← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أولاً: أجوبتهم عن العلة الأولى، وهي: أنه جعل أيام التخليق في سبعة أيام، وهذا خلاف ما جاء به القرآن، حيث ذكر الله تعالى أَنَّ خلق السماوات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض، ويومان للسماء. قال المعلِّمي: "يجاب عنها: بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أَنَّ خلق آدم كان في الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة، وبعض الآثار، ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم، عاشوا فيها دهراً، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السماوات والأرض". اهـ (١) واختار هذا الجواب أبو إسحاق الحويني، واستدل له بحديث عطاء، عن أبي هريرة ﵁، أَنَّ النبي ﷺ أخذ بيده فقال: "يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والتقن (٢) يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار، بعد العصر، وخلق أديم الأرض أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث". (٣) قال أبو إسحاق: "فقد صرَّح في هذا الحديث أَنَّ الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهو موافق لآيات التنزيل، ثم قال: وخلق آدم يوم الجمعة، وهو اليوم السابع، ولم يذكر في القرآن، ولا في السنة أَنَّ خلق آدم كان من جملة الأيام الستة، ولا دليل على أَنَّ يوم الجمعة المذكور كان عقب يوم الخميس الذي قبله، حتى يُعد هذا يوماً سابعاً مع

стр. 247

سابقه، ويدل على هذا أَنَّ خلق آدم تأخر عن خلق الملائكة والجن والسماوات، كما هو واضح من آيات خلق آدم في سورة البقرة وغيرها، ومما يستدل به على هذا: ما أخرجه الحاكم (١)، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، عن ابن عباس ﵄ قال: "لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها أحد، قال الله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة: ٣٠]، وقد كان فيها قبل أن يُخلق بألفي عام الجن بنو الجان ... ". اهـ (٢) وللألباني جواب آخر، حيث يرى: "أَنَّ الحديث ليس بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه، خلافاً لما توهمه بعضهم؛ فإن الحديث يفصِّل كيفية الخلق على وجه الأرض، وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونصُّ القرآن على أَنَّ خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام، والأرض في يومين، لا يعارض ذلك، لاحتمال أَنَّ هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة، المذكورة في الحديث، وأنه - أعني الحديث - تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض، حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده أَنَّ القرآن يذكر أَنَّ بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها مقداره خمسون ألف سنة، فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه، كما هو صريح الحديث، وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن". اهـ (٣) قال الألباني: "وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر بن عجلان؛ فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع". اهـ (٤) قلت: حديث الأخضر بن عجلان هو حديث عطاء المتقدم، وفيه زيادة تؤيد ما ذهب إليه الألباني من أَنَّ الأيام السبعة المذكورة في الحديث، هي غير الستة المذكورة في الآيات، فعن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: يا أبا هريرة، إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة

стр. 248

أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد .... " ثم ذكر بقية الحديث. لكن هذا الحديث لا يصح، وقد تقدم بيان ما فيه من علل. ثانياً: أجوبتهم عن العلة الثانية، وهي: أنه لم يذكر في الحديث خلق السماء، وجعل خلق الأرض مستوعباً للأيام الستة. قال المعلِّمي: "يجاب عنها: بأن الحديث، وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس (النور)، وفي السادس (الدواب)، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية، والذي فيه أَنَّ خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام، كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل على أَنَّ من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين، لم يذكر ما يدل على أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئاً، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن". اهـ (١) ثالثاً: أجوبتهم عن العلة الثالثة، وهي: أنَّ الحديث مخالف للأحاديث والآثار، والتي فيها أَنَّ الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، لا السبت. قال المعلِّمي: "وأما الآثار القائلة أَنَّ ابتداء الخلق يوم الأحد فما كان منها مرفوعاً فهو أضعف من هذا الحديث بكثير (٢)، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام (٣)، وكعب (٤)، ووهب، ومن يأخذ عن الاسرائيليات". اهـ (٥) وأما دعوى الإجماع من ابن جرير على أَنَّ ابتداء الخلق كان في يوم الأحد، فقد عارضه أبو إسحاق الحويني بأن أبا بكر ابن الأنباري (٦) قد ادعى

стр. 249

الإجماع على أَنَّ بدأ الخلق كان في يوم السبت. (١) ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يرتضِ دعوى الإجماع من أبي بكر ابن الأنباري، وعدَّ ذلك من الغلط. (٢) ولأبي حيان الأندلسي مذهب غريب في الجمع بين الآيات والحديث، حيث يرى أَنَّ قوله تعالى: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف: ٥٤] هو ظرف لخلق الأرض وحدها، دون خلق السماوات والأرض معاً؛ فيكون قوله: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) متعلق بخلق الأرض، بتربتها وجبالها وشجرها ومكروهها ونورها ودوابها، وآدم ﵇، قال: وهذا يطابق الحديث الثابت في الصحيح. (٣) قلت: وهذا الجمع في غاية الضعف، ويكفي في رده أنه مخالف لآيةِ فُصِّلَتْ؛ فإنها صريحة بأن مدة خلق الأرض استغرق أربعة أيام، ثم يومين للسماء. المبحث الخامس: الترجيح: الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أَنَّ حديث أبي هريرة ﵁ لا يصح رفعه للنبي ﷺ ، وأن أبا هريرة إنما أخذه عن أهل الكتاب، لا من النبي ﷺ ، والذي يتقوى لدي أَنَّ الخطأ وقع من أيوب بن خالد، أحد رواة الحديث؛ فإنه لم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وابن حبان معروف بتساهله في توثيق الرواة، كما نص على ذلك الأئمة، وحسبك ما نقله الأزدي عن أهل العلم بالحديث من تضعيفهم لأيوب بن خالد، وقوله: إن يحيى بن سعيد القطان ونظراءه كانوا لا يكتبون حديثه. وهذه الشهادة من الأزدي كافية في رد رواية أيوب، وعدم الاعتماد عليها، كيف وقد تفرد برواية هذا الحديث، ورفعه للنبي ﷺ ، مع ما في متنه من غرابة، ومعارضة لآيات القرآن الكريم.

стр. 250

هذا وقد أسلفتُ ما ذكره النقاد من علل هذا الحديث، التي توجب رده وعدم قبوله، وسأزيد عليها هاهنا عللاً ظهرت لي، ولم أرَ أحداً أشار إليها، وهذه العلل مع ما سبق، تبين بجلاء أَنَّ هذا الحديث لا يصح رفعه للنبي ﷺ : العلة الأولى: قوله في الحديث: "وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ"، أي أَنَّ الجبال خُلقت في اليوم الثاني، وهذا مخالف لآية فُصِّلَتْ، والتي نصَّت على أنَّ الجبال خُلِقَتْ في اليوم الثالث أو الرابع، حيث قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)) [فصلت: ٩ - ١٠]. فقوله: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) إلى آخر الآية يدل على أن خلق الجبال كان في اليومين الأخيرين من الأيام الأربعة. العلة الثانية: قوله في الحديث: "وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ"، أي أَنَّ الدواب خُلقت في اليوم السادس، وهذا فيه مخالفة لآية فُصِّلَتْ؛ فإن الظاهر المتبادر من الآية أَنَّ الدواب خُلقت وقت تخليق الأرض في الأيام الأربعة الأولى، لا في اليوم السادس، ومما يقوي هذا الظاهر قوله تعالى في سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)) [البقرة: ٢٩]، وهذا الآية صريحة بأن الله تعالى لم يخلق السماوات إلا بعد أن أتم خلق الأرض وما فيها، ومن ذلك الدواب؛ لقوله: (جَمِيعًا)، وقد تقدم أَنَّ خلق الأرض كان في أربعة أيام، فكيف يكون خلق الدواب في اليوم السادس؟! وأما ما ذكره أصحاب المذهب الثاني من تأويلات للجمع بين الآيات والحديث؛ فإنها لا تخلو من ضعف، وبعضها يَرِدُ عليه إشكالات لا يمكن التخلص منها إلا بتكلف، وهاك تفصيل ذلك: أولاً: قول الألباني: "إن الأيام الستة المذكورة في الآيات، هي غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث". يرد على قوله هذا: أنَّ الحديث نص على أَنَّ الجبال خُلقت يوم الأحد، وقد جاء في آية فُصِّلَتْ أَنَّ الجبال خُلقت في مراحل تخليق الأرض الأولى،

стр. 251

وهذا يعني أَنَّ الأيام المذكورة في الحديث هي نفسها المذكورة في الآيات، لا كما قال الألباني، ﵀. ويرد عليه أيضاً: أَنَّ الله تعالى قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩))؛ فقوله: (جَمِيعًا) عموم يشمل جميع الأشياء التي خلقها سبحانه في الأرض، وهذه الآية صريحة بأن الأرض وما فيها خُلق قبل تخليق السماوات، وهو يبطل القول بأن ما ذكر في الحديث كان بعد تخليق السماوات والأرض. ثانياً: قول المعلِّمي: "إن الحديث، وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس (النور)، وفي السادس (الدواب)، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية ... ". يرد على قوله: أَنَّ الحديث نص على أَنَّ الشجر خُلِقَ قبل النور، والذي هو في رأي المعلِّمي بمعنى الشمس، ومعلوم أَنَّ الشجر محتاج للنور كاحتياج الدواب، فكيف يكون الشجر خُلق قبل الشمس؟! ****

стр. 252

المسألة [١٥]: فيمن أساء في الإسلام هل يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية ؟ المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)) [الأنفال: ٣٨]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٢٧) ـ (٢٣): عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: "مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ". (١) (٢٨) ـ ( .. ): وفي رواية: "وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ". (٢) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ أنَّ الكافرَ إذا أَسْلَمَ غُفِرَ له بالإسلام كل ما كان منه في الجاهِلِيِّة، من كُفْرٍ، وذَنْبٍ، وغيرِه؛ لأنَّ لفظ الآية جاء مُطْلَقاً، فلم تُفَرِّق

стр. 253

بين الذنوب التي تاب منها والتي لم يَتُبْ منها؛ وأمَّا الحديث فظاهره أنَّ الذنوب التي كان الكافر يَعمَلها في الجاهلية ولم يَتُبْ منها في الإسلام فإنَّه يُؤَاخَذُ بها، وهذا يُوهِمُ خِلافَ الآية. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: أجمع العلماء على أنَّ الكافر إذا أسلم غُفِرَ له بالإسلام الكفر الذي تاب منه (٢)، واختلفوا في الذنوب التي فعلها في حال كفره ولم يَتُبْ منها في الإسلام، هل تُغْفَرُ له أم لا؟ وخلافهم هذا راجع إلى الخلاف في معنى الآية والحديث، والجمع بينهما، وقد اختلفوا في ذلك على مذهبين: الأول: أن الكافر إذا أسلم غُفِرَ له بالإسلام كل ما كان منه في الجاهلية، من كفر، وذنب، وإنْ أصَرَّ على بعض الذنوب في الإسلام. وهذا مذهب الجمهور من المحدثين، كما سيأتي ذِكرُ بعضٍ منهم. واستدلوا على مذهبهم هذا: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. أمَّا الكتاب؛ فقد استدلوا بالآية الكريمة الواردة في المسألة، حيث جاءت مطلقة؛ فلم تُفَرِّق بين الذنوب التي تاب منها والتي لم يَتُبْ (٣).

стр. 254

وأمَّا السنة: ١ - فعن عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: "مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ " قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: "تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ " قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ". (١) (٢) ٢ - وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا (٣)، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا". (٤) (٥) وأمَّا الإجماع؛ فقد نقل الخطابي، وابن بطال الإجماع على أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله. (٦) وأما المعقول؛ فقالوا: إنَّه لا يصح أنْ يُراد بالإساءة - في حديث ابن مسعود ﵁ ارتكاب سيئة أو معصية؛ لأنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما قبله من الآثام، إلا لمن عُصِمَ من جميع السيئات إلى الموت، وهذا باطلٌ قطعاً. (٧) وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الحديث على أقوال:

стр. 255

الأول: أنَّ الإساءة في الحديث المرادُ بها الكفر؛ فمن ارتَدَّ بعد إسلامه، ومات على ذلك، فإنَّه يُعاقب على جميع ما كان منه قبل الإسلام وبعده. وهذا جواب البخاري، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر، وأيده. (١). ونقله ابن بطال عن المُهَلَّبِ، وأيَّدَهُ ونَصَرَه. (٢). وبه قال الطحاوي (٣)، والمُحِبُّ الطبري (٤)، والداوودي. (٥). وهو اختيار: المازري، وابن الجوزي. (٦) قال الطحاوي: "قول رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ" هو على معنى: "من أسلم في الإسلام"، ومن ذلك قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) [النمل: ٨٩]، فكانت الحسنة المُرَادَة في ذلك هي الإسلام، فكان من جاء بالإسلام مَجْبُوبَاً (٧) عنه ما كان منه في الجاهلية، وموافقاً لما في حديث عمرو ﵁: "أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" (٨)، ومن لَزِمَ الكفرَ في الإسلام كان قد جاء بالسيئة في الإسلام، ومنه قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، فكانت عقوبة تلك السيئة عليه مضافة إلى عقوبات ما قبلها من سيئاته التي كانت في الجاهلية". اهـ (٩). القول الثاني: أنَّ الإساءة في الحديث المُرادُ بها النفاق، فإذا أسلم الكافر ولم يَصْدُقْ في إسلامه، بأنْ يكون مُنْقَاداً في الظاهر، غير معتقدٍ للإسلام بقلبه؛ فإنَّه يُؤاخذ بما كان منه في الجاهلية.

стр. 256

وهذا جواب أبي العباس القرطبي (١)، والنووي (٢). وهو اختيار: أبي عبد الله القرطبي، والكرماني، والأُبِّي، والعيني، والملا علي القاري، والمناوي. (٣) قال النووي: "وأمَّا معنى الحديث فالصحيح فيه ما قاله جماعة من المحققين: أنَّ المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعاً، وأنْ يكون مسلماً حقيقياً، فهذا يُغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح "يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" (٤)، وبإجماع المسلمين، والمرادُ بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون مُنقاداً في الظاهر، مُظهِراً للشهادتين، غير مُعتقدٍ للإسلام بقلبه، فهذا منافقٌ باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيُؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها؛ لأنَّه مستمرٌّ على كفره". اهـ (٥) القول الثالث: أنَّ الحديث محمولٌ على التَّبْكِيت بما كان منه في الكفر. وهذا جواب الخطابي، وابن الجوزي حيث جعله وجهاً آخر في الجواب عن الحديث. (٦) قال الخطابي: "ووجه هذا الحديث: أنَّ الكافر إذا أسلم لم يُؤاخذ بما مضى، فإنْ أساء في الإسلام غاية الإساءة، ورَكِبَ أشدَّ المعاصي، وهو مستمرٌّ على الإسلام؛ فإنَّه إنما يُؤاخذ بما جَنَاهُ من المعصية في الإسلام، ويُبَكَّت بما كان منه في الكفر، كأن يُقال له: ألست فعلت كذا وأنت كافر؟ فهلا منعك إسلامُك عن معاودة مثله". اهـ (٧)

стр. 257

المذهب الثاني: أنه لا يستحق أنْ يُغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه. فإذا أسلم الكافر فإنَّما يُغفر له ما تاب منه بعد إسلامه؛ وأمَّا الذنوب التي فعلها في الجاهلية وأصَرَّ عليها في الإسلام فإنَّه يُؤاخذ بها، فإنَّه إذا أصَرَّ عليها في الإسلام لم يكن تائباً منها؛ فلا يُكَفَّرُ عنه إلا ما تاب منه. وهذا مذهب طوائف من المتكلمين، من المعتزلة وغيرهم. (١) ونقل الميموني (٢) في "مسائله" عن الإمام أحمد أنه قال: "بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول: لا يُؤَاخَذ بما كان في الجاهلية. والنبي ﷺ يقول في غير حديث: إنه يُؤاخذ". اهـ (٣) وإليه ذهب الحليمي (٤)، وابن حزم (٥)، وابن مفلح (٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن أبي العز الحنفي (٨)، والحافظ ابن رجب (٩). قال ابن حزم: "ومن عمل في كُفْرِهِ عملاً سيئاً ثم أسلم؛ فإنْ تمادى على تلك الإساءة حُوسِبَ وجُوزي في الآخرة بما عمل من ذلك في شِرْكِهِ وإسلامه، وإنْ تاب عن ذلك سَقَطَ عنه ما عمل في شِرْكِهِ". اهـ (١٠) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد سُئِلَ عن اليهودي أو النصراني إذا أسلم، هل يبقى عليه ذنب بعد الإسلام؟ فأجاب: "إذا أسلم باطناً وظاهراً غُفِرَ له الكفر الذي تاب منه بالإسلام بلا نزاع، وأمَّا الذنوب التي لم يتب منها مثل: أنْ يكون مصراً على ذنب أو ظلم أو فاحشة ولم يتب منها بالإسلام،

стр. 258

فقد قال بعض الناس: إنَّه يُغفر له بالإسلام، والصحيح أنَّه إنما يُغفر له ما تاب منه، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل: "أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: "مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ" (١)، وحُسْنُ الإسلام أنْ يلتزم فِعْل ما أمَرَ الله به، وترك ما نُهي عنه، وهذا معنى التوبة العامة، فمن أسلم هذا الإسلام غُفِرَتْ ذنوبه كلها، وهكذا كان إسلام السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان; ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لعمرو بن العاص: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" (٢)؛ فإنَّ اللام لتعريف العهد، والإسلام المعهود بينهم كان الإسلام الحسن. وقوله: "وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ"، أي: إذا أَصَرَّ على ما كان يعمله من الذنوب فإنه يُؤاخذ بالأول والآخر، وهذا مُوجِبُ النصوص والعدل؛ فإنَّ من تاب من ذنبٍ غُفِرَ له ذلك الذنب، ولم يَجِبْ أنْ يُغْفَرَ له غيره". اهـ (٣) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآية: بأنَّ المعنى: يُغفر لهم ما قد سلف مما انتهوا عنه، وليس في الآية ما يدل على أنهم بمجرد انتهائهم عن الكفر يُغفر لهم سائر ذنوبهم، وإنْ لم يتوبوا من بعضها. ذكر هذا الجواب: ابن حزم (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨] يَدُلُّ على أنَّ المُنْتَهي عن شيء يُغفر له ما قد سلف منه، ولا يدُلُّ على أنَّ المنتهي عن شيء يُغفر له ما سلف من غيره". اهـ (٥)

стр. 259

وأما حديث عمرو بن العاص ﵁ والذي فيه أنَّ الإسلام يجب ما قبله؛ فأجابوا عنه بما حاصله: "أنَّ النبي ﷺ قال ذلك لما أسْلَمَ عمرو بن العاص ﵁، وطلب من النبي ﷺ أنْ يُغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له النبي ﷺ : "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" (١)، ومعلوم أنَّ التوبة إنما تُوجِبُ مغفرة ما تاب منه، ولا تُوجِبُ التوبةُ غُفران جميعِ الذنوب". (٢) وبأنَّ الُمراد أنه يهدِمُ ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك، مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعاً عنه. (٣) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ الكافر إذا أسلم فإنما يُغفر له ما تاب منه بعد إسلامه؛ وأمَّا الذنوب التي فعلها في الجاهلية وأصَرَّ عليها في الإسلام فإنَّه يُؤاخذ بها. والآية والحديث يدلان على هذا المعنى ولا يختلفان فيه؛ لأنَّ الآية جاءت مُطلقة فلم تُفَرِّقْ بين الذنوب التي تاب منها والتي لم يتب منها، وأمَّا الحديث ففيه تقييد لهذا الإطلاق، فيُحمل المطلق على المقيد، فيكون معنى الآية: إنْ ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف مما تابوا منه، وانتهوا عنه. وأمَّا مَا ذَهَبَ إليه أصحاب المذهب الأول من تأويلات لحديث ابن مسعود؛ فكلها لا تخلو من ضعف؛ وذلك لأسباب منها: ١ - أنَّ الكافر إذا ارتَدَّ عن الإسلام، أو كان منافقاً لم يبق معه إسلامٌ

стр. 260

حتى يُسِيءَ فيه، فكيف يقال إن الإساءة هي بمعنى الكفر، أو النفاق؟ (١). ٢ - أنَّ لفظ الإساءة في الحديث جاء في مقابل الإحسان، والإحسان لا يكون إلا في حال الإسلام، فدل بموجب المقابلة أنَّ الإساءة المقصود بها ما يكون في حال الإسلام، ولا يصح حملها على الردة أو النفاق. ٣ - أنَّ الإساءة لو كان المراد بها الكفر أو النفاق لورد الحديث بلفظ: "من أخلص، أو صَدَقَ، أو ثَبَتَ في إسلامه". وأما حديث عمرو بن العاص ﵁ فهو بمعنى الآية، والمعنى أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله مما تاب منه؛ لأن النبي ﷺ أطلق ولم يُفَصِّل، وما كان مُطلقاً فإنه يُحمل على المقيد، وهو ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁. ولأنَّ النبي ﷺ قال ذلك لما اشترط عمرو ﵁ أن يُغفر له؛ فأَبَانَ له النبي ﷺ أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله بلفظ الإطلاق، ولم يُفَصِّل ﷺ في ذلك؛ لعلمه بصدق توبته من الكفر وتباعته؛ إذ ذلك هو المعهود في كل من أسلم حينئذ. وأما دعوى الإجماع؛ فَيَرِدُ عليها أمران: ١ - أنَّ الإجماع محكيٌّ فيمن أسلم عموماً؛ فإنَّه يُغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه، ولم ينعقد الإجماع على مغفرة ما أصَرَّ عليه من الذنوب التي كان يفعلها في الجاهلية، وعبارة الخطابي وابن بطال في نقل الإجماع ليست صريحة في تأييد المذهب الأول، وقد حرر النزاع في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فإنَّ التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه، أمَّا ما لم يَتُبْ منه فهو باقٍ فيه على حكم من لم يَتُبْ، لا على حكم من تاب، وما علمتُ في هذا نزاعاً إلا في الكافر إذا أسلم، فإنَّ إسلامه يتضمن التوبة من الكفر؛ فيغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه، وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ هذا فيه قولان معروفان". اهـ (٢) ثم ذكر هذين القولين على ما فَصَّلتُه في أول المسألة.

стр. 261

٢ - أنَّ دعوى الإجماع يدفعها ما نُقِلَ عن الإمام أحمد: أنَّ الذنوب التي فعلها الكافر في الجاهلية وأصَرَّ عليها في الإسلام فإنَّه يُؤاخذ بها (١)، والله تعالى أعلم. ****

стр. 262

المسألة [١٦]: في الوقت الذي يتبرأ فيه إبراهيم الخليل ﵇ من أبيه آزر . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)) [التوبة: ١١٤]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٢٩) ـ (٢٤): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ (١)؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ (٢) مُلْتَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ

стр. 263

فَيُلْقَى فِي النَّارِ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر الآية الكريمة انقطاع رجاء إبراهيم الخليل ﵇ من إيمان أبيه، وجزمه بأنه لا يُغفر له، ولذلك تبرأ منه وترك الاستغفار له، وهذا التبرؤ ظاهر الآية أنه كائنٌ من إبراهيم في الدنيا، وأما الحديث فظاهره أنه ﵊ يطلب الاستغفار لأبيه يوم القيامة، ولا ييأس من نجاته إلا بعد المسخ، فإذا مُسِخَ يئس منه وتبرأ، وهذا المعنى يُوهِمُ مُعارضة الآية. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان: الأول: مسلك الجمع بينهما: وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذاهب: الأول: أَنَّ إبراهيم الخليل ﵇ تبرأ من أبيه لما مات مشركاً، فترك الاستغفار له، لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرِّقَّة فسأل فيه، فلما رآه مُسخ يئس منه حينئذ فتبرأ منه تبرؤاً أبدياً. وهذا رأي الحافظ ابن حجر. (٣) المذهب الثاني: أَنَّ إبراهيم لم يتيقن موت أبيه على الكفر، بجواز أنْ

стр. 264

يكون آمن في نفسه ولم يَطَّلِعَ إبراهيم على ذلك، ويكون تبرؤه منه حينئذ بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث. ذكر هذا المذهب الحافظ ابن حجر. (١) المذهب الثالث: أَنَّ الحديث ليس فيه دلالة على وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلب الشفاعة له، وقوله ﵇: "يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ" أراد به ﵊ محض الاستفسار عن حقيقة الحال، فإنه اختلج في صدره الشريف أَنَّ هذه الحال الواقعة على أبيه خزي له، وأنَّ خزي الأب خزي الابن، فيؤدي ذلك إلى خلف الوعد المشار إليه بقوله: "يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ". ذكر هذا المذهب الآلوسيُّ وتعقبه بأنَّ الحديث ظاهرٌ في الشفاعة، وهي استغفار، وأيّدَ ذلك بما رواه الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبتِ، أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن. فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم. فيقول: خذ بأُزرتي، فيأخذ بأزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى وهو يفصل بين الخلق، فيقول: يا عبدي أدخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي رب وأبي معي، فإنك وعدتني أنْ لا تخزيني، قال: فيمسخ أباه ضبعاً فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول سبحانه: يا عبدي هذا أبوك، فيقول: لا وعزتك". (٢) قال الآلوسي: يُفهم من ذلك أَنَّ الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيم ﵊، وطلبه المغفرة لأبيه فيه وإدخاله الجنة أظهر منهما في حديث البخاري. (٣) المذهب الرابع: أَنَّ تبيُّن إبراهيم وتبرؤه من أبيه يكون يوم القيامة، ذلك أَنَّ إبراهيم يستغفر لأبيه يوم القيامة ويطلب له الجنة ظناً منه أنه وفَّى بوعده الذي كان منه في الدنيا، حيث وعده بالإيمان؛ فإذا مُسِخَ أبوه ذيخاً علم أنه لم يفِ بذلك الوعد، فحينئذ يتبرأ منه.

стр. 265

ذكر هذا المذهب الآلوسيُّ ومال إليه، إلا أنه أورد عليه أَنَّ ظاهر الآية والمأثور عن السلف في معناها (١) لا يُساعد عليه. (٢) المذهب الخامس: أَنَّ مُراد إبراهيم ﵊ من تلك المحاورة التي تصدر منه في ذلك الموقف إظهار العُذر فيه لأبيه وغيره على أتم وجه، لا طلب المغفرة حقيقة. وهذا المذهب هو الذي ارتضاه الآلوسي بعد حكايته للمذاهب السابقة. (٣) المسلك الثاني: مسلك الترجيح: حيث ذهب الإسماعيلي إلى تضعيف الحديث، فقال بعد أنْ أخرجه: "هذا خبرٌ في صحته نظر؛ من جهة أَنَّ إبراهيم عَلِمَ أَنَّ الله لا يُخلف الميعاد، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزياً؟ مع علمه بذلك". اهـ (٤) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أَنَّ تبرؤ إبراهيم من أبيه كائنٌ يوم القيامة، ذلك أَنَّ إبراهيم يطلب لأبيه الشفاعة يوم القيامة ظناً منه أَنَّ ذلك نافعه، فإذا قال الله له: إني حرمت الجنة على الكافرين، ومُسِخَ أبوه ذيخاً علم أَنَّ ذلك غير نافعه، وأنه عدو لله، فيتبرأ منه في الحال. وهذا الاختيار ليس فيه ما يُخالف الظاهر من سياق الآية؛ إذ ليس في

стр. 266

الآية ما يدل على أَنَّ هذا التبرؤ كائن في الدنيا، والآية وإنْ رُويَ في تفسيرها عن ابن عباس أَنَّ ذلك كائن في الدنيا إلا أَنَّ الدليل قد دل على خلافه، وسأذكر من الأدلة ما يؤيد كون ذلك في الآخرة: لقد حكى القرآن الكريم في غير ما موضع قصة إبراهيم الخليل ﵇، وبيَّنَ تعالى في عدة مواضع أَنَّ إبراهيم دعا لأبيه واستغفر له، وهذا الاستغفار وقع بعد مفارقته لأبيه واعتزاله له، وهو بعد تلك المفارقة لا يدري ما حال أبيه، وهذا واضح من سياق الآيات الواردة في سورة مريم؛ حيث قال تعالى ـ بعد حكايته للمحاورة التي جرت بينهما ـ: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)) [مريم: ٤٧ - ٤٩]. فقوله: (? ? ?) وَعْدٌ من إبراهيم بالاستغفار لأبيه، وقد وفَّى بذلك الوعد حينما هاجر إلى مكة، فإنه دعا لأبيه هناك، وهذا الدعاء والاستغفار وقع منه بعد أنْ وهبه الله تعالى إسماعيل وإسحاق، والذي كان بعد اعتزاله لأبيه، حيث قال سبحانه: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)) [إبراهيم: ٣٥ - ٤١]، وهذه الآيات واضحة الدلالة في تأخر استغفار إبراهيم لأبيه، وأنه كان بعد اعتزاله له. وظاهر سياق الآيات في سورة إبراهيم أَنَّ دعاء إبراهيم لأبيه كان في آخر حياة إبراهيم، لقوله في الآيات: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ

стр. 267

إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)، ثم إنه بعد هذا الثناء دعا لأبيه فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)، فدلَّ على أَنَّ دعاءه لأبيه وقع في آخر حياته ﵇. وفي قوله تعالى في سورة الممتحنة: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)) [الممتحنة: ٤]، دلالة واضحة على أَنَّ استغفار إبراهيم كان بعد وفاة أبيه، لأنه لو كان في حياته لم يُمْنَعْ منه؛ لأنه يجوز الاستغفار ـ بمعنى طلب الإيمان ـ لأحياء المشركين. ولم يأتِ في شيء من تلك الآيات التي تحكي لنا قصة إبراهيم أَنَّ الله تعالى نهاه عن الاستغفار لأبيه، ولم يأتِ في تلك الآيات أيضاً أَنَّ إبراهيم رجع لأبيه بعد اعتزاله له، بل الظاهر أنه لم يلقَ أباه بعد تلك المحاورة. وبهذا يتبين أَنَّ إبراهيم الخليل ﵇ لم يتبرأ من أبيه في حياته، بل لم يزل مستغفراً له في حياته وبعد مماته، ولن ينكشف له أنه عدو لله إلا في الآخرة حينما يلقاه فيطلب له الشفاعة فيُعْلِمُه الله تعالى بأنَّ الجنة حرام على الكافرين، ويمسخ أباه ذيخاً؛ فيعلم حينئذ أنه عدو لله ويتبرأ منه، والله تعالى أعلم. ****

стр. 268

المسألة [١٧]: في حكم تَمَنِّي الموت والدُّعاء به . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى - حكاية عن يوسف ﵇: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)) [يوسف: ١٠١]. وقال تعالى - عن مريم ﵍: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)) [مريم: ٢٣]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات: (٣٠) ـ (٢٥): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَمَنَّى (١) أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ؛ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ (٢) ". (٣) (٣١) ـ ( .. ): وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَمَنَّى

стр. 269

أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا". (١) (٣٢) ـ ( .. ): وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي". (٢) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث: ظاهر الآيتين الكريمتين جواز تَمَنِّيَ الموت والدعاء به (٣)؛ وأمَّا الأحاديث ففيها النهي عن ذلك، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآيات والأحاديث. (٤) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث: أجمع العلماء على كَرَاهَةِ تَمَنِّيَ الموت والدعاء به؛ عند وجود ضرر دنيوي، من مرضٍ أو فاقةٍ أو محنةٍ، أو نحو ذلك من مشاقِّ الدُّنيا؛ لما في ذلك من الجزع وعدم الرضا بالقضاء. (٥)

стр. 270

وأمَّا إذا خاف ضرراً في دِيْنِه، أو فِتْنَةً فيه؛ فلا كَرَاهَة في تَمَنِّيَ الموت والحالة هذه، في مذهب جمهور العلماء. (١) وذهب أبو العباس القرطبي إلى المنع مطلقاً، أخذاً بإطلاق حديث أبي هريرة ﵁. (٢) وحجة الجمهور: ١ - أَنَّ النبي ﷺ أطلق - في حديث أبي هريرة - النهي عن تَمَنِّيَ الموت، وقيَّده في حديث أنس، بأن يكون تمنيه له لضُرٍّ نزل به؛ فيُحمل المُطلق على المُقيد. (٣) ٢ - أَنَّ مُطلق حديث أنس يشمل الضُّرَّ الدنيوي والأخروي، لكن المراد إنما هو الضُّر الدنيوي فقط، بدليل رواية: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" (٤)،

стр. 271

حيث قَيَّدَ الضُّرَّ كونه في الدنيا. (١). ٣ - أَنَّه قد رُوي عن النبي ﷺ ما يَدُلُّ على جواز الدعاء بالموت عند خوف الفتن: ففي الحديث القدسي أَنَّ الله تعالى قال لنبيه ﷺ : "يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ". (٢) (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ". (٤) فقوله ﷺ : "وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ" يقتضي إباحة ذلك أنْ لو كان عن الدِّين. (٥) وأمَّا الآيات التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الأحاديث؛ فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينها وبين الأحاديث مسلكين: الأول: مسلك الجمع بينها: وهذا مسلك الجمهور من المفسرين والمحدثين (٦)، حيث ذهبوا إلى

стр. 272

توجيه الآيات ودفع التعارض بينها وبين الأحاديث، وقالوا في توجيه الآيات: إنَّ يوسف ﵇ إنما دعا ربَّه أنْ يتوفاه مسلماً عند حضور أجله، ولم يَسْأل الموت مُنَجَّزاً، وهذا الذي فَعَلَه يوسف ﵇ لا محذور فيه، ولا يُعارض الأحاديث التي فيها النهي عن تَمَنِّيَ الموت والدعاء به؛ فإنَّ كلَّ أحدٍ يسأل ربَّه أنْ يتوفاه على الإسلام. (١) قالوا: ولو سلَّمنا بأَنَّ يوسف ﵇ دعا بالموت منجزاً؛ فإنَّ هذا لا يُعارض الأحاديث؛ لأنَّ فِعْلَه هذا ليس من شرعنا، وإنما من شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا إنما يُؤخذ به إذا لم يَرِدْ في شرعنا ما يُخالفه. (٢) وأمَّا مريم ﵍ فإنما تمنَّت الموت لوجهين: أحدهما: أَنَّها خافت أنْ يُظنَّ بها السوء في دينها وتُعَيَّر، فيَفْتِنها ذلك. (٣) الثاني: لئلا يقع قومٌ بسببها في البُهتان والزُّور، والنِّسبة إلى الزِّنا، وذلك مُهلِكٌ لهم. (٤)

стр. 273

قالوا: وهذان الوجهان لا مانع من تَمَنِّيَ الموت بسببهما؛ لأنَّهما من الفتنة في الدِّين، وقد تقدم أَنَّ تَمَنِّيَ الموت والحالة هذه لا مانع منه، ولا يُخالف أحاديث النهي. الثاني: مسلك الترجيح بين الآيات والأحاديث: ولأصحاب هذا المسلك مذهبان: الأول: أَنَّ النهي في الأحاديث منسوخٌ بالآيات، وبقول النبي ﷺ لما حضرته الوفاة: "اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى" (١). حكى هذا القول ابن بطال ولم يَنْسُبه لأحد. (٢) وتعقبه: بأَنَّ الأمر ليس كذلك؛ لأنَّ هؤلاء إنما سألوا ما قارب الموت، ولا مانع من ذلك. (٣) كما أن أحاديث النهي قد جاء فيها ما يفيد جواز الدعاء عند حضور الأجل، وذلك في قوله ﷺ : "وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ" (٤)، فظاهر هذه الرواية جواز الدعاء عند حضور الأجل. (٥) المذهب الثاني: أَنَّ الآيات منسوخة بالأحاديث. نقل هذا المذهب النحاس ورَدَّه. (٦) المبحث الخامس: الترجيح: عند حكاية أقوال المفسرين - في تفسير آيتي يوسف ومريم ﵉ يظهر أنَّ الجميع متفقٌ على أنَّ معنى الآيتين لا يُخالف أحاديث النهي عن تمني

стр. 274

الموت؛ ذلك أنَّ يوسفَ ﵇ سأل ربَّه الوفاة على الإسلام، وهذا لا محذور فيه، ومريم ﵍ خافت الفتنة في دينها فتمنت الموت، وهذا أيضاً لا محذور فيه، وكلا المعنيين المنقولين في تفسير الآيتين لا يُعارض أحاديث النهي عن تمني الموت. وما نقلته عن الجمهور في تفسير الآيتين يكاد يكون محل اتفاق بين المفسرين، لولا ما نُقِلَ عن ابن عباس ﵁ (١)، وقتادة (٢) أنهما قالا في تفسير آية يوسف: "ما تمنى نبيٌّ قط الموتَ قبل يوسف". والحق أنَّ يوسف ﵇ لم يَتَمَنَّ، ولم يسأل الموت منجزاً، وسياق الآية واضح في هذا المعنى؛ وإنما سأل ربه الوفاة على الإسلام، واللحوق بالصالحين، وهذا لا محذور فيه، ولا يخالف أحاديث النهي. وأمَّا دعوى النسخ - إنْ للآيات وإنْ للأحاديث - فضعيفةٌ جداً؛ لأنَّ النسخ إنما يُصار إليه عند تعذر الجمع، أو عند وجود دليل على النسخ، وكلا الأمرين معدومان، فدلَّ على بطلان دعوى النسخ، والله تعالى أعلم. ****

стр. 275

المسألة [١٨]: في مصير أهل الفَتْرَةِ (١)، ومن في حكمهم. المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]. (٢)

стр. 276

المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآيات: (٣٣) ـ (٢٦): عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ". (١)

стр. 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 278

(٣٤) ـ (٢٧): وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ؛ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ". (١)

стр. 279

(٣٥) ـ (٢٨): وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَفَدَاهُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنْ النَّارِ". (١)

стр. 280

(٣٦) ـ (٢٩): وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيْنَ أُمِّي؟ قَالَ: أُمُّكَ فِي النَّارِ. قَالَ قُلْتُ: فَأَيْنَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِكَ؟ قَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ مَعَ أُمِّي". (١) (٣٧) ـ (٣٠): وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "جَاءَ ابْنَا مُلَيْكَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَا: إِنَّ أُمَّنَا كَانَتْ تُكْرِمُ الزَّوْجَ، وَتَعْطِفُ عَلَى الْوَلَدِ، قَالَ: وَذَكَرَ الضَّيْفَ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ وَأَدَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: أُمُّكُمَا فِي النَّارِ. فَأَدْبَرَا وَالشَّرُّ يُرَى

стр. 281

فِي وُجُوهِهِمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُدَّا، فَرَجَعَا وَالسُّرُورُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمَا، رَجِيَا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ شَيْءٌ، فَقَالَ: أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا ... ". (١) (٣٨) ـ (٣١): وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ ـ يَعْنِي الْأَمْعَاءَ ـ فِي النَّارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ (٢) ". (٣) (٣٩) ـ (٣٢): وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ابْنُ جُدْعَانَ (٤)، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". (٥) (٤٠) ـ (٣٣): وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... "، ثم ذكر أَنَّ النبي ﷺ خطب بعد صلاته للكسوف فقال:

стр. 282

"مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ ـ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا ـ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ (١) يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ؛ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ". (٢) (٤١) ـ (٣٤): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنَّهُ رَأَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَقَالَ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَت: ْ أَقْبَلْتُ مِنْ وَرَاءِ جَنَازَةِ هَذَا الرَّجُلِ. قَالَ: فَهَلْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى (٣)؟ قَالَتْ: لَا، وَكَيْفَ أَبْلُغُهَا وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا سَمِعْتُ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ". (٤)

стр. 283

(٤٢) ـ (٣٥): وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ فَسَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ فَسَأَلَ عَنْهُ مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُفِنَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث: ظاهر الآيات الكريمة أَنَّ الله جل وعلا لا يُعذِّبُ أحداً من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً يُنذِرُه ويُحَذِّرُه، فيعصي ذلك الرسولَ ويتمادى في الكفر حتى يوافي الله على ذلك (٢)، وهذا الظاهر يَشمل أهل الجاهلية الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ ، فإنَّ الآيات قد صرحت بأنهم لم يُنذروا (٣)، ولم

стр. 284

يُبعث فيهم رسول (١)، وأما الأحاديث فظاهرها تَعذيب من مات قبل بعثة النبي ﷺ ، وهم أهل الفترة، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآيات. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث ثلاثة مسالك: الأول: مسلك إعمال الآيات دون الأحاديث. ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة ناجون مُطلقاً، وأنه لا عذاب عليهم في الآخرة. وعلى هذا المسلك عامةُ الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعيةِ من الفقهاء، كما حكاه السيوطي، وغيره. (٣) وبه قال: أبو حامدٍ الغزالي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وتاج الدين السُّبكي (٤)، ومحمد بن خليفة الأُبيّ، وشرف الدين المناوي (٥). (٦)

стр. 285

وقال به من المعاصرين: عبد الرحمن الجُزيري (١)، ومحمد الغزالي (٢)، ويوسف القرضاوي. (٣) أدلة هذا المسلك: من أقوى ما استدل به أصحاب هذا المسلك قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]. وهذه الآية صريحة بأنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ أحداً من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسولَ ويتمادى في كفره حتى يموت. وقد حكى السيوطي إطباق أئمة السنة على الاستدلال بالآية في أنه لا تعذيب قبل البعثة. (٤) وهذا المعنى الوارد في الآية قد أوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)) [النساء: ١٦٥]، فصَرَّح في هذه الآية الكريمة بأنْ لا بُدّ أنْ يقطع حُجة كلِّ أحدٍ بإرسال الرسل، مُبشرين من أطاعهم بالجنة، ومُنذرين من عصاهم النار، وهذه الحجة ـ التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين ـ بيَّنها في آخر سورة طه بقوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)) [طه: ١٣٤]، وأشار لها في سورة القصص بقوله: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [القصص: ٤٧]، وقوله جل وعلا: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)) [الأنعام: ١٣١]، وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ
следующие страницы →