← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

كتب ربك عليهم أنهم لا يؤمنون لا يُسْمِعُهم دعاؤك إلى الحق إسماعاً ينتفعون به؛ لأن الله تعالى ذكره قد ختم عليهم أنْ لا يؤمنوا، كما ختم على أهل القبور من أهل الكفر أنهم لا ينفعهم بعد خروجهم من دار الدنيا إلى مساكنهم من القبور إيمان ولا عمل؛ لأن الآخرة ليست بدار امتحان، وإنما هي دار مجازاة، وكذلك تأويل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فاطر: ٢٢] ". اهـ (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإنَّ هذا مثل ضُرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبولٍ بفقهٍ واتباع، كما قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)) [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضُرب لهم المثل لا يجب أنْ يُنفى عنهم جميع السماع المعتاد، أنواعَ السماع، كما لم يُنْفَ ذلك عن الكفار; بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماعٌ آخر فلا يُنفى عنهم". اهـ (٢) وهذا القول: دلت عليه آيات من كتاب الله، جاء فيها التصريح بالبكم والصَّمَم والعمى مُسنداً إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد بصممهم: صممهم عن سماع ما ينفعهم دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في البصر والكلام، وذلك كقوله تعالى في المنافقين: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)) [البقرة: ١٨] فقد قال فيهم: (صم بكم) مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم، كما صرح به في قوله تعالى فيهم: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون: ٤] أي لفصاحتهم، وقوله تعالى: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزاب: ١٩]، فهؤلاء الذين إنْ يقولوا تسمع لقولهم، وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسِنةٍ حِداد، هم الذين قال الله فيهم: صم بكم عمي، وما ذلك إلا أنَّ صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، وهو ما يُنتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صَمُّوا عنه فلم

стр. 352

يسمعوه، وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه، مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه وينطقون به، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)) [الأحقاف: ٢٦]. (١) واعتُرِضَ على هذا القول: بأنَّ فيه قلباً للتشبيه المذكور في الآيات، حيث جُعل المشبه به مشبهاً؛ لأنَّ القيد المذكور في هذا القول يصدق على موتى الأحياء من الكفار، فإنهم يسمعون حقيقة، ولكن لا ينتفعون من سماعهم، كما هو مشاهد، فكيف يجوز جعل المشبه بهم - من موتى القبور - مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أنَّ المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقاً، ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيات، فبطل القيد الذي ذكره أصحاب هذا القول. (٢) واعتُرِضَ أيضاً: بأنَّ الله تعالى نفى السماع عن الموتى، وعن الصم، فهل يُقال: إنَّ الصم يسمعون، لكن لا يسمعون سماع قبول وانتفاع؟ القول الثالث: أنَّ معنى الآيات: إنك لا تُسمع الموتى بطاقتك وقدرتك، ولكن الله تعالى هو الذي يسمعهم إذا شاء؛ إذ هو القادر على ذلك دون من سواه. وهذا رأي: ابن التين (٣)، والإسماعيلي (٤)، وذكره ابن جرير الطبري احتمالاً آخر في معنى الآية (٥). واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الأول: أنَّ الله تعالى بعد أنَّ نفى السماع قال: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) [النمل: ٨١]، فبين أنَّ الهداية من الكفر إلى الإيمان بيده دون من

стр. 353

سواه، فنفيه سبحانه عن نبيه ﷺ أنْ يكون قادراً أنْ يُسمع الموتى إلا بمشيئته، هو كنفيه أنْ يكون قادراً على هداية الكفار إلا بمشيئته. الدليل الثاني: أنَّ الله تعالى أثبت لنفسه القدرة على إسماع من شاء من خلقة بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ)، ثم نفى عن نبيه ﷺ القدرة على ما أثبته وأوجبه لنفسه من ذلك، فقال له: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ولكن الله هو الذي يسمعهم دونك وبيده الإفهام والإرشاد والتوفيق، وإنما أنت نذير فبلغ ما أرسلت به. (١) أدلة القائلين بإثبات السماع مطلقاً للأموات: استدل القائلون بإثبات السماع مطلقاً للأموات بأدلة منها: الأول: مناجاة النبي ﷺ لقتلى بدر من المشركين (٢)، وهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي ﷺ أنَّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقوله ﷺ من أولئك الموتى بعد ثلاث، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر النبي ﷺ فيه تخصيصاً. (٣) واعتُرِضَ: بأنَّ عائشة ﵂ روت الحديث بلفظ: "إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ"، وهذا يدل على أنَّ الرواية التي فيها التصريح بالسماع غير محفوظة. وأجيب: بأنَّ تأول عائشة ﵂ بعض آيات القرآن، لا تُرد به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه ﷺ ، ويتأكد ذلك بثلاثة أمور: الأول: أنَّ رواية العدل لا تُرد بالتأويل. الثاني: أنَّ عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي ﷺ : "إنهم ليسمعون الآن ما أقول"، قالت: إنَّ الذي قاله ﷺ : "إنهم ليعلمون الآن أنَّ الذي كنت أقول لهم هو الحق"، فأنكرت السماع ونَفَتْهُ عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلومٌ أنَّ من ثبت له العلم صح منه السماع. الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها إلى الروايات

стр. 354

الصحيحة، قال الحافظ ابن حجر: "ومن الغريب أنَّ في المغازي لابن إسحاق، رواية يونس بن بكير، بإسناد جيد عن عائشة، مثل حديث أبي طلحة، وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وأخرجه أحمد (١) بإسناد حسن؛ فإن كان محفوظاً فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة". اهـ (٢) وقال الإسماعيلي: "كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رَدِّ رواية الثقة إلا بنصٍ مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته". اهـ (٣) الدليل الثاني: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ .... " (٤)، وهذا الحديث فيه تصريح من النبي ﷺ بأنَّ الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، وظاهره العموم في كل

стр. 355

من دُفِنَ، ولم يذكر النبي ﷺ فيه تخصيصاً. (١) واعتُرِضَ: بأنَّ ما ورد في هذا الحديث مخصوص بأول الدفن، عند سؤال الملكين، وهو غير دائم، فلا يفيد عموم سماع الأموات في كل الأحوال والأوقات. (٢) وأيضاً: فإنَّ الروح تُعاد للبدن عند المساءلة - كما ثبت بذلك الحديث (٣) - لذا فإنَّ سماع الميت قرع النعال، إنما هو بسبب اتصال الروح بالبدن، وهذا الاتصال غير دائم، بل هو مخصوص بوقت السؤال (٤)، وعليه فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث، على عموم سماع الأموات في كل وقت وحين. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ". (٥)، وهذا الحديث فيه مخاطبة النبي ﷺ لأهل القبور بقوله: "السلام عليكم"، وقوله: "وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون"، وهذا يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون

стр. 356

سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم، ولا شك في أنَّ ذلك ليس من شأن العقلاء، فمن البعيد جداً صدوره من النبي ﷺ . (١) واعتُرِضَ: بأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يخاطبون النبي ﷺ في تشهد الصلاة بقولهم: "السلام عليك أيها النبي ... " (٢) وهم خلفه، وقريباً منه، وبعيداً عنه، في مسجده، وفي غير مسجده، وكذا جمهور المسلمين اليوم، وقبل اليوم، الذين يخاطبونه بذلك، أفيقال: إنه يسمعهم، أو أنه من المحال السلام عليه، وهو لا يشعر بهم ولا يعلم؟ (٣) واعتُرِضَ أيضاً: بأنَّ السلام على القبور إنما هو عبادة، والقصد منه تذكير النفس بحالة الموت، وبحالة الموتى في حياتهم، وليس القصد من السلام مخاطبتهم، أو أنهم يسمعون ويجيبون. (٤) الدليل الرابع: ما جرى عليه عمل الناس - قديماً وإلى الآن - من تلقين الميت في قبره، ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة، ولكان عبثاً. قالوا: وهذا الذي جرى عليه عمل الناس قد جاء ما يعضده في حديث ضعيف؛ فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا

стр. 357

فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فإنَّ منكراً ونكيراً، يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من قد لُقِّنَ حُجَّته، فيكون اللهُ حجيجَه دونهما، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: فينسبه إلى حواء، يا فلان بن حواء". (١) قالوا: فهذا الحديث وإن لم يثبت إلا أنَّ اتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار، من غير إنكار، كافٍ في العمل به، ولولا أنَّ المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم، وهذا وإن استحسنه واحد، فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه، قالوا: وقد كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" (٢)، فأخبر النبي ﷺ أنه يُسأل حينئذ، وإذا كان يُسأل فإنه يسمع التلقين. (٣) واعتُرِضَ: بأنَّ حديث تلقين الميت لا يصح، بل هو حديث متفق على ضعفه، وعمل الناس إذا لم يعضده دليل صحيح فلا حجة فيه. (٤) الدليل الخامس: أنَّ عمرو بن العاص ﵁ قال - في وصيته عند موته -: "فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا (٥) عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ

стр. 358

جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي" (١)، وهذا يدل على أنَّ الميت ترد عليه روحه ويسمع حِسَّ من هو على قبره وكلامه، وهذا الحديث إنما قاله عمرو عن النبي ﷺ ؛ لأن مثله لا يدرك إلا من جهة النبي ﷺ . (٢) الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يمر على قبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇". (٣)

стр. 359

وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ حين انصرف من أحدٍ مَرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه رسول الله ﷺ ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)) [الأحزاب: ٢٣] ثم قال رسول الله ﷺ : "أشهد أنَّ هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يُسَلِّمُ عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا رَدُّوا عليه". (١)

стр. 360

وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد مَرَّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فَسَلَّمَ عليه إلا عرفه وَرَدَّ ﵇". (١)

стр. 361

وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به، وَرَدَّ عليه، حتى يقوم". (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قال أبو رزين: يا رسول الله، إنَّ طريقي على الموتى، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: قل: السلام

стр. 362

عليكم أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون. قال أبو رزين: يا رسول الله، يسمعون؟ قال: يسمعون، ولكن لا يستطيعون أنْ يجيبوا. قال: يا رزين، ألا ترضى أنْ يرد عليك بعددهم من الملائكة". (١) قالوا: فهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضاً، وهي تدل صراحة على أنَّ الميت يشعر بزيارة الحي، ويسمع كلامه، ويرد ﵇. (٢) واعتُرِضَ: بأنَّ هذه الأحاديث كلها ضعيفة، ولا يصح منها شيء. (٣) الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، حَتَّى أَرُدَّ ﵇". (٤) واعتُرِضَ: بأنَّ الحديث ليس صريحاً في سماعه ﷺ سلام من سلم عليه عند قبره. (٥)

стр. 363

الدليل الثامن: كثرة المرائي التي تقتضي سماع الموتى ومعرفتهم لمن يزورهم، وهذه المرائي وإن لم تصلح بمجردها لإثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها وأنها لا يحصيها إلا الله قد تواطأت على هذا المعنى، وقد قال النبي ﷺ : "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ" (١) يعني ليلة القدر، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطىء روايتهم له. (٢) واعتُرِضَ: بأنَّ المرائي لا يصح أنْ يُعتمد عليها في باب الاعتقاد والأمور المغيبة، إذ لا سبيل لمعرفة الأمور المغيبة إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة. المذهب الثاني: مذهب نفي سماع الأموات مطلقاً، وتأويل الأحاديث التي فيها إثبات السماع. حيث ذهب جمع من العلماء إلى إجراء الآيات التي فيها نفي السماع على ظاهرها وعمومها، وقالوا: إنَّ الميت لا يسمع شيئاً من كلام الأحياء، ولا يشعر بهم. واختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن الأحاديث التي فيها إثبات السماع على أقوال: الأول: أنَّ ما وقع للنبي ﷺ من إسماع قتلى بدر - هو معجزة من معجزاته ﷺ ، فقد أحياهم الله له حتى سمعوا كلامه، وهذا خاص به دون غيره من الناس. وهذا رأي: قتادة، والبيهقي (٣)، والمازري (٤)، وابن عطية، وابن الجوزي (٥)، وابن قدامة (٦)، وابن الهمام (٧)، والقاضي أبي يعلى (٨)، والألباني.

стр. 364

وذكره ابن عبد البر احتمالاً في توجيه الحديث. (١) قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً وتصغيراً وَنَقِيمَةً وحسرة وندماً". اهـ (٢) وقال ابن عطية: "فيشبه أنَّ قصة بدر هي خرق عادة لمحمد ﷺ ، في أنْ رد الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم". اهـ (٣) وقال الألباني: "والتحقيق أنَّ الأدلة من الكتاب والسنة على أنَّ الموتى لا يسمعون، وهذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال، كما في حديث خفق النعال، أو أنَّ بعضهم سمع في وقت ما، كما في حديث القليب، فلا ينبغي أنْ يُجعل ذلك أصلاً، فيقال إنَّ الموتى يسمعون؛ فإنها قضايا جزئية، لا تُشَكِّل قاعدة كلية يُعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أنْ تُستثنى منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام". اهـ (٤) أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه بأدلة منها: الأول: أنَّ النبي ﷺ قال: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ"، ولم يقل: "لما يُقال"، فدل على أنَّ سماعهم هذا، هو من خصائصه ﷺ دون غيره من الناس. (٥) الدليل الثاني: أنَّ الحديث رُوي بلفظ: "وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَسْمَعُونَ كَلَامِي" (٦)، حيث قَيَّدَ النبي ﷺ سماعهم له باللحظة التي ناجاهم فيها،

стр. 365

ومفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وفيه تنبيه على أنَّ الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي ﷺ ، وبإسماع الله تعالى إياهم، خرقاً للعادة، ومعجزة للنبي ﷺ . (١) الدليل الثالث: أنَّ النبي ﷺ أقرَّ عمر وغيره من الصحابة ﵃ على ما كان مستقراً في نفوسهم واعتقادهم أنَّ الموتى لا يسمعون، يدل على ذلك رواية: " .... فَسَمِعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ يَقُولُ اللَّهُ : (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا" (٢)، وقد صرح عمر ﵁ أنَّ الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة، وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك أشكل عليهم الأمر، فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم، فبين لهم حقيقة الأمر، وبهذا يتضح أنَّ النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم؛ لأنه لم يُنكِرْه عليهم، ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلق سماع الموتى، ولا أنه ﷺ أقرهم على ذلك، ولكنه بين لهم ما كان خافياً عليهم من شأن القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقاً، وأنَّ ذلك أمر خاص مستثنى من الآية، معجزة له ﷺ . (٣) واعتُرِضَ: بأنَّ سماع الموتى قد ثبت في غير هذه القصة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ .... " (٤)، فقد أثبت في هذا الحديث سماع الميت لقرع النعال، فدل على عدم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ .

стр. 366

وأجيب: بأنَّ ما ورد في هذا الحديث مخصوص بأول الدفن عند سؤال الملكين وهو غير دائم، فلا يفيد عموم السماع في كل الأحوال والأوقات. (١) القول الثاني: أنَّ معنى الحديث إخبار النبي ﷺ بأنَّ المشركين من قتلى بدر لما عاينوا العذاب بعد موتهم علموا أنَّ ما كان يدعوهم إليه هو الحق، وأنَّ هذا هو مراده ﷺ ، ولم يُرِدْ أنهم يسمعون كلامه وقت مخاطبته لهم. وهذا مذهب عائشة ﵂، حيث ذهبت إلى تخطئة ابن عمر في روايته للحديث، وأنه لم يحفظه بلفظه عن النبي ﷺ ، فعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ" فَقَالَتْ: وَهَلَ (٢)؛ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ". قَالَتْ: وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ"، إِنَّمَا قَالَ: "إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ"، ثُمَّ قَرَأَتْ: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) و (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ". (٣)

стр. 367

القول الثالث: أنَّ النبي ﷺ قال ذلك على جهة الموعظة للأحياء، لا لإفهام الموتى. ذكره ابن الهمام وجهاً آخر في الجواب عن الحديث. (١) القول الرابع: أنَّ وقوف النبي ﷺ على قتلى بدر ونداءه إياهم كان في الوقت الذي تُردُّ فيه الروح للبدن عند المساءلة في القبر. وهذا رأي ابن عبد البر، حيث ذكره احتمالاً آخر في توجيه الحديث. (٢) أدلة القائلين بنفي سماع الأموات مطلقاً: استدل القائلون بنفي سماع الأموات لكلام الأحياء بأدلة، منها: الأول: أنَّ في سياق آيتي النمل والروم ما يدل على أنَّ الموتى لا يسمعون، وبيان ذلك: أنَّ الله تعالى قال في تمام الآيتين: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) حيث شبه سبحانه موتى الأحياء من الكفار بالصم، والصم لا يسمعون مطلقاً، بلا خلاف، وهذا يدل على أنَّ المشبه بهم، وهم الصم والموتى، لهم حكم واحد، وهو عدم السماع، وفي التفسير المأثور ما يدل على هذا، فعن قتادة قال - في تفسير الآية-: "هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر، (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) يقول: لو أنَّ أصم ولّى مدبراً ثم ناديته، لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما سمع" (٣). (٤) الدليل الثاني: أنَّ عائشة، وعمر، وغيرهما من الصحابة ﵃، فهموا الآيات على ظاهرها من نفي سماع الموتى مطلقاً، وفهمهم حجة، وهو دليل على أنَّ الآيات صريحة في نفي سماع الأموات، ومما يؤيد صحة فهمهم أنَّ النبي ﷺ أقرَّهم على ذلك، ولم يُنقل عنه ﷺ أنه خطأهم على فهمهم هذا. (٥)

стр. 368

الدليل الثالث: قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)) [فاطر: ١٣ - ١٤]، وهذه الآية صريحة في نفي السماع عن أولئك الذين كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى، وهم موتى الأولياء والصالحين، فدل على أنَّ الموتى لا يسمعون مطلقاً. (١) واعتُرِضَ: بأنَّ هذا التفسير مخالف لما عليه الأكثر من المفسرين؛ لأنهم قالوا: إنَّ المراد بالذين لا يسمعون في الآية: الأصنام؛ لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، وإذا كان المنفي في الآية سماع الجمادات، انتفى الاستدلال بها على نفي سماع الأموات. وأجيب: بأنَّ الآية قد اختُلِفَ في تفسيرها على القولين المذكورين، والأصح أنَّ المراد بالذين لا يسمعون هم الموتى من الأولياء والصالحين، يدل على ذلك: ١ - قوله تعالى في تمام الآية السابقة: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر: ١٤] والأصنام لا تُبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين، فإنهم جميعاً محشورون، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)) [الفرقان: ١٧ - ١٨]. ٢ - وقوله تعالى: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)) [نوح: ٢٣]، ففي التفسير المأثور عن ابن عباس ﵁: "أنَّ هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أنْ انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها

стр. 369

بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئك وَتَنَسَّخَ العلم عُبِدَتْ" (١) (٢). الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ" (٣)، ووجه الدلالة من الحديث أنَّ النبي ﷺ لا يسمع سلام المُسَلِّمِين عليه، إذ لو كان يسمعه بنفسه، لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه، وإذ الأمر كذلك فبالأولى أنه ﷺ لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيرُه من الموتى أولى وأحرى. (٤) القول الرابع: أنَّ الأصل عدم سماع الأموات؛ لعموم وظاهر الآيات، لكن يستثنى من ذلك ما صح به الدليل ولا يُتجاوزُ به إلى غيره، ومما ورد به الدليل: مخاطبة النبي ﷺ قتلى بدر، وسماع الميت خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا. وهذا رأي: الشوكاني، والآلوسي (٥)، وذكره أبو العباس القرطبي احتمالاً آخر في الجمع، واختاره أبو عبد الله القرطبي (٦). قال أبو العباس القرطبي: "لو سلمنا أنَّ الموتى في الآية على حقيقتهم؛ فلا تعارض بينها وبين أنَّ بعض الموتى يسمعون في وقتٍ ما، أو في حالٍ ما، فإنَّ تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هنا بدليل هذا الحديث (٧) ". اهـ (٨) وقال الشوكاني: "وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يُخَصُّ منه إلا

стр. 370

ما ورد بدليل، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ خاطب القتلى في قليب بدر، وكذلك ما ورد من أنَّ الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا". اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أنَّ الموتى لا يسمعون شيئاً من كلام الأحياء، ولا يشعرون بهم، وأنَّ ذلك عام في كل الأحوال والأوقات، كما دلت عليه الآيات، ويستثنى من ذلك ما ثبت به الحديث الصحيح من أنَّ الميت يسمع قرع نعال مشيعيه إذا انصرفوا من دفنه (٢)، وسبب سماعه في هذه الحال، وفي هذا الوقت: أنَّ الروح تعاد للبدن للمساءلة في القبر (٣)، فيكون

стр. 371

للروح تعلق بالبدن يحصل به السماع، إلا أنَّ هذا التعلق غير دائم ولا مستمر، وإنما هو في وقت المساءلة فقط. يدل على هذا الاختيار: الأول: ما تقدم من الآيات في سورة النمل، والروم، وفاطر، وهي صريحة في نفي سماع الأموات، وقد تقدم بيان دلالتها على هذا المعنى. الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)) [الأنعام: ٣٦]، حيث شبه سبحانه الكفار الأحياء بالموتى في عدم السماع، فدل على أنَّ المشبه بهم - وهم الموتى - لا يسمعون أيضاً.

стр. 372

قال ابن جرير في تفسير الآية: والموتى - أي الكفار - يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتاً، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولاً. اهـ (١) الدليل الثالث: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)) [النحل: ٢٠ - ٢١]، حيث أخبر سبحانه بأنَّ هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله أموات في قبورهم، ولا يشعرون متى يُبعثون، والشعور هو الإدراك بالحواس (٢)، وإذا كان هؤلاء الأموات لا يشعرون متى يُبعثون، ثبت نفي الشعور عنهم، وهذا يستلزم عدم إدراكهم مطلقاً، ويلزم من عدم إدراكهم أنَّ السماع مُنتفٍ في حقهم؛ لأنه من جملة ما يُشعر به. الدليل الرابع: أنَّ هذا القول فيه إعمال للآيات والأحاديث معاً، بخلاف القول بإثبات السماع للأموات؛ فإنَّ القائلين به أوَّلوا الآيات ونفوا دلالتها على نفي السماع، وقد تقدم بيان أنَّ ما ذهبوا إليه ضعيف، وأنَّ الآيات صريحة في نفي السماع. وأما الأحاديث التي تدل بظاهرها على أنَّ الموتى يسمعون، فهي على نوعين: الأول: أحاديث صحيحة، وهذه على أقسام: القسم الأول: أحاديث خاصة بالنبي ﷺ دون غيره من الناس، وهي: حديث القليب، وحديث السلام عليه ﷺ ، فالأول محمول على أنه من معجزاته ﷺ ، والثاني على أنه من خصائصه، على أنه لا مانع من حمل حديث القليب على أنَّ دعاء النبي ﷺ إياهم وافق وقت عودة الروح للبدن، وذلك عند المساءلة؛ فإنَّ الروح تعاد للبدن حينئذ. القسم الثاني: حديث سماع الميت لقرع النعال، وهذا الحديث ليس فيه ما يدل على عموم السماع في كل الأحوال والأوقات، وقد تقدم بيان ذلك.

стр. 373

القسم الثالث: حديث السلام على الموتى، وهذا الحديث ليس فيه ما يدل على السماع، وقد تقدم أنَّ السلام على الموتى لا يسلتزم سماعهم. القسم الرابع: حديث عمرو بن العاص، وهو حديث موقوف، وليس فيه شيء مرفوع للنبي ﷺ ، والقول بأنَّ له حكمَ الرفع غير مُسَلَّم. النوع الثاني: أحاديث ضعيفة لا يصح الاستدلال بها، وهي حديث تلقين الميت، وحديث أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وقد تقدم بيان ما فيها من علل، والله تعالى أعلم. ****

стр. 374

المسألة [٢١]: في إضافة تحريم مكة إلى الله تعالى، وإلى إبراهيم الخليل، ﵇ . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)) [النمل: ٩١]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٤٦) ـ (٣٩): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِمَكَّةَ". (١)

стр. 375

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهِرُ الآية الكريمة أَنَّ الله تعالى هو الذي حرَّم مكة، وأما الحديث فظاهره أَنَّ إبراهيم ﵇ هو الذي حرَّمها، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والحديث. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان: الأول: مسلك الجمع بينهما: وعلى هذا المسلك عامة العلماء من مفسرين ومحدثين، وقد اختلفوا في الجمع على مذاهب: الأول: أَنَّ إضافة التحريم إلى الله تعالى من حيث كان بقضائه وسابق علمه، وإضافته إلى إبراهيم من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته. (٢) وهذا مذهب: ابن جرير الطبري، والقاضي عياض، وابن عطية، وأبي العباس القرطبي، وابن جزي الكلبي، وأبي حيان، والحافظ ابن كثير، والعيني، والسيوطي، والزرقاني، والصنعاني، والشوكاني، والآلوسي. (٣)

стр. 376

قال ابن جزي: "نُسِبَ تحريمها إلى الله؛ لأنه بسبب قضائه وأمره، ونَسَبَهُ النبيُّ ﷺ إلى إبراهيمَ ﵇؛ لأنَّ إبراهيم هو الذي أعْلَمَ الناسَ بتحريمها؛ فليس بين الحديث والآية تعارض، وقد جاء في حديث آخر: أَنَّ مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض (١) ". اهـ (٢) وقال الآلوسي: "لا تعارض بين ما في الآية من نسبة تحريمها إليه ، وما في قوله ﵊: "إن إبراهيم ﵇ حرم مكة، وأنا حرمت المدينة"، من نسبة تحريمها إلى إبراهيم ﵇؛ لأنَّ ما هنا باعتبار أنه هو المُحرِّمُ في الحقيقة، وما في الحديث باعتبار أَنَّ إبراهيم ﵇ مُظْهِرٌ لحكمه عز شأنه". اهـ (٣) المذهب الثاني: أَنَّ إبراهيم ﵇ سأل ربه تحريم مكة فأجابه الله إلى ذلك، فإضافة التحريم إلى الله تعالى باعتبار أنه كان بإذنه، وإضافته إلى إبراهيم باعتبار أنه كان بسؤاله وطلبه. وهذا مذهب: أبي الوليد الباجي، والقاضي عياض في وجه آخر له في الجمع. (٤) والفرق بين هذا القول والذي قبله: أَنَّ هذا القول فيه أَنَّ مكة لم تُحرَّم إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه في تحريمها، وأما القول الأول ففيه أَنَّ حُرْمَة مكة لم تزل مُنذ أنْ خلق الله السماوات والأرض.

стр. 377

المذهب الثالث: أَنَّ إبراهيم اجتهد في تحريم مكة؛ فأُضيف إليه التحريم؛ لأنه كان باجتهاده، وأُضيف إلى الله تعالى؛ لأنه أقَرَّ إبراهيمَ على اجتهاده. ذكر هذا الجواب: أبو الوليد الباجي، والقاضي عياض. (١) المسلك الثاني: مسلك الترجيح: حيث ذهب الإمام ابن عبد البر إلى تضعيف الحديث الوارد في المسألة؛ لأنه من رواية عمرو بن أبي عمرو (٢)، عن أنس. قال: "وعمرو بن أبي عمرو ليس بذاك القوي عند بعضهم". قال: "وفي حديث مالك وغيره، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "اللهم إنَّ إبراهيم دعاك لمكة" (٣)، قال: وهذا أولى من رواية من روى: "إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ"، وقد ثبت بالآثار الصحاح عن النبي ﷺ : "أَنَّ الله حرَّمها ولم يُحَرِّمْها الناس" (٤)، و "أنها بلد حرام، حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض" (٥)، وهذا مشهور صحيح عند أهل الأثر، وجماعة أهل السير، فلا وجه لِما خالفه من الرواية، على أنها ليست بالقوية، ولو صحت لكان معناها: أَنَّ إبراهيم أعْلَمَ بتحريم مكة، وعُلِمَ أنها حرام بإخباره؛ فكأنه حرَّمها؛ إذ لم يُعْرَف تحريمها أولاً في زمانه إلا على لسانه". اهـ (٦)

стр. 378

ويَرِدُ على مذهب ابن عبد البر: أَنَّ الحديث رواه عدد من الصحابة عن النبي ﷺ ، ولم يتفرد به عمرو بن أبي عمرو، الذي يرويه عن أنس، وأحاديثهم مروية في الصحيحين (١)، فلا وجه لتضعيف حديث أنس، وإنْ كان من رواية عمرو بن أبي عمرو. المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أَنَّ إبراهيم ﵇ دعا ربه وسأل تحريم مكة؛ فأجاب الله تعالى دعاءه، وحرَّمها على لسان إبراهيم، وكان الله قد حرَّمها قبل ذلك، يوم أنْ خلق السماوات والأرض؛ إلا أنه لم يُظْهِر تحريمها للناس إلا حينما دعاه إبراهيم، ومعلوم أَنَّ تبليغ التحريم لعموم الناس لا يكون إلا بوحي من الله تعالى لنبي من أنبيائه، وإنما نُسب التحريم إلى الله في الآية؛ لأنه هو المُحَرِّمُ في الحقيقة، ونُسِبَ في الحديث لإبراهيم؛ لأنه هو المبلغ لهذا التحريم، فليس بين الآية والحديث تعارض على هذا المعنى أبداً. ومما يؤكد هذا المعنى: أَنَّ النبي ﷺ قال: "اللهم إنَّ إبراهيم دعاك لمكة"، وهذا يدل على أَنَّ تحريمها إنما كان بعد دعاء إبراهيم، ﵇، وقوله ﷺ : "ولم يحرمها الناس"، إنما عني به أَنَّ تحريمها لم يكن بتواطؤٍ من الناس، وإنما كان بوحي من الله تعالى لإبراهيم، وهو في كلامه ﷺ هذا يُقَرِّرُ أَنَّ هذه الحرمة لمكة - والتي تُقِرُّ بها قريش - لم يكن لقريش أي فضلٍ فيها، وإنما كانت بوحي من الله تعالى لإبراهيم ﵇، ولم يُرِدْ النبي ﷺ بقوله: "ولم يحرمها الناس" عموم الناس، وإنما أراد عموم الناس من غير الأنبياء، بدليل أنه أضاف التحريم إلى إبراهيم في حديث آخر، فدل على أَنَّ قوله: "ولم يحرمها الناس" عامٌ أُريد به الخصوص، والله تعالى أعلم. (٢) ****

стр. 379

المسألة [٢٢]: في خراب ذي السويقتين للكعبة . المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)) [القصص: ٥٧]. وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)) [العنكبوت: ٦٧]. (١) المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآيات: (٤٧) ـ (٤٠): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ (٢) مِنْ الْحَبَشَةِ". (٣)

стр. 380

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث: ظاهرُ الآيات الكريمة أَنَّ الله تعالى جعل بيته وحرمه آمناً من تسلط الأعداء عليه، وهذا الأمن ظاهره استغراق الأزمنة كلها؛ فلا يستطيع أحدٌ الاعتداء عليه على مرِّ العصور والدهور، وأما الحديث الشريف ففيه تخريب ذي السويقتين للبيت، وهذا يُوهِمُ مُعارضة الآيات. (١) المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذاهب: الأول: أَنَّ الله تعالى جعل الحرم آمناً باعتبار غالب الأوقات، ووَعْدُه تعالى بالأمن لا يلزم منه أنْ يكون دائماً في كل الأوقات، بل إذا حصلت له حُرْمَةٌ وأمنٌ في وقت ما صدق عليه هذا اللفظ، وصحَّ المعنى، ولا يُعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر. وهذا مذهب أبي العباس القرطبي، والعيني، والملا علي القاري. (٢) المذهب الثاني: أَنَّ المراد بالآيات جعله آمناً إلى قُرْبِ قيام الساعة

стр. 381

وخراب الدنيا؛ حيث لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول الله الله، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم أنَّ النبي ﷺ قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ" (١)، فإذا كان قُرب قيام الساعة سُلِّطَ ذو السويقتين على الكعبة، والذي يكون بخرابه لها خراب العالم، وهذا الوقت الذي يكون فيه خراب العالم ليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن فيه. وهذا مذهب القاضي عياض، والنووي، والخازن، والحافظ ابن حجر، والمناوي، والسفاريني. (٢) ويؤيد هذا المذهب ما رُويَ عن النبي ﷺ أَنَّ البيت بعد هدم ذي السويقتين له لا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا. (٣) المذهب الثالث: أَنَّ وعده تعالى بأمن بيته مُقَيَّدٌ بعدم استحلال أهله له، فإذا وقع الاستحلال ارتفع هذا الوعد، فيكون عندئذ خراب ذي السويقتين له. وهذا القيد جاء في حديث أبي هريرة ﵁، أَنَّ النبي ﷺ قال: "َلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَأْتِي الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا". (٤) أشار لهذا المذهب الحافظ ابن حجر، وجعله وجهاً في الجمع بين الآيات والحديث، وهو اختيار محمد بن عبد الرسول البرزنجي. (٥)

стр. 382

المذهب الرابع: أَنَّ عموم الآيات مُخصوص بقصة ذي السويقتين، فلا تعارض بين النصين. وهذا مذهب ابن بطال، وأشار إليه القاضي عياض، والنووي. (١) المذهب الخامس: أَنَّ المراد بالآيات أمن أهل البيت لا أمن ذات البيت، وعليه فلا تعارض بين الآيات والحديث؛ لأنَّ الحديث إنما فيه خراب البيت لا هلاك أهله. أشار لهذا المذهب الخازن في تفسيره (٢)، ولا يخفى أَنَّ هذا القيد لم يأتِ به دليل حتى يُصار إليه. المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أَنَّ المراد بالآيات جَعْلُ الحرم آمناً إلى قُرْبِ قيام الساعة وخراب الدنيا، ذلك أنَّ خراب البيت كائن لا محالة عند خراب العالم بأجمعه، إلا أنَّ الله تعالى جعل خرابه على يد ذي السويقتين لحكمة أرادها سبحانه، وهو وقت خرابه لا حاجة للأمن فيه، إذ ليس هناك عامر للبيت من المؤمنين حتى يكون هناك حاجة للأمن، وعليه فإنَّ الأمن الموعود في الآيات إنما هو في حال عمارة البيت بأهله من المؤمنين، فإذا اندرس المؤمنون في آخر الزمان ـ كما أخبر النبي ﷺ بذلك ـ أصبح البيت مهجوراً لا عامر له، وحينئذٍ يقع خراب ذي السويقتين له، والذي يكون مؤذناً بنهاية هذا العالم، والله تعالى أعلم. ****

стр. 383

المسألة [٢٣]: هل كتب النبي ﷺ بيده الشريفة شيئاً أم لا ؟ المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)) [العنكبوت: ٤٨]. وقال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهِرُه التعارض مع الآيات: (٤٨) ـ (٤١): عَنْ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: لَا نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: امْحُ رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .... ". (١)

стр. 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 385

(٤٩) ـ ( .. ): وفي رواية لمسلم: "فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا؛ فَمَحَاهَا وَكَتَبَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ .... ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآيات والحديث: ظاهرُ رواية مسلم أنَّ النبي ﷺ محا اسمه الشريف "رسول الله" وكتب مكانه بيده الشريفة "ابن عبد الله"، ورواية البخاري جاءت بأصرح من هذا، وفيها: "فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ - وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتَبَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". وهذا المعنى المتبادر من هاتين الروايتين يُوهِم خِلاف الآيات، والتي ظاهرها أنَّ النبي ﷺ لا يحسن القراءة ولا الكتابة. (٢)

стр. 386

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: لم يتجاوز العلماء في هذا المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين: الأول: مذهب إجراء الحديث على ظاهره، وتأويل الآيات. وهذا مذهب جماعة من المحدثين منهم: عمر بن شبة (١) (٢)، وأبي ذر الهروي (٣) (٤)، وأبي الفتح النيسابوري (٥) (٦)، والقاضي أبي جعفر السمناني الأصولي (٧) (٨)، والقاضي أبي الوليد الباجي (٩). وهو اختيار: ابن العربي، وابن الجوزي، وأبي العباس القرطبي، والطيبي، والذهبي، والآلوسي، والزرقاني. (١٠) حيث ذهب هؤلاء إلى أنَّ النبي ﷺ كتب بيده حقيقة، وأنَّ الله تعالى

стр. 387

أجرى ذلك على يده؛ إما بأنْ كتب ذلك وهو غيرُ عالمٍ بما يَكْتُب، أو أنَّ الله تعالى عَلَّمَه ذلك حينئذٍ حتى كتب، ورأوا أنَّ ذلك غير قادحٍ في كونه أميَّاً، ولا مُعارضٌ لقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، ولا لقوله ﷺ : "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ" (١)، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم للكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها "ابن عبد الله" لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما أنه ﵇ عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تَعَلُّمٍ ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: "وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ" فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كَتَب. قال أبو العباس القرطبي: "وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا أنَّ تكفير المسلم كقتله، على ما جاء عنه ﵇ في الصحيح (٢)، لا سيما رَمْي من شهد له أهل عصره بالعلم والفضل والإمامة، على أنَّ المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهرُ أخبارِ أحادٍ صحيحة، غير أنَّ العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها". اهـ (٣). ومراد أبي العباس القرطبي هو ما جرى لأبي الوليد الباجي، فإنه لما

стр. 388

تكلم في حديث الكتابة يوم الحديبية (١) وقال بظاهره، طعن عليه جماعة من علماء عصره، ورموه بالزندقة، لاعتقادهم أنَّ هذا القول فيه قدح بمعجزة النبي ﷺ ؛ فألفَّ الباجي رسالته المسماة بـ"تحقيق المذهب"، وبيَّن فيها أنَّ هذا القول لا يقدح بالمعجزة. (٢) وقد ساق قصةَ الباجي هذه القاضي عياض، فقال: "ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ (٣) وكفَّرَه بإجازة الكَتْبِ على رسول الله ﷺ النبي الأميّ، وأنَّه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجُمَع، وقال شاعرهم: بَرِئْتُ ممن شَرَى دُنْياً بآخرَة ... وقال إنَّ رسولَ اللهِ قد كَتَبَا فصنف أبو الوليد رسالةً بيَّن فيها أنَّ ذلك غير قادحٍ في المعُجزة". اهـ (٤) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآيات: بأنَّ نفي الكتابة في الآية المقصود به الحال التي قبل النبوة؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، وأما بعد النبوة فليس في الآية ما يدل على امتناعه، والنبي ﷺ صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وعدم معرفته كان بسبب المعجزة، فلما نزل القرآن، واشتهر الإسلام، وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة، وأُمِنَ الارتياب في ذلك، عرف حينئذ الكتابة.

стр. 389

وأمَّا كونه أمّياً فليس في معرفته للكتابة ما يقدح في أمّيته؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أمياً؛ فإن المعجزة حاصلة بكونه ﷺ كان أولاً كذلك ثم جاء بالقرآن وبعلوم لا يعلمها الأميون. ذكر هذا الجواب: أبو الوليد الباجي، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي. (١) وأجاب الذهبي: "بأنَّ ما كلّ من عرف أنْ يكتب اسمه فقط يخرج عن كونه أمياً؛ لأنه لا يسمى كاتباً، وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ" (٢) أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)) [الجمعة: ٢] ". اهـ (٣) واعتُرِضَ على هذه الأجوبة: بأنَّ كتابته ﷺ تكون آية إذا لم تكن مناقضةً لآية أخرى، وهي كونه أمياً لا يكتب، وبكونه أمياً في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يُطْلِق الله يدَه لتكون آية؟ وإنما الآية أنْ لا يكتب، والمعجزات يستحيل أنْ يدفع بعضها بعضاً. (٤) أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بإثبات الكتابة للنبي ﷺ بأدلة منها (٥):

стр. 390

١ - رواية البخاري: "وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ"، وهي صريحة في أنه ﷺ كتب بنفسه، ويعضدها ويقويها رواية مسلم أنَّ النبي ﷺ محا "رسول الله"، وكتب "ابن عبد الله". ٢ - حديث عبد الله بن عتبة (١) قال: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأ". (٢) ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ". (٣) ووجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ قرأ المكتوب على باب الجنة، والقدرة على القراءة يدل على معرفة الكتابة. واعتُرِضَ على هذا الدليل: باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تَقْدُمَةِ معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة، وباحتمال أنْ يكون حُذِفَ من الحديث شيء، والتقدير: فسألت عن المكتوب فقيل لي: هو كذا. (٤) ٤ - حديث سهل بن الحنظلية (٥): "أنَّ النبي ﷺ لما أمر معاوية أنْ يكتب للأقرع بن حابس (٦)، وعيينة بن حصن (٧)، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الْمُتَلَمِّسِ (٨)؟! فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال:
следующие страницы →