← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المسألة [١١]: في رؤية الإنس للجن . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)) [الأعراف: ٢٧]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية: (٢١) ـ (١٩): عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ؛ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: ٣٥] ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر الآية الكريمة نفي رؤية الإنس للجن، وأما الحديث ففيه إثبات الرؤية، وهذا يُوهِمُ خلاف الآية.

стр. 212

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: اختلف العلماء في إمكان رؤية الإنس للجن على مذهبين: الأول: إمكان رؤية الإنس للجن. وهذا مذهب أهل السنة (١)، إلا أنهم اختلفوا في تأويل الآية، والجمع بينها وبين الحديث، على أقوال: الأول: أنَّ الآية محمولة على الأعم الأغلب، وليس المراد نفي رؤيتهم مطلقاً؛ حيث إنَّ الغالب هو عدم رؤيتهم من قِبَلِ الإنس، ولكن لا مانع من رؤيتهم في بعض الأحيان، كما وقع للنبي ﷺ . وهذا رأي: الخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والنووي، وابن رجب، والآلوسي. (٢) القول الثاني: أنَّ المراد في الآية نفي رؤيتنا لهم في الحال التي يروننا فيها، وليس في الآية ما يُفيد نفي رؤيتنا لهم مطلقاً؛ إذ المستفاد منها أنَّ رؤيتهم إيانا مُقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في وقت رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت. (٣) وهذا رأي: شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والكرماني (٥)، وابن حجر الهيتمي (٦)، والشوكاني.

стр. 213

قال الشوكاني: "وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أنَّ رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها: أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً؛ فإنَّ انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً". اهـ (١) واعترض: بأنَّ في حديث أبي هريرة رؤية الاثنين، بعضهم لبعض، في آنٍ واحد، وليس فيه ما ذُكِرَ من التفصيل. القول الثالث: أنَّ رؤيتهم على طبيعتهم وصورهم الأصلية التي خُلِقوا عليها ممتنعة؛ لظاهر الآية، لكن إذا تشكلوا في غير صورهم أمكن رؤيتهم، وعليه تُحمل الأحاديث والآثار الواردة في المسألة. ذكر هذا القول: القاضي عياض (٢). وهو اختيار: الحافظ ابن حجر (٣)، والعيني (٤). واعترض عليه النووي قائلاً: "هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة". (٥) القول الرابع: أنَّ رؤيتهم على صورهم التي خُلِقوا عليها هو مما اختص به الأنبياء ﵈ وهو من معجزاتهم، وعليه تحمل الآية، وأما سائر الناس فلا يمكنهم رؤيتهم إلا إذا تشكلوا في غير صورهم التي خُلقوا عليها. وهذا رأي: ابن بطال، والنحاس (٦)، وابن عاشور (٧). قال ابن بطال: "رؤيته ﷺ للعفريت هو مما خُص به، كما خُص برؤية الملائكة، وقد أخبر ﷺ أنَّ جبريل ﵇ له ستمائة جناح (٨)، ورأى النبي ﷺ الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسُّمِه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة

стр. 214

عليها، ولكنه ألقى في روعه ما وُهِبَ سليمان ﵇ فلم يُنفِذ ما قوي عليه من حبسه رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصاً على إجابة الله تعالى دعوته، وأما غير النبي من الناس فلا يمكن منه، ولا يرى أحدٌ الشيطانَ على صورته غيره ﷺ ؛ لقوله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية فقتله فمات الرجل به، فبين النبي ﷺ ذلك بقوله: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (١) ". اهـ (٢) القول الخامس: أنَّ رؤية الجن ممتنعة مطلقاً إلا لنبي، أو في زمن نبي. وهذا رأي: ابن حزم، حيث قال عن الجن: "وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) .... ، وإذ أخبرنا الله أننا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء ﵈ فذلك معجزة لهم، كما نص رسول الله ﷺ أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال: فأخذته فذكرت دعوة أخي سليمان، ولولا ذلك لأصبح موثقاً يراه أهل المدينة، وكذلك في رواية عن أبي هريرة ﵁ للذي رأى (٣)؛ أنها هي معجزة لرسول الله ﷺ ، ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية حتى بعد موت رسول الله ﷺ ، وإنما هي منقطعات، أو عمن لا خير فيه". اهـ (٤) ونُقِلَ عن الإمام الشافعي أنه قال: "من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلت شهادته؛ لأن الله يقول: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، إلا أن يكون نبياً". (٥) القول السادس: أنَّ الآية خارجة مخرج التمثيل لدقيق مكر الشيطان وخفي حيله، وليس المقصود منها نفي الرؤية حقيقة.

стр. 215

ذكره الآلوسي في تفسيره احتمالاً آخر في الجمع (١)، ولا يخفى بعده، بل هو من التفسير الإشاري المخالف لظاهر القرآن الكريم. أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بإمكان الرؤية - وهم أهل السنة - بأدلة منها: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ الوارد في المسألة. الدليل الثاني: قصة أبي هريرة ﵁ مع الشيطان، وقد رآه أبو هريرة في صورة مسكين على هيئة إنسان (٢)، وهذا يدل على أنَّ الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم. الدليل الثالث: أنَّ الله تعالى نص في كتابه على عمل الجن لسليمان ﵇ ومخاطبتهم له، في قوله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)) [النمل: ٣٩]، ومثل هذا لا يُنكر مع تصريح القرآن بذلك، وثبوت الأحاديث الصحيحة. (٣) المذهب الثاني: نفي إمكان رؤية الجن مطلقاً، لا لنبي، ولا لغيره. وهذا مذهب المعتزلة (٤)، وبعض الأشاعرة (٥).

стр. 216

وبه قال الزمخشري، والفخر الرازي. قال الزمخشري - بعد أن أورد الآية -: "وفيه دليل بَيّنٌ أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زَعْمَ من يَدَّعي رؤيتهم زورٌ ومخرقة". اهـ (١) وقال الفخر الرازي: "قوله تعالى: (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) يدل على أنَّ الإنس لا يرون الجن؛ لأن قوله: (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء: ولو قَدِرَ الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا وأرادوا لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جِنِّيٌّ صوّر نفسه بصورة ولدي أو زوجتي، وعلى هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص". اهـ (٢) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو إمكان رؤية الإنس للجن، وأنَّ الآية محمولة على نفي رؤيتهم على الهيئة التي خُلِقوا عليها، لكن إذا تشكَّلوا في صورٍ أخرى من إنسان أو حيوان أمكن رؤيتهم، وعليه فتكون الآية مقيدة بمنع رؤيتهم في حال دون حال، وتلك الحال هي هيئتهم التي خُلقوا عليها. يدل على هذا الاختيار: ١ - ما ذُكِرَ في المسألة من الأحاديث، والتي فيها رؤية النبي ﷺ لهم. ٢ - وما ورد من رؤية بعض الصحابة لهم على صورة إنسان، أو حيوان، وهذا يدل على أنهم لا يُرون على هيئتهم التي خلقوا عليها، لكن إذا تشكلوا في صور أخرى أمكن رؤيتهم.

стр. 217

٣ - أنه لم يُنقل أنَّ أحداً رآهم على هيئتهم التي خلقوا عليها، لا في حديث، ولا في أثر، على حين تعددت الوقائع برؤيتهم في صورٍ أخرى، فدل على صحة ما قلناه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما رؤية كثير من الناس للجن - حال الصرع وغير الصرع - فهذا أكثر وأشهر من أن يذكر .... ، وقد اتفق أئمة الإسلام على وجود الجن، وقد رآهم غير واحد من الناس، وخاطبوهم ... ". اهـ (١) ****

стр. 218

المسألة [١٢]: في مستقر أرواح الكفار . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)) [الأعراف: ٤٠]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٢٢) ـ (٢٠): عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذَرٍّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ ﷺ قال: ... ، فذكر حديث الإسراء بطوله، ثم ذكر قول النبي ﷺ : "فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا؛ فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ (١)، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ؛ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ (٢) بَنِيه؛ ِ فَأَهْلُ

стр. 219

الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى ... ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر الآية الكريمة أنَّ أرواح الكفار لا تُفَتَّح لها أبواب السماء (٢)، وأما الحديث الشريف ففيه أنَّ أرواح الكفار على يسار آدم ﵇، وهذا يُوهِمُ كونها في السماء الدنيا، وهو خلاف الآية. (٣) وقد جاء في السنة ما يؤكد معنى الآية، فعن البراء بن عازب ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمْ الْمُسُوحُ (٤)، فَيَجْلِسُونَ

стр. 220

مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ؛ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ. قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (١) مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا؛ فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ، فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: ٣١] ". (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين: الأول: أنَّ آدم ﵇ كان ينظر إلى نسم بنيه عن يمينه وشماله، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها، فنسم المؤمنين في الجنة، في عليين، ونسم الكافرين في سجين، في الأرض السُفلى، وليس معنى الحديث أنها عند آدم في السماء الدنيا.

стр. 221

وهذا مذهب: القاضي عياض، وابن رجب، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والآلوسي. (١) واستدلوا له (٢): ١ - بأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار في صلاة الكسوف (٣)، وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض. ٢ - ورآهما ليلة الإسراء في السماء (٤)، وليست النار في السماء (٥).

стр. 222

٣ - وبأن حديث الإسراء قد روي بلفظ آخر، وفيه ما يؤيد هذا القول، ويزيل الإشكال عن الحديث؛ فعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ... فذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: "ثم صعد به إلى السماء؛ فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا بشيخ جالس تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خلق البشر، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى وحزن، فقال: يا جبريل، من هذا الشيخ؟ وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا رأى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله باب جهنم من يدخله من ذريته بكى وحزن". (١)

стр. 223

المذهب الثاني: أنَّ الأرواح التي رآها النبي ﷺ عن يمين آدم وشماله إنما هي أرواح بنيه التي لم تُخلق أجسادهم بعدُ. (١)

стр. 224

ذكره الحافظ ابن حجر وجهاً آخر في الجمع. (١) ثم رجع عنه واستقرَّ رأيه على القول الأول. (٢) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الأول، وأنَّ معنى الحديث: أنَّ آدم ﵇ كان ينظر إلى نسم بنيه وهم في منازلهم من الجنة أو النار، وهذا القول لا يلزم منه أن تكون النار في السماء، إذ من الممكن رؤيتها وهي في الأرض، كما رأى النبي ﷺ نهر النيل والفرات ليلة أسري به (٣)، وهو في السماء، وقد ذكر أصحاب هذا القول رؤيته ﷺ للنار وهو في السماء، ورؤيته للجنة وهو في الأرض، وهذا كله يدل على أن رؤية الشيء في مكان ما لا يستلزم أن يكون ذلك المكان ظرفاً للمرئي، ومن ذلك رؤية آدم ﵇ لنسم بنيه وهو في السماء لا يلزم منه أن تكون السماء ظرفاً لما رآه، والله تعالى أعلم. ****

стр. 225

المسألة [١٣]: في المُوجِبِ لدخول الجنة . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)) [الأعراف: ٤٣]. وقال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) [النحل: ٣٢]. (١) المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات: (٢٣) ـ (٢١): عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ". (٢) (٢٤) ـ ( .. ): وفي رواية عند أحمد: "لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ". (٣)

стр. 226

(٢٥) ـ ( .. ): وفي رواية لمسلم: "لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث: ظاهر الآيات الكريمة أنَّ مجرد العمل الصالح هو الذي يُدْخِلُ الجنة؛ وأمَّا الحديث فظاهره أنَّ العمل لا يُدْخِلُ الجنة، وهذا يُوهِمُ خلاف الآيات. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: اتفق علماء أهلِ السُّنة على أنَّه لا يستحق أحدٌ الثواب ودخول الجنة بمجرد العمل، بل لا بُدَّ من رحمة الله تعالى وفضله، كما دلَّ عليه حديث المسألة.

стр. 227

وخالف المعتزلة فأوجبوا على الله تعالى ثواب الأعمال، وقالوا: إنَّ دخول الجنة إنما هو بسبب الأعمال لا بالتَّفَضُّل (١)، وقد أنكر عليهم أهل السنة قولهم هذا وبينوا خطأه وعواره. ومذهب أهل السنة أنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيء، بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذَّب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان عدلاً منه، ولو أكرمهم ونعَّمَهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر سبحانه وخبره صدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويُدخلهم الجنة برحمته، ويُعذب الكافرين ويُدخلهم النار عدلاً منه سبحانه. (٢) وأمَّا الآيات التي يُوهم ظاهرها أنَّ الأعمال الصالحة هي التي تُدْخِلُ الجنة؛ فقد اختلف العلماء في الجواب عنها، وفي الجمع بينها وبين الحديث على مذاهب: الأول: أنَّ العمل بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنة لولا أنَّ الله جعله - بفضله ورحمته - سبباً لذلك، والعمل نفسه من فضل الله ورحمته على عبده، فالجنة وأسبابها كلٌّ من فضل الله ورحمته. (٣) وهذا مذهب: ابن حزم، والبيهقي، وابن العربي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وأبي العباس القرطبي، والنووي، والخازن، وابن رجب، وابن الوزير اليماني، وأبي زرعة العراقي، والشوكاني. (٤)

стр. 228

قال البيهقي - بعد روايته للحديث -: "وهذا لأنَّه إنَّما أمْكَنَهُ العمل بالطاعة بتوفيق الله إياه لذلك، وإنما ترك المعصية بعصمة الله إياه عنها، والتوفيق والعصمة بإرادة الله وتوفيقه وعصمته، وهي رحمته، فالنجاة في الحقيقة واقعة برحمة الله وفضله، ولا بُدَّ من العمل لامتثال الأمر". اهـ (١) وقال النووي: "وأمَّا قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)) [الزخرف: ٧٢] ونحوهما من الآيات الدالة على أنَّ الأعمال يَدْخُل بها الجنة فلا يُعارض هذا الحديث؛ بل معنى الآيات أنَّ دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصِحُّ أنَّه لم يَدْخُل بمجرد العمل، وهو مُراد الحديث، ويصِحُّ أنَّه دخل بالأعمال، أي بسببها، وهي من الرحمة". اهـ (٢) المذهب الثاني: أنَّ الباء التي نفت الدخول هي باء المُعَاوَضَة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلاً للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره. وهذا مذهب: شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، وابن أبي العز الحنفي، وابن القيم، وابن عاشور. (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد سُئِلَ عن قوله تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هل يَدْخُل أحدٌ الجنة بعمله، أم ينقضه قوله ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"؟ فأجاب: "لا مناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة، إذ المُثبت

стр. 229

في القرآن ليس هو المنفي في السنة، والتناقض إنما يكون إذا كان المُثبت هو المنفي، وذلك أنَّ الله تعالى قال: (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)) [الحاقة: ٢٤] وقال: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٩] وقال: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)) [الواقعة: ٢٢ - ٢٤]، فَبَيَّن بهذه النصوص أنَّ العمل سبب للثواب، والباء للسبب؛ كما في مثل قوله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [الأعراف: ٥٧] وقوله: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [البقرة: ١٦٤] ونحو ذلك مما يُبَيّن به الأسباب، ولا ريب أنَّ العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدَّر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما يُيسره له من العمل الصالح، كما قدَّر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيء .... ، وإذا عُرِفَ أنَّ الباء هنا للسبب فمعلوم أنَّ السبب لا يستقل بالحكم، فمُجرد نزول المطر ليس موجباً للنبات، بل لا بُدَّ من أنْ يخلق اللهُ أموراً أخرى، ويدفع عنه الآفات المانعة، فيُرَبّيه بالتراب والشمس والريح، ويدفع عنه ما يُفسده، فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضلٍ من الله أكبر منه. وأما قوله ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"؛ فإنَّه ذكره في سياق أمره لهم بالاقتصاد قال: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ"، وقال: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ (١) وَالرَّوْحَةِ (٢) وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ (٣) " (٤)، فنفى بهذا

стр. 230

الحديث ما قد تتوهمه النفوس من أنَّ الجزاء من الله على سبيل المعاوضة والمقابلة، كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا؛ فإنَّ الأجير يعمل لمن استأجره، فيُعطيه أجره بقدر عمله، على طريق المعاوضة، إنْ زاد زاد أجرته، وإنْ نقص نقص أجرته، وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق البائع الثمن، فنفى ﷺ أنْ يكون جزاءُ الله وثوابه على سبيل المعاوضة والمقابلة والمعادلة، والباء هنا كالباء الداخلة في المعاوضات، كما يقال: استأجرت هذا بكذا، وأخذت أجرتي بعملي، وكثير من الناس قد يتوهم ما يشبه هذا، وهذا غلط من وجوه: أحدها: أنَّ الله تعالى ليس محتاجاً إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى عمل من يستأجره. الثاني: أنَّ الله هو الذي مَنَّ على العامل بأنْ خَلَقَهُ أولاً، وأحياه ورزقه، ثم بأنْ أرسل إليه الرسل، وأنزل إليه الكتب، ثم بأنْ يسر له العمل، وحبَّبَ إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، والمخلوق إذا عمل لغيره لم يكن المستعمل هو الخالق لعمل أجيره، فكيف يُتصور أنْ يكون للعبد على الله عِوض، وهو خلقه وأحدثه وأنعم على العبد به، وهل تكون إحدى نعمتيه عوضاً عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهما. الثالث: أنَّ عمل العبد لو بلغ ما بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله مقابلاً له ومعادلاً حتى يكون عوضاً؛ بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك العمل. الرابع: أنَّ العبد قد يُنَعَّم ويُمَتَّع في الدنيا بما أنعم الله به عليه مما يستحق بإزائه أضعاف ذلك العمل إذا طلبت المعادلة والمقابلة. الخامس: أنَّ العباد لا بُدَّ لهم من سيئات، ولا بُدَّ في حياتهم من تقصير، فلولا عفو الله لهم عن السيئات وتقبله أحسن ما عملوا لما استحقوا ثواباً؛ ولهذا قال ﷺ : "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ". قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)) [الانشقاق: ٧ - ٨]؟ قَالَ: "ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ

стр. 231

الْحِسَابَ هَلَكَ". (١) ولهذا قال في الحديث - لما قيل له: "وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ". فتَبَيَّن بهذا الحديث أنَّه لا بُدَّ من عفو الله وتجاوزه عن العبد، وإلا فلو ناقشه على عمله لما استحق به الجزاء، قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) [الأحقاف: ١٦]، وقال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)) إلى قوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)) [الزمر: ٣٣ - ٣٥] .... ". اهـ (٢) المذهب الثالث: أنَّ الباء في الآية للمعاوضة والمقابلة وليست للسببية. وبهذا جزم الشيخ جمال الدين ابن هشام (٣) في "المغني" فقال: "المعنى الثامن للباء: المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألف درهم، وقولهم هذا بذاك. ومنه قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢]، وإنما لم نُقدِّرها باء السببية - كما قالت المعتزلة (٤)، وكما قال الجميع في: "لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"- لأنَّ المعطي بعوض قد يُعطي مجاناً، وأمَّا المُسَبَّبَ فلا يوجد بدون السبب، وقد تَبَيَّن أنه لا تَعارض بين الحديث والآية لاختلاف محلي البائين، جمعاً بين الأدلة". اهـ (٥) المذهب الرابع: أنَّ الباء في الآية ليست للسببية؛ بل للإلصاق أو المصاحبة، والمعنى: أورثتموها ملابسة أو مصاحبة لأعمالكم. وهذا مذهب الكرماني، واختيار العيني. (٦) وجَوَّزا أنْ تكون الباء في الآية للمقابلة كما هو مذهب ابن هشام.

стр. 232

قال العيني: "فإنْ قلت: كيف الجمع بين هذه الآية وقوله ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"؟ قلت: الباء في قوله: (بِمَا كُنْتُمْ) ليست للسببية، بل للملابسة. أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم، أي لثواب أعمالكم. أو للمقابلة؛ نحو: أعطيت الشاة بالدرهم". اهـ (١) المذهب الخامس: أنَّ مجرد دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله وفضله، وعليه يُحمل الحديث، وأما اقتسام منازل الجنة ودرجاتها فإنَّ ذلك يتفاوت بتفاوت الأعمال، وعليه تُحمل الآية. وهذا مذهب ابن بطال، وأبي عبد الله القرطبي. (٢) قال ابن بطال: "فإن قال قائل: فإنَّ قوله ﷺ : "لن يدخل أحدكم عمله الجنة" يُعارض قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)) [الزخرف: ٧٢]. قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبي ﷺ في الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى في الآية أنَّ الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أنَّ درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك". اهـ ثم أورد على جوابه هذا قوله تعالى: (سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)) [النحل: ٣٢] حيث أخبر سبحانه أن دخول الجنة بالأعمال أيضاً. وأجاب: "بأن قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] كلامٌ مُجْمَلٌ يُبيّنه الحديث، وتقديره: ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مُفتقرة إلى بيان الحديث. قال: وللجمع بين الحديث وبين الآيات وجه آخر: هو أنْ يكون الحديث مُفِسراً للآيات، ويكون تقديرها: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢]، و (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)) [الطور: ١٩]، و (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: ٣٢] مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم؛ لأنَّ فضله

стр. 233

تعالى ورحمته لعباده في اقتسام المنازل في الجنة، كما هو في دخول الجنة لا ينفك منه، حين ألهمهم إلى ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاة الله عباده من رحمته وتفضله، ألا ترى أنه تعالى جازى على الحسنة عشرًا، وجازى على السيئة واحدة، وأنه ابتدأ عباده بنعم لا تُحصى، لم يتقدم لهم فيها سبب ولا فعل، منها أنْ خلقهم بشرًا سوياً، ومنها نعمة الإسلام ونعمة العافية ونعمة تضمنه تعالى لأرزاق عباده، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وأنَّ رحمته سبقت غضبه، إلى ما لا يُهتَدى إلى معرفته من ظاهر النعم وباطنها". اهـ (١) المذهب السادس: أنَّ الباء في الآية للسببية العادية، أي المجاز، وفي الحديث للسببية الحقيقية. وهذا مذهب: ابن عطية، وأبي حيان، والملا علي القاري، والآلوسي، والقاسمي. (٢) قال ابن عطية: "وقوله: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي بما كان في أعمالكم من تكسبكم، وهذا على التجوز، علَّق دخولهم الجنة بأعمالهم من حيث جعل الأعمال أمارة لإدخال العبد الجنة، ويعترض في هذا المعنى قول رسول الله ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"، وهذه الآية تُردُّ بالتأويل إلى معنى الحديث". اهـ (٣) المذهب السابع: أنَّ الآية في العمل المقبول، والحديث في العمل المجرد من القبول. وهذا مذهب الحافظ ابن حجر، والشنقيطي (٤).

стр. 234

قال ابن حجر: "ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث: أنْ يُحمل الحديث على أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أنْ تكون "الباء" للمصاحبة، أو للإلصاق، أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية". اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الله تعالى جعل الأعمال الصالحة سبباً لدخول الجنة، وهي في الحقيقة راجعة إلى توفيق الله تعالى وفضله؛ إذ ليس في مقدور العبد الإتيان بها لولا توفيق الله تعالى وتيسيره. "والله تعالى قدَّر لعبده المؤمن دخول الجنة بما ييسره له من العمل الصالح، كما قدَّر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيئ، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ". (٢) وقال: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ". (٣) ". (٤)

стр. 235

كما أنَّ الأعمال الصالحة لا تُفيد العبد شيئاً ما لم تكن مقبولة، فالشأن كل الشأن في القبول لا في العمل. والذي يزيل الإشكال ويدفع التعارض بين الآيات والحديث هو حمل "الباء" في الآيات على السببية، وفي الحديث على المعاوضة، فالآيات أثبتت الأسباب، والحديث نفى وجوب الثواب، والله سبحانه أعلم بالصواب. ****

стр. 236

المسألة [١٤]: في مدة خلق السماوات والأرض . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف: ٥٤]. (١) وقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)) [فصلت: ٩ - ١٢]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات: (٢٦) ـ (٢٢): عن أبي هريرة ﵁ قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ (٢) يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ،

стр. 237

وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ، مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ". (١)

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 240

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث: ظاهرُ الحديثِ الشريفِ أنَّ خلق الأرض وما فيها استغرق سبعة أيام، وهذا يُوهِمُ خلاف الآيات، والتي فيها أَنَّ الله خلق السماوات والأرض

стр. 241

وما بينهما في ستة أيام، وفيه أيضاً مخالفةٌ لآية فُصِّلَتْ؛ إذ الحديث ظاهره أنَّ خلق الأرض استغرق الأيام الستة كلها، وأما الآية فظاهرها أَنَّ مدة خلق الأرض استغرق أربعة أيام، ثم خُلقِتْ السماء بعد ذلك في يومين. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث مسلكان: الأول: مسلك تضعيف رفع الحديث، وترجيح وقفه على أبي هريرة ﵁. ويرى أصحاب هذا المسلك: أَنَّ أبا هريرة ﵁ إنما أخذه عن كعب الأحبار، وأن رفعه خطأ من بعض رواة الحديث؛ وأنَّ أصله من الإسرائيليات المُتَلَقَّفة عن مَسْلَمَة أهل الكتاب. وهذا رأي الأكثر من المفسرين والمحدثين. وممن قال به: البخاري (٢)، وعلي بن المديني (٣)، وابن جرير الطبري (٤)، والبيهقي (٥)، وأبو العباس القرطبي (٦)، وأبو عبد الله القرطبي (٧)،

стр. 242

وشيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، والحافظ ابن كثير (٣)، والزركشي (٤)، والمناوي (٥)، والآلوسي (٦)، وأبو شهبة (٧). وقد ذكرتُ في التخريج تعليل البخاري، وابن المديني، لإسناد الحديث، وسأذكر هاهنا ما أورده أصحاب هذا المسلك من علل في متنه: العلة الأولى: أنه جعل أيام التخليق في سبعة أيام، وهذا خلاف ما جاء به القرآن، حيث ذكر الله تعالى أَنَّ خلق السماوات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض، ويومان للسماء. العلة الثانية: أنه لم يذكر في الحديث خلق السماء، وجعل خلق الأرض مستوعباً للأيام الستة. العلة الثالثة: أنه مخالف للأحاديث والآثار، والتي فيها أَنَّ الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، لا السبت (٨).

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 244

وقد حكى ابن جرير الطبري الإجماع على أَنَّ الله ابتدأ الخلق يوم الأحد، فقال: "اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق السماوات والأرض: يوم الأحد؛ لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك .... ، وذلك أَنَّ الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من محكم تنزيله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ... ، ولا خلاف بين جميع أهل العلم أَنَّ اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢] داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذ كان الله إنما خلق السماوات والأرضين وما فيهن في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة، أَنَّ يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن؛ لأن ذلك لو لم يكن داخلاً في الأيام الستة كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل". اهـ (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - مبيناً علل الحديث -: "هذا الحديث طعن فيه من هو أعلم من مسلم، مثل يحيى بن معين، ومثل البخاري، وغيرهما، وذكر البخاري أَنَّ هذا من كلام كعب الأحبار، وطائفةٌ اعتبرت صحته مثل أبي بكر ابن الأنباري (٢)، وأبي الفرج ابن الجوزي، وغيرهما، والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه، وهذا هو الصواب; لأنه قد ثبت بالتواتر أَنَّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أَنَّ آخر الخلق كان يوم الجمعة؛ فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب،

стр. 245

وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث وآثار أخر; ولو كان أول الخلق يوم السبت، وآخره يوم الجمعة؛ لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو خلاف ما أخبر به القرآن .... ، والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم; ولهذا لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحاً لا ريب فيه، قد اتفق أهل العلم على صحته، ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يُعْرِضُ عنها البخاري، ويقول بعض أهل الحديث إنها ضعيفة، ثم قد يكون الصواب مع من ضعفها". اهـ (١) وقال ابن القيم: "هذا الحديث وقع غلط في رفعه؛ وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث، محمد بن إسماعيل البخاري، في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضاً، وهو كما قالوا؛ لأن الله أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهذا الحديث يتضمن أَنَّ مدة التخليق سبعة أيام، والله أعلم". اهـ (٢) المسلك الثاني: مسلك قبول الحديث، ونفي التعارض بينه وبين الآيات. وهذا رأي: أبي بكر ابن الأنباري (٣)، وابن الجوزي (٤)، وأبي حيان (٥)، والمعلِّمي (٦) (٧)، والألباني (٨)، وأبي إسحاق الحويني (٩) (١٠). ولأصحاب هذا المسلك عدة أجوبة في دفع العلل الواردة في الحديث، وقد ذكرت أجوبتهم فيما يتعلق بعلل إسناده، وسأذكر هاهنا ما أوردوه من أجوبة عن العلل الواردة في متنه:

стр. 246

أولاً: أجوبتهم عن العلة الأولى، وهي: أنه جعل أيام التخليق في سبعة أيام، وهذا خلاف ما جاء به القرآن، حيث ذكر الله تعالى أَنَّ خلق السماوات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض، ويومان للسماء. قال المعلِّمي: "يجاب عنها: بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أَنَّ خلق آدم كان في الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة، وبعض الآثار، ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم، عاشوا فيها دهراً، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السماوات والأرض". اهـ (١) واختار هذا الجواب أبو إسحاق الحويني، واستدل له بحديث عطاء، عن أبي هريرة ﵁، أَنَّ النبي ﷺ أخذ بيده فقال: "يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والتقن (٢) يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار، بعد العصر، وخلق أديم الأرض أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث". (٣) قال أبو إسحاق: "فقد صرَّح في هذا الحديث أَنَّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهو موافق لآيات التنزيل، ثم قال: وخلق آدم يوم الجمعة، وهو اليوم السابع، ولم يذكر في القرآن، ولا في السنة أَنَّ خلق آدم كان من جملة الأيام الستة، ولا دليل على أَنَّ يوم الجمعة المذكور كان عقب يوم الخميس الذي قبله، حتى يُعد هذا يوماً سابعاً مع

стр. 247

سابقه، ويدل على هذا أَنَّ خلق آدم تأخر عن خلق الملائكة والجن والسماوات، كما هو واضح من آيات خلق آدم في سورة البقرة وغيرها، ومما يستدل به على هذا: ما أخرجه الحاكم (١)، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، عن ابن عباس ﵄ قال: "لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها أحد، قال الله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة: ٣٠]، وقد كان فيها قبل أن يُخلق بألفي عام الجن بنو الجان ... ". اهـ (٢) وللألباني جواب آخر، حيث يرى: "أَنَّ الحديث ليس بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه، خلافاً لما توهمه بعضهم؛ فإن الحديث يفصِّل كيفية الخلق على وجه الأرض، وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونصُّ القرآن على أَنَّ خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام، والأرض في يومين، لا يعارض ذلك، لاحتمال أَنَّ هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة، المذكورة في الحديث، وأنه - أعني الحديث - تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض، حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده أَنَّ القرآن يذكر أَنَّ بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها مقداره خمسون ألف سنة، فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه، كما هو صريح الحديث، وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن". اهـ (٣) قال الألباني: "وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر بن عجلان؛ فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع". اهـ (٤) قلت: حديث الأخضر بن عجلان هو حديث عطاء المتقدم، وفيه زيادة تؤيد ما ذهب إليه الألباني من أَنَّ الأيام السبعة المذكورة في الحديث، هي غير الستة المذكورة في الآيات، فعن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة

стр. 248

أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد .... " ثم ذكر بقية الحديث. لكن هذا الحديث لا يصح، وقد تقدم بيان ما فيه من علل. ثانياً: أجوبتهم عن العلة الثانية، وهي: أنه لم يذكر في الحديث خلق السماء، وجعل خلق الأرض مستوعباً للأيام الستة. قال المعلِّمي: "يجاب عنها: بأن الحديث، وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس (النور)، وفي السادس (الدواب)، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية، والذي فيه أَنَّ خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام، كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل على أَنَّ من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين، لم يذكر ما يدل على أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئاً، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن". اهـ (١) ثالثاً: أجوبتهم عن العلة الثالثة، وهي: أنَّ الحديث مخالف للأحاديث والآثار، والتي فيها أَنَّ الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، لا السبت. قال المعلِّمي: "وأما الآثار القائلة أَنَّ ابتداء الخلق يوم الأحد فما كان منها مرفوعاً فهو أضعف من هذا الحديث بكثير (٢)، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام (٣)، وكعب (٤)، ووهب، ومن يأخذ عن الاسرائيليات". اهـ (٥) وأما دعوى الإجماع من ابن جرير على أَنَّ ابتداء الخلق كان في يوم الأحد، فقد عارضه أبو إسحاق الحويني بأن أبا بكر ابن الأنباري (٦) قد ادعى

стр. 249

الإجماع على أَنَّ بدأ الخلق كان في يوم السبت. (١) ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يرتضِ دعوى الإجماع من أبي بكر ابن الأنباري، وعدَّ ذلك من الغلط. (٢) ولأبي حيان الأندلسي مذهب غريب في الجمع بين الآيات والحديث، حيث يرى أَنَّ قوله تعالى: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف: ٥٤] هو ظرف لخلق الأرض وحدها، دون خلق السماوات والأرض معاً؛ فيكون قوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) متعلق بخلق الأرض، بتربتها وجبالها وشجرها ومكروهها ونورها ودوابها، وآدم ﵇، قال: وهذا يطابق الحديث الثابت في الصحيح. (٣) قلت: وهذا الجمع في غاية الضعف، ويكفي في رده أنه مخالف لآيةِ فُصِّلَتْ؛ فإنها صريحة بأن مدة خلق الأرض استغرق أربعة أيام، ثم يومين للسماء. المبحث الخامس: الترجيح: الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أَنَّ حديث أبي هريرة ﵁ لا يصح رفعه للنبي ﷺ ، وأن أبا هريرة إنما أخذه عن أهل الكتاب، لا من النبي ﷺ ، والذي يتقوى لدي أَنَّ الخطأ وقع من أيوب بن خالد، أحد رواة الحديث؛ فإنه لم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وابن حبان معروف بتساهله في توثيق الرواة، كما نص على ذلك الأئمة، وحسبك ما نقله الأزدي عن أهل العلم بالحديث من تضعيفهم لأيوب بن خالد، وقوله: إن يحيى بن سعيد القطان ونظراءه كانوا لا يكتبون حديثه. وهذه الشهادة من الأزدي كافية في رد رواية أيوب، وعدم الاعتماد عليها، كيف وقد تفرد برواية هذا الحديث، ورفعه للنبي ﷺ ، مع ما في متنه من غرابة، ومعارضة لآيات القرآن الكريم.

стр. 250

هذا وقد أسلفتُ ما ذكره النقاد من علل هذا الحديث، التي توجب رده وعدم قبوله، وسأزيد عليها هاهنا عللاً ظهرت لي، ولم أرَ أحداً أشار إليها، وهذه العلل مع ما سبق، تبين بجلاء أَنَّ هذا الحديث لا يصح رفعه للنبي ﷺ : العلة الأولى: قوله في الحديث: "وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ"، أي أَنَّ الجبال خُلقت في اليوم الثاني، وهذا مخالف لآية فُصِّلَتْ، والتي نصَّت على أنَّ الجبال خُلِقَتْ في اليوم الثالث أو الرابع، حيث قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)) [فصلت: ٩ - ١٠]. فقوله: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) إلى آخر الآية يدل على أن خلق الجبال كان في اليومين الأخيرين من الأيام الأربعة. العلة الثانية: قوله في الحديث: "وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ"، أي أَنَّ الدواب خُلقت في اليوم السادس، وهذا فيه مخالفة لآية فُصِّلَتْ؛ فإن الظاهر المتبادر من الآية أَنَّ الدواب خُلقت وقت تخليق الأرض في الأيام الأربعة الأولى، لا في اليوم السادس، ومما يقوي هذا الظاهر قوله تعالى في سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)) [البقرة: ٢٩]، وهذا الآية صريحة بأن الله تعالى لم يخلق السماوات إلا بعد أن أتم خلق الأرض وما فيها، ومن ذلك الدواب؛ لقوله: (جَمِيعًا)، وقد تقدم أَنَّ خلق الأرض كان في أربعة أيام، فكيف يكون خلق الدواب في اليوم السادس؟! وأما ما ذكره أصحاب المذهب الثاني من تأويلات للجمع بين الآيات والحديث؛ فإنها لا تخلو من ضعف، وبعضها يَرِدُ عليه إشكالات لا يمكن التخلص منها إلا بتكلف، وهاك تفصيل ذلك: أولاً: قول الألباني: "إن الأيام الستة المذكورة في الآيات، هي غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث". يرد على قوله هذا: أنَّ الحديث نص على أَنَّ الجبال خُلقت يوم الأحد، وقد جاء في آية فُصِّلَتْ أَنَّ الجبال خُلقت في مراحل تخليق الأرض الأولى،
следующие страницы →