← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآيات والحديث: لم يتجاوز العلماء في هذا المسألة مسلك الجمع بين الآيات والحديث، وقد اختلفوا في الجمع على مذهبين: الأول: مذهب إجراء الحديث على ظاهره، وتأويل الآيات. وهذا مذهب جماعة من المحدثين منهم: عمر بن شبة (١) (٢)، وأبي ذر الهروي (٣) (٤)، وأبي الفتح النيسابوري (٥) (٦)، والقاضي أبي جعفر السمناني الأصولي (٧) (٨)، والقاضي أبي الوليد الباجي (٩). وهو اختيار: ابن العربي، وابن الجوزي، وأبي العباس القرطبي، والطيبي، والذهبي، والآلوسي، والزرقاني. (١٠) حيث ذهب هؤلاء إلى أنَّ النبي ﷺ كتب بيده حقيقة، وأنَّ الله تعالى

стр. 387

أجرى ذلك على يده؛ إما بأنْ كتب ذلك وهو غيرُ عالمٍ بما يَكْتُب، أو أنَّ الله تعالى عَلَّمَه ذلك حينئذٍ حتى كتب، ورأوا أنَّ ذلك غير قادحٍ في كونه أميَّاً، ولا مُعارضٌ لقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، ولا لقوله ﷺ : "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ" (١)، بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم للكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها "ابن عبد الله" لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما أنه ﵇ عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تَعَلُّمٍ ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك، ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: "وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ" فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال كَتَب. قال أبو العباس القرطبي: "وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشددوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا أنَّ تكفير المسلم كقتله، على ما جاء عنه ﵇ في الصحيح (٢)، لا سيما رَمْي من شهد له أهل عصره بالعلم والفضل والإمامة، على أنَّ المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهرُ أخبارِ أحادٍ صحيحة، غير أنَّ العقل لا يحيلها، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها". اهـ (٣). ومراد أبي العباس القرطبي هو ما جرى لأبي الوليد الباجي، فإنه لما

стр. 388

تكلم في حديث الكتابة يوم الحديبية (١) وقال بظاهره، طعن عليه جماعة من علماء عصره، ورموه بالزندقة، لاعتقادهم أنَّ هذا القول فيه قدح بمعجزة النبي ﷺ ؛ فألفَّ الباجي رسالته المسماة بـ"تحقيق المذهب"، وبيَّن فيها أنَّ هذا القول لا يقدح بالمعجزة. (٢) وقد ساق قصةَ الباجي هذه القاضي عياض، فقال: "ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ (٣) وكفَّرَه بإجازة الكَتْبِ على رسول الله ﷺ النبي الأميّ، وأنَّه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجُمَع، وقال شاعرهم: بَرِئْتُ ممن شَرَى دُنْياً بآخرَة ... وقال إنَّ رسولَ اللهِ قد كَتَبَا فصنف أبو الوليد رسالةً بيَّن فيها أنَّ ذلك غير قادحٍ في المعُجزة". اهـ (٤) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن الآيات: بأنَّ نفي الكتابة في الآية المقصود به الحال التي قبل النبوة؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، وأما بعد النبوة فليس في الآية ما يدل على امتناعه، والنبي ﷺ صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وعدم معرفته كان بسبب المعجزة، فلما نزل القرآن، واشتهر الإسلام، وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة، وأُمِنَ الارتياب في ذلك، عرف حينئذ الكتابة.

стр. 389

وأمَّا كونه أمّياً فليس في معرفته للكتابة ما يقدح في أمّيته؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أمياً؛ فإن المعجزة حاصلة بكونه ﷺ كان أولاً كذلك ثم جاء بالقرآن وبعلوم لا يعلمها الأميون. ذكر هذا الجواب: أبو الوليد الباجي، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي. (١) وأجاب الذهبي: "بأنَّ ما كلّ من عرف أنْ يكتب اسمه فقط يخرج عن كونه أمياً؛ لأنه لا يسمى كاتباً، وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ" (٢) أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)) [الجمعة: ٢] ". اهـ (٣) واعتُرِضَ على هذه الأجوبة: بأنَّ كتابته ﷺ تكون آية إذا لم تكن مناقضةً لآية أخرى، وهي كونه أمياً لا يكتب، وبكونه أمياً في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يُطْلِق الله يدَه لتكون آية؟ وإنما الآية أنْ لا يكتب، والمعجزات يستحيل أنْ يدفع بعضها بعضاً. (٤) أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بإثبات الكتابة للنبي ﷺ بأدلة منها (٥):

стр. 390

١ - رواية البخاري: "وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ"، وهي صريحة في أنه ﷺ كتب بنفسه، ويعضدها ويقويها رواية مسلم أنَّ النبي ﷺ محا "رسول الله"، وكتب "ابن عبد الله". ٢ - حديث عبد الله بن عتبة (١) قال: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأ". (٢) ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ". (٣) ووجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ قرأ المكتوب على باب الجنة، والقدرة على القراءة يدل على معرفة الكتابة. واعتُرِضَ على هذا الدليل: باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تَقْدُمَةِ معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة، وباحتمال أنْ يكون حُذِفَ من الحديث شيء، والتقدير: فسألت عن المكتوب فقيل لي: هو كذا. (٤) ٤ - حديث سهل بن الحنظلية (٥): "أنَّ النبي ﷺ لما أمر معاوية أنْ يكتب للأقرع بن حابس (٦)، وعيينة بن حصن (٧)، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الْمُتَلَمِّسِ (٨)؟! فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال:

стр. 391

قد كُتِبَ لك بالذي أمرتُ لك به". (١) ووجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ نظر في المكتوب وعرفه؛ فدل على معرفته بالقراءة، والكتابة فرع عنها. واعترض أصحاب المذهب الثاني على هذه الأدلة بأنها ضعيفة كلها، عدا رواية البخاري، وسيأتي الجواب عنها. (٢) الثاني: مذهب إعمال الآيات على ظاهرها، وتأويل الحديث. وهذا مذهب الجمهور من العلماء (٣)، منهم: ابن حبان، والبيهقي، وابن التين، والنووي، والبغوي، والسهيلي، وابن عطية، وأبو عبد الله القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن حجر، والعيني، والسيوطي،

стр. 392

والملا علي القاري، والألباني، وابن عثيمين. (١) ويرى أصحاب هذا المذهب أنَّ النبي ﷺ لم يكتب، ولم يكن يُحْسِنُ الكتابة، كما هو صريح الآيات، وأنه لم يزل كذلك مدة حياته ﷺ . وأجابوا عن حديث البراء ﵁، والذي يُوهِمُ ظاهره أنَّ النبي ﷺ كتب بيده: بأنَّ القصة رُويت من طرق أخرى، وفيها أن الكاتب كان علي بن أبي طالب ﵁، وقع ذلك في رواية أخرى للبخاري - من حديث البراء - بلفظ: "لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَهُمْ كِتَابًا فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" (٢)، فتُحمل الرواية الأولى، وهي قوله: "فكتب"، أي فأمر الكاتب، ويَدُلُّ عليه حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، في القصة نفسها؛ ففيهما: "فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ" (٣). قالوا: وقد ورد في كثير من الأحاديث إطلاق لفظ "كتب" بمعنى أمر، منها: حديثُ ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ كتب إلى قيصر (٤)، وحديثُ كتابته ﷺ إلى النجاشي، وحديثُ كتابته إلى كسرى (٥)، وحديثُ عبد الله بن

стр. 393

عكيم ﵁: "كتب إلينا رسول الله ﷺ " (١)، وغيرها، وهذه الأحاديث كلها محمولة على أنه ﷺ أمر الكاتب أنْ يكتب. قالوا: ومما يقوي أنَّ الكاتب في قصة الحديبية هو عليٌ ﵁: قوله في بعض طرق حديث البراء - لما امتنع علي أنْ يمحوَ لفظ "محمد رسول الله" - فقال له النبي ﷺ : "أَرِنِي مَكَانَهَا. فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا"؛ فإنَّ ظاهره أنه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: "أرني"، فكأنه أراه الموضع الذي أبى أنْ يمحوه، فمحاه هو ﷺ بيده، ثم ناوله لعلي فكتب بأمره: "ابن عبد الله"، بدل: "رسول الله". (٢) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ النبي ﷺ لم يَخُط بيمينه خَطَّاً مقروءاً مدة حياته كلها، كما هو صريح الآيات. وأمَّا الروايات التي جاءت في قصة الحديبية؛ فقد وقع فيها اضطراب من قبل الرواة، حيث رويت بخمسة ألفاظ: الأول: "أنَّ النبي ﷺ كتب: (محمد بن عبد الله)، وهو لا يُحسن الكتابة". وهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء.

стр. 394

الثاني: "أنَّ النبي ﷺ محا: (رسول الله)، وكتب: (ابن عبد الله) ". وهذه الرواية جاءت من طريقٍ واحدة، عن أبي إسحاق، عن البراء. وليس فيها تصريح بأنَّ الذي كتب هو النبي ﷺ . الثالث: "أنَّ النبي ﷺ محا: (رسول الله) بيده الشريفة". ولم تذكر هذه الرواية أنه كتب: (ابن عبد الله)، وهذه الرواية جاءت من طريقين، عن أبي إسحاق، عن البراء. الرابع: "أنَّ النبي ﷺ أمر علياً ﵁ أنْ يكتب: (محمد بن عبد الله) ". وهذه الرواية جاءت من حديث أنس بن مالك، والمسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، ﵃، ورُويت من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء، إلا أنها شاذة ومنكرة من هذا الطريق. والأصح من هذه الروايات: الرواية التي اقتصرت على ذكر المحو دون الكتابة؛ لأنها جاءت من طريقين عن أبي إسحاق، عن البراء، دون اضطراب. وأثبتُ منها الرواية التي فيها أنَّ النبي ﷺ أمر علياً ﵁ أنْ يكتب: "محمد بن عبد الله"؛ لأنها جاءت عن صحابيين، ولم يقع فيها اضطراب كحديث البراء. وعليه فإنَّ الصواب في قصة الحديبية أنَّ النبي ﷺ أمر علياً أنْ يمحوَ لفظة: "رسول الله"، ويكتب مكانها: "ابن عبد الله"، فَأَبَى عليٌ ﵁ ذلك؛ إجلالاً لاسم رسول الله ﷺ أن يُمحى، فأمره رسولُ الله ﷺ أنْ يُريَهُ مكانها؛ فأراه مكانها؛ فمحاها النبي ﷺ بيده الشريفة، ثم إنَّ علياً كتب بعد ذلك: "ابن عبد الله"، نزولاً عند رغبة النبي ﷺ ، لمَّا رآه محا: "رسول الله". هذا هو الأصح في الجمع بين روايات الحديث؛ لأنا إذا قلنا بأنَّ النبي ﷺ هو الذي كتب: "ابن عبد الله"؛ صارت روايات القصة متعارضة ومتناقضة، لكن القول بأنَّ الكاتب هو علي ﵁ يدفع هذا التناقض؛ لأنا حملنا الرواية المطلقة على المقيدة، فانتفى التعارض بينها، واندفع الإشكال المُوهِم معارضة الآيات، والله تعالى أعلم. ****

стр. 395

المسألة [٢٤]: في حكم تسمية المدينة النبوية بيثرب . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)) [الأحزاب: ١٣] المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية: (٤٩) ـ (٤٢): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ (١) خَبَثَ الْحَدِيدِ". (٢) (٥٠) ـ (٤٣): وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ ، هِيَ طَابَةُ، هِيَ طَابَةُ". (٣)

стр. 396

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث: ظاهرُ حديثِ أبي هريرة ﵁ كراهَةُ تسميةِ المدينةِ بيثرب، ويؤكد هذا الظاهر حديث البراء، والذي فيه النهي الصريح عن ذلك، إلا أنه حديث ضعيف باتفاق، وأما الآية الكريمة فظاهرها يَدُلُّ على جواز تسمية المدينة بيثرب، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والحديث. (١)

стр. 397

المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث: اتفق العلماء على كراهةِ تسميةِ المدينة بيثرب، عملاً بحديث أبي هريرة ﵁ الوارد في المسألة، وأما الآية الكريمة - التي يُوهِمُ ظاهرها مُعارضة الحديث - فلهم في الجواب عنها مذهبان: الأول: أنَّ ما وقع في الآية هو عبارة عن حكاية قول المنافقين، فهو سبحانه يحكي مقولتهم: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) وليس في الآية ما يفيد جواز تسميتها بهذا الاسم. وهذا التأويل قال به جمع من العلماء، منهم: ابن بطال، وأبو الوليد الباجي، والقاضي عياض، والسهيلي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، وابن القيم، والحافظ ابن حجر، والعيني، والسيوطي، والزرقاني. (١) قال القاضي أبو الوليد الباجي: "قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، هذا ـ والله أعلم ـ إخبارٌ عن المنافقين; لأن قبل هذه الآية: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)) ثم قال : (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، وهذا ـ والله أعلم ـ قول المنافقين، يدل على ذلك: أنه قال بعد ذلك: (فَارْجِعُوا)، وهذا إنما هو قول من كان يريد رَدَّ أصحاب النبي ﷺ عن نُصْرَته والمُقام معه، فهؤلاء إنما كانوا يسمونها يثرب، على حسب ما كانت تُسمى عليه قبل الإسلام، فأما بعد الإسلام فإنَّ اسمها طيبة وطابة". اهـ (٢)

стр. 398

المذهب الثاني: أنَّ القرآن سماها يثرب باعتبار ما كان معروفاً في الجاهلية، ونَهْيُ النبي ﷺ كان بعد ذلك. وهذا تأويل الحافظ ابن عبد البر، حيث قال: "في هذا الحديث دليلٌ على كراهية تسمية المدينة بيثرب، على ما كانت تُسمى في الجاهلية، وأما القرآن فنزل بذكر يثرب على ما كانوا يعرفون في جاهليتهم، ولعل تسمية رسول الله ﷺ إياها بطيبة كان بعد ذلك". اهـ (١) فائدة: حديث أبي هريرة ﵁ الوارد في المسألة ـ والذي يَدُلُّ بظاهره على كراهة تسمية المدينة بيثرب ـ جاء في الصحيح ما يَدُلُّ على خلافه، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ". (٢) وللعلماء في الجواب عن هذا الحديث ثلاثة مذاهب: الأول: أنَّ هذا كان قبل النهي. وهذا جواب: القاضي عياض، والحافظ ابن حجر، والزرقاني. (٣) الثاني: أنَّ هذا لبيان أنَّ النَّهْيَ للتنزيه لا للتحريم. وهذا جواب العيني. (٤) الثالث: أنَّ النبي ﷺ سمَّاها يثرب باعتبار من لا يعرفها إلا بهذا الاسم، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعي فقال: المدينة يثرب. وهذا المذهب حكاه النووي في شرح مسلم. (٥)

стр. 399

المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ ما وقع في الآية هو عبارة عن حكاية قول المنافقين، وحكاية القرآن لبعض المقولات، وسكوته عنها، لا يلزم منه إقرارٌ لتلك المقولات، ذلك أنَّ سكوت القرآن عن المقولات لا يخلو من حالتين: الأولى: أنْ يكل الله تعالى البيان لنبيه ﷺ ، فيبين للناس حكم تلك المقولة. الثانية: أنْ لا يكون هناك بيان من النبي ﷺ ، وعدم البيان يدل على الإقرار من الله تعالى. وفي مسألتنا هذه جاء البيان من النبي ﷺ بكراهة تسمية المدينة بيثرب، فَدَلَّ على أنَّ مقولة المنافقين تلك لا يصح استعمالها، والله تعالى أعلم.

стр. 400

المسألة [٢٥]: في حكم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره في ضمير واحد . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)) [الأحزاب: ٥٦]. المبحث الثاني: ذكر الحديث الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية: (٥١) ـ (٤٤): عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁: "أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ". (١)

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 402

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث: ظاهر قوله تعالى: (يُصَلُّونَ) جواز الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره من المخلوقين في ضمير واحد، وكلمة واحدة، وأما الحديث الشريف فيُوهِم خلاف الآية؛ لأَنَّ النبي ﷺ أنكر على الخطيب قوله: "ومن يعصهما"، وأمَرَه بأنْ يقول: "ومن يعص الله ورسوله"، وهذا الإنكار منه ﷺ يُفهم منه تحريم الجمع بين اسم الله تعالى، واسم غيره من المخلوقين في ضمير واحد،

стр. 403

وكلمة واحدة. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث: للعلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث مسلكان: الأول: مسلك الجمع بينهما: وعلى هذا المسلك عامةُ العلماء، من مفسرين ومحدثين وفقهاء، إلا أَنَّهم اختلفوا في الجمع على مذاهب: الأول: أَنَّ مثل هذا التركيب جائزٌ في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ ، وأما سائر الناس فلا يجوز لهم أنْ يجمعوا بين اسم الله تعالى، واسم رسوله ﷺ في ضمير واحد، وكلمة واحدة. وهذا مذهب الجمهور من العلماء، وممن قال به: الشافعي، والخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وابن الأثير، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ زين الدين العراقي (٢)، وابن عبدالسلام، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، والسندي، والشوكاني، والآلوسي، والألباني. (٣)

стр. 404

وأيَّدوا مذهبهم: بالآية الكريمة، وبأحاديث رُويت عن النبي ﷺ من قوله، وفيها استعماله ﷺ لمثل هذا التركيب، ومن هذه الأحاديث: ١ - حديث أنس ﵁، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". (١) ٢ - وحديث أنس ﵁ قال: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُكِلَتْ الْحُمُرُ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ فَنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ ... ". (٢) ٣ - وحديث ابن مسعود ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا". (٣) والشاهد من هذه الأحاديث: قوله: "مِمَّا سِوَاهُمَا"، وقوله: "يَنْهَيَانِكُمْ"، وقوله: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا"، حيث جمع النبي ﷺ بين اسم الله تعالى، واسمه ﷺ ، في ضمير واحد، وكلمة واحدة، فدلَّ على جواز ذلك، إذا كان من

стр. 405

قوله ﷺ . (١) وقد أشار بعض أصحاب هذا المذهب للعلة التي أوجبت نهيه ﷺ عن مثل هذا الأسلوب، فقالوا: إنَّ النبي ﷺ إنما أنكر عليه قوله: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا"، لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى، بتقديم اسمه، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ". (٢) ذكر هذا الوجه: الشافعي، والخطابي، والبغوي، والقاضي عياض، والفخر الرازي، وابن الأثير، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والحافظ زين الدين العراقي، وابن عبد السلام، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، والسندي. (٣) قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: "من خصائصه ﷺ أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنعٌ على غيره، وإنما يمتنع من غيره دونه؛ لأَنَّ غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية، بخلافه هو ﷺ ، فإنَّ منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك". اهـ (٤) المذهب الثاني: وهو ما ذكره النووي: أَنَّ سبب النهي هو أَنَّ الخُطَبَ

стр. 406

شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح أَنَّ رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ليفهم (١). ثم أشار النووي إلى ضعف مذهب الجمهور المُتقدم فقال: وأما قول الأولين فيضْعُف بأشياء، منها: أَنَّ مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله ﷺ ؛ كقوله ﷺ : "أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (٢)، وغيره من الأحاديث، وإنما ثنَّى الضمير ها هنا؛ لأَنَّه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حِكَم، فكُلَّما قَلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يراد الاتعاظ بها، ومما يؤيد هذا ما ثبت في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن ابن مسعود ﵁ قال: "علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة، الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أَنْ لا إله إلا الله، وأشهد أَنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً". (٣) والله أعلم". اهـ (٤) وقد وافق النوويَ على رأيه هذا: الشوكانيُ، وأبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي. (٥) وعلى مذهب النووي ومن تبعه فإنه لا إشكال في الآية؛ لأَنَّها ليست في سياق الخطبة والوعظ، إذ الممتنع على رأيهم هو استعمال مثل هذا الأسلوب في خطب الوعظ فقط. وقد اعترض السندي على رأي النووي فقال: "إنه ضعيف جداً؛ إذ لو

стр. 407

كان ذلك سبباً للإنكار، لكان في محل حصل فيه بالضمير نوع اشتباه، وأما في محل لا اشتباه فيه فليس كذلك، وإلا لكان ذِكْرُ الضمير في الخطبة مُنكراً منهياً عنه، مع أَنَّه ليس كذلك، بل الإظهار في بعض المواضع في الخطب يكون مُنكراً فتأمل". اهـ (١) المذهب الثالث: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائزٌ للبشر فعله، والنبي ﷺ لم يقل: "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: "ومن يعصهما"، فجمع بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصى، والأولى أنْ يقف على: "رشد"، ثم يقول: "ومن يعصهما فقد غوى". (٢) وهذا مذهب أبي جعفر الطحاوي، وابن الجزري، وابن عطية. (٣) قال الطحاوي: "المعنى عندنا - والله أعلم - أَنَّ ذلك يرجع إلى معنى التقديم والتأخير، فيكون: من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقد رشد، وذلك كفر، وإنما كان ينبغي له أنْ يقول: ومن يعصهما فقد غوى، أو يقف عند قوله: فقد رشد، ثم يبتدئ بقوله: ومن يعصهما فقد غوى، وإلا عاد وجهه إلى التقديم والتأخير الذي ذكرنا". اهـ (٤) وقد اعترض أبو العباس القرطبي على هذا المذهب فقال: "وهذا التأويل لم تساعده الرواية، فإنَّ الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأَنَّ آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إنَّ النبي ﷺ رد عليه وعلمه صواب ما أخل به، فقال: "قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، فظهر أَنَّ ذَمَّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير". اهـ (٥)

стр. 408

وقد أجاب ابن عطية على هذا الاعتراض، فقال: "يحتمل أنْ يكون لما خَطَّأَه في وقفه وقال له: "بئس الخطيب أنت" أصلح له بعد ذلك جميع كلامه؛ لأَنَّ فصل ضمير اسم الله تعالى من ضمير غيره أولى لا محالة، فقال له: "بئس الخطيب أنت" لموضع خطئه في الوقف، وحَمَلَه على الأولى في فصل الضميرين، وإنْ كان جمعهما جائزاً". اهـ (١) قلت: لكن ما اعترض به القرطبي الصواب عدم ثبوته في الحديث، وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في مبحث الترجيح. المذهب الرابع: وهو مذهب أبي بكر الجصاص، حيث قال: "قد ذكر الله تعالى في كتابه اسْمَهُ وذكر نبيَّه ﷺ ، فأفرد نفسه بالذِّكر ولم يجمع الاسمين تحت كناية واحدة، نحو قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢]، ولم يقل: "ترضوهما"؛ لأَنَّ اسم الله واسم غيره لا يجتمعان في كناية، وروي عن النبي ﷺ أنه خطب بين يديه رجل فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي ﷺ : "قم، فبئس خطيب القوم أنت"، لقوله: "ومن يعصهما". فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) فجمع اسمه واسم ملائكته في الضمير؟ قيل له: إنما أنكرنا جمعهما في كناية يكون اسماً لهما، نحو الهاء التي هي كناية عن الاسم، فأما الفعل الذي ليس باسم ولا كناية عنه وإنما فيه الضمير فلا يمتنع ذلك فيه". اهـ (٢) المذهب الخامس: أَنَّ ما جاء في الحديث من النهي يجب إعماله على إطلاقه، فلا يجوز الجمع بين اسم الله تعالى واسم نبيه في ضمير واحد. وهذا مذهب أبي جعفر النحاس، وأجاب عن الآية: بأَنَّ فيها حذفاً تقديره: "إنَّ الله يصلي، وملائكته يصلون"، فيكون الضمير في قوله: "يصلون"، مختص بالملائكة فقط، ولم يُجِبْ عن بقية الأحاديث الواردة في المسألة، التي جاء فيها استعمال مثل هذا التركيب. (٣)

стр. 409

المسلك الثاني: مسلك الترجيح: ويرى أصحاب هذا المسلك أَنَّ قوله في الحديث: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، لم يُثبت عن النبي ﷺ من قوله، وإنما هي زيادة مدرجة من بعض الرواة. وهذا رأي أبي بكر ابن العربي، وأشار إليه الحافظ ابن رجب. (١) ولم يُبَيّن ابن العربي العلة التي أوجبت إنكار النبي ﷺ على الخطيب. المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه أبو جعفر الطحاوي، ومن تبعه: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائز للبشر فعله، والنبي ﷺ لم يقل: "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: "ومن يعصهما" وسكت سكتة، فأوهم إدخال العاصي في الرشد. وأما الحديث فأصح رواياته الرواية التي وقف فيها الخطيب على قوله: "ومن يعصهما"، وليس في هذه الرواية أَنَّ النبي ﷺ قال في آخر الحديث: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، ونصُّ هذه الرواية كاملة: "أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا. فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : قُمْ، أَوْ اذْهَبْ، بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ". وهذه الرواية هي الأصح، لأمور: الأول: أَنَّها جاءت من طريق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، ولم يختلف النقاد في تقديم يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، على وكيعٍ، في سفيان.

стр. 410

قال البخاري: "أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأَنَّه عرف صحيح حديثه من تدليسه". اهـ (١) وقال صالح بن الإمام أحمد: قلت لأبي: "أيما أثبت عندك، عبد الرحمن بن مهدي، أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطاً من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثاً من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، وكان لعبد الرحمن توقٍ حسن". اهـ (٢) وقال أبو حاتم الرازي: "عبد الرحمن بن مهدي أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان عرض حديثه على سفيان الثوري". اهـ (٣) وقال: "سئل أحمد عن يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع؟ فقال: كان عبد الرحمن أكثرهم حديثاً". اهـ (٤) الثاني: أَنَّ زيادة "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ"، لم تأتِ إلا من طريق وكيع، عن سفيان، ومن طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، وخالفهما بقية الرواة وهم الأكثر فلم يذكروا هذه الزيادة. الثالث: أَنَّ زيادة "فقد غوى" بعد قول الخطيب: "ومن يعصهما" وإنْ كانت رُويت من طرق أخرى إلا أَنَّ رواية يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي أولى؛ لأَنَّهما أحفظ عن سفيان، ولأَنَّ سفيان أحفظ من بقية الرواة عن عبد العزيز بن رفيع، والله تعالى أعلم.

стр. 411

المسألة [٢٦]: في نظم النبي ﷺ للشِعْر . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)) [يس: ٦٩]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية: (٥٢) ـ (٤٥): عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: "يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ (١)؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ؛ فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ (٢) بِالنَّبْلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ". (٣)

стр. 412

(٥٣) ـ (٤٦): وعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا ﵁ يَقُولُ: "بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ؛ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ". (١) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث: ظاهرُ الآيةِ الكريمة أنَّ الشِّعْرَ مُمتَنِعٌ تَعَلُّمه ونَظْمه على النبي ﷺ ، وأمَّا الحديثين فقد جاء فيهما ما يُوهِمُ مُعارَضَة هذا الظاهر؛ إذ فيهما أنَّ النبي ﷺ أنشد ذينك البيتين من تلقاء نفسه، وهذا يُوهِمُ قُدْرَةَ النبي ﷺ على النَّظْمِ، وهو خِلافُ الآية. (٢) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث: اتفق العلماء على أنَّ الشِّعْرَ ممتنعٌ (٣) نَظْمه على النبي ﷺ ، أخذاً بظاهر الآية الكريمة (٤)، واختلفوا في حكم تمثل النبي ﷺ بشيء من الشِّعْر وإنشاده،

стр. 413

حاكياً عن غيره، والصحيح جوازه، وعليه الجمهور من العلماء. (١) وأمَّا أحاديث الباب - التي يُوهِمُ ظاهرها أنَّ النبي ﷺ قال شيئاً من الشِّعْر من تلقاء نفسه - فقد اختلفوا في الجواب عنها على مذاهب: الأول: أنَّ النبي ﷺ قال ذلك النظم اتفاقاً ولم يقصد به قرض الشِّعْر؛ والكلام قد يخرج موزوناً على وزن الشِّعْر من غير معرفةٍ أو قصدٍ من قائله. وقد حكى ابن القطاع اللغوي (٢)، وأقَرَّهُ النووي، الإجماع على أنَّ شرط تسمية الكلام شِعْراً أنْ يَقْصُدَ له قائله. (٣) ويرى أصحاب هذا المذهب أنَّ النبي ﷺ لم يقصد نظماً ووزناً فيكون شِعْراً، إذ قد يأتي في الكلام والقرآن ما يتَّزِن بوزن الشِّعْر وليس بشِعْر، كقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: ٩٢]، وقوله: (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) [سبأ: ١٣]، وقوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف: ١٣]، وكثيراً ما يقع للعوام في كلامهم: المُقَفَّى الموزون، وليس بشِعْر، ولا يُسمى قائله شاعراً؛ لأنه لم يَقْصُده، ولا شَعُرَ به، والشِّعْرُ إنما سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ قائله يَشْعُرُ به، ويَقْصُده نظماً، ووزناً، ورَويّاً، وقافيةً، ومعنى. (٤) وعلى هذا المذهب جماهير العلماء، من مفسرين ومحدثين، وممن قال به: أبو عبيدة معمر بن المثنى (٥)، وابن قتيبة، وأبو الليث السمرقندي، والزمخشري، والمازري، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والطيبي، وأبو حيان، والذهبي، والحافظ ابن كثير، والزركشي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وأبو السعود، والملا علي القاري، والمناوي، والشوكاني، والآلوسي،

стр. 414

وابن عثيمين. (١) المذهب الثاني: أنَّ تَمَثُّلَ النبي ﷺ ببيتٍ واحدٍ من الشِّعْر لا يلزم منه أنْ يكون عالماً بالشِّعْر، ولا شاعراً؛ لأنَّ إصابة القافيتين من الرَّجَز (٢) وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالماً بالشِّعْر، ولا يُسمى شاعراً باتفاق العقلاء. والذي نفى الله عن نبيه ﷺ هو العلم بالشِّعْر؛ بأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، والنبي ﷺ لم يكن موصوفاً بشيء من ذلك باتفاق. (٣) وهذا جواب: الزجاج، والطحاوي، والنحاس، والجصاص، وأبي العباس القرطبي. (٤) المذهب الثالث: أنَّ الذي قاله النبي ﷺ هو من الرَّجَز، والرَّجَز لا يُعَدُّ شِعْراً، والذي نفاه الله تعالى عن نبيه إنَّما هو الشِّعْر لا الرَّجَز.

стр. 415

وهذا مذهب: الخليل (١)، والأخفش الأوسط (٢)، وابن التين. وهو اختيار: البيهقي (٣)، والسهيلي (٤)، والعيني. (٥) أما الخليل فيرى أنَّ ما جاء من السَّجَع (٦) على جزأين فإنَّه لا يكون شِعْراً. (٧) وأما الأخفش فيرى أنَّ الرَّجَز لا يكون شِعْراً؛ لوقوعه من النبي ﷺ ، والله تعالى يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). (٨) وقال ابن التين: "لا يُطلق على الرَّجَز شِعْراً؛ إنَّما هو كلام مُرَجَّزٌ مُسَجَّع؛ بدليل أنَّه يُقال لصانعه: راجز، ولا يُقال: شاعر، ويُقال: أَنْشَدَ رجزاً، ولا يُقال: أَنْشَدَ شِعْراً". اهـ (٩) وقد اختلف العروضيون وأهل الأدب في الرَّجَز هل هو من الشِّعْر أم لا؟ مع اتفاق أكثرهم على أنَّ الرَّجَز لا يكون شِعْراً. (١٠) قال أبو العباس القرطبي: "والصحيح في الرَّجَز أنَّه من الشِّعْر، وإنَّما أخرجه من الشِّعْر من أشكل عليه إنشاد النبي ﷺ إياه فقال: لو كان شِعْراً لما عَلِمَه النبي ﷺ ؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) قال: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ من أنشد القليل من الشِّعْر، أو قَالَهُ، أو تَمَثَّلَ به على الندور، لم يستحق به اسم الشاعر، ولا يقال فيه إنَّه تعلم الشِّعْر، ولا يُنسب إليه، ولو كان ذلك للزم أن يُقال عن الناس كلهم شعراء، ويعلمون الشِّعْر؛ لأنَّهم لا يَخْلُونَ أنْ يعرفوا كلاماً موزوناً مرتبطاً على أعاريض الشِّعْر". اهـ (١١)

стр. 416

المذهب الرابع: أنَّ النبي ﷺ قال هذين البيتين مُتَمَثِّلاً، وهما من نظم غيره وليسا من نظمه. وهذا جواب ابن الجوزي، حيث يرى أنَّ كل ما نُقِلَ عن النبي ﷺ من الشِّعْر فهو لغيره، وإنَّما كان النبي ﷺ يتمثل به، وأما قول الشِّعْر من قِبَلِ نفسه ﷺ فإنَّه ممتنع عليه، ولا يتأتى منه. وأجاب عن قوله ﷺ : أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ باحتمال أنْ يكون النبي ﷺ سمعه بلفظ: أَنْتَ النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ فغيره وأضافه لنفسه. (١) وأما قوله ﷺ : هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ فقد جزم الطبري، وابن التين: بأنَّ هذا الرَّجَز من شِعْر عبد الله بن رواحة ﵁. (٢) قال الحافظ ابن حجر: "ويؤيد قولهما أنَّ ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٣) أورد هذين الشطرين لعبد الله بن رواحة، فذكر أنَّ جعفر بن أبي طالب لما قُتِلَ في غزوة مؤتة - بعد أن قُتِلَ زيدُ بن حارثة - أخذ اللواء عبدُ الله بن رواحة فقاتل فأُصِيبَ إصبعه فارتجز وجعل يقول هذين القسمين، وزاد: يَا نَفْس إِنْ لَا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذِي حِيَاض الْمَوْت قَدْ صَلِيت

стр. 417

وَمَا تَمَنَّيْت فَقَدْ لَقِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلهمَا هُدِيت قال: وذكر الواقدي (١): أنَّ الوليد بن الوليد بن المغيرة (٢) كان رافق أبا بصير (٣) في صلح الحديبية على ساحل البحر، ثم إنَّ الوليد رجع إلى المدينة، فعثر بالحرة، فانقطعت إصبعه، فقال هذين القسمين". اهـ (٤) المذهب الخامس: أنَّ النبي ﷺ قال: "لا كذبٌ" بتنوين الباء مرفوعة، وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة، وهذا ليس على وزن الشِّعْر. وقوله: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ إنما يكون شِعْراً موزوناً إذا كسرت التاء من "دميت" و "لقيت"، فإنْ سُكِّنَتْ لم يكن شِعْراً بحال؛ لأنَّ هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع (٥)، ولعل النبي ﷺ قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع. وهذا جواب: ابن العربي، والكرماني. (٦) وتعقبهما الحافظ ابن حجر فقال: "وقولهما هذا مردود؛ فإنه يصير من ضرب آخر من الشِّعْر، وهو من ضروب البحر الملقب بالكامل (٧)، وفي الثاني

стр. 418

زِحَافٌ جائز (١) ". اهـ (٢) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - أنَّ ما رُويَ عن النبي ﷺ من إنشاده لبعض الشِّعْر إنما قاله اتفاقاً، ولم يقصد به نظم الشِّعْر. وتَمَثُّل النبي ﷺ ببيتٍ واحدٍ من الشِّعْر لا يلزم منه أنْ يكون عالماً بالشِّعْر، لأنَّ الذي نفى الله عن نبيه ﷺ هو العلم بالشِّعْر، بأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، والنبي ﷺ لم يكن موصوفاً بشيء من ذلك باتفاق، فخرج أنْ يكون شاعراً أو عالماً بالشعر. (٣) وقد كانت سَجيَّتُه ﷺ تأبى صِناعةَ الشِّعْر طبعاً وشرعاً، فعن أبي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتَسَامَعُ عِنْدَهُ الشِّعْرُ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ" (٤). وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (٥). وكان ﷺ لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم، وإنْ أنشده زَحَفَهُ أو لم يُتِمَّه،

стр. 419

وهذا مما يؤكد أنَّ النبي ﷺ لم يكن يُحْسِنُ صناعة الشعر، ولا تقتضيه جِبلَّتُه، والله تعالى أعلم. (١) ****

стр. 420

المسألة [٢٧]: في أشد الناس عذاباً يوم القيامة . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)) [غافر: ٤٦]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية: (٥٤) ـ (٤٧): عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ". (١) (٥٥) ـ ( .. ): وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ". (٢) (٥٦) ـ (٤٨): وعَنْ هِشَام بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَخَالِد بْنِ الْوَلِيدِ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا". (٣)

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 425

(٥٧) ـ (٤٩): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنْ الْمُمَثِّلِينَ". (١)
следующие страницы →