتله الدجال أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد في قتالهم؛ فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذا ماء، ويحصرون عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مئة دينار...." الحديث.
وفي حديث حذيفة عند الطبراني: "ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس".
قال الإمام النووي: "هم من ولد آدم عند أكثر العلماء".
وقال ابن عبد البر: "الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح ﵇".
وذكر العلامة السفاريني: "قال ابن كثير: يأجوج ومأجوج طائفتان من الترك، من ذرية آدم"
ثم قال: "وهم من ذرية نوح، من سلالة يافث أبي الترك".
وقد أخبر النبي ﷺ عن قرب خروجهم وحذر منهم؛ فقال ﵊ كما في "الصحيحين"- عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا".
стр. 250
وفي "الصحيحين" من حديث زينب بنت جحش؛ "أن رسول الله ﷺ نام عندها ثم استيقظ محمرّاً وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرب قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وحلّق بين أصبعيه.
وأما صفاتهم وأجسامهم: فقد قال الإمام ابن كثير ﵀: "وهم يشبهون الناس، كأبناء جنسهم من الترك، الغتم، المغول، المجرزمة عيونهم، الدلف أنوفهم، الصهب شعورهم، على أشكالهم وألوانهم، ومن زعم أن منهم الطويل الذي كالنخلة السحوق أو أطول، ومنهم القصير الذي هو كالشيء الحقير، ومنهم من له أذنان يتغطى بإحداهما ويتوطأ بالأخرى؛ فقد تكلف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه.
وأما ما يحصل منهم من الأذى والفساد في الأرض ونهايتهم: فقد دل على ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١؛ فيغشون الناس، وينحاز الناس عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم، فيشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبساً، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ها هنا ماء مرة! حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة؛ قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض، قد فرغنا منهم، بقى أهل السماء".
قال: " ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مختضبة دما؛ للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك؛ بعث الله دودًا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبا، قد وطنها على أنه
стр. 251
مقتول، فينزل، فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يامعشر المسلمين! ألا أبشروا، إن الله تعالى قد كفاكم عدوكم. فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء أصابته من النبات قط".
قال الإمام ابن كثير: "وهكذا أخرجه ابن ماجه من حديث يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به، وهو إسناد جيد".
وقد أنكر بعض الكتاب العصريين وجود يأجوج ومأجوج ووجود السد، وبعضهم يقول: إن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر المتفوقة في الصناعة!
ولا شك أن هذا تكذيب لما جاء في القرآن، وتكذيب لما صح عن رسول الله ﷺ ، أو تأويل له بما لا يحتمله، ولا شك أن من كذب بما جاء في القرآن أو صح عن رسول الله ﷺ ؛ فهو كافر، وكذلك من أوله بما لا يحتمله؛ فإنه ضال، ويخشى عليه من الكفر.
وليس لهؤلاء شبهة يستندون إليها؛ إلا قولهم: إن الأرض قد اكتشفت كلها، فلم يوجد ليأجوج ومأجوج ولا للسد مكان فيها.
والجواب عن ذلك أن كون المكتشفين لم يعثروا على يأجوج ومأجوج وسدهم لا يدل ذلك على عدم وجودهم، بل يدل عن عجز البشر عن الإحاطة بملكوت الله وقد يكون الله صرف أبصارهم عن رؤيتهم، أو جعل أشياء تمنع من الوصول إليهم، والله قادر على كل شيء، وكل شيء له أجل: كما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ١، وما الذي أعمى أبصار الأوائل وأعجز قدراتهم عن كنوز الأرض التي اكتشفها المعاصرون كالبترول وغيره؛ إلا أن الله جعل لذلك أجلاً ووقتا؟! فالله المستعان.
стр. 252
خروج الدابة:
ذكر الله خروج الدابة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ١.
قال الإمام ابن كثير ﵀ في "النهاية": "قال ابن عباس والحسن وقتادة: تكلمهم؛ أي: تخاطبهم مخاطبة. ورجح ابن جرير: تخاطبهم؛ تقول لهم: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ، وحكاه عن علي وعطاء".
قال ابن كثير: "في هذا نظر".
ثم قال: "وعن ابن عباس: "تكلمهم": تجرحهم؛ بمعنى: تكتب على جبين الكافر: كافر، وعلى جبين المؤمن: مؤمن. وعنه. تخاطبهم وتجرحهم. وهذا القول ينتظم المذهبين، وهو قوي حسن جامع لهما، والله أعلم".
وقال - أيضا - في "تفسيره": "هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض؛ قيل: من مكة، وقيل: من غيرها، فتكلم الناس".
وقال القرطبي في "تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ : اختلف في معنى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وفي الدابة؛ فقيل: معنى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ : وجب الغضب عليهم. قاله قتادة. وقال مجاهد: أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري ﵄: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم. وقال عبد الله بن مسعود: وَقْعُ القول يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن. قال عبد الله: أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع. قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلاً، فيصبحون منه قفرًا، وينسون لا إله إلا الله،
стр. 253
ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القول عليهم".
ثم ذكر أقوالاً أخرى في معنى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ ، ثم قال: "قلت: وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد، والدليل عليه آخر الآية: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ . وقرىء ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ بفتح الهمزة. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث إذا خرجن؛ لا تنفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض"، واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرًا قد ذكرناه في كتاب "التذكرة" ... " انتهى.
وعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: "طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟. قالوا نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات وذكر منها الدابة"، رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".ولمسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة ... " الحديث.
ولمسلم - أيضا - من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ قال: "بادروا بالعمل ستا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض ... " الحديث.
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: حفظت من رسول ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الآيات خروجا:
стр. 254
طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبا".
قال ابن كثير: "أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵊ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج؛ فكل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر مشاهدتهم وأمثالهم مألوفة، فأما خروج الدابة على شكل غير مألوف، ومخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان والكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية" انتهى.
وعمل هذه الدابة كما جاءت به الأحاديث؛ أنها تسم الناس المؤمن والكافر، فأما المؤمن؛ فيرى وجهه كأنه كوكب دري، ويكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر؛ فتنكت بين عينيه نكتة سوداء، ويكتب بين عينيه كافر، وفي رواية: "فتلقى المؤمن، فتسمه في وجهه نكتة، فيبيض لها وجهه، وتسم الكافر نكتة سوداء، يسود لها وجهه، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن الكافر وبالعكس، حتى إن المؤمن ليقول للكافر: ياكافر! اقضني حقي.
وأما صفتها؛ فقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي في "تفسيره": "وهذه الدابة المشهورة، التي تخرج في آخر الزمان، وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بذلك الأحاديث، ولم يذكر الله ولا رسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها المقصود منها، وأنها من آيات الله، تكلم الناس كلاما خارقا للعادة، حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله؛ فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين، وحجة على المعاندين ... " انتهى.
стр. 255
وقد أنكر بعض المعاصرين خروج هذه الدابة، واستبعدوا ذلك، وبعضهم يؤولونها بتأويلات فارغة، وليس حجة في ذلك سوى أن عقولهم لا تتحمل ذلك.
والواجب على المسلم التصديق والتسلم لما جاء عن الله ورسوله؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب، الذي مدح الله به المؤمنين.
هذا ونسأل الله الهداية والتوفيق لمعرفة الحق والعمل به.
стр. 256
طلوع الشمس من مغربها:
قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ ١.
قال الحافظ بن كثير في "النهاية": "قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ فإذا رآها الناس؛ آمن من عليها؛ فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل"، وقد أخرجه بقية الجماعة؛ إلا الترمذي ... " انتهى.
وقال السفاريني: "قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: طلوع الشمس من مغربها ثابت بالسنة الصحيحة والأحبار الصريحة، بل وبالكتاب المنزل على النبي المرسل:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً..﴾ ٢؛ أجمع المفسرون أو جمهورهم على أنها طلوع الشمس من مغربها، وحاصل ذلك
стр. 257
والمقصود من الآية الكريمة: أن من لم يكن إيمانه متحققا إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لم ينفعه تجديد الإيمان، ولم ينفعه فعل بر من جميع الأعمال؛ لأنه فقد الإيمان الذي هو الأساس لما عداه من تلك الأعمال؛ فلا ينفعه إيمانه الحادث حينئذ، ولا ما صدر منه قبل ذلك من الإحسان وعمل البر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وقري الأضياف وغير ذلك مما هو مكارم الأخلاق، لأنها على غير أساس؛ قال تعالى: ﴿الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهمْ أَعْمالُهمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ﴾ ١، والإيمان الحادث في ذلك الوقت ليس مقبولاً.
وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس؛ آمنوا أجمعون؛ فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها".
وقال الإمام ابن كثير ﵀: "وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححة النسائي وابن ماجه من طريث عاصم بن أبي النجود، عن زر ابن حبيش، عن صفوان بن عسال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون "أو قال: أربعون" عاما للتوبة، ثم لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها".
فهذا الأحاديث المتواترة مع الآية الكريمة دليل على أن من أحدث إيمانا وتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل منه، وإنما كان كذلك - والله أعلم؛ لأن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على اقترابها ودنوها؛ فعومل ذلك الوقت معاملة يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا
стр. 258
رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ٢ انتهى.
وقال - أيضا - في "تفسيره": ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣؛ "أي: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ؛ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا، فأحدث توبة حينئذ؛ لم تقبل منه توبته؛ كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ ٤؛ أي: لا يقبل منه كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملاً به قبل ذلك". انتهى.
وقال البغوي: " ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ٥؛ أي: لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ ٦؛ يريد: لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق) انتهى.
وقال القرطبي ﵀ في "تفسيره": "قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفير كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها في أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة من حضره الموت؛ قال ﷺ : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"؛ أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة، الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله".
стр. 259
وعلى كل؛ فهذا حدث عظيم، وهول مفزع، يؤذن بتغير نظام الكون، وقرب قيام الساعة، وفيه دليل على عظيم قدرة الله ، وأن هذه الشمس مدبرة مخلوقة، يعتريها الخلل بإذن الله تعالى.
هذا؛ ونسأل الله أن يرزقنا الإيمان الصادق واليقين النافع الذي يدفع إلى العمل الصالح والاستعداد بالزاد النافع ليوم المعاد قبل فوات الفرصة ونهاية الأجل، والله المستعان، والحمد لله رب العالمين.
стр. 260
حشر الناس إلى أرض الشام:
قال الإمام ابن كثير في "النهاية": "ثبت في "الصحيحين" من حديث وهيب، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس على ثلاث طرائق؛ راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار؛ تقبل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا".
ثم ساق الأحاديث في هذا المعنى، ثم قال: "فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة، وهي أرض الشام، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة؛ فصنف طاعمين كاسين وراكبين، وقسم يمشون تارة ويركبون تارة أخرى، وهم يعتقبون على البعير الواحد كما تقدم في"الصحيحين"؛ "اثنان على بعير، وثلاثة على بعير ... " إلى أن قال: "وعشرة على بعير يعتقبونه من قلة الظهر"؛ كما تقدم في الحديث، كما جاء مفسرًا في الآخر: "تحشر بقيتهم النار"، وهي تخرج من قعر عدن، فتحيط بالناس من ورائهم، تسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف منهم؛ أكلته النار، وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الزمان؛ حيث الأكل
стр. 261
والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث؛ لم يبق موت ولا ظهر يشترى ولا أكل ولا شرب" انتهى.
وقد جاءت أحاديث تدل على أنه في آخر الزمان تخرج نار من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر:
منها الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأهل السنن: "تخرج نار من قعر عدن، تسوق (أو: تحشر) الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقبل معهم حيث قالوا".
وعن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ستخرج نار من حضرموت "أو: من نحو بحر حضرموت" قبل يوم القيام تحشر الناس". قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام"، رواه أحمد والترمذي وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
قال السفاريني: "اختلف العلماء في حشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ هل هو يوم القيامة أو قبله؛ فقال القرطبي والخطابي وصوبه القاضي عياض: أن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة. وأما الحشر من القبور؛ فهو على ما في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا؛ كما في "الصحيحين" وغيرهما: "إنكم تحشرون حفاة عراة غرلاً".
إلى أن قال: "وانتصر القاضي عياض لقول الخطابي والقرطبي بأن حديث أبي هريرة: تقبل معهم وتبيت وتصبح وتمسى ... يؤيد أن الحشر في الدنيا إلى الشام؛ لأن هذه الأوصاف مختصة بالدنيا".
وقال - أيضا -: "ذكر القرطبي في "تذكرته" أن الحشر أربع: حشران في
стр. 262
الدنيا، وحشران في الآخرة؛ فاللذان في الدنيا:
المذكور في سورة الحشر، وهو اليهود إلى الشام؛ قال لهم النبي ﷺ : "اخرجوا". قالوا: إلى أين؟، قال: "إلى أرض المحشر". ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب ﵁ من جزيرة العرب.
والحشر الثاني: المذكور في أشراط الساعة، نار تحشر من المشرق إلى المغرب؛ كما في حديث أنس وعبد الله بن سلام، وفي حديث ابن عمر ﵃ مرفوعا: "تبعث على أهل المشرق نار فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقبل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سوق الجمل".
قال الحافظ ابن حجر: "وكونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب؛ لأن ابتداء خروجها من عدن، فإذا خرجت؛ انتشرت في الأرض كلها.
المراد: تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق".
قال القرطبي: "وأما اللذان في الآخرة؛ فحشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعا؛ قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ١، وحشرهم إلى الجنة والنار.
وقال على قول الناظر:
وآخِرُ الآياتِ حَشْرُ النَّارِ ... كَمَا أَتى فِي مُحْكَمِ الأخْبارِ
وقال: "وآخر الآيات العظام والعلامات الجسام: حشر النار للناس من المشرق إلى المغرب، ومن اليمن إلى مهاجر إبراهيم ﵇، وهو أرض
стр. 263
الشام؛ كما ترى مصرحا به في محكم الأخبار وصحيح الآثار".
ثم ذكر الأحاديث الواردة في خروجها من اليمن ومن قعر عدن أبين، وفي كونها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وكونها تحشرهم إلى أرض الشام، وقال في وجه الجمع بين ذلك بأن النار ناران: إحداهما تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، والثانية تخرج من اليمن فتطرد الناس إلى المحشر الذي هو أرض الشام.
قال: "وإن لم يكن في علم الله إلا نار واحدة؛ فالجمع بين: "نار تخرج قبل يوم القيامة من حضرموت فتسوق الناس"، وفي لفظ: "تخرج نار من قعر عدن ترحل الناس إلى المحشر "، وحديث: "نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب"؛ فبأن يقال: إن الشام الذي هو المحشر مغرب بالنسبة إلى المشرق، فيكون ابتداء خروجها قعر عدن من اليمن، فإذا خرجت؛ انتشرت إلى المشرق، فتحشر أهله إلى المغرب الذي هو الشام، وهو المحشر".
ولفظة: "أبين": بوزن أحمر، اسم الملك الذي بناها.
وفي "نهاية ابن الأثير": "عدن أبين": مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى "أبين" بوزن أبيض، وهو رجل من حمير، عدن بها؛ أي: أقام". والله أعلم.
стр. 264
النفخ في الصور والصعق:
قد تكرر ذكر النفخ في الصور في القرآن العظيم، وذكر ما يحدث عند ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات: نفخة الفزع: ذكرها في سورة النمل، في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
стр. 265
ونفخة الصعق والقيام: ذكرهما في سورة الزمر في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ١، وأما الاستثناء؛ فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين؛ فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله؛ فإن الله أطلق في كتابه، وقد ثبت في "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذًا بساق العرش؛ فلا أدري هل أفاق قلبي أم كان مما استثناه الله؟ "، وهذه الصعقة؛ قيل: إنها رابعة، وقيل: إنها من المذكورات في القرآن ... " انتهى.
وقال السفاريني: "واعلم أن النفخ في الصور ثلاث نفخات:
نفخة الفزع، وهي التي بها هذا العالم، ويفسد نظامه، وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ٢؛ أي: من رجوع ومرد، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ٣؛ فسر الزمخشري في "كشافه" المستثنى في هذه الآية بمن ثبت الله قلبه من الملائكة، وهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وقيل غير ذلك، وإنما يحصل الفزع بشدة ما يقع من هول تلك النفخة ... ".
إلى أن قال: "النفخة الثانية: نفخة الصعق، وفيها هلاك كل شيء، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ٤، وقد فسر الصعق بالموت ... ".
إلى أن قال: "والصور قرن من نور، يجعل فيه أرواح الخلائق، وقال مجاهد: كالبوق. ذكره البخاري، وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن
стр. 266
العاص ﵄: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ؛ فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه". قال الترمذي: حديث حسن.".
ثم قال: "النفخة الثالثة: نفخة البعث والنشور، وقد جاء في الكتاب العزيز آيات تدل عليها، وأخبار تشير إليها؛ كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَق﴾ ٤.
قال المفسرون: "المنادي هو إسرافيل ﵇، ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة! إن يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: ينفخ إسرافيل، وينادي جبريل، والمكان القريب صخرة بيت المقدس".
قال جماعة من المفسرين: "وبين النفختين أربعون عاما. قال بعض العلماء: اتفقت الروايات على ذلك".
وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "ما بين النفختين أربعون". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا. قال: أبيت. قالوا: أربعون عاما؟ قال أبيت. الحديث.
وقول أبي هريرة ﵁: "أبيت": فيه ثلاث تأويلات: أولها: امتنعت من بيان ذلك لكم. وقيل: أبيت أسأل النبي ﷺ عن ذلك، وقيل: نسيت. وقيل: إن سر ذلك لا يعلمه إلا الله؛ لأنه من أسرار الربوبية.
стр. 267
وفي حديث أبي هريرة الطويل الذي رواه ابن جرير والطبراني وأبو يعلى في "مسنده"والبيهقي في "البعث" وأبي موسى المديني وغيرهم؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ : "إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض؛ خلق الصور، فأعطاه إسرافيل؛ فهو واضعه على فيه، شاخصا ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر. قلت: يا رسول الله، وما الصور؟، قال: القرن. قلت: أي شيء هو؟ قال: عظيم؛ إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض. فينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين. فيأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ الفزع. فينفخ، فيفزع أهل السماء والأرض؛ إلا من شاء الله، فيأمره فيمدها ويطيلها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ١. فيسير الله الجبال، فتمر مر السحاب، فتكون سرابا، وترتج الأرض بأهلها رجّا، فتكون كالسفينة الموقرة في البحر تضربها الأمواج، وكالقنديل المعلق بالعرش ترحجه الأرواح، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ٢، فتميل الأرض بالناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار، فتتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ٣. فبينما هم على ذلك؛ إذ تصدعت الأرض، فانصدعت من قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيما، ثم نظروا إلى السماء؛ فإذا هي كالمهل، ثم انشقت فانتثرت نجومها وانخسفت شمسها وقمرها". قال رسول الله ﷺ : "الأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك". قلت: يا رسول الله، من استثنى الله تعالى في قوله: ﴿إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ٤؟، قال: "أولئك الشهداء، وإنما يتصل الفزع إلى
стр. 268
لأحياء، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب يبعثه الله على شرار خلقه؛ يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِي﴾ ١؛ فيمكثون في ذلك ما شاء الله ... " الحديث.
هذا ونسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، ويجعلها من الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
стр. 269
ثانيا: الإيمان باليوم الآخر
مدخل
...
ثانيا: الإيمان باليوم الآخر:
وسمي باليوم الآخر: لتأخره عن الدنيا، وقد دل عليه العقل والفطرة؛ كما صرحت به جميع الكتب السماوية، ونادى به الأنبياء والمرسلون، وقد أخبر الله عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين له في غالب سور القرآن.
والإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب؛ إلا من عاند كفرعون؛ بخلاف الإيمان باليوم الآخر؛ فإن منكريه كثيرون.
ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، يعني: السبابة والوسطى؛ بيَّن تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء.
وقد تنوعت أدلة البعث في القرآن الكريم:
فتارة يخبر عمن أماتهم ثم أحياهم في الدنيا؛ كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ؛ قال: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ
стр. 270
بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ١، وعن: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٢، وعن إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ... ﴾ ٣، وكما أخبر عن المسيح أنه كان يحيي الموتى بإذن الله، وعن أصحاب الكهف أنهم بعثوا بعد ثلاث مئة سنة وتسع سنين.
وتارة على ذلك بالنشأة الأولى؛ فإن الإعادة أهون من الابتداء، كما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٥، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٦.
وتارة يستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض؛ فإن خلقها أعظم من إعادة الإنسان؛ كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٧.
وتارة يستدل عليه بتنزيه الله عن العبث؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ... ﴾ ٨، ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٩؛ فالناس في هذه الدنيا منهم المحسن ومنهم المسيء، وقد يموتون ولا ينال أحدكم جزاء عمله؛ فلا بد من دار أخرى يقام فيها العدل بين الناس، وينال كل منهم جزاء عمله.
والإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان؛ كما يدل على ذلك القرآن في كثير من الآيات:
حيث يذكر الإيمان به تارة مع الإيمان بالأركان الستة التي هي: الإيمان
стр. 271
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ كما في حديث عمر ﵁ في سؤالات جبريل ﵇ للنبي ﷺ .
وتارة يذكر الإيمان مع الإيمان بالله؛ كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٢.
وقد سمى الله هذا اليوم بعدة أسماء؛ تنويها بشأنه، وتنبيها للعباد؛ ليخافوا منه:
فسماه اليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا، وليس بعده يوم غيره. وسماه يوم القيامة؛ لقيام الناس فيه لربهم. وسماه الواقعة والحاقة والقارعة والراجفة والصاخة والآزفة والفزع الأكبر ويوم الحساب ويوم الدين والوعد الحق ...
وكلها أسماء تدل على عظم شأنه، وشدة هوله، وما يلقاه الناس فيه من الشدائد والأهوال؛ فهو يوم تشخص فيه الأبصار، وتطير القلوب عن أماكنها، حتى تبلغ الحناجر، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ٣، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ٤.
والإيمان بهذا اليوم يحمل الإنسان على العمل والاستعداد له؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٦،
стр. 272
وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ ١.
كما أن الإيمان بهذا اليوم يحمل على الثبات عند لقاء الأعداد والصبر على الشدائد؛ كما قال تعالى في قصة طالوت وجنوده حينما لقوا عدوهم الذي يفوقهم في الكثير بعد ما جاوزوا نهر الامتحان ولم ينجح منهم إلا القليل؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢.
كما أن عدم الإيمان بهذا اليوم يحمل الإنسان إلى الكفر والمعاصي، وعلى الظلم والعدوان، والبغي والفساد؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٦.
وقد أمر الله باتقاء ذلك اليوم بالاستعداد له بالأعمال الصالحة التي تنجي من أهواله؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٧، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ
стр. 273
نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ١، ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ٢.
والإيمان باليوم الآخر معناه: أن تصدق بكل ما بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه، وبالبعث بعد ذلك، والحساب والميزان، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وبكل ما وصف الله به يوم القيامة.
وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا، وله أسماء كثيرة في القرآن؛ منها:
١- يوم البعث: لأن فيه البعث والحياة بعد الموت
٢- يوم الخروج: لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى.
٣- يوم القيامة: لأن فيه قيام الناس للحساب.
٤- يوم الدين: لأن فيه إدانه الخلائق ومجازاتهم على أعمالهم.
٥- يوم الفصل: لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل.
٦- يوم الحشر: لأن فيه يجمع الخلائق وحشرهم في موقف الحساب.
٧- يوم الجمع: لأن الله يجمع فيه الناس للجزاء.
٨- يوم الحساب: لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
٩- يوم الوعيد: لأن فيه تحقيق وعيد الله للكافرين.
١٠- يوم الحسرة: لأن فيه حسرة الكافرين.
١١- يوم الخلود: لأن الحياة في هذا اليوم حياة خالدة أبدية.
١٢- الدار الآخرة: لأنها بعد دار الدنيا، وهي دار باقية ليس بعدها انتقال إلى دار أخرى.
стр. 274
١٣- دار القرار: لأنها الاستقرار الدائم بلا فناء ولا انتقال.
١٤- دار الخلد: لأن الإقامة أبدية.
١٥- الواقعة: لتحقق وقوعها.
١٦- الحاقة: لأنها تحق كل مجادل وخاصم بالباطل؛ بمعنى: تغلبه.
١٧- القارعة: لأنها تقرع الأسماع والقلوب بأهوالها.
١٨- الغاشية: لما يجري فيها من غشيان عام للثقلين.
١٩- الطامة: لأنها تغلب وتفوق ما سواها من الدواهي.
٢٠ - الآزفة: أي: القريبة، سميت بذلك إشعارًا بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا.
٢١- يوم التغابن: لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار.
٢٢- يوم التناد: لأنه يدعى فيه كل أناس بإمامهم، وينادى بعضهم بعضا، وينادي أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، وينادي أصحاب الأعراف.
стр. 275
الموت:
ومن مقدمات اليوم الآخر الموت، وهو القيامة الصغرى.
والقيامة الصغرى هي وفاة كل شخص عند انتهاء أجله، وبها ينتقل من الدنيا إلى الآخرة.
وقد ذكَّر الله العباد بالموت؛ ليستعدوا له بالأعمال الصالحة والتوبة من الأعمال السيئة؛ لأنه إذا جاء؛ ختم عمل الإنسان، وهو لا يقبل التأخير؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ
стр. 276
الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٢، والموت هو القيامة الصغرى، وقيام الساعة هو القيامة الكبرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الله: "وهو في السورة الواحدة يذكر القيامة الكبرى والصغرى؛ كما في سورة الواقعة؛ فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى، وأن الناس يكونون أزواجا ثلاثة؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً﴾ ٣، ثم في آخرها ذكر الصغرى بالموت، وأنهم يكونون ثلاثة أصناف بعد الموت؛ فقال: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ ٤.
وعند الموت تقبض روح الإنسان من جسده بأمر الله تعالى.
وقد أسند الله قبض الأنفس إليه سبحانه في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ٥، وأسنده إلى الملائكة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٦، وفي قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ ٧، وأسنده إلى ملك الموت في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ٨.
стр. 277
ولا تعارض بين الآيات، والإضافة في هذه الآيات إلى كل بحسبه؛ فالله هو الذي قضى بالموت وقدره؛ فهو بقضائه وقدره وأمره، فأضيف إليه التوفي لأجل ذلك، وملك الموت يتولى قبضها واستخراجها من البدن، ثم تأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ويتولونها بعده؛ فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه.
стр. 278
التوفي بالنوم والتوفي بالموت:
الروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالنوم.
قال النبي ﷺ لما نام عن الصلاة:"إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء ". وقال له بلال: يا رسول الله! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الآخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ١.
قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "يقبضها قبضين: قبض الموت، وقبض النوم، ثم في النوم يقبض التي تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتي أجلها وقت الموت".
وقد ثبت في"الصحيحين" عن النبي ﷺ ؛ أنه "كان يقول إذا نام: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي؛ فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها؛ فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"
وهذا أحد القولين في الآية، وهو أن الممسكة والمرسلة كلاهما متوفى وفاة النوم، فمن استكملت أجلها؛ أمسكها عنده؛ فلا يردها إلى جسدها، ومن
стр. 279
لن تستكمل أجلها؛ ردها إلى جسدها لتستكمله.
والقول الثاني: أن الممسكة من توقيت وفاة الموت أولاً، والمرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا: أن الله يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسده إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْل﴾ ١.
стр. 280
حقيقة الروح:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١٣/ ٣٤١) : "ومذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة أن الروح عين قائمة بنفسها، تفارق البدن، وتنعم، وتعذب، ليست هي البدن، ولا جزء من أجزائه، ولما كان الإمام أحمد ﵀ ممن نص على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة؛ لم يختلف أصحابه في ذلك".
وقال في موضع آخر (٩/ ٣٠٣) : "والصواب أنها ليست مركبة من الجواهر الفردة، ولا من المادة والصورة، ولست من جنس الأجسام المتميزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها، وتصعد وتنزل، وتخرج من البدن، وتسيل منه؛ كما جاءت بذلك النصوص ودلت عليه الشواهد العقلية، وأما قول القائل: أين مسكنها من الجسد؟ فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد؛ فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد؛ كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح؛ فارقته الحياة".
стр. 281
الروح مخلوقة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٢١٦) : "ورح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين".
وقال تلميذه العلامة ابن القيم: "والذي يدل على خلقها وجوه) وذكر اثني عشر وجها:
"منها: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١؛ فهذا اللفظ عام، لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفاته؛ فإنها داخلة في مسمى اسمه؛ فلله سبحانه هو الإله الموصف بصفات الكمال، وهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ ٢، وهذا الخطاب لروحه وبدنه، وليس لبدنه فقط؛ فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل، وإنما الذي يفهم ويخاطب هو الروح.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ٣، وهذا الإخبار إما أن يتناول أرواحنا وأجسادنا؛ كما يقوله الجمهور، وإما أن يكون واقعا على الأرواح قبل خلق الأجساد؛ كما يقوله من يزعم ذلك، وعلى التقديرين؛ فهو صريح في خلق الأرواح.
ومنها: النصوص الدالة على أن الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديته واقعة على بدنه دون روحه، بل عبودية الروح وعبودية البدن تبع؛ كما أنه تبع لها في الأحكام، وهي التي تحركه وتستعمله، وهو تبع لها في العبودية.
ومنها: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً
стр. 282
مَذْكُوراً﴾ ١، فلو كانت روحه قديمه؛ لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورًا؛ فإنه إنما هو إنسان بروحه لا بدنه.
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ الذي في "صحيح البخاري" وغيره عن النبي ﷺ : "الأرواح جنود مجدة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة.
ومنها أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث المربوب".
стр. 283
كيفية قبض روح المتوفى ومآلها بعد وفاته:
قد جاء بيان كيفية التوفي ومآل الروح بعده في حديث البراء بن عازب الطويل، وهذا نصه:
عن البراء بن عازب ﵁؛ قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: أعوذ بالله من عذاب القبر -ثلاث مرات-".
ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا؛ نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، ومعهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتهَّا النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان".
قال: "فتخرج تسيل كما القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفخة مسك وجدت على الأرض".
стр. 284
قال: "فيصعدون بها؛ فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأطيب أسمائه التي كانوا يسمونه بها الدنيا. حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى".
قال: "فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة".
قال: "فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره".
قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: يارب! أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي".
قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة؛ اخرجي إلى سخط من الله وغضب".
قال: "فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها
стр. 285
في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها؛ فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان؛ بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له؛ فلا يفتح له "ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ١، فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسان، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه؛ لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه؛ لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي؛ فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؛ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة".
رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وابن حبان.
قال شارح الطحاوية: "وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد في الصحيح".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما الحديث المذكور في قبض روح المؤمن وأنه يصعد بها إلى السماء التي فيها الله؛ فهذا حديث معروف جيد الإسناد، وقوله: (فيها الله) ؛ بمنزلة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ