← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ، فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ". (١) الثاني: طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ فُقَرَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ وَقَالَتْ النَّارُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ، وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ". (٢) الثالث: طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقاً". (٣)

стр. 107

الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "افْتَخَرَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُلُوكُ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَشْرَافُ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ. فَقَالَ ﵎ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مِنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَى فِيهَا أَهْلُهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. حَتَّى يَأْتِيَهَا ﵎ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتُزْوَى وَتَقُولُ: قَدْنِي قَدْنِي (١). وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَتَبْقَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَبْقَى ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا بِمَا يَشَاءُ". (٢) الثالث: حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لاَ يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَه، ُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ (٣) بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِك. َ وَلاَ تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ". (٤) ويتلخص من مجموع هذه الطرق أنَّ حديث صالح بن كيسان، عن الأعرج، حديثٌ مُنْقَلِبٌ لم يُتابع عليه، فأمَّا أبو هريرة فقد تخلَّص من الوهم برواية الثقات للحديث عنه على الصواب، وكذلك الأعرج فقد رواه عنه أبو الزِّناد بغير ذكره لتلك الزيادة المنكرة. (٥) الوجه الثاني - من أدلة وقوع الغلط في الحديث -: أنَّ راوي هذا الحديث المقلوب جعل تنزيه الله تعالى من الظلم عند ذكره الجنة، فأوهم بذلك أنَّ من أدخله الله تعالى الجنة بغير عمل كان ظلماً، وهذا من أفحش

стр. 108

الخطأ؛ فإنَّ الحور العين والأطفال في الجنة بغير عمل، وهذا هو الموضع الذي لا يُسمَّى ظلماً عند أحد من المسلمين، ولا من العقلاء أجمعين، ولا أشار إلى ذلك شيء من القرآن، ولا من السنة، ولا من اللغة، ولا من العُرْفِ، وإنَّما ذُكِرَ هذا في النار إشارة إلى أنَّ التعذيب بغير ذنب هو شأن الظالمين من الخلق، والله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بين خلقه محرَّماً. الوجه الثالث: أنَّ الراوي قصَّرَ في سياقه للمتن فقال: وقالت النار. ولم يذكر ما قالت، ولا سكت من قوله قالت. قال ابن بطال (١): "وهو كذلك في جميع النسخ". (٢) وذكر هذا الراوي قول الله تعالى للجنة: أنت رحمتي. ولم يُتَمِّم قوله لها: أرحم بك من أشاء من عبادي. والنقص في الحفظ والركاكة في الرواية بيّنٌ على حديثه. الوجه الرابع: تجنّب المحدثين لإخراج هذه الرواية، مثل مسلم والنسائي، مع روايتهما للحديث، ومثل أحمد بن حنبل في مسنده، مع توسعه فيه، وكذلك ابن الجوزي في جمعه أحاديث البخاري ومسلم ومسند أحمد، وكذلك ابن الأثير في جامع الأصول، وهو يعتمد الجمع بين الصحيحين للحميدي، والحميدي (٣) إنما يترك ما ليس على شرط البخاري مما ذكره في صحيحه. الوجه الخامس: أنَّه قد ثبت بالنصوص والإجماع أنَّ سنة الله تعالى أنه لا يُعذِّبُ أحداً بغير ذنب ولا حجة، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وفي الحديث: "لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ" (٤)، ومن جحد أنَّ هذه سنة الله فقد جحد الضرورة، وإذا تقرر أنها سنة الله تعالى فقد قال تعالى:

стр. 109

(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٥]، وأحسن ما أنزل الله إلينا هو الثناء عليه، وتسبيحه، وتنزيه أفعاله وأقواله، من جميع صفات النقص، فكيف يُعدل عن هذا كله - مع موافقة الرواية الصحيحة له - إلى رواية ساقطة مغلوطة مقلوبة، زلَّ بها لسان بعض الرواة. (١) ****

стр. 110

المسألة [٥]: في الحدود هل هي كفارة لأهلها أم لا ؟ المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)) [المائدة: ٣٣]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٨) ـ (٧): عن عبادة بن الصامت ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال - وحوله عصابة من أصحابه -: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ (١)، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ؛ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك". (٢)

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 113

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر الآية الكريمة أنَّ إقامة الحد على المحاربين لا تُسْقِطُ عنهم العقوبة في الآخرة؛ وذلك لقوله: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وأما الحديث ففيه أنَّ من أُقيم عليه الحد فهو كفارة له، ويلزم منه سقوط العقوبة في الآخرة،

стр. 114

وهذا يُوهِمُ خِلاف الآية. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: بداية لا بد من تحرير المسألة، في بيان هل الحدود كفارات لأهلها أم لا؟ وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: الأول: أنَّ إقامة الحد بمجرده يُعد كفارة للذنب، ولو لم يتب المحدود. وهذا مذهب الجمهور من العلماء (٢). وهو المروي عن: علي بن أبي طالب (٣)، والحسن بن علي بن أبي طالب (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦). وهو قول: الشافعي (٧)، وأحمد (٨)، وسفيان الثوري (٩). واختيار: النووي (١٠)، والملا علي القاري (١١) (١٢)، والشوكاني (١٣).

стр. 115

واستدلوا على مذهبهم هذا: ١ - بحديث عبادة بن الصامت ﵁، وقد وردت الكفارة فيه مطلقة، ولم يشترط النبي ﷺ التوبة. ٢ - وبقول ماعز للنبي ﷺ : إني أصبت حداً فطهرني، وكذلك قالت له الغامدية (١)، ولم يُنكر عليهما النبي ﷺ ذلك، فدل على أنَّ الحد طهارة لصاحبه، ولو لم يتب. (٢) القول الثاني: أنَّ إقامة الحد بمجرده لا يُعد كفارة، بل لا بد معه من التوبة. وهذا مذهب الحنفية (٣). وروي عن صفوان بن سليم (٤) (٥). وهو رأي: البيهقي (٦)، وابن العربي (٧)، وأبو عبد الله ابن تيمية (٨) (٩)، وابن مفلح (١٠) (١١)، وابن حجر الهيتمي (١٢) (١٣). ونُسِبَ لابن حزم (١٤)،

стр. 116

والبغوي (١). وذكر الحافظ ابن حجر أنه مذهب المعتزلة (٢) (٣). واستدلوا على مذهبهم هذا: ١ - بقوله تعالى - في قُطّاع الطريق -: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة: ٣٣]، فأخبر أنَّ جزاء فعلهم عقوبة دنيوية، وعقوبة أخروية، إلا من تاب فإنها حينئذ تسقط عنه العقوبة الأخروية. ٢ - وبالإجماع على أنَّ التوبة لا تُسقط الحد في الدنيا، قالوا: ويجب أنْ يحمل حديث عبادة ﵁ على ما إذا تاب في العقوبة; لأنه هو الظاهر; لأن الظاهر أنَّ ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه لذوقه مسبب فعله، فيقيد به جمعاً بين الأدلة. (٤) ٣ - واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى في آية الحرابة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)) [المائدة: ٣٤]، حيث اشترط التوبة لرفع العقوبة عنهم. (٥) واعترض: بأن عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعها، فقد دل الدليل على أنَّ عقوبة الدنيا تسقط عقوبة الآخرة. وأما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة، ولهذا خصهم بما قبل القدرة، وعقوبة

стр. 117

الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة وبعدها. (١) ٤ - واستدلوا بقوله ﷺ للسارق حين قطعه: "تب إلى الله" (٢)، حيث أمره بالتوبة فدل على اشتراطها. (٣) القول الثالث: التفصيل في المسألة: فما كان من حقوق الله تعالى فإنه يطهر منها بإقامة الحد عليه، وحق المخلوق يبقى، فارتكاب جريمة السرقة مثلاً، يطهر منه بالحد، والمؤاخذة بالمال تبقى. وهذا اختيار: الشنقيطي (٤)، ونقله الآلوسي عن النووي (٥). ويَرِدُ عليه: أنَّ في حديث عبادة ﵁ ما هو من حق الله تعالى، وحق المخلوقين؛ كالسرقة، ونحوها، ولم يفرق بينهما النبي ﷺ . ويرد عليه أيضاً: أنَّ فيه تخصيصاً لعموم حديث عبادة ﵁، من غير دليل. (٦) القول الرابع: التوقف: حيث ذهب آخرون إلى التوقف في ذلك، فلا يُحكم بأن الحدود كفارة، ولا بعدمه؛ وذلك لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما أدري الحدود كفارات لأهلها، أم لا". (٧)

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 119

واحتجوا بأن حديث أبي هريرة متأخر على حديث عبادة، بدليل تأخر إسلام أبي هريرة عن بيعة العقبة، وهؤلاء جازمون بأن حديث عبادة وقع ليلة العقبة، قبل الهجرة. (١) مسألة: وقد اختلف العلماء في الجواب عن حديث أبي هريرة ﵁: ١ - فذهبت طائفة إلى تصحيح الحديث، واختلف هؤلاء في الجمع بينه وبين حديث عبادة: فذهب بعضهم: إلى أنَّ حديث أبي هريرة ﵁ ورد أولاً قبل أنْ يُعلمِ الله نبيه، ثم أعلمه بعد ذلك أنَّ الحدود كفارة. وقد ذهب هؤلاء إلى أنَّ حديث عبادة ﵁ كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصارُ رسولَ الله ﷺ البيعة الأولى قبل الهجرة. وأجابوا عن تأخر إسلام أبي هريرة ﵁ بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ مباشرة؛ وإنما سمعه من صحابي آخر. (٢) وهذا رأي: ابن حزم (٣)، وابن بطال (٤)، والقاضي عياض (٥). واعتُرِضَ: بأن أبا هريرة ﵁ قد صرح بسماعه من النبي ﷺ ، وبأن الحدود لم تكن نزلت قبل ذلك. (٦) وذهب آخرون إلى أنَّ حديث عبادة ﵁ متأخر على حديث أبي هريرة ﵁. ويرى هؤلاء أنَّ المبايعة التي في حديث عبادة ﵁ إنما وقعت بعد فتح مكة، بعد نزول آية الممتحنة (٧).

стр. 120

وهذا رأي: ابن التين (١)، والحافظ ابن رجب (٢)، والحافظ ابن حجر (٣)، وشمس الحق العظيم آبادي (٤). وقد ذكر الحافظ ابن حجر عدة أدلة تؤيد هذا المذهب، وهي قوية. (٥) ٢ - وذهب آخرون إلى تضعيف حديث أبي هريرة ﵁، وتقديم حديث عبادة ﵁ عليه. وهذا رأي: البخاري (٦)، والدارقطني (٧)، وابن عبد البر (٨)، والمناوي (٩). وقد تقدم ذكر سبب تضعيفهم للحديث عند تخريجه. مذاهب العلماء تجاه التعارض بين الآية، وحديث عبادة بن الصامت ﵁: وبعد أنَّ ذكرنا أقوال العلماء في الحدود هل هي كفارة لأهلها أم لا، نأتي الآن إلى ذكر مسالك العلماء في دفع التعارض بين آية الحرابة، وحديث عبادة ﵁: لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والحديث، وقد تباينت آراؤهم فيها على مذاهب: الأول: أنَّ الوعيد في الآية - وهو قوله: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) - خاصٌ بالمشركين؛ كما دل عليه سبب نزول الآية (١٠)، وحديث عبادة خاص

стр. 121

بالمسلمين، فإذا عوقب المسلم بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له. وهذا مذهب: الواحدي (١)، والقاضي عياض (٢)، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والعيني (٣)، والسندي (٤). قال الحافظ ابن كثير: "قوله تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: هذا الذي ذكرته - من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم - خزي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ... ". اهـ ثم ذكر حديث عبادة. (٥) وقال الحافظ ابن حجر: "أشكل قوله في آية المحاربين: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) مع حديث عبادة الدال على أنَّ من أقيم عليه الحد في الدنيا كان له كفارة؛ فإنَّ ظاهر الآية أنَّ المُحَارِب يُجمع له الأمران. والجواب: أنَّ حديث عبادة مخصوص بالمسلمين، بدليل: أنَّ فيه ذكر الشرك، مع ما انضم إليه من المعاصي، فلما حصل الإجماع على أنَّ الكافر إذا قُتِلَ على شركه فمات مشركاً أنَّ ذلك القتل لا يكون كفارة له، قام إجماع أهل السنة على أنَّ من أقيم عليه الحد من أهل المعاصي كان ذلك كفارة لإثم معصيته، والذي يضبط ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨]، والله أعلم". اهـ (٦)

стр. 122

الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب: ١ - اعتُرِضَ على هذا المذهب: بأن الكفار إذا تابوا فإن الحد يسقط عنهم، سواء كانت توبتهم قبل القدرة عليهم، أو بعدها، وذلك لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء؛ وأما آية الحرابة فإنها اشترطت أنْ تكون التوبة قبل القدرة عليهم، فدل على أنها في المسلمين لا في الكفار. ٢ - واعتُرِضَ أيضاً: بأنها لو كانت خاصة بالكفار المرتدين لكان حكمهم القتل مطلقاً، لا ما ذكر في الآية من التفصيل؛ إذ في الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا يُنفى، وفيها قطع اليد والرجل، والمرتد لا تُقطع له يد ولا رجل، فثبت أنها لا يراد بها المشركون، ولا المرتدون. (١) ٣ - واعتُرِضَ أيضاً: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والآية وإن قيل إنها نزلت في المشركين؛ إلا أنَّ حكمها عام، ولا يصح تخصيصها بالمشركين. وأجيب: بأن جميع ما ذُكِرَ في الآية من أحكام فهو عام في المسلمين وغيرهم، إلا أنَّ الوعيد في آخر الآية خاص بالمشركين دون المسلمين، ولا مانع من تخصيص أحكام العام ببعض أفراده، إذا دلَّ الدليل على ذلك، وقد قام الدليل وهو سبب نزول الآية. المذهب الثاني: أنَّ حديث عبادة ﵁ عام، والآية مخصصة لعمومه، فكل من أقيم عليه الحد فهو كفارة له، عدا الحرابة فإن إثمها باق عليه، وإنْ أقيم عليه حدها، ولا يسقطها عنه إلا التوبة إلى الله تعالى. وهذا مذهب: الطحاوي (٢)، والجصاص، وابن حزم، وابن عطية (٣)، وابن الفرس (٤) (٥)، وأبي عبد الله القرطبي (٦)، وابن جزي (٧)، وابن عاشور

стр. 123

(١)، والقاسمي (٢). قال الجصاص: "قوله تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يدل على أنَّ إقامة الحد عليه لا تكون كفارة لذنوبه؛ لإخبار الله تعالى بوعيده في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم". اهـ (٣) وقال ابن حزم: "كل من أصاب ذنباً فيه حد فأقيم عليه ما يجب في ذلك فقد سقط عنه ما أصاب من ذلك - تاب أو لم يتب - حاشا المحاربة، فإن إثمها باقٍ عليه، وإن أقيم عليه حدها، ولا يسقطها عنه إلا التوبة لله تعالى فقط. برهان ذلك: ما رويناه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: .... ، ثم ذكر الحديث وقال: وأما تخصيصنا المحاربة من جميع الحدود، فلقول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣))، فنص الله تعالى نصاً لا يحتمل تأويلاً، على أنهم مع إقامة هذا الحد عليهم، أنه لهم خزي في الدنيا، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب عظيم، فوجب استعمال النصوص كلها كما جاءت، وأن لا يُترك شيء منها لشيء آخر، وليس بعضها أولى بالطاعة من بعض، وكلها حق من عند الله تعالى، ولا يجوز النسخ في شيء من ذلك: أما حديث عبادة: فإنه فضيلة لنا أنْ تكفر عنا الذنوب بالحد، والفضائل لا تنسخ؛ لأنها ليست أوامر، ولا نواهي، وإنما النسخ في الأوامر والنواهي، سواء وردت بلفظ الأمر والنهي أو بلفظ الخبر، ومعناه الأمر والنهي. وأما الخبر المحقق فلا يدخل النسخ فيه، ولو دخل لكان كذباً، وهذا لا يجوز أنْ يُظن بشيء من أخبار الله تعالى، ورسوله ﷺ . وأما الآية في المحاربة: فإن وجوب العذاب في الآخرة مع الخزي في

стр. 124

الدنيا بإقامة الحد عليهم: خبر مجرد من الله تعالى، لا مدخل فيه للأمر والنهي، فَأُمِنَ دخول النسخ في شيء من ذلك، والحمد لله رب العالمين". اهـ (١) ويرد على هذا القول: بأن قتل العمد ورد فيه وعيد في الآخرة، كما ورد في آية الحرابة، فقال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)) [النساء: ٩٣]، مع أنَّ حديث عبادة ﵁ نص على أنَّ حد القصاص مكفر لإثم القتل، فهل يقال: إنَّ وعيد القاتل مخصوص فيه، وأن الحد لا يكفره؟! ويلزم من هذا القول أنَّ إقامة الحد على المحاربين غير مكفرٍ لهم، بل لا بد من التوبة مع الحد، وعليه فما الفائدة حينئذ من إقامة الحد، خصوصاً وقد ورد النص صريحاً بأن الحد مكفر للذنب، وهو نص عام في جميع الحدود. المذهب الثالث: وهو مذهب القائلين باشتراط التوبة لتكفير الحد للذنوب، وهؤلاء لا تعارض عندهم بين الآية والحديث؛ لأن الوعيد في الآية إنما هو في حق من لم يتب. وهذا المذهب هو اختيار: ابن جرير الطبري (٢)، وابن مفلح، وابن الهمام (٣). قال ابن مفلح: "وأما آية المحاربة فإنما فيها له عذاب في الآخرة .... ، ونحن نقول بها، لكن على إصراره وعدم توبته، لا على ذنب حُدَّ عليه". اهـ (٤) واعتُرِضَ: بأن حديث عبادة ﵁ ورد مطلقاً ولم يُقيّد بالتوبة، وورد أيضاً بصيغة العموم على كل من أقيم عليه الحد. المذهب الرابع: أنَّ الخزي الوارد في الآية إنما هو لمن عوقب في

стр. 125

الدنيا، وأما العذاب في الآخرة فهو لمن سَلِمَ في الدنيا ولم يُقَمْ عليه الحد. ذكره ابن عطية احتمالاً آخر في الجمع (١)، وتبعه أبو عبد الله القرطبي، وابن جزي، وأبو حيان، وابن عاشور. (٢) واعتُرِضَ: بأنه لو كان هذا المعنى هو المراد في الآية، لاستعمل حرف "أو" الذي يفيد التنويع، فيكون معنى الآية: (لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا أو عَذَابٌ عَظِيمٌ فِي الآخِرَةِ). المذهب الخامس: أنَّ حديث عبادة ﵁ محمول على حقوق الله تعالى؛ فإن الحد يكفرها، وأما حقوق العباد فلا يكفرها مجرد الحد، بل لا بد معه من التوبة، وإلا فالعذاب في الآخرة. ذكر هذا المذهب: الآلوسي، ونسبه للنووي. (٣) واعتُرِضَ: بأن في حديث عبادة ﵁ ما هو من حق الله تعالى، وحقوق المخلوقين؛ كالسرقة، ونحوها، ولم يفرق بينهما النبي ﷺ . المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ آية الحرابة عامة في المسلمين وغيرهم، إلا أنَّ وعيد الآخرة المذكور فيها خاص فيمن نزلت فيهم الآية: فعن أنس بن مالك ﵁: "أَنَّ نَفَرًا - مِنْ عُكْلٍ، وَعُرَيْنَةَ (٤) - تَكَلَّمُوا

стр. 126

بِالْإِسْلاَمِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَرْعٍ، وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ رِيفٍ، وَشَكَوْا حُمَّى الْمَدِينَةِ؛ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ (١)، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ؛ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَكَانُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، فَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ (٢)، وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَتُرِكُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، يَقْضَمُونَ حِجَارَتَهَا حَتَّى مَاتُوا". قَالَ قَتَادَةُ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). (٣) وعن عبد الله بن عمر ﵁: "أَنَّ نَاسًا أَغَارُوا عَلَى إِبِلِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاسْتَاقُوهَا وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلاَمِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤْمِنًا؛ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، قَالَ: وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ". (٤) ففي هذين الحديثين أنَّ هؤلاء العرنيين سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إسلامهم، وحاربوا الله ورسوله، فكان جزاؤهم أنَّ لهم خزياً في الدنيا - وهو ما نُفِّذَ فيهم من التقطيع والتقتيل - ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ بسبب أنهم قُتِلوا وهم مرتدين. وأما أهل الحرابة من المسلمين فإنهم غير داخلين في هذا الوعيد، أعني قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وذلك لحديث عبادة ﵁، في أنَّ من أقيم عليه الحد من المسلمين فهو كفارة له.

стр. 127

وحديث عبادة وسبب النزول مخصص لعموم الآية في وعيد الآخرة فقط، وأما باقي الآية فهي على عمومها. قال الحافظ ابن كثير: "والصحيح أنَّ هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات". (١) يعني في إقامة الحد عليهم. ويؤيد هذا الاختيار: ١ - أنَّ حديث عبادة ﵁ ورد ابتداء من غير سبب؛ وأما الآية فإنها نزلت على سبب خاص، وعموم النص الوارد ابتداء من غير سبب، أقوى وأولى بالتقديم من عموم النص الوارد على سبب خاص. (٢) ٢ - أنَّ تخصيص أحد الدليلين بالآخر، أولى من تخصيصهما معاً. ٣ - أنَّ قصر بعض أفراد العام على سببه، أولى من قصر جميع أفراده على سبب النزول؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ٤ - ومما يؤكد أنَّ الوعيد في الآية لغير المسلمين: ورود لفظ "الخزي" فيها، وهذا اللفظ الأغلب وروده في القرآن الكريم في حق الكفار. (٣)

стр. 128

فإن قيل: إنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلم قصرتم الآية على سببها؟ فالجواب: أننا لم نقصر الآية كلها على سببها، وإنما قصرنا وعيد الآخرة فقط، على أنه لا مانع من قصر اللفظ العام على سببه، لدليل يوجب ذلك؛ كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)) [النور: ٢٣]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذه الآية في أزواج النبي ﷺ خاصة، في قول كثير من أهل العلم، فعن ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)) قال: نزلت في عائشة خاصة. (١) وعنه قال: هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ ، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي ﷺ التوبة، ثم قرأ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)) [النور: ٤]، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي ﷺ توبة، ثم تلا هذه الآية: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ٢٣] (٢). فقد بيّن ابن عباس أنَّ هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين خاصة.

стр. 129

وقد وافق ابنَ عباس جماعةٌ؛ فعن سعيد بن جبير أنه سُئِلَ: الزنا أشد أو قذف المحصنة؟ فقال: لا; بل الزنا. فقيل له: فإن الله تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة. (١) وعن أبي الجوزاء في هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) قال: هذه الآية لأمهات المؤمنين خاصة. (٢) وعن الضحاك في هذه الآية قال: هن نساء النبي ﷺ (٣) ". اهـ (٤) ومن هذا المثال يتضح أنَّ قصر اللفظ العام على سببه لا مانع منه؛ إذا وُجِدَ الدليل الذي يوجب ذلك؛ فالوعيد في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)) لا يمكن إجراؤه على عمومه في كل من قذف مؤمنة؛ لأن الله تعالى قد جعل للقذف عقوبة مقدرة شرعاً في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)) [النور: ٤]؛ ولأن اللعن في الدنيا والآخرة لا يستقيم فيمن أقيم عليه الحد؛ إذ الحد كفارة له، فوجب أنْ يكون الوعيد في الآية مقصوراً على من نزلت الآية بسببه، وهم قذفة عائشة ﵂، وكذا آية الحرابة؛ فإنه لا مانع من قصر الوعيد فيها على من نزلت الآية بسببه، وهم العرنيون الذين قُتِلُوا مرتدين. هذا ما تبين لي في هذه المسألة، وأما بقية الأقوال فلا تخلو من نظر، وقد ذكرت الإيرادات عليها عند ذكرها، والله تعالى أعلم.

стр. 130

المسألة [٦]: في عصمة الله تعالى لنبيه ﷺ من الناس . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)) [المائدة: ٦٧]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية: وردت أحاديث تفيد بظاهرها أنَّ النبي ﷺ أصابه بعضُ الأذى من قومه، ومن هذه الأحاديث: أنه شُجَّ يوم أحد، وسُحِرَ، وسَمّته امرأةٌ يهودية. (٩) ـ (٨): فعن أنس ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ (١) يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ (٢) فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران: ١٢٨] ". (٣)

стр. 131

(١٠) ـ (٩): وعن عائشة ﵂ قالت: "سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ". (١) (١١) ـ (١٠): وعنها قالت: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذَا أَوَانُ (٢) وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي (٣) مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ". (٤)

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 134

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث: ظاهرُ الآية الكريمة عمومُ عصمةِ الله تعالى لنبيه ﷺ من الناس، وأما الأحاديث ففيها أنَّ النبي ﷺ أُصيب ببعض الأذى من قومه، وهذا يُوهِمُ خلاف الآية، التي وعدت بالعصمة مُطلقاً. (١)

стр. 135

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث: اختلفت أجوبة العلماء في هذه المسألة؛ بسبب تعدد الوقائع الواردة فيها، وسأذكر أجوبتهم حسب كل واقعة: أولاً: أجوبة العلماء عن خبر شجه، وكسر رباعيته ﷺ في غزوة أحد: للعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب: الأول: أنَّ ما وقع للنبي ﷺ في غزوة أحد محمول على أحد أمرين: ١ - إما أنَّ ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)؛ لأن سورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن. ٢ - أو أنَّ المراد بالآية عصمته ﷺ من القتل والهلاك. وهذا مذهب الجمهور من المفسرين، والمحدثين. (١) المذهب الثاني: أنَّ الآية مخصوصة، والمراد عصمته ﷺ من القتل والهلاك، فقط. وهذا مذهب: الشافعي، والزمخشري، وابن مفلح، وابن حجر الهيتمي، والسيوطي، وابن عاشور، وابن باز. (٢) والفرق بين هذا المذهب والذي قبله، أن القائلين بالمذهب الأول

стр. 136

أجابوا بكلا الوجهين، بخلاف أصحاب المذهب الثاني فقد اقتصروا على الوجه الثاني فقط. ويرد على هذين المذهبين: أنَّ النبي ﷺ سمّته امرأةٌ يهودية، حتى قال: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ؛ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ". (١) فهذه الحادثة وقعت في غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة (٢)، وهي بعد نزول الآية. (٣)

стр. 137

وفي هذا الحديث أنَّ النبي ﷺ مات بسبب ذلك السم، ويلزم منه أنه لم يُعصم من القتل. (١) وأجاب بعضهم: بأنَّ الله تعالى ضمن لنبيه ﷺ العصمة من القتل حال التبليغ فقط. (٢) المذهب الثالث: أنَّ المراد بالعصمة: الحفظ من صدور الذنب، والمعنى: بلغ والله تعالى يعصمك من بين الناس أن يقع منك ذنب. ذكر هذا المذهب: البغوي، والآلوسي. (٣) ويَرُدُّه: أنَّ سياق الآية إنما هو في الحديث عن عصمته ﷺ من أذى الناس، لا من الذنوب؛ لأنَّ الله تعالى أمر نبيه ﷺ بالتبليغ، والذي يناسب هذا الأمر الوعد بالعصمة من أذى الناس، لا العصمة من الذنوب، إذ لا تلازم بينهما. ثانياً: أجوبة العلماء عن خبر سحره ﷺ -: للعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب: الأول: أنَّ ما تعرض له النبي ﷺ من سحر، هو مرض من الأمراض، وعارض من العلل، وهذه تجوز على الأنبياء كغيرهم من البشر، وهي مما لا يُنكر ولا يَقدحُ في النبوة، ولا يُخِلُّ بالرسالة أو الوحي، والله سبحانه إنما عصم نبيه ﷺ مما يحول بينه وبين الرسالة وتبليغها، وعصمه من القتل، دون العوارض التي تعرض للبدن. وهذا مذهب: الخطابي (٤)، والمازري (٥)، وابن القيم، والعيني (٦)، والسندي (٧)،

стр. 138

وابن باز (١). (٢) وحكاه القاضي عياض، حيث قال: "وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يُدْخِلُ عليه داخلةً في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروُّه عليه في أمر دنياه، التي لم يُبعث بسببها ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنْ يُخيَّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان .... ، ولم يأتِ في خبرٍ أنه نُقِلَ عنه في ذلك قولٌ بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات". اهـ (٣) وقال ابن القيم: "السحر الذي أصابه ﷺ كان مرضاً من الأمراض عارضاً شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما؛ فإنَّ المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء؛ فقد أُغْمِيَ عليه ﷺ في مرضه (٤)، ووقع حين انفكت قدمه، وجُحِشَ (٥) شِقُّهُ (٦)، وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته، ونيل كرامته، وأشد الناس بلاءً الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به، من القتل والضرب والشتم والحبس، فليس بِبدعٍ أن يُبتلى النبي ﷺ من بعض أعدائه بنوعٍ من السحر، كما ابتُلي بالذي رماه فشجه، وابتُلي بالذي ألقى على ظهره السلا (٧) وهو ساجد (٨)، وغير ذلك، فلا نقص عليهم ولا عار

стр. 139

في ذلك؛ بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله". اهـ (١) المذهب الثاني: أنَّ السحر إنما تسلط على ظاهر النبي ﷺ وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، ومعنى الآية: عصمة القلب والإيمان، دون عصمة الجسد عما يَرِدُ عليه من الحوادث الدنيوية. وهذا مذهب القاضي عياض (٢)، وابن حجر الهيتمي (٣)، وأبي شهبة (٤). المذهب الثالث: أنَّ ما روي ـ من أنَّ النبي ﷺ سُحِرَ ـ باطلٌ لا يصح، بل هو من وضع الملحدين. وهذا مذهب المعتزلة (٥). وتأثر بمذهبهم هذا: من الأوائل: أبو بكر الجصاص، ومن المُعاصرين: محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، والقاسمي. (٦) قال الجصاص: "زعموا أنَّ النبي ﷺ سُحِرَ، وأنَّ السحر عَمِلَ فيه ... ، ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين، تلعباً بالحشو الطُغام (٧)، واستجراراً لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء ﵈، والقدح فيها، وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأنَّ جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈ وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة، مع قوله تعالى: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طه: ٦٩]، فَصَدَّقَ هؤلاء مَنْ كذَّبَهُ الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله.

стр. 140

وجائزٌ أن تكون المرأةُ اليهودية بجهلها فعلتْ ذلك ظناً منها بأن ذلك يعمل في الأجساد، وقصدتْ به النبي ﷺ ; فأطلعَ اللهُ نبيه على موضع سرها، وأظهر جهلها فيما ارتكبتْ وظنتْ؛ ليكون ذلك من دلائل نبوته، لا أنَّ ذلك ضَرَّهُ وخلَّطَ عليه أمره، ولم يقل كلُ الرواةِ إنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زِيدَ في الحديث، ولا أصل له". اهـ (١) ومجمل حجة هؤلاء أنَّ القول بأن النبي ﷺ سُحِر يلزم منه: ١ - إبطال معجزات الأنبياء ﵈ والقدح فيها. ٢ - ويلزم منه الخلط بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة. ٣ - ويلزم منه أن يكون تصديقاً لقول الكفار: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) [الفرقان: ٨]، وقال قوم صالح له: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) [الشعراء: ١٥٣]، وكذا قال قوم شعيب له. ٤ - قالوا: والأنبياء لا يجوز عليهم أن يُسحروا؛ لأن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم. (٢) وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ والذي فيه أنَّ النبي ﷺ سُحِر ـ بأنه مما تفرد به هشام بن عروة (٣)، عن أبيه، عن عائشة. وأنه غَلَطَ فيه، واشتبه عليه الأمر. (٤) واعتُرِضَ: ١ - بأنَّ قوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا)، وقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) المراد به: من سُحر حتى جُنَّ وصار كالمجنون الذي زال عقله؛ إذ المسحور الذي لا يُتبع هو من فسد عقله بحيث لا يَدْري ما يقول، فهو كالمجنون، ولهذا قالوا فيه: (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) [الدخان: ١٤]، وأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض التي يُصاب بها الناس؛ فإنه لا يمنع ذلك من

стр. 141

اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يُحَذِّرون به سفهاءهم من أتباعهم، وهو أنهم قد سُحِروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين، ولهذا قال تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)) [الإسراء: ٤٨]. ٢ - وأما قولهم: إنَّ سحر الأنبياء يُنافي حماية الله تعالى لهم؛ فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم؛ فإنه يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم؛ ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فإنهم إذا رأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم. (١) ٣ - وأما قولهم: بأن حديث عائشة هو مما تفرد به هشام بن عروة؛ فجوابه: أنَّ ما قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم؛ فإن هشاماً من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير، والسنن والحديث، والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله ﷺ وأيامه من غيرهم. والحديث لم يتفرد به هشام؛ فقد رواه الأعمش، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: "سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا؛ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَخْرَجُوهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ". (٢) (٣)

стр. 142

ثالثاً: أجوبة العلماء عن قصة السُّمِّ الذي وُضِعَ له ﷺ -: للعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب: الأول: أنَّ ما حصل له ﷺ من وضع السم لا يُعارض الآية؛ لأن المراد عصمته من القتل حال تبليغه للوحي، والمعنى: بلغ، وأنت حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتدِ عليه ﷺ أحدٌ أبداً حال تبليغه. وهذا مذهب: الشيخ محمد بن صالح العثيمين. (١) وبنحوه قال ابن عطية (٢)، وذكره الآلوسي في تفسيره (٣). المذهب الثاني: أنَّ المراد عصمته من القتل على وجه القهر والغلبة والتسليط، وأنَّ هذا لم يقع. ذكره: ابن مفلح. (٤) المذهب الثالث: أنَّ ما رُويَ من وجود الألم وانقطاع أبهره ﷺ : مرسل أو منقطع، وهذه الرواية لا تقاوم الرواية المتفق على صحتها، التي لم يذكر فيها أنَّ السم أثر فيه ﷺ . ذكره: ابن مفلح. (٥) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ الله تعالى ضمن لنبيه ﷺ العصمة من القتل فقط، دون العوارض التي تعرض للبدن، فتكون الآية من العام الذي أريد به الخصوص، وما تعرَّض له النبي ﷺ من الأذى في أحد، ومن السحر والسم، لا يُنافي العصمة؛ لأن شيئاً من ذلك لم يكن له أثر على

стр. 143

حياته ﷺ ، بل هذا مما أراد الله تعالى به إعلاء منزلة نبيه ﷺ ، وقد أخبر النبي ﷺ أنَّ أشد الناس بلاء هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (١)، وأخبر بأن الله إذا أحب عبداً أصاب منه (٢)، ونبينا ﷺ هو حبيب الرحمن وخليله، وهذه المحبة والخلة تستدعي أن يُبتلى كما أخبر، وإذ الأمر كذلك فإنَّ ما أصيب به ﷺ هو مما أراد الله تعالى به إكرامه وتكميل مراتب الفضل له. ومما يدل على أنَّ المراد بـ"العصمة" في الآية العصمة من القتل فقط: ١ - قول النبي ﷺ للمرأة التي وضعت له السم: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ" (٣)، فهذا يدل على أنَّ النبي ﷺ فهم من الآية أنَّ الله قد عصمه من القتل فقط. ٢ - ويدل عليه أيضاً أنَّ النبي ﷺ تعرض لمحاولات قتل كثيرة، فعصمه الله تعالى كما وعده، ولم يستطع أحد أن يناله بشيء. (٤)

стр. 144

الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار: الإيراد الأول: أنَّ لفظ الآية عام في عصمته ﷺ من كل شيء، وتخصيصها بالقتل فقط تحكم بلا دليل. والجواب: أنَّ القول بعمومها فيه مصادمة للوقائع التي جرت للنبي ﷺ ، ومحال أن يَعِدَ الله نبيه بالعصمة مطلقاً ثم يقع خِلاف ذلك، فدل على أنَّ الله تعالى لم يُرِدْ العصمة مطلقاً، وإنما أراد القتل فقط. الإيراد الثاني: أنَّ النبي ﷺ أخبر بأن السم الذي وضع له بخيبر لم يزل مؤثراً فيه حتى أدى به إلى الوفاة؛ فيكون مات قتيلاً بسببه. والجواب: أنَّ النبي ﷺ لم يمت في الحال من ذلك السم الذي وضع له، بل عاش بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه، فلو كان السُّمُّ قد أثر فيه لمات في الحال، كما مات الصحابي بشر بن البراء ﵁ الذي أكل معه - والنبي ﷺ لم يمت إلا بعد أن أكمل الله تعالى دينه، وشاء سبحانه أن يُظْهِر أثر السم قُرْبَ وفاته لِمَا أراد مِنْ إكرامه بالشهادة، وتكميل مراتب الفضل كلها له ﷺ . (١)

стр. 145

المسألة [٧]: في تعذيب الميت ببكاء الحي . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]. (١) المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (١٢) ـ (١١): قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". (٢)
следующие страницы →