← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فِي وُجُوهِهِمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُدَّا، فَرَجَعَا وَالسُّرُورُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمَا، رَجِيَا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ شَيْءٌ، فَقَالَ: أُمِّي مَعَ أُمِّكُمَا ... ". (١) (٣٨) ـ (٣١): وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ ـ يَعْنِي الْأَمْعَاءَ ـ فِي النَّارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ (٢) ". (٣) (٣٩) ـ (٣٢): وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ابْنُ جُدْعَانَ (٤)، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". (٥) (٤٠) ـ (٣٣): وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... "، ثم ذكر أَنَّ النبي ﷺ خطب بعد صلاته للكسوف فقال:

стр. 282

"مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ ـ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا ـ وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ (١) يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ؛ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ". (٢) (٤١) ـ (٣٤): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَنَّهُ رَأَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَقَالَ لَهَا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَت: ْ أَقْبَلْتُ مِنْ وَرَاءِ جَنَازَةِ هَذَا الرَّجُلِ. قَالَ: فَهَلْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى (٣)؟ قَالَتْ: لَا، وَكَيْفَ أَبْلُغُهَا وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا سَمِعْتُ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَى مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ". (٤)

стр. 283

(٤٢) ـ (٣٥): وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ فَسَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ فَسَأَلَ عَنْهُ مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُفِنَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث: ظاهر الآيات الكريمة أَنَّ الله جل وعلا لا يُعذِّبُ أحداً من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً يُنذِرُه ويُحَذِّرُه، فيعصي ذلك الرسولَ ويتمادى في الكفر حتى يوافي الله على ذلك (٢)، وهذا الظاهر يَشمل أهل الجاهلية الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ ، فإنَّ الآيات قد صرحت بأنهم لم يُنذروا (٣)، ولم

стр. 284

يُبعث فيهم رسول (١)، وأما الأحاديث فظاهرها تَعذيب من مات قبل بعثة النبي ﷺ ، وهم أهل الفترة، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآيات. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث ثلاثة مسالك: الأول: مسلك إعمال الآيات دون الأحاديث. ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة ناجون مُطلقاً، وأنه لا عذاب عليهم في الآخرة. وعلى هذا المسلك عامةُ الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعيةِ من الفقهاء، كما حكاه السيوطي، وغيره. (٣) وبه قال: أبو حامدٍ الغزالي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، وتاج الدين السُّبكي (٤)، ومحمد بن خليفة الأُبيّ، وشرف الدين المناوي (٥). (٦)

стр. 285

وقال به من المعاصرين: عبد الرحمن الجُزيري (١)، ومحمد الغزالي (٢)، ويوسف القرضاوي. (٣) أدلة هذا المسلك: من أقوى ما استدل به أصحاب هذا المسلك قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]. وهذه الآية صريحة بأنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ أحداً من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسولَ ويتمادى في كفره حتى يموت. وقد حكى السيوطي إطباق أئمة السنة على الاستدلال بالآية في أنه لا تعذيب قبل البعثة. (٤) وهذا المعنى الوارد في الآية قد أوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)) [النساء: ١٦٥]، فصَرَّح في هذه الآية الكريمة بأنْ لا بُدّ أنْ يقطع حُجة كلِّ أحدٍ بإرسال الرسل، مُبشرين من أطاعهم بالجنة، ومُنذرين من عصاهم النار، وهذه الحجة ـ التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين ـ بيَّنها في آخر سورة طه بقوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)) [طه: ١٣٤]، وأشار لها في سورة القصص بقوله: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)) [القصص: ٤٧]، وقوله جل وعلا: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)) [الأنعام: ١٣١]، وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ

стр. 286

بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)) [المائدة: ١٩]، وكقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات. ويُوضِحُ ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم ـ من أَنَّ الله جل وعلا لا يُعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام ـ تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة بأنه لم يُدخِل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جل وعلا: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)) [الملك: ٨ - ٩]، فقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ) يَعُمُّ جميع الأفواج المُلْقين في النار، ومن ذلك قوله جل وعلا: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)) [الزمر: ٧١]، فقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، عامٌ في جميع الكفار، وهو ظاهرٌ في أَنَّ جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا فعصوا أمر ربهم كما هو واضح، ونظيره أيضاً قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)) [غافر: ٤٩ - ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أَنَّ جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. وهذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة، وأنه لا عذاب عليهم في الآخرة، وإنْ كانوا ماتوا على الشرك؛ لأنهم لم يأتهم رسلٌ ينذرونهم في الدنيا فتقوم عليهم الحجة. (١) ومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا المسلك في عذر أهل الفترة:

стр. 287

حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". (١) قال أبو العباس القرطبي: "فيه دليلٌ على أَنَّ من لم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ ولا أمره لا عقاب عليه ولا مؤاخذه، وهذا كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته فكأنه لم يُبعث إليه رسول". اهـ (٢) وسيأتي ذكر أجوبة أصحاب هذا المسلك عن الأحاديث الواردة في المسألة - التي تُفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة - وذلك عند ذكر أجوبة أصحاب المسلك الثالث، إن شاء الله تعالى. المسلك الثاني: مسلك إعمال الأحاديث دون الآيات. ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة في النار، وأنهم يُعذبون بسبب شركهم. وعلى هذا المسلك الإمام أبو حنيفة. (٣) وحكى القرافي في شرح تنقيح الفصول الإجماع عليه فقال: "انعقد الإجماع على أَنَّ موتى الجاهلية في النار، يُعذبون على كفرهم". اهـ (٤) وحكاه الآلوسي عن أبي منصور الماتريدي (٥)، ومُتَّبِعيه. (٦) وبه قال: النووي، وابن عطية، والحليمي، والفخر الرازي، والخازن، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، والآلوسي، وابن عاشور (٧).

стр. 288

قال الحليمي: "إنَّ العاقل المُميّز إذا سمع آيةَ دعوةٍ كانت إلى الله تعالى فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر كان بذلك مُعرضاً عن الدعوة فيكفر، ويبعد أنْ يوجد شخص لم يبلغه خبرُ أحدٍ من الرسل، على كثرتهم، وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم، فإنَّ الخبر قد يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق ... ، فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع إخبار النبي ﷺ بأنَّ آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار". اهـ (١) أدلة هذا المسلك (٢): استدل أصحاب هذا المسلك بظواهر آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)) [النساء: ١٨]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)) [البقرة: ١٦١]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)) [آل عمران: ٩١]، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨]، وقوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: ٣١]، وقوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) [المائدة: ٧٢].

стр. 289

وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تُخصص كافراً دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار. واستدلوا: بالأحاديث الواردة في أبوي النبي ﷺ ، وقد تقدمت في أول المسألة. واستدلوا: بأنَّ معرفة الله واجبة عقلاً، فلا عُذر بالفترة؛ لأنَّ الحجة قد قامت عليهم بما معهم من أدلة العقل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده. (١) وأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات الواردة في المسألة من أربعة أوجه (٢): الأول: أَنَّ التعذيب المنفي في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وأمثالها من الآيات، إنما هو التعذيب الدنيوي، أي أَنَّ الله لا يُهلك أمة بعذاب في الدنيا إلا بعد الإعذار والإنذار إليهم، وهذا لا يُنافي التعذيب في الآخرة. وهذا الجواب حكاه الآلوسي عن أبي منصور الماتريدي. (٣) وأما تفسير الآية فقد حكاه مذهباً للجمهور: أبو عبد الله القرطبي، وتبعه أبو حيان، والشوكاني. (٤) الوجه الثاني: أَنَّ محل العذر بالفترة ـ المنصوص في قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ) وأمثالها ـ إنما هو في غير الواضح، وأما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل، كعبادة الأوثان، فلا يُعذر فيه أحد؛ لأنَّ الكفار يُقِرُّون بأنَّ الله هو ربهم، الخالق الرازق النافع الضار، ويتحققون كل التحقق أَنَّ الأوثان لا تَقدر على جلب نفع، ولا على دفع ضر.

стр. 290

الوجه الثالث: أَنَّ مشركي العرب قبل بعثة النبي ﷺ عندهم بَقيّة إنذارٍ مما جاءت به الرسل الذين أُرسلوا قبل نبينا ﷺ ، كإبراهيم وغيره، وأنَّ الحجة قائمة عليهم بذلك. وهذا جواب: ابن عطية، والحليمي، والنووي، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني. (١) قال ابن عطية: "صاحب الفترة ليس ككافر قريش قبل النبي ﷺ ، لأنَّ كفار قريش وغيرهم ـ ممن علم وسمع عن نبوةٍ ورسالةٍ في أقطار الأرض ـ ليس بصاحب فترة، والنبي ﷺ قد قال: "أبي وأبوك في النار" (٢)، ورأى عمرو بن لحي في النار (٣)، إلى غير هذا مما يطول ذكره، وأما صاحب الفترة فيفترض أنه آدمي لم يَطرأ عليه أَنَّ الله تعالى بعث رسولاً، ولا دعا إلى دين، وهذا قليل الوجود، اللهم إلا أن يُشذَّ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران". اهـ (٤) وقال النووي: "قوله ﷺ : "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ"، فيه أَنَّ من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أَنَّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذةٌ قبل بلوغ الدعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم". اهـ (٥) الوجه الرابع: ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ الدالة على أَنَّ بعض أهل الفترة في النار، وقد تقدمت. وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة (٦): فأجابوا عن الوجه الأول ـ وهو كون التعذيب في قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ

стр. 291

حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي - من وجهين: الأول: أنه خلاف ظاهر القرآن؛ لأنَّ ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مُطلقاً، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع، إلا بدليل يجب الرجوع إليه. الوجه الثاني: أَنَّ القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)) [الملك: ٨ - ٩]، وهو دليلٌ على أَنَّ جميع أفواج أهل النار ما عُذِّبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل. وأجابوا عن الوجه الثاني ـ وهو أَنَّ محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد ـ بالجوابين المذكورين آنفاً نفسيهما؛ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالفٌ لظاهر القرآن، فلا بُد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأنَّ الله نَصَّ على أَنَّ أهل النار ما عُذِّبوا بها حتى كذَّبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح. وأجابوا عن الوجه الثالث ـ وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أُرسلوا قبله ﷺ ـ بأنه قول باطلٌ بلا شك؛ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأنَّ مقتضاه أنهم أُنذِرُوا على ألسنة بعض الرسل، والقرآن ينفي هذا نفياً باتاً في آيات كثيرة، كقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)) [يس: ٦]، وكقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص: ٤٦]، وكقوله: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)) [سبأ: ٤٤]، وكقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [السجدة: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وأما قول النووي: "من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره"، فإنَّ قوله هذا فيه تناقض؛ لأنَّ من بلغتهم الدعوة فليسوا بأهل فترة، وقد أشار إلى ما في كلام النووي من

стр. 292

التناقض الأُبيّ عند شرحه للحديث. (١) وأجابوا عن الوجه الرابع: بأنَّ تلك الأحاديث الواردة في المسألة أخبار آحاد يقدم عليها القاطع وهي الآيات الواردة في المسألة. وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضاً عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم ـ كقوله: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)) [النساء: ١٨]، إلى آخر ما تقدم من الآيات ـ بأنَّ محل ذلك فيما إذا أُرسلت إليهم الرسل فكذبوهم، بدليل قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم ـ إنَّ القاطع الذي هو قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين ـ أجابوا: بأنَّ الآية عامة والحديثين كلاهما خاص في شخص مُعين، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص؛ لأنَّ الخاص يقضي على العام، كما هو مذهب الجمهور، فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليلٌ خاص بقي داخلاً في العموم. وأجاب المانعون: بأنَّ هذا التخصيص يُبطل حِكْمَةَ العام؛ لأنَّ الله جل وعلا تَمَدَّحَ بكمال الإنصاف، وأنه لا يُعذِّبُ حتى يقطع حجة المُعَذَّب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأنَّ ذلك الإنصاف الكامل والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب، فلو عَذَّبَ إنساناً واحداً من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تَمَدَّحَ الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحُجة التي أرسل الله الرسل لقطعها، كما بَيَّنَه بقوله: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وقوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)) [طه: ١٣٤].

стр. 293

المسلك الثالث: مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث. ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ أهل الفترة معذورون بالفترة في الدنيا، كما هو صريح الآيات، إلا أَنَّ الله يمتحنهم يوم القيامة بنارٍ يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يُصَدِّق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعُذِّبَ فيها، وهو الذي كان يُكَذِّب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل. (١) وقد اختار هذا المسلك جمع من المحققين، كابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، ومحمد الأمين الشنقيطي. (٣) وهو اختيار الشيخين الجليلين ابن باز، وابن عثيمين. (٤) وظاهر تقرير السيوطي لهذه المسألة يوحي باختياره لهذا المسلك. (٥) قال ابن حزم: "وأما المجانين، ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة نبي، ومن أدركه الإسلام وقد هَرَم، أو أصَمّ لا يسمع؛ فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه تُبعث لهم يوم القيامة نارٌ موقدة، ويؤمرون بدخولها، فمن دخلها كانت عليه برداً ودخل الجنة ... ، ونحن نؤمن بهذا ونُقِرُّ به، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ". اهـ (٦)

стр. 294

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتُحِنَ في الآخرة ... ، ولا يُعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أنْ يبعث إليه رسولاً، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه، كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة، فهذا يُمتحن في الآخرة، كما جاءت بذلك الآثار". اهـ (١) أدلة هذا المسلك: للقائلين بهذا المسلك حجتان: الأولى: ما ورد من أحاديث عن رسول الله ﷺ بامتحان أهل الفترة في الآخرة، وهي مروية عن ستةٍ من أصحاب النبي ﷺ : الأول: عن الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ﵁، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (يعني يُدْلُون على الله بحُجَّة) (٢)، رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ (٣)، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ؛ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ (٤)، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ. قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا" (٥).

стр. 295

الثاني: عن مُعاذ بن جَبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يُؤتى يوم القيامة بالممسوخ (١)

стр. 296

عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني. ويقول الهالك في الفترة: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده مني. ويقول الهالك صغيراً: لو آتيتني عمراً ما كان من آتيته عمراً بأسعد بعمره مني. فيقول الرب ﵎: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، وعزتك. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. ولو دخلوها ما ضرتهم، قال: فتخرج عليهم قوابص (١) يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً قال: يقولون: خرجنا يا رب وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك يقولون مثل قولهم، فيقول الله ﵎: قبل أن تُخلقوا علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، فتأخذهم النار". (٢)

стр. 297

الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، وبالمعْتُوه (١)، وبمن مات في الفترة، والشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعنق من النار: ابرُزْ. فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه. فيقول من كُتِبَ عليه الشقاء: يا رب، أين ندخلها ومنها كنا نَفِرُّ؟ قال: ومن كُتِبَتْ عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مُسرعاً، قال: فيقول ﵎: أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار". (٢)

стр. 298

الرابع: عن أبي سعيد الخُدريّ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "يَحْتَجُّ عَلى اللهِ يَوْمَ القيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ على عَقْلِه، والصَّبيُّ الصَّغيرُ، فَيَقُولُ المَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ: لَمْ تَجْعَلْ لي عَقْلا أنْتَفِع بِهِ، وَيَقُولُ الهَالِكُ فِي الفتْرَةِ: لَمْ يأْتِني رَسُولٌ وَلا نَبيٌّ، ولَوْ أتانِي لَكَ رَسُولٌ أوْ نَبيّ لكُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ وقرأ: (لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) [طه: ١٣٤] ويَقُولُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ: كَنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ. قال: فَتُرْفَعُ لَهُمْ نارٌ وَيُقالُ لَهُمْ: رِدُوها قال: فَيرِدُها مَنْ كَانَ فِي علْمِ اللهِ أنَّه سَعيدٌ، وَيَتَلَكَّأُ عَنْها مَنْ كانَ فِي عِلْمِ اللهِ أنَّهُ شَقِيّ، فَيَقُولُ: إيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلي لَوْ أتَتْكُمْ؟ ". (١) الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، أنه سمع رسولَ الله ﷺ

стр. 299

يقول: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا لم تُرسِلْ إلينا رسولاً، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك لك. فيقول لهم ربهم: أرأيتم إنْ أمرتكم بأمر تطيعونني؟ فيقولون: نعم. فيُؤمرون أن يَعْمَدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون، حتى إذا رأوها فإذا لها تغيظ وزفير، فيرجعون إلى ربهم فيقولون: يا ربنا فَرَقْنا (١) منها. فيقول ربهم ﵎: تزعمون أنكم إنْ أمرتكم بأمر أطعتموني، فيأخذ مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فَرَقوا ورجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا فَرَقْنا منها. فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعوني؟ اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فزعوا ورجعوا، فقالوا: فَرَقْنا يا رب، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. قال نبي الله ﷺ : لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً". (٢)

стр. 300

السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة كلهم يُدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هَرَماً، ورجل أصم أبكم، ورجل مَعْتُوه، فيبعث الله إليهم مَلَكاً رسولاً فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم ناراً ثم يقول: اقتحموها، فمن اقتحمها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لا حَقَّتْ عليه كلمة العذاب". (١) قال ابن القيم ـ بعد أنْ أورد هذه الأحاديث ـ: "فهذه الأحاديث يَشُدُّ بعضها بعضاً، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري ﵀ في المقالات (٢) وغيرها". اهـ (٣) الحجة الثانية: أَنَّ الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول، بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أُمِرَ به عند ذلك الامتحان، وتتفق بذلك جميع الأدلة. (٤) الإيرادات والاعتراضات على هذه الأدلة: أُورِد على هذه الأحاديث ـ أعني أحاديث الامتحان ـ بأنها ضعيفة، وبأنها مُخالِفةٌ لكتاب الله ، ولقواعد الشريعة، لأنَّ الآخرة ليست دارَ

стр. 301

تكليف، وإنما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ثَمَّ دار جزاء غيرها. أورد هذا الاعتراض: ابن عبد البر، وابن عطية، وأبو عبد الله القرطبي، والآلوسي. (١) قال ابن عبد البر ـ وقد ذكر بعض هذه الأحاديث ـ: "وهذه الأحاديث كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حُجة، وأهل العلم يُنكرون أحاديث هذا الباب؛ لأنَّ الآخرة دار جزاء، وليست دارَ عمل ولا ابتلاء، وكيف يُكَلَّفون دخول النار وليس ذلك في وُسِع المخلوقين، والله لا يُكَلِّف نفساً إلا وسعها، ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون مات كافراً أو غير كافر، فإنْ مات كافراً جاحداً فإنَّ الله حرَّم الجنة على الكافرين، فكيف يُمتحنون؟ وإنْ كان معذوراً بأنه لم يَأته نذير ولا رسول فكيف يُؤمر أنْ يقتحم النار وهي أشدُّ العذاب؟ ". اهـ (٢) وأجيب عن هذه الاعتراضات من وجوه (٣): الأول: "أَنَّ أحاديث هذا الباب قد تضافرت وكثُرَتْ بحيث يشدُّ بعضُها بعضاً، وقد صحَّح الحفاظ بعضها، كما صحَّح البيهقي وعبد الحق وغيرهما حديثَ الأسود بن سريع. وحديثُ أبي هريرة إسناده صحيح متصل، ورواية معمر له، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، موقوفاً، لا تضره؛ فإنا إنْ سلكنا طريق الفقهاء والأصوليين ـ في الأخذ بالزيادة من الثقة ـ فظاهر، وإنْ سلكنا طريق الترجيح ـ وهي طريقة المحدثين ـ فليس من رَفَعَه بدون من وَقَفَه في الحفظ والإتقان. الوجه الثاني: أَنَّ غاية ما يُقَدَّرُ فيه أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا

стр. 302

لا يُقْدِمُ عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يُجْزَم بأنَّ ذلك توقيفٌ لا عن رأي. الوجه الثالث: أَنَّ هذه الأحاديث يَشُدُّ بعضها بعضاً؛ فإنها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أنْ تكون باطلة على رسول الله ﷺ لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودونوها ولم يطعنوا فيها. الوجه الرابع: أنها هي الموافقة للقرآن وقواعد الشرع، فهي تفصيل لما أخبر به القرآن أنه لا يُعَذَّبُ أحدٌ إلا بعد قيام الحجة عليه، وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله في الدنيا، فلا بد أنْ يقيم حجته عليهم، وأحق المواطن أنْ تُقام فيه الحجة يوم يقوم الأشهاد، وتُسمع الدعاوى، وتُقام البينات، ويختصم الناس بين يدي الرب، وينطق كل أحد بحجته ومعذرته، فلا تنفع الظالمين معذرتهم وتنفع غيرهم. الوجه الخامس: أَنَّ القول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث، كما حكاه الأشعري عنهم في المقالات، وحكى اتفاقهم عليه. (١) الوجه السادس: وهو قول ابن عبد البر: "وأهل العلم يُنكرون أحاديث هذا الباب" جوابه: أنه وإنْ أنكرها بعضهم فقد قَبِلَها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين أنكروها، وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكى فيه الأشعري اتفاق أهل السنة والحديث، وقد بينا أنه مقتضى قواعد الشرع. الوجه السابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار، ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف. الوجه الثامن: ما ثبت في الصحيحين (٢)، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، ﵄، في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً إليها، أَنَّ الله تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يُخالفه ويسأله غيره،

стр. 303

فيقول الله له: "ما أغدرك"، وهذا الغدر منه لمخالفته العهد الذي عاهد ربه عليه، وهذه معصية منه. الوجه التاسع: قد ثبت أنه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود، ويحول بين المخالفين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعاً، فكيف يُنْكَرُ التكليف بدخول النار اختياراً؟ الوجه العاشر: أنه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالهم وتكليفهم الجواب، وهذا تكليف بعد الموت بِرَدِّ الجواب. الوجه الحادي عشر: أَنَّ أَمْرَهُم بدخول النار ليس عقوبة لهم، وكيف يُعاقبهم على غير ذنب؟ وإنما هو امتحان واختبار لهم، هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه ودخلوها لم تضرهم، وكانت عليهم برداً وسلاماً، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها استوجبوا عقوبة مخالفة أمره، والملوك قد تمتحن من يُظهر طاعتهم، هل هو منطوٍ عليها بباطنه؟ فيأمرونه بأمر شاق عليه في الظاهر، هل يُوطِّن نفسه عليه أم لا؟ فإنْ أقدم عليه ووطن نفسه على فعله أَعْفَوه منه، وإنْ امتنع وعصى ألزموه به، أو عاقبوه بما هو أشد منه. وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم، وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلما فعل ذلك رفع عنه الأمر بالذبح. وقد ثبت أَنَّ الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار (١)، وهي نار في رأي العين، ولكنها لا تُحْرِق، فمن دخلها لم تضره، فلو أَنَّ هؤلاء يوطنون أنفسهم على دخول النار ـ التي أمروا بدخولها طاعة لله ومحبة له، وإيثاراً لمرضاته، وتقرباً إليه بتحمل ما يؤلمهم ـ لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته ومحبته

стр. 304

يقلب تلك النار برداً وسلاماً، كما قلب قصد الخليل التقرب إلى ربه وإيثار محبته ومرضاته وبذل نفسه وإيثاره إياه على نفسه تلك النار بأمر الله برداً وسلاماً، فليس أمره سبحانه إياهم بدخول النار عقوبة ولا تكليفاً بالممتنع، وإنما هو امتحان واختبار لهم هل يوطنون أنفسهم على طاعته أم ينطوون على معصيته ومخالفته، وقد علم سبحانه ما يقع منهم، ولكنه لا يُجازيهم على مجرد علمه فيهم ما لم يحصل معلومه الذي يترتب عليهم به الحجة، فلا أحسن من هذا يفعله بهم، وهو محض العدل والحكمة. الوجه الثاني عشر: أَنَّ هذا مطابق لتكليفه عباده في الدنيا؛ فإنه سبحانه لم يستفد بتكليفهم منفعة تعود إليه، ولا هو محتاج إليهم، وإنما امتحنهم وابتلاهم ليتبين من يؤثر رضاه ومحبته ويشكره، ممن يكفر به ويؤثر سخطه، قد علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنه بالابتلاء ظهر معلومه الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة. وكثير من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظير الأمر بدخول النار؛ فإنَّ الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم ورماحهم، وتعريضهم لأسرهم لهم، وتعذيبهم واسترقاقهم، لعله أعظم من الأمر بدخول النار، وقد كَلَّفَ الله بني إسرائيل قتل أنفسهم وأولادهم وأرواحهم وإخوانهم لما عبدوا العجل، لما لهم في ذلك من المصلحة، وهذا قريب من التكليف بدخول النار، وكَلَّفَ على لسان رسوله المؤمنين إذا رأوا نار الدجال أن يقعوا فيها، لما لهم في ذلك من المصلحة، وليست في الحقيقة ناراً، وإنْ كانت في رأي العين ناراً، وكذلك النار التي أمروا بدخولها في الآخرة إنما هي برد وسلام على من دخلها، فلو لم يأت بذلك أثر لكان هذا هو مقتضى حكمته وعدله، وموجب أسمائه وصفاته. الوجه الثالث عشر: قول ابن عبد البر: "وليس ذلك في وسع المخلوقين" جوابه من وجهين: أحدهما: أنه في وسعهم، وإنْ كان يشق عليهم، وهؤلاء عباد النار يتهافتون فيها ويلقون أنفسهم فيها طاعة للشيطان، ولم يقولوا ليس في وسعنا، مع تألمهم بها غاية الألم، فعباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته

стр. 305

باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسعهم، وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ومنفعتهم؟ الثاني: أنهم لو وطنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم، ولم تضرهم شيئاً. الوجه الرابع عشر: أَنَّ أمرهم باقتحام النار، المفضية بهم إلى النجاة منها، بمنزلة الكي الذي يحسم الداء، وبمنزلة تناول الداء الكريه الذي يعقب العافية، وليس من باب العقوبة في شيء، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمته وحمده، وغناه ورحمته، ألا يعذب من لا ذنب له، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك، كما يتعالى عما يناقض صفات كماله، فالأمر باقتحام النار للخلاص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنهم بادروا إليها طوعاً واختياراً ورضى، حيث علموا أَنَّ مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين صلاحهم، وسبب نجاتهم، فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقنوا وعلموا أَنَّ فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمره وعزت عليهم أنفسهم أن يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به، رحمة وإحساناً، لا عقوبة. الوجه الخامس عشر: أَنَّ أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين بركوب الصراط، الذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ولا ريب أَنَّ ركوبه من أشق الأمور وأصعبها، حتى إنَّ الرسل لتشفق منه، وكل منهم يسأل الله السلامة، فركوب هذا الجسر الذي هو في غاية المشقة كاقتحام النار، وكلاهما طريق إلى النجاة. الوجه السادس عشر: قول ابن عبد البر: "ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافراً أو غير كافر، فإنْ كان كافراً فإنَّ الله حرم الجنة على الكافرين، وإنْ كان معذوراً بأنه لم يأته رسول فكيف يُؤمر باقتحام النار؟ " جوابه من وجوه: أحدها: أنْ يقال هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان؛ فإنَّ الكفر هو جحود ما جاء به الرسول، فشرط تحققه بلوغ الرسالة، والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وهذا أيضاً مشروط ببلوغ الرسالة، ولا

стр. 306

يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه، فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفاراً ولا مؤمنين، كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين. الوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار، لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه، وهو قيام الحجة عليهم، فإنَّ الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته. الوجه الثالث: قوله: "وإنْ كان معذوراً فكيف يؤمر أن يقتحم النار، وهي أشد العذاب؟ "، فالذي قال هذا يُوهِمُ أَنَّ هذا الأمر عقوبة لهم، وهذا غلط، وإنما هو تكليف واختبار، فإن بادروا إلى الامتثال لم تضرهم النار شيئاً". انتهى كلام ابن القيم. أجوبة أصحاب المسلك الأول والثالث - وهم القائلون بنجاة أهل الفترة، والقائلون بامتحانهم في الآخرة - عن الأحاديث الواردة في المسألة، والتي تُفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة: اختلف أصحاب هذين المسلكين في الجواب عن الأحاديث الواردة في المسألة، وخاصة الأحاديث الواردة في أبوي النبي ﷺ ، وسأذكر أولاً أجوبتهم عن الأحاديث بعامة، ثم أذكر مذاهب العلماء في مصير والدي النبي ﷺ ، يلي ذلك أجوبة أصحاب هذين المسلكين عن الأحاديث الواردة في تعذيب أبوي النبي ﷺ : أولاً: أجوبتهم عن أحاديث تعذيب أهل الفترة بعامة: أما القائلون بامتحانهم في الآخرة فلا إشكال عندهم في تلك الأحاديث؛ لأنها محمولة على أَنَّ هؤلاء ممن لا يجيب يوم القيامة؛ فلا منافاة بينها وبين الآيات. (١) وأجاب بعضهم باحتمال أنْ يكون هؤلاء ـ الذين أخبر النبي ﷺ بأنهم من أهل النار، ومنهم أبوي النبي ﷺ ـ بلغتهم دعوة نبي من الأنبياء، قبل بعثة نبينا محمد ﷺ ، فلم يؤمنوا بها، وإنما رضوا بدين قريش، من الشرك وعبادة

стр. 307

الأوثان، فخرجوا بفعلهم هذا أن يكونوا من أهل الفترة، واستحقوا العذاب في الآخرة؛ لقيام الحجة عليهم. (١) وأما القائلون بنجاتهم مطلقاً فذكروا ثلاثة أجوبة: الأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع، وهي نصوص القرآن الكريم. الثاني: قَصْرُ التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب. الثالث: قَصْرُ التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بَدَّلَ وغَيَّرَ من أهل الفترة بما لا يُعذر به من الضلال، كعبادة الأوثان، وتغيير الشرائع، وشرع الأحكام. وقد ذكر محمد بن خليفة الأُبيّ أَنَّ أهل الفترة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، وهؤلاء على نوعين: الأول: من لم يدخل في شريعة؛ كقس بن ساعدة (٢)، وزيد بن عمرو بن

стр. 308

نفيل (١)، وورقة بن نوفل (٢). الثاني: من دخل في شريعة حق قائمة، كتُبَّعٍ وقومه. القسم الثاني: من بَدَّلَ وغَيَّرَ وأشرك ولم يُوحِّد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، فإنه أول من سن للعرب عبادة الأصنام، وشرع الأحكام؛ فبَحَّر البَحِيرة (٣)،

стр. 309

وسَيَّبَ السَّائبة (١)، ووَصَل الوَصِيلة (٢)، وحَمى الحامي (٣). القسم الثالث: من لم يُشرك ولم يُوحِّد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع ديناً، بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله، وفي الجاهلية من هذا القسم كثير. قال الأُبيّ: فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام؛ فيُحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني؛ بكفرهم بما يعذبون به من الخبائث، والله سبحانه قد سمى جميع هذا القسم كفاراً ومشركين، وأما القسم الأول، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة؛ فقد قال النبي ﷺ في كل منهما: "إنه يُبعث أمة وحده" (٤)، فحكمهم حكم الدين الذي دخلوا فيه مالم يلحق أحداً منهم الإسلامُ الناسخ لكل دين. وأما القسم الثالث: فهم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين، لقطع القرآن بنجاتهم. (٥) ثانياً: مذاهب العلماء في مصير والديّ النبي ﷺ : اختلف العلماء في مصير والديّ النبي ﷺ على ثلاثة مذاهب:

стр. 310

الأول: أنهما في النار. وهذا مذهب أبي حنيفة، والبيهقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، والألباني، وغيرهم. (١) وقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين: إبراهيمُ بن محمد الحلبي (٢)، في رسالة بعنوان: "رسالة في حق أبوي الرسول ﷺ "، والملاّ علي بن سلطان القاري في رسالة بعنوان: "أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول ﵊". ومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المذهب: حديث أنس ﵁، والذي فيه إخبار النبي ﷺ بأنَّ أباه في النار، وحديث أبي هريرة ﵁، والذي فيه أَنَّ النبي ﷺ نُهيَ عن الاستغفار لأمه، وكلاهما عند مسلم، وكذا إخباره ﷺ بأنَّ أمه في النار، وقد تقدمت جميعها في أول المسألة. وادعى الإجماع على عدم نجاتهما الملا علي بن سلطان القاري فقال: "وأما الإجماع؛ فقد اتفق السلف والخلف ـ من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين ـ على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق". اهـ (٣) ويرى هؤلاء أَنَّ إخباره ﷺ عن أبويه بأنهما من أهل النار، لا يُنافي الأحاديث الواردة بامتحان أهل الفترة، لأنَّ أهل الفترة منهم من يُجيب يوم القيامة، ومنهم من لا يُجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يُجيب، فلا مُنافاة. (٤)

стр. 311

المذهب الثاني: التوقف فيهما، فلا يُحكم لهما بجنة ولا نار. قال تاج الدين الفاكهاني (١): "الله أعلم بحال أبويه". (٢) وقال السخاوي ـ بعد أنْ أورد حديث إحياء والديّ النبي ﷺ ـ: "والذي أراه الكَفَّ عن التعرض لهذا إثباتاً ونفياً". (٣) وحكى هذا المذهب شمس الحق العظيم آبادي ومال إليه واستحسنه. (٤) وإليه نحا الدكتور يوسف القرضاوي؛ فإنه أورد حديث "إن أبي وأباك في النار" وقال: أتوقف في الحديث حتى يظهر لي شيء يشفي الصدر. (٥) المذهب الثالث: أنهما في الجنة. ولأصحاب هذا المذهب في سبب نجاتهما ثلاثة مسالك: الأول: أنهما لم تبلغهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة. أشار لهذا المسلك: السيوطي، والسندي. (٦) واختاره من المعاصرين: محمد الغزالي (٧). المسلك الثاني: أنهما كانا على التوحيد، ملة إبراهيم، ﵇. وهذا المسلك قال به الطاهر ابن عاشور، ومحمد الجزيري. (٨) قال الطاهر ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)) [البقرة: ١٢٤] قال: "ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي ﷺ ، وإنما كانوا يكتمون دينهم تُقْيَةً من قومهم". اهـ (٩)

стр. 312

المسلك الثالث: أَنَّ الله تعالى أحياهما لنبيه ﷺ في آخر حياته؛ فآمنا به واتبعاه. وهذا المسلك مال إليه طائفة من حفاظ المحدثين وغيرهم، منهم ابن شاهين (١)، والخطيب البغدادي (٢)، والسُهيلي (٣) (٤)، وأبو عبد الله القرطبي (٥)، والمحب الطبري (٦)، وناصر الدين بن المُنَيِّر (٧)، والأُبيّ (٨)، وابن حجر الهيتمي (٩)، والعجلوني (١٠)، وغيرهم (١١). وانتصر له السيوطي فألف فيه عدة مؤلفات من أشهرها: كتابه "مسالك الحنفا في والديّ المصطفى" (١٢)، وقد أطال في تقرير نجاة الأبوين، وحشد العديد من الأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، حتى قال: "وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذاباً؛ لقرابته منه ﷺ وبِرِّهِ به، مع إداركه

стр. 313

الدعوة، وامتناعه من الإجابة، وطول عمره، فما ظنك بأبويه، اللذين هما أشد منه قُرباً، وآكد حُباً، وابسط عُذراً، وأقصر عُمراً، فمعاذ الله أنْ يُظنَّ بهما أنهما في طبقة الجحيم، وأنْ يُشدَّد عليهما العذاب العظيم، هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم". اهـ (١) ومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المسلك: ما رُويَ عن عائشة ﵂: "أَنَّ رسول الله ﷺ نزل إلى الحجون (٢) كئيباً حزيناً، فأقام به ما شاء ربه ، ثم رجع مسروراً، فقالت: يا رسول الله، نزلت إلى الحجون كئيباً حزيناً فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسروراً، قال: سألت ربي فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم رَدَّها". (٣)

стр. 314

وأورد السُهيلي في الروض الأنف (١) بسند قال: إنَّ فيه مجهولين، عن عائشة ﵂: "أَنَّ رسول الله ﷺ سأل ربه أنْ يحيي أبويه، فأحياهما له، فآمنا به، ثم أماتهما". قال السهيلي بعد إيراده للحديث: "الله قادر على كل شيء، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه ﷺ أهل أنْ يُختصَّ بما شاء من فضله، ويُنْعِمَ عليه بما شاء من كرامته". اهـ (٢) وقال العلامة ناصر الدين بن المُنَيِّر المالكي في كتاب "المقتفى في شرف المصطفى": "قد وقع لنبينا ﷺ إحياء الموتى، نظير ما وقع لعيسى ابن مريم ... ، وجاء في حديثٍ أَنَّ النبي ﷺ لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أنْ يحيي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين". اهـ (٣) وقال أبو عبد الله القرطبي: "فضائل النبي ﷺ لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلاً ولا شرعاً، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى، وكذلك نبينا ﵊ أحيا الله على يديه جماعة من الموتى ... ، وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته". اهـ (٤)

стр. 315

وقال ابن سيد الناس ـ بعد أن ذكر قصة الإحياء، والأحاديث الواردة في التعذيب ـ: "وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أَنَّ النبي ﷺ لم يزل راقياً في المقامات السَّنيِّة، صاعداً في الدرجات العليّة، إلى أنْ قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أنْ تكون هذه درجة حصلت له ﷺ بعد أنْ لم تكن، وأنْ يكون الإحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تَعارُض". اهـ (١) وأجاب أصحاب هذا المسلك عن أحاديث تعذيب أبوي النبي ﷺ بثلاثة أجوبة: الأول: أنها منسوخة بحديث إحياء والديه ﷺ . قال أبو عبد الله القرطبي: "لا تعارض بين حديث الإحياء، وحديث النهي عن الاستغفار؛ فإنَّ إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة أَنَّ ذلك كان في حجة الوداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذُكِرَ من الأخبار". اهـ (٢) الثاني: أَنَّ قوله ﷺ : "إنَّ أبي وأباك في النار" المراد عمه أبو طالب؛ لأن اسم الأب يطلق على العم، وقد كان أبو طالب رَبَّى رسولَ الله ﷺ ، فاستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة. ذكره السيوطي. (٣) وذهب الجزيري إلى أَنَّ المراد عمه أبو لهب، حيث قال: "وحديث مسلم هذا يمكن تأويله، وهو أَنَّ المراد بأبي النبي صلى الله وعليه وسلم أبو لهب؛ فإنَّ الله تعالى قد أخبر أنه في النار قطعاً، والأب يُطلق في اللغة على العم". اهـ (٤) الثالث: أنها ضعيفة. قال السيوطي: "فإنْ قلتَ: فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرهما

стр. 316

وأنهما في النار، وهي: حديث أنه ﷺ قال: "ليت شعري، ما فعل أبواي؟ فنزلت: (وَلَا تُسْأَلُ (١) عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) " (٢) [البقرة: ١١٩]، وحديث أنه استغفر لأُمِّه فضرب جبريل في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً (٣)، وحديث أنه نزل فيها: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (٤) [التوبة:

стр. 317

١١٣]، وحديث أنه قال لابني مُليكة: "أمكما في النار. فشق عليهما، فدعاهما فقال: إنَّ أُمّي مع أمكما". (١) قلت: الجواب أَنَّ غالب ما يروى من ذلك ضعيف، ولم يصح في أم النبي ﷺ سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يُؤذن له، ولم يصح أيضاً في أبيه إلا حديث مسلم خاصة، وسيأتي الجواب عنهما.

стр. 318

قال: وأما الأحاديث التي ذُكِرَت؛ فحديث: "ليت شعري ما فعل أبواي؛ فنزلت الآية" لم يُخرَّج في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما ذُكِرَ في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحُتج به، ولا يُعَوُّل عليه. وأما حديث أنَّ جبريل ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً؛ فإنَّ البزار أخرجه بسند فيه من لا يُعرف. وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضاً، والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب (١). وأما حديث: "أمي مع أمكما"، فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف، وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يُقبل تَفَرُّدُه بالتصحيح، ثم إنَّ الذهبي في مختصر المستدرك ـ لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح ـ قال عقبه: "قلت: لا والله، فعثمان بن عمير ضعفه الدارقطني". فبيَّن الذهبي ضعف الحديث، وحلف عليه يميناً شرعياً. قال السيوطي: فإنْ قلتَ: بقيت عقدة واحدة، وهي ما رواه مسلم عن أنس أَنَّ رجلاً قال: "يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفى دعاه فقال: إنَّ أبي وأباك في النار" (٢)، وحديث مسلم عن أبي هريرة ﵁: "أنه ﷺ استأذن في الاستغفار لأمه فلم يُؤذن له" (٣)، فاحلل هذه العقدة. قلت: على الرأس والعين:

стр. 319

والجواب: أَنَّ هذه اللفظة وهي قوله: "إنَّ أبي وأباك في النار"، لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهي الطريق التي رواه مسلم منها، وقد خالفه معمر، عن ثابت (١)، فلم يذكر: "إنَّ أبي وأباك في النار"، ولكن قال له: "إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار" (٢). وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده ﷺ بأمر ألبتة، وهو أثبت من حيث الرواية؛ فإنَّ معمراً أثبت من حماد، فإنَّ حماداً تُكُلِّمَ في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أَنَّ ربيبه دَسَّها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ، فحدَّث بها فوهِم فيها، ومن ثَمَّ لم يخرج له البخاري شيئاً، ولا خَرَّج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، قال الحاكم في "المدخل": "ما خَرَّج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خَرَّج له في الشواهد عن طائفة". (٣) قال السيوطي: وأما معمر فلم يُتَكَلَّم في حفظه، ولا استُنْكِرَ شيءٌ من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان، فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص، بمثل لفظ رواية معمر، عن ثابت، عن أنس؛ فأخرج البزار، والطبراني، والبيهقي، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: "أَنَّ أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". (٤) وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره. وأخرج ابن ماجة، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إنَّ أبي كان يصل الرحم، وكان؛ فأين هو؟ قال: في النار. قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله ﷺ : حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار. قال: فأسلم الأعرابي بَعْدُ وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعباً، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار" (٥).

стр. 320

قال السيوطي: فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أَنَّ هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه ﷺ ، ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال، فلم يَسَعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء ألبتة، فُعُلِمَ أَنَّ هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه". اهـ (١) أجوبة القائلين بتعذيب أبوي النبي ﷺ على أدلة القائلين بنجاتهما: أولاً: أجوبتهم عن حديث الإحياء: أجاب القائلون بتعذيب أبوي النبي ﷺ عن حديث الإحياء بأنه حديث باطل وموضوع. وممن قال ببطلانه: الدارقطني، والحافظ ابن دحية الكلبي (٢)، وابن الجوزي، وابن عساكر، والذهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سَيِّدِ الناس (٣) (٤)، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والجوزقاني، ومحمد شمس الحق العظيم آبادي، والألباني، وغيرهم. (٥) قال ابن الجوزي ـ بعد روايته للحديث ـ: "هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أَنَّ من مات كافراً لا ينفعه أنْ يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) [البقرة:
следующие страницы →