قال أبو العباس القرطبي: "إنما لم يقل مالك بحديث ابن عباس؛ لأمور: أحدها: أَنَّه لم يَجِدْ عليه عمل أهل المدينة. الثاني: أَنَّه حديثٌ اختُلِفَ واضطُرِبَ في إسناده. الثالث: أَنَّه رواه البزار وقال في آخره: "لمن شاء" (١). وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به. الرابع: أَنَّه مُعارضٌ بقوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، ولقوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩]. الخامس: أَنَّه مٌعارَضٌ بما خرَّجه النسائي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أَنَّه قال: "لا يُصلي أحد عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة" (٢). السادس: أَنَّه مُعارِضٌ للقياس الجلي، وهو أَنَّه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها، فلا تُفعل عمن وجب عليه، كالصلاة، ولا يُنقضُ هذا بالحج؛ لأَنَّ للمال فيه مدخلاً". اهـ (٣)
وأما الحنفية فأعلوا الحديث بما رُوي عن عائشة أَنَّها سُئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، فقالت: "يطعم عنها" (٤)،
وعن عائشة قالت: "لا تصوموا
стр. 457
عن موتاكم، وأطعموا عنهم" (١)، وبما رُوي عن ابن عباس قال - في رجل مات وعليه صوم رمضان - قال: "يُطعم عنه ثلاثون مسكيناً" (٢)،
وروى النسائي
стр. 458
عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (١). قالوا: فلما أفتى ابن عباس، وعائشة بخلاف ما روياه، دل ذلك على أَنَّ العمل على خلاف ما روياه. (٢)
وتُعقِّبَ: "بأن الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عباس، فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي عن عائشة، وهو ضعيف جداً، والمعتبر عند أهل الأصول أَنَّ ما رواه الراوي مقدم على ما رآه، لاحتمال أنْ يُخالف ذلك لاجتهادٍ مستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحقق من صحة الحديث، لم يُترك المحقق للمظنون". (٣)
وأجيب: "بأَنَّ الاحتمال المذكور باطل؛ لأَنَّه لا يليق بجلالة قدر الصحابي أنْ يُخالف ما رواه عن النبي ﷺ لأجل اجتهاده فيه، وحاشا الصحابي أنْ يجتهد عند النص بخلافه؛ لأَنَّه مصادمة للنص، وهذا لا يقال في حق الصحابي، وإنما فتواه بخلاف ما رواه إنما يكون لظهور نسخ عنده". (٤)
وأما الشافعي - في الجديد - فأعل حديث ابن عباس بأَنَّ ذِكْرَ الصيام فيه غير محفوظ، حيث قال: "فإنْ قيل: أفرُوي عن رسول الله ﷺ أَنَّه أمر أحداً أنْ يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس عن النبي ﷺ أَنَّه يصوم عنه وليه (٥). فإنْ قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل: لأَنَّ الزهري حدَّث عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نذراً ولم يسمه. مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس، فلما جاء غيره عن ابن عباس، بغير ما في حديث عبيد الله، أشبه أنْ لا يكون محفوظاً". اهـ (٦)
стр. 459
قال البيهقي: "يعني به الحديث الذي أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، وغيرهما، قالوا: ثنا أبو العباس، أنبأ الربيع، أنبأ الشافعي، أنبأ مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: "أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر. فقال النبي ﷺ : اقضه عنها" (١).
قال البيهقي: "وهذا حديث ثابت، قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، من حديث مالك، وغيره، عن الزهري؛ إلا أَنَّ في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أَنَّ امرأة سألت". وكذلك رواه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس. وفي رواية عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه عكرمة، عن ابن عباس. ثم رواه بريدة بن حصيب، عن النبي ﷺ . فالأشبه أنْ تكون القصة - التي وقع السؤال فيها عن الصوم نصاً - غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقاً، كيف وقد رُوي عن عائشة، عن النبي ﷺ ، بإسناد صحيح، النص في جواز الصوم عن الميت". (٢)
قال البيهقي: "وقد رأيتُ بعض أصحابنا يُضَعِّفُ حديث ابن عباس، بما رُوي عن يزيد بن زريع، عن حجاج الأحول، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، أَنَّه قال: "لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه" (٣)، وبما روينا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عباس: في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان، وصيام شهر نذر (٤). وفي رواية ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ورواية أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أَنَّه قال - في صيام شهر رمضان -: يُطعم عنه، وفي النذر يقضي عنه وليه. (٥)
стр. 460
قال البيهقي: ورواية ميمون، وسعيد توافق الرواية عنه، عن النبي ﷺ ، في النذر؛ إلا أَنَّ الروايتين الأوليين تخالفانها.
قال: ورأيتُ بعضهم ضَعَّفَ حديث عائشة بما رُوي عن عمارة بن عمير، عن امرأة، عن عائشة - في امرأة ماتت وعليها الصوم - قالت: "يُطعم عنها" (١). ورُوي من وجه آخر عن عائشة أَنَّها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم". (٢) وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفاً؛ فمن يُجَوِّز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما رُوي عنهما في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسناداً، وأشهر رجالاً، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي ﵀ على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها - إنْ شاء الله تعالى - وبالله التوفيق". اهـ (٣)
وقد نقل النوويُ كلام البيهقي بطوله ثم قال: "الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان، والنذر، وغيره من الصوم الواجب; للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا مُعارض لها، ويتعين أنْ يكون هذا مذهب الشافعي; لأَنَّه قال: إذا صَحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له. وقد صَحَّت في المسألة أحاديث كما سبق. والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه، كما سبق، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة، وحديث عائشة، لم يُخالف ذلك، كما قال البيهقي، فيما قدمناه عنه في آخر كلامه، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة، فيتعين العمل بها، لعدم المعارض لها". اهـ (٤)
وللإمام ابن القيم كلام طويل في مناقشة القائلين برد الحديث، والإجابة عن اعتراضاتهم، حيث قال في كتابه "الروح" (٥):
"وأما رَدُّ حديث رسول الله ﷺ وهو قوله: "من مات وعليه صيام صام
стр. 461
عنه وليه" - بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول الله ﷺ ، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه ....
فأما قول الإمام مالك: "لا يصوم أحد عن أحد، وهو أمر مُجمعٌ عليه عندنا، لا خلاف فيه" (١)، فمالك ﵀ لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكى قول أهل المدينة، فيما بلغه، ولم يبلغه خلافٌ بينهم، وعدم اطلاعه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطاً لحديث رسول الله ﷺ ، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة، الذين لم تُضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللهُ ورسولُه أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: ٥٩].
وأما قولهم: إنَّ ابن عباس ﵄ هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (٢)، فغاية هذا أنْ يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة، وفتواه غير معصومة، ويجوز أنْ يكون نسي الحديث، أو تأوَّله، أو اعتقد له معارضاً راجحاً في ظنِّه، أو لغير ذلك من الأسباب، على أَنَّ فتوى ابن عباس غير مُعارضة للحديث؛ فإنه أفتى في رمضان أَنَّه لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أَنَّه يصام عنه (٣)، وليس هذا بمخالف لروايته، بل حَمَلَ الحديث على النذر. ثم إنَّ حديث: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، هو ثابت من رواية عائشة ﵂، فهب أَنَّ ابن عباس خالفه، فكان ماذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رَدُّ قول ابن عباس برواية عائشة، أولى من رد روايتها بقوله. وأيضاً فإنَّ ابن عباس قد اختُلِفَ عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.
стр. 462
وأما قولهم: إنه حديث اختلف في إسناده، فكلام مجازفٌ فيه، ولا يُقبل من قائله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيحين، ولم يُختلف في إسناده.
وقولهم: إنه مُعارض بنص القرآن، وهو قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩] إساءة أدب في اللفظ، وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ الله رسوله أنْ تُعارض سُنَّته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها.
وقولهم: إنه مُعارض بما رواه النسائي، عن النبي ﷺ أَنَّه قال: "لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه كل يوم مداً من حنطة" (١)، فخطأ قبيح؛ فإنَّ النسائي رواه هكذا: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄ قال: "لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة"، هكذا رواه قول ابن عباس، لا قول رسول الله ﷺ ، فكيف يُعارض قول رسول الله ﷺ بقول ابن عباس، ثم يُقدَّم عليه، مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس ﵄، ورسول الله ﷺ لم يقل هذا الكلام قط، وكيف يقوله وقد ثبت عنه في الصحيحين أَنَّه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢)، وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه (٣) -: "أَنَّ امرأة قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: صومي عن أمك".
وأما قولهم: إنه مُعارض بحديث ابن عمر ﵄: "من مات وعليه صوم رمضان، يُطعم عنه" (٤)، فمن هذا النمط، فإنه حديث باطل على رسول الله ﷺ .
стр. 463
قال البيهقي: "حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "من مات وعليه صوم رمضان، يطعم عنه"، لا يصح، ومحمد بن عبد الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع، عن ابن عمر ﵄ من قوله". (١)
قال ابن القيم: وأما قولهم: إنه مُعارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة؛ فإنَّ أحداً لا يفعلها عن أحد، فلعمر الله إنه لقياس جلي البطلان والفساد، لرد سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة له، وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يُهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيامٍ أو صدقةٍ أو صلاة، ولعمر الله إنَّ الفرق بينهما أوضح من أنْ يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يُهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله؛ على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.
قال: وأما كلام الشافعي ﵀ في تغليط راوي حديث ابن عباس ﵄
стр. 464
أَنَّ نذر أم سعد كان صوماً، فقد أجاب عنه أنصر الناس له، وهو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه .... ".
ثم نقل ابن القيم كلام البيهقي بطوله - وقد تقدم (١) - وقال: "وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال النبي ﷺ : "لو كان عليها دين، أكنتَ قاضيه عنها"؟ قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أنْ يُقضى". (٢)
ورواه أبو خيثمة، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش، فذكره. (٣)
ورواه النسائي عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبثر، عن الأعمش، فذكره. (٤)
قال ابن القيم: فهذا غير حديث أم سعد، إسناداً ومتناً؛ فإنَّ قصة أم سعد، رواها مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ -أَنَّ سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي ﷺ : "اقضه عنها" (٥)، وهكذا أخرجاه في الصحيحين، فهب أَنَّ هذا هو المحفوظ في هذا الحديث، أَنَّه نذر مطلق لم يُسمَّ، فهل يكون هذا في حديث الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير؟ على أَنَّ ترك استفصال النبي ﷺ لسعد في النذر - هل كان صلاة أو صدقة أو صياماً، مع أَنَّ الناذر قد ينذر هذا وهذا - يدل على أَنَّه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة، وإلا لقال له: ما هو النذر؟ فإنَّ النذر إذا انقسم إلى قسمين:
стр. 465
نذرٌ يقبل القضاء عن الميت، ونذر لا يقبله، لم يكن بُدُّ من الاستفصال". اهـ كلام ابن القيم.
الثاني: مذهب إعمال الآية، ورد جميع الأحاديث.
وهذا مذهب المعتزلة، حيث ذهبوا إلى أَنَّه لا يصل إلى الميت شيء ألبتة، لا دعاء، ولا صدقة، ولا صوم، ولا حج، ولا غيره، أخذاً بظاهر الآية الكريمة.
وأجابوا عن الأحاديث: بأَنَّها أخبار آحاد، وهي عندهم مردودة إذا عارضت المتواتر القطعي، ومُعارض هذه الأحاديث عندهم: هو قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)). (١)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو وصول ثواب الصدقة والصوم والحج إلى الميت مطلقاً، سواء كان ذلك من ولد الميت أو من غيره.
وأما الآية فأحسن الأجوبة عنها: "أَنَّها إنما دلَّت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأَنَّه لم يقل: "وأنْ لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى"، وإنما قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)) [النجم: ٣٩]، وبين الأمرين فرق ظاهر؛ لأَنَّ سعي الغير ملك لساعيه، إنْ شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإنْ شاء أبقاه لنفسه". (٢)
وما قيل من أَنَّ ثواب هذه الثلاث لا يصل إلا من الولد إلى والده؛ فغير مُسَلَّمٍ، وذلك لأمور:
"الأول: أَنَّ النبي ﷺ لم يُعَلِّل جواز حجِ الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومَأَ إلى ذلك؛ بل في الحديث ما يُبطل التعليل به؛ لأَنَّ النبي ﷺ شبهه
стр. 466
بقضاء الدَّين الجائز، من الولد وغيره؛ فجعل ذلك هو العلة، وهو كونه قضاء شيء واجب عن الميت.
الثاني: أَنَّه قد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على جواز الحج عن الغير، حتى من غير الولد: فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي. قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَال: َ لَا. قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". (١)
الثالث: أَنَّه قد ثبت في حديث عائشة: "أَنَّ من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، والولي هو الوارث، سواء كان ولداً، أم غير ولد؛ وإذا جاز ذلك في الصيام، مع كونه عبادة محضة، فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى وأحرى". (٢)
الرابع: أَنَّ كون السؤال جاء مقيداً في صدقةِ أو صومِ أو حجِ الولدِ عن والده؛ فإنَّ ذلك لا يعني تقييد الحكم به؛ لأَنَّ النبي ﷺ لم يقيده بالولد، ولأَنَّا لا نَعْلم لو أَنَّ النبي ﷺ سأله أخٌ عن أخيه، هل يجيبه بالجواز، أم لا؟
وأما حديث ابن عباس، في الصوم، وما ادعي عليه من الاضطراب؛ فالذي يظهر لي أَنَّ أحسن ما يُجمع به بين رواياته: أَنَّ السؤال وقع عن صوم نذر مطلق؛ وذلك لأَنَّ جميع الروايات - التي جاءت من طريق سعيد بن جبير - قد نصَّت على ذكر الصوم، ولما جاء - في طريق عبيد الله بن عبد الله - التنصيص على النذر دون تسميته، وجب تفسيره برواية سعيد بن جبير، التي نصت على أَنَّه في الصيام، ويؤكد هذا أَنَّ حديث بريدة وقع فيه السؤال عن صوم شهر، وجاء في حديث عائشة التنصيص على أَنَّ من مات وعليه صيام
стр. 467
صام عنه وليه، ولما أفتى ابن عباس بأَنَّ من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليُّه، دلَّ على أَنَّ السؤال الذي وقع في حديثه إنما كان عن صوم نذر؛ إذ يبعد أنْ يُفتي راوي الحديث بخلاف ما رواه.
وأما مذهب عائشة: فالتحقيق أنها فَهِمَتْ من الحديث الذي روته عن النبي ﷺ ، أنه مخصوصٌ بصوم النذر؛ بدليل أنها كانت تُفتي بالإطعام عمن مات وعليه صوم رمضان، والروايات وإنْ لم تَنُص على أنها كانت تُفتي بصوم النذر، إلا أنَّ حملها على هذا المعنى هو المُتعين، جمعاً بين ما رَوَته ورَأَته، إذ يبعد أنْ تُخالف ما رَوَته لمجرد رأيٍ رَأَته، والله تعالى أعلم. (١)
****
стр. 468
الفصل الثاني
الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها التعارض فيما بينها
стр. 469
المسألة [١]: في أخذ الغنيمة، وهل يُنقص من أجر المجاهد .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)) [النساء: ٧٤].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يوهم ظاهرها التعارض فيما بينها:
(٦٤) ـ (٥٥): عن أبي هريرة ﵁، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». (١)
(٦٥) ـ (٥٦): وعن عبد الله بن عمرو ﵄، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ». (١)
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث:
في الآيةِ الكريمةِ وعْدٌ من اللهِ تعالى لمن قاتلَ في سبيلِهِ بأنَّ له أجراً عظيماً، إلا أنَّه سبحانه لم يُفَصِّل ويُبَيِّن هذا الأجرَ العظيم، وقد جاء في الحديثين المتقدِّمين بيانٌ وتفصيل لهذا الأجر؛ إلا أنَّ الحديثين ظاهرهما يُوهِمُ التعارض في بيان وتفصيل هذا الأجر:
ففي الأول: أنَّ له الأجرَ إذا لم يَغْنَم، أو الغنيمة ولا أجر، وفي الثاني:
стр. 474
أنَّ له الأجَرَ تامَّاً إذا لم يَغْنَم، أو ثُلُث الأجرِ إنْ غَنِم. (١)
كما أنَّ في الحديث الأول إشكالاً آخر، حيث يُوهِمُ ظاهره مُعَارَضَة الآية الكريمة؛ إذ في الآية التَّسْويَة بين من قُتِلَ شهيداً أو انقلب غانماً، وأمَّا الحديث فغاير بينهما، حيث جعل الأجر في محل، والغنيمة في محل آخر. (٢)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديثين:
أولاً: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين:
اختلف العلماء في هذه المسألة، وفي دفع التعارض بين الحديثين على مذهبين:
الأول: مذهبُ إثباتِ نقصِ أجرِ المجاهدِ إنْ غَنِمَ، عملاً بحديثِ عبد الله بن عمرو ﵄، وهذا مذهب الجمهور من المحدثين، وممن قال به:
ابن بَطَّال، وابن دقيق العيد، والنووي، والطِّيبي، وأبو زرعة العراقي (٣)، والكرمَاني، وابن حجر، والعيني، والسيوطي، والمناوي، والآلوسي. (٤)
стр. 475
ويرى هؤلاء أنْ لا تعارض بين حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو ﵃؛ إذ الأول مُطلَق والثاني مُقَيَّد، فيُحْمَل المُطلَق على المُقَيَّد.
قالوا: ومعنى قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»: «أي مع أجرٍ خالصٍ إنْ لم يغنم شيئاً، أو مع غنيمةٍ خالصةٍ معها أجر، وكأنَّه سَكَتَ عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحاملُ على هذا التأويل أنَّ ظاهر الحديث أنَّه إذا غَنِمَ لا يحصل له أجر، وليس ذلك مراداً؛ بل المراد أو غنيمة معها أجرٌ أنقَص من أجر من لم يغنم؛ لأنَّ القواعد تقتضي أنَّه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجراً عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحاً في نفي الجمع». (١)
وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵁ فمعناه: «أنَّ الغزاة إذا سَلِمُوا أو غَنِمُوا يكون أجرهم أقلَّ من أجر من لم يَسْلَم، أو سَلِمَ ولم يَغْنَم، وأنَّ الغنيمة هي في مُقابَلَةِ جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهم المترتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر». (٢)
قالوا: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإن الذي في حديث أبي هريرة ﵁ رجوعه بما نال من أجر أو غنيمة، ولم يقل إنَّ الغنيمة تُنقص الأجر، ولا قال أجره كأجر من لم يغنم، فهو مُطْلَقٌ وحديث عبد الله بن عمرو مُقَيَّد؛ فوجب حمله عليه. (٣)
المذهب الثاني: إثبات الأجر كاملاً للمجاهد، سواء غنم أم لم يغنم، عملاً بحديث أبي هريرة ﵁، وأخذاً بظاهر الآية.
وهذا مذهب: ابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، وأبي عبد الله القرطبي. (٤)
стр. 476
قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث - يريد حديث أبي هريرة ﵁ دليل على أنَّ الغنيمة لا تُنقِصُ من أجر المجاهد شيئاً، وأنَّ المجاهدَ وافِرُ الأجر، غَنِمَ أو لم يَغنَم، ويَعضُدُ هذا ويشهد له: ما اجتمع على نَقْلِهِ أهلُ السِّير والعلم بالأثر أنَّ النبي ﷺ ضَرَبَ لعثمان، وطلحة، وسعيد بن زيد، بأسْهُمِهِم يومَ بدر، وهم غيرُ حاضِرِي القتال، فقال كلُّ واحدٍ منهم: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك». (١) وأجمعوا أنَّ تحليل الغنائم لهذه الأمَّة من فضائلها، وقال رسول الله ﷺ : «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤوسِ قَبْلَكُمْ». (٢) وقال ﷺ : «فُضِّلتُ بِخِصَالٍ ... » وذكر منها: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ». (٣) ولو كانت تُحبِطُ الأجر أو تُنقِصُه ما كانت فضيلة له». اهـ (٤)
وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو ﵄، على أقوال:
الأول: أنَّ الحديث محمول على من خرج بنية الجهاد وطلب المغنم، فيكونُ نقصُ أجرهِ بسبب نيَّتِهِ لا بسبب أخذه من الغنيمة.
وهذا جواب القاضي عياض، واختيار أبي عبد الله القرطبي. (٥)
قال القاضي عياض: «وأصح ما يُجمَعُ فيه بين الحديثين أنَّ الأول قال فيه: «لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ»، فهذا الذي ضَمِنَ له الجنة، أو يُرَدُّ إلى بيته مع ما نال من أجر أو غنيمة، وهذا الحديث الآخر لم يشترط فيه هذا الشرط، فيُحتمل أنَّه فيمن خرج بنية الجهاد وطلب المغنم،
стр. 477
فهذا شَرَّكَ بما يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نِيَّتُه بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فَكَمُلَ أجره». اهـ (١)
وتَعقَّبَه الحافظ ابن حجر فقال: «وفيه نظر؛ لأنَّ صَدْرَ الحديثِ مُصَرِّحٌ بأنَّ الْمُقْسِم رَاجِعٌ إِلَى مَنْ أَخْلَصَ؛ لقوله في أوله: لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي». اهـ (٢)
قلت: ليس في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ ذكر هذا القيد، وهو قوله: «لَا يُخْرِجهُ إِلَّا إِيمَان بِي، وَتَصْدِيق بِرُسُلِي»، وإنما جاء هذا القيد في حديث أبي هريرة ﵁، وعليه فلا يُسَلَّم الاعتراض من ابن حجر.
القول الثاني: أنَّ المراد بنقص أجر من غنم: أنَّ الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أُصيب بماله، فكان الأجر لِمَا نَقَص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر.
وهذا جواب ابن عبد البر، وأبي العباس القرطبي. (٣)
قال ابن عبد البر في الجواب عن الحديث: يريد - والله أعلم - أنْ يكون الأجرُ مضاعفاً لها بما نالها من الخوف، وعلى ما فاتها من الغنيمة، كما يُؤجر من أُصيب بماله مضاعفاً، فيؤجر على ما يَتَكلّفُه من الجهاد أجر المجاهد، وعلى ما فاته من الغنيمة أجراً آخر، كما يُؤجر على ما يَذهَبُ من مالِهِ ونحوِ ذلك. اهـ (٤)
وللقاضي عياض جواب آخر قريب من هذا، قال: «وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجهيهما أيضاً: أنَّ نقص أجر الغانم بما فتح الله عليه من الدنيا، وحساب ذلك بتمتعه عليه في الدنيا، وذهاب شَظَف عيشه في غزوه، وبُعْدِه، إذا قُوبِلَ بمن أخفق ولم يُصِبْ منها شيئاً، وبقي على شَظَف عيشه، والصبر على غزوه في حاله، وجَدَ أجر هذا أبداً في
стр. 478
ذلك وافياً مطرداً، بخلاف الأول، ومثله في الحديث الآخر: «فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا (١)» (٢) فكان هذا إذا لم يهدب ثمرة الدنيا والاتساع فيما فتح عليه من مغانمها، وبقي على حالته الأولى، كان أجره في الصبر والتقلل على ما كان عليه، فلما خالف لم يكن له الأجر، فكأنه نقص بما كان له في التقدير، وكذلك هذا». اهـ (٣)
وتَعقَّبَ الحافظ ابن حجر هذا الجواب فقال: «ولا يخفى مُبايَنَةُ هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو ﵁». اهـ (٤)
القول الثالث: أنَّ حديث عبد الله بن عمرو ﵄ لا يَثْبُتْ؛ لأنَّه من رواية أبي هانئ حميد بن هانئ (٥)، وليس بمشهور.
وهذا رأي أبي الوليد الباجي، قال: «ولا يَصِحُّ حَمْلُ الحديث على عمومه؛ لأنَّا لا نعلم غازياً أعظم أجراً من أهل بدر، على ما أصابوا من الغنيمة. وقد رُوي عن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ - وكان ممن شهد بدراً - قال: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ. أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ». (٦) وروي عنه ﷺ أنه قال لعمر بن الخطاب: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ
стр. 479
اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». (١)». اهـ (٢)
وتُعُقِّبَ هذا القول: بأنَّ أبا هانئ ثقة مشهور، روى عنه الليث بن سعد (٣)،
وحيوة (٤)، وابن وهب (٥)، وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. (٦)
القول الرابع: أنَّ نُقصان الأجر إنما هو لمن أخذ الغنيمة على غير وجهها.
وهذا جواب أبي الوليد الباجي، ذكره على التسليم بثبوت الحديث. (٧)
وذكر هذا الجواب مع تضعيفه ورده: القاضي عياض، والنووي، والحافظ ابن حجر. (٨)
قال النووي: «وهذا غلط فاحش؛ إذ لو كانت على خلاف وجهها لم يكن ثلث الأجر». اهـ (٩)
ثانياً: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الآية وحديث أبي هريرة:
الجواب عن هذا التعارض مبني على الخلاف في المسألة السابقة - أعني مسألة دفع التعارض بين الحديثين -:
فأصحاب المذهب الأول يرون أنْ لا تعارض بين الآية والحديث؛ لأنَّ معنى الحديث عندهم إمَّا أنْ يغنم فيبقى له ثُلُثُ الأجر، أو تفوته الغنيمة فينال الأجر تامَّاً، وهو مأجور في كلتا الحالتين، وهذا المعنى لا يُعارض الآية.
стр. 480
وأما أصحاب المذهب الثاني فأجابوا عن الحديث: بأنَّ «أو» في قوله ﷺ : «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» هي بمعنى «الواو»، قالوا: ولا يجوز حملها على معنى «أو»؛ لأن ذلك يوهم معنىً فاسداً يُعَارِضُ الآية، وهذا المعنى هو أنْ يكون له الغنيمة وحدها بلا أجر، أو الأجر ولا غنيمة. (١)
قال ابن عبد البر: «قوله: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» يريد - والله أعلم - من أجر وغنيمة، كما قال الله : (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤]، يريد ولا كفوراً، وكما قال جل ثناؤه: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣]، أي مثنى أو ثلاث أو رباع، فقد تكون «أو» بمعنى الواو، وتكون الواو بمعنى «أو»، وقد روي منصوصاً «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» بواو الجمع لا بأو .... ». اهـ (٢) ثم ذكر حديث أبي أمامة ﵁ بلفظ: «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ». (٣)
وقال أبو الوليد الباجي: «قوله ﷺ : «مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» يريد - والله أعلم - مع الذي ينال منهما؛ فإنْ أصاب غنيمة فله أجر وغنيمة، وإنْ لم يُصب الغنيمة فله الأجر على كل حال، فتكون «أو» بمعنى «الواو»؛ كقول جرير (٤):
نَالَ الخِلاَفَةَ أَوْ كَانَتْ عَلَى قَدَرٍ ... كَمَا أَتَى رَبّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ ... ». اهـ (٥)(٦)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه الجمهور من المحدثين، بأنَّ المجاهد يَنْقُصُ أجرهُ إذا أخذ شيئاً من الغنيمة، كما هو صريح
стр. 481
حديث عبد الله بن عمرو، ﵄، وكما تقدم فإنَّ هذا الحديث لا يُعارِضُ حديث أبي هريرة ﵁، بل هو موافق ومفسِّرٌ له؛ لأنَّ معنى حديث أبي هريرة: أنَّ للمجاهد الأجرَ تامّاً إنْ لم يغنم، أو الأجرَ والغنيمةَ معاً إنْ غَنِم، فالأجر حاصلٌ على كلِّ حال، غَنِمَ أو لم يَغنَم، لكنَّه مع الغنيمة أنقص، وهو مُقَدَّرٌ في الشِقِّ الثاني مع الغنيمة، وإنْ لم يُصَرِّح بذكره، وكما ترى فإنَّ هذا المعنى لا يُعارِضُ حديث عبد الله بن عمرو، ولا يُعارِضُ الآية أيضاً.
وأمَّا ما ذَكَرَهُ أصحاب المذهب الثاني من أجوبةٍ عن حديث عبد الله بن عمرو؛ فكلها لا تخلوا من ضعف، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.
وأمَّا قولهم: إنّه لا يُعْلَمُ غازياً أعظمَ من أهل بدر، وقد أصابوا من الغنيمة، ولو كان أخذها يُنقص من الأجر ما كانت فضيلة لهم؛ فجوابه: أنَّه ليس في غنيمة بدر نصٌ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفوراً لهم، مرضياً عنهم، ومن أهل الجنة؛ لا يلزم أنْ لا يكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه، مع أنَّه شديد الفضل عظيم القدر. (١)
وأمَّا قولهم: إنَّ «أو» - في قوله ﷺ : «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» - هي بمعنى «الواو»؛ فيَرِدُ عليه إشكال؛ لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أنْ يكون الضمانُ وقع بمجموع الأمرين لكلِّ من رجع، وقد لا يتفق ذلك؛ فإنَّ كثيراً من الغُزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرَّ منه الذي ادَّعى أنَّ «أو» بمعنى «الواو» وقع في نظيره؛ لأنَّ رواية «أو» ظاهرها يُوهِمُ أنَّ من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، على حين يلزم من القول بأنَّها بمعنى «الواو» أنَّ كلَّ غازٍ يُجْمَعُ له بين الأجر والغنيمة معاً، وهذا المعنى لا يَصِحُّ كما تقدَّم، مع ما فيه من المُخالفة لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، والذي فيه أنَّ الذي يَغْنَمُ يرجع بأجر لكنَّه أنقص من أجر من لم يغنم. (٢)
стр. 482
وأمَّا استدلالهم برواية: «مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ»، بـ «الواو»؛ فالأصح أنَّ هذه الرواية لا تَثْبُتُ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في أوَّلِ المسألة، عند تخريج الحديث، والله تعالى أعلم.
****
стр. 483
المسألة [٢]: في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)) [التوبة: ١٠٨].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها:
(٦٦) ـ (٥٧): عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مَرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال أبي: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ (١)، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ». قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ. (٢)(٦٧) ـ (٥٨): وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة:
المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الحديثين:
ظاهر حديث أبي سعيد الخدري أنَّ المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله ﷺ ، الذي هو في جوف المدينة، وأما سبب نزول الآية فظاهره أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وهذا يُوهِمُ الاختلاف والتناقض بين الحديثين. (١)
стр. 490
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الحديثين:
للعلماء في دفع التعارض بين الحديثين مسلكان:
الأول: مسلك الجمع بينهما:
حيث ذهب جمع من العلماء إلى نفي التعارض بين الحديثين؛ وجمعوا بينهما بأنَّ كلاً من المسجدين قد أسس على التقوى، إلا أنَّ المسجد النبوي أحق بهذا الوصف من مسجد قباء، لحديث أبي سعيد، وأما مراد الآية فهو مسجد قباء دون المسجد النبوي، كما دل عليه سبب نزول الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨] مسجده ﷺ هو الأحق بهذا الوصف، وقد ثبت في الصحيح أنه سُئِلَ عن المسجد المؤسس على التقوى فقال: «هو مسجدي هذا» يريد أنه أكمل في هذا الوصف من مسجد قباء، ومسجد قباء أيضاً أسس على التقوى، وبسببه نزلت الآية، ولهذا قال فيه: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨] فأراد النبي ﷺ أنْ لا يظن ظان أنَّ ذاك هو الذي أسس على التقوى دون مسجده، فذكر أنَّ مسجده أحق بأن يكون هو المؤسس على التقوى فقوله: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى) [التوبة: ١٠٨] يتناول مسجده ومسجد قباء، ويتناول كل مسجد أسس على التقوى. اهـ (١)
وقال الحافظ ابن كثير: «المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء، لما دل عليه السياق، والأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله ﷺ لا ينافي ما تقدم؛ لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم،
стр. 491
فمسجد الرسول ﷺ أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى». اهـ (١)
وقال: لما سُئِلَ رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى أشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، ولا تنافي؛ فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم. اهـ (٢)
وقال الحافظ ابن حجر: «والحق أنَّ كلاً منهما أسس على التقوى». اهـ (٣)
وقال الطاهر بن عاشور: «ووجه الجمع عندي أنْ يكون المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) [التوبة: ١٠٨] المسجد الذي هذه صفته، لا مسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فردين: المسجد النبوي، ومسجد قباء، فأيهما صلى فيه رسول الله ﷺ في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار كان ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مسجدهم، ومن مطاعنهم أيضاً، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين، وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبه». اهـ (٤)
وقد اختار هذا الجمع:
ابن عبد البر (٥)، والداوودي (٦)، والسهيلي (٧)، وابن القيم (٨)، والسمهودي (٩)(١٠)، والقاسمي (١١)، والألباني (١٢).
стр. 492
وللنحاس، وأبي العباس القرطبي، رأي آخر في الجمع:
حيث ذهبا إلى أنَّ أول الآية وهو قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي ﷺ ، لحديث أبي سعيد، وأما آخر الآية، وهو قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فهو في مسجد قباء، كما يدل عليه سبب النزول.
غير أنَّ النحاس لم يجزم بذلك حيث جوَّز أنْ تكون الآية كلها في المسجد النبوي.
قال النحاس: «الهاء في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي ﷺ ، والهاء في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يعود على مسجد قباء، ويجوز أنْ تكون تعود على مسجد النبي ﷺ ». اهـ (١)
وقال أبو العباس القرطبي: «ويلزم من تعيين النبي ﷺ مسجده أنْ يكون هو المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨]، وأنْ يكون الضمير في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ) عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه، وليس الأمر كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». (٢) فعلى هذا يكون الضمير في: (فِيهِ رِجَالٌ) غير عائد على المسجد المذكور قبله، بل على مسجد قباء، الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعين على القارئ أنْ يقف على «فيه» من قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) ويبتدئ: (فِيهِ رِجَالٌ) ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم». اهـ (٣)
стр. 493
واعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تفكيكاً للضمائر، والأصل أنْ تكون الضمائر متناسقة وعائدة على مذكور واحد. (١)
أدلة هذا المذهب:
استدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد قباء بأدلة، منها:
الأول: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلَّ النبي ﷺ بدار الهجرة، وأما مسجد النبي ﷺ فلم يُنْشَأ إلا بعد ذلك. (٢)
الدليل الثاني: أنَّ قوله في بقية الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يؤكد كون المراد مسجد قباء، وقد صح في سبب نزول الآية أنها نزلت في أهل قباء؛ فتعين حمل الآية جميعها على أنها واردة في مسجد قباء.
وأجابوا عن حديث أبي سعيد والذي فيه تعيين مسجد النبي ﷺ فقالوا:
وأما حديث أبي سعيد: فليس هو في معرض بيان وتعيين ما في الآية؛ بل هو في بيان الأحق بهذا الوصف، يدل عليه قوله في رواية أخرى هي من تمام الحديث: «وفي ذلك خير كثير». (٣) يريد مسجد قباء.
قالوا: والسر في إجابته ﷺ عن ذلك إنما هو لدفع ما توهمه السائل من
стр. 494
اختصاص ذلك بمسجد قباء دون المسجد النبوي، والتنويه بمزية هذا على ذاك. (١)
الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته:
الإيراد الأول: إذا كان كل واحد من المسجدين قد أسس على التقوى، فما المزية التي أوجبت تعيينه ﷺ مسجد المدينة دون مسجد قباء؟
وأجيب: بأن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه ﷺ ، بل نُدب إليه، أو كان رأياً رآه، بخلاف مسجد المدينة؛ فإنه أُمر بذلك، وجُزم عليه، فأشبه امتثال الواجب، فكان بذلك الاسم أحق. (٢)
ويحتمل أنْ تكون المزية لما اتفق من طول إقامته ﷺ بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أياماً قلائل. (٣)
الاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) لا يفيد أنه مسجد قباء؛ لأن المعنى: أنه أسس على التقوى من أول مبتدأ تأسيسه، أي أنه لم يشرع فيه، ولا وضع حجر على حجر منه، إلا على اعتقاد التقوى. (٤)
قال الآلوسي: «ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم: أنَّ تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده، لا حادثاً بعده، ولا يمكن أنْ يراد من أول الأيام مطلقاً». اهـ (٥)
الاعتراض الثالث: أنَّ القول بأن كلاً منهما قد أسس على التقوى يوحي بنوع استدراك على حديث النبي ﷺ ، فإنه حينما سُئل أي المسجدين أسس على التقوى؟ أجاب: بأنه مسجده، ولم يقل كلا المسجدين قد أسسا على التقوى، بل أشار إلى أنَّ مسجد قباء فيه خير كثير، فكيف يقال بعد ذلك أنَّ كلاً منهما قد أسسا على التقوى؟!
стр. 495
المسلك الثاني: الترجيح بين الأحاديث:
حيث ذهب آخرون إلى تضعيف الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وأنَّ الآية لا يصح فيها إلا حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
قال ابن العربي: فإن قيل: إن حديث أبي هريرة ﵁ قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم». يدل على أنَّ ضمير المتطهرين هو ضمير مسجد قباء.
قلنا: هذا حديث لم يصح، والصحيح هو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال آخر: هو مسجد رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي هذا. اهـ (١)
وقال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ النبي ﷺ قد عيَّن هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده ﷺ ، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم، ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي ﷺ ، ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء؛ فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أنَّ ما ورد في فضائل مسجده ﷺ أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم. اهـ (٢)
وقال الآلوسي بعد أنْ ذكر المذهب الأول: «ولا يخفى بُعْد هذا الجمع، فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني .... ، وأما ما رواه