(٥٨) ـ (٥٠): وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَشَدَّهُ عَذَابًا: إِمَامٌ جَائِرٌ". (١)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهرُ الآية الكريمة أَنَّ آل فرعون هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وأنه لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثل عذابهم؛ لأنَّ صيغة "أفْعَل" في قوله: "أشد" تفيد الاختصاص وعدم المشاركة (٢)، وأما الأحاديث فظاهرها أَنَّ ثَمَّةَ آخرين
стр. 427
يشاركون آل فرعون في العذاب الأشد، وأنَّ آل فرعون غير مختصين بهذا العذاب، وهذا يُوهِمُ التعارض بين الآية والأحاديث. (١)
المبحث الرابع: المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
لم يتجاوز العلماء في هذه المسألة مسلك الجمع بين الآية والأحاديث، ولهم في الجمع مذاهب:
الأول: أَنَّ الأشدِّية في الآية والأحاديث إنما هي باعتبار جنس المُعَذَّبين، لا باعتبار جنس العذاب، ففرعون أشد الناس عذاباً باعتبار المُدَّعين للإلهية، والمصورون أشد الناس عذاباً بالنسبة إلى غيرهم ممن لا يُصَوِّر، أو يُصَوِّرُ ولكن لغير العبادة، وهكذا.
وهذا مذهب: أبي العباس القرطبي، وأبي المحاسن الحنفي، والمناوي، وابن عثيمين. (٢)
قال أبو العباس القرطبي: "قوله: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ" يقتضي أنْ لا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على عذاب المصورين، وهذا يُعارضه قوله تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقوله ﷺ : "أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام ضلالة"، وأشباه ذلك، ووجه التوفيق: أَنَّ الناس الذين أُضيف إليهم أشد لا يُراد بهم كلُّ نوعِ الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المُتَوعّد عليه بالعذاب؛ ففرعون أشد المدعين للإلهية عذاباً، ومن يُقتدى به في ضلالة كفر أشد ممن يُقتدى به في
стр. 428
ضلالة بدعة، والمصورون الذين يصورون الأصنام للعبادة - كما كانت الجاهلية تفعل، وكما يفعل النصارى - أشد عذاباً ممن يصورها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب". اهـ (١)
وقال أبو المحاسن الحنفي: "الصواب أنْ لا تعارض بين الأحاديث والآية، بل بعضها مخصصٌ للبعض؛ لأن التعارض إنما يكون في النصوص التي لا يمكن الجمع بينها، ولو جاءت هذه الأحاديث في نسق واحد لما تناقض الكلام، ويكون معنى الآية والأحاديث: أشد الناس عذاباً من الكفار: آل فرعون، أو من قتل نبياً أو قتله نبي، وأشد الناس عذاباً من المسلمين إمام ضلالة، أو مُشَبِّهٌ بخلق الله ... ". اهـ (٢)
وقال ابن عثيمين: "الأشدية نسبية، يعني أَنَّ المصورين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس". اهـ (٣)
المذهب الثاني: أَنَّ الأشدية في الآية إنما هي باعتبار جنس العذاب، والمعنى: أَنَّ آل فرعون هم أشد الناس عذاباً بالنسبة لنوع العذاب الذي هم فيه.
وهذا مذهب الإمام أحمد. (٤)
المذهب الثالث: أَنَّ الآية ليس فيها ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، وغيرهم - ممن يستحق مثل هذا العذاب - مشارك لهم في العذاب الأشد.
ذكر هذا الجواب الحافظ ابن حجر. (٥)
стр. 429
المبحث الخامس: الترجيح:
التحقيق في هذه المسألة أَنَّ لفظ: "أشد الناس عذاباً"، لا يَثْبُتُ إلا في حديثي عائشة وابن مسعود، الواردين في المصورين، وأما بقية الأحاديث فلا يثبت فيها هذا اللفظ:
أما حديث خالد بن الوليد، وهشام بن حكيم، فقد اضطرب الرواة في لفظه، وأصح رواياته ما جاء بلفظ: "إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا"، وليس في هذا اللفظ ما يُوهِمُ مُعارضة الآية.
وأما حديث ابن مسعود الآخر فقد اختُلِفَ في وقفه ورفعه، وهذا الاختلاف يدل على عدم ضبط الرواة له، وهو موجب للتوقف في قبوله بهذا اللفظ.
وأما حديث أبي سعيد الخدري، فضعيف.
وقد بينت بالتفصيل ما في هذه الأحاديث من علل في أثناء تخريجي لها في أول المسألة.
والذي يظهر لي أنْ لا تعارض بين كون آل فرعون في أشد العذاب، وكون المصورين أشد الناس عذاباً يوم القيامة؛ ذلك أَنَّ الأحاديث ذكرت بعض أوصاف المستحقين للعذاب الأشد، وهم المصورون، والآية ذكرت أشخاصاً بعينهم، وهم آل فرعون، والعلة الموجبة لعذاب هؤلاء وهؤلاء هي مضاهاة الله، وهي التي استحقوا بها العذاب الأشد.
وقد أشارت بعض روايات أحاديث التصوير لهذه العلة؛ فعن عائشة ﵂ أَنَّ النبي ﷺ قال: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ (١)
стр. 430
بِخَلْقِ اللَّهِ". (١)، وجاء في حديثٍ آخر التنصيص على هذه العلة في قوله ﷺ : "قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً". (٢)، وهذه العلة - أعني المضاهاة - موجودة في كل من نازع الله في شيء من خصائصه؛ كمنازعته تعالى في ربوبيته، أو ألوهيته، أو في شيء من صفاته أو أفعاله، والعذاب الأشد عام لكل من وُجِدَ فيه شيء من هذه المنازعة، وفرعونُ داخلٌ في هذا الوعيد قطعاً، لادعائه الألوهية، والتي هي من أعظم خصائص الله تعالى، فهو مضاهٍ لله تعالى في هذه الدعوى، وكذا قوم فرعون فإنهم لما أطاعوه، واتخذوه إلهاً من دون الله، استحقوا العذاب الأشد.
وثمة أمرٌ آخر استحقوا به هذا الوعيد، وهو ما اشتهروا به من نحت التماثيل، وادعائهم القدرة على مضاهاة الله في صنعها؛ فإن هذا موجب لكونهم في العذاب الأشد، كما جاء في أحاديث التصوير.
ومما يؤكد أَنَّ العلة في الأحاديث هي المضاهاة: أَنَّ الوعيد الوارد في أحاديث التصوير يمتنع حمله على ظاهره في عموم المسلمين (٣)؛ لأن من فعل التصوير من المسلمين - مع علمه بتحريمه - إنما يكون فاعل كبيرة فقط، فكيف يكون عذابه أشد من عذاب الكفار والمنافقين، ومعه أصل التوحيد؟ فدل على أَنَّ هذا الوعيد الأشد إنما هو في حق من ادعى القدرة على مضاهاة الله في خلقه، فإنه يكفر بذلك، ويكون مستحقاً للعذاب الأشد، وقد أشار إلى ذلك
стр. 431
الإمام الطبري، فقال: "المراد بالحديث من يُصَوِّرُ ما يعبد من دون الله وهو عارف بذلك، قاصداً له؛ فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أنْ يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصياً بتصويره فقط". اهـ (١)
***
لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ". (١)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والحديث:
ظاهِرُ الآيةِ الكريمةِ أَنَّ كل ما يقوله النبي ﷺ فهو وحي من الله تعالى، وأما الحديث فيُوهِمُ خلاف هذا الظاهر؛ إذ فيه أَنَّ ما قاله النبي ﷺ في قضية تأبير النخل إنما كان عن اجتهاد منه ﷺ ، بدليل تراجعه عن رأيه هذا لما تبين له خِلافُه. (٢)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والحديث:
أجمع المسلمون قاطبة على أَنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولاسيما خاتمهم محمد ﷺ معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله من أحكام، كما قال : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤))، فنبينا محمد ﷺ معصوم في كل ما يبلغه عن الله تعالى من الشرائع، قولاً، وعملاً، وتقريراً. (٣)
واتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في أمور الدنيا. (٤)
واختلفوا في جواز الاجتهاد له في أمور الدين على مذهبين:
الأول: الجواز، وعلى هذا المذهب عامة أهل الأصول، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وعامة أهل الحديث.
المذهب الثاني: المنع، وهو مذهب الأشعرية، وأكثر المعتزلة،
стр. 434
والمتكلمين. (١)
وأما حديث الباب - الذي يُوهِمُ ظاهره التعارض مع الآية - فإنَّ للعلماء في دفع التعارض بينه وبين الآية مسلكاً واحداً، وهو مسلك الجمع بينهما، والذي عليه جماهير أهل العلم من مفسرين ومحدثين - ولم أقف على قولٍ بخلافه -: أَنَّ معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)) أنَّ النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)) يعني أَنَّ كل ما ينطق به من أمور الدين فهو وحي من الله؛ فإنَّ النبي ﷺ معصومٌ عن الخطأ في كل ما يُبَلِّغُه عن الله تعالى من أمور الدين، كالأحكام الشرعية، وإخباره عن أمور الغيب والأمم الماضية، وأما قضية التأبير الواردة في حديث الباب فهي من أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدين، ورأيه ﷺ في أمور الدنيا كغيره من الناس، فلا يمتنع وقوع الخطأ منه، ولا يَقْدحُ ذلك في معجزته ﷺ ، ولا يقلل من شأنه.
وممن قال بهذا الجواب:
الطحاوي، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، والبيضاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والمناوي، والآلوسي، والشنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين. (٢)
قال ابن الجوزي: اعلم أَنَّ رسول الله ﷺ كان يتكلم بأشياء على سبيل الظن
стр. 435
والقياس، والظن والقياس دليل معمول عليه، ولا يُنْسَبُ إلى الخطأ من عمل على دليل، وقوله في حديث التأبير: "مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا"، وقوله: "إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ"، يدل على أنه قاله بالظن، ولذلك اعتذر عنه. اهـ (١)
وقال الشنقيطي: "التحقيق في هذه المسألة أَنَّ النبي ﷺ ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوصه؛ كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك، قبل أنْ يَتَبيّنَ صادقهم من كاذبهم (٢)، وكأسْرِه لأسارى بدر (٣)،
وكأمره بترك تأبير النخل، وكقوله: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ" (٤)، إلى غير ذلك، وأن
стр. 436
معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)) لا إشكال فيه؛ لأنَّ النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)) يعني أَنَّ كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله، لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء، والعلم عند الله تعالى". اهـ (١)
المبحث الخامس: الترجيح:
ما ذكره الجمهور في هذه المسألة هو المتعين جمعاً بين الآية والحديث، وحسب اطلاعي فإني لم أقف على قولٍ بخلافه؛ فكان له حكم الاتفاق.
وأمَّا أقوال النبي ﷺ وأفعاله فتحرير القول فيها أنها على قسمين:
الأول: ما كان في أمر الشريعة والتبليغ عن الله تعالى، وهذا له حالتان:
١ - أنْ يكون بوحي من الله تعالى، وهذا لا مجال للخطأ فيه، وهو الذي يسميه العلماء الخبر المعصوم، وعليه تُحمل الآية الواردة في المسألة.
٢ - أنْ يكون باجتهاد منه ﷺ ، وهذا لا يخلو إمَّا أنْ يُقرَّ عليه، أو يُنَبَّه إلى الصواب، وهو في كلا الحالتين في حكم الوحي؛ أما الحالة الأولى فلإقرار الله له، وأما الثانية فلتصويب الله إياه.
القسم الثاني: ما كان من أمور الدنيا، وهذا حكمه أنْ لا تعلق له بالرسالة والتبليغ، بل النبي ﷺ فيه كسائر الناس، في جواز الخطأ والصواب عليه، وعليه يحمل ما جاء في قضية تأبير النخل، وغيرها من الحوادث التي وقعت باجتهاد منه ﷺ . (٢)
ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ في حديث التأبير: "إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا
стр. 437
تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ". (١) وفي رواية: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ". (٢) وفي رواية أخرى: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ". (٣) فهذا نصٌ جَلِيٌّ منه ﷺ في جواز الخطأ عليه في أمور الدنيا، وأنَّ ما قاله في قضية التأبير إنما كان باجتهادٍ محضٍ منه ﷺ ، ولم يكن بوحي من الله تعالى، وهو نَصُّ قولنا، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 438
المسألة [٢٩]: في انتفاع الأموات بسعي الأحياء .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض مع الآية:
(٦١) ـ (٥٢): عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ (١) نَفْسُهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا". (٢)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الآية والأحاديث:
ظاهر الآية الكريمة أنَّ الميت ليس له من ثواب الأعمال إلا ما سعى إليه بنفسه في حياته، وأَنَّه لو أَهْدَى إليه أحدٌ من الأحياء ثواب عمله لم ينتفع به، وأما الأحاديث فظاهرها يدل على انتفاع الميت بالصدقة، والصوم، والحج، وأنَّ ثواب هذه الأعمال يصل إلى الميت، إذا أُهْدِيَتْ إليه من الأحياء، وهذا يُوهِمُ الاختلاف والتناقض بين الآية والأحاديث. (١)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث:
للعلماء في دفع التعارض بين الآية والأحاديث مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بين الآية والأحاديث:
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الجمع على مذاهب:
الأول: مذهب إعمال حديث الصدقة، وتأويل الآية.
وهذا محل إجماع بين علماء أهل السنة، حيث أجمعوا على وصول ثواب الصدقة إلى الميت مطلقاً، سواء كانت من ولده أو من غيره، حكى الإجماع: ابن عبد البر، والنووي، وغيرهم. (٢)
стр. 445
الثاني: مذهب إعمال حديث الصوم، وتأويل الآية.
وهذا مذهب الإمام أحمد (١)، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث، فقال: "قد رُوي في الصوم عن الميت شيء؛ فإنْ كان ثابتاً صِيمَ عنه، كما يُحَجُّ عنه". اهـ (٢)
وهو قول: الربيع بن أنس، وطاووس، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، وأبي ثور، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد. (٣)
واختاره: ابن خزيمة، والنحاس، وابن حبان، وابن حزم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن عطية، وابن الجوزي، والفخر الرازي، وابن قدامة، وأبو العباس القرطبي، وعز الدين بن عبد السلام، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والآلوسي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٤)
стр. 446
حيث ذهب هؤلاء إلى وصول ثواب الصوم إلى الميت، على اختلاف بينهم في نوع الصوم، فبعضهم أطلق فيه، فجعله شاملاً لصوم النذر، وقضاء رمضان، والكفارات الواجبة، وغيرها، والبعض الآخر قيَّدَه بالنذر، فلا يُصام عن الميت إلا ما نذره في حياته، ولم يَفِ به.
الثالث: مذهب إعمال حديث الحج، وتأويل الآية.
وهذا مذهب: مالك في رواية (١)، وأبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤).
ورُوي عن عكرمة، والربيع. (٥)
واختاره: ابن خزيمة، والنحاس، وابن حبان، والخطابي، ومكي بن أبي طالب - إلا أَنَّه اشترط أنْ يوصي الميت - وابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وابن قدامة، وأبو العباس القرطبي، وعز الدين بن عبد السلام، وأبو عبد الله القرطبي،
стр. 447
والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والآلوسي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (١)
ومذهب هؤلاء جميعاً جواز الحج عن الميت، وأَنَّ ثواب الحج يصل إليه، وينتفع به.
أجوبة القائلين بإعمال الأحاديث عن الآية الكريمة:
اختلف القائلون بإعمال أحاديث الصدقة والصوم والحج، في الجواب عن قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩))، فذكروا أجوبة، منها:
الأول: تخصيص الآية بالأحاديث، فالآية دلَّت بعمومها على أَنَّ أحداً لا ينتفع بسعي غيره، إلا أَنَّ هذا العموم مخصوصٌ بالأحاديث الدالة على انتفاع الميت بالصدقة، والصوم، والحج.
ذكر هذا الجواب: ابن خزيمة، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن قدامة، وعز الدين بن عبد السلام، والنووي، والحافظ ابن حجر، والعيني، والشوكاني. (٢)
стр. 448
الجواب الثاني: أَنَّ الآية إنما دلَّت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تَدُل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأَنَّه لم يقل: "وأنْ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى"، وإنما قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩]، وبين الأمرين فرقٌ ظاهر؛ لأَنَّ سعي الغير ملكٌ لساعيه، إنْ شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإنْ شاء أبقاه لنفسه. (١)
ذكر هذا الجواب: النحاس، وابن عطية، والفخر الرازي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والآلوسي، وعبد الرحمن السعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (٢)
الجواب الثالث: أَنَّ حكم الآية مُختصٌ بقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سُعِيَ لهم، كما دلَّت عليه أحاديث الباب.
قاله عكرمة. (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا ضعيف؛ لأَنَّ الله تعالى إنما ذكر هذا ليختبر به هذه الأمة، ولِيَعْلَمُوا أَنَّ هذا حكمٌ شاملٌ، ولو كان هذا مخصوصاً بقوم إبراهيم وموسى لم تقم به حجةٌ على أمة محمد ﷺ ، وجميع
стр. 449
المسلمين يحتجُّون بما في هذا، فمن أين لهم أَنَّ تلك الأمم لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم بعد الموت .... ، وما زال الدعاء والشفاعة نافِعَين لجميع الأمم، فإبراهيم وموسى والأنبياء قد دعوا للصالحين من قومهم، وهو نافع لهم، وليس من سعيهم، والملائكة يستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، ممن مضى ومن بقي". اهـ (١)
الجواب الرابع: أَنَّ المراد بالإنسان في الآية: الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سُعيَ له، كما دلت عليه أحاديث الباب.
قاله الربيع بن أنس. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا أيضاً ضعيف جداً؛ فإنَّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختصُّ به الكافر، وقوله بعده: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩] الآيات، يتناول المؤمن قطعاً، وهو ضمير الإنسان. بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أَنَّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقه المؤمن بخصوصه؛ فهو بإيمانه ومن سعيه". اهـ (٣)
الجواب الخامس: أَنَّ الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١].
رُوي ذلك عن ابن عباس ﵄ من طريق علي بن أبي طلحة - في قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) - قال ابن عباس: "فأنزل الله بعد هذا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١]، قال: فأدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة". (٤)
стр. 450
واعتُرِضَ: بأَنَّ لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. (١)
إلا أَنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى أَنَّ هذا المروي عن ابن عباس يدخل في النسخ، حيث قال: "اللفظ المنقول عن ابن عباس: رواه علي بن أبي طلحة الوالبي، عنه - وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس - قال: "فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة"، ولم يذكر نسخاً، ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: هو المذكور في قوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج: ٥٢]، وهو فَهْمُ معنى الآية على غير الصواب والمراد بها.
فقد بيَّن ابن عباس أَنَّه لم يُرِدْ بهذه الآية أَنَّ الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنَّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهِمَ منها، لا لما دلَّت عليه، وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه من لم يفهمه.
قال: وقد نقل البغوي هذا عن ابن عباس، وقال: "هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة" (٢)، ولم يقل ابن عباس هذا، وما أكثر ما يُحَرَّف على ابن عباس ويُغْلَطُ عليه". اهـ (٣)
الجواب السادس: أَنَّ قوله: (مَا سَعَى)، بمعنى: ما نوى.
قاله أبو بكر الوراق (٤). (٥)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا ليس قولاً في محل الاشتباه، وإنما هو تفسير للفظ السعي، والسعي هو: العمل ونيَّة الخير، يُثاب عليها وإنْ لم يعملها، وأما إذا هَمَّ بالشر فلا يُعاقب عليه إلا أنْ يعمله، والإنسان قد ينتفع
стр. 451
بما لم ينوِ، كانتفاعه بالصدقة عنه بعد موته، والحج، وغير ذلك". اهـ (١)
الجواب السابع: أَنَّ المراد بالآية أَنَّ الكافر ليس له من الخير إلاّ ما عمله، فيثاب عليه في دار الدنيا، حتى لا يبقى له في الآخرة خير.
ذكره الثعلبي. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا لا يدل عليه قوله: (لِلْإِنْسَانِ)، فليس في هذا اللفظ تخصيص الكافر، ولا تخصيص الجزاء بالدنيا". (٣)
الجواب الثامن: أَنَّ اللام في الآية بمعنى "على"، والتقدير: ليس على الإنسان إلا ما سعى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول من أرذل الأقوال؛ فإنه قلبٌ لمعنى الآية". اهـ (٤)
الجواب التاسع: أَنَّه ليس له إلا سعيه، غير أَنَّ الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة، وولد يترحم عليه، وصديق يدعو له، وتارة يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين؛ فيكون ذلك سبباً حصل بسعيه.
حكاه والذي قبله أبو الحسن ابن الزاغوني (٥). (٦)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول أمثل من غيره، وقد استحسنه ورجحه جدِّي أبو البركات، وهو أيضاً ضعيف؛ فإنه قد ينتفع بعمل غيره من لم يُحَصِّلْ سبباً، كأولاد المؤمنين". اهـ (٧)
الجواب العاشر: أَنَّه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، وأما من باب الفضل فجائز أنْ يزيده الله ما يشاء.
стр. 452
قاله الحسين بن الفضل (١). (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهو أمثل من غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يُفَسِّر الآية؛ فإنَّ قوله: (لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ) نفي عام، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنَّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه، من جهة فضله". اهـ (٣)
الجواب الحادي عشر: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل (٤)، قال: "الجواب الجيد عندي أنْ يُقال: الإنسان - بسعيه وحسن عشرته - اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس؛ فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه، كما قال النبي ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ". (٥) ". اهـ (٦)
الجواب الثاني عشر: وهو جواب أبي عبد الله القرطبي، قال: "ويُحتمل أنْ يكون قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩] خاص في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "قَالَ اللَّهُ : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً". (٧) ". اهـ (٨)
الرابع: مذهب إعمال الآية، وتخصيص الأحاديث.
وهذا مذهب الشوكاني، وتبعه الألباني، حيث ذهبا إلى تخصيص الأحاديث بالآية.
стр. 453
أما الشوكاني فاقتصر على تخصيص حديث الصدقة دون بقية الأحاديث، وأما الألباني فيرى تخصيص جميع الأحاديث.
قال الشوكاني - بعد أنْ أورد الأحاديث الدالة على وصول ثواب الصدقة إلى الميت - قال: "وأحاديث الباب تدل على أَنَّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما، بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيُخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩]، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أَنَّ ولد الإنسان من سعيه، فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أَنَّه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها". اهـ (١)
وقال الألباني - بعد أنْ ساق كلام الشوكاني -: "وهذا هو الحق الذي تقتضيه القواعد العلمية، أَنَّ الآية على عمومها، وأَنَّ ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد؛ لأَنَّه من سعيه، بخلاف غير الولد". اهـ (٢)
لكن يَرِدُ على قولهما ما حُكي من الإجماع على وصول ثواب الصدقة إلى الميت مطلقاً، سواء كانت من ولده أو من غيره. (٣)
وقد ناقش الألباني حكاية الإجماع، ورجح عدم صحته، حيث قال: "نقل النووي وغيره الإجماع على أَنَّ الصدقة تقع عن الميت، ويصله ثوابها، هكذا قالوا: (الميت)، فأطلقوه ولم يقيدوه بالوالد، فإنْ صح هذا الإجماع كان مُخصصاً للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيما يتعلق بالصدقة (٤)،
стр. 454
ويظل ما عداها داخلاً في العموم، كالصيام (١)، وقراءة القرآن، ونحوهما من العبادات، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور، وذلك لأمرين: الأول: أَنَّ الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي عُلِمَت من الدين بالضرورة، كما حقق ذلك العلماء الفحول ... ، وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد، في كلمته المشهورة في الرد على من ادعى الإجماع ....
الثاني: أنني سَبَرْتُ كثيراً من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها، فوجدت الخلاف فيها معروفاً! بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها، ولو شئت أنْ أورد الأمثلة على ذلك لطال الكلام، وخرجنا به عما نحن بصدده". اهـ (٢)
الخامس: مذهب إعمال الآية، وتخصيص حديث الحج.
وهذا مذهب الإمام مالك في رواية، حيث حُكيَ عنه أَنَّه قال: لا يحج أحدٌ عن أحدٍ مطلقاً، سواء أوصى الميت أو لم يوصِ.
وأجاب عن حديث الحج، بأَنَّه مخصوص بالجهنية التي سألت النبي ﷺ عن ذلك. (٣)
المسلك الثاني: مسلك الترجيح بين الآية والأحاديث:
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في الترجيح على مذاهب:
الأول: مذهب إعمال الآية، ورد حديث الصوم.
وهذا مذهب الإمام مالك (٤)،
стр. 455
وأبي حنيفة (١)، والشافعي في الجديد (٢).
وحكاه القاضي عياض، والنووي: مذهب الجمهور (٣). ونقله ابن المنذر عن: ابن عمر (٤)، وابن عباس، وعائشة (٥)، ورواية عن الحسن البصري، والزهري. (٦)
واختار هذا المذهب: الطحاوي، والخطابي، وابن العربي، والقاضي عياض، والشاطبي، والعيني. (٧)
ومذهب هؤلاء: أَنَّه لا يصوم أحد عن أحد، لا في نذرٍ ولا في غيره، ومن مات وعليه صيام فإنه يُطعم عنه فقط.
أما المالكية فأعلوا حديث الصوم بدعوى الاضطراب في إسناده، وأَنَّه خلاف عمل أهل المدينة. (٨)
стр. 456
قال أبو العباس القرطبي: "إنما لم يقل مالك بحديث ابن عباس؛ لأمور: أحدها: أَنَّه لم يَجِدْ عليه عمل أهل المدينة. الثاني: أَنَّه حديثٌ اختُلِفَ واضطُرِبَ في إسناده. الثالث: أَنَّه رواه البزار وقال في آخره: "لمن شاء" (١). وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به. الرابع: أَنَّه مُعارضٌ بقوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، ولقوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩]. الخامس: أَنَّه مٌعارَضٌ بما خرَّجه النسائي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أَنَّه قال: "لا يُصلي أحد عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة" (٢). السادس: أَنَّه مُعارِضٌ للقياس الجلي، وهو أَنَّه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها، فلا تُفعل عمن وجب عليه، كالصلاة، ولا يُنقضُ هذا بالحج؛ لأَنَّ للمال فيه مدخلاً". اهـ (٣)
وأما الحنفية فأعلوا الحديث بما رُوي عن عائشة أَنَّها سُئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، فقالت: "يطعم عنها" (٤)،
وعن عائشة قالت: "لا تصوموا
стр. 457
عن موتاكم، وأطعموا عنهم" (١)، وبما رُوي عن ابن عباس قال - في رجل مات وعليه صوم رمضان - قال: "يُطعم عنه ثلاثون مسكيناً" (٢)،
وروى النسائي
стр. 458
عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (١). قالوا: فلما أفتى ابن عباس، وعائشة بخلاف ما روياه، دل ذلك على أَنَّ العمل على خلاف ما روياه. (٢)
وتُعقِّبَ: "بأن الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عباس، فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي عن عائشة، وهو ضعيف جداً، والمعتبر عند أهل الأصول أَنَّ ما رواه الراوي مقدم على ما رآه، لاحتمال أنْ يُخالف ذلك لاجتهادٍ مستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحقق من صحة الحديث، لم يُترك المحقق للمظنون". (٣)
وأجيب: "بأَنَّ الاحتمال المذكور باطل؛ لأَنَّه لا يليق بجلالة قدر الصحابي أنْ يُخالف ما رواه عن النبي ﷺ لأجل اجتهاده فيه، وحاشا الصحابي أنْ يجتهد عند النص بخلافه؛ لأَنَّه مصادمة للنص، وهذا لا يقال في حق الصحابي، وإنما فتواه بخلاف ما رواه إنما يكون لظهور نسخ عنده". (٤)
وأما الشافعي - في الجديد - فأعل حديث ابن عباس بأَنَّ ذِكْرَ الصيام فيه غير محفوظ، حيث قال: "فإنْ قيل: أفرُوي عن رسول الله ﷺ أَنَّه أمر أحداً أنْ يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس عن النبي ﷺ أَنَّه يصوم عنه وليه (٥). فإنْ قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل: لأَنَّ الزهري حدَّث عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نذراً ولم يسمه. مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس، فلما جاء غيره عن ابن عباس، بغير ما في حديث عبيد الله، أشبه أنْ لا يكون محفوظاً". اهـ (٦)
стр. 459
قال البيهقي: "يعني به الحديث الذي أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، وغيرهما، قالوا: ثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: "أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر. فقال النبي ﷺ : اقضه عنها" (١).
قال البيهقي: "وهذا حديث ثابت، قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، من حديث مالك، وغيره، عن الزهري؛ إلا أَنَّ في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أَنَّ امرأة سألت". وكذلك رواه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس. وفي رواية عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه عكرمة، عن ابن عباس. ثم رواه بريدة بن حصيب، عن النبي ﷺ . فالأشبه أنْ تكون القصة - التي وقع السؤال فيها عن الصوم نصاً - غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقاً، كيف وقد رُوي عن عائشة، عن النبي ﷺ ، بإسناد صحيح، النص في جواز الصوم عن الميت". (٢)
قال البيهقي: "وقد رأيتُ بعض أصحابنا يُضَعِّفُ حديث ابن عباس، بما رُوي عن يزيد بن زريع، عن حجاج الأحول، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، أَنَّه قال: "لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه" (٣)، وبما روينا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عباس: في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان، وصيام شهر نذر (٤). وفي رواية ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ورواية أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أَنَّه قال - في صيام شهر رمضان -: يُطعم عنه، وفي النذر يقضي عنه وليه. (٥)
стр. 460
قال البيهقي: ورواية ميمون، وسعيد توافق الرواية عنه، عن النبي ﷺ ، في النذر؛ إلا أَنَّ الروايتين الأوليين تخالفانها.
قال: ورأيتُ بعضهم ضَعَّفَ حديث عائشة بما رُوي عن عمارة بن عمير، عن امرأة، عن عائشة - في امرأة ماتت وعليها الصوم - قالت: "يُطعم عنها" (١). ورُوي من وجه آخر عن عائشة أَنَّها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم". (٢) وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفاً؛ فمن يُجَوِّز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما رُوي عنهما في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسناداً، وأشهر رجالاً، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي ﵀ على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها - إنْ شاء الله تعالى - وبالله التوفيق". اهـ (٣)
وقد نقل النوويُ كلام البيهقي بطوله ثم قال: "الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان، والنذر، وغيره من الصوم الواجب; للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا مُعارض لها، ويتعين أنْ يكون هذا مذهب الشافعي; لأَنَّه قال: إذا صَحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له. وقد صَحَّت في المسألة أحاديث كما سبق. والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه، كما سبق، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة، وحديث عائشة، لم يُخالف ذلك، كما قال البيهقي، فيما قدمناه عنه في آخر كلامه، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة، فيتعين العمل بها، لعدم المعارض لها". اهـ (٤)
وللإمام ابن القيم كلام طويل في مناقشة القائلين برد الحديث، والإجابة عن اعتراضاتهم، حيث قال في كتابه "الروح" (٥):
"وأما رَدُّ حديث رسول الله ﷺ وهو قوله: "من مات وعليه صيام صام