وأما مذهب أبي حامد فلم أقف عليه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر الهيتمي قولاً آخر له، حيث قال: "والأصح كما قاله الشيخ أبو حامد أَنَّ ما ذُكِرَ محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب". اهـ (١)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو حمل الأحاديث الواردة في المسألة على ظاهرها، من أَنَّ الميت يُعذَّب بمجرد النوح عليه، وإن لم يكن له تسبب في ذلك.
والحديث إنما ورد لزجر أهل الميت من النياحة على ميتهم؛ لأنهم إذا علموا أنه يعذب بذلك فسيكفون عن النياحة عليه خوفاً من تعذيبه.
وقد كانت ظاهرة النوح منتشرة عند العرب في الجاهلية، وهي من عاداتهم القبيحة التي أبطلها الإسلام وحذر منها، وقد تكاثرت النصوص الشرعية التي عُنيت بعلاج هذه الظاهرة السيئة، وفي بعضها وعيد شديد، ومن تلك النصوص الإعلام بأن هذه الفعلة تؤدي إلى تعذيب الميت، فيجب تركها والابتعاد عنها.
وليس في هذا الاختيار ما يعارض قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وليس فيه مصادمة لقواعد الشريعة، والتي فيها أَنَّ أحداً لا يعذب بوزر غيره، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أَنَّ الآيات التي فيها أَنَّ أحداً لا يعذب بوزر غيره، هي من العمومات، وتُعد الأحاديث الواردة في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه مخصصة لهذا العموم، وليس هناك ما يمنع من القول بالتخصيص، بل القول بتخصيص الآيات أولى من القول بتخصيص الأحاديث؛ لأن الأول ورد فيه نصان الأول عام والآخر خاص، فيحمل العام على الخاص، وأما القول بتخصيص الأحاديث
стр. 177
فليس هناك دليل على هذه الدعوى إلا مجرد دفع التعارض بينها وبين الآية.
الوجه الثاني: أَنَّ القواعد الشرعية التي أصَّلها العلماء ينبغي أن تحاكم إلى النصوص الشرعية، لا أن تحاكم النصوص إليها، ومسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه تُعد من النصوص المحكمة، وهي عامة مطلقة فيجب حملها على عمومها وإطلاقها دون تخصيصها بشخص ما، أو تقييدها بحالة ما، وليس فيها ما يُصادم القواعد الشرعية؛ لأن لله سبحانه أن يفعل بعباده ما شاء، فهو سبحانه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وإذا جاز أن يُعذِّب في الدنيا من لا ذنب له بسب ذنب غيره؛ فجوازه في عالم البرزخ ويوم القيامة من باب أولى، حيث لم يأت ما يمنع من ذلك، أو يوجب الفرق بينهما.
كما أَنَّ القاعدة الشرعية - التي فيها أَنَّ أحداً لا يؤخذ بجرم غيره - إنما هي فيما لم يرد به نص، وأما ما ورد فيه نص شرعي فيجب أن يحمل على ظاهرة في حدود ما ورد فيه، دون أن يُتجاوز به إلى غيره.
ومما ينبغي أَنَّ يُعلم: أَنَّ نصوص الوعيد ترد لمقاصد شرعية، ومن هذه المقاصد الزجر عن ارتكاب المحرمات ومقارفة القبائح، ومسألة إنفاذ الوعيد من عدمه راجعة إلى مشيئة الله تعالى، فهو سبحانه إن شاء أنفذه، وإن شاء عفى وتجاوز.
وعند التأمل في نصوص الوعيد يلاحظ أَنَّ من أعظم المقاصد لإيرادها هو الزجر عن فعل المحظورات الشرعية؛ فينبغي أن يُنظر في هذا الجانب أكثر منه في جانب إنفاذ الوعيد، وهكذا مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ فإن الغرض من ذكر هذا الوعيد هو زجر أهل الميت وتهويل شأن النياحة.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، وأما بقية المذاهب والأقوال في المسألة فالجواب عنها على النحو الآتي:
أولاً: مذهب عائشة ﵂:
تقدم أَنَّ لعائشة رأيين في المسألة، فهي مرّة تؤول الحديث بأنه حكاية حال عن امرأة يهودية تعذب وأهلها يبكون عليها، ومرة أخرى تؤول الحديث بأن الله تعالى يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، وقد رفعتْ ﵂ هذه
стр. 178
الأحاديث للنبي ﷺ ، وهي صادقة في ذلك، وحاشاها أَنَّ تدعي ذلك نصرة لرأيها، وليس فيما رفعته للنبي ﷺ أي إشكال بحمد الله:
أما قولها إن النبي ﷺ قال: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا"، فهذه قصة أخرى لا علاقة لها بحديث عمر بن الخطاب، وابنه، ﵄، ولا تعارض بينهما، بل ما ذكرته هو حقيقة كل من مات على الكفر؛ فإنه يُعذب في قبره سواء بكى عليه أهله أم لا، بل إن تعذيب الكافر في قبره يُعد من الأمور المسلمة التي تضافرت النصوص على إثباتها.
وأما قولها إن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، فهذا الحديث على مذهبها يكون معارضاً للآية؛ لأن فيه زيادة في عذاب الكافر بسبب ذنب غيره، والحق أَنَّ هذا الحديث موافق لحديث عمر، وابنه، ﵄، وليس هو مخالفاً له؛ لأن حديثهما عام يشمل كل ميت، وأما حديثها ففيه ذكر بعض أفراد هذا العام، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، كما تقدم. (١)
ثانياً: مذهب الجمع بين الآية والأحاديث:
ذكر أصحاب هذا المذهب عدة تأويلات للجمع بين الآية والأحاديث، وهي في جملتها لا تخلو من تكلف، غير أَنَّ من أقواها القول الرابع، والخامس، والتاسع، وقد ذكرت الإيرادات والاعتراضات التي أوردت على كل قول، ومما يمكن إضافته هنا من إيرادات:
أولاً: مذهب الإسماعيلي وابن حزم:
هذا المذهب يَرِدُ عليه:
١ - أنه خلاف الظاهر والمتبادر من الحديث.
٢ - أَنَّ هذا القول فيه تخصيص لعموم الحديث؛ إذ يلزم منه أنه لا يعذب إلا من كانت له أعمال يستحق عليها العقوبة، والحديث كما تقدم لفظه عام ولا يصح تخصيصه إلا بدليل.
стр. 179
٣ - وأما رواية: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". (١) فهي بيان لنوع البكاء، والمعنى: أَنَّ بعض البكاء يعذب به الميت، وهو ما كان فيه ندب ونياحة.
ثانياً: القول بأن معنى الحديث توبيخ الملائكة للميت:
هذا القول يُعد بمعنى القول بتعذيب الميت مطلقاً؛ لأن توبيخ الملائكة للميت هو من جملة تعذيبه، وما ذكره أصحاب هذا القول من أحاديث تؤيد ما ذهبوا إليه هي في الحقيقة موافقة لحديث عمر، وابنه، ﵄، وهي بمثابة البيان لبعض العذاب الذي يتعرض له الميت.
ثالثاً: القول بأن التعذيب بمعنى التأذي، يَرِدُ عليه:
١ - أنه لو كان مراد الحديث تأذي الميت ببكاء أهله عليه لصار لفظ الحديث "يتعذَّب"، ولا يخفى ما بين اللفظين من فرق.
٢ - أَنَّ قوله ﷺ : "يُعذب" هو فعل لما لم يُسم فاعله، وهو يستدعي أَنَّ التعذيب يقع عليه من طرف آخر، ولو كان من أهله لقال: يعذبه بكاء أهله عليه.
٣ - أَنَّ لفظ "العذاب" الغالب استعماله في القرآن والسنة بمعنى العقاب، وإذ الأمر كذلك فإن تفسير النصوص على الأعم الغالب هو الأولى. (٢)
وأما استدلالهم بحديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ فلا يستقيم لهم؛ بل هو حجة لمن قال بحمل الحديث على ظاهره، وما ذُكِرَ فيه هو بيانٌ لبعض التعذيب الذي يتعرض له الميت بسبب بكاء أهله عليه، هذا على التسليم بثبوت الحديث، وقد تقدم أَنَّ الحديث لا يثبت من طريق أبي موسى ﵁.
وأما قصة عبد الله بن رواحة ﵁، فليست بحجة؛ إذ ليس فيها شيء مرفوع للنبي ﷺ .
стр. 180
وعلى فرض التسليم بحجيتها فإنه لا يصح الاستدلال بها، لأن حالته هذه ليست حالة احتضار؛ بدليل أنه لم يمت فيها وإنما قتل شهيداً في معركة مؤتة (١)، فكيف يعاين الملائكة بمجرد الإغماء؟ والله تعالى أعلم.
****
стр. 181
المسألة [٨]: في تحميل اليهود والنصارى ذنوب المسلمين يوم القيامة .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].
المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية:
(١٣) ـ (١٢): عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ".
(١٤) ـ (١٣): وفي رواية له: "لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا".
(١٥) ـ (١٤): وفي رواية ثالثة: "يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى". (١)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:
لم يستشكل أحد من العلماء الحديث بروايتيه الأولى والثانية، وإنما استشكلوا الحديث بروايته الثالثة، التي أفادت معنىً زائداً في الحديث، وهو مضاعفة العذاب على اليهود والنصارى بسبب تحميلهم ذنوب المسلمين، وهذا المعنى يُوهِم معارضة الآية الكريمة، التي فيها أَنَّ أحداً لا يُعذَّب بوِزْرِ غيره. (١)
стр. 185
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:
للعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بينهما:
وعلى هذا المسلك الأكثر من العلماء، حيث ذهبوا إلى إعمال الآية على ظاهرها، وأنَّ الله تعالى لا يُعذب أحداً من خلقه، ولا يزيد عليه في العذاب بسبب ذنب غيره، وأمَّا الحديث فأوَّلوه على غير ظاهره، وذكروا أوجهاً في معناه:
الأول: أَنَّ الله تعالى يُسقِطُ مؤاخذة المسلمين بذنوبهم حتى كأنهم لم يذنبوا، ويُضاعف على اليهود والنصارى العذاب بسبب ذنوبهم، حتى يكون عذابهم بقَدْرِ جُرْمِهم، وجُرْمِ مذنبي المسلمين لو أُخِذوا بذلك، وله تعالى أنْ يُضاعف العذاب لمن يشاء، ويخففه عمن يشاء. (١)
ذكر هذا الجواب: القاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والقنوجي. (٢)
الوجه الثاني في معنى الحديث: أَنَّ الله تعالى يغفر ذنوب المسلمين، ويُسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها؛ بكفرهم وذنوبهم، فيُدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين، وقوله في الحديث: "ويضعها"
стр. 186
مجاز، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم، لكن لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم، وأبقى على الكفار سيئاتهم، صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين، لكونهم حملوا الإثم الباقي، وهو إثمهم. (١)
ذكر هذا الجواب: ابن الجوزي، وابن مفلح، والنووي. (٢)
الوجه الثالث في معنى الحديث: أنْ يكون المراد آثاماً كان للكفار سببٌ فيها، بأنْ سَنّوها، فتُسْقَطُ عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويُوضع على الكفار مثلها، لكونهم سَنّوها، ومن سَنَّ سُنَّة سيئة كان عليه مثل وزْرِ كل من عمل بها. (٣)
ذكر هذا الجواب: ابن مفلح، والنووي. (٤)
الثاني: مسلك الترجيح:
حيث ذهب بعض العلماء إلى تضعيف الحديث بروايته الثالثة، كالإمام البخاري، والبيهقي، والحافظ ابن حجر.
أما البخاري فأعله بسبب الاختلاف فيه على أبي بُردة، ولأنه مُعارِضٌ لحديث الشفاعة، والذي فيه: "أَنَّ قوماً يُعذبون ثم يخرجون من النار" (٥). قال: ورواة حديث الشفاعة أكثر وأبين وأشهر. (٦)
وأما البيهقي فقد تقدم ذكر سبب إعلاله للحديث عند تخريجه في أول المسألة، وملخص رأيه:
- أَنَّ الحديث بلفظه الثالث هو مما تفرد به شداد أبو طلحة الراسبي،
стр. 187
فلم يروه على الصواب، وخالفه غيره - وهم الأكثر - فرووه على الصواب، ولم يذكروا فيه هذا اللفظ المشكل.
- أَنَّ الحديث مخالفٌ لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤] (١).
وأما الحافظ ابن حجر فضعف الحديث تبعاً للإمام البخاري والبيهقي، وذكر وجهاً آخر في تضعيفه: وهو مخالفته للأحاديث الواردة في القصاص يوم القيامة، ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ". (٢)(٣)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ضعف الحديث بلفظه الثالث؛ ومما يقوي ضعفه:
أنَّ الحديث رواه عن أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، أربعة عشر راوياً، وقد اتفق هؤلاء الرواة على لفظ واحد، وهو اللفظ الأول، ورواه اثنان آخران بلفظٍ مقاربٍ في المعنى للفظ الأول، وتفرَّد شداد أبو طلحة الراسبي باللفظ الثالث، وهو اللفظ المشكل، فلم يُتابعه عليه أحد (٤)، وشداد قد تكلم أهل العلم في روايته (٥)، فلا يُقبل منه ما تَفرَّدَ به، ناهيك عن مخالفة ما رواه
стр. 188
للأصول المُحكمة - من الكتاب والسنة وإجماع العلماء - القاطعة بأنَّ الله تعالى لا يُعذب أحداً من خلقه بوزر غيره، والله تعالى أعلم.
стр. 189
المسألة [٩]: في إيجاب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة (١) الجاني.
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(١٦) ـ (١٥): عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ (٢) عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى
стр. 190
عَاقِلَتِهَا". (١)(١٧) ـ ( .. ): وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: "ضَرَبَتْ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ (٢) وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ (٣). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ. قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ". (٤)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهر الأحاديث إيجاب الدّية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، وهذا الظاهر يُوهِمُ مُعارضة الآية، التي فيها أَنَّ أحداً لا يؤخذ بذنب غيره، وبحسب دلالة الآية فإنَّ الأولى وجوب الدّية على الجاني نفسه لا على العاقلة؛ لأنه هو المتسبب في القتل والمباشر له. (٥)
стр. 191
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
أجمع العلماء على وجوب الدّية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني.
حكى الإجماع: ابن بطال، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ ابن حجر. (١)
وأما الآية فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الأحاديث مذهبين:
الأول: التخصيص.
ويرى أصحاب هذا المذهب أَنَّ الآية على عمومها في أَنَّ أحداً لا يُؤخذُ بذنب غيره، إلا أَنَّ هذا العموم قد خُصَّ منه تحمل العاقلة دية قتل الخطأ وشبه العمد، وذلك لثبوت الحديث فيه.
وعلى هذا المذهب جماعة من أهل العلم، منهم: الشافعي، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد، والحافظ ابن حجر، والزرقاني، والمباركفوري، والصنعاني، والشوكاني. (٢)
قال الحافظ ابن حجر: "تَحَمُّل العاقلة الدّية ثابتٌ بالسنّة، وأجمع أهل العلم على ذلك، وهو مُخالِفٌ لظاهر قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، لكنه خُصُّ من عمومها ذلك؛ لما فيه من المصلحة؛ لأنَّ القاتل
стр. 192
لو أُخِذَ بالدية لأوشك أنْ تأتيَ على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطأ منه لا يُؤمن، ولو تُرك بغير تغريم لأهدر دم المقتول.
قال: ويحتمل أنْ يكون السر فيه أنه لو أُفْرِدَ بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إلى الإهدار بعد الافتقار، فجُعِلَ على عاقلته لأنَّ احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة؛ ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة أدعى إلى القبول من تحذيره نفسه، والعلم عند الله تعالى". اهـ (١)
المذهب الثاني: أَنَّ تغريم العاقلة هو من باب المواساة للجاني والتخفيف عنه.
ويرى أصحاب هذا المذهب أَنَّ الجاني لم يرتكب ذنباً حتى تتحمله العاقلة، وإنما ارتكب خطأً لم يَقْصُدْ إليه، ومن باب التخفيف عليه جُعِلت الدّية مشتركة بينه وبين عاقلته حتى لا تُجْحِفَ في ماله.
وهذا المذهب قال به جماعة من أهل العلم، منهم: الجصاص، والخطابي، والسرخسي، والكاساني (٢)، والرازي، والطاهر ابن عاشور، والآلوسي، والشنقيطي. (٣)
قال الجصاص: "تواترت الآثار عن النبي ﷺ في إيجاب دية الخطأ على العاقلة، واتفق السلف وفقهاء الأمصار عليه.
فإنْ قيل: قال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وقال النبي ﷺ : "لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلَا بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ" (٤)، وقال لأبي رِمْثَةَ (٥) وابنه: "إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي
стр. 193
عَلَيْكَ" (١)، والعقول أيضاً تمنع أخذ الإنسان بذنب غيره.
قيل له: أما قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة؛ لأنَّ الآية إنما نَفَتْ أنْ يُؤخذ الإنسان بذنب غيره، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني، إنما الدية عندنا على القاتل، وأُمِرَ هؤلاء القوم بالدخول معه في تَحَمُّلِها على وجه المواساة له، من غير أنْ يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقاً للفقراء من غير إلزامهم ذنباً لم يُذنبوه، بل على وجه المواساة، وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك، وأمر ببرِّ الوالدين، وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وإصلاح ذات البين، فكذلك أُمِرَتْ العاقلة بتحمّل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه". اهـ.
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أَنَّ تغريم العاقلة هو من باب المواساة للجاني والتخفيف عنه، وليس في تغريمهم ما يُعارض الآية؛ لأنَّ الآية إنما نَفَتْ أنْ يُؤخذ الإنسان بذنب غيره، والجاني لم يرتكب ذنباً حتى تتحمله العاقلة، وإنما وقع منه خطأ أوجب دفع الدية لأهل المقتول، حفظاً للدماء وصيانة لها من الهدر، ولما كانت الدية تُجحف في مال الجاني أوجب الله تعالى على العاقلة تحملها من باب المواساة والتخفيف عنه، والله تعالى أعلم.
****
стр. 194
المسألة [١٠]: في ولد الزنا، وهل عليه من وزر أبويه شيء ؟
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(١٨) ـ (١٦): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ". (١)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهر الأحاديث أَنَّ ولد الزنا ملومٌ بفعل أبويه، وأنه بسبب زناهما صار هو شر الثلاثة، وأنه لا يدخل الجنة، وأنه لا خير فيه، وهذا الظاهر يُوهِمُ مُعارضة الآية، التي فيها أنَّ أحداً لا يَحْمِل من إثم غيره شيئاً، إلا أنْ يكون له فيه تسبب، وولد الزنا لا ذنب له في زنا أبويه، ولم يتسبب في زناهما، فكيف جاز أن يُلام ويُعاقب على فعلٍ ليس له فيه تسبب؟ (١)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
أولاً: مسالك العلماء في حديث: "وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ":
للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث، وتأويله على معنىً لا يُعارض الآية.
وعلى هذا المسلك الجمهور من العلماء، وقد اختلفوا في تأويل الحديث على مذاهب:
الأول: أَنَّ هذا الشر ـ الذي يلحق ولد الزنا ـ إنما هو في حال إذا عمل الولد بعمل أبويه.
стр. 201
وهذا التأويل رُويَ من قول سفيان الثوري عند روايته للحديث (١)، وهو اختيار المناوي، والألباني. (٢)
وأيَّد الألباني هذا التأويل بما رُويَ عن عائشة، وابن عباس، ﵄، أَنَّ النبي ﷺ قال: "ولد الزنا شر الثلاثة، إذا عمل بعمل أبويه". (٣)
قال: "وهذا التفسير، وإنْ لم يثبت رفعه، فالأخذ به لا مناص منه؛ كي لا يتعارض الحديث مع النصوص القاطعة في الكتاب والسنة أَنَّ الإنسان لا يُؤاخذ بجرم
غيره". اهـ (٤)
المذهب الثاني: أَنَّ النبي ﷺ إنما قصد بكلامه هذا إنساناً بعينه، كان يؤذي النبي ﷺ ، وكان مع أذيته له ولد زنا، فقال النبي ﷺ : "هو شر الثلاثة"، باعتبار أذاه.
وهذا التأويل جاء مرفوعاً من حديث عائشة ﵂، فعن عروة قال: بلغ عائشة ﵂ أَنَّ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ولد الزنا شر الثلاثة"،
стр. 202
فقالت: يرحم الله أبا هريرة، أساء سمعاً، فأساء إجابة، لم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل يؤذي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه مع ما به ولد زنا"، وقال رسول الله ﷺ : "هو شر الثلاثة". (١)
стр. 203
واختار هذا التأويل: أبو جعفر الطحاوي، وأبو محمد ابن حزم. (١)
ولأبي جعفر تأويل آخر في معنى الحديث حيث قال: "يحتمل أنْ يكون المراد بالحديث هو من تحقق بالزنا حتى صار غالباً عليه، فيكون بذلك شراً ممن سواه، ممن ليس كذلك". اهـ (٢)
وهذا التأويل ذكره أيضاً في الجواب على حديث: "لن يدخل الجنة ولد زنية"، وسيأتي.
المذهب الثالث: أَنَّ شر الأبوين عارض، وولد الزنا نطفته خبيثة، فشره في أصله، وشر الأبوين من فعلهما.
وهذا التأويل قال به ابن القيم؛ فإنه ذكر حديث: "لا يدخل الجنة ولد زنا"، ثم حكى قول ابن الجوزي: إنه مُعارض لآية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: ١٨] ثم قال ابن القيم: "وليس هو مُعارض لها ـ إنْ صح ـ فإنه
стр. 204
لم يُحرم الجنة بفعل والديه، بل لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب، ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة، فإنْ كانت في هذا الجنس طيبة دخلت الجنة، وكان الحديث من العام المخصوص.
قال: وقد ورد في ذمه أنه شر الثلاثة، وهو حديث حسن، ومعناه صحيح بهذا الاعتبار، فإنَّ شر الأبوين عارض، وهذا نطفة خبيثة، فشرُّه في أصله، وشرُّ الأبوين من فعلهما". اهـ (١)
ويرد على هذا القول: أَنَّ النطفة إنما خَبُثَتْ بفعل الأبوين، والولد المُتَخَلِّقِ منها
لا ذنب له في خُبثها، فكيف يكون خبيثاً وهو لم يقصد الخبث، ولم يتسبب فيه؟ وعليه فالإشكال باقٍ ولم يتمَّ دفعه.
المذهب الرابع: أَنَّ معنى الحديث أَنَّ ولد الزنا شر الثلاثة نسباً.
وهذا تأويل السرخسي حيث قال: "تأويل الحديث: (شر الثلاثة نسباً) فإنه لا نسب له، أو أَنَّ النبي ﷺ قال ذلك في ولد زنا بعينه نشأ مرتداً، فكان أخبث من أبويه.
قال: وذلك لأن لأولاد الزنا من الحرمة ما لسائر بني آدم، ولا ذنب لهم، وإنما الذنب لآبائهم، كما ذُكِرَ عن عائشة ﵂ أنها كانت تتأول في أولاد الزنا: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (٢) [الأنعام: ١٦٤] ". اهـ (٣)
المذهب الخامس: أَنَّ ولد الزنا إنما يُذم لأنه مظنة أنْ يعمل عملاً خبيثاً.
وهذا تأويل شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: "ولد الزنا إنْ آمن وعمل صالحاً دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يُجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يُذَمُّ ولد الزنا لأنه مَظِنَّة أنْ يعمل عملاً خبيثاً، كما يقع كثيراً، كما تُحمد الأنساب الفاضلة لأنها مَظِنَّة عمل الخير، فأما إذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم". اهـ (٤)
стр. 205
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث وعدم قبوله.
وهذا المسلك حكاه ابنُ عبد البر عن الإمام مالك. (١)
وإليه ذهب أبو بكر الجصاص في كتابه "أحكام القرآن" (٢)؛ فإنه حكم على الحديث بالضعف، لشذوذه، ومخالفته للأصول، لكنه في كتابه "الفصول في الأصول" (٣) ذهب إلى قبول الحديث مع تأويله، على نحوِ ما جاء في المذهب الثاني، حيث قال: "وأما حديث أبي هريرة ـ في ولد الزنا أنه شر الثلاثة ـ فإنما معناه عندنا أنه أشار به إلى أشخاص بأعيانهم، فحكم فيهم بهذا الحكم؛ لعلمه ﵇ بأحوالهم التي يستحقون بها ذلك". اهـ
وممن ذهب إلى تضعيف الحديث: ابن الجوزي؛ فإنه أورده في العلل المتناهية (٤)، وقال: لا يصح.
وقد جاء عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، ما يدل على معارضتهما للحديث:
فعن عائشة ﵂، أنها كانت إذا قيل لها في ولد الزنا: هو شر الثلاثة، عابت ذلك وقالت: ما عليه من وزر أبويه، قال الله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ". (٥).
وعن ابن عباس ﵄، أنه قال في ولد الزنا: "لو كان شر الثلاثة لم يُتَأنَّ بأمه أن تُرجم حتى تضعه". (٦)
وعن ميمون بن مهران، أنه شهد ابن عمر صلى على ولد زنا فقيل له: إن أبا هريرة لم يُصلِّ عليه، وقال: هو شر الثلاثة. فقال ابن عمر: "هو
стр. 206
خير الثلاثة". (١)
ورُويَ نحو ذلك عن عكرمة (٢)، والشعبي (٣).
ثانياً: مسالك العلماء في حديث: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنْيَةٍ":
للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث، وتأويله على معنىً لا يُعارض الآية.
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في تأويل الحديث على مذاهب:
الأول: أَنَّ المراد بالحديث هو من تحقق بالزنا حتى صار غالباً عليه.
وهذا التأويل قال به أبو جعفر الطحاوي، وهو اختيار الألباني. (٤)
قال الطحاوي ـ بعد أن ساق الحديث ـ: "هذا الحديث أُريد به من تحقق بالزنا حتى صار غالباً عليه، فاستحق بذلك أنْ يكون منسوباً إليه، فيُقال: هو ابن له، كما يُنسب المتحققون بالدنيا إليها، فيُقال لهم: بنو الدنيا، لعملهم لها، وتحققهم بها، وتركهم ما سواها، وكما قد قيل للمتحقق بالحذر: ابن أحذار، وللمتحقق بالكلام: ابن الأقوال، وكما قيل للمسافر: ابن سبيل، وكما قيل للمقطوعين عن أموالهم، لبعد المسافة بينهم وبينها: أبناء السبيل، كما قال تعالى في أصناف أهل الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) [التوبة: ٦٠]، حتى ذكر فيهم ابن السبيل ... ، ومثل ذلك ابن زنية، قيل لمن قد تحقق بالزنا حتى صار بتحققه به منسوباً إليه، وصار الزنا غالباً عليه، أنه لا يدخل الجنة بهذه المكان التي فيه، ولم يُرِدْ به من كان ليس من ذوي الزنا الذي هو مولود
стр. 207
من الزنا". اهـ (١)
المذهب الثاني: أَنَّ الحديث محمول على الغالب؛ فإن ولد الزنا في الغالب لخباثة نطفته يكون خبيثاً لا خير فيه، فلا يعمل عملاً يدخل به الجنة.
وهذا التأويل قال به ابن حبان، وهو اختيار الآلوسي. (٢)
قال ابن حبان: "معنى نفي المصطفى ﷺ عن ولد الزنية دخول الجنة ـ وولد الزنية ليس عليهم من أوزار آبائهم وأمهاتهم شيء ـ أَنَّ ولد الزنية على الأغلب يكون أجسر على ارتكاب المزجورات، أراد ﷺ أَنَّ ولد الزنية لا يدخل الجنة، جنة يدخلها غير ذي الزنية، ممن لم تكثر جسارته على ارتكاب المزجورات". اهـ (٣)
المذهب الثالث: أَنَّ المراد بالحديث: أَنَّ ولد الزنا لا يدخل الجنة إذا عمل بعمل أبويه.
وهذا التأويل قال به البيهقي (٤)، والحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه السخاوي. (٥)
المذهب الرابع: أَنَّ المراد بالحديث: أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الأولين.
وهذا التأويل قال به المناوي، قال: "وذلك لأنه يتعثر عليه اكتساب الفضائل الحسنة، ويتيسر له رذائل الأخلاق". اهـ (٦)
المذهب الخامس: أَنَّ المراد بالحديث: أنه لا يدخل الجنة بعمل أصليه، بخلاف ولد الرشد؛ فإنه إذا مات طفلاً وأبواه مؤمنان أُلحق بهما، وبلغ درجتهما بصلاحهما، على ما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ
стр. 208
أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١]، وولد الزنا لا يدخل بعمل أصليه، أما الزاني فنسبه منقطع، وأما الزانية فشؤم زناها ـ وإن صلحت ـ يمنع من وصول بركة صلاحها إليه.
وهذا التأويل قال به الطالقاني (١). (٢)
المذهب السادس: أَنَّ الحديث فيه تغليظ وتشديد على ولد الزنية، تعريضاً بالزاني؛ لئلا يورطه في السفاح، فيكون سبباً لشقاوة نسمة بريئة.
وهذا التأويل قال به الطيبي، قال: "ومما يؤذن أنه تغليظ وتشديد: سلوك ولد الزنية في قرن العاق والمنان ومدمن الخمر، ولا ارتياب أنهم ليسوا من زمرة من لا يدخل الجنة أبداً". اهـ (٣)
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث.
حيث ذهب جمعٌ من العلماء إلى أَنَّ الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ؛ فوصفه بالاضطراب الدارقطني (٤)، وضعفه الحافظ ابن حجر (٥)، وحكم عليه بالوضع: ابن الجوزي، والسيوطي، وابن عرَّاق (٦)، وابن طاهر (٧)، والعجلوني (٨)، والشوكاني. (٩)
ثالثاً: مسالك العلماء في حديث: "نَعْلَانِ أُجَاهِدُ بِهِمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنًا".
هذا الحديث لم يصححه أحد من العلماء حسب ما وقفت عليه، وقد تأوله الطحاوي بعد روايته له، بأنه محمول على من تحقق بالزنا حتى صار
стр. 209
غالباً عليه. (١)
وتأوله السندي: بأنَّ المراد أَنَّ أجر إعتاقه قليل، وذلك لأن الغالب عليه الشر عادة، فالإحسان إليه قليل الأجر، كالإحسان إلى غير أهله. (٢)
المبحث الخامس: الترجيح:
التحقيق أنه لا يصح في المسألة إلا حديث أبي هريرة ﵁، أَنَّ النبي ﷺ قال: "وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ"، وأما بَقيَّة الأحاديث فلا يصح منها شيء، وقد بينت في أول المسألة ما فيها من علل.
والذي يظهر لي في معنى حديث أبي هريرة: أَنَّ ولد الزنا هو شر الثلاثة شؤماً بالزنا، وأنَّ معنى قوله ﷺ : "شر الثلاثة" أي: أشد الثلاثة تضرراً بالزنا، وذلك لأن الأبوين إذا تابا وسترا على أنفسهما فقد اندفعت عنهما مَعَرَّةُ الزنا، فلا يَعْلَم أحدٌ بحالهما، وأما الابن فلا يزال شؤم الزنا يلاحقه طيلة حياته، فهو معروف بين الناس بأنه ولد زنا، ولا يستطيع بحال أنْ يتخلص من ذلك، ومن هذا الباب أصبح شر الثلاثة، أي شر الثلاثة شؤماً بالزنا، وهذا المعنى لا يلزم منه أنْ يكون ابن الزنا ملوماً بزنا أبويه، أو أنه يُعاقب على ذلك، بل هو بريء كل البراءة من إثم أبويه، وإذا كان صالحاً لم يلحقه من شؤم الزنا إلا وصفه به، ولا يلحقه من إثم أبويه شيء.
وقد جاء في السنة إطلاق الشر على الضرر، وإنْ لم يكن الموصوف به آثماً أو مُلاماً عليه، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)) [المرسلات: ١] فَنَحْنُ نَأْخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً، إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ: اقْتُلُوهَا، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ، كَمَا وَقَاكُمْ شَرَّهَا". (٣)
стр. 210
ففي هذا الحديث تسمية النبي ﷺ مبادرة الصحابة لقتل الحية شراً، وليس في وصفه ﷺ لفعلهم بالشر ما يدل على كراهته له أو تحريمه، وإنما سماه النبي ﷺ شراً باعتبار الضرر الذي يلحق الحية؛ لا باعتبار أنَّ الفعل شر، أو أنَّ فاعله آثم، والله تعالى أعلم.
****
стр. 211
المسألة [١١]: في رؤية الإنس للجن .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)) [الأعراف: ٢٧].
المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية:
(٢١) ـ (١٩): عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ؛ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: ٣٥] ". (١)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:
ظاهر الآية الكريمة نفي رؤية الإنس للجن، وأما الحديث ففيه إثبات الرؤية، وهذا يُوهِمُ خلاف الآية.
стр. 212
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:
اختلف العلماء في إمكان رؤية الإنس للجن على مذهبين:
الأول: إمكان رؤية الإنس للجن.
وهذا مذهب أهل السنة (١)، إلا أنهم اختلفوا في تأويل الآية، والجمع بينها وبين الحديث، على أقوال:
الأول: أنَّ الآية محمولة على الأعم الأغلب، وليس المراد نفي رؤيتهم مطلقاً؛ حيث إنَّ الغالب هو عدم رؤيتهم من قِبَلِ الإنس، ولكن لا مانع من رؤيتهم في بعض الأحيان، كما وقع للنبي ﷺ .
وهذا رأي: الخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والنووي، وابن رجب، والآلوسي. (٢)
القول الثاني: أنَّ المراد في الآية نفي رؤيتنا لهم في الحال التي يروننا فيها، وليس في الآية ما يُفيد نفي رؤيتنا لهم مطلقاً؛ إذ المستفاد منها أنَّ رؤيتهم إيانا مُقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في وقت رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت. (٣)
وهذا رأي: شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والكرماني (٥)، وابن حجر الهيتمي (٦)، والشوكاني.
стр. 213
قال الشوكاني: "وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أنَّ رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها: أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً؛ فإنَّ انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً". اهـ (١)
واعترض: بأنَّ في حديث أبي هريرة رؤية الاثنين، بعضهم لبعض، في آنٍ واحد، وليس فيه ما ذُكِرَ من التفصيل.
القول الثالث: أنَّ رؤيتهم على طبيعتهم وصورهم الأصلية التي خُلِقوا عليها ممتنعة؛ لظاهر الآية، لكن إذا تشكلوا في غير صورهم أمكن رؤيتهم، وعليه تُحمل الأحاديث والآثار الواردة في المسألة.
ذكر هذا القول: القاضي عياض (٢).
وهو اختيار: الحافظ ابن حجر (٣)، والعيني (٤).
واعترض عليه النووي قائلاً: "هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة". (٥)
القول الرابع: أنَّ رؤيتهم على صورهم التي خُلِقوا عليها هو مما اختص به الأنبياء ﵈ وهو من معجزاتهم، وعليه تحمل الآية، وأما سائر الناس فلا يمكنهم رؤيتهم إلا إذا تشكلوا في غير صورهم التي خُلقوا عليها.
وهذا رأي: ابن بطال، والنحاس (٦)، وابن عاشور (٧).
قال ابن بطال: "رؤيته ﷺ للعفريت هو مما خُص به، كما خُص برؤية الملائكة، وقد أخبر ﷺ أنَّ جبريل ﵇ له ستمائة جناح (٨)، ورأى النبي ﷺ الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسُّمِه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة
стр. 214
عليها، ولكنه ألقى في روعه ما وُهِبَ سليمان ﵇ فلم يُنفِذ ما قوي عليه من حبسه رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصاً على إجابة الله تعالى دعوته، وأما غير النبي من الناس فلا يمكن منه، ولا يرى أحدٌ الشيطانَ على صورته غيره ﷺ ؛ لقوله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية فقتله فمات الرجل به، فبين النبي ﷺ ذلك بقوله: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (١) ". اهـ (٢)
القول الخامس: أنَّ رؤية الجن ممتنعة مطلقاً إلا لنبي، أو في زمن نبي.
وهذا رأي: ابن حزم، حيث قال عن الجن: "وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) .... ، وإذ أخبرنا الله أننا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء ﵈ فذلك معجزة لهم، كما نص رسول الله ﷺ أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال: فأخذته فذكرت دعوة أخي سليمان، ولولا ذلك لأصبح موثقاً يراه أهل المدينة، وكذلك في رواية عن أبي هريرة ﵁ للذي رأى (٣)؛ أنها هي معجزة لرسول الله ﷺ ، ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية حتى بعد موت رسول الله ﷺ ، وإنما هي منقطعات، أو عمن لا خير فيه". اهـ (٤)
ونُقِلَ عن الإمام الشافعي أنه قال: "من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلت شهادته؛ لأن الله يقول: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، إلا أن يكون نبياً". (٥)
القول السادس: أنَّ الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكر الشيطان وخفي حيله، وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة.
стр. 215
ذكره الآلوسي في تفسيره احتمالاً آخر في الجمع (١)، ولا يخفى بعده، بل هو من التفسير الإشاري المخالف لظاهر القرآن الكريم.
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بإمكان الرؤية - وهم أهل السنة - بأدلة منها:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ الوارد في المسألة.
الدليل الثاني: قصة أبي هريرة ﵁ مع الشيطان، وقد رآه أبو هريرة في صورة مسكين على هيئة إنسان (٢)، وهذا يدل على أنَّ الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم.
الدليل الثالث: أنَّ الله تعالى نص في كتابه على عمل الجن لسليمان ﵇ ومخاطبتهم له، في قوله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)) [النمل: ٣٩]، ومثل هذا لا يُنكر مع تصريح القرآن بذلك، وثبوت الأحاديث الصحيحة. (٣)
المذهب الثاني: نفي إمكان رؤية الجن مطلقاً، لا لنبي، ولا لغيره.
وهذا مذهب المعتزلة (٤)، وبعض الأشاعرة (٥).