← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١]، فالزيادة والنقصان المشار إليهما في الآية المراد بهما ما يُكتب في صحف الملائكة، ومعنى الآية: أنه لا يطول عمر إنسان ولا يُنقص منه إلا وهو في كتاب، أي صحف الملائكة. (١) الدليل الثالث: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]، فالمراد بالأجل الأول هو ما في صحف الملائكة، وما عند مَلَك الموت وأعوانه، وأما الأجل الثاني فالمراد به ما ذُكِرَ في قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) وقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: ٣٤]. (٢) الدليل الرابع: ما رُوي عن عدد من الصحابة أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة؛ فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة. رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب (٣)، وابن مسعود (٤) ﵃، فدل على أنَّ مذهب الصحابة جواز المحو والإثبات في الشقاء والسعادة، فكذلك زيادة العمر ونقصانه. (٥) الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته: ذكر أصحاب المذهب الثاني - القائلون بمنع الزيادة - بعض الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته، منها: الأول: إذا كان المحتوم واقعاً فما الذي يفيده زيادة المكتوب ونقصانه؟ وأجيب: بأن الأصل أن تُجرى المعاملات على الظاهر، وأما الخفي الباطن الذي لا يعلمه إلا الله فلا يعلق عليه حكم، فيجوز أن يكون المكتوب

стр. 72

يزيد وينقص، ويُمحى ويُثبت ليبَّلغَ ذلك على لسان الشرع إلى الآدمي، فبذلك يُعلم فضيلة البر وسوء العقوق، ويجوز أن يكون هذا مما يتعلق بالملائكة؛ فتؤمر بالإثبات والمحو، والعلم المحتوم لا يطلعون عليه، ومن هذا الباب إرسال الرسل إلى من علم الله أنهم لا يؤمنون. (١) الاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: ٣٩] معناه: يمحو ما يشاء من الشرائع، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه، وهو قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [الرعد: ٣٨] فأخبر تعالى أنَّ الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله تعالى، ثم قال: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)) [الرعد: ٣٨، ٣٩] أي أنَّ الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها ثم تُنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. (٢) وأجيب: بأن هذا تخصيص لعموم الآية من غير مخصص، وأيضاً فإن الشرائع والفرائض هي مثل العمر؛ فإذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات. (٣) الاعتراض الثالث: أنَّ قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١]، الضمير في قوله: (مِنْ عُمُرِهِ) هو بمنزلة قولهم عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، فيكون معنى الآية: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمر آخر إلا في كتاب. (٤) وأجيب: بأن الأصل اتساق الضمائر، وعودها لمذكور واحد، فالضمير

стр. 73

في قوله: (مِنْ عُمُرِهِ) عائد على قوله: (مِنْ مُعَمَّرٍ)، وهذا ظاهر النظم الكريم، وأما التأويل الذي ذكرتم ففيه إرجاع الضمير لشيء ليس له ذكر في الآية، وهذا خلاف الأصل، وخلاف الظاهر. (١) الاعتراض الرابع: أنَّ قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) [الأنعام: ٢]، المراد بالأجل الأول أجل الحياة إلى الموت، والأجل الثاني أجل الموت إلى البعث، وقيل: الأجل الأول: أجل الدنيا، والثاني: الآخرة. (٢) وأجيب: بأن الآية محتملة لهذه الأقوال، وغيرها، والآية إذا كانت محتملة لعدة معانٍ لا تضاد بينها؛ فإنها تُحمل على الجميع، ولا يصح تخصيصها بمعنى دون غيره. (٣) المذهب الثاني: منع الزيادة في الأعمار. وهذا مذهب عدد من العلماء، ونسبه بعضهم للجمهور. (٤)

стр. 74

وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الأحاديث بأنها محمولة على المجاز، لا الحقيقة، إلا أنهم اختلفوا في معنى "الزيادة" الواردة فيها على أقوال: الأول: أنَّ الزيادة كناية عن البركة في العمر؛ بسبب توفيق صاحبه إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله. (١) وهذا قول: أبي حاتم السجستاني (٢) (٣)، وابن حبان (٤)، وابن التين (٥). واختاره: النووي (٦)، والطيبي (٧) (٨). القول الثاني: أنَّ الزيادة كناية عما يبقى بعد موته من الثناء الجميل، والذكر الحسن، والأجر المتكرر، حتى كأنه لم يمت. حكى هذا القول القاضي عياض (٩)، وهو مذهب أبي العباس القرطبي. (١٠) القول الثالث: أنَّ معنى الزيادة في العمر: نفي الآفات عمن وصل رحمه، والزيادة في فهمه وعقله وبصيرته.

стр. 75

وهذا قول ابن فورك. (١) القول الرابع: أنَّ المراد بالزيادة التوسعة في الرزق، والصحة في البدن، إذ إنَّ الغنى يُسمى حياةً، والفقر يُسمى موتاً. ذكره ابن قتيبة. (٢) القول الخامس: أنَّ المراد بالزيادة ما يكون للواصل من ذرية صالحة يدعون له بعد موته. ذكره الحافظ ابن حجر (٣)، وهو اختيار: الشيخ حافظ حكمي (٤). وقد ورد في هذا المعنى حديث مرفوع، لكنه لا يصح، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: "إن الله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أنْ يَرزقَ اللهُ العبدَ ذريةً صالحةً يدعون له؛ فيلحقه دعاؤهم في قبره". (٥) القول السادس: أنَّ النبي ﷺ قصد بالحديث الحث على صلة الرحم بطريق المبالغة، ومعناه لو كان شيء يبسط الرزق والأجل لكان صلة الرحم.

стр. 76

ذكره المناوي. (١) أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بمنع الزيادة في الأعمار بأدلة منها: الأول: ما ورد في الكتاب والسنة من أنَّ الآجال مقدرة، وأنها لا تزيد ولا تنقص. أما الكتاب؛ فقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا (٣٤)) [آل عمران: ١٤٥]، وقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: ٣٤]، وقوله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)) [المنافقون: ١١]، وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [نوح: ٤]. قالوا: ففي هذه الآيات التصريح بأن الآجال مقدرة، وأنها لا تزيد ولا تنقص. وأما السنة؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا لَكِ". (٢) وعنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ". (٣) قالوا: فهذه أخبار عن رسول الله ﷺ قد جاءت مجيء الكتاب بأن لكل

стр. 77

نفس أجلاً، لا يتقدم ولا يتأخر. (١) الدليل الثاني: أنَّ الله تعالى أخبر أنه قسم الأرزاق بين عباده فقال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الزخرف: ٣٢]، وقال في الأجل: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)) [الأعراف: ٣٤]، ولم يُخبر أنَّ غيرَ الأجلِ والرزقِ بمنزلة الرزق والأجل، وقد أخبر أنه يزيد من يشاء في فضله، ولم يُخبر أنه يزيد من يشاء في رزقه، ويؤخر من يشاء في عمره. (٢) الدليل الثالث: أنَّ معنى الأثر في اللغة هو ما يتبع الشيء؛ فإذا أُخرَ حَسُنَ أن يُحملَ على الذكر الحسن، ومن هذا المعنى قوله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه"؛ فإنه محمول على الذكر الحسن، ومنه قول الخليل ﵇: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)) [الشعراء: ٨٤]، وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) [يس: ١٢]. وقال أبو تمام (٣): توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر (٤) الدليل الرابع: قالوا: ومما يدل على أنَّ المراد بالزيادة الذكر الجميل: أنَّ أكثر الأحاديث التي فيها الزيادة وردت في الصدقة وصلة الرحم، وهما مما يترتب عليهما ثناء الناس، في الحياة وبعد الممات. (٥) الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته: وقد أجاب أصحاب المذهب الأول - القائلون بجواز الزيادة - على هذه الأدلة وعارضوا بعض التأويلات التي ذكروها فقالوا:

стр. 78

١ - إنَّ ما ذكر من أنَّ المراد بالزيادة البركة في العمر، يُجاب عنه: بأن البركة أيضاً من جملة المقدرات، فإذا كان القدر مانعاً من الزيادة فليمنع من البركة في العمر والرزق كما منع من الزيادة فيهما، بل هذا القول يلزم منه مفسدتان: الأولى: إيهام أنَّ البركة خرجت عن القدر، وهذا رديء جداً. الثانية: أنه يقلل من الرغبة في صلة الرحم؛ فإذا قلنا لزيد: إنْ وصلت رحمك زادك الله تعالى في عمرك عشرين سنة، فإنه يجد من الوقع لذلك ما لا يجده عند قولنا: إنه لا يزيدك الله تعالى بذلك يوماً واحداً؛ بل يبارك لك في عمرك فقط، فيختل المعنى الذي قصده رسول ﷺ من المبالغة في الحث على صلة الرحم، والترغيب فيها. (١) ٢ - وأما الآيات التي فيها أنَّ الأجل إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر؛ فإنها مختصة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره. يؤيد هذا: أنَّ أغلب الآيات جاءت مقيدة بالمجيء، قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) وقال: (إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)، فإذا حضر الأجل فإنه لا يتقدم ولا يتأخر، وأما قبل ذلك فيجوز أن يؤخره الله بالدعاء وصلة الرحم، ونحو ذلك. (٢) وقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما طُعِنَ عمرُ بن الخطاب قال كعب: لو أنَّ عمر دعا الله لأُخِّرَ في أجله، فقال الناس: سبحان الله. أليس قد قال الله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) فقال كعب: أو ليس قد قال الله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: ١١] قال الزهري: فنرى أنَّ ذلك يؤخر ما لم يحضر الأجل، فإذا حضر لم يؤخر، وليس أحد إلا وله أجل مكتوب. (٣)

стр. 79

المبحث الخامس: الترجيح: عند النظر في مذاهب العلماء في المسألة يظهر أنَّ الجميع متفق على أنَّ الأعمار والآجال التي قدرها الله وقضاها في الأزل لا مجال للزيادة فيها والنقصان، وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب، وإنما تباينت أقوالهم في توجيه الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها خلاف ذلك، وقد ذكرتُ أنَّ منهم من حمل هذه الأحاديث على الحقيقة، وهم الجمهور، ومنهم من حملها على المجاز، والحق وجوب حملها على الحقيقة، والمختار من التأويلات التي ذكرها الجمهور: ١ - أنَّ الزيادة هي باعتبار ما في صحف الملائكة، وأما ما في علم الله تعالى فلا تقديم فيه ولا تأخير. ٢ - وأنَّ الزيادة إنما هي باعتبار فعل العبد وكسبه، ففعله من جُملة الأسباب التي أمر الله بها شرعاً، ورتب عليها جزاء قدرياً، وقد علم سبحانه من يصل رحمه ممن يقطعها، ورتب على ذلك أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر. وهذان القولان هما اللذان تجتمع بهما النصوص، ويندفع بهما التعارض، إن شاء الله تعالى. يدل على هذا الاختيار: ١ - أنَّ الأصل حمل نصوص الوحيين على الحقيقة، ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. (١) ٢ - أنَّ الله تعالى أرسل الرسل، وشرع الشرائع، ورتب على ذلك جزاء، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وقد علم سبحانه وقدر في الأزل ما الخلق صائرون إليه؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ

стр. 80

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" (١). ومن جملة ذلك صلة الرحم فهي من أمره وشرعه سبحانه، وقد رتب عليها جزاءً، وهو مما علمه سبحانه وقدره في الأزل. ٣ - ما ورد في الكتاب والسنة من الأمر بالدعاء، كقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)) [غافر: ٦٠]، وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)) [البقرة: ١٨٦]. ومن السنة قوله ﷺ : "لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ" (٢)، وتعوذه ﷺ من سوء القضاء، فعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النبي ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ" (٣)، فلو كان الدعاء لا يفيد شيئاً؛ لكان أمره تعالى بالدعاء لغواً لا فائدة فيه، وكذا تكون استعاذة النبي ﷺ لغواً لا فائدة فيها. (٤) ٤ - قوله تعالى - حكاية عن نوح ﵇: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)) [نوح: ٢ - ٤] حيث دعا نوحٌ قومَه إلى عبادة الله وطاعته، ووعدهم من الله تعالى بمغفرة الذنوب، وتأخير الأجل إنْ هم أطاعوه، وفي عطف الوعد بتأخير الأجل على الوعد بمغفرة الذنوب دليلٌ على أنَّ التأخير يُعدُّ حقيقة كمغفرة الذنوب؛ إذ لو كان العمر لا يزيد حقيقة بفعل الطاعة لما عطفه على مغفرة الذنوب؛ لأن المغفرة حقيقية،

стр. 81

فكذلك فليكن التأخير في الأجل. ثم قال نوح: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) حيث نبَّه على أنَّ ما علمه الله تعالى وكتبه في الأزل فإنه لا يتغير ولا يتبدل، وما كان لنوح ﵇ أنْ يعد قومه بتأخير آجالهم إنْ هم أطاعوهم، ثم يناقض نفسه بأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. ٥ - أنَّ زيادة العمر ونقصانه هي مثل ما سبق من السعادة والشقاوة، مع تكليف العمل والطاعة، والنهي عن المعصية، وقد سبق في أم الكتاب ما سبق من سعادة وشقاوة؛ ولذلك لما قال الصحابة ﵃: فلم العمل؟ قال النبي ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". (١) (٢)

стр. 82

المسألة [٣]: في حَدِّ الإماء إذا أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النساء: ٢٥]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٦) ـ (٥): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ فقَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ (١) ". (٢)

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 86

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر الآية الكريمة أنْ لا حدَّ على الأَمَة إذا زَنَت ولم تُحصن؛ وهذا الظاهر دلَّ عليه مفهومُ الشَّرْط (١) في قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ)؛ فإنَّ مفهومه أنْ لا

стр. 87

حد عليها إذا كانت غير محصنة، وأمَّا منطوق الحديث فَيُوهِمُ مُعَارَضَة هذا المفهوم؛ لأن النبي ﷺ سُئِلَ عن الأمة إذا زنت ولم تُحصِن؛ فأجاب: بأنَّ عليها الحد. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: أجمع العلماء على إعْمَالِ منطوق الآية؛ فإذا زَنَت الأَمَة المسلمة بعد زواجها فعليها نِصْفُ ما على الحرَّةِ المسلمة البِكْرِ من العذاب، وهو خمسون جلدة. حكى الإجماع: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد الحفيد (٢). (٣) ولم يأتِ في ذلك خلاف إلا ما نُقِلَ عن أبي ثور (٤) من إيجاب الرجم على الأَمَة إذا كانت محصنة; لعموم الأخبار فيه، ولأنَّه حَدٌّ لا يَتَبَعَّض، فوجب تكميله، كالقطع في السرقة. (٥)

стр. 88

وقد أنكر العلماء عليه رأيه هذا، لمخالفته الإجماع. (١) إلا أنَّ ابن المنذر نَقَلَ عنه أنه قال: "إنْ كان إجماع فالإجماع أولى". اهـ (٢) وقد ثَبَتَ الإجماع، فصار أبو ثور موافقاً له. واختلف العلماء في دفع التعارض بين مفهوم الآية، ومنطوق الحديث على مذاهب: الأول: مذهب إعمال منطوق الآية والحديث، وإلغاء مفهومهما: فإذا زَنَت الأَمَة المسلمة فعليها نصف ما على الحرَّة المسلمة البكر من العذاب، وهو خمسون جلدة، ويستوي في ذلك المُزَوّجة وغير المُزَوّجة. وهذا مذهب الجمهور من العلماء، على اختلاف بينهم في التغريب هل يجري على الأَمَةِ أم لا. (٣) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن مفهوم الآية: بأنَّ قيد الإحصان في الآية إنما سِيقَ لرفع إيهام أنَّ على المحصنة الرجم، وعليه فلا دلالة لمفهوم الآية. وممن قال بهذا الجواب: الطحاوي، والبيهقي، وأبو بكر الجصاص، والبغوي، والقاضي أبو يعلى (٤)، وابن قدامة، والنووي، وأبو حيان، وابن القيم، والآلوسي، والشنقيطي. (٥)

стр. 89

قال أبو بكر الجصاص: "فإنْ قيل: فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) وهي محدودة في حال الإحصان وعدمه؟ قيل له: لما كانت الحرَّة لا يجب عليها الرجم إلا أنْ تكون مسلمة متزوجة أخبر الله تعالى أنهن وإنْ أُحْصِنَّ بالإسلام وبالتزويج فليس عليهنَّ أكثر من نصف حدِّ الحرَّة، ولولا ذلك لكان يجوز أنْ يتوهم افتراق حالها في حكم وجود الإحصان وعدمه، فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم، وإذا كانت غير محصنة فنصف الحَدّ، فأزال الله تعالى تَوَهُّمَ من يَظنُّ ذلك، وأخبر أنَّه ليس عليها إلا نصف الحَدّ في جميع الأحوال، فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدِّها". اهـ (١) وقال الشنقيطي: "والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة دفع تَوَهُّم أنها تُرجم كالحرة ... ، والظاهر أنَّ السَّائل ما سَأَلَ النبيَّ ﷺ إلا لأنَّه أشكل عليه مفهوم هذه الآية، فالحديث نصٌ في محل النزاع، ولو كان جلدُ غيرِ المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لَبَيَّنَه ﷺ ". اهـ (٢) إلا أنَّ الحافظ ابن كثير لم يرتضِ هذا الجواب؛ حيث يرى أنَّ تنصيف الحَدّ إنما استفدناه من الآية لا من سِواها، فكيف يُفهم منها التنصيف فيما عداها. (٣) واختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن مفهوم الحديث على أقوال: الأول: أنَّ نفيَ الإحصان في الحديث إنما هو من قول السَّائل، ولم يُصَرِّح النبيُّ ﷺ بأخذه قيداً في الجلد، فيحْتَمل أنْ يكون النبيُّ ﷺ أعرض عنه وأفتى بالجلد مطلقاً. وهذا رأي أبي العباس القرطبي. (٤) وأيَّدَ رأيَه هذا بأنَّ بَقيَّة الأحاديث - الواردة في جلد الأَمَة إذا زَنَت -

стр. 90

ليس فيها ذِكْرٌ لذلك القيد من كلام النبي ﷺ . (١) واعتذر عن تخصيص الإحصان في الآية بالذِّكر بأنَّه أغلب حال الإماء، أو الأهم في مقاصد الناس. (٢) القول الثاني: أنَّ قوله في الحديث: "وَلَمْ تُحْصِنْ" ليس بقيد، وإنما هو حِكَايَة حالٍ في السؤال، ولذا أجاب النبي ﷺ فقال: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا"، غير مُقَيَّدٍ بالإحصان، للتنبيه على أنْ لا أثر له، وأنَّ مُوجِبَه في الأَمَة مُطلق الزنى. ذكر هذا الجواب الخطابي (٣)، وأشار إليه الزَّرقاني في شرحه للحديث. (٤) الثاني: مذهب إعمال مفهوم الآية، وإلغاء منطوق الحديث: ويرى أصحاب هذا المذهب أنْ لا حَدَّ على الأَمَة إذا زَنَت وهي غير محصنة. رُوي هذا المذهب عن: ابن عباس (٥)، وأبي الدرداء (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، ومجاهد (٨)، وطاووس (٩)، وأبي عبيد القاسم بن سلام (١٠). ويدل على مذهبهم هذا: حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قال:

стр. 91

"لَيْسَ عَلَى أَمَةٍ حَدٌّ حتَّى تُحْصَنَ بِزَوْجٍ؛ فَإِذَا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْهَا نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ". (١) ولم يُجِبْ هؤلاء عن منطوق الحديث؛ إلا ما نُقِلَ عن الطَّحاوي (٢) من أنَّ قوله في الحديث: "وَلَمْ تُحْصِنْ" زيادةٌ لا تثبت، وأنَّها مما تفرد به الإمام مالك، أحدُ رواة الحديث. (٣) ولم أقف على قول الطحاوي هذا في كتابه "مشكل الآثار"، وكذا "شرح معاني الآثار"، والذي وقفتُ عليه من رأيِهِ موافقة الجمهور في وجوب الحدِّ

стр. 92

على الأَمَة إنْ كانت غير محصنة؛ أخذاً بمنطوق الحديث. (١) الثالث: مذهب إعمال مفهوم الآية ومنطوق الحديث معاً: واختلف أصحاب هذا المذهب في معنى هاتين الدلالتين للآية والحديث، وفي الحكم المترتب عليهما على أقوال: الأول: أنَّ مفهوم الآية المراد به نفي الحَدّ، فإذا زَنَت الأَمَة وهي غير محصنة فلا حدَّ عليها، وإنما تُضرب تأديباً؛ كما دل عليه منطوق الحديث. ويرى هؤلاء أنْ لا تعارُض بين مفهوم الآية ومنطوق الحديث؛ لأنَّ مفهوم الآية يُفيد أنْ لا حدَّ على الأَمَة إنْ كانت غير محصنة، وأمَّا منطوق الحديث ففيه جلدها تأديباً وليس حداً. والفرق بين الحدِّ والتأديب: أنَّ الأول واجب بخلاف الثاني. حَكَى هذا القول الإمام ابن القيم، ومال إليه وقوَّاه (٢)، وجعله الحافظ ابن كثير مذهب ابنِ عباس ﵁ ومن تَبِعَه، القائلين بأنْ لا حدَّ على أمَةٍ إنْ كانت غير محصنة. (٣) وحُجَّةُ هؤلاء (٤): أنَّ الحديث لم يُؤَقَّتْ فيه الجلدُ بعددٍ مُعَيَّن كما وُقِّتَ في الآية، التي فيها أنَّ على الأَمَة نِصْفُ ما على المحصنة من العذاب؛ وهذا يدل على أنَّ الجلد في الحديث إنما هو من باب التأديب، ولا يُراد به الحدَّ؛ إذ لو أراد الحدَّ لَنَصَّ على عددٍ مُعَيَّن كما في الآية. وبأنَّ الحديث لم يُذْكَر فيه الحدُّ، وإنما ذُكِرَ فيه الجلدُ. واعتُرِضَ على هذه الأدلة: بأنَّ الحديث قد روي بألفاظٍ أخرى، وفيها التَّنْصِيصُ على ذِكْرِ العدد، وذِكْرِ الحدِّ. (٥)

стр. 93

فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقال: جاريتي زَنَت فتبيَّن زناها. قال: "اجلدها خمسين". ثمَّ أتاه فقال: عادت فتبيَّن زناها. قال: "اجلدها خمسين". ثمَّ أتاه فقال: عادت فتبيَّن زناها. قال: "بِعْهَا ولو بحبل من شَعَر". (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". (٢) وأجيب: "بأنَّ لفظة الحدِّ في قوله: "فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ" مُقْحَمَةٌ من بعض الرواة؛ بدليل أنَّ هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضاً فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عبَّادِ بنِ تميمٍ، عن عمِّهِ - وكان قد شهد بدراً - أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا زَنَت الأمة فاجلدوها، ثم إنْ زَنَت فاجلدوها، ثم إنْ زَنَت فاجلدوها، ثم إنْ زَنَت فبيعوها ولو بضَفير" (٣)، وبأنَّه لا يَبْعُدُ أنَّ بعض الرُّواة أطلق لفظ الحَدّ في الحديث على الجلد؛ لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حدّ، أو أنَّه أطلق لفظة الحَدّ على التأديب كما أُطلق الحَدُّ على ضَرْبِ من زنى من المرضى بِعِثْكَالِ (٤) نخل فيه مِائَةُ شِمْرَاخٍ (٥) (٦)، وعلى

стр. 94

جلد من زنى بأَمَةِ امرأته إذا أذِنَتْ له فيها مِائَةُ (١)، وإنما ذلك تعزيرٌ وتأديب". (٢) القول الثاني: أنَّ دلالةَ مفهومِ الآية ومنطوقِ الحديثِ المقصود بهما التفريق بين حالتي الأَمَة في إقامة الحَدّ لا في قَدْرِهِ؛ فإذا كانت محصنة فلا يُقيم الحَدَّ عليها إلا الإمام، ولا يجوز لسيدها إقامته والحالة هذه، وأما قبل الإحصان فسيدها بالخيار بين إقامته هو بنفسه أو رفعه للإمام، والحَدُّ في كلا الحالتين على النصف من حَدِّ الحُرَّة. رُويَ هذا القول عن ابن عمر ﵄. (٣) وهو قولٌ في مذهب أحمد. (٤) ونقله ابن القيم، وجعله من أقرب الأقوال في الجواب عن مفهوم الآية. (٥) إلا أنَّ الحافظ ابن كثير تعقب هذا القول فقال: "وهذا بعيد؛ لأنه ليس في الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم نَدْرِ ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحَدّ مائة أو رجمهن، كما ثبت

стр. 95

في الدليل عليه، وقد تقدَّم عن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ" (١)، وعموم الأحاديث ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها". اهـ (٢) القول الثالث: أنَّ الأَمَة المحصنة تُحَدُّ نصف حدِّ الحُرَّة أخذاً بمنطوق الآية، وأمَّا قبل الإحصان فمنطوق الحديث وعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة؛ كقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]، وكحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". (٣)، وغير ذلك من الأحاديث. وهذا المذهب هو المشهور عن داود بن علي الظاهري. (٤) ولم يرتضِ أيضاً الحافظ ابن كثير هذا المذهب، وتعقبه فقال: "وهو في غاية الضَّعْفِ؛ لأنَّ الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب - وهو خمسون جلدة - فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشدّ منه بعد الإحصان؟ وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع ﵇ سَأَلَه أصحابه عن الأَمَة إذا زَنَت ولم تحصن فقال: "اجلدوها" ولم يقل مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم؛ لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء، وإلا فما الفائدة في قولهم ولم تحصن، لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لمَّا علموا أحد الحكمين سألوا عن الآخر فَبَيَّنَه لهم". اهـ (٥) قلت: مذهب داود هذا هو الأقرب لظاهر النصوص، وهو من أحسن المذاهب في الجمع بين الآية والحديث، إلا أنَّه يُعَكِّرُ عليه ما نَوَّه إليه الحافظ

стр. 96

ابن كثير من مخالفته لقواعد الشريعة، لكن يمكن أنْ يُقال: إنَّ الله تعالى راعى حق السَّيد فغلَّظَ العقوبة على الأَمَة حال كونها بكراً؛ لأنَّ في زناها إيذاء لسّيدها، واعتداء على حقِّه بالتمتع بها، بخلاف ما بَعْدَ زواجها فإنَّ الحقَّ لِزَوْجِهَا والذي غالباً ما يكون في رَبقَة الرِّقِّ مثلها، والشريعة الإسلامية تراعي حق الحرِّ أكثر من مراعاتها لحق الرَّقِيقِ. إلا أني لا أرتضي هذا المذهب، على الرغم من وجاهته؛ لأنَّ ما ذكرتُه من تعليلٍ لم يأتِ به نصٌ حتى يُصار إليه؛ ولأنَّ الأحاديث الواردة في جلد الأَمَة جاءت مطلقة، فلم تَنُص على ذكر مائة جلدة، فيجب حملها على المقيد وهو ما جاء في الآية الكريمة، وسترى مزيدَ بيانٍ لرأيي في هذه المسألة في مبحث الترجيح، إن شاء الله تعالى. القول الرابع: أنَّ الإحصان في الآية المراد به الإسلام؛ فيكون منطوق الآية ومفهومها دالاً على إيجاب الحَدّ على الأَمَة بَعْدَ إسلامها لا قبله، وأما الإحصان في الحديث فالمراد به التزويج. وهذا رأي: الشافعي (١)، وابن العربي (٢)، واختيار الحافظ ابن حجر (٣). ولم يُبَيِّن هؤلاء الحكم المترتب على دلالتي المنطوق والمفهوم للحديث. ويرد على قولهم: ١ - أنْ لا دليل على التفريق بين الآية والحديث في معنى الإحصان. ٢ - ويلزم من مفهوم الحديث على قولهم هذا أنْ لا حَدَّ على الأَمَة إذا كانت مُزوجة؛ لإعمالهم منطوق الآية في المسلمة عموماً؛ فيكون منطوق الحديث مُخَصِّصَاً لهذا العموم، وهذا القول لا يرتضونه ولا يقولون به، فدل على ضعف رأيهم.

стр. 97

المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو إعمال منطوق الآية والحديث دون مفهومهما؛ فإذا زنت الأَمَة المسلمة فإنَّ عليها نصف ما على الحرة المسلمة البِكْرِ من العذاب، وهو خمسون جلدة، ويستوي في ذلك المُزَوّجة وغير المُزَوّجة. ولفظ الحديث مطلق، والآية جاء الحكم فيها مقيداً بالنصف؛ فيُحمل المطلق على المقيد. وأمَّا مفهوم المخالفة في الآية الكريمة فالأصح عدم اعتباره، والمانع من اعتباره أمور: ١ - أنَّ دلالة المفهوم إنما يصح اعتبارها إذا لم يُعارضها منطوق نصٍ آخر، وقد عارض مفهومَ الآية منطوقُ حديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄، فَدَلَّ على أنَّ مفهوم الآية غير معتبر. (١) ٢ - أنَّ دلالة المنطوق قطعية الدلالة، بخلاف دلالة المفهوم فإنها ظنية الدلالة، والقطعي أولى بالتقديم من الظني. (٢) ٣ - أنَّ دلالة المفهوم مختلف في حُجِّيّتها، بخلاف دلالة المنطوق؛ فإنها معتبرة باتفاق. ٤ - أنَّ دلالة المفهوم قد تكون غير مُرادة (٣)، وقد تَصْدُقُ في بعض

стр. 98

الصور دون بعض، بخلاف دلالة المنطوق فإنها دالة على كل صورها، دلالة مطابقة، وتضمن، والتزام. (١) ٥ - أنَّ النص قد ثبت في إلغاء مفهوم الآية؛ والنص هو حديث أبي هريرة ﵁، "والظاهر أنَّ السَّائل ما سَأَلَ النبيَّ ﷺ إلا لأنَّه أشكل عليه مفهوم هذه الآية، فالحديث نصٌ في محل النزاع، ولو كان جلدُ غيرِ المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لَبَيَّنَه ﷺ ". (٢) فإن قيل: فما فائدة شرط الإحصان في الآية إذا كان ذلك غير معتبر؟

стр. 99

فالجواب: أنَّ شرط الإحصان في الآية الكريمة إنما سِيقَ لتأكيد الحكم في حق الأَمَة المحصنة، وهو لا يعني نفي الحكم في غير المحصنة، وأسلوب الشرط يأتي لهذا المعنى كثيراً؛ كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)) [الحجرات: ٦]، فهذه الآية تُفيد وجوب التثبت حال كون ناقل الخبر متهماً بالفسق، ولا تعني إلغاء التثبت مطلقاً عند ظهور علامات الصدق في الناقل، بل التثبت مطلوب في كل الأحوال، لكنه يتأكد في حال دون حال، والله تعالى أعلم. ****

стр. 100

المسألة [٤]: هل يُنْشِئُ الله تعالى للنار خلقاً فيعذبهم فيها ؟ المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) [النساء: ٤٠]. وقال تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: ٤٩]. وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات: (٧) ـ (٦): عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا فَقَالَتْ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لَهَا لاَ يَدْخُلُهَا إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ (١)؟ وَقَالَتْ النَّارُ: يَعْنِي أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ثَلاَثاً، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ (٢) ". (٣)

стр. 101

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث: ظاهر الآياتُ الكريمةِ نفي الظلمِ عن اللهِ تعالى، وأنَّه سبحانه لا يُعذِّبُ أحداً من خلقه إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وهذا الذي دلَّت عليه الآيات هو محل إجماع بين العلماء، من تنزيهه سبحانه عن الظلم، أو أَنْ يُعَذِّبَ أحداً بغير ذَنْبٍ ولا حُجَّة. وأما الحديث الوارد في المسألة فقد جاء فيه ما يُوهِمُ مُعَارَضَة هذا الأصل الذي دلَّت عليه الآيات، وهو قوله: "وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ"، وهذا اللفظ يُوهِمُ أنَّ الله تعالى يُعذِّب في النار من لا ذنب له، وهو خِلاف الآيات. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث مسلكان: الأول: مسلك تضعيف الحديث بهذا اللفظ، والجزم بوقوع الغلط فيه: حيث ذهب جماعةٌ من الأئمة إلى أنَّ الحديث لا يصح بهذا اللفظ، وأنَّه مما وقع فيه الغلط من بعض الرواة، حيث انقلب عليه الحديث، فجعل الإنشاء للنار، والصواب أنَّ الإنشاء للجنة، بدليل ما أخرجاه في الصحيحين - واللفظ للبخاري - من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تَحَاجَّتِ

стр. 102

الجَنَّةُ والنَّارُ" فذكر الحديث إلى أَنْ قال: "فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى (١) بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا". (٢) نقل الحافظ ابن حجر هذا المذهب: عن أبي الحسن القابسي (٣)، وشيخه البلقيني (٤). (٥) وممن جزم بوقوع الغلط في الحديث: شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، والحافظ ابن كثير (٨)، وابن الوزير اليماني (٩). (١٠) قال أبو الحسن القابسي: "المعروف في هذا الموضع أنَّ الله ينشئ للجنة خلقاً؛ وأما النار فيضع فيها قدمه، ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار إلا هذا". اهـ (١١) وقال ابن القيم: "وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة: "وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ"، فغلط من بعض الرواة، انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونص القرآن يَرُدُّهُ، فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنه لا يُعذِّب إلا من قامت عليه حجته، وكذَّب رسله، قال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ

стр. 103

خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) [الملك: ٨]، ولا يظلم الله أحداً من خلقه". اهـ (١) وقال الحافظ ابن كثير: "طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري ... "، ثم ذكر الحديث وقال: "فهذا إنما جاء في الجنة؛ لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه، وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي ... ". اهـ (٢) الثاني: مسلك قبول الحديث، والجمع بينه وبين الآيات: وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذهبين: الأول: مذهب قبول الرواية مع توجيهها وصرفها عن ظاهرها: وهذا رأي الحافظ ابن حجر، حيث قال: "ويمكن التزام أَنْ يكونوا من ذوي الأرواح، ولكن لا يُعَذَّبون؛ كما في الخزنة، ويحتمل أَنْ يُراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق؛ بدليل قوله: "فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ"، وأعادها ثلاث مرات ثم قال: "حتى يضع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ"، فالذي يملؤها حتى تقول حسبي هو القَدَم، كما هو صريح الخبر ... ". اهـ (٣) الثاني: مذهب قبول الرواية مطلقاً: وهذا رأي المُهَلَّب (٤)، حيث يرى أنَّ هذه الرواية حجة لأهل السنة في قولهم: إنَّ لله أَنْ يُعَذِّبَ من لم يُكَلِّفْه لعبادته في الدنيا؛ لأن كل شيء ملكه، فلو عذبهم لكان غير ظالم لهم. (٥) وتُعُقِّبَ: بأنَّ أهل السنة إنما تمسكوا في ذلك بقوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)) [الأنبياء: ٢٣]، وبقوله: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: ٢٧]، وغير ذلك، وهو عندهم من جهة الجواز، وأما الوقوع

стр. 104

ففيه نظر. (١) وممن ذهب إلى قبول الرواية مطلقاً: القاضي عياض، والكرماني. قال القاضي عياض في تعليقه على الرواية: "قال بعض المتعقبين: هذا وهم، والمعروف في الإنشاء إنما هو للجنة. قال القاضي: لا يُنكر هذا، وأحد التأويلات التي قَدَّمْنَا (٢) في القَدَم - أنهم قوم تَقَدَّمَ في علم الله أنه يخلقهم لها - مطابق للإنشاء، وموافق لمعناه ... ، ولا فرق بين الإنشاء للجنة أو النار، لكن ذِكْرُ القَدَمِ بعد ذِكْرِ الإنشاء هنا يُرجِّح أَنْ يكون تأويل القَدَمِ بخلافه، بمعنى القهر والسطوة، أو قدم جبار وكافر من أهلها كانت النار تنتظر إدخاله إياها بإعلام الله لها، أو الملائكة الموكلين بما أمرهم ... ". اهـ (٣)

стр. 105

وقال الكرماني في تعليقه على الرواية: "قيل: هذا وهم من الراوي؛ إذ تعذيب غير العاصي لا يليق بكرم الله تعالى، بخلاف الإنعام على غير المطيع. قال: ولا محذور في تعذيب الله من لا ذنب له؛ إذ القاعدة القائلة بالحُسْنِ والقُبح العقليين باطلة، فلو عذَّبه لكان عدلاً، والإنشاء للجنة لا ينافي الإنشاء للنار، والله يفعل ما يشاء، فلا حاجة إلى الحمل على الوهم". اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - هو القول بضعف الحديث بهذا اللفظ، والجزم بوقوع الغلط فيه. ويدل على وقوع الغلط فيه وجوه: الأول: أنَّ الحديث رواه ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، وقد رُويَ عنهم من طُرقٍ متعددة على الوجه الصحيح، وليس في هذه الطرق ذِكرٌ لهذا اللفظ المشكل، مع اتحاد لفظ الحديث في أغلب هذه الأحاديث والطرق، وفيما يلي تفصيل هذه الطرق وبيان ألفاظها: الأول: حديث أبي هريرة ﵁: وقد رُويَ عنه من ثلاثة طرق: الأول: طريق الأعرج (عبد الرحمن بن هرمز)، عن أبي هريرة، به. وقد روي عن الأعرج من طريقين: ١ - طريق صالح بن كيسان (٢)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. وهذه الطريق هي التي وقع فيها اللفظ المشكل، وقد تقدم ذكر لفظها في أول المسألة. ٢ - طريق أبي الزناد (عبد الله بن ذكوان)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تَحَاجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ

стр. 106

وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ، فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ". (١) الثاني: طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ فُقَرَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ وَقَالَتْ النَّارُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ، وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ". (٢) الثالث: طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي. وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقاً". (٣)

стр. 107

الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "افْتَخَرَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُلُوكُ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَشْرَافُ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ. فَقَالَ ﵎ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مِنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَى فِيهَا أَهْلُهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. حَتَّى يَأْتِيَهَا ﵎ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتُزْوَى وَتَقُولُ: قَدْنِي قَدْنِي (١). وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَتَبْقَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَبْقَى ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا بِمَا يَشَاءُ". (٢) الثالث: حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لاَ يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَه، ُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ (٣) بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِك. َ وَلاَ تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ". (٤) ويتلخص من مجموع هذه الطرق أنَّ حديث صالح بن كيسان، عن الأعرج، حديثٌ مُنْقَلِبٌ لم يُتابع عليه، فأمَّا أبو هريرة فقد تخلَّص من الوهم برواية الثقات للحديث عنه على الصواب، وكذلك الأعرج فقد رواه عنه أبو الزِّناد بغير ذكره لتلك الزيادة المنكرة. (٥) الوجه الثاني - من أدلة وقوع الغلط في الحديث -: أنَّ راوي هذا الحديث المقلوب جعل تنزيه الله تعالى من الظلم عند ذكره الجنة، فأوهم بذلك أنَّ من أدخله الله تعالى الجنة بغير عمل كان ظلماً، وهذا من أفحش

стр. 108

الخطأ؛ فإنَّ الحور العين والأطفال في الجنة بغير عمل، وهذا هو الموضع الذي لا يُسمَّى ظلماً عند أحد من المسلمين، ولا من العقلاء أجمعين، ولا أشار إلى ذلك شيء من القرآن، ولا من السنة، ولا من اللغة، ولا من العُرْفِ، وإنَّما ذُكِرَ هذا في النار إشارة إلى أنَّ التعذيب بغير ذنب هو شأن الظالمين من الخلق، والله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وجعله بين خلقه محرَّماً. الوجه الثالث: أنَّ الراوي قصَّرَ في سياقه للمتن فقال: وقالت النار. ولم يذكر ما قالت، ولا سكت من قوله قالت. قال ابن بطال (١): "وهو كذلك في جميع النسخ". (٢) وذكر هذا الراوي قول الله تعالى للجنة: أنت رحمتي. ولم يُتَمِّم قوله لها: أرحم بك من أشاء من عبادي. والنقص في الحفظ والركاكة في الرواية بيّنٌ على حديثه. الوجه الرابع: تجنّب المحدثين لإخراج هذه الرواية، مثل مسلم والنسائي، مع روايتهما للحديث، ومثل أحمد بن حنبل في مسنده، مع توسعه فيه، وكذلك ابن الجوزي في جمعه أحاديث البخاري ومسلم ومسند أحمد، وكذلك ابن الأثير في جامع الأصول، وهو يعتمد الجمع بين الصحيحين للحميدي، والحميدي (٣) إنما يترك ما ليس على شرط البخاري مما ذكره في صحيحه. الوجه الخامس: أنَّه قد ثبت بالنصوص والإجماع أنَّ سنة الله تعالى أنه لا يُعذِّبُ أحداً بغير ذنب ولا حجة، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وفي الحديث: "لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ" (٤)، ومن جحد أنَّ هذه سنة الله فقد جحد الضرورة، وإذا تقرر أنها سنة الله تعالى فقد قال تعالى:

стр. 109

(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٥]، وأحسن ما أنزل الله إلينا هو الثناء عليه، وتسبيحه، وتنزيه أفعاله وأقواله، من جميع صفات النقص، فكيف يُعدل عن هذا كله - مع موافقة الرواية الصحيحة له - إلى رواية ساقطة مغلوطة مقلوبة، زلَّ بها لسان بعض الرواة. (١) ****

стр. 110

المسألة [٥]: في الحدود هل هي كفارة لأهلها أم لا ؟ المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)) [المائدة: ٣٣]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٨) ـ (٧): عن عبادة بن الصامت ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال - وحوله عصابة من أصحابه -: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ (١)، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ؛ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك". (٢)
следующие страницы →