← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان، وإنما قذفوهم بما يُحَذِّرون به سفهاءهم من أتباعهم، وهو أنهم قد سُحِروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين، ولهذا قال تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)) [الإسراء: ٤٨]. ٢ - وأما قولهم: إنَّ سحر الأنبياء يُنافي حماية الله تعالى لهم؛ فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم؛ فإنه يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم؛ ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فإنهم إذا رأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم. (١) ٣ - وأما قولهم: بأن حديث عائشة هو مما تفرد به هشام بن عروة؛ فجوابه: أنَّ ما قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم؛ فإن هشاماً من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير، والسنن والحديث، والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله ﷺ وأيامه من غيرهم. والحديث لم يتفرد به هشام؛ فقد رواه الأعمش، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: "سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا؛ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَخْرَجُوهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ". (٢) (٣)

стр. 142

ثالثاً: أجوبة العلماء عن قصة السُّمِّ الذي وُضِعَ له ﷺ -: للعلماء في الجواب عن هذه الحادثة ثلاثة مذاهب: الأول: أنَّ ما حصل له ﷺ من وضع السم لا يُعارض الآية؛ لأن المراد عصمته من القتل حال تبليغه للوحي، والمعنى: بلغ، وأنت حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتدِ عليه ﷺ أحدٌ أبداً حال تبليغه. وهذا مذهب: الشيخ محمد بن صالح العثيمين. (١) وبنحوه قال ابن عطية (٢)، وذكره الآلوسي في تفسيره (٣). المذهب الثاني: أنَّ المراد عصمته من القتل على وجه القهر والغلبة والتسليط، وأنَّ هذا لم يقع. ذكره: ابن مفلح. (٤) المذهب الثالث: أنَّ ما رُويَ من وجود الألم وانقطاع أبهره ﷺ : مرسل أو منقطع، وهذه الرواية لا تقاوم الرواية المتفق على صحتها، التي لم يذكر فيها أنَّ السم أثر فيه ﷺ . ذكره: ابن مفلح. (٥) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ الله تعالى ضمن لنبيه ﷺ العصمة من القتل فقط، دون العوارض التي تعرض للبدن، فتكون الآية من العام الذي أريد به الخصوص، وما تعرَّض له النبي ﷺ من الأذى في أحد، ومن السحر والسم، لا يُنافي العصمة؛ لأن شيئاً من ذلك لم يكن له أثر على

стр. 143

حياته ﷺ ، بل هذا مما أراد الله تعالى به إعلاء منزلة نبيه ﷺ ، وقد أخبر النبي ﷺ أنَّ أشد الناس بلاء هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (١)، وأخبر بأن الله إذا أحب عبداً أصاب منه (٢)، ونبينا ﷺ هو حبيب الرحمن وخليله، وهذه المحبة والخلة تستدعي أن يُبتلى كما أخبر، وإذ الأمر كذلك فإنَّ ما أصيب به ﷺ هو مما أراد الله تعالى به إكرامه وتكميل مراتب الفضل له. ومما يدل على أنَّ المراد بـ"العصمة" في الآية العصمة من القتل فقط: ١ - قول النبي ﷺ للمرأة التي وضعت له السم: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ" (٣)، فهذا يدل على أنَّ النبي ﷺ فهم من الآية أنَّ الله قد عصمه من القتل فقط. ٢ - ويدل عليه أيضاً أنَّ النبي ﷺ تعرض لمحاولات قتل كثيرة، فعصمه الله تعالى كما وعده، ولم يستطع أحد أن يناله بشيء. (٤)

стр. 144

الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار: الإيراد الأول: أنَّ لفظ الآية عام في عصمته ﷺ من كل شيء، وتخصيصها بالقتل فقط تحكم بلا دليل. والجواب: أنَّ القول بعمومها فيه مصادمة للوقائع التي جرت للنبي ﷺ ، ومحال أن يَعِدَ الله نبيه بالعصمة مطلقاً ثم يقع خِلاف ذلك، فدل على أنَّ الله تعالى لم يُرِدْ العصمة مطلقاً، وإنما أراد القتل فقط. الإيراد الثاني: أنَّ النبي ﷺ أخبر بأن السم الذي وضع له بخيبر لم يزل مؤثراً فيه حتى أدى به إلى الوفاة؛ فيكون مات قتيلاً بسببه. والجواب: أنَّ النبي ﷺ لم يمت في الحال من ذلك السم الذي وضع له، بل عاش بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه، فلو كان السُّمُّ قد أثر فيه لمات في الحال، كما مات الصحابي بشر بن البراء ﵁ الذي أكل معه - والنبي ﷺ لم يمت إلا بعد أن أكمل الله تعالى دينه، وشاء سبحانه أن يُظْهِر أثر السم قُرْبَ وفاته لِمَا أراد مِنْ إكرامه بالشهادة، وتكميل مراتب الفضل كلها له ﷺ . (١)

стр. 145

المسألة [٧]: في تعذيب الميت ببكاء الحي . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]. (١) المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (١٢) ـ (١١): قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". (٢)

стр. 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 149

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر الآية الكريمة أَنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ أحداً بوزر غيره، وأما الحديث الشريف ففيه أنَّ الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآية؛ لأن بكاء أهله عليه ليس من فعله. (١) قال الشنقيطي: يَرِدُ على هذه الآية الكريمة سؤال: وهو ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵄، من أَنَّ الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره؟ إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره. اهـ (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: أجمع العلماء على أَنَّ المراد بالبكاء في الحديث هو الذي يكون بصوتٍ وندبٍ ونياحة، وأما مجرد دمع العين فلا يدخل في الحديث، وقد حكى الإجماع النووي ﵀. (٣) ومستند الإجماع قوله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ

стр. 150

الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". (١) ولا إشكال في مؤاخذة الحي بالندب والنياحة؛ لأنَّ ذلك أمر منهي عنه (٢)، وإنما الإشكال في مؤاخذة الميت بذلك. (٣) وقد اختلف العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث على مسلكين: الأول: مسلك الجمع بين الآية والحديث: وعلى هذا المسلك عامة العلماء، من محدثين، ومفسرين، وفقهاء؛ إلا أنهم اختلفوا في الجمع على مذاهب: الأول: حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها، وتأويل الآية. ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ الميتَ يُعذَّبُ بمجرد بكاء أهله عليه، وإن لم يكن له تسبب في ذلك. وهذا مذهب: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ﵄. (٤) أما مذهب عمر ﵁، فيدل عليه قصته مع صهيب، فعن ابن عباس ﵁ قال: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ (٥) إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ

стр. 151

ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". (١) قال الحافظ ابن حجر: "ويُحتمل أن يكون عمر ﵁ كان يرى أَنَّ المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادراً على النهي ولم يقع منه؛ فلذلك بادر إلى نهي صهيب، وكذلك نهى حفصة، كما رواه مسلم (٢) من طريق نافع عن ابن عمر عنه". اهـ (٣) وأما مذهب عبد الله بن عمر ﵁ فيدل عليه: أنه شهد جنازة رافع بن خديج وقام النساء يبكين على رافع فأجلسهن مراراً ثم قال لهن: "ويحكن إنَّ رافع بن خديج شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب، وإنَّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه". (٤)

стр. 152

واختار هذا المذهب: الأُبِّيّ (١)، والشوكاني، وابن باز، ﵏. (٢) واستدلوا له: ١ - بأنَّ لله تعالى أن يتصرف في خلقه كما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل سبحانه. (٣) ٢ - أَنَّ الله تعالى أخبر بأنه قد يُعذب في الدنيا من لا ذنب له، بسبب ذنب غيره، كما في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥]، يريد أنها تعم فتُصيب الظالم وغيره، وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)) [الروم: ٤١]، وقالت زينب بنت جحش ﵂: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" (٤)، وقد أغرق الله تعالى أمة نوح ﵇ كلها، وفيهم الأطفال والبهائم، وذلك بذنوب البالغين، وأهلك قوم عاد بالريح العقيم، وثمود بالصاعقة، وقوم لوط بالحجارة، ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، وعذب بعذابهم الأطفال، وإذ الأمر كذلك فإن حال البرزخ تُلْحَقُ بحال الدنيا، فيجوز التعذيب فيها بسبب ذنب الغير، كما

стр. 153

في الدنيا. (١) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآية: بأنها عامة، والحديث مُخصص لعمومها، والسنة تُخصص عموم القرآن على الصحيح. (٢) قال الشوكاني: "وأنت خبير بأنَّ الآية عامة; لأن الوِزْرَ المذكور فيها واقع في سياق النفي، والأحاديث المذكورة مشتملة على وِزْرٍ خاص، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الأحادية هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور (٣)، فلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا العموم، ولا ملجأ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية .... ، والأحاديث التي ذُكِرَ فيها تعذيبٌ مختصٌ بالبرزخ، أو بالتألم، أو بالاستعبار - كما في حديث قيلة (٤) (٥) - لا تدل على اختصاص التعذيب المطلق في الأحاديث بنوع منها; لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشيء بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره، فلا إشكال من هذه الحيثية، وإنما الإشكال في التعذيب بلا ذنب، وهو مخالف لعدل الله وحكمته، على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحسن عندها في مقتضى الحكمة، كالوصية من الميت بالنوح، وإهمال نهيهم عنه، والرضا به، وهذا يئول إلى مسألة التحسين والتقبيح والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف (٦)،

стр. 154

ونقول: ثبت عن رسول الله ﷺ "أَنَّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فسمعنا وأطعنا، ولا نزيد على هذا". اهـ (١) وكذا قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لما سُئِلَ عن الجمع بين الآية والأحاديث، فأجاب: "ليس هناك تعارض بين الأحاديث والآية .... ، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث ابن عمر، ومن حديث المغيرة وغيرهما في الصحيحين، وليس في البخاري وحده، أَنَّ النبي ﷺ قال: "إن الميت يعذب بما يناح عليه"، وفي رواية للبخاري: "ببكاء أهله عليه" .... ، والرسول ﷺ قصد بهذا منع الناس من النياحة على موتاهم، وأن يتحلوا بالصبر ويكفوا عن النوح .... ، فالميت يعذب بالنياحة عليه من أهله، والله أعلم بكيفية العذاب الذي يحصل له بهذه النياحة، وهذا مستثنى من قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]؛ فإنَّ القرآن والسنة لا يتعارضان، بل يصدق أحدهما الآخر، ويفسر أحدهما الآخر؛ فالآية عامة والحديث خاص، والسنة تفسر القرآن وتبين معناه؛ فيكون تعذيب الميت بنياحة أهله عليه مستثنى من الآية الكريمة، ولا تعارض بينها وبين الأحاديث". اهـ (٢) ولابن قتيبة رأيان في المسألة: الأول: موافقة عائشة ﵂، كما سيأتي. والثاني: أَنَّ الآية خاصة في أحكام الدنيا. قال ابن قتيبة: "وأما قولهم كيف يُعذَّب الميتُ ببكاء الحي، والله تعالى يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)؟ فإنا أيضاً نظن أَنَّ التعذيب للكافر ببكاء أهله عليه، وكذلك قال ابن عباس (٣) إنه مرَّ بقبر يهودي فقال: إنه يعذب وإن أهله ليبكون عليه؛ فإن كان كذلك فهذا مالا يُوحِش؛ لأن الكافر يُعذب على كل

стр. 155

حال، وإن كان أراد المسلم المقصر؛ فإن قول الله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) إنما هو في أحكام الدنيا، وكان أهل الجاهلية يطلبون بثأر القتيل فيقتل أحدهم أخاه أو أباه أو ذا رحم به، فإذا لم يقدر على أحد من عصبته ولا ذوي الرحم به قتل رجلاً من عشيرته، فأنزل الله ﵎: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (١)، وأخبرنا أيضاً أنه مما أنزل على إبراهيم ﵇ (٢)، ولذلك قال رسول الله ﷺ لرجل رأى معه ابنه: "لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ" (٣) ". اهـ (٤) وذهب الكرماني إلى أَنَّ الآية خاصة في أحكام الآخرة؛ إذ المراد بها الإخبار عن حال الآخرة، وأما الحديث ففيه الإخبار عن حال البرزخ، وحال البرزخ تلحق بأحوال الدنيا، والتي يجوز فيها التعذيب بذنب الغير، وعليه فلا يكون هناك تعارض بين الآية والحديث. (٥) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن حديث عائشة ﵂، والذي فيه تخصيص ذلك بالكافر: فقال الشوكاني: "وأما ما روته عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "ذلك في الكافر أو في يهودية معينة" فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة; لأن روايتهم مشتملة على زيادة، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفي الحكم عن بقية الأفراد، لما تقرر في الأصول من عدم صحة التخصيص

стр. 156

بموافق العام". اهـ (١) وقال سماحة الشيخ ابن باز: "وأما قول عائشة ﵂ فهذا من اجتهادها وحرصها على الخير، وما قاله النبي ﷺ مقدم على قولها وقول غيرها لقول الله سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [الشورى: ١٠] وقوله : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: ٥٩] والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله الموفق". اهـ (٢) المذهب الثاني: حمل الآية على ظاهرها وتأويل الأحاديث. وهذا مذهب الجمهور من العلماء حيث ذهبوا إلى تأويل الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، لما فيها من مخالفة لعمومات القرآن، وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له، لكن اختلفوا في التأويل على أقوال: الأول: أَنَّ الباء في قوله ﷺ : "ببكاء أهله" هي للحال، والمعنى: أَنَّ مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أَنَّ شدة بكائهم غالباً إنما تقع عند دفنه، وهو في تلك الحالة يُسْأل، ويبتدئ به عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: أَنَّ الميت يعذب حال بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سبباً لتعذيبه. (٣) حكى هذا القول: الخطابي، والمازري، وابن الجوزي. (٤) الإيرادات والاعتراضات على هذا القول: قال الحافظ ابن حجر: "ولا يخفى ما في هذا القول من التكلف، ولعل قائله إنما أخذه من قول عائشة ﵂: إنما قال رسول الله ﷺ : "إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ" (٥)، وعلى هذا يكون خاصاً ببعض

стр. 157

الموتى". اهـ (١) وضعفه الطيبي بناء على رواية: "ببكاء الحي": ورواية: "يعذب في قبره بما نيح عليه"، حيث يرى أَنَّ هاتين الروايتين تردان القول بأن الباء للحال. (٢) وقال ابن القيم: "وهذا المسلك باطل قطعاً؛ فإنه ليس كل ميت يعذب، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية كما فهمه أعظم الناس فهماً؛ ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية؛ ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه المغيرة (٣) يُبطل هذا التأويل؛ ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه". اهـ (٤) القول الثاني: أَنَّ اللام في قوله ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ" هي لمعهود معين، وهي يهودية مَرَّ بها النبي ﷺ فقال الحديث، والراوي سمع بعض الحديث، ولم يسمع بعضه الآخر. وهذا هو الظاهر من رواية عمرة (٥)، وعروة (٦)، عن عائشة ﵂.

стр. 158

وهو اختيار: القاضي أبي بكر الباقلاني (١) (٢)، والخطابي - في أحد قوليه (٣). واحتجوا له: بأن حديث عمر بن الخطاب، وابنه، مجمل، وحديث عائشة مُفَسَّر، والمفسر مقدم على المجمل. (٤) القول الثالث: أَنَّ التعذيب المذكور في الحديث مختص بالكافر؛ فإن الله يزيده عذاباً ببكاء أهله عليه، وأما المؤمن فلا يعذب بذنب غيره أبداً. قال الحافظ ابن حجر: "وهو بين من رواية ابن عباس عن عائشة". (٥) قلت: رواية ابن عباس أخرجها البخاري (٦)، ومسلم (٧)، من طريق عبد الله بن عبيدالله بن أبي مُلَيْكَةَ قال: "تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ

стр. 159

فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا". (١) وقد ذهب الإمام الشافعي إلى تصويب عائشة ﵂ فيما ذهبت إليه، حيث قال: "وما روت عائشة عن رسول الله أشبه أن يكون محفوظاً عنه ﷺ ، بدلالة الكتاب ثم السنة. فإن قيل: فأين دلالة الكتاب؟ قيل: في قوله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، و (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩]، وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)) [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) [طه: ١٥]. قال الشافعي: وعمرة أحفظ عن عائشة من ابن أبي مليكة، وحديثها أشبه الحديثين أن يكون محفوظاً؛ فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي ﷺ : "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها" فهو

стр. 160

واضح لا يحتاج إلى تفسير؛ لأنها تعذب بالكفر، وهؤلاء يبكون ولا يدرون ما هي فيه، وإن كان الحديث كما رواه ابن أبي مليكة فهو صحيح؛ لأن على الكافر عذاباً أعلى، فإن عذب بدونه فزيد في عذابه فيما استوجب وما نيل من كافر من عذاب أدنى من أعلى منه، وما زيد عليه من العذاب فباستيجابه لا بذنب غيره في بكائه عليه. فإن قيل: يزيده عذاباً ببكاء أهله عليه؟ قيل: يزيده بما استوجب بعمله ويكون بكاؤهم سبباً، لا أنه يُعذب ببكائهم. فإن قيل: أين دلالة السنة؟ قيل: قال رسول الله ﷺ لرجل: "ابنك هذا؟ قال: نعم. قال: "أَمَا إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ" (١)، فأعلم رسول الله ﷺ مثل ما أعلم الله من أَنَّ جناية كل امرئ عليه كما عمله له لا لغيره ولا عليه". اهـ (٢) وذكر ابن عبد البر أَنَّ ما ذهب إليه الشافعي هو تحصيل مذهب الإمام مالك؛ لأن مالكاً ذكر حديث عائشة في موطئه (٣)، ولم يذكر خلافه عن أحد. (٤) الإيرادات والاعتراضات على مذهب عائشة ﵂: إن المتأمل في الروايات الواردة عن عائشة ﵂ يلحظ فيها شيئاً من الاختلاف، فهي مرة تؤول الحديث بأنه حكاية حال عن امرأة يهودية تُعذب في قبرها، ومرة تذكر بأنه يهودي وليست يهودية، ومرة أخرى تؤول الحديث بأن الكافر يزيده الله عذاباً ببكاء أهله عليه، وهي في كل ذلك ترفع هذه التأويلات للنبي ﷺ . وقد تكلم العلماء على مذهب عائشة وما أوردته من تأويلات: فقال الحافظ ابن حجر: "وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه

стр. 161

إشعار بأنها لم تَرُد الحديثَ بحديثٍ آخر؛ بل بما استشعرته من معارضة القرآن". اهـ (١) وقال الداوودي (٢): "رواية ابن عباس عن عائشة أثبتت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصته بالكافر؛ لأنها أثبتت أَنَّ الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء". اهـ (٣) وقال ابن الجوزي: "وهذا الجواب لا أعتمد عليه لثلاثة أوجه: أحدها: أَنَّ ما روته عائشة حديث وهذا حديث، ولا تناقض بينهما، بل لكل واحد منهما حكمه. والثاني: أنها أنكرت برأيها وقالت بظنها، وقول الرسول ﷺ إذا صح لا يلتفت معه إلى رأي. والثالث: أَنَّ ما ذكرته لم يُحْفَظْ إلا عنها، وذلك الحديث محفوظ عن عمر، وابن عمر، والمغيرة، وهم أولى بالضبط منها". اهـ (٤) وقال أبو العباس القرطبي - بعد أن أورد إنكار عائشة ﵂: "وهذا فيه نظر؛ أما إنكارها ونسبة الخطأ لراويه فبعيد، وغير بيّن ولا واضح، وبيانه من وجهين: أحدهما: أَنَّ الرواة لهذا المعنى كثير؛ عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقْدِمَ على ردِّ خبر جماعة مثل هؤلاء - مع إمكان حمله على محمل الصحيح - فلأن يُرَدَّ خبر راوٍ واحد أولى، فرد خبرها أولى، على أَنَّ الصحيح: ألا يرد واحد من تلك الأخبار، وينظر في معانيها كما نبينه. وثانيهما: أنه لا معارضة بين ما روتْ هي، ولا ما رَوَوْا هم؛ إذ كل واحد منهم أخبر عما سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان. وأما استدلالها على رد ذلك بقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)

стр. 162

[الأنعام: ١٦٤] فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نبديه من معنى الحديث إن شاء الله". اهـ (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أنكر طوائف من السلف الأحاديث الواردة في ذلك، وغلَّطوا الرواة لها، واعتقدوا أَنَّ ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، وهذه طريقة عائشة، والشافعي، وغيرهما .... ، والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الأشعري وغيرهم لا تُرد بمثل هذا، وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك. ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئاً، وعائشة ﵂ روت عن النبي ﷺ لفظين - وهي الصادقة فيما نقلته - فروت عن النبي ﷺ قوله: "إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه"، وهذا موافق لحديث عمر؛ فإنه إذا جاز أن يزيده عذاباً ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله. اهـ (٢) وقال ابن القيم: "وإنكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه؛ فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد، خصوصاً في حق خمسة من أكابر الصحابة، وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر، ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه"؛ فإذا لم يمنع زيادة الكافر عذاباً بفعل غيره - مع كونه مخالفاً لظاهر الآية - لم يمنع ذلك في حق المسلم؛ لأن الله سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، والله أعلم". اهـ (٣) وقال الأُبِّيّ: "تواترت الأحاديث بإثبات عذاب القبر، والتعذيب فيه

стр. 163

ببكاء الحي صورة من صور التعذيب، وصحت فيه هذه الأحاديث فأمرَّها عمر وغيره على ظاهرها، ورآها مخصصة لعموم: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، والسنة تخصص عموم القرآن على الصحيح. وأما عائشة فجزمت بأنه ﷺ لم يقل ذلك، وأنه إنما قال: "الكافر يزيده الله عذابا ببكاء أهله عليه"، وقالت في الطريق الآخر: إنه مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: "هم يبكون عليه وإنه ليعذب". وأما استشهادها بالآية؛ فلا يخفى عليك ما فيه من الإشكال؛ أما أولاً: فإنها شهادة على النفي، وهي وإن كانت مقبولة من مثل عائشة، لكن عارضتها رواية عمر، وابنه، وناهيك مع صحة حديث المغيرة الآتي: "من نيح عليه عذب". وأما ثانياً: فإن ما ذكرَتْ في الطريق الأول هو أيضاً معارض للآية التي احتجت بها، وغاية ما يقال: إن التخصيص عليه أقل، أعني تخصيص عمومها بالكافر، وما ذكرت في الطريق الثاني غير مناف لحديث عمر". اهـ (١) وقال ابن عادل: "وعائشة ﵂ لم تخبر أَنَّ النبي ﷺ نفى ذلك، وإنما تأولت على ظاهر القرآن، ومن أثبت وسمع حجة على من نفى وأنكر .... ، والحديث الذي روته حديث آخر لا يجوز أن يُرَدَّ به خبر الصادق؛ لأن القوم قد يشهدون كثيراً مما لا تشهد، مع أَنَّ روايتها تحقق ذلك الحديث؛ فإن الله تعالى إذا جاز أن يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله، جاز أن يعذب الميت ابتداء ببكاء أهله. ثم في حديث ابن رواحة (٢) ما ينص على أَنَّ ذلك في المسلم؛ فإن ابن رواحة كان مسلماً، ولم يوص بذلك". اهـ (٣)

стр. 164

وقال المُلا علي بن سلطان القاري: "ولا يخفى أَنَّ هذا الاعتراض وارد لو لم يُسْمَع الحديث إلا في هذا المورد، وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة - عنه وعن غيره - غير مقيدة بل مطلقة، فدخل هذا الخصوص تحت هذا العموم، فلا منافاة ولا معارضة، فيكون اعتراضها بحسب اجتهادها". اهـ (١) ويتلخص من أقوال العلماء في الرد على عائشة ﵂: ١ - أَنَّ ما أوردته من تأويلات، إنما هو من اجتهادها، وليس هو من كلام النبي ﷺ ، وهذا هو الظاهر من كلام الحافظ ابن حجر، والداوودي، وابن الجوزي. ٢ - أَنَّ ما اعترضت به عائشة بقولها: إن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" هو أيضاً معارضٌ للآية، على مذهبها. ٣ - أنه لا تعارض بين ما روت عائشة، وما روى عمر، وابنه؛ لأن كل واحد منهم أخبر بما سمع وشاهد، وهما واقعتان مختلفتان. ٤ - أنه على فرض التعارض فإن حديث عمر بن الخطاب، وابنه، أولى بالتقديم من حديث عائشة؛ لأن الرواة له أكثر. القول الرابع: أَنَّ الحديث محمول على ما إذا كان النوح من سنة الميت وسنة أهله، ولم ينه أهله عنه في حياته؛ فإنه يعذب من أجل ذلك، وأما إذا لم يكن من سنته فإنه لا يعذب. وحاصل هذا المذهب أَنَّ الإنسان لا يعذب بفعل غيره إلا إذا كان له فيه تسبب. وهذا مذهب البخاري، وقد ترجم له في صحيحه بقوله: "باب قول النبي ﷺ : "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه"، إذا كان النوح من سنته؛ لقول الله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]، وقال النبي ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٢)، فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت

стр. 165

عائشة ﵂: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وهو كقوله: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ) [فاطر: ١٨]، وما يرخص من البكاء في غير نوح، وقال النبي ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" (١) ". اهـ (٢) وهو اختيار: أبي البركات ابن تيمية (٣). (٤) القول الخامس: أَنَّ الحديث محمول على من أوصى أهله بذلك، فإنه يعذب بسبب وصيته، لا بسبب النياحة، وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ". (٥) قالوا: وكان ذلك مشهوراً من مذاهب العرب وعاداتهم، حيث كانوا يوصون بالندب والنياحة، وهو موجود في أشعارهم: كما قال لبيد (٦) يخاطب ابنتيه: (٧) فقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا الشعر وقولا هو المرءُ الذي لا صديق له ... أضاع، ولا خان الأمير ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر وكما قال طرفة بن العبد (٨): (٩) إذا متُّ فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبدِ وهذا قول: المزني (١٠) (١١)، وإبراهيم الحربي (١٢) (١٣).

стр. 166

وحكى أبو الليث السمرقندي: أنه قول عامة أهل العلم. (١) ونقله النووي عن الجمهور. (٢) وهو اختيار: الطحاوي، والخطابي في قول، والبغوي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والذهبي، والشاطبي، والمُلا علي بن سلطان القاري، والسندي، والآلوسي، والألباني. (٣) واستدلوا له: ١ - بحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا". (٤) قال المُلا علي بن سلطان القاري: "وهذا صريح أنه إنما يُعذّب إذا كان أوصى، أو كان بفعلهم يرضى". اهـ (٥) ٢ - واستدلوا برواية: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (٦)؛ إذ المراد بالبعض ما يكون عن وصية. (٧) الإيرادات والاعتراضات على هذا القول: أُعتُرِضَ على هذا القول: ١ - بأن قوله ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، لفظ عام،

стр. 167

وتخصيصه بمن أوصى تحكم بلا دليل. (١) ٢ - وبأن الوصية بالنياحة حرام يستحق الموصي بها التعذيب، نيح عليه أم لا، والنبي ﷺ إنما علق التعذيب على النياحة، لا على الوصية. (٢) ٣ - وبأن الصحابة الذين رووا الحديث لو فهموا منه أَنَّ ذلك خاص بمن أوصى، لما عجبوا منه، ولما أنكره من أنكره كعائشة ﵂؛ لأنهم يعرفون بأن من أمر بمنكر فإنه يستحق العقوبة عليه. (٣) ٤ - وبأنه لو كان خاصاً بمن أوصى لما قيد ذلك بالنوح دون غيره من المنكرات. (٤) القول السادس: أَنَّ الحديث محمول على ما إذا أهمل الميت نهي أهله عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأن إهماله لهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]، فتعذيبه إذاً بسبب تفريطه وتركه ما أمر الله به. قال ابن المرابط (٥): "إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النوح، وعرف أَنَّ أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يُعْلِمْهُم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه؛ فإذا عُذِّبَ على ذلك عُذِّبَ بفعل نفسه لا بفعل غيره". اهـ (٦) وهو مذهب: داود بن علي (٧)، واختيار الشنقيطي (٨). القول السابع: أَنَّ معنى قوله ﷺ : "يعذب ببكاء أهله"، أي بنظير ما

стр. 168

يبكيه أهله به، وذلك أَنَّ الأفعال التي يعددون بها عليه غالباً تكون من الأمور المنهية، فهم يمدحونه بها، وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يمدحونه به. وهذا مذهب الإسماعيلي، وابن حزم. قال الإسماعيلي (١): "كثر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلٌ مجتهداً على حسب ما قُدِّرَ له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بَكَتْهُ باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر: أَنَّ الميت يُعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكِر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحق العذاب عليها". اهـ (٢) وقال ابن حزم: "هذا الخبر بتمامه (٣) يُبين معنى ما وهل فيه كثير من الناس من قوله ﵇: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، ولاح بهذا أَنَّ هذا البكاء الذي يعذب به الميت ليس هو الذي لا يعذب به من دمع العين، وحزن القلب، فصح أنه البكاء باللسان، إذ يُعذبونه برياسته التي جار فيها فعُذِّب عليها، وشجاعته التي يُعذب عليها، إذ صرفها في غير طاعة الله تعالى، وبجوده الذي أخذ ما جاد به من غير حله، ووضعه في غير حقه فأهله يبكونه بهذه المفاخر، وهو يعذب بها بعينها، وهو ظاهر الحديث لمن لم يتكلف في ظاهر الخبر ما ليس فيه، وبالله تعالى التوفيق". اهـ (٤)

стр. 169

ويؤيد هذا القول: رواية: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (١)؛ إذ ليس كل ما يعددونه من خصاله يكون مذموماً، فقد يكون من خصاله الكرم، وإعتاق الرقاب، وكشف الكرب، ونحوها. (٢) ويؤيده أيضاً: حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: "أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ". (٣) (٤) القول الثامن: أَنَّ معنى "التعذيب" في الحديث توبيخ الملائكة للميت بما يندبه أهله به. كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أَنَّ النبي ﷺ قال: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا". (٥) وفي لفظ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَا جَبَلَاهْ، وَا سَيِّدَاهْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ". (٦) وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: "أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ". (٧) ذكر هذا القول: الحافظ ابن حجر، والمناوي. (٨) القول التاسع: أَنَّ معنى التعذيب في الحديث: تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة عليه، وليس المراد أَنَّ الله تعالى يعاقبه بتلك النياحة.

стр. 170

وهذا اختيار ابن جرير الطبري. (١). ورجحه: ابن المرابط (٢)، والقاضي عياض (٣)، وأبو العباس القرطبي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والعراقي (٥)، وابن عثيمين (٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه؟ فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء، والصواب: أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، وفي لفظ: "من ينح عليه يعذب بما نيح عليه". ثم قال: "والمقصود هاهنا أَنَّ الله لا يعذب أحداً في الآخرة إلا بذنبه وأنه (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). قال: وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: "يعذب" والعذاب أعم من العقاب؛ فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له على ذلك السبب ... ، والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملاً له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملاً له يعاقب عليه؟ ثم النياحة سبب العذاب؛ وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه، فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب، كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة والأرواح والصور

стр. 171

القبيحة". اهـ (١) وقال ابن القيم: "ليس في هذه الأحاديث بحمد الله إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره؛ فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم، وإنما قال: يعذب بذلك، ولا ريب أَنَّ ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص .... ، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى إنَّ الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره (٢)، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره؛ فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم - وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك، وهو معروف في نظمهم ونثرهم - تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وبالله التوفيق". اهـ (٣) أدلة هذا القول: ذكر أصحاب هذا القول عدة أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، ومن هذه الأدلة: ١ - حديث قيْلَةَ بنت مَخْرَمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيغلب أحدكم أن يُصاحب صويحبه في الدنيا معروفاً، وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر (٤) إليه صويحبه، فيا عباد الله، لا تعذبوا موتاكم". (٥)

стр. 172

ومعنى الحديث أَنَّ الميت يستعبر ويبكي لبكاء أهله، فيتأذى بذلك. قال ابن المرابط: "حديث قيلة نص في المسألة فلا يُعدل عنه". اهـ (١) وقال القاضي عياض: "هو أولى ما يقال فيه؛ لتفسير النبي ﷺ في هذا الحديث ما أبهمه في غيره". اهـ (٢) ٢ - وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: "أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ". (٣) (٤) ٣ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، إِذَا قَالَتْ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَانَاصِرَاهُ، وَاكَاسِبَاهُ، جُبِذَ الْمَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَضُدُهَا، أَنْتَ نَاصِرُهَا، أَنْتَ كَاسِبُهَا". (٥) "ومعنى الحديث أَنَّ الميت إذا كان كافراً أو عاصياً عُذِّب، وكان النوح سبباً في تعذيبه بذنوبه، وإن كان صالحاً أُخْبِرَ بما تقول النائحة فيزيده ذلك ألماً؛ لأنه يرجو الاستغفار، فإذا بلغه ما يكرهه كان غمُّه عذاباً، لعلمه أَنَّ الله تعالى يكره ذلك". (٦) ٤ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ؛ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ

стр. 173

إِلَى أَهْلِهِ". (١) فسمى النبي ﷺ السفر عذاباً، وليس هو عقاباً على ذنب، والعذاب أعم من العقاب، لأن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له على ذلك السبب. (٢) ٥ - واستدلوا أيضا: بأن الميت يسمع بكاء الحي، ويسمع قرع نعال مشيعيه إذا انصرفوا من دفنه، وتُعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء، فإذا رأى ما يسؤهم تألم له، وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم. (٣) الإيرادات والاعتراضات على هذا القول: الإيراد الأول: يرد على هذا القول حديث: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٤)؛ إذ في الحديث أَنَّ العذاب يكون يوم القيامة، فهل يقال إنه يتأذى يوم القيامة ببكاء أهله عليه في الدنيا؟ قال الألباني: "كنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدالي أنه ضعيف؛ لمخالفته للحديث الذي قيد العذاب بأنه "يوم القيامة"، ومن الواضح أَنَّ هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا، ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور (٥)، ولا منافاة بين هذا القيد والقيد الآخر في قوله: "في قبره" (٦)، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بَيّنٌ إن شاء الله تعالى". اهـ (٧)

стр. 174

الإيراد الثاني: أَنَّ حديث قيلة ليس نصاً في المسألة؛ لاحتمال أن يكون المراد بقوله ﷺ : "فيستعبر إليه صويحبه" هو صاحبه الحي، والمعنى: إنَّ أحدكم إذا بكى استعبر له صاحبه الذي هو معه فبكى مثله فأجهش الجميع بكاء؛ فيعذب الميت حينئذ ببكاء الجماعة عليه. (١) الإيراد الثالث: أنَّ القول بأنَّ الميت يسمع بكاء الحي، وأنه تُعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء، فإذا رأى ما يسؤهم تألم له؛ قولٌ لا دليل عليه، والثابت هو سماع الميت لقرع نعال مشيعيه فقط، وذلك بعد الدفن مباشرة، وهو غير مستمر. القول العاشر: هو الجمع بين هذه الوجوه المذكورة في توجيه الأحاديث، وتنزيل كل وجه منها على حسب حالة الشخص. وهذا اختيار الحافظ ابن حجر، حيث قال: "ويحتمل أن يُجمع بين هذه التوجيهات، فيُنزل على اختلاف الأشخاص، بأن يقال مثلاً: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته، أو بالغ فأوصاهم بذلك عُذِّب بصنعه، ومن كان ظالماً فنُدِبَ بأفعاله الجائرة عُذِّبَ بما نُدِبَ به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضياً بذلك التحق بالأول، وإن كان غيرَ راضٍ عُذِّبَ بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب". (٢) القول الحادي عشر: أَنَّ البكاء جُعل سبباً للعذاب لا مؤثراً في استحقاقه، كما تكون أسباب الآلام في الدّنيا أموراً غير مؤثرة في الاستحقاق. وهذا رأي ابن الوزير اليماني. (٣) ويرى أن الحكمة في جعل البكاء سبباً للعذاب، لما في ذلك من الزّجر العظيم عن البكاء، وتسمية الآلام عذاباً كثير في اللّغة شائع، وقد دلَّ السمع

стр. 175

على استحقاق كلّ أحد لشيء من العذاب، فمن الجائز أن يكون عذاباً مستحقاً بذنبٍ غير البكاء. (١) القول الثاني عشر: أَنَّ المراد بالميت في الحديث: هو المشرف على الموت، وتعذيبه أنه إذا احُتُضِرَ والناس حوله يصرخون ويتفجعون يزيد كربه، وتشتد عليه سكرات الموت؛ فيصير معذباً بذلك. ذكر هذا القول: المناوي، والآلوسي (٢). ويرد على هذا القول: ما ورد من تقييد ذلك بالقبر، وبيوم القيامة. المسلك الثاني: رد الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ومعارضتها بقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى): قال الحافظ ابن حجر: "وممن روي عنه الإنكار مطلقاً: أبو هريرة ﵁ كما رواه أبو يعلى (٣) من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال أبو هريرة ﵁: "والله لئن انطلق رجل محارباً في سبيل الله، ثم قُتِل في قطر من أقطار الأرض شهيداً فعمدت امرأته سفهاً وجهلاً فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد ببكاء هذه السفيهة عليه". قال الحافظ ابن حجر: "وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد (٤) وغيره". اهـ (٥) قلت: أثر أبي هريرة ﵁ لا يصح، كما بينت ذلك في التخريج.

стр. 176

وأما مذهب أبي حامد فلم أقف عليه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيتمي قولاً آخر له، حيث قال: "والأصح كما قاله الشيخ أبو حامد أَنَّ ما ذُكِرَ محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب". اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها، من أَنَّ الميت يُعذَّب بمجرد النوح عليه، وإن لم يكن له تسبب في ذلك. والحديث إنما ورد لزجر أهل الميت من النياحة على ميتهم؛ لأنهم إذا علموا أنه يعذب بذلك فسيكفون عن النياحة عليه خوفاً من تعذيبه. وقد كانت ظاهرة النوح منتشرة عند العرب في الجاهلية، وهي من عاداتهم القبيحة التي أبطلها الإسلام وحذر منها، وقد تكاثرت النصوص الشرعية التي عُنيت بعلاج هذه الظاهرة السيئة، وفي بعضها وعيد شديد، ومن تلك النصوص الإعلام بأن هذه الفعلة تؤدي إلى تعذيب الميت، فيجب تركها والابتعاد عنها. وليس في هذا الاختيار ما يعارض قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وليس فيه مصادمة لقواعد الشريعة، والتي فيها أَنَّ أحداً لا يعذب بوزر غيره، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أَنَّ الآيات التي فيها أَنَّ أحداً لا يعذب بوزر غيره، هي من العمومات، وتُعد الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه مخصصة لهذا العموم، وليس هناك ما يمنع من القول بالتخصيص، بل القول بتخصيص الآيات أولى من القول بتخصيص الأحاديث؛ لأن الأول ورد فيه نصان الأول عام والآخر خاص، فيحمل العام على الخاص، وأما القول بتخصيص الأحاديث

стр. 177

فليس هناك دليل على هذه الدعوى إلا مجرد دفع التعارض بينها وبين الآية. الوجه الثاني: أَنَّ القواعد الشرعية التي أصَّلها العلماء ينبغي أن تحاكم إلى النصوص الشرعية، لا أن تحاكم النصوص إليها، ومسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه تُعد من النصوص المحكمة، وهي عامة مطلقة فيجب حملها على عمومها وإطلاقها دون تخصيصها بشخص ما، أو تقييدها بحالة ما، وليس فيها ما يُصادم القواعد الشرعية؛ لأن لله سبحانه أن يفعل بعباده ما شاء، فهو سبحانه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وإذا جاز أن يُعذِّب في الدنيا من لا ذنب له بسب ذنب غيره؛ فجوازه في عالم البرزخ ويوم القيامة من باب أولى، حيث لم يأت ما يمنع من ذلك، أو يوجب الفرق بينهما. كما أَنَّ القاعدة الشرعية - التي فيها أَنَّ أحداً لا يؤخذ بجرم غيره - إنما هي فيما لم يرد به نص، وأما ما ورد فيه نص شرعي فيجب أن يحمل على ظاهرة في حدود ما ورد فيه، دون أن يُتجاوز به إلى غيره. ومما ينبغي أَنَّ يُعلم: أَنَّ نصوص الوعيد ترد لمقاصد شرعية، ومن هذه المقاصد الزجر عن ارتكاب المحرمات ومقارفة القبائح، ومسألة إنفاذ الوعيد من عدمه راجعة إلى مشيئة الله تعالى، فهو سبحانه إن شاء أنفذه، وإن شاء عفى وتجاوز. وعند التأمل في نصوص الوعيد يلاحظ أَنَّ من أعظم المقاصد لإيرادها هو الزجر عن فعل المحظورات الشرعية؛ فينبغي أن يُنظر في هذا الجانب أكثر منه في جانب إنفاذ الوعيد، وهكذا مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ فإن الغرض من ذكر هذا الوعيد هو زجر أهل الميت وتهويل شأن النياحة. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، وأما بقية المذاهب والأقوال في المسألة فالجواب عنها على النحو الآتي: أولاً: مذهب عائشة ﵂: تقدم أَنَّ لعائشة رأيين في المسألة، فهي مرّة تؤول الحديث بأنه حكاية حال عن امرأة يهودية تعذب وأهلها يبكون عليها، ومرة أخرى تؤول الحديث بأن الله تعالى يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، وقد رفعتْ ﵂ هذه

стр. 178

الأحاديث للنبي ﷺ ، وهي صادقة في ذلك، وحاشاها أَنَّ تدعي ذلك نصرة لرأيها، وليس فيما رفعته للنبي ﷺ أي إشكال بحمد الله: أما قولها إن النبي ﷺ قال: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا"، فهذه قصة أخرى لا علاقة لها بحديث عمر بن الخطاب، وابنه، ﵄، ولا تعارض بينهما، بل ما ذكرته هو حقيقة كل من مات على الكفر؛ فإنه يُعذب في قبره سواء بكى عليه أهله أم لا، بل إن تعذيب الكافر في قبره يُعد من الأمور المسلمة التي تضافرت النصوص على إثباتها. وأما قولها إن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، فهذا الحديث على مذهبها يكون معارضاً للآية؛ لأن فيه زيادة في عذاب الكافر بسبب ذنب غيره، والحق أَنَّ هذا الحديث موافق لحديث عمر، وابنه، ﵄، وليس هو مخالفاً له؛ لأن حديثهما عام يشمل كل ميت، وأما حديثها ففيه ذكر بعض أفراد هذا العام، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، كما تقدم. (١) ثانياً: مذهب الجمع بين الآية والأحاديث: ذكر أصحاب هذا المذهب عدة تأويلات للجمع بين الآية والأحاديث، وهي في جملتها لا تخلو من تكلف، غير أَنَّ من أقواها القول الرابع، والخامس، والتاسع، وقد ذكرت الإيرادات والاعتراضات التي أوردت على كل قول، ومما يمكن إضافته هنا من إيرادات: أولاً: مذهب الإسماعيلي وابن حزم: هذا المذهب يَرِدُ عليه: ١ - أنه خلاف الظاهر والمتبادر من الحديث. ٢ - أَنَّ هذا القول فيه تخصيص لعموم الحديث؛ إذ يلزم منه أنه لا يعذب إلا من كانت له أعمال يستحق عليها العقوبة، والحديث كما تقدم لفظه عام ولا يصح تخصيصه إلا بدليل.

стр. 179

٣ - وأما رواية: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". (١) فهي بيان لنوع البكاء، والمعنى: أَنَّ بعض البكاء يعذب به الميت، وهو ما كان فيه ندب ونياحة. ثانياً: القول بأن معنى الحديث توبيخ الملائكة للميت: هذا القول يُعد بمعنى القول بتعذيب الميت مطلقاً؛ لأن توبيخ الملائكة للميت هو من جملة تعذيبه، وما ذكره أصحاب هذا القول من أحاديث تؤيد ما ذهبوا إليه هي في الحقيقة موافقة لحديث عمر، وابنه، ﵄، وهي بمثابة البيان لبعض العذاب الذي يتعرض له الميت. ثالثاً: القول بأن التعذيب بمعنى التأذي، يَرِدُ عليه: ١ - أنه لو كان مراد الحديث تأذي الميت ببكاء أهله عليه لصار لفظ الحديث "يتعذَّب"، ولا يخفى ما بين اللفظين من فرق. ٢ - أَنَّ قوله ﷺ : "يُعذب" هو فعل لما لم يُسم فاعله، وهو يستدعي أَنَّ التعذيب يقع عليه من طرف آخر، ولو كان من أهله لقال: يعذبه بكاء أهله عليه. ٣ - أَنَّ لفظ "العذاب" الغالب استعماله في القرآن والسنة بمعنى العقاب، وإذ الأمر كذلك فإن تفسير النصوص على الأعم الغالب هو الأولى. (٢) وأما استدلالهم بحديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ فلا يستقيم لهم؛ بل هو حجة لمن قال بحمل الحديث على ظاهره، وما ذُكِرَ فيه هو بيانٌ لبعض التعذيب الذي يتعرض له الميت بسبب بكاء أهله عليه، هذا على التسليم بثبوت الحديث، وقد تقدم أَنَّ الحديث لا يثبت من طريق أبي موسى ﵁. وأما قصة عبد الله بن رواحة ﵁، فليست بحجة؛ إذ ليس فيها شيء مرفوع للنبي ﷺ .

стр. 180

وعلى فرض التسليم بحجيتها فإنه لا يصح الاستدلال بها، لأن حالته هذه ليست حالة احتضار؛ بدليل أنه لم يمت فيها وإنما قتل شهيداً في معركة مؤتة (١)، فكيف يعاين الملائكة بمجرد الإغماء؟ والله تعالى أعلم. ****
следующие страницы →