← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7532

الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير القرآن الكريم

أحمد القصير

Полный текст (723 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فمسجد الرسول ﷺ أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى». اهـ (١) وقال: لما سُئِلَ رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى أشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، ولا تنافي؛ فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم. اهـ (٢) وقال الحافظ ابن حجر: «والحق أنَّ كلاً منهما أسس على التقوى». اهـ (٣) وقال الطاهر بن عاشور: «ووجه الجمع عندي أنْ يكون المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) [التوبة: ١٠٨] المسجد الذي هذه صفته، لا مسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فردين: المسجد النبوي، ومسجد قباء، فأيهما صلى فيه رسول الله ﷺ في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار كان ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مسجدهم، ومن مطاعنهم أيضاً، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين، وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبه». اهـ (٤) وقد اختار هذا الجمع: ابن عبد البر (٥)، والداوودي (٦)، والسهيلي (٧)، وابن القيم (٨)، والسمهودي (٩) (١٠)، والقاسمي (١١)، والألباني (١٢).

стр. 492

وللنحاس، وأبي العباس القرطبي، رأي آخر في الجمع: حيث ذهبا إلى أنَّ أول الآية وهو قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي ﷺ ، لحديث أبي سعيد، وأما آخر الآية، وهو قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فهو في مسجد قباء، كما يدل عليه سبب النزول. غير أنَّ النحاس لم يجزم بذلك حيث جوَّز أنْ تكون الآية كلها في المسجد النبوي. قال النحاس: «الهاء في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يعود على مسجد النبي ﷺ ، والهاء في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يعود على مسجد قباء، ويجوز أنْ تكون تعود على مسجد النبي ﷺ ». اهـ (١) وقال أبو العباس القرطبي: «ويلزم من تعيين النبي ﷺ مسجده أنْ يكون هو المراد بقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨]، وأنْ يكون الضمير في قوله: (فِيهِ رِجَالٌ) عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه، وليس الأمر كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ». (٢) فعلى هذا يكون الضمير في: (فِيهِ رِجَالٌ) غير عائد على المسجد المذكور قبله، بل على مسجد قباء، الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعين على القارئ أنْ يقف على «فيه» من قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) ويبتدئ: (فِيهِ رِجَالٌ) ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم». اهـ (٣)

стр. 493

واعتُرِضَ على هذا القول: بأن فيه تفكيكاً للضمائر، والأصل أنْ تكون الضمائر متناسقة وعائدة على مذكور واحد. (١) أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد قباء بأدلة، منها: الأول: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلَّ النبي ﷺ بدار الهجرة، وأما مسجد النبي ﷺ فلم يُنْشَأ إلا بعد ذلك. (٢) الدليل الثاني: أنَّ قوله في بقية الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يؤكد كون المراد مسجد قباء، وقد صح في سبب نزول الآية أنها نزلت في أهل قباء؛ فتعين حمل الآية جميعها على أنها واردة في مسجد قباء. وأجابوا عن حديث أبي سعيد والذي فيه تعيين مسجد النبي ﷺ فقالوا: وأما حديث أبي سعيد: فليس هو في معرض بيان وتعيين ما في الآية؛ بل هو في بيان الأحق بهذا الوصف، يدل عليه قوله في رواية أخرى هي من تمام الحديث: «وفي ذلك خير كثير». (٣) يريد مسجد قباء. قالوا: والسر في إجابته ﷺ عن ذلك إنما هو لدفع ما توهمه السائل من

стр. 494

اختصاص ذلك بمسجد قباء دون المسجد النبوي، والتنويه بمزية هذا على ذاك. (١) الإيرادات والاعتراضات على هذا المذهب وأدلته: الإيراد الأول: إذا كان كل واحد من المسجدين قد أسس على التقوى، فما المزية التي أوجبت تعيينه ﷺ مسجد المدينة دون مسجد قباء؟ وأجيب: بأن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه ﷺ ، بل نُدب إليه، أو كان رأياً رآه، بخلاف مسجد المدينة؛ فإنه أُمر بذلك، وجُزم عليه، فأشبه امتثال الواجب، فكان بذلك الاسم أحق. (٢) ويحتمل أنْ تكون المزية لما اتفق من طول إقامته ﷺ بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء فما أقام به إلا أياماً قلائل. (٣) الاعتراض الثاني: أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) لا يفيد أنه مسجد قباء؛ لأن المعنى: أنه أسس على التقوى من أول مبتدأ تأسيسه، أي أنه لم يشرع فيه، ولا وضع حجر على حجر منه، إلا على اعتقاد التقوى. (٤) قال الآلوسي: «ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم: أنَّ تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده، لا حادثاً بعده، ولا يمكن أنْ يراد من أول الأيام مطلقاً». اهـ (٥) الاعتراض الثالث: أنَّ القول بأن كلاً منهما قد أسس على التقوى يوحي بنوع استدراك على حديث النبي ﷺ ، فإنه حينما سُئل أي المسجدين أسس على التقوى؟ أجاب: بأنه مسجده، ولم يقل كلا المسجدين قد أسسا على التقوى، بل أشار إلى أنَّ مسجد قباء فيه خير كثير، فكيف يقال بعد ذلك أنَّ كلاً منهما قد أسسا على التقوى؟!

стр. 495

المسلك الثاني: الترجيح بين الأحاديث: حيث ذهب آخرون إلى تضعيف الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها أنَّ المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وأنَّ الآية لا يصح فيها إلا حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال ابن العربي: فإن قيل: إن حديث أبي هريرة ﵁ قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم». يدل على أنَّ ضمير المتطهرين هو ضمير مسجد قباء. قلنا: هذا حديث لم يصح، والصحيح هو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال آخر: هو مسجد رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي هذا. اهـ (١) وقال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ النبي ﷺ قد عيَّن هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده ﷺ ، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم، ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي ﷺ ، ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء؛ فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أنَّ ما ورد في فضائل مسجده ﷺ أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم. اهـ (٢) وقال الآلوسي بعد أنْ ذكر المذهب الأول: «ولا يخفى بُعْد هذا الجمع، فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني .... ، وأما ما رواه

стр. 496

الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة ﵁: «من أنَّ قوله جل وعلا: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء». فهو لا يعارض نص رسول الله ﷺ . وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس من أنَّ هذه الآية لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال: فهل مع ذلك غيره؟ قالوا: لا، غير أنَّ أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أنْ يستنجي بالماء. قال ﷺ : هو ذاك فعليكموه». فلا يدل على اختصاص أهل قباء، ولا ينافي الحمل على أهل مسجده ﷺ ». قال: «والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفاً، فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عُوِّلَ على الأقوى، وظاهر كلام البعض يُشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أنَّ المراد مسجد الرسول ﷺ ». اهـ (١) وممن ذهب إلى ترجيح حديث أبي سعيد: الطحاوي (٢)، والقاضي عياض (٣)، والنووي (٤)، وابن عطية (٥)، وأبو عبد الله القرطبي (٦)، والحافظ العراقي (٧)، والعيني (٨)، والسندي (٩)، والمُلا علي القاري (١٠). أدلة هذا المذهب: استدل القائلون بأن مراد الآية هو مسجد النبي ﷺ دون مسجد قباء بأدلة منها:

стр. 497

الأول: حديث أبي سعيد ﵁، وهو نص صحيح صريح في المسألة. الدليل الثاني: أنَّ المسجد النبوي أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم، من مسجد قباء، لما ورد من أحاديث كثيرة في فضله. (١) الدليل الثالث: أنَّ التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) يستدعي المداومة، ويعضده توكيد النهي بقوله: (أَبَدًا) [التوبة: ١٠٨]، ومداومة الرسول ﷺ لم توجد إلا في مسجده الشريف ﷺ . (٢) الدليل الرابع: أنَّ القول بأنه مسجد النبي ﷺ قد صح عن جمع لا يحصون من الصحابة ومن بعدهم، وهذا يؤكد أنَّ المراد به مسجد النبي ﷺ دون مسجد قباء. (٣) وأجاب أصحاب هذا المذهب عن سبب نزول الآية: بأن بعض طرق الحديث فيها ضعف، وبعضها ليس فيه تعيين مسجد قباء، وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وإذ الأمر كذلك فإن هذه الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الصريحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ . (٤) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يظهر صوابه - والله تعالى أعلم - أنَّ المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله ﷺ ، دون مسجد قباء، وهذا ما دل عليه حديث أبي سعيد ﵁ الصحيح الصريح، وأما ما ورد في سبب نزول الآية؛ فإنه عند التحقيق لا يظهر أنه يخالف حديث أبي سعيد؛ ذلك أنَّ سبب النزول

стр. 498

لم يصح فيه أنَّ الآية نزلت في مسجد قباء، بل الصحيح أنها نزلت في رجال من الأنصار، وقد قمت بتقصي طرق سبب نزول الآية ووجدت أنها كلها لا تخلوا من ضعف، غير أنَّ الطرق التي فيها التصريح بذكر مسجد قباء ضعيفة جداً، وقد استشكل جمع من العلماء هذه المسألة بسبب ذلك، لذا فإن القول المختار في سبب نزول الآية أنها نزلت في رجال من الأنصار كانوا في مسجد رسول الله ﷺ ، وليسوا في مسجد قباء، والله تعالى أعلم. أدلة هذا الاختيار: ١ - أنَّ الحديث الذي ورد فيه التصريح بأنه مسجد النبي ﷺ هو أقوى في الثبوت من أحاديث سبب نزول الآية، التي فيها أنها نزلت في مسجد قباء، حيث روي حديث مسجد النبي ﷺ في صحيح مسلم، وأما أحاديث سبب نزول الآية؛ فإن جميعها رويت من طرق لا تخلو من ضعف. ٢ - أنَّ الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية، التي فيها التصريح بذكر مسجد قباء، رويت عن ستة من الصحابة - كما تقدم في تخريج سبب النزول - إلا أنَّ هذه الأحاديث لا يصح الاحتجاج بها؛ لأن أسانيدها لا تخلو من راوٍ كذاب، أو ضعيف جداً. ٣ - أنَّ النص الصريح الصحيح المرفوع للنبي ﷺ مقدم على سبب النزول، وذلك عند التعارض. (١) ٤ - أنَّ قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) ليس المراد به: من أول أيام قدوم النبي ﷺ لدار الهجرة، بل المراد من أول أيام تأسيس المسجد، والمعنى أنه أسس أول ما أسس على التقوى، لا على الضرار والكفر، يدل على هذا المعنى أنَّ هذه الآية وردت في مقابل الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)) [التوبة: ١٠٧] فمسجد الضرار أسس أول ما أسس على الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، لذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ بإحراقه

стр. 499

وهدمه (١)؛ لأن بناءه لم يكن على أساس من التقوى والرضوان، وأما المسجد النبوي فأسس أول ما أسس على تقوى من الله ورضوان، ويؤيد هذا المعنى أيضاً قوله في الآية التي بعدها: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: ١٠٩] فهذه الآية صريحة بأن المراد من أول أيام تأسيس المسجد، وأنه أسس أول ما أسس على التقوى. ٥ - ومما يؤكد أنَّ المراد مسجد النبي ﷺ قوله في الآية: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) حيث أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالقيام فيه، ومعلوم أنَّ النبي ﷺ لم يُدِم القيام بمسجد قباء، وإنما كان يزوره ويصلي فيه في الأسبوع مرة واحدة (٢)، والذي كان يداوم على الصلاة فيه هو مسجده الذي في جوف المدينة، وما كان للنبي ﷺ أنْ يخالف أمر ربه ﵎ فيترك مسجد قباء، وقد أُمِرَ بالقيام فيه، وإنما أمر بالقيام في مسجده ﷺ ، والذي هو مراد الآية. الإيرادات والاعتراضات على هذا الاختيار: الإيراد الأول: أنه قد صح عن ابن عباس ﵁ أنَّ المراد بالآية مسجد قباء (٣)، وهذا يدل على أنَّ لسبب النزول أصلاً صحيحاً.

стр. 500

والجواب: أنه قد صح أيضاً عن ابن عمر (١)، وزيد بن ثابت (٢)، أنَّ المراد بالآية مسجد النبي ﷺ ، وليس قول بعض الصحابة بحجة على بعض إلا إذا اتفقوا، وليس في الآية اتفاق، فلم يبق إلا اعتبار الحديث. الإيراد الثاني: أنه روي عن ستة من الصحابة أنَّ الآية نزلت في أهل قباء، وهي وإن كانت ضعيفة إلا إنه يشد بعضها بعضاً؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أنَّ للقصة أصلاً. (٣) والجواب: أنَّ القول بتقوية الحديث بكثرة طرقه ليس على إطلاقه، وقد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (٤)، حيث قال: «لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة .... ، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عضد بعضاً، كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً؟ وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، ولم يختل فيه ضبطه له .... ، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة». اهـ (٥) الإيراد الثالث: أنَّ الأحاديث التي فيها أنَّ الآية نزلت في رجال من

стр. 501

الأنصار هي أيضاً ضعيفة، فكيف اعتمدتموها وطرحتم بقية الأحاديث التي فيها ذكر مسجد قباء؟ والجواب: أنَّ هذه الأحاديث أقوى إسناداً من بقية الأحاديث التي فيها ذكر مسجد قباء، وقد صححها بعض العلماء كما تقدم في تخريج الحديث، ورواتها مختلف في توثيقهم، ولكن لما رويت من عدة طرق صح اعتبارها. الإيراد الرابع: أنَّ القول بأن الآية نزلت في رجال من الأنصار -كانوا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط فنزلت فيهم هذه الآية - يلزم منه أنها نزلت في أهل قباء؛ لأنهم هم الذين كانوا يفعلون ذلك. والجواب: أنَّ الأنصار كانوا في مسجد رسول الله ﷺ وفي مسجد قباء، ومسجده ﷺ كان معموراً بالمهاجرين والأنصار، ومن سواهم من الصحابة، وليس هناك ما يدل على أنَّ أولئك الرجال كانوا في مسجد قباء خاصة، إلا ما ورد في سبب نزول الآية، وقد تقدم أنَّ ذلك لا يصح، والله تعالى أعلم. (١) ****

стр. 502

المسألة [٣]: في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) [ النجم: ٨] المبحث الأول: ذكر الآيات الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)) [النجم: ٥ - ١٠]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها: (٦٨) ـ (٥٩): عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ .... - فَذَكَرَ حديثَ الإسراء بطوله، وفيه: « ... ثُمَّ عَلَا بِهِ (١) فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... ». (٢)

стр. 503

(٦٩) ـ (٦٠): وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ محمداً ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْظِرِينِي وَلَا تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)) [التكوير: ٢٣] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) [النجم: ١٣]؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ». (١) (٧٠) ـ ( .. ): وفي رواية: قَالَ مَسْرُوق: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠))؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ». (٢) (٧١) ـ (٦١): وَعَنْ أبي إِسْحَاقٍ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)) قَالَ: «أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ». (٣)

стр. 504

المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث: ظاهرُ حديثِ أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ لما أُسريَ به، دنا منه الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، وهذا الدنو يُفْهَمُ منه أنه هو المراد من قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)). وأمَّا حديثُ عائشةَ وابنِ مسعود ﵄ فظاهرهما يُوهِم مُعارضة حديث أنس؛ لأنهما نسبا الدنو والتدلي في الآية لجبريل ﵇، وهما وإنْ لم يُصَرِّحَا برَفْعِ ذلك للنبي ﷺ ؛ إلا أنَّ تفسيرهما هذا في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث: اختلف العلماء في تفسير الآية، وفي دفع التعارض بين الأحاديث على مذاهب:

стр. 505

الأول: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد به دنو جبريل ﵇، من محمد ﷺ . وهذا التفسير هو الثابت عن عائشة، وابن مسعود، ﵄، وقد تقدم. وروي عن الحسن البصري (١)، وقتادة (٢)، والربيع بن أنس (٣). وهو مذهب الجمهور من المفسرين والمحدثين (٤)، وممن قال به: ابن جرير الطبري، وأبو الليث السمرقندي، والخطابي، والبيهقي، والواحدي، والسمعاني، والقاضي عياض، وابن عطية، والفخر الرازي، وأبو عبد الله القرطبي، والبيضاوي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، وابن أبي العز الحنفي، وابن جماعة، والشوكاني، والآلوسي، والقاسمي، والشنقيطي. (٥) وقد ذكر الإمام ابن القيم عدة أدلة تؤيد هذا المذهب: «الأول: أنَّ الله تعالى قال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)) [النجم: ٥]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)) [التكوير: ١٩ - ٢٠].

стр. 506

الثاني: أنه تعالى قال: (ذُو مِرَّةٍ) أي حسن الخلق، وهو الكريم المذكور في سورة التكوير. الثالث: أنه قال: (فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)) وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأما استواء الرب ﷻ فعلى عرشه. الرابع: أنه قال: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤))، والمرئي عند السدرة هو جبريل قطعاً، وبهذا فسره النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية فقال: «جبريل، لم أرَهُ في صورته التي خُلِقَ عليها إلا مرتين». (١) الخامس: أنَّ مُفَسِّرَ الضمير في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ) وفي قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨))، وفي قوله: (فَاسْتَوَى)، وفي قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)) واحد، فلا يجوز أنْ يُخالف بين المُفَسِّر والمُفَسَّر من غير دليل. السادس: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، الملكي والبشري، ونزَّه البشري عن الضلال والغواية، ونزَّه الملكي عن أنْ يكون شيطاناً قبيحاً ضعيفاً؛ بل هو قوي كريم حسن الخلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء. السابع: أنَّه أخبر هناك أنه رآه بالأفق المبين، وهاهنا أخبر أنه رآه بالأفق الأعلى، وهو واحدٌ وُصِفَ بصِفَتين، فهو مُبين، وهو أعلى؛ فإنَّ الشيء كلما علا: بَانَ وظَهَر. الثامن: أنَّه قال: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)) والمرة الخلق الحسن المحكم، فأخبر عن حُسْنِ خُلُقِ الذي عَلَّمَ النبي ﷺ ، ثم ساق الخبر كله عنه نسقاً واحداً. التاسع: أنَّه لو كان خبراً عن الرب تعالى لكان القرآن قد دَلَّ على أنَّ رسول الله ﷺ رأى ربه سبحانه مرتين، مرَّة بالأفق، ومرَّة عند السدرة، ومعلوم أنَّ الأمر لو كان كذلك لم يَقُلْ النبي ﷺ لأبي ذر وقد سأله هل رأيت ربك؟

стр. 507

فقال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (١)، فكيف يُخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله ﷺ أنى أراه؟ وهذا أبلغ من قوله: لم أره؛ لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط، وهذا يَتضمن النفي وطرفاً من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجل: هل كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟ العاشر: أنَّه لم يَتَقدَّم للرب ﷻ ذِكرٌ يعود الضمير عليه في قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨))، والذي يعود الضمير عليه لا يَصْلُحُ له، وإنما هو لعبده. الحادي عشر: أنَّه كيف يعود الضمير إلى ما لم يُذكر، ويُترك عُودُه إلى المذكور مع كونه أولى به. الثاني عشر: أنَّه قد تقدم ذِكُرُ «صاحبكم»، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، ثم ذكر بعده شديد القوى، ذا المرة، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، والخبر كله عن هذين المُفَسَّرين، وهما الرسول الملكي، والرسول البشري. الثالث عشر: أنَّه سبحانه أخبر أنَّ هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل هو تحتها قد دنا من رسول رب العالمين، ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك كان من فوق العرش، لا إلى الأرض. الرابع عشر: أنهم لم يُمارُوه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها، وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياها، ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات. الخامس عشر: أنَّه سبحانه قرَّر صحة ما رآه الرسول ﷺ ، وأنَّ مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)) [النجم: ١٨]، فلو كان المرئي هو الرب ، والمماراة على ذلك منهم، لكان تقرير تلك الرؤية أولى، والمقام إليها أحوج». (٢)

стр. 508

وقد اختلف أصحاب هذا المذهب في الجواب عن حديث أنس ﵁، والذي يُوهِمُ ظاهره أنَّ الذي دنا فتدلى في الآية هو الجبار رب العزة، وقد ذكروا أجوبة منها: الأول: أنَّ قوله في حديث أنس: «وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى»، زيادة شاذة؛ لم تُرْوَ عن أنس ﵁ إلا من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر (١)، وهي مما تَفَرَّدَ به في روايته لحديث الإسراء. (٢) وهذا جواب: الخطابي (٣)، وابن حزم (٤)، والبيهقي (٥)، وعبد الحق

стр. 509

الإشبيلي (١)، وابن جماعة (٢)، وابن رجب (٣). قال الخطابي: «إنَّ الذي وقع في هذه الرواية - من نسبة التدلي للجبار مُخَالِفٌ لعامة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، من تقدم منهم ومن تأخر ... ، قال: وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يُذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك». اهـ (٤) وقال ابن حزم: «لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين». ثم ذكر حديث أنس فقال: «وفيه ألفاظٌ مُعْجَمة، والآفة من شريك، من ذلك قوله: «قبل أن يُوحى إليه» (٥)، وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أحد من أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة، ثم قوله: «إن الجبار دنا فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، وعائشة ﵂ تقول: إن الذي دنا فتدلى جبريل». اهـ (٦) وقال البيهقي: «ليس في رواية ثابت عن أنس لفظ الدنو والتدلي، ولا لفظ المكان، وروى حديث المعراج: ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك ﵁، عن أبي ذر، وقتادة، عن مالك بن صعصعة، ليس في حديث واحد منهما شيء من ذلك». (٧) قال: «وفي حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى الله ، وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته ﷺ جبريل أصح». اهـ (٨)

стр. 510

وقال عبد الحق الإشبيلي - في الجمع بين الصحيحين -: «زاد فيه - يعني شريكاً - زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأتِ أحدٌ منهم بما أتى به شريك، وشريكٌ ليس بالحافظ عند أهل الحديث». اهـ (١) وقال ابن جماعة (٢): «وأما حديث شريك بن أبي نمر الطويل؛ فقد خَلَّطَ فيه، وزاد زيادات لم يروها غيره ممن هو أحفظ منه، وليس في رواية ثابت، ولا قتادة عن أنس لفظ الدنو، ولا التدلي، ولا المكان، ولا في رواية الزهري، عن أنس وأبي ذر، وذَكَرَ شريكٌ في حديثه ما يدل على أنه لم يحفظ الحديث على ما ينبغي؛ فإنه خلَّط في مقامات الأنبياء، وقال في آخر حديثه: «فاستيقظ وهو في المسجد الحرام»، والمعراج إنما كان رؤية عين». اهـ (٣) وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلم في صحيحه فإنه قال - بعد أنْ ساق سند الحديث وبعض المتن -: «وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ، وَزَادَ وَنَقَصَ». اهـ (٤) إلا أنَّ الحافظ أبا الفضل ابن طاهر (٥) لم يرتضِ دعوى تَفَرُّدِ شريكٍ بهذه الزيادة، حيث قال: «تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أنَّ الآفة منه، شيء لم يُسبق إليه؛ فإنَّ شريكاً قَبِلَهُ أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: لا بأس به. وقال ابن عدي: مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به؛ إلا أن يروي عنه ضعيف (٦). قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال. قال:

стр. 511

وعلى تقدير تسليم تفرده برواية «قبل أن يوحى إليه»؛ فإنَّ ذلك لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يُسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو تُرِك حديث من وَهِمَ في تاريخ، لتُرِكَ حديثُ جماعة من أئمة المسلمين». اهـ (١) وكذا الحافظ ابن حجر، فإنه يميل إلى تقوية شريك، ويدفع دعوى تفرده بهذه الزيادة؛ فإنه قال بعد أن أورد إنكار الأئمة المتقدمين: «وفي دعوى التفرد نظر؛ فقد وافقه كثير بن خنيس - بمعجمة ونون، مصغر - عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في «كتاب المغازي» من طريقه». اهـ (٢)

стр. 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 513

قال: «والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها؛ إما بدفع تفرده، وإما بتأويله على وفاق الجماعة». اهـ (١) الجواب الثاني: أنَّ الحديث موقوف على أنس ﵁. ذكر هذا الجواب: الخطابي (٢)، والبيهقي (٣)، وابن جماعة (٤). قال الخطابي مشيراً إلى رفع الحديث من أصله: «ثم إنَّ القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يَعْزُهَا إلى النبي ﷺ ، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس، وإما من شريك؛ فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يُتابعه عليها سائر الرواة». اهـ (٥) وقال ابن جماعة: «ثم الحكاية كلها موقوفة على أنس من تلقاء نفسه، لم يرفعها إلى النبي ﷺ ، ولا رواها عنه، ولا عزاها إلى قوله، وقد روت عائشة، وابن مسعود، وأبو هريرة مرفوعاً (٦): أنَّ المراد بالآية المذكورة جبريل، وهم أحفظ وأكثر، فكيف يُترك لحديث شريك، وفيه ما فيه». اهـ (٧)

стр. 514

إلا أنَّ الحافظ ابن حجر لم يرتضِ دعوى وقف الحديث على أنس ﵁، حيث قال - في رده على الخطابي -: «وما نفاه - من أنَّ أنساً لم يُسند هذه القصة إلى النبي ﷺ لا تأثير له؛ فأدنى أمره فيها أنْ يكون مرسل صحابي، فإما أنْ يكون تلقاها عن النبي ﷺ ، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يُقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذَكَرَهُ تأثير لم يُحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلاً، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود». اهـ (١) الجواب الثالث: أنَّ الدنو والتدلي المذكورين في الآية هما غير الدنو والتدلي المذكورين في حديث أنس ﵁، فإنَّ الذي في الآية هو دنو جبريل ﵇ وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، ﵄، وأما الدنو والتدلي اللذين في حديث أنس فذلك صريح في أنَّه دنو الرب ﵎ وتدليه، ولا تَعَرّضَ في سورة النجم لذلك؛ بل فيها أنه رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد ﷺ على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. (٢) ذكر هذا الجواب: ابن القيم (٣)، والحافظ ابن كثير (٤)، وابن أبي العز الحنفي (٥)، والقاسمي (٦). والظاهر من كلام هؤلاء الأئمة قبول رواية شريك، إلا أنَّ الحافظ ابن كثير يميل إلى تفرد شريك بن عبد الله بهذه الرواية، حيث ذكر أنَّ شريكاً قد اضطرب في رواية هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه. (٧) وثمة أجوبة أخرى عن حديث شريك؛ غير أنَّ هذه الأجوبة صادرة عن

стр. 515

استشكال ظاهر الحديث، والذي فيه نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى، ومن هذه الأجوبة: ١ - أنَّ الدنو والتدلي في الحديث المراد بهما قرب الكرامة، لا قرب المكان. ذكر هذا الجواب: ابن فورك، والقاضي عياض، والعيني. (١) قال القاضي عياض: «اعلم أنَّ ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله، أو إلى الله، فليس بدنو مكان، ولا قرب مدى، وإنما هو دنو النبي ﷺ من ربه وقربه منه إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس، وبسط وإكرام». اهـ (٢) ٢ - أنَّ ما جاء في حديث شريك هي رؤيا رآها رسول الله ﷺ في نومه، ولا إشكال فيما يراه ﷺ في منامه. ذكر هذا الجواب: الخطابي (٣)، والسهيلي. (٤) قال الخطابي: «ليس في هذا الكتاب - يعني صحيح البخاري - حديثٌ أشنعَ ظاهراً، ولا أشنع مذاقاً من هذا الفصل؛ فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل، فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعاً عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه: إما رَدُّ الحديث من أصله، أو الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما، وأما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال؛ فإنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا؛ لقوله في

стр. 516

أوله: «وهو نائم» وفي آخره: «استيقظ»، وبعض الرؤيا مثلٌ يُضرب ليُتأول على الوجه الذي يجب أنْ يُصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة». اهـ (١) المذهب الثاني: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد بهما دنو الله تعالى من نبيه محمد ﷺ . وقد رُوي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري ﵄، ما يدل على هذا المعنى: فعن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)) [النجم: ١٣ - ١٤]- قال: «دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. قال: قد رآه النبي ﷺ ». (٢) وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «لما أسري بالنبي ﷺ اقترب منه ربه، فكان قاب قوسين أو أدنى». (٣) وروى ابن خزيمة، عن عباد بن منصور قال: «سألت الحسن، فقلت: ثم دنا فتدلى، من ذا يا أبا سعيد؟ قال: ربي». (٤) ونسب ابن الجوزي هذا القول لمقاتل. (٥) وقد مال إلى هذا التفسير الإمام ابن خزيمة؛ فإنه قال: «فأما قوله جل وعلا: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)) ففي خبر شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، بيان ووضوح أنَّ معنى قوله: (دنا فتدلى) إنما دنا الجبار رب العزة، لا جبريل». اهـ (٦) ثم أورد حديث أنس من طريق شريك بن عبد الله، وأتبعه بتفسير الحسن

стр. 517

البصري للآية، ثم قال: «وفي خبر كثير بن حبيش، عن أنس: أنَّ النبي ﷺ قال مثل هذه اللفظة التي في خبر شريك بن عبد الله». اهـ (١) ثم روى بإسناده حديث كثير بن حبيش، عن أنس ﵁، ولفظه: «فدنا إلى ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». (٢) وكما ترى فإنَّ لفظ كثير بن حبيش مُغاير للفظ شريك؛ إذ في لفظ «شريك» نسبة الدنو إلى الله تعالى، وأما لفظ «كثير بن حبيش» ففيه: أن محمداً ﷺ هو الذي دنا إلى ربه . لكن روى الحديث ابنُ جرير في تفسيره، عن كثير بن حبيش، بلفظ موافق لرواية شريك، ولفظ الحديث كاملاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما عُرِجَ بي مضى جبريل حتى جاء الجنة، قال: فدخلتُ فأُعطيت الكوثر، ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى، فدنا ربُّك فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». (٣) وممن ذهب إلى نسبة الدنو إلى الله تعالى: القاضي أبو يعلى، في كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات»؛ فإنه أورد الآية ثم قال: «فعُلِمَ أنَّ المتدلي هو الذي يُوحي، وهو الله تعالى». اهـ (٤) المذهب الثالث: أنَّ الدنو والتدلي في الآية المراد بهما دنو جبريل ﵇ من الله تعالى. رُوي هذا القول عن مجاهد (٥)، وبه قال ابن حبان (٦). المذهب الرابع: أنَّ المراد بالآية دنو الله تعالى من جبريل ﵇. رُوي هذا القول عن مجاهد (٧).

стр. 518

المذهب الخامس: أنَّ المراد بالآية دنو محمد ﷺ من ربه تعالى. جاء هذا التفسير عن ابن عباس، ﵄، في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)) [النجم: ٨] قال: «هو محمد ﷺ دنا فتدلى إلى ربه ». (١) ورُوي هذا التفسير عن الضحاك (٢)، ومحمد بن كعب (٣). المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو ما ذهب إليه عامة المفسرين من تفسير الآية بدنو جبريل ﵇ من نبينا محمد ﷺ ، وأنَّ ما رُوي في حديث أنس ﵁ من نسبة الدنو والتدلي إلى الله تعالى - هو مما تفرد به شريك، وهو لا يعدو أنْ يكون وهماً منه، أو رأياً تأوله في تفسير الآية، ولم يسمعه من أنس ﵁. يدل على هذا الاختيار: ١ - أنَّ هذا التفسير هو الثابت عن عائشة، وابن مسعود، ﵄ (٤)، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة (٥)؛ إلا ما روي عن ابن عباس، ﵄، وسيأتي الجواب عنه. ٢ - أنه قد ثبت عن عائشة (٦)، وابن مسعود (٧)، ﵄، أنَّ النبي ﷺ فَسَّرَ قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤))، بأنَّ المراد رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇. ومرجع الضمير في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) وقوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) واحد، فلا يجوز أنْ يُخَالَفَ بينهما إلا بدليل.

стр. 519

٣ - إجماع الصحابة ﵃ على أنَّ النبي ﷺ لم يرَ ربه ليلة الإسراء (١)، وفي إجماعهم هذا دليلٌ على أنَّ الآية لا يَصِحُّ تفسيرها بدنو الله تعالى من نبيه ﷺ ؛ إذ لو كان الله تعالى قد دنا منه لرآه ﷺ ، ولأخبر بذلك، كيف وقد نفى ذلك بنفسه ﷺ ، فإنَّه حينما سأله أبو ذر: هل رأيتَ ربَّك؟ قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (٢). ٤ - ومما يؤكد وقوع الغلط في رواية شريك: أنَّ الحديث رواه جمع غفير من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ (٣)، ولم يذكروا هذا اللفظ، ورواه جمع غفير من التابعين عن أنس ﵁ (٤)، ولم يذكروا هذا اللفظ أيضاً. وأمَّا المروي عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية؛ فجوابه: أنَّ الروايات عنه على نوعين: النوع الأول: صريح غير صحيح، وهو ما ورد عنه من تفسير الآية بدنو محمد ﷺ من ربه تعالى (٥)، وهذه الرواية لا تصح عنه.

стр. 520

النوع الثاني: صحيح غير صريح، وهو ما ورد عنه من تفسير الآية بدنو الله تعالى من نبيه ﷺ ، وهذا التفسير رُوي عنه من طريق واحدة، وهي طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄. لكن الرواة - عن محمد بن عمرو - وقع بينهم اختلاف في لفظه: فرواه ابن جرير الطبري (١)، واللالكائي (٢)، من طريق سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)) - قال: «دنا ربه منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى». قال: «قد رآه النبي ﷺ ». ورواه الترمذي (٣)، والبيهقي (٤)، من الطريق نفسه، عن ابن عباس، ﵄ في قول الله ﵎: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)) - قال: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)) [النجم: ٨ - ١٠]، قال ابن عباس: «قد رآه النبي ﷺ ». ورواه ابن أبي شيبة (٥)، وابن أبي عاصم (٦)، وابن خزيمة (٧)، والآجري (٨)، والطبراني (٩)، والدارقطني (١٠)، جميعهم من طريق عبدة بن

стр. 521

سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس، ﵄: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) قال: «رأى ربه ». ورواه ابن خزيمة (١)، وابن حبان (٢)، والدارقطني (٣)، جميعهم من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: «قد رأى محمد ﷺ ربه». ولم يذكر الآية. وهذه الروايات قد اتفقت على أنَّ ابن عباس كان يُثْبِتُ رؤية النبي ﷺ لربه تعالى، واختلفت في تنزيل الآيات على هذا المعنى، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنَّ ابن عباس، ﵄، كان يستدل بمجموع هذه الآيات على إثبات الرؤية، دون تفسير منه لآية الدنو، وهذا هو الثابت عنه ﵁، فإنَّه كان يذهب إلى أنَّ النبي ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء (٤)، دون تفصيل منه في ذلك (٥)، لكن بعض الرواةِ تَصَرَّفَ في النقل، فأوهم أنَّ ابن عباس فَسَّر قوله

стр. 522

تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)) بدنو الله تعالى من نبيه ﷺ . (١) يؤكد ذلك: أنَّ ثمة طرقاً أخرى عن ابن عباس، رُويتْ عنه ولم يأتِ في شيء منها ذِكْرُ آية الدنو، أو تفسيرها، ومن هذه الطرق: ١ - عن عكرمة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) - قال ابن عباس: «إنَّ رسول الله ﷺ رأى ربه». (٢) ٢ - وعن أبي العالية، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)) [النجم: ١١] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) - قال ابن عباس: «رآه بفؤاده مرتين». (٣) ٣ - وعن عطاء، عن ابن عباس - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) قال: «إنَّ النبي ﷺ رأى ربه بقلبه». (٤) ٤ - وعن يوسف بن مهران، عن ابن عباس - في قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١٨)) - قال: «رأى محمد ﷺ ربه بفؤاده». (٥) وكما ترى فإنَّ هذه الروايات صريحة بأنَّ ابن عباس كان يستدل بالآيات على إثبات الرؤية وحسب، وليس فيها أنه فسر قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)) بدنو الله تعالى من نبيه ﷺ . وهذا الذي فهمه ابن عباس من الآيات - في إثبات رؤية النبي ﷺ لربه تعالى - قد خالفته فيه عائشة، وابن مسعود، ﵄؛ فعن عائشة، أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) فقال: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ

стр. 523

السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (١)، وعن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)) - قال: قال رسول الله ﷺ : «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ، ﵇، وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ» (٢)، وتفسير عائشة، وابن مسعود، أولى من تفسير ابن عباس؛ فإنهما قد صرحا برفع ذلك للنبي ﷺ ، بخلاف ابن عباس، فإنه لم يُسندْ شيئاً من ذلك للنبي ﷺ ، والمرفوع أولى من الموقوف، والله تعالى أعلم. (٣)

стр. 524

المسألة [٤]: في مكان سدرة المنتهى . المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة: قال الله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)) [النجم: ١٣ - ١٤]. المبحث الثاني: ذكر الأحاديث الواردة في تفسير الآية، التي يُوهِم ظاهرها التعارض فيما بينها: (٧٢) ـ (٦٢): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ .... »، ثم ذكر حديث الإسراء بطوله، وفيه: «فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ. فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى .... ». (١)

стр. 525

(٧٣) ـ ( .. ): وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: « .... ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى .... ». (١) (٧٤) ـ (٦٣): وَعَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : « .... ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ: إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ، لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ. فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ. ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى .... ». (٢) (٧٥) ـ (٦٤): وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ .... ». (٣) المبحث الثالث: بيان وجه التعارض بين الأحاديث: ظاهر الأحاديث المتقدمة أنَّ لسدرة المنتهى ثلاثة أمكنة: الأول: أنها «في السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث مالك بن صعصعة، وأنس بن مالك، من طريق ثابت البناني، عنه.

стр. 526

الثاني: أنها «فوق السماء السابعة»، وهو ما دلَّ عليه حديث أنس بن مالك، من طريق شريك بن عبد الله، عنه. الثالث: أنها «في السماء السادسة»، وهو ما دلَّ عليه حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وهذه الأحاديثُ الثلاثة يُوهِمُ ظاهرها التعارض فيما بينها في تعيين مكان سدرة المنتهى. (١) المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع التعارض بين الأحاديث: للعلماء في دفع التعارض بين الأحاديث مسلكان: الأول: مسلك الجمع بين الأحاديث: ولأصحاب هذا المسلك مذهبٌ واحدٌ في الجمع بين هذه الأحاديث، وجملة مذهبهم: أنَّ أصل سدرة المنتهى في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة. وعلى هذا المذهب: النووي، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والعيني، والمناوي، والألباني. (٢) قال النووي: «ويمكن أنْ يُجْمَعَ بينها، فيكون أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، فقد عُلِمَ أنها في نِهايةٍ من العِظَمِ». اهـ (٣)

стр. 527

وقال الحافظ ابن حجر: «ولا يُعارض قوله إنها في السادسة ما دلَّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أنْ دخل السماء السابعة؛ لأنه يُحمل على أنَّ أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها». اهـ (١) الثاني: مسلك الترجيح بين الأحاديث: ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ لسدرة المنتهى مكاناً واحداً لا غير، وهذا المكان هو ما جاء مرفوعاً في حديث أنس من أنها في السماء السابعة، وأما ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود من أنها في السادسة فموقوف عليه، والمرفوع أولى من الموقوف. وهذا مذهب: ابن العربي، والقاضي عياض، وأبي العباس القرطبي، والحافظ ابن رجب، والملا علي القاري. (٢) قال أبو العباس القرطبي: «في حديث أنس ما يقتضي أنَّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: «ثم ذهب بي إلى السدرة» بعد أنْ استفتح السماء السابعة فَفُتِحَ له فدخل، وفي حديث عبد الله أنها في السماء السادسة، وهذا تعارضٌ لا شك فيه، وما في حديث أنس أصح، وهو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي يَنْتَهي إليها علمُ كلِّ مَلَكٍ مُقَرَّب ... ، وأيضاً فإنَّ حديث أنس مرفوع، وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمسند المرفوع أولى». اهـ (٣) وقال الحافظ ابن رجب: «وقول ابن مسعود: «إنَّ سدرة المنتهى في السماء السادسة» يُعارضه حديث أنس المرفوع من طُرُقِهِ كُلِّها؛ فإنَّه يدل على أنها في

стр. 528

السماء السابعة، أو فوق السماء السابعة، والمرفوع أولى من الموقوف». اهـ (١) المبحث الخامس: الترجيح: الذي يَظْهُرُ صَوَابُه - والله تعالى أعلم - هو مسلك الجمع بين الأحاديث، إذ يُحمل حديث عبد الله بن مسعود: على أنَّ أصل السدرة في السماء السادسة، ويُحمل حديث مالك بن صعصعة، وأنس: على أنَّ فروعها وأغصانها في السماء السابعة. يدل على هذا الاختيار: ١ - أنه قد روي عن النبي ﷺ ما يؤيد هذا الجمع؛ فعن أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)) - أنَّ النبي ﷺ قال: «رُفِعَتْ لِي سِدْرَةٌ مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ». (٢) (٣) فقوله: «مُنْتَهَاهَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ» يُفْهَمُ منه أنَّ أصلها ليس في السابعة، ولما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ أنها في السادسة، علمنا أنَّ مراد الأحاديث أنَّ أصلها في السادسة ومنتهاها في السابعة. ٢ - أنَّ الترجيح لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، أو تَبَيَّنَ بجلاء ضعف الروايةِ المرجوحة، أو وقوع الخطأ فيها، وهذا كله مفقود في مسألتنا هذه؛ إذ الجمع ممكن، والروايات كلها صحيحة.

стр. 529

وأما رواية شريك - والتي فيها أنَّ السدرة فوق السماء السابعة - فالأظهر أنها وَهْمٌ منه ﵀، وقد عُدَّتْ عليه أوهامٌ في روايته لحديث الإسراء، وهذه منها. (١) وأما قول أصحاب المسلك الثاني: إنَّ حديث ابن مسعود موقوف عليه؛ فغير مُسَلَّمٍ لهم، بل هو في حكم المرفوع؛ لأنَّ مثله لا يُقال بالرأي، ولأنَّ بعض ألفاظه قد رويت في حديث أنس المرفوع، فصار له حكم الرفع مثله، والله تعالى أعلم. ****

стр. 530

الفصل الثالث الأحاديث التي ترد في تفسير آية ما، ويوهم ظاهرها معنىً مشكلاً
следующие страницы →