الفصل الرابع: سبل الوقاية والعلاج
المبحث الأول: السبل العامة للوقاية والعلاج من اللواط
...
الفصل الرابع: سبل الوقاية والعلاج
وبعد هذا التطواف في ذكر الأسباب المؤدية إلى وقوع اللواط ـ نصل إلى مربط الفرس، وبيت القصيد، ألا وهو الحديث عن سبل الوقاية والعلاج؛ ذلك أن أكثر من يقع في تلك الجريمة لا ينقصه معرفة حكم الإسلام فيها، ولا معرفة الأضرار الناتجة عنها، وإنما ينقصه معرفة كيفية العلاج من هذا الداء العضال، وسبل الفكاك من تلك الشهوة الجامحة١
فهذا هو الذي يحتاجه أكثر من يقع في هذا الأمر، كما يحتاجه ـ أيضا ـ من يبحث في علاج هذه الجريمة والوقاية منها، من المعلمين والمربين وغيرهم.
وكما أن أسباب وقوع تلك الجريمة يشترك فيها أطراف متعددة ـ فكذلك سبل الوقاية والعلاج؛ فهي ليست مسؤولية جهة محددة، أو فرد بعينه، بل هي مسؤولية الجميع ـ كل بحسبه ـ.
فإذا تظافرت الجهود، وحسنت المقاصد، واستفرغ الجهد والطاقة ـ حصل خير كثير، واندفع شر مستطير.
فلعل فيما يلي تبيانا لبعض السبل، وتذكيرا ببعض الواجبات، التي تعين على القضاء على هذه الجريمة، أو التخفيف من شدة وطأتها وكثرة انتشارها، وذلك من خلال المبحثين الآتيين:
стр. 72
المبحث الأول: السبل العامة للوقاية والعلاج من اللواط
١ ـ الحرص التام على غرس العقيدة الصحيحة، وتثبيت دعائمها وتعهدها دائما في نفوس الأفراد والمجتمعات:
فالانحراف السلوكي إنما هو ناتج عن خلل في العقيدة، والسلوك ـ في الغالب ـ ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر وما يدين به من دين، ويعتقده من معتد، والعقيدة الصحيحة ـ بإذن الله ـ صمام أمان، وحماية لمعتنقيها من الزلل والانحراف، وهذه مسؤولية أهل العلم والدعوة على وجه الخصوص.
٢ ـ استشعار أهمية الموضوع، وإعطاؤه حقه من العناية والبحث والعلاج:
فهذا الموضوع في ـ الحقيقة ـ لم يعط حقه تاما، بالرغم من تفشيه وانتشاره، وقد تسوغ بعضهم ترك الحديث عنه؛ بحجة أن النفوس تشمئز منه وتنفر من ذكره، ولا شك أن هذا خطأ وخلل، فطالما أن هذا الأمر قد وقع وانتشر واستشرى ـ فالواجب صده، والوقوف أمامه، والحد من انتشاره، وتبيان خطره وضرره، فهذا القرآن الكريم يذكر الله فيه مقالات اليهود والنصارى بالرغم من شناعتها وبشاعتها، حتى تستبين سبيلهم ويحذر أهل الإيمان منهم ومن صنيعهم، ولم يكن بشاعة قولهم مسوغا لترك الحديث عنهم.
стр. 73
٣ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشاعة روح التناصح:
فالأمر جد خطير، والمسؤولية مشتركة كل بحسبه وجهده وطاقته ((هذا بتعليمه وكلامه، وهذا بوعظه وإرشاده، وهذا بقوته وماله، وهذا بجاهه وتوجيهه إلى السبيل النافع))
فلا ينبغي التنصل عن المسؤولية وإلقاء التبعات على الآخرين.
فما أحوج الوالغين في الفحشاء إلى النصح والإرشاد، وما أحرانا بالإنكار على أصحاب تسجيلات الغناء وباعة المجلات الخليعة وغيرهم ممن يغرون بالفواحش ويؤججون الغرائز، ويتاجرون بالخنا والزور.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لتكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وبه تتم الخيرية، ويرفع العذاب ٢، وتركه مؤذن بالعقوبات ومعين على انتشار المنكرات، وسبب لتسليط الأعداء وعدم إجابة الدعاء ٣
٤ ـ تكثيف الدروس العلمية:
فالدروس العلمية وقاية من الانحراف ـ بإذن الله ـ فإذا كثرت وكثر روادها عم العلم، وكثر الصلاح، وقل الجهل، وخف الفساد.
٥ ـ تكثيف حلق القرآن الكريم:
وهذا من سبل الوقاية من الانحراف ـ أيضا ـ فتكثيف حلق القرآن الكريم مما ينبغي أن يعتنى به، ويبذل في سبيله؛ فإن الصغير إذا نشأ على محبة القرآن، والحرص على حفظه ـ فإن ذلك سيحفظ عليه وقته، ويحميه ـ بإذن الله ـ من الزلل والانحراف.
стр. 74
٦ ـ العناية بالشباب عموما:
سواء ممن يجوبون الشوارع عرضا وطولا، أو ممن يعكفون الساعات الطوال على مشاهدة الأفلام أوالجلوس على الأرصفة، أو ممن لديهم منتديات خاصة يرتادونها ويجتمعون فيها، فمما ينبغي عمله تجاه هؤلاء ما يلي:
أـ دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن بدأ بالأهم فالمهم١
ب ـ فتح الصدر لهم، واستقبالهم من قبل الدعاة والمربين، والأخذ بأيديهم إلى الخير والصلاح.
جـ ـ إقامة دروس تربوية خاصة بالشباب، تبحث في مشكلاتهم وتسعى في حلولها.
د ـ تعويدهم على تحمل المسؤولية، والبحث عن أعمال لهم، لكي يشتغلوا بما ينفعهم، ويبتعدوا عما يضرهم ويضر غيرهم.
هـ ـ تحريك جوانب الخير فيهم، كالنخوة، والشهامة، والكرم، والحياء، وتحبيبهم بها، مع تنفيرهم من الرذيلة وتقبيحها في نفوسهم؛ لأن الإنسان إذا أحب أمرا من الأمور ـ حرص على التحلي به، وإذا اشمأز من فعل شيء وتقززت نفسه منه ـ انبعث إلى تركه والابتعاد عنه نهائيا ٢.
وـ انقاذهم من الاستسلام: وذلك بتشجيعهم، والرفع من معنوياتهم، وفتح أبواب الأمل والتوبة لهم، وإعادة الثقة إلى نفوسهم، فرب كلمة واحدة تنقذ المهزوم، وترد الشارد الطريد، وتعيد الأمل إلى اليائس القانط ٣.
стр. 75
ز ـ إيجاد البدائل المناسبة المباحة لهم.
٧ ـ العناية بتربية الأبناء:
فالبيت هو نواة المجتمع، وإذا صلحت البيوت صلحت المجتمعات، والبيت هو المدرسة الأولى ((والولد قبل أن تربيه المدرسة والمجتمع يربيه البيت والأسرة، وهو مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، كما أن أبويه مسؤولان ـ إلى حد كبير ـ عن انحرافه الخلقي))
فمما ينبغي على الآباء تجاه أولادهم ما يلي:
أـ الاستعانة بالله على تربية الأولاد، ودعاؤه ـ جل شأنه ـ أن يصلحهم ويهديهم.
ب ـ غرس العقيدة الصحيحة، والخلال الكريمة في نفوسهم؛ حتى يشبوا متعشقين لمعالي الأمور، مترفعين عن سفسافها.
ت ـ إشباع عواطفهم، وإشعارهم بالحنان، والعطف، والرحمة، حتى لا يعيشوا محرومين من ذلك فيبحثوا عنه خارج المنزل.
ث ـ الإنفاق عليهم بالمعروف؛ حتى لا يضطروا إلى البحث عن المال خارج المنزل.
ج ـ تجنيبهم الزينة الفارهة، والميوعة القاتلة للمروءة والرجولة.
ح ـ تجنيبهم أسباب الانحراف الجنسي، وذلك بإبعاد أجهزة الفساد عنهم، وتجنبيبهم مطالعة المجلات الخليعة، والقصص الغرامية، التي يقوم على ترويجها تجار الغرائز والأعراض، وعدم السماح لهم بالاطلاع على الكتب الجنسية التي تبحث في التناسليات صراحة وتشعل مخازن البارود الكامنة ٢.
стр. 76
خ ـ الحرص على تزويجهم وإعفافهم إذا بلغوا سن الرشد عند الحاجة والمقدرة.
د ـ تنمية شخصية الأولاد، وتقويتها وصقل مواهبهم ورعايتها.
ذ ـ حملهم على أداء الصلوات في المسجد وضبطهم فيه.
ر ـ السؤال عن صحبتهم، والحرص على ربطهم بالرفقة الصالحة.
ز ـ متابعتهم في مدارسهم.
س ـ تعويدهم على تحمل المسؤولية، وإسناد بعض الأعمال إليهم، وزرع الثقة في نفوسهم.
ش ـ شغل أوقات فراغهم بما ينفعهم.
ص ـ إعطاؤهم فرصة للتصحيح إذا أخطأوا.
ض ـ تربيتهم بالعقوبة، إذا اضطر الأمر إلى ذلك، بشرط ألا تكون ناشئة عن سورة جهل، أو ثورة غضب، وبألا يلجأ للضرب من أول الأمر بل بقوم بأنواع من العقاب كالتوبيخ أو قطع المديح، أو غير ذلك، وإن أعياه الأمر ـ لجأ للضرب الذي يؤدب الولد ولا يضره١
٨ ـ دور الإخوة الكبار:
فالإخوة الكبار كذلك عليهم دور في تربية إخوانهم الصغار، فعليهم ملاحظتهم والاهتمام بهم، والأخذ بأيديهم؛ لأنهم ألصق بهم من الوالدين،
стр. 77
وأعرف بما يدور في أوساطهم، حتى ولو كان الكبار مقصرين أو مفرطين فعليهم أن يجنبوا إخوانهم طرق الغواية والفساد.
٩ ـ المؤسسات التعليمية:
كالمدارس والمعاهد والإدارات القائمة عليها، فالواجب على هذه المؤسسات عظيم، والدور المناط بهم جسيم، لأنها أكبر محاضن التربية والتوجيه والتعليم.
فمما ينبغي أن تقوم به في سبيل الوقاية من هذه الظاهرة أوالقضاء عليها أو الحد من انتشارها ما يلي:
أـ إحياء العقيدة في نفوس الطلاب، وإشاعة جو الإيمان داخل المدرسة١
ب ـ العناية باختيار المعلمين الأخيار الأكفياء، دينا، وعلما، ومروءة، وصلاحا.
جـ ـ نشر الوعي بخطر تلك الجريمة.
د ـ العناية بالطلاب، ومحاولة التعرف على ما يدور في أذهانهم، إما عن طريق صناديق الاقتراحات، أو عن طريق الاستبيانات، أو عن طريق الحوار الهادف بين الطلاب والمدرسين؛ ليتسنى للمدرسين معرفة ما يدور في أذهان الطلاب من مشكلات، ومن ثم يتم السعي في علاجها.
هـ منع الطلاب من المبالغة في التجمل داخل المدرسة، ومحاولة إقناعهم بذلك، وإن لم ينفع ذلك منعوا بالشدة والحزم.
وـ تفريق الكبار عن الصغار داخل الفصل الواحد قدر المستطاع.
ز ـ التعرف على من تدور حولهم الشبه، ومحاولة إصلاحهم ونصحهم.
стр. 78
ح ـ إعطاؤهم فرصة للتصحيح إذا أخطأوا، وإن أعيت الحيلة طوي قيدهم وتم فصلهم.
ط ـ بث الدعوة داخل المدارس من خلال النصائح والتوجيهات أو من خلال بيع الكتب والأشرطة النافعة أو توزيعها.
ي ـ توجيه النشاط المدرسي لعلاج مشكلات الطلاب١
ك ـ مد الجسور مع أولياء أمور الطلبة، والاتصال بهم في حال غياب أبنائهم وإعلامهم بذلك.
ل ـ التعاون مع الجهات المسؤولة الأخرى، كهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرور، والشرطة وغيرها.
م ـ ملاحظة ما يكتبه الطلاب على الممرات وفي دورات المياه للتعرف من خلال ذلك على ما يدور في أذهانهم، ومعاقبة الذين يقومون بذلك، أو السعي في استصلاحهم.
ن ـ التعاون مع الطلاب المجدين الأخيار في بث الدعوة وعلاج هذه الظاهرة.
س ـ كما ينبغي على المعلمين أن يستشعروا عظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وذلك بالاهتمام بالطلاب، والنصح لهم، والحرص على هدايتهم، وفتح أبواب الأمل لهم، وعدم اليأس من صلاحهم، وأن لا يكون الاهتمام منصبا على إنهاء المنهج المقرر فقط، كما ينبغي أن يفتحوا الحوار الهادف مع الطلاب، وأن يوطدوا العلاقة معهم؛ فالتلقي فرع المحبة.
ع ـ كما ينبغي على الموجهين أن لا يكون اهتمامهم مقتصرا على الأمور
стр. 79
المظهرية فحسب، كالانشغال بدفتر التحضير أو غيره، بل ينبغي قبل ذلك أن يكون الاهتمام بالجوهر والأساس ألا وهو الطالب؛ إذا هو محور العملية التربوية. ويجب أن يكون كذلك١
ف ـ المرشد الطلابي له دور مهم؛ فالطلاب يبثون إليه همومهم ومشكلاتهم، فحبذا أن يقوم عليه الأكفياء الأتقياء الأذكياء، الذين يجيدون التعامل مع الطلاب، ويستطيعون إفادتهم والتأثير فيهم ومعالجة أخطائهم.
١٠ ـ المراكز الصيفية:
فالمراكز الصيفية لها دور مشكور في تربية الشباب، وحفظ أوقاتهم، وصقل مواهبهم وحمايتهم من الانحراف.
ولن نفرط في المثالية فنطالب المراكز بأكثر مما لديها من إمكانات، على أنه لا يمنع أن نناشدهم بأن يرفعوا من مستوياتهم، ويسيروا بالمراكز إلى الأمثل، بتكثيف الدروس العلمية، وبث الجدية وتعويد الشباب على تحمل المسؤولية، وحبذا لو تعدى نفع المراكز إلى غير مرتاديها، فتسهم في دراسة مشكلات الشباب، وتسعى في حلولها، وتتعاون بذلك مع الجهات الأخرى، كما أنه يجدر بأهل الغنى واليسار أن يسهموا في إنجاحها، كما ينبغي لأهل العلم والفضل أن يسهموا في النصح والتوجيه للقائمين على المراكز بدلا من كثرة الانتقادات والغمز واللمز، كما ينبغي للقائمين على المراكز أن يصيخوا السمح للناصحين، ويستفيدوا من النقد البناء الهادف، ١ انظر الدين والشباب لأحمد الحصين ص ٦٧ ـ ٦٨، وطل الربوة تربية الأستاذ لتلميذه، د: عبد الله قادري، والمدرس ومهارات التوجيه لمحمد الدويش ص ٦١، والمظهرية الجوفاء وأثرها في دمار الأمة حسين العوايشة ص ٧١ ـ ٧٩، ونحو تربية إسلامية أحمد محمد جمال ص ١٠٤ و ١٢٤ ـ ١٣٠.
стр. 80
ويتلافوا ما يقعون فيه من أخطاء، حتى نصل جميعا إلى ما فيه صلاح أبنائنا، وسلامتهم في الانحراف والفساد، والحيرة، والاضطراب.
١١ ـ هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
فالهيئات تتضلع بدور كبير في صد هذا المنكر، وتبذل مجهودات جبارة مخلصة في سبيل مكافحة هذا الأمر والقضاء عليه والوقاية منه.
فمما يقترح عليهم في هذا الصدد مع قيامهم بأكثره، ولكن نذكرهم، ونأمل منهم المزيد ـ ما يلي:
أـ مراقبة المشبوهين الذين يتوقع منهم حدوث هذا الأمر، ومراقبة الأماكن والأحياء التي يكثر ترداد المشبوهين عليها، مع التركيز على البيوت الخربة المهجورة.
ب ـ مناصحة المبتلين باللواط، وتحذيرهم من أضراره وأخطاره، ودعوتهم إلى الخير من خلال الكلمة، أو إهداء الشريط، أو الكتيب المناسب.
جـ الأخذ بأيدي الأحداث ممن وقعوا تحت وطأة التهديد، والرفع من معنوياتهم، وبث الشجاعة فيهم، وتقوية عزائمهم، بألا يستسلموا لتهديد المجرمين.
د ـ دراسة هذا الموضوع ورصد الظواهر العامة والأسباب التي تؤدي إلى وقوعه، وبيان الأخطار المترتبة عليه، والبحث في سبل الوقاية منه، وإيجاد الحلول المناسبة لذلك، مع رفع التقارير بهذا الصدد إلى من يهمهم الأمر من المسؤولين والعلماء، والدعاة والقضاة والخطباء وغيرهم، حتى يدركوا خطورة هذا الأمر ويسعوا في تلافيه.
هـ التعاون مع بعض الجهات المسؤولية كالمدارس والمرور والشرطة وغيرها.
وـ التعاون مع أئمة المساجد وأهل الخير عموما لملاحظة أحيائهم وجماعة مساجدهم.
стр. 81
ز ـ القضاء ـ بقدر المستطاع ـ على المنكرات التي تعين على وقوع اللواط، كأماكن بيع المجلات، والدخان، والأغاني، والأفلام الخليعة وذلك بالنصح، أو بمراقبة المبيعات أو غير ذلك، فإن لم يقض على الشر كله فلا أقل من أن يخفف ضرره، ويقلل خطره.
ح ـ الاحتساب على من يبالغون في التجمل كمن يقومون بالتشبه بالنساء، وتصفيف الطرر وغير ذلك.
ط ـ تنبيه أولياء أمور الأحداث الذين يخشى عليهم من أهل السوء والإجرام، ونصحهم بأن يحافظوا على أبنائهم ويتفطنوا لهم.
١٢ ـ المحاكم الشرعية:
فللمحاكم الشرعية دور كبير في القضاء على هذه الجريمة وقطع دابرها، وذلك بإصدار الأحكام الصارمة وإنزال العقوبات الرادعة، وإقامة حكم الله على مرتكبي هذه الجريمة؛ تأديبا لهم وردعا لغيرهم، فالحزم مع المجرمين ـ زيادة على كونه تأديبا لهم وردعا لغيرهم ـ فهو ـ في الوقت نفسه ـ حماية للمجتمع من الفواحش، ورحمة لمن وقعوا ضحية للمجرمين، بل هو رحمة للمجرمين أنفسهم؛ فبسبب ذلك يكفون عن جرمهم، وينزعون عن غيهم.
أما التساهل والتراخي وقلة الحزم ـ فإنه سيجرىء السفهاء والمجرمين، ولن يوقفهم عند حد معين، وقد يقود بعض المتهورين الطائشين إلى أن يأخذ حقه بيده، فربما قتل الجاني عليه أو على ابنه أو قريبه، وربما فعل بالجاني ما لا تحمد عقباه، كما نلتمس من قضاتنا الفضلاء أن يكثفوا من زياراتهم لمراكز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليقفوا بأنفسهم على جلية الأمر، وليروا بأم أعينهم تلك المآسي التي يندى لها الجبين.
стр. 82
١٣ ـ دور المرور:
أما دور المرور حيال هذه الظاهرة فيمكن في الآتي:
أـ متابعة السيارات المشبوهة، والحزم مع أصحابها، خصوصا تلك التي أدخل عليها شيء من التعديلات أو الزينات المريبة، كالتغبير، والترفيع، والتنزيل، أو التطييح إلى غير ذلك من المصطلحات المعروفة لدى كثير من الشباب.
ب ـ متابعة المفحطين والحزم معم؛ فالتفحيط وما يدور في فلكه مرتع خصب لوقوع اللواط، وقل مثل ذلك عن ما يسمى بـ ((التطعيس)) أو ((السباحة على الرمال)) .
جـ ـ التعاون مع المدارس في معالجة هذه الظواهر.
د ـ الحزم في مسألة قيادة الأحداث للسيارات.
١٤ ـ رجال الشرطة:
قبل كل شيء ينبغي أن يقوم على هذا الجهاز من يعرف بالفضل والديانة والمروءة والأمانة؛ حتى يقوم بهذه المسؤولية خير قيام، ومن الأمور التي ينبغي أن يقوم بها رجال الشرطة في هذا الصدد زيادة على ما يقومون به ما يلي:
أـ استشعار خطر هذه الجريمة على الأمن؛ فانتشار الفواحش وانتهاك الأعراض من أعظم أسباب الفوضى وفقدان الأمن.
ب ـ مراقبة التجمعات المشبوهة والحزم مع المجرمين.
جـ ـ بذل الجهد في القضاء على الوسائل المعينة على هذه الجريمة كالمخدرات والمسكرات وغيرها.
د ـ الحزم في مسألة التجوال في ساعات الليل المتأخرة، خصوصا إذا كان من الأحداث.
стр. 83
هـ ـ التعاون مع الجهات الأخرى التي يهمها هذا الأمر.
١٥ ـ السجون:
حبذا لو تم تحويل السجون إلى مدارس تربوية لإصلاح المساجين، وتقويم سلوكهم، وتربيتهم تربية إسلامية صالحة، وذلك من خلال الدروس النظرية، والتطبيقات العملية، التي تثبت دعائم الفضيلة بين جوانحم وتقوي إدارة الخير في مسارب دمائهم، وتنفرهم من الجريمة، وتبغض إليهم الرذيلة؛ حتى يخرجوا من السجن صالحين مصلحين نافعين لأنفسهم ومجتمعاتهم، ولو لم يأت من ذلك إلا أن يكفى المجتمع شرهم وخطرهم.
فإن لم يتم هذا الإصلاح فإن هؤلاء سيعودون إلى جرمهم بعد إخراجهم بطريقة أو بأخرى، بل إن بعضهم يزداد جرمه ويتضاعف خطره إذا خرج من السجن؛ بسبب معاشرته مجرمين أشد جرما منه، فإذا رآهم وعاشرهم هانت عليه جريمته، وسعى لما هو أشد منها ((وعلى ذلك فمعنى إخراج السجين قبل تعديل السلوك الإجرامي يعد إكثارا من عدد المجرمين في المجتمع))
١٦ ـ دور الإدارة العامة لمكافحة المخدرات:
فالمخدرات ـ كما مر ـ من أعظم الأسباب التي تمد هذه الجريمة، والإدارة العامة لمكافحة المخدرات تقوم بجهود مشكورة في سبيل القضاء على المخدرات، ومما يؤمل منها تجاه القضاء على الفاحشة ـ زيادة على ما تقوم به ـ ما يلي:
أـ إلقاء المحاضرات والندوات في المدارس للتحذير من المخدرات.
ب ـ إصدار النشرات التي تحذر من المخدرات بكافة صورها.
стр. 84
جـ ـ كتابة التقارير عن أسباب انتشار المخدرات وسبل محاربتها وتزويد الجهات التي تستقطب الشباب، كالمدارس وغيرها بهذه التقارير.
١٧ ـ رعاية المطلقات، وزوجات المساجين:
وذلك بالدعوة إلى حمايتهن وصيانتهن من الضياع، والشقاء؛ حتى يبقين بين أولادهن، حماية لهم من التشرد والضياع والانحراف١، وهذه مسؤولية الضمان الاجتماعي والجمعيات الخيرية.
١٨ ـ السعي في علاج مشكلات الفقر:
الفقر الذي يسيطر على كثير من الأسر والبيوت، مما يضطر الأسرة ـ وخصوصا الشباب ـ إلى البحث عن لقمة العيش، أو ما يحتاجون إليه بأي وسيلة ولو كانت محرمة، ومن أي شخص ولو كان مجرما.
ويتم علاج الفقر بتكافل المجتمع المسلم، وتعاونه بالطرق المشروعة، كالزكاة الواجبة، والصدقات المندوبة، وإيجاد فرص العمل لكل قادر، وإعطاء العاجزين ما يحتاجون إليه من بيت المال والجمعيات الخيرية التعاونية أو غير ذلك (٢) .
١٩ ـ الأخذ بأيدي المساجين بعد الإفراج عنهم:
وذلك بتشجيعهم، وتوجيههم إلى الخير، ونسيان ماضيهم، وفتح أبواب الأمل لهم، بدلا من الإعراض عنهم ونبذهم والنظر إليهم شزرا، وبذلك نعينهم على أنفسهم، ونقطع الطريق على رفقة السوء.
٢٠ ـ المستشفيات والمراكز الصحية:
أما واجب المستشفيات والمراكز الصحية فيتلخص فيما يلي:
أـ نشر الوعي الصحي، وبيان خطر تلك الجريمة، والتحذير من عواقبها
стр. 85
الوخيمة، وذلك إما عن طريق المحاضرات التي تلقى في المدارس، أو غيرها أو عن طريق إصدار النشرات والملصقات.
ب ـ التعاون مع الجهات الأخرى المعنية بهذا الأمر.
جـ ـ نصح المراجعين الذين يعانون من أمراض الجنس. فالأطباء ـ خصوصا المسلمين منهم ـ ينبغي أن ينصحوا للمراجعين، ويحذروهم من ارتكاب الفواحش، ويفتحوا لهم أبواب التوبة والأمل.
٢١ ـ البلدية:
ولسائل أن يسأل: وما دور البلدية؟ وما علاقتها بهذا الأمر؟
والجواب: أن البلدية يمكن أن تشارك في علاج في الأمر من خلال ما يلي:
أـ هدم البيوت المهجورة الآيلة للسقوط؛ فهذه البيوت أوكار للأحداث والنحرفين، فهم يجتمعون فيها ويتوارون عن الأعين، ويقع منهم ما لا يليق، ثم إن بقاءها يشوه جمال البلد.
ب ـ إزالة الكتابات التي على الجدران والممرات؛ فهذه الكتابات تحتوي على كلمات مقذعة بذيئة، تدعو إلى الفحشاء والفجور، وتنشر الخزي والعار، وربما ألصقت التهم بالأبرياء، وكتبت على الجدران والممرات.
فما أحرى بالبلدية أن تسهم في القضاء على هذه الظاهرة، وذلك بإزالة هذه الكتابات أولا بأول، وإيقاع العقوبات المناسبة على من يقوم بهذا الصنيع، فهذه الكتابات تشوه جمال البلد الحسي والمعنوي.
٢٢ ـ أئمة المساجد:
يجدر بأئمة المساجد أن يقوموا بدورهم تجاه مساجدهم، وأن لا يقف دورهم عند إمامة المصلين فحسب، فمما ينبغي عليهم:
أـ التعرف على جماعة المسجد، والاختلاط بهم، والسؤال عن أحوالهم؛ لأن الإمام الذي لا يختلط بالمصلين في المسجد وخارجه، ولا يسأل عن
стр. 86
أحوالهم وما يطرأ لهم لا يقدر على إفادتهم١
ب ـ إقامة الدروس العلمية الملائمة لجماعة المسجد.
جـ ـ تفقد المتخلفين عن الصلاة، ومناصحتهم، وإن أعيتهم الحيلة فليرفعوا أمرهم إلى الجهات المختصة التي تتولى معاقبتهم؛ لأن المحافظة على الصلوات، وكثرة ارتياد المساجد تمكن الإيمان في قلوب المصلين، وتكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
د ـ حماية أبناء الحي من الانحراف: وذلك بنصحهم وعقد اللقاءات معهم ومعالجة أوضاع المنحرفين منهم، ومراقبة من يكثر الترداد إلى الحي من غير أهله من الشباب المنحرف، وتحذيرهم من ذلك.
هـ ـ إزالة ما يكتب في دورات المياه من كتابات بذيئة، والتعرف على من يكتب ذلك واتخاذ ما يلزم معه.
وـ التعاون بين الأئمة والتشاور فيما يحقق المصلحة.
ز ـ التعاون مع الجهات الأخرى كالهيئات والمدارس.
٢٣ ـ الخطباء:
فالخطباء هم الذين يوجهون الناس إلى الخير، ويحذرونهم من الشر، فمما ينبغي عليهم:
أـ تحذير الناس من الفواحش وأسبابها، مع بيان أضرارها على الدين والدنيا.
ب ـ تنبيه أولياء الأمور بحفظ أولادهم ووقايتهم سبل الفساد.
جـ ـ تخصيص بعض الخطب للشباب، وفتح أبواب الأمل لهم، وذكر الأسباب المعينة على الاستقامة.
стр. 87
د ـ التعاون مع الجهات الأخرى، كالهيئات، والمدارس وغيرها ممن يعنيها هذا الأمر؛ حتى يصلوا معهم إلى حلول مناسبة ويعرضوا ما توصلوا إليه أمام الناس بما يناسب الحال والمقام.
٢٤ ـ المكتبات في المساجد:
فالمكتبات في المساجد تقوم بدور فعال ومهم في هذا السبيل، وذلك من خلال ما تقوم به من حفظ أوقات الشباب، وإقامة الدروس العلمية، وتنظيم الرحلات المفيدة إلى غير ذلك، فحبذا العناية بها والسير بها نحو الأمثل.
٢٥ ـ مجالس الأحياء:
وذلك بأن يكون لأهل كل حي مجلس أسبوعي أو شهري أو غير ذلك، ويشرف عليه أكابر الحي من أهل العلم والفضل، ويقرأ فيه بعض الكتب العلمية المفيدة، وتدرس في المجلس أوضاع الحي وأحوال أبنائه، فيستفيد الصغار من الكبار وتزول الوحشة والفجوة فيما بينهم.
٢٦ ـ واجب التجار:
التجار لهم دور في الوقاية من هذا الجريمة والحد من انتشارها، ومما يمكن أن يقوموا به ما يلي:
أـ دعم الجهات التي تعالج مشكلات الفقر وتسد حاجة المطلقات والأسر المشردة؛ حماية للأولاد من الانحراف.
ب ـ مساعدة الشباب على الزواج، وتسهيل أموره لهم.
جـ ـ إيجاد أعمال مناسبة للشباب الفارغين، فالفائدة هنا ستكون مزدوجة، فمنها أن هؤلاء الشباب سيفيدون أنفسهم وأهليهم، ومنها أن المجتمع سيكفى شرهم وانحرافهم.
د ـ دعم الجهات التي تهتم بتربية الشباب.
стр. 88
٢٧ ـ أصحاب المكتبات والمحلات التجارية:
عليهم أن يتقوا الله وأن يكفوا عن بيع المجلات الخليعة والقصص الغرامية، والكتب الساقطة ـ إن كانوا يبيعونها ـ فإنهم بذلك يعينون على نشر الرذيلة، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وحبذا لو استبدلوا ذلك ببيع المجلات الإسلامية والكتب المفيدة.
٢٨ ـ أصحاب محلات الفيديو:
عليهم أن يتوبوا إلى الله، ويكفوا عما هم فيه، ولا تفتنوا أبناء المسلمين، ويحرفوهم عن فطرتهم السليمة، ببيع الأفلام الخليعة التي تعلمهم الجريمة وتدعوهم إليها، ألا فليتقوا الله، ويبحثوا عن الرزق في غير هذا المجال؛ حتى يبارك الله لهم في رزقهم، ويسلموا من هذا الإثم العظيم، وإلا فسيحملون أوزارهم، وأوزار من تسببوا في إضلالهم١
٢٩ ـ أصحاب محلات الأغاني:
يقال لهم ما يقال لأصحاب الفيديو، فالأغاني لها دور في نشر الفاحشة؛ فتداولها سهل، وسماعها يسير، سواء في السيارة، أو المنزل، أو غير ذلك، فالذين يتاجرون بها يعينون على إفساد المسلمين وإغوائهم.
٣٠ ـ تنظيم السفر للخارج:
فالسفر للخارج لا يخفى ضرره وخطره، على دين المرء وخلقه وعقله، حيث الكفر بالله واختلاط الرجال بالنساء وانتشار المخدرات والتعري، والإباحية الجنسية وغيرها.
كل ذلك يدعو الإنسان للفساد ويسهل عليه طريقه، ولو لم يأت من ذلك إلا أن الإنسان يستمرىء هذه المنكرات، وتقل نفرته منها، فتهون في
стр. 89
عينيه المنكرات الموجودة في بلاده.
وربما ألف في سفره نوعا من أنواع الشذوذ، فإذا عاد إلى بلده سعى في البحث عنه وتطلا به مهما كلفه الأمر، مضحيا بذلك بسمعته وصحته وماله، وربما عاد حاملا معه عددا من الأمراض والفيروسات والجراثيم فينشر العدوى والمرض في مجتمعه، وربما عاد جثة هامدة تحمل في تابوت الموتى.
لذلك لابد من تنظيم السفر للخارج وتقييده بقيود، وضبطه بضوابط، خصوصا سفر الشباب إلى البلاد المعروفة بانتشار الفساد فيها، والتي هي مقصد كثير منهم.
هذا وقد اتخذت وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية قرارا إيجابيا في هذا المجال؛ حيث منعت الشباب الذين تقل أعمارهم عن إحدى وعشرين سنة من السفر للخارج بمفردهم أو بدون إذن وليهم.
فليت هذا القرار يلقى الدعم والتشجيع، وليت العمل به يستمر، وليت هذه الظاهرة تدرس، ويحد من السفر للخارج بقدر المستطاع.
٢١ ـ وسائل الإعلام:
فالإعلام ـ كما مر ـ له دور خطير في توجيه الناس، والتأثير فيهم، فإذا ما وضع في أيد أمينة، وحكمته سياسة بناءة هادفة كان له أطيب الأثر في صلاح المجتمعات، وحمايتها من عوامل الفساد والانحراف، فمما ينبغي على وسائل الإعلام كي تقوم بدورها وتقي المجتمعات من الانحراف والفساد ما يلي:
أـ نشر العلم الشرعي وبثه بين الناس.
ب ـ رفع لواء الفضيلة، والكف عن نشر كل ما يدعو إلى الرذيلة.
جـ ـ الحرص على غرس العقيدة الصحيحة، وترسيخها في النفوس.
د ـ ربط الأمة بسلفها الصالح وأمجادها الماضية.
стр. 90
هـ ـ إعلاء شأن العلماء، والدعاة، والمصلحين، والمجاهدين، ونشر سيرهم؛ حتى يجد الناس قدوات صالحة يقتدون بها ويسيرون على خطاها، وبذلك ينشأون متعشقين للبطولة محبين للجهاد والعلم، بدلا من إعلاء شأن الساقطين، والرفع من أقدار المنحرفين.
وـ نشر الوعي الصحي بخطر الفواحش.
ز ـ مقاطعة المجلات الخليعة ومنع دخولها.
ح ـ العناية بمشكلات المجتمعات والبحث في سبل علاجها١
٣٢ ـ الأندية الرياضية:
كل ناد من الأندية الرياضية في المملكة العربية السعودية يرفع شعار رياضي ـ اجتماعي ـ ثقافي.
والحقيقة أن هذه الأندية قد انساقت وراء الموجة العارمة التي دفعت بكرة القدم للصدارة، وأهملت ما عداها.
فأصبحت كرة القدم هي الشغل الشاغل لمنسوبي الأندية، ومشجعيها، وبما أن الأندية مؤسسات اجتماعية عامة وطالما أنها موجودة وقائمة ـ فإنه يجدر أن تصلح أوضاعها، ويسعى في تصحيح أهدافها؛ لتخدم سبيل الخير، وتصد الشر أو بعضه ـ على الأقل ـ.
ومن الأمور التي يجدر بالأندية أن تقوم بها تجاه الشباب ما يلي ٢:
أـ المساهمة في نشر العلم الشرعي، وتربية الأفراد على طاعة الله، والقيام بالواجبات الشرعية على أكمل وجه.
стр. 91
ب ـ أن تجعل الرياضة وسيلة لا غاية يوالي ويعادي من أجلها.
جـ ـ المساهمة في نشر القيم العالية بين الشباب.
د ـ تنمية روح الجد بين الشباب، وإذكاء روح التنافس وذلك من خلال الدروس العلمية، والمسابقات الثقافية.
هـ ـ تجنيب الشباب سبل الانحراف.
وـ تربيتهم نفسيا واجتماعيا، وإنقاذهم من الحيرة والمشكلات النفسية الناتجة عن الفراغ والجهل.
ز ـ زيادة وعي الشباب بالواقع الاجتماعي، وتعريفه بالحياة والمجتمع من حوله، وإعداده للمشاركة في خدمة المجتمع.
ح ـ وجوب التوقف أثناء الصلاة، , أداء الصلاة جماعة في المسجد وملاحظة المتخلف ومعاقبته.
ط ـ وجوب اللباس الساتر للاعبين.
ي ـ منع التدخين داخل الأندية.
ك ـ إقامة المحاضرات والندوات المناسبة للشباب، واستضافة أهل العلم والفضل.
٣٣ ـ دور الرعاية الاجتماعية:
ممثلة في دور التوجيه الاجتماعي، ودور الملاحظة، فالأولى تهدف إلى تربية الأحداث المارقين من سلطة آبائهم، أو المشردين الذين لا مأوى لهم، أو المهددين بالانحراف.
والثانية تهدف إلى رعاية الأحداث الذين يحتجزون رهن التحقيق أو المحاكمة من قبل سلطات الأمن، أو الهيئات القضائية، أو الأحداث الذين يقرر القاضي إيداعهم في الدار، وهذه الدور تقدم لهؤلاء ألوانا مختلفة من
стр. 92
الرعاية١، ومما يؤمل فيها أن تقوم به حيال هذه الظاهرة وهي تقوم بأكثره ما يلي:
أـ دراسة هذه الظاهرة من كافة جوانبها.
ب ـ تقديم الاقتراحات التي تسهم في علاجها.
جـ ـ تزويد الجهات الأخرى ـ خصوصا المدارس؛ لأنها أكبر المحاضن التي تستقطب الشباب ـ بنتائج تلك الدراسات.
د ـ متابعة الجديد في هذا الموضوع.
٣٤ ـ العناية بمراكز التدريب والمعاهد المهنية:
خصوصا تلك التي تستقبل حملة الشهادة الابتدائية أو المتوسطة، فهذه الأماكن ملتقى الشباب الذين يتغربون عن أهليهم للدراسة في هذه الأماكن، ويغلب على هؤلاء ـ الجهل، والإخفاق في الدراسة، والانحراف الخلقي والسلوكي.
فحبذا العناية بهؤلاء وأمثالهم، ومما ينبغي تجاه هؤلاء ما يلي:
١ ـ إلقاء المحاضرات العامة الملائمة لهم، المناسبة لمداركهم.
٢ ـ حبذا لو تم البحث في مشكلاتهم، وأسباب انحرافهم، ثم يتم بعد ذلك السعي في علاجهم.
٣ ـ حبذا لو تم التعاون بين هذه المراكز والمعاهد وبين الجهات الأخرى التي لها عناية بالشباب ومشكلاتهم كدور الرعاية الاجتماعية، والمدارس الأخرى وغيرها.
٤ ـ ومما ينبغي نجاه هؤلاء أن تقرر عليهم بعض المواد الشرعية التي تكتب بأسلوب ميسر مناسب لهم، والتي ترشدهم إلى ما يحتاجون إليه من
стр. 93
أمور دينهم، وتنمي جوانب الخير فيهم، وترفع من مستواهم الخلقي والسلوكي.
هذه بعض الأمور العامة التي تعين على القضاء على هذه الجريمة.
وبعد ذلك ننتقل إلى سبل الوقاية والعلاج للمبتلين باللواط.
стр. 94
المبحث الثاني: سبل الوقاية والعلاح للمبتلين باللواط
...
المبحث الثاني
سبل الوقاية والعلاج للمبتلين باللواط
وهذا المبحث داخل في المبحث السابق إلا أنه أفرد لأهميته.
والحديث في هذا المبحث سيكون مقتصرا على من ابتلي باللواط سواء كان فاعلا أم مفعولا به، وسيذكر من خلاله بعض السبل المعينة على التخلص والوقاية من هذا البلاء، والتي يجدر بمن ابتلي به أن يسلكها ويأخذ بها، فمما ينبغي على من وقع في اللواط ما يلي:
١ ـ التوبة النصوح:
فيا أيها المبتلى بهذا الداء: الله الله بالتوبة النصوح؛ فإن باب التوبة مفتوح، وبوارق الأمل لك تلوح ((فإياك أيها المتمرد أن يأخذك على غرة؛ فإنه غيور، وإذا أقمت على معصية وهو يمدك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك، ولكنه صبور، وبشراك أيها التائب بمغفرته ورحمته؛ إنه غفور شكور))
فأقدم أيها المذنب غير هياب، وإياك إذا صدقت في توبتك وأنبت إلى ربك وتركت ما تهواه رغبة في رضاه، وخشية من سخطه وأليم عقابه ـ فإنه سيقبلك ولن يخذلك، واعلم أن العبرة بكمال النهاية، لا بنقص البداية.
٢ ـ الإخلاص لله :
فالإخلاص لله أنفع الأدوية، فما أحرى بمن وقع في هذا الأمر أن يلجأ إلى ربه بإخلاص وصدق، فإذا أخلص لربه وفقه الله وأعانه
стр. 95
وصرف عنه السوء والفحشاء، قال ـ سبحانه ـ عن يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] .
((فأخبر ـ سبحانه ـ أنه صرف عن يوسف السوء من العشق، والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ فإن القلب إذا أخلص، وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور؛ فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ))
٢ ـ الصبر:
فالصبر خصلة محمودة، وسجية مرغوبة، وخلق فريد، عواقبه جميلة، وآثاره حميدة، وفوائده جمة، وعوائده كريمة ٢.
والصبر علاج ناجع، ودواء نافع، فعلى من ابتلي بهذا الأمر أن يتذرع بالصبر، ويتدرع به، وأن يتكلفه ويوطن نفسه عليه، ويتجرع مرارته ليذوق حلاوته، ومن ثم يصبح سجية له، قال ﵊: ((ومن يتصبريصبره الله)) ٣. وما أحسن قول من قال:
والصبر مثل اسمه مر مذاقته
لكن عواقبه أحلى من العسل
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: ((والصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على توجبه الشهوة؛ فإنها إما أن توجب ألما وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تذهب مالا بقاؤه خير له من
стр. 96
ذهابه، وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علما ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدوا وتحزن وليا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق))
٤ ـ مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى:
فمجاهدة النفس، ومخالفة الهوى من أعظم الأسباب المعينة على ترك الفواحش والشرور، والذي يجاهد نفسه في ذات الله فليبشر بالخير والهداية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت:٦٩)
فعلى من وقع في تلك الفاحشة أن يقدع نفسه، ويكفها عن شهواتها، وألا يسترسل معها في غيها، وإلا نزعت به إلى شر غاية.
فالنفس طلعة ومطالبها كثيرة، ورغباتها لا تقف عند حد، وصدق من قال:
والنفس إن أعطيتها مناها
...
فاغرة نحو هواها فاها
ومن قال:
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت
...
ولم ينهها تاقت إلى كل مطلب
وما أحسن قول ابن المبارك ﵀:
ومن البلايا للبلاء علامة
...
ألا يرى لك من هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها
...
والحر يشبع تارة ويجوع ٢
стр. 97
((ويقولون: إن هشام بن عبد الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا البيت:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى
...
إلى بعض ما فيه عليك مقال))
ثم إن مجاهدة النفس ومخالفة الهوى تثمر ثمرات كثيرة جدا، ولو لم يأت منها إلا أن الذي يجاهد نفسه ويخالف هواه ـ ينعتق من رق الهوى، وسلطان الشهوة , وما أجمل ما قيل:
رب مستور سبته شهوة
...
فتعرى ستره فانهتكا
صاحب الشهوة عبد فإذا
...
غلب الشهوة أضحى ملكا ٢
هذا وقد ذكر ابن القيم في كتابه روضة المحبين أمورا تبلغ الخمسين تعين على مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وتبين ثمرات ذلك ٣.
٥ ـ استشعار اطلاع الله :
فالذي يفعل هذه الفعلة تجده يتوارى عن الأعين ويحرص على ذلك، فعليه ـ والحال هذه ـ أن يستشعر اطلاع الرب ﵎ عليه، فالله لا تخفى عليه خافية، فالغيب عنده شهادة، والسر علانية، فالذي يفعل هذه المعصية ويتوارى عن الأعين لا يخلو من حالتين: الأولى: أن يعتقد أن الله لا يراه ولا يطلع عليه فإن كان كذلك فهو كافر بالله.
والثانية: أن يعتقد أن الله مطلع عليه ومن كان كذلك فلا يليق به أن يفعل المعصية، فإن فعلها فلا شك أنه ممن قل حياؤه من ربه، إذ جعله أهون من ينظر إليه ومن أجمل ما قيل في هذا قول الشاعر:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة
...
والنفس داعية إلى الطغيان
стр. 98
فاستحي من نظر الإله وقل لها
...
إن الذي خلق الظلام يراني
وقول الآخر:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
...
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
...
ولا أن ما تخفي عليه يغيب
٦ ـ امتلاء القلب من محبة الله :
وهذا من أعظم الأسباب التي تقي من الفساد والانحراف، فالذي يتعلق بالشهوات، ويتيه في أودية الضلال لا شك أن قلبه خاو من محبة الله فمحبة الله تلم شعث القلب، وتشبع جوعته، وتسد فاقته وخلته، فمن المتقرر أن في القلب فقرا ذاتيا، وجوعة وشعثا وتفرقا، ولا يغني هذا القلب ولا يلم شعثه ولا يسد خلته إلا عبادة الله ومحبته، فإذا خلا القلب من ذلك تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر المحبوبات، فشتته وفرقته، وذهبت به كل مذهب.
فما أجدر بمن تعلق قلبه في الفاحشة وغدا بلبه حب الصور المحرمة ـ أن يفرغ قلبه من تلك المحبة الفاسدة المذمومة، وأن يملأه بالمحبة الصالحة المحمودة، ففي ذلك أنسه ونعيمه، وسروره وفلاحه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: " فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يتلذذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح، والسرور، واللذة، والنعمة، والسكون، والطمأنينة "١
стр. 99
وقال في موضع آخر:" والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه، وهو السعادة، والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره، وهو الشقاء "١
وقال ﵀:" وأيضا ففي قلوب بني آدم محبة وإرادة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك هو قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم، كما أن فيهم محبة وإرادة لما يطعمونه وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم، ويدوم شملهم.
وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فقد يفسد الجسم، ويفقد التأله تفسد النفس" ٢.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ متحدثا عن محبة الله وفضلها: ((فهذه المحبة هي التي تلطف، وتخفف أثقال التكاليف، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرمة، وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد كما قيل:
سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا
سريرة حب يوم تبلى السرائر
وهذه المحبة هي التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب))
وخلاصة القول أن المؤمن إذا وضع نصب عينيه حب الله ورضاه واستحضر مراقبته في السر والعلن ـ فإنه يستطيع ـ بإذن الله ـ أن ينتصر على جميع الوساوس الشيطانية، والهواجس النفسية التي تعتلج في جوانحه، وأن يتغلب على كل الدوافع الغريزية، والأشواق الجنسية التي تتأجج في أعماقه ٤
стр. 100
((إذا تبين هذا فالحي العالم الناصح لنفسه لا يؤثر محبة ما يضره وتشقى به ويتألم، ولا يقع إلا من فساد تصوره ومعرفته، أو من فساد قصده وإرادته))
٧ ـ المحافظة على الصلاة مع جماعة المسلمين:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ .
[العنكبوت: ٤٥] .
قال شيخ الإسلام: " فإن الصلاة فيها دفع مكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل محبوب وهو ذكر الله " ٢.
فمن حافظ على الصلاة مع جماعة المسلمين حفظه الله وسدد خطاه، وجنبه الفواحش، وسلمه منها.
فكم في الصلاة من عظيم الفوائد، وكم فيها من جميل العوائد، وكم في تردد المسلم على المسجد من تزكية لنفسه، وصلاح لقلبه، وإصلاح لحاله، وفيحب بذلك الطاعة والإيمان، ويكره الكفر والفسوق والعصيان؛ لذلك ترى أن أهل المساجد هم خيار الناس وأفاضلهم، بالرغم مما فيهم، وما كان بهم من عيوب فعند سواهم أضعاف مضاعفة ٣
٨ ـ الصوم:
فالصوم علاج نبوي يعين على محاربة الهوى، وقمع النفس، وكبح جماحها، والصوم يقوي الإرادة، ويشحذ العزيمة، ويعلم الصبر، وبالصوم تضيق مجاري الدم، فيضعف تأثير الشيطان ووسوسته، والصوم يعين على العفة، وحصانة الفرج، ويكسر حدة الشهوة ٤، قال النبي ـ صلى الله عليه
стр. 101
وسلم ـ: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ١
٩ ـ الإكثار من قراءة القرآن:
فالقرآن مأدبة الله في أرضه، وهو الشفاء من كل داء، وفيه الهدى والنور، والأنس والسرور، فعلى من ابتلي بالفاحشة أن يكثر من تلاوته وترداده وحفظه وتدبره وعقله، حتى يصح بذلك قلبه، وتزكو نفسه.
قال عثمان ﵁:" لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ". " وكيف يشبع المحب من كلام من هو غاية مطلوبه؟ " (٢) .
١٠ ـ دوام ذكر الله:
فبذكر الله تطمئن القلوب، وتسكن النفوس، وبه يحصل الأنس، وتطرد الخواطر السيئة، والإرادات الفاسدة، فلا تنفذ إلى القلب، ولا تجد إليه طريقا، فما أحرى بمن يريد السلامة لنفسه أن يداوم على ذكر الله، وأن يجعل له وردا يحافظ عليه؛ حتى يحفظه الله به ويحصنه من الوساوس والخطرات (٣) .
١١ ـ احفظ الله يحفظك:
وبالجملة فمن حفظ الله ـ عزو جل ـ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ـ حفظه الله من شر شياطين الإنس والجن، ومن نفسه الأمارة بالسوء، وحفظ عليه دينه، وعفته، ومروءته، وشرفه؛ فالجزاء من جنس العمل.
стр. 102
١٢ ـ الزواج:
قال ﵊: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج))
فعلى من ابتلي بهذا الأمر أن يسعى للزواج، وأن يبذل مستطاعه في هذا السبيل؛ حتى يحصن فرجه، ويغض بصره، وسيعينه الله إذا سعى في ذلك ٢
١٣ ـ تذكر الحور العين:
اللاتي هن كاللؤلؤ المكنون، واللاتي أعدهن الله لعباده الصالحين، الذين آثروا الباقي على الفاني، واشتروا الآخرة بالدنيا.
فنساء الجنة طهرن من الحيض، والغائط، والنفاس، وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا، وطهر مع ذلك باطنهن من الأخلاق السيئة، والصفحات المذمومة، وطهرت ألسنتهن من الفحش والبذاء، وطهرن من أن يطمحن إلى غير أزواجهن، وطهرت أثوابهن من أن يعرض لها دنس أو وسخ ٣.
واستمع لما قاله ابن القيم ﵀ في قصيدته الميمية في وصف الجنة ونسائها:
ولله كم من خيرة إن تبسمت
...
أضاء لها نور من الفجر أعظم
فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت
...
ويا لذة الأسماع حين تكلم
стр. 103
ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت
...
ويا خجلة الفجرين حين تبسم
فإن كنت ذا قلب عليل بحبها
...
فلم يبق إلا وصلها لك مرهم
ولا سيما في لثمها عند ضمها
...
وقد صار منها تحت جيدك معصم
تراه إذا أبدت له حسن وجهها
...
يلذ به قبل الوصال وينعم
تفكه منها العين عند اجتلائها
...
فواكه شتى طلعها ليس يعدم
عناقيد من كرم وتفاح جنة
...
ورمان أعصان به القلب مغرم
وللورد ما قد ألبسته خدودها
...
وللخمر ما قد ضمه الريق والفم
تقسم منها الحسن في جمع واحد
...
فيا عجبا من واحد يتقسم
لها فرق شتى من الحسن أجمعت
...
بجملتها أن السلو محرم
تذكر بالرحمن من هو ناظر
...
فينطق بالتسبيح لا يتلعثم
إذا قابلت جيش الهموم بوجهها
...
تولى على أعقابه الجيش يهزم
فيا خاطب الحسناء إن كنت راغبا
...
فهذا زمان المهر فهو المقدم
ولما جرى ماء الشباب بغصنها
...
يتقن حقا أنه ليس يهرم
وكن مبغضا للخائنات لحبها
...
فتحظى بها من دونهن وتنعم
وكن أيما ممن سواها فإنها
...
لمثلك في جنات عدن تأيم
وصم يومك الأدنى لعلك في غد
...
تفوز بعيد الفطر والناس صوم
وأقدم ولا تقنع بعيش منغص
...
فما فاز باللذات من ليس يقدم
وإن ضاقت عليك الدنيا بأسرها
...
ولم يك فيها منزل لك يعلم
فحي على جنات عدن فإنها
...
منازلك الأولى وفيها المخيم١
٤ ـ عض البصر:
فغض البصر يعين على تجنب الفحشاء، فمن غض بصره أطاع ربه، وأراح قلبه، وحفظ دينه، وسلم من تبعات إطلاق البصر، والتعلق بالصور،
стр. 104
وقد قيل: ((إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات))
ثم إن غض البصر يورث أنسا بالله، وقوة في القلب وفرحا، كما أن إطلاقه يضعفه ويحزنه، وغض البصر ـ أيضا ـ يكسب القلب نورا وثباتا وشجاعة، وفراسة صادقة، كما أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب ٢.
١٥ ـ البعد عن المعشوق المحبوب:
فمن أنجع السبل، وأنفع الأدوية للتخلص من هذا الداء ـ أن يبتعد المبتلى به عن معشوقه، ومن يحرك كوامن الشهوة فيه، بحيث لا يراه ولا يسمع كلامه؛ فالابتعاد عنه وصرمه وتجرع غصص الهجر ـ أهون بكثير من الاسترسال معه والزلفى منه؛ فالبعد جفاء، والقرب بلاء وشقاء، فالقرب يضرم نار الوجد بين الجوانح، كما قال الشاعر:
تزودت من ليلى بتكليم ساعة ... فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها ٣
أما البعد والتسلي واليأس وقطع الأمل فإنه يفيد في علاج هذا الأمر، ((فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب، فليصبر على مضض الشوق في بداية البعد صبر المصاب في بداية مصيبته، ثم إن مر الأيام يهون الأمر.
قال زهير بن الحباب الكلبي:
إذا ما شئت أن تسلو حبيبا ... فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى حبيبك غير نأي ... ولا أبلى جديدك كابتذال
وقال امرؤ القيس:
وإنك لم تقطع لبانة عاشق
...
بمثل غدو أو رواح مأوب ٥
стр. 105
١٦ ـ البعد عن المثيرات عموما:
وهذا من طرق الوقاية والعلاج، وهو أن يبتعد عن كل المثيرات التي تحرك الشهوة، وتدعو إلى الفاحشة، فيبتعد عن الاختلاط بالنساء والمردان، ويبتعد عن مشاهدة الأفلام الخليعة، وسماع الأغاني الماجنة، ويقطع الصلة بما يذكره بالفاحشة، فيتلف ما عنده من أشرطة وأفلام وصور ورسائل، حتى لا تضعف نفسه برؤيتها.
ومن ذلك أيضا: ((تجنب الأطعمة المحتوية على بهارات وتوابل؛ لكونها مثيرة ومهيجة))
ومن ذلك تجنب الأماكن التي تذكره بالفاحشة، وتقربه منها؛ فالشيء إذا قطعت أسبابه التي تمده زال واضمحل.
١٧ ـ الاشتغال بما ينفع، وتجنب الوحدة والفراغ:
((لأن العشق شغل الفراغ، فهو يمثل صورة المعشوق في خلوته لشوقه إليها، فيكون تمثيله لها إلقاء في باطنه، فإذا تشاغل بما يوجب اشتغال القلب بغير المحبوب درس الحب، ودثر العشق، وحصل التناسي)) ٢.
فبدلا من أن يجلس المرء وحيدا مسترسلا مع أوهامه وجنوحاته عليه أن يشغل نفسه بما يعود عليه بالنفع، أو بما يشغله ـ على الأقل ـ عما يضره، فيشغل نفسه بطلب العلم، ومذاكرة الدروس، وزيارة الأقارب، وقضاء حوائج المنزل، أو أن يلتحق بحلق تحفيظ القرآن الكريم، أو بالمراكز الصيفية، أو يشتغل ببعض المباحات كالبيع والشراء أو غير ذلك ٣.
стр. 106
١٨ ـ دفع الوساوس والخواطر السيئة:
فعلى المرء أن يدفع الوساوس والخطرات التي يلقيها الشيطان في روعه، وألا يسترسل معها، وإلا قادته إلى الغواية، ونزعت به إلى شر غاية.
فالخطرات شأنها خطير ((فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات، والهمم، والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه، وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات)) ١.
١٩ ـ تقوية الإرادة وترك اليأس والقنوط:
فالمبتلى بهذا الأمر قد يعتريه الضعف والانهزام أمام رغباته، فيسترسل معها، ويوغل فيها، فيقوده ذلك إلى اليأس والقنوط من إصلاح حاله، ويظن أن هذا البلاء ضربة لازب عليه لا يستطيع الفكاك منه، وقد يقوده ذلك إلى اليأس من التوبة، والقنوط من رحمة الله .
وهذا خطأ فادع وخلل واضح، فعلى من ابتلي بهذا الأمر أن يقوي إرادته ويشحذ عزيمته، ويصحو من رقدته، ويدرك أن هذا العمل ليس ضربة لازب لا تزول، ولا وصمة عار لا تنمحي، بل إن الإصلاح ممكن، والتغيير وارد، فما عليه إلا أن يأخذ بالأسباب، ويغير ما بنفسه، ويحسن ظنه بربه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
(الرعد: ١١) . وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ . (الطلاق: ٢) .
وقال في الحديث القدسي: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني " ٢.
стр. 107
٢٠ ـ الحذر من العلاجات الغريبة:
فهناك من إذا وقع في هذا الأمر، وأوغل فيه، وأراد التخلص منه يعمد إلى استخدام علاجات غريبة، ومن ذلك استخدام النذر، والحلف بألا يعود إلى هذه الفعلة، فتجد بعضهم ينذر صيام خمسة أشهر مثلا، وبعضهم ينذر بأن يتصدق بآلاف الريالات، وبعضهم يأخذ على نفسه الأيمان المغلظة، فيحمل نفسه آصارا وأغلالا ينوء كاهله بحملها، وهذا قد ينفع فترة مؤقتة؛ لما في النفس من تعظيم القسم واليمين، أو خشية أن يلزمه ما نذر من العمل الشديد أو الكثير، ولكن لا تلبث الشهوة أن تلقي بثقلها عليه، فتنهزم النفس الضعيفة تحت سلطان الشهوة، وتستجيب لداعي الهوى، فتهوي في منحدر الرذيلة، فتنتقض الأيمان بعد توكيدها، وتلزم الكفارة فيقع هذا المسكين في الحرج، وربما ترك الوفاء بالنذر فيقع في بلايا ورزايا.
ومنهم من يلجأ إلى تناول بعض الأدوية المسكنة للشهوة دون استشارة طبيب، وهذا الحل قد يكون فيه مخاطر طبية وجسدية.
ألا فليحذر العاقل من هذه العلاجات، فله في غيرها سعة ومندوحة١
٢١ ـ علو الهمة:
فعلو الهمة يستلزم الجد والإباء، ونشدان المعالي، وتطلاب الكمال، والترفع عن الصغائر والدنايا ومحقرات الأمور ٢.
والهمة العالية لا تزال بصاحبها تضربه بسياط اللوم والتأنيب، وتزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل ـ حتى ترفعه من أدنى الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.
стр. 108
((فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية، فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقة شيء، وما زال الهوى يذل أهل العز))
فأين هذا الذي يطلق العنان لشهواته، ويرسف في أغلال رغباته من الإمام الشافعي ﵀ الذي يقول: ((لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته)) ٢.
فعلو الهمة مما يفتخر به، وسفول الهمة مما يعاب به ويذم صاحبه.
روى ابن الجوزي بسنده قال:" قال معاوية بن أبي سفيان لعمرو ابن العاص ﵄: ما ألذ الأشياء؟ قال: يا أمير المؤمنين مر أحداث قريش فليقوموا، فلما قاموا قال: إسقاط المروءة ".
يريد أن الرجل إذا لم تهمه مروءته فعل ما يهوى، ولم يبال بلوم، وهذه صفات البهائم، فأما أرباب الأنفة فكما قال ابن المعتز:
وإني وإن حنت إليك ضمائري ... فما قدر حبي أن يذل له قدري ٣
وقال الأعشى:
أرى سفها للمرء تعليق قلبه ... بغانية خود متى تدن تبعد ٤
وقال أبو فراس الحمداني مفتخرا بعلو همته، وعائبا على من سفلت همته، واسترقه هواه:
لقد ضل من تحوي هواه خريدة ... وقد ذل من تقضي عليه كعاب
ولكنني والحمد لله حازم ... أعز إذا ذلت لهن رقاب
ولا تملك الحسناء قلبي كله ... ولو شملتها رقة وشباب
стр. 109
وأجري ولا أعطي الهوى فضل مقودي ... وأهفو ولا يخفى علي صواب١
وقال عبد الواحد بن نصر:
وقد رام هذا الحب أن يسترقني ... فأنجدني صبر علي جميل ٢
وقال أبو علي بن الشبل:
وآنف أن تعتاق قلبي خريدة ... بلحظ وأن يروى صداي رضاب
وللقلب مني زاجر من مروءة ... يجنبه طرق الهوى فيجاب ٣
وقال منصور الهروي:
خلقت أبي النفس لا أتبع الهوى ... ولا أستقي إلا من المشرب الأصفى
ولا أحمل الأثقال في طلب العلا ... ولا أبتغي معروف من سامني خسفا
ولا أتحرى العز فيما يذلني ... ولا أخطب الأعمال كي لا أرى صرفا
ولست على طبع الذباب متى يذد ... عن الشيء يسقط فيه وهو يرى الحتفا ٤
وقال البارودي:
سواي بتحنان الأغاريد يطرب ... وغيري باللذات يلهو ويعجب
وما أنا ممن تأسر الخمر لبه ... ويملك سمعيه اليراع المثقب
ولكن أخو هم إذا ما ترجحت ... به سورة نحو العلا راح يدأب ٥
فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بمن ابتلي بهذا الداء أن يعلي همته، وأن يأنف هذا الذل، الذي لا يحتمله ذو مروءة وأنفة، فإن أهل الأنفة حملهم طلب علو القدر على قتل نفوسهم، وإجهاد أبدانهم في طلب المعالي.
((فأما من لا يأنف الذل وينقاد لموافقة هواه فذاك خارج عن المتميزين)) ٦. وصدق من قال:
стр. 110
إذا ما علا المرء رام العلا ... ويقنع بالدون من كان دونا
٢٢ ـ الحياء:
فالحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خلق الإسلام، وهو شعبة من شعب الإيمان، قال النبي ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير "١
. وقال: ((إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء))
وقال: ((والحياء شعبة من الإيمان)) ٣. وقال: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ـ إذا لم تستح فاصنع ما شئت))
((فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر)) ٥؛ لأن الحياء يبعث على فعل الجميل، وترك القبيح، فإذا تحلى به الإنسان انبعث إلى فعل الفضائل وترك الرذائل، فما أجدر بمن وقع في هذا البلاء أن يتحلى بالحياء، ويسعى في اكتسابه، ومن الأمور التي تعين على ذلك ما يلي:
أـ قراءة سيرة النبي ﷺ .
ب ـ قراءة سيرة أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ.
جـ ـ تذكر الثمرات الجميلة المترتبة على الحياء، وتذكر العواقب الوخيمة المترتبة على قلته.
د ـ مجالسة أهل الحياء، ومجانبة أهل الوقاحة.
هـ ـ تكلف الحياء مرة بعد أخرى، حتى يصبح سجية في الإنسان.