← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأنهما في النار، وهي: حديث أنه ﷺ قال: "ليت شعري، ما فعل أبواي؟ فنزلت: (وَلَا تُسْأَلُ (١) عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) " (٢) [البقرة: ١١٩]، وحديث أنه استغفر لأُمِّه فضرب جبريل في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً (٣)، وحديث أنه نزل فيها: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (٤) [التوبة:

стр. 317

١١٣]، وحديث أنه قال لابني مُليكة: "أمكما في النار. فشق عليهما، فدعاهما فقال: إنَّ أُمّي مع أمكما". (١) قلت: الجواب أَنَّ غالب ما يروى من ذلك ضعيف، ولم يصح في أم النبي ﷺ سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يُؤذن له، ولم يصح أيضاً في أبيه إلا حديث مسلم خاصة، وسيأتي الجواب عنهما.

стр. 318

قال: وأما الأحاديث التي ذُكِرَت؛ فحديث: "ليت شعري ما فعل أبواي؛ فنزلت الآية" لم يُخرَّج في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما ذُكِرَ في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحُتج به، ولا يُعَوُّل عليه. وأما حديث أنَّ جبريل ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً؛ فإنَّ البزار أخرجه بسند فيه من لا يُعرف. وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضاً، والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب (١). وأما حديث: "أمي مع أمكما"، فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف، وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يُقبل تَفَرُّدُه بالتصحيح، ثم إنَّ الذهبي في مختصر المستدرك ـ لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح ـ قال عقبه: "قلت: لا والله، فعثمان بن عمير ضعفه الدارقطني". فبيَّن الذهبي ضعف الحديث، وحلف عليه يميناً شرعياً. قال السيوطي: فإنْ قلتَ: بقيت عقدة واحدة، وهي ما رواه مسلم عن أنس أَنَّ رجلاً قال: "يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفى دعاه فقال: إنَّ أبي وأباك في النار" (٢)، وحديث مسلم عن أبي هريرة ﵁: "أنه ﷺ استأذن في الاستغفار لأمه فلم يُؤذن له" (٣)، فاحلل هذه العقدة. قلت: على الرأس والعين:

стр. 319

والجواب: أَنَّ هذه اللفظة وهي قوله: "إنَّ أبي وأباك في النار"، لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهي الطريق التي رواه مسلم منها، وقد خالفه معمر، عن ثابت (١)، فلم يذكر: "إنَّ أبي وأباك في النار"، ولكن قال له: "إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار" (٢). وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده ﷺ بأمر ألبتة، وهو أثبت من حيث الرواية؛ فإنَّ معمراً أثبت من حماد، فإنَّ حماداً تُكُلِّمَ في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أَنَّ ربيبه دَسَّها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ، فحدَّث بها فوهِم فيها، ومن ثَمَّ لم يخرج له البخاري شيئاً، ولا خَرَّج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، قال الحاكم في "المدخل": "ما خَرَّج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خَرَّج له في الشواهد عن طائفة". (٣) قال السيوطي: وأما معمر فلم يُتَكَلَّم في حفظه، ولا استُنْكِرَ شيءٌ من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان، فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص، بمثل لفظ رواية معمر، عن ثابت، عن أنس؛ فأخرج البزار، والطبراني، والبيهقي، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: "أَنَّ أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". (٤) وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره. وأخرج ابن ماجة، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إنَّ أبي كان يصل الرحم، وكان؛ فأين هو؟ قال: في النار. قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله ﷺ : حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار. قال: فأسلم الأعرابي بَعْدُ وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعباً، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار" (٥).

стр. 320

قال السيوطي: فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أَنَّ هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه ﷺ ، ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال، فلم يَسَعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء ألبتة، فُعُلِمَ أَنَّ هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه". اهـ (١) أجوبة القائلين بتعذيب أبوي النبي ﷺ على أدلة القائلين بنجاتهما: أولاً: أجوبتهم عن حديث الإحياء: أجاب القائلون بتعذيب أبوي النبي ﷺ عن حديث الإحياء بأنه حديث باطل وموضوع. وممن قال ببطلانه: الدارقطني، والحافظ ابن دحية الكلبي (٢)، وابن الجوزي، وابن عساكر، والذهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سَيِّدِ الناس (٣) (٤)، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والجوزقاني، ومحمد شمس الحق العظيم آبادي، والألباني، وغيرهم. (٥) قال ابن الجوزي ـ بعد روايته للحديث ـ: "هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أَنَّ من مات كافراً لا ينفعه أنْ يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) [البقرة:

стр. 321

٢١٧]، وقوله في الصحيح: "استأذنت ربي أنْ أستغفر لأمي فلم يأذن لي". اهـ (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ وقد سُئِل: هل صح عن النبي ﷺ : أَنَّ الله ﵎ أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟ فأجاب: - "لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث; بل أهل المعرفة متفقون على أَنَّ ذلك كذب مختلق، وإنْ كان قد رَوَى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب - في كتابه (السابق واللاحق) وذكره أبو القاسم السهيلي في (شرح السيرة) بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في (التذكرة)، وأمثال هذه المواضع لا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث; لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإنْ كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإنَّ مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات عُلِمَ أنه كذب". اهـ (٢) وقال الألباني: "كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أَنَّ ذلك مناف للمحبة الشرعية، وممن جمحت به المحبة السيوطي ـ عفا الله عنه ـ فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء، وحاول في كتابه (اللآلىء) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أَنَّ النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يُعقل أنْ يُخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء". اهـ (٣).

стр. 322

ثانياً: أجوبتهم عن دعوى ضعف حديث مسلم: "إنَّ أبي وأباك في النار": ما ادعاه السيوطي ـ من ضعف حديث: "إنَّ أبي وأباك في النار"، وتفرد حماد بن سلمة بلفظه ـ أجاب عنه بعض المتأخرين كالألباني وتلميذه أبي إسحاق الحويني، وقد أطال الأخير في الرد على السيوطي، وسأنقل مناقشته كاملة نظراً لأهميتها وتناولها لجميع ما أورده السيوطي: قال أبو إسحاق الحويني: "الجوابُ عما ادعاه السيوطي من وجوهٍ: الأول: أَنَّ السيوطي ضعَّف حديث مسلمٍ، وبنى تضعيفه على مقدمةٍ، وهي: أَنَّ معمر بن راشد خالف حماد بن سلمة في لفظه، ومعمر بن راشد أوثق من حماد بن سلمة، وهذه المقارنةُ حيدةٌ مكشوفة، فإنَّ الأمر لا يخفى على أحدٍ من المشتغلين بالحديث، ومنهم السيوطي نفسه، فإنَّ أهل العلم بالحديث قالوا: أثبت الناس في ثابت البناني هو حمادُ بن سلمة، ومهما خالفه من أحدٍ فالقولُ قولُ حمادٍ. قال أبو حاتم الرازي: "حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابتٍ وفي علي بن زيد" (١)، وقال أحمد بن حنبل: "حماد بن سلمة أثبت في ثابتٍ من معمر" (٢)، وقال يحيى بن معينٍ: "من خالف حماد بن سلمة فالقول قول حمادٍ. قيل: فسليمانُ بن المغيرة عن ثابت؟ قال: سليمانُ ثبتٌ، وحماد أعلم الناس بثابت" (٣)، وقال ابنُ معينٍ مرة: "أثبت الناس في ثابت: حماد بن سلمة" (٤)، وقال العقيلي: "أصح الناس حديثًا عن ثابت: حماد بن سلمة". (٥) قال الحويني: وقد أكثر مسلمٌ من التخريج لحماد بن سلمة عن ثابت في الأصول، أما معمر بن راشد فإنه وإن كان ثقةً في نفسه إلاَّ أَنَّ أهل العلم بالحديث كانوا يضعفون روايته عن ثابت البناني، ولم يخرج له مسلمٌ شيئًا في

стр. 323

صحيحه عن ثابت إلا حديثًا واحدًا في المتابعات، ومقرونًا بعاصم الأحول، وهذا يدلك على مدى ضعف رواية معمر عن ثابت، ولذلك قال ابنُ معين: "معمر عن ثابت: ضعيفٌ" (١)، وقال مرَّةً: "وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطربٌ كثيرُ الأوهام" (٢)، وقال العقيلي: "أنكرُ الناس حديثًا عن ثابت: معمر بن راشد" (٣). قال الحويني: وبعد هذا البيان فما هي قيمة المفاضلة التي عقدها السيوطي بين الرجلين، فالصوابُ: رواية حماد بن سلمة، ورواية معمر بن راشد منكرة. الوجه الثاني: قولُ السيوطي: إنَّ ربيب حماد بن سلمة دسَّ في كتبه أحاديث مناكير وانطلى أمرها على حمادٍ لسوء حفظه. وهذه تهمة فاجرةٌ، كما قال الشيخ المعلمي ﵀ (٤)، ومستند كل من تكلَّم بهذه التهمة ما ذكره الذهبي في (ميزان الاعتدال) (٥) من طريق الدولابي قال: حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث - يعني أحاديث الصفات - حتى خرج مرة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعتُ عباد بن صهيب يقول: إنَّ حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّت في كتبه. وقد قيل: إنَّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه، وعلَّق الذهبي على هذه الحكاية بقوله: "ابن الثلجي ليس بمصدق على حمادٍ وأمثاله، وقد اتُهم، نسأل اللَّه السلامة". اهـ

стр. 324

قال الحويني: وابن الثلجي هذا كان جهميًا عدوًا للسنة، وقد اتهمه ابنُ عدي بوضع الأحاديث وينسبها لأهل الحديث يثلبهم بذلك (١)، فالحكاية كلُّها كذب، فكيف يُثلب حماد بن سلمة بمثل هذا. الوجه الثالث: قولُهُ: "ولم يخرج له البخاري شيئًا". وقد تقرر عند أهل العلم أَنَّ ترك البخاري التخريج لراوٍ لا يعني أنه ضعيفٌ، وقد عاب ابنُ حبان على البخاري أنه ترك حماد بن سلمة وخرَّج لمن هو أدنى منه حفظًا وفضلاً، فقال: "ولم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة، واحتج بأبي بكر بن عياش، وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، فإن كان تركُه إياه لما كان يخطئُ، فغيرُهُ من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون، فإن زعم أَنَّ خطأه قد كثر من تغير حفظه، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، وأنَّى يبلغُ أبو بكر حماد بن سلمة في إتقانه، أم في جمعه؟ أم في عمله؟ أم في ضبطه". اهـ (٢) الوجه الرابع: في ذكر الشاهد الذي احتج به السيوطي لتقوية لفظ معمر بن راشد، فهذا الحديث أخرجه البزار، وابن السني، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، والضياء المقدسي، من طريق زيد بن أخزم، ثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: "أَنَّ أعرابيًّا قال لرسول اللَّه ﷺ : أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافرٍ فبشره بالنار". (٣) قال السيوطي: "وهذا إسنادٌ على شرط الشيخين". قال الحويني: وليس كما قال لما يأتي. وذكر ابنُ كثير هذا الحديث في (البداية والنهاية) (٤) وقال: "غريبٌ". وقد خولف زيد بن أخزم في إسناده؛ فخالفه محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطيُّ، فرواه عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن سالم، عن

стр. 325

أبيه. فذكره. (١) قال الحويني: ولا شك في تقديم رواية زيد بن أخزم لأمرين: الأول: أنه أثبت من محمد بن إسماعيل بن البختري. الثاني: أنه توبع عليه، كما في رواية البزار، والذي تابعه هو محمد بن عثمان بن مخلد، وقد سُئل عنه أبو حاتم فقال: "شيخ" (٢)، وقال ابنُ أبي حاتم: "صدوق" (٣)، ووثقه ابنُ حبان (٤)، وقد ذكر البزار أَنَّ يزيد بن هارون تفرّد به، وليس كما قال، فقد تابعه محمد بن أبي نعيم الواسطي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه. أخرجه الطبراني في الكبير قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، نا محمد بن أبي نعيم. وهذه متابعةٌ جيدة، وابن أبي نعيم وثقه أبو حاتم وابن حبان، وكذا صدَّقه أحمد بن سنان القطان. وكذبه ابنُ معينٍ وأبعد في ذلك. وقد أعلَّ أبو حاتم هذا الحديث بقوله: "كذا رواه يزيد وابن أبي نعيم، ولا أعلمُ أحدًا يجاوز به الزهري غيرهما، إنما يروونه عن الزهري، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ ... ، والمرسل أشبه". ذكره ولده في (العلل) (٥). قال الحويني: وقولُ أبي حاتم متعقَّبٌ أيضًا بأنه قد رواه اثنان آخران متصلاً وهما: الوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد، به. ذكره الدارقطنيُّ في (العلل) (٦). والوليد صدوق. والثاني: الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن سعد. أخرجه البيهقيُّ في (الدلائل) (٧)، وسنده صحيحٌ. وقد رجح الضياء المقدسي الرواية المتصلة (٨)، على حين رجح أبو حاتم الرواية المرسلة، وقول أبي حاتم هو الصواب، وهذه الرواية المرسلة أخرجها عبدالرزاق في (المصنف) (٩)، عن معمر بن

стр. 326

راشد، عن الزهري قال: جاء أعرابي ... ، وساق الحديث. فهكذا اختلف إبراهيمُ بن سعد ومعمر بن راشد، ولا شك عندنا في تقديم رواية معمر المرسلة؛ لأن معمرًا ثبتٌ في الزهري، وأما إبراهيم بن سعد فقد قال صالح بن محمد الحافظ: "سماعه من الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري" (١)، وقال ابن معين، وسئل: إبراهيم بن سعد أحب إليك في الزهري أو ليث بن سعد؟ قال: "كلاهما ثقتان" (٢). فإذا تدبرت قول يعقوب بن شيبة في الليث: "ثقة وهو دونهم في الزهري - يعني: دون مالك ومعمر وابن عيينة - وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب" (٣)، علمت أَنَّ قول ابن معين لا يفيد أنه ثبت في الزهري مثل معمر. قال الحويني: فالذي يتحرر من هذا البحث أَنَّ الرواية المرسلة هي المحفوظة، وهي التي رجحها أبو حاتم الرازي والدارقطني، فلا معنى للقول أنه على شرط الشيخين بعد ثبوت هذه المخالفة. قال الحويني: وأما حديث أبي هريرة ﵁، في صحيح مسلم (٤)، والذي فيه: "أَنَّ اللَّه نهى نبيه ﷺ عن الاستغفار لأمه"، فلم يتعرض له السيوطي إلا بجوابٍ مجملٍ، وهذا الحديث صريح في عدم إيمانها؛ لأن اللَّه قال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) [التوبة: ١١٣]، وقد نزلت هذه الآية في أبي طالبٍ. (٥) وبهذا الجواب ـ على اختصاره ـ يتبين أَنَّ الحديثين صحيحان لا مطعن فيهما، والحمد للَّه رب العالمين". اهـ (٦)

стр. 327

المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، فيُحكم لأهل الفترة في الدنيا بالعذر عند الله تعالى يوم القيامة، إلا أنه من باب العدل فإنَّ الله يمتحنهم في دار الجزاء بنار يأمرهم باقتحامها؛ فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى عُذِّب فيها، وهذا الامتحان هو لقيام الحُجة عليهم، وليظهر معلوم الله فيهم، وهم في ذاك الامتحان على فريقين: منهم من يُجيب، ومنهم من لا يُجيب، وما ورد من أحاديث في تعذيب أهل الفترة محمول على الذين لا يُجيبون، وهذا المسلك هو الذي تجتمع به الأدلة، ويزول به التعارض بين الآيات والأحاديث، إنْ شاء الله تعالى. يدل على هذا الاختيار: ١ - أنَّ إعمال الأدلة جميعاً أولى من إعمال بعضها وترك الآخر، وعند النظر في المسالك الواردة في المسألة نجد أنَّ هذا المسلك هو الذي تنطبق عليه القاعدة، دون بقية المسالك؛ إذ المسلك الأول فيه إعمال للآيات دون الأحاديث، والثالث فيه إعمال لبعض الأحاديث دون الآيات. ٢ - أنَّ القول بنجاتهم أو تعذيبهم مطلقاً فيه إهدار للأحاديث الواردة بامتحانهم يوم القيامة، وقد تقدم أنَّ هذه الأحاديث ـ أعني أحاديث الامتحان ـ قد رُويت عن ستة من أصحاب النبي ﷺ ، وهي بمجموعها تدل على أنَّ للحديث أصلاً عن النبي ﷺ . ٣ - أنَّ سنة الله في خلقه قد مضت بأنه لا يُعذب أحداً حتى تقوم عليه الحجة، والقول بتعذيبهم مطلقاً مخالف لهذه السنة. ٤ - أنَّ الآيات الواردة في أهل الفترة ليس فيها ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون مطلقاً، بل غاية ما فيها الإخبار بأنَّ هؤلاء لم يُنذروا ولم يُبعث فيهم رسول، وبقي مصيرهم في الآخرة مجهولاً حتى بَيَّنَتْه السنة النبوية وأخبرت بأنهم يمتحنون يوم القيامة.

стр. 328

٥ - أنَّ الأحاديث الواردة في تعذيب أهل الفترة إنما وردت بخصوص أشخاص بعينهم، ولم يأتِ فيها ما يُفيد تعذيب أهل الفترة مطلقاً، على حين جاءت الآيات الواردة بعذرهم بصيغة العموم والإطلاق، ولم تنص على نجاة شخص بعينه، فتبقى الآيات على عمومها ويخصُّ منها أولئك الذين أخبر النبي ﷺ بتعذيبهم، لسبب ما أوجب عذابهم، وأما الباقون من أهل الفترة فيبقى مصيرهم مجهولاً حتى يظهر معلوم الله فيهم عندما يمتحنون يوم القيامة. وأما أحاديث تعذيب أبويه ﷺ فالحق أنه لم يثبت في تعذيبهما حديثٌ سالمٌ من المعارضة، إنْ في الدلالة، وإنْ في الثبوت؛ فيجب التوقف فيهما، وعدم القطع لهما بجنة أو نار. أما حديث أبيه ﷺ فقد علمتَ ما فيه من اختلاف الرواة في لفظه، وهذا الاختلاف موجب للتوقف فيه وعدم القطع بمضمونه. وأما أحاديث أمه ﷺ فلم يأت منها حديث صحيح صريح بأنها من أهل النار، والثابت هو النهي عن الاستغفار لها، وهذا النهي لا يلزم منه أنْ تكون من أهل النار. فإن قلت: فما معنى نهي الله تعالى لنبيه ﷺ عن الاستغفار لها؟ فجوابه: أنَّ الله تعالى لم يأذن لنبيه ﷺ بالاستغفار لأمه لأنها ماتت في الفترة، ومصير أهل الفترة مجهول، فلا يُدْرَى ما يصيرون إليه، وقد شاء سبحانه أنْ يكون مصير أمه ﷺ مخفياً عنه لِحِكَمٍ يريدها سبحانه، وقد يكون من هذه الحِكَم أنَّ النبي ﷺ لو أُذِنَ له بالاستغفار لأُمِّهِ لفُهِمَ منه جواز الاستغفار لأهل الفترة عموماً، ومعلوم أنَّ من أهل الفترة من قضى الله تعالى بأنهم لا يُجيبون، ولا يجوز الاستغفار لمن قضى الله تعالى بأنهم لا يجيبون، لأن حكم هؤلاء هو حكم أهل الكفر والشرك، والذين منع الله من الاستغفار لهم. "كما أن الاستغفار فرع تصوير الذنب، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين". (١)

стр. 329

"ويمكن أنْ يقال: إنَّ أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يُدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم، وأمرهم إلى الله في الآخرة". (١) فإن قلت: فما معنى بكائه ﷺ عند قبرها؟ فجوابه: أنَّ بكاءه ﷺ عند قبرها لا يلزم منه كونها تُعذَّب، أو أنها ماتت على الكفر؛ والظاهر أنَّ بكاءه إنما هو لعدم علمه ﷺ بمصيرها، ولشفقته عليها، لا لأنها تُعذب. (٢) فإن قلت: هذا التعليل يُعارضه ما رُويَ أن النبي ﷺ لما استأذن ربه في الاستغفار لأمه نزل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) [التوبة: ١١٣] (٣)، وهذا الحديث يُفيد بأن العلة من النهي عن الاستغفار كونها ماتت على الشرك. والجواب: أن هذا السبب المذكور في نزول الآية لا يصح، والثابت أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد تقدم. (٤) فإن قلت: فما جوابك عن الإجماع الذي حكاه القُرافي في تعذيب أهل الفترة عموماً، وما حكاه المُلاَّ علي القاري من تعذيب الأبوين خصوصاً؟ والجواب: أنَّ دعوى الإجماع على تعذيب أهل الفترة عموماً مُعارض بما ورد في القرآن الكريم من عُذرهم بالفترة، وهي نصوص قطعية لا تحتمل التأويل، ومُعارض بما جاء في السنة النبوية من أنَّ أهل الفترة يُمتحنون يوم القيامة، ودعوى الإجماع لا بُدَّ وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة (٥)،

стр. 330

وأنْ لا تخالف شيئاً من النصوص، وغالباً ما يُحكى الإجماع ولا تجد له أصلاً، أو يكون أصله مختلف في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيزٌ قَلَّ أنْ يثبت. وأما دعوى المُلا علي بن سلطان القاري ـ الإجماع على أنَّ الأبوين ماتا على الكفر ـ فهي دعوى عارية عن الصحة، فكيف يُحْكَى الإجماع في زمن متأخر جداً، فوفاته كانت سنة (١٠١٤ هـ)، ولا أعلم أحداً ادعى الإجماع قبله، على أنَّ دعوى الإجماع تحتاج إلى تحقيق كما قلتُ سابقاً، فليس كل ما يُحكى فيه الإجماع يجب التسليم له. والمتأمل في كتابات الملا علي القاري حول حكم الأبوين يجد عنده تناقضاً وتردداً في مصيرهما، فهو في كتابه "أدلة معتقد أبي حنيفة" يذكر لنا أنهما ماتا على الكفر، ومصيرهما إلى النار، على حين نراه في كتابه "شرح الشفا، للقاضي عياض" يقول: "وأما إسلام أبويه ففيه أقوال: والأصح إسلامهما، على ما اتفق عليه الأجلة من الأئمة، كما بينه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة". اهـ (١) وقال في الكتاب نفسه: "وأما ما ذكروه من إحيائه ﵊ أبويه فالأصح أنه وقع، على ما عليه الجمهور الثقات، كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة". اهـ (٢) وفي كتابه "مرقاة المفاتيح" يذكر لنا أنَّ مذهب الجمهور على أنَّ والديه ﷺ ماتا على الكفر. (٣) وهذا التناقض من القاري يوجب التوقف في دعواه الإجماع، إذ لو كان ثَمَّةَ إجماع لما تردد في مصيرهما. وعلى التسليم بثبوت الإجماع فهو محمول على أنَّ حكمهما في الدنيا حكم من مات على الشرك، من عدم جواز الاستغفار لهما ونحو ذلك، ولا

стр. 331

يجوز حمله على القطع بأنهما من أهل النار، لما علمت من أنَّ هذا القطع لم يثبت به دليل صحيح صريح حتى يُصار إليه. فإن قلت: فهذا ورقة بن نوفل مات في الفترة وقد أثنى عليه النبي ﷺ ، فلو كان أهل الفترة يجب التوقف فيهم لما أثنى عليه النبي ﷺ ؟ والجواب: أنَّ أهل الفترة كما ذكر محمد بن خليفة الأُبيّ على أقسام: قسم عندهم بَقيَّةُ إنذار من الأمم السابقة، كمن سافر أو سمع شيئاً عن الأديان السابقة، وهؤلاء قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة، وليسوا بأهل فترة؛ لأنَّ أهل الفترة هم الغافلون، كما سيأتي. وأصحاب هذا القسم منهم من التزم بالدين الذي سمع به فتحققت له النجاة، كورقة بن نوفل، ومنهم من رفض أو غَيَّرَ وبَدَّلَ فاستحق الهلاك؛ كابن جدعان، وعمرو بن لحي. وأما القسم الثاني من أهل الفترة: فهم الغافلون، الذين لم يسمعوا بشيء من تلك الأديان، ولم يُبْعَث فيهم رسولٌ يُنذرهم ويُحذرهم، وهؤلاء معذورون بجهلهم وغفلتهم، وقد نص تعالى على عذرهم بسبب غفلتهم حيث قال: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)) [يس: ٦]، وأَبَاَن في آية أخرى أنَّ الغفلة موجبة لرفع العذاب في الدنيا فقال: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)) [الأنعام: ١٣١]، فإذا كان تعالى لا يهلكهم في الدنيا إلا بعد الإنذار والإعذار، فمن باب أولى أن لا يعذبهم في الآخرة إلا بعد إنذارهم، والله تعالى أعلم. ****

стр. 332

المسألة [١٩]: هل يُورَثُ الأنبياء ﵈ ؟ المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى - فيما يحكيه عن زكريا ﵇: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)) [مريم: ٥ - ٦]. وقال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)) [النمل: ١٦]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات: (٤٣) ـ (٣٦): عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، تَطْلُبُ صَدَقَةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ (١)، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ (٢)، فَقَالَ

стр. 333

أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ - يَعْنِي مَالَ اللَّهِ - لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ .... ". (١) (٤٤) ـ (٣٧): وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخطاب، وأبي هريرة ﵄، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ". (٢) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والأحاديث: ظاهر الحديثين الشريفين أَنَّ الأنبياء ﵈ لا يُورَثُون، وأما الآيات الكريمة ففيها إثبات الإرث لهم، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآيات والأحاديث. (٣)

стр. 334

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والأحاديث: اتفق أهل السُّنَّة على أَنَّ نبينا محمداً ﷺ لا يُورَث (١)، أخذاً بأحاديث المسألة (٢)، وشذَّت الشيعة (٣)، فقالوا: بل يُورَث. وأنكروا أحاديث المسألة، وطعنوا على أبي بكر الصديق ﵁ في روايته لها. (٤) واختلف أهل السنة في بَقِيَّةِ الأنبياء ﵈ هل يُورَثون أم لا؟ على ثلاثة مذاهب:

стр. 335

الأول: أنهم لا يُورَثون مطلقاً، كنبينا عليه وعليهم السلام. وهذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف. (١) وحكاه أبو الوليد الباجي (٢) (٣)، وابن القيم (٤)، والسيوطي (٥) إجماعاً. واحتج الجمهور على منع وراثة الأنبياء: بأن النبي ﷺ قال: "لاَ نُورَثُ" حيث جمع الضمير باعتبار مشاركة بقية الأنبياء له في ذلك. قالوا: ويدل على العموم حديث: "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ" (٦)، وحديث: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا،

стр. 336

إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ" (١) (٢). وأجابوا عن الآيات التي فيها نسبة الوراثة للأنبياء: بأن المراد إرث النبوة والعلم، لا إرث المال. (٣) قالوا: وهذا المعنى هو المروي عن السلف في تفسير الآيات؛ كمجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والحسن البصري في أصح الروايات عنه (٦)،

стр. 337

والسدي (١). قالوا: ومن الأدلة على أَنَّ المراد بالآيات إرث النبوة والعلم، لا إرث المال: الأول: أنَّه لم يُذْكَرْ أَنَّ زكريا ﵇ كان ذا مال، بل كان نجَّاراً (٢) يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً، فكيف يُورَث منه، لا سيما والأنبياء ﵈ من أزهد الناس في الدنيا. (٣) الدليل الثاني: أَنَّ إرث المال هو من الأمور العادية المشتركة بين الناس، كالأكل والشرب ودفن الميت، ومثل هذا لا يُقَصُّ على الأنبياء؛ إذ لا فائدة فيه، وإنما يُقَصُّ ما فيه عبرة وفائدة تستفاد، وإلا فقول القائل: مات فلان وورث ابنه ماله، مثل قوله: ودفنوه، ومثل قوله: أكلوا وشربوا وناموا ونحو ذلك مما لا يحسن أَنْ يُجْعَلَ من قصص القرآن. (٤) الدليل الثالث: أَنَّ داود ﵇ كان له أولاد كثير سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمانُ مختصاً به دون بقية أخوته. (٥) الدليل الرابع: أنَّه لا يجوز أَنْ يتأسف نبي الله على مصير ماله بعد موته، إذا وصل إلى وارثه المستحق له شرعاً. (٦)

стр. 338

الدليل الخامس: أنَّه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ"، وهذا اللفظ عامٌ في جميع الأنبياء ولا يَحْتَمِلُ التخصيص، ولا يجوز تفسير الآيات بمعنى يخالف هذا الحديث. الدليل السادس: أنه ليس في كون سليمان ورث مال داود صفة مدحٍ، لا لداود، ولا لسليمان؛ فإنَّ اليهودي والنصراني يَرِثُ أباه مالَه، والآية إنما سيقت في بيان مدح سليمان وما خصَّه الله به من النعمة. (١) الدليل السابع: أَنَّ آل يعقوب قد انقرضوا من زمان فكيف يرث زكريا مالهم، وأيضاً فإن زكريا ﵇ لا يرث من آل يعقوب شيئاً من أموالهم، وإنما يرث ذلك أولادهم. (٢) الدليل الثامن: أَنَّ الوراثة تَرِدُ في الكتاب والسنة بمعنى وراثة العلم والدين؛ كقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) [فاطر: ٣٢]، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) [الشورى: ١٤]، وقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ) [الأعراف: ١٦٩]، إلى غير ذلك من الآيات، فلا مانع من حملها في الآيات على هذا المعنى سيما وقد وجدت قرائن تدل على هذا المعنى. (٣) الإيرادات والاعتراضات على مذهب الجمهور: الاعتراض الأول: أَنَّ قوله ﷺ : "لاَ نُورَثُ" خاص به ﷺ ؛ بدليل أَنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال - بعد روايته للحديث -: "يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ" (٤)، وقد صَدَّقَ عمرَ جماعةٌ من الصحابة على هذا المعنى حين حدَّثَ به بمحضر منهم، وهذا يدل على أَنَّ الحديث يُرَادُ به الخصوص، فلا مانع إذن

стр. 339

من تفسير الآيات بإرث المال، لأنَّ هذا المعنى لا يُعارض الحديث على القول بخصوصه. (١) وأجيب على هذا الاعتراض من أربعة أوجه: الأول: أَنَّ ظاهر صيغة الجمع في قوله ﷺ : "لاَ نُورَثُ" شمول جميع الأنبياء؛ فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة، وقول عمر ﵁ لا يصح أَنْ يُخَصَّصَ به نصٌ من السنة؛ لأنَّ النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق، كما هو مقرر في الأصول. الوجه الثاني: أَنَّ قول عمر: "يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ" لا يُنافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء، لاحتمال أَنْ يكون قصده يريد أنه هو ﷺ يعني نفسه؛ فإنَّه لا يُورَث، ولم يقل عمر: إنَّ اللفظ لم يشمل غيره، وكونه يعني نفسه لا ينافي أَنَّ غيره من الأنبياء لا يُورث أيضاً. الوجه الثالث: أنه قد جاء في روايات أخرى التصريح في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء، كرواية: "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ"، ورواية: "إنَّ الأنبياء لا يورثون" (٢)، وهذه الروايات يشد بعضها بعضاً، وقد تقرر في الأصول أَنَّ البيان يصح بكل ما يُزيل الإشكال، ولو بقرينة أو غيرها، وعليه فهذه الروايات التي ذكرنا تبين أَنَّ المقصود من قوله ﷺ : "لاَ نُورَثُ" أنه يعني نفسه كما قال عمر، وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. (٣) الاعتراض الثاني: أَنَّ سليمان ﵇ قد كان نبياً في وقت أبيه فكيف يرث منه النبوة؟ وأجيب: بأن الشرائع كانت إلى داود ﵇ وكان سليمان مُعيناً له فيها، وكذا كانت سبيل الأنبياء صلوات الله عليهم إذا اجتمعوا أَنْ تكون الشريعة إلى

стр. 340

واحد منهم. (١) الاعتراض الثالث: أَنَّ النبوة لا تورث، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس كلهم ينسبون إلى نوح ﵇، وهو نبي مرسل. (٢) المذهب الثاني: أَنَّ الحديث خاص بنبينا محمد ﷺ دون بقية الأنبياء ﵈. وهذا مذهب: عمر بن الخطاب (٣)، وعائشة ﵄ (٤). ونُسِبَ: للحسن البصري (٥)، وإبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة (٦) (٧). وهو رأي النحاس، والحافظ ابن حجر (٨)، والطاهر ابن عاشور (٩). ولابن حجر، وابن عاشور، رأيان آخران موافقان للجمهور، بأن الحديث عام في جميع الأنبياء. (١٠) قال أبو جعفر النحاس: "فأمَّا معنى (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم: ٦] فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة: قيل: هي وراثة نبوة، وقيل: هي وراثة حكمة، وقيل: هي وراثة مال .... ؛ فأما وراثة المال فلا يمتنع، وإنْ كان قوم قد

стр. 341

أنكروه لقول النبي ﷺ : "لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ"، وهذا لا حجة فيه، لأن الواحد يُخبِرُ عن نفسه بإخبار الجميع، وقد يُؤَوَّلُ هذا بمعنى: لا نورث الذي تركناه صدقةً؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يُخَلِّف شيئاً يُورث عنه .... ، فإنْ قيل: ففي بعض الروايات: "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ"؛ ففيه التأويلان جميعاً: أَنْ يكون "ما" بمعنى "الذي"، والآخر لا يورث من كانت هذه حاله". اهـ (١) وهناك عدد من المفسرين فسروا الآيات بإرث المال لا النبوة، لكن لم يجيبوا عن الحديث، ومن هؤلاء: ابن عباس (٢)، وأبو صالح (٣) (٤)، وعكرمة (٥)، والضحاك (٦)، والحسن البصري (٧)، وسفيان الثوري (٨)، وابن جرير (٩). حيث قالوا في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قالوا: يرث من زكريا المال، ومن آل يعقوب النبوة. وعن الحسن في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) قال: ورث المال والملك، لا النبوة والعلم. (١٠) إلا أَنَّ الرواية عن ابن عباس لا تصح، وكذا الرواية عن عكرمة والضحاك والحسن البصري. ويدل لمذهب القائلين بالتخصيص: حديث: "رَحِمَ اللَّه أَخِي زَكَرِيَّا مَا

стр. 342

كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ورَاثَةِ مَالِهِ حِينَ قَالَ: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ". (١) فهذا يدل على أَنَّ الأنبياء يُورَثون المال. (٢) وتُعُقِّبَ: بأنَّ الحديث لا يصح. المذهب الثالث: أَنَّ الحديث محمولٌ على أَنَّ ذلك هو الغالب من فعل الأنبياء وسِيرَتِهم، ولا ينفي أَنْ يكون هناك من يُورَث، كزكريا ﵇. وهذا مذهب القاضي ابن عطية، حيث قال - في تفسير قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) -: "والأكثر من المفسرين على أنَّه أراد وراثة المال (٣)، ويَحتَمِلُ قول النبي ﷺ : "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ" أَنْ لا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق بزكريا ﵇ أَنْ يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة ... ". اهـ (٤) وقال: "ويَحتَمِلُ قوله ﵇: "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ" أَنْ يُريد به أَنَّ ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإنْ كان فيهم من وُرِثَ ماله كزكريا على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلنا العبادة، فالمراد أَنَّ ذلك فيه فعل الأكثر". اهـ (٥) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مذهب الجمهور: بأنَّ الأنبياء جميعاً لا يُورَثون، وقد دلَّ على ذلك قوله ﷺ : "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ"،

стр. 343

وهو نصٌ صحيحٌ صريحٌ، وَرَدَ بصيغة العموم في جميع الأنبياء، ومثلُ هذا لا يحتمل التخصيص. وأَحْسَنُ ما يُجْمَعُ به بين الآيات والأحاديث: أن تُحْمَل الوراثة في الآيات على معنى وراثة العلم، دون المال، أو النبوة. أمَّا المال فقد تقدَّم بيانُ المانع من حمل الآيات على هذا المعنى. وأمَّا النبوة فإنَّ الأنبياء لا يتوارثونها؛ وإنَّما هي اصطفاء من الله تعالى، كما قال سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)) [الحج: ٧٥]؛ فلم يَبْقَ إلا وراثة العلم، وهي التي أخبر النبي ﷺ بتوارثها، في قوله: "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ" (١)، والله تعالى أعلم. ****

стр. 344

المسألة [٢٠]: في سماع الأموات لكلام الأحياء . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)) [النمل: ٨٠]. وقال تعالى: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)) [الروم: ٥٢]. وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)) [فاطر: ٢٢]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات: (٤٥) ـ (٣٨): عن أنس بن مالك ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ (١) ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ

стр. 345

رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا، وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا (١)؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ". (٢) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث: ظاهرُ الآياتِ الكريمةِ أنَّ الموتى لا يسمعون كلامَ الأحياء، وأمَّا الحديث ففيهِ إِثباتُ السماعِ لهم، وهذا يوهِمُ خِلاف الآيات. (٣)

стр. 346

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على أربعة مذاهب: الأول: مذهب إثبات السماع مطلقاً للأموات، وتأويل الآيات التي فيها نفي السماع. وهذا مذهب الجمهور من العلماء (١)، حيث ذهبوا إلى إجراء الأحاديث التي فيها إثبات السماع على ظاهرها وعمومها، وقالوا: إنَّ الميت بعد موته يسمع كلام الأحياء ويشعر بهم. وهو اختيار جمع من المحققين، كابن حزم، والقاضي عياض، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير. (٢) واختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الآيات - التي فيها نفي السماع - على أقوال: الأول: أنَّ الموتى في الآيات المراد بهم الأحياء من الكفار، والمعنى: إنك لا تُسْمِع الكفار الذين أمات الله قلوبهم إسماع هدىً وانتفاع، "وشُبِّهُوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس؛ لأنهم إذا سمعوا ما يُتلى عليهم من آيات الله، فكانوا أقماع القول، لا تعيه آذانهم، وكان سماعهم كلا سماع، كانت حالهم - لانتفاء جدوى السماع - كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع". (٣)

стр. 347

وهذا القول فيه حمل للآيات على المجاز، وذلك بتشبيه الكفار الأحياء بالموتى. وقد قال بهذا القول: ابن قتيبة، والخطابي، والبغوي، والزمخشري، والسهيلي، وأبو العباس القرطبي، والسمعاني، والمُلا علي بن سلطان القاري، والسيوطي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (١) قال السهيلي: "جعل الكفار أمواتاً وصُمَّاً على جهة التشبيه بالأموات وبالصم؛ فالله هو الذي يُسْمِعُهُم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيه ﷺ ولا أحد، فإذاً لا تعلق بالآية من وجهين: أحدهما: أنَّها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان. الثاني: أنه إنما نفى عن نبيه ﷺ أنْ يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، ويفعل ما شاء، وهو على كل شيء قدير". اهـ (٢) وقال الشنقيطي: "اعلم أنَّ التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن أنَّ معنى قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، أي لا تسمع الكفار - الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه - إسماع هدىً وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع". اهـ (٣)

стр. 348

واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها (١): الأول: أنَّ الله تعالى بعد أنْ نفى السماع عنهم قال: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)) [النمل: ٨١]، فمقابلته جلَّ وعلا الإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها - لمن يؤمن بآياته - دليلٌ واضح على أنَّ المراد بالموت في الآية موت الكفر والشقاء، لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) مفارقة الروح للبدن لما قابل ذلك بقوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ)، بل لقابله بما يناسبه، كأن يُقال: إنْ تسمع إلاّ من لم يمت. الدليل الثاني: أنَّ استقراء القرآن الكريم يدل على أنَّ الغالب استعمال الموتى بمعنى الكفار، كقوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)) [الأنعام: ٣٦]، وقد أجمع (٢) من يعتد به من أهل العلم أنَّ المراد بالموتى في الآية هم الكفار. وكقوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)) [الأنعام: ١٢٢]، فقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا)، أي: كافراً؛ فأحييناه، أي: بالإيمان والهدى، وهذا لا نزاع فيه بين المفسرين، وفيه إطلاق الموت وإرادة الكفر. وكقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) [فاطر: ٢٢]، أي: لا يستوي المؤمنون والكافرون. الدليل الثالث: أنَّ قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، وما في معناها من الآيات، كلها تسلية للنبي ﷺ ؛ لأنه يحزنه عدم إيمانهم، كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) [الأنعام: ٣٣]،

стр. 349

وقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)) [الحجر: ٩٧]، وقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) [النحل: ١٢٧]، وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)) [الشعراء: ٣] إلى غير ذلك من الآيات، ولما كان يحزنه كفرهم وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له ﷺ ، بَيَّنَ له فيها أنه لا قدرة له على هدي من أضله الله، ومن الآيات النازلة تسلية له ﷺ ، قوله هنا: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، أي لا تُسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، ولو كان معنى الآية وما شابهها: إنك لا تسمع الموتى، أي: الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له ﷺ . واعتُرِضَ: بأنَّ ما ذُكِرَ من معنى آيتي النمل والروم مُسَلَّمٌ فيه، لكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على نفي سماع الموتى مطلقاً؛ لأنَّ الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة، وكان ذلك معروفاً عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع، فدل هذا التشبيه على أنَّ المشبه بهم - وهم الموتى في قبورهم - لا يسمعون، كما يدل مثلاً تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أنَّ الأسد شجاع، بل هو في ذلك أقوى من زيد، ولذلك شُبِّهَ به، وإن كان الكلام لم يُسقْ للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه، وإنما عن زيد، وكذلك آيتا النمل والروم، وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشُبّهوا بموتى القبور، فذلك لا ينفي أنَّ موتى القبور لا يسمعون، بل إنَّ كل عربي سليم السليقة، لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أنَّ هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم، وإذ الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون. (١) واعتُرِضَ أيضاً: بأنَّ الله تعالى قال في آية أخرى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: ٢٢] وهذه الآية صريحة في نفي سماع الأموات، ولا يتأتى حملها على المعنى الذي ذُكِرَ. وأجيب: بأنَّ هذه الآية هي كآيتي النمل والروم المتقدمتين، لأنَّ المراد بقوله: (مَنْ فِي الْقُبُورِ) الموتى، فلا فرق بين قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) وبين قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)؛ لأنَّ المراد بالموتى ومن في القبور

стр. 350

واحد، كقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [الحج: ٧]، أي يبعث جميع الموتى، من قُبر منهم ومن لم يُقْبَر، وقد دلت قرائن قرآنية على أنَّ معنى آية فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله تعالى قبلها: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) [فاطر: ١٨]؛ لأنَّ معناها لا ينفع إنذارك إلا من هداه الله ووفقه، فصار ممن يخشى ربه بالغيب ويقيم الصلاة، وما أنت بمسمع من في القبور، أي الموتى، أي الكفار الذين سبق لهم الشقاء، ومنها قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)) [فاطر: ١٩]، أي المؤمن والكافر، وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) [فاطر: ٢٢] أي المؤمنون والكفار، ومنها قوله تعالى بعدها: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)) [فاطر: ٢٣] أي ليس الإضلال والهدى بيدك، ما أنت إلا نذير وقد بلغت. (١) القول الثاني: أنَّ الموتى في الآيات المراد بهم الذين ماتوا حقيقة، لكن المراد بالسماع المنفي هو خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع به صاحبه، وأنَّ هذا مثلٌ ضربه الله للكفار؛ إذ الكفار يسمعون الحق، ولكن لا ينتفعون به. قالوا: وقد يُنفى الشيء لانتفاء فائدته وثمرته، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)) [الأعراف: ١٧٩]. (٢) وهذا رأي: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٣)، وابن رجب (٤)، والأبي (٥)، وذكره ابن جرير الطبري احتمالاً آخر في معنى الآية. قال الطبري: "معنى الآية: إنك لا تسمع الموتى إسماعاً ينتفعون به؛ لأنهم قد انقطعت عنهم الأعمال، وخرجوا من دار الأعمال إلى دار الجزاء، فلا ينفعهم دعاؤك إياهم إلى الإيمان بالله والعمل بطاعته، فكذلك هؤلاء الذين

стр. 351

كتب ربك عليهم أنهم لا يؤمنون لا يُسْمِعُهم دعاؤك إلى الحق إسماعاً ينتفعون به؛ لأن الله تعالى ذكره قد ختم عليهم أنْ لا يؤمنوا، كما ختم على أهل القبور من أهل الكفر أنهم لا ينفعهم بعد خروجهم من دار الدنيا إلى مساكنهم من القبور إيمان ولا عمل؛ لأن الآخرة ليست بدار امتحان، وإنما هي دار مجازاة، وكذلك تأويل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: ٢٢] ". اهـ (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإنَّ هذا مثل ضُرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبولٍ بفقهٍ واتباع، كما قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)) [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضُرب لهم المثل لا يجب أنْ يُنفى عنهم جميع السماع المعتاد، أنواعَ السماع، كما لم يُنْفَ ذلك عن الكفار; بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماعٌ آخر فلا يُنفى عنهم". اهـ (٢) وهذا القول: دلت عليه آيات من كتاب الله، جاء فيها التصريح بالبكم والصَّمَم والعمى مُسنداً إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد بصممهم: صممهم عن سماع ما ينفعهم دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في البصر والكلام، وذلك كقوله تعالى في المنافقين: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)) [البقرة: ١٨] فقد قال فيهم: (صم بكم) مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم، كما صرح به في قوله تعالى فيهم: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون: ٤] أي لفصاحتهم، وقوله تعالى: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزاب: ١٩]، فهؤلاء الذين إنْ يقولوا تسمع لقولهم، وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسِنةٍ حِداد، هم الذين قال الله فيهم: صم بكم عمي، وما ذلك إلا أنَّ صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، وهو ما يُنتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صَمُّوا عنه فلم

стр. 352

يسمعوه، وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه، مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه وينطقون به، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)) [الأحقاف: ٢٦]. (١) واعتُرِضَ على هذا القول: بأنَّ فيه قلباً للتشبيه المذكور في الآيات، حيث جُعل المشبه به مشبهاً؛ لأنَّ القيد المذكور في هذا القول يصدق على موتى الأحياء من الكفار، فإنهم يسمعون حقيقة، ولكن لا ينتفعون من سماعهم، كما هو مشاهد، فكيف يجوز جعل المشبه بهم - من موتى القبور - مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أنَّ المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقاً، ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيات، فبطل القيد الذي ذكره أصحاب هذا القول. (٢) واعتُرِضَ أيضاً: بأنَّ الله تعالى نفى السماع عن الموتى، وعن الصم، فهل يُقال: إنَّ الصم يسمعون، لكن لا يسمعون سماع قبول وانتفاع؟ القول الثالث: أنَّ معنى الآيات: إنك لا تُسمع الموتى بطاقتك وقدرتك، ولكن الله تعالى هو الذي يسمعهم إذا شاء؛ إذ هو القادر على ذلك دون من سواه. وهذا رأي: ابن التين (٣)، والإسماعيلي (٤)، وذكره ابن جرير الطبري احتمالاً آخر في معنى الآية (٥). واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الأول: أنَّ الله تعالى بعد أنَّ نفى السماع قال: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) [النمل: ٨١]، فبين أنَّ الهداية من الكفر إلى الإيمان بيده دون من

стр. 353

سواه، فنفيه سبحانه عن نبيه ﷺ أنْ يكون قادراً أنْ يُسمع الموتى إلا بمشيئته، هو كنفيه أنْ يكون قادراً على هداية الكفار إلا بمشيئته. الدليل الثاني: أنَّ الله تعالى أثبت لنفسه القدرة على إسماع من شاء من خلقة بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ)، ثم نفى عن نبيه ﷺ القدرة على ما أثبته وأوجبه لنفسه من ذلك، فقال له: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ولكن الله هو الذي يسمعهم دونك وبيده الإفهام والإرشاد والتوفيق، وإنما أنت نذير فبلغ ما أرسلت به. (١) أدلة القائلين بإثبات السماع مطلقاً للأموات: استدل القائلون بإثبات السماع مطلقاً للأموات بأدلة منها: الأول: مناجاة النبي ﷺ لقتلى بدر من المشركين (٢)، وهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي ﷺ أنَّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقوله ﷺ من أولئك الموتى بعد ثلاث، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر النبي ﷺ فيه تخصيصاً. (٣) واعتُرِضَ: بأنَّ عائشة ﵂ روت الحديث بلفظ: "إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ"، وهذا يدل على أنَّ الرواية التي فيها التصريح بالسماع غير محفوظة. وأجيب: بأنَّ تأول عائشة ﵂ بعض آيات القرآن، لا تُرد به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه ﷺ ، ويتأكد ذلك بثلاثة أمور: الأول: أنَّ رواية العدل لا تُرد بالتأويل. الثاني: أنَّ عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي ﷺ : "إنهم ليسمعون الآن ما أقول"، قالت: إنَّ الذي قاله ﷺ : "إنهم ليعلمون الآن أنَّ الذي كنت أقول لهم هو الحق"، فأنكرت السماع ونَفَتْهُ عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلومٌ أنَّ من ثبت له العلم صح منه السماع. الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها إلى الروايات

стр. 354

الصحيحة، قال الحافظ ابن حجر: "ومن الغريب أنَّ في المغازي لابن إسحاق، رواية يونس بن بكير، بإسناد جيد عن عائشة، مثل حديث أبي طلحة، وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وأخرجه أحمد (١) بإسناد حسن؛ فإن كان محفوظاً فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة". اهـ (٢) وقال الإسماعيلي: "كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رَدِّ رواية الثقة إلا بنصٍ مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته". اهـ (٣) الدليل الثاني: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ .... " (٤)، وهذا الحديث فيه تصريح من النبي ﷺ بأنَّ الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، وظاهره العموم في كل

стр. 355

من دُفِنَ، ولم يذكر النبي ﷺ فيه تخصيصاً. (١) واعتُرِضَ: بأنَّ ما ورد في هذا الحديث مخصوص بأول الدفن، عند سؤال الملكين، وهو غير دائم، فلا يفيد عموم سماع الأموات في كل الأحوال والأوقات. (٢) وأيضاً: فإنَّ الروح تُعاد للبدن عند المساءلة - كما ثبت بذلك الحديث (٣) - لذا فإنَّ سماع الميت قرع النعال، إنما هو بسبب اتصال الروح بالبدن، وهذا الاتصال غير دائم، بل هو مخصوص بوقت السؤال (٤)، وعليه فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث، على عموم سماع الأموات في كل وقت وحين. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ". (٥)، وهذا الحديث فيه مخاطبة النبي ﷺ لأهل القبور بقوله: "السلام عليكم"، وقوله: "وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون"، وهذا يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون
следующие страницы →