قال طارق بن شهاب١: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان ﵁ فلما إنتهينا إلى الربذة - وذلك في وجه الصبح - إذا الرفاق وإذا بعضهم يحدو بعضا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين فقلت: ما له؟ قالوا: غلبه طلحة والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه فهو يريد أن يخرج في آثارهما فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون آتي عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو أخالفه إن هذا لشديد فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى فلما إنصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال: قد أمرتك فعصيتني فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك فقال علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية! وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان ﵁ أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كله قال: أي بني أما قولك: لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار فإن الأمر أمر اهل المدينة وكرهنا ان يضيع هذا الامر وأما قولك حين خرج طلحة والزبير فإن ذلك كان وهنا على أهل الإسلام ووالله ما زلت مقهورا مذ وليت منقوصا لا أصل إلى شيء مما ينبغي وأما قولك: إجلس في بيتك فكيف لي بما قد لزمني؟ أو من تريدني؟ أتريد ان أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال: دباب دباب٢ ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه فكف عنك أي بني.
стр. 107
الموقف في البصرة:
ومضى الناس١ حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة لقيهم عمير ابن عبد الله التميمي فقال: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أن تقدمي اليوم على قوم تراسلي منهم أحدا فيكفيكهم! فقالت جئتني بالرأي امرؤ صالح قال: فعجلي ابن عامر فليدخل فإن له صنائع فليذهب إلى صنائعه فليلقوا الناس حتى تقدمي ويسمعوا ما جئتم فيه فأرسلته فاندس إلى البصرة فأتى القوم وكتبت عائشة ﵂ إلى رجال من أهل البصرة وكتبت إلى الأحنف ابن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم من الوجوه ومضت حتى إذا كانت بالحفير انتظرت الجواب بالخبر ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران ابن حصين - وكان رجل عامة - وألزه٢ بأبي الاسود الدؤلي - وكان رجل خاصة - فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود واقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على إمتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت: ﴿لا خَيْرَ فِي
стр. 108
كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١. ننهض في الإصلاح ممن أمر الله وأمر رسول الله ﷺ الصغير والكبير والذكر والأنثى فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره.
فخرج أبو الأسود٢ وعمران من عندها فأتيا طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى واللج٣ على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان ثم أتيا الزبير فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان فرجعا إلى أم المؤمنين فودعاها فودعت عمران وقالت: يا أبا الأسود إياك أن يقودك الهوى إلى النار ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ..﴾ ٤ فسرحتهما ونادى مناديها بالرحيل ومضى الرجلان حتى دخلا على عثمان بن حنيف فبدر أبو الأسود عمران فقال:
يابن حنيف قد أتيت فانفر ... وطاعن القوم وجالد واصبر
وابرز لهم مستلئما وشمر
فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رحى الإسلام ورب الكعبة فانظروا بأي زيفان تزيف؟ فقال عمران: إي والله لتعركنكم عركا طويلا ثم
стр. 109
لا يساوي ما بقي منكم كثير شيء قال: فأشر علي يا عمران قال: إني قاعد فاقعد فقال عثمان: بل امنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي قال عمران: بل يحكم الله ما يريد فانصرف إلى بيته وقام عثمان في أمره فأتاه هشام بن عامر فقال: يا عثمان إن هذا الأمر الذي تروم يسلم إلى شر مما تكره إن هذا فتق لا يرتق وصدع لا يجبر فسامحهم حتى يأتي أمر علي ولا تحادهم فابى ونادى عثمان في الناس وأمرهم بالتهيؤ ولبسوا السلاح واجتمعوا إلى المسجد الجامع وأقبل عثمان على الكيد فكاد الناس لينظر ما عندهم وأمرهم بالتهيؤ وامر رجلا ودسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا فقام فقال: يا ايها الناس أنا قيس بن الفقدية الحميسي إن هؤلاء القوم الذين جاؤوكم إن كانوا جاؤوكم خائفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمن فيه الطير وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان ﵁ فما نحن بقتلة عثمان أطيعوني في هؤلاء القوم فردوهم من حيث جاؤوا فقام الاسود ابن سريع السعدي فقال: أوزعموا أنا قتلة عثمان ﵁؟ فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا فإن كان القوم أخرجوا من ديارهم كما زعمت فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال او البلدان فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا ممن يقوم معهم فكسره ذلك واقبلت عائشة ﵂ فيمن معها حتى إذا انتهوا إلى المربد ودخلوا من أعلاه أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكون معها فاجتمعوا بالمربد وجعلوا يثوبون حتى غص بالناس.
فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد ومعه الزبير وعثمان في مسيرته فأنصتوا له فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان ﵁ وفضله والبلد وما استحل منه وعظم ما أتى إليه ودعا إلى الطلب بدمه وقال: إن في ذلك
стр. 110
إعزاز دين الله وسلطانه وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حد من حدود الله وإنكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم وإن تركتم لم يقم لكم سلطان ولم يكن لكم نظام.
فتكلم الزبير بمثل ذلك فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبرا وقالا: الحق وأمرا بالحق وقال من في ميسرته: فجرا وغدرا وقالا الباطل وأمرا به قد بايعا ثم جاء يقولان ما يقولان! وتحاثى١ الناس وتحاصبوا وأرهجوا فتكلمت عائشة - وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة - فحمدت الله وأثنت عليه وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ﵁ ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ويرون حسنا من كلامنا في صلاح بينهم فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم فجرة كذبة يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا على المكاثرة كاثروه فاقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره أخذ قتلة عثمان ﵁ وإقامة كتاب الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت والله بالمعروف وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما تقولون فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا فلما رأت ذلك عائشة انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين وبقي اصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا ومال بعضهم إلى
стр. 111
عائشة وبقي بعضهم مع عثمان على فم السكة وأتى عثمان بن حنيف فيمن معه حتى إذا كانوا على فم السكة سكة المسجد عن يمين الدباغين استقبلوا الناس فأخذوا عليهم بفمها.
وأقبل جارية بن قدامة السعدي١ فقال: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك وإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس قال: فخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال: أما أنت يا زبير فحواري رسول الله ﷺ وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله ﷺ بيدك وأرى أمكما معكما فهل جئتما بنسائكما قالا: لا قال: فما أنا منكما في شيء واعتزل.
وقال السعدي في ذلك:
صنتم حلائلكم وقدتم أمكم ... هذا لعمرك قلة الانصاف
أمرت بجر ذيولها في بيتها ... فهوت تشق البيد بالإيجاف
غرضا يقاتل دونها أبناؤها ... بالنبل والخطي والاسياف
هتكت بطلحة والزبير ستورها ... هذا المخبر عنهم والكافي
وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة - وكان محمد رجلا عابدا - فقال:
стр. 112
أخبرني عن قتلة عثمان! فقال: نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث ثلث على صاحبة الهودج - يعني عائشة - وثلث على صاحب الجمل الأحمر - يعني طلحة - وثلث على علي بن أبي طالب فضحك الغلام وقال ألا اراني على ضلال ولحق بعلي وقال في ذلك شعرا:
سألت ابن طلحة عن هالك ... بجوف المدينة لم يقبر
فقال ثلاثة رهط هم ... أماتوا ابن عفان واستعبر
فثلث على تلك في خدرها ... وثلث على راكب الأحمر
وثلث على علي ابن أبي طالب ... ونحن بدوية قرقر
فقلت صدقت على الأولين ... وأخطأت في الثالث الأزهر
стр. 113
قتال عائشة وعثمان بن حنيف:
فخرج أبو الأسود١ وعمران وأقبل حكيم بن جبلة وقد خرج وهو على الخيل فأنشب القتال وأسرع أصحاب عائشة ﵂ رماحهم وأمسكوا ليمسكوا فلم ينته ولم يثن فقاتلهم وأصحاب عائشة كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها ويقول: إنها قريش ليردينها جبنها والطيش واقتتلوا على فم السكة وأشرف أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوى فرموا باقي الآخرين بالحجارة وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن فوقفوا بها مليا وثار إليهم الناس فحجز الليل بينهم فرجع عثمان إلى القصر ورجع الناس إلى
стр. 114
قبائلهم وجاء أبو الجرباء - أحد بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم - إلى عائشة وطلحة والزبير فاشار عليهم بأمثل من مكانهم فاستنصحوه وتابعوا رأيه فساروا من مقبرة بني مازن فأخذوا على مسناة البصر من قبل الجبانة حتى انتهوا إلى الزابوقة ثم أتوا مقبرة بنو حصن وهي متنحية إلى دار الرزق فباتوا يتأهبون وبات الناس يسيرون إليهم واصبحوا وهم على رجل في ساحة دار الرق وأصبح عثمان بن حنيف فغاداهم وغدا حكيم بن جبلة وهو يبربر وفي يده الرمح فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي تسب وتقول له ما أسمع؟ قال: عائشة قال: يابن الخبيثة ألأم المؤمنين تقول هذا فوضع حكيم السنان بين ثدييه فقتله ثم مر بامرأة وهو يسبها - يعني عائشة – فقالت: من هذا الذي ألجأك إلى هذا؟ قال: عائشة قالت: يابن الخبيثة ألأم المؤمنين تقول هذا؟ فطعنها بين ثدييها فقتلها ثم سار فلما اجتمعوا واقفوهم فاقتتلوا بدار الرزق قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار وقد كثر القتلى في أصحاب ابن حنيف وفشت الجراحة في الفريقين ومنادي عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكف فيأبون حتى إذا مسهم الشر وعضهم١ نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح والمتاب فأجابوهم وتواعدوا وكتبوا بينهم كتابا على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة وحتى يرجع الرسول من المدينة فإن كانا أكرها خرج عثمان وأخلى لهما البصرة وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة والزبير:
стр. 115
الاتفاق على وقف القتال بين عثمان بن حنيف وعائشة:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين إن عثمان
стр. 116
يقيم حيث ادركه الصلح على ما في يده وإن طلحة والزبير يقيمان حيث أدركهما الصلح على ما في أيديهما حتى يرجع أمين الفريقين ورسولهم كعب بن سور من المدينة ولا يضار واحد من الفريقين الآخر في مسجد ولا سوق ولا طريق ولا فرضة بينهم عيبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر فإن رجع بأن القوم أكرهوا طلحة والزبير فالأمر أمرهما وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيته وإن شاء دخل معهما وإن رجع بأنهما لم يكرها فالأمر أمر عثمان فإن شاء طلحة والزبير أقاما على طاعة علي وإن شاءا اخرجا حتى يلحقا بطيتهما والمؤمنون أعوان الفالح منهما.
فخرج كعب حتى يقدم المدينة فاجتمع الناس لقدومه وكان قدومه يوم جمعة فقام كعب فقال: يا اهل المدينة إني رسول أهل البصرة إليكم أأكره هؤلاء القوم هذين الرجلين على بيعة علي أم أتيا طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم إلا ما كان من أسامة بن زيد فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما كارهان فأمر به تمام فواثبه سهل بن حنيف والناس وثار صهيب بن سنان وأبو أيوب بن زيد في عدة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم محمد بن مسلمة حين خافوا ان يقتل أسامة فقال: اللهم نعم فانفرجوا عن الرجل فانفرجوا عنه وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزله وقال: قد علمت أن أم عامر حامقة أما وسعك ما وسعنا من السكوت؟ قال: لا والله ما كنت أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت وقد أبسلنا١ لعظيم فرجع كعب وقد اعتد طلحة والزبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتد به منها أن محمد بن طلحة - وكان صاحب صلاة - قام مقاما قريبا من عثمان بن حنيف
стр. 117
فخشي بعض الزط والسيابجة١ أن يكون جاء لغير ما جاء له فبعثا إلى عثمان هذه واحدة وبلغ عليا الخبر الذي كان بالمدينة من ذلك فبادر بالكتاب إلى عثمان يعجزه ويقول: والله ما أكرها إلا كرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة وفضل فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظرا فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف.
стр. 118
فأصبح طلحة والزبير١ وبيت المال والحرس في ايديهما والناس معهما ومن لم يكن معهما مغمور مستسر وبعثا حين أصبحا بأن حكيما في الجمع فبعثت: لا تحبسا عثمان ودعاه ففعلا فخرج عثمان فمضى لطلبته وأصبح حكيم بن جبلة في خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومن نزع إليهم من افناء ربيعة ثم وجهوا نحو دار الرزق وهو يقول: لست باخيه إن لم أنصره وجعل يشتم عائشة ﵂ فسمعته امرأة من قومه فقالت: يا ابن الخبيثة انت أولى بذلك فطعنها فقتلها فغضبت عبد القيس إلا من كان اغتمر منهم فقالوا: فعلت بالأمس وعدت لمثل ذلك اليوم! والله لندعنك حتى يقيدك الله فرجعوا وتركوه ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان ابن عفان وحصره من نزاع القبائل كلها وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة فاجتمعوا إليه فانتهى بهم إلى الزابوقة عند دار الرزق وقالت عائشة: لا تقتلوا إلا من قاتلكم ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان ﵁ فليكفف عنا فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدا فأنشب حكيم القتال ولم يرع للمنادي فقال طلحة والزبير: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة اللهم لا تبق منهم أحدا وأقد منهم اليوم فاقتلهم فجادوهم القتال فاقتتلوا اشد قتال ومعه أربعة قواد فكان حكيم بحيال طلحة وذريح بحيال الزبير وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلثمائة رجل وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول:
أضربهم باليابس ... ضرب غلام عابس
من الحياة آيس ... في الغرفات نافس
стр. 119
فضرب رجل رجله فقطعها فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه فأصاب جسده فصرعه فأتاه حتى قتله ثم اتكأ عليه وقال:
يا فخذ لن تراعي ... إن معي ذراعي
أحمي بها كراعي
وقال وهو يرتجز:
ليس علي أن أموت عار ... والعار في الناس هو الفرار
والمجد لا يفضحه الدمار
فأتى عليه رجل وهو رثيث١ رأسه على الآخر فقال: مالك يا حكيم؟ قال: قتلت قال: من قتلك؟ قال: وسادتي فاحتمله فضمه في سبعين من أصحابه فتكلم يومئذ حكيم وأنه لقائم على رجل وإن السيوف لتأخذهم فما يتعتع ويقول: إنا خلفنا هذين وقد بايعا عليا وأعطياه الطاعة ثم أقبلا محالفين محاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان ففرقا بيننا ونحن أهل دار وجواد اللهم إنهم لم يريدا عثمان فنادى مناد: يا خبيث جزعت حين عضك نكال الله إلى كلام من نصبك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم وفرقتم من الجماعة وأصبتم من الدماء ونلتم من الدنيا فذق وبال الله وانتقامه وأقيموا فيمن أنتم.
وقتل ذريح ومن معه وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه فلجؤوا إلى قومهم ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا من كان فيهم من
стр. 120
قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم فجئ بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعا إلا حرقوص بن زهير فإن بني سعد منعوه وكان من بني سعد فمسهم في ذلك أمر شديد وضربوا لهم فيه أجلا وخشنوا صدور بني سعد وإنهم لعثمانية حتى قالوا: نعتزل وغضبت عبد القيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم طاعة علي فأمر للناس بإعطياتهم وأرزاقهم وحقوقهم وفضلا بالفضل أهل السمع والطاعة فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل حين زووا عنهم الفضول فبادروا إلى بيت المال وأكب عليهم الناس فأصابوا منهم وخرج القوم حتى نزلوا على طريق علي وأقام طلحة والزبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلا حرقوص وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضع الحرب وإقامة كتاب الله بإقامة حدوده في الشريف والوضيع والكثير والقليل حتى يكون الله هو الذي يردنا عن ذلك فبايعنا خيار أهل البصرة ونجباؤهم وخالفنا شرارهم ونزاعهم فردونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذ أم المؤمنين رهينة أن أمرتهم بالحق وحثتهم عليه فأعطاهم الله سنة المسلمين مرة بعد مرة حتى إذا لم يبق حجة ولا عذرا استبسل قتلة أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يفلت منهم مخبر إلا حرقوص بن زهير والله سبحانه مقيده إن شاء الله وكانوا كما وصف الله وإنا نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به فنلقى الله وتلقونه وقد أعذرنا وقضينا الذي علينا.
وبعثوا به مع سيار العجلي وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجل من بني عمرو بن أسد يدعى مظفر بن معرض وكتبوا إلى أهل اليمامة وعليها سبرة بن عمرو العنبري مع الحارث السدوسي وكتبوا إلى أهل المدينة مع ابن قدامة القشيري فدسه إلى أهل المدينة.
стр. 121
وكتبت عائشة ﵂ إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أما بعد فإني أذكركم الله والإسلام أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه إتقوا الله واعتصموا بحبله١ وكونوا مع كتابه فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حدوده فأجابنا الصالحون إلى ذلك واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح وقالوا: لنتبعنكم عثمان ليزيدوا الحدود تعطيلا فعاندوا فشهدوا علينا بالكفر وقالوا لنا المنكر فقرأنا عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ فأذعن لي بعضهم واختلفوا بينهم فتركناهم وذلك فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه الأول من وضع السلاح في أصحابي وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله بالصالحين فرد كيدهم في نحورهم فمكثنا ستا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده - وهو حقن الدماء أن تهراق دون من قد حل دمه - فأبوا واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها فخافوا وغدروا وخانوا فجمع الله لعثمان ﵁ ثأرهم فاقادهم فلم يفلت منهم إلا رجل وأردأنا الله ومنعنا منهم بعمير بن مرثد ومرثد بن قيس ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد فالزموا الرضا إلا عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقه ولا تخاصموا الخائنين ولا تمنعوهم ولا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا من الظالمين فكتبت إلى رجال بأسمائهم فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ونصرتهم واجلسوا في بيوتكم فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان ﵁ وفرقوا بين جماعة الأمة وخالفوا الكتاب والسنة حتى شهد واعلينا فيما أمرناهم به وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده بالكفر وقالوا لنا المنكر فأنكر
стр. 122
ذلك الصالحون وعظموا ما قالوا وقالوا: ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم ﷺ أن أمرتكم بالحق لتقتلوها وأصحاب رسول الله ﷺ وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس وغوغائهم على زطهم وسيابجهم فلذنا منهم بطائفة من الفسطاط فكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوما ندعوهم إلى الحق وألا يحولوا بيننا وبين الحق فغدروا وخانوا فلم نقايسهم١ واحتجوا ببيعة طلحة والزبير فأبردوا بريدا فجاءهم بالحجة فلم يعرفوا الحق ولم يصبروا عليه فغادوني في الغلس ليقتلوني والذي يحاربهم غيري فلم يبرحوا حتى بلغوا سدة بيتي ومعهم هاد يهديهم إلي فوجدوا نفرا على باب بيتي منهم عمير بن مرثد ومرثد بن قيس ويزيد بن عبد الله بن مرثد ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد فدارت عليهم الرحى فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم وجمع الله كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزبير وطلحة فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا الغدر.
وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين.
وكتب عبيد بن كعب في جمادى.
стр. 123
مسير على بن أبي طالب إلى البصرة
...
أياما وأتاه عن القوم أنهم يريدون البصرة فسري بذلك عنه وقال: إن أهل الكوفة أشد إلي حبا وفيهم رؤوس العرب وأعلامهم فكتب إليهم: إني قد اخترتكم على الأمصار وإني بالأثرة١.
[و] لما قدم علي الربذة٢ أقام بها وسرح منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر وكتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا وأيدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نريد لتعود الأمة إخوانا ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق وآثره ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحق وغمصه٣ فمضى الرجلان وبقي علي بالربذة يتهيأ وأرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد من دابة وسلاح وأمر أمره٤ وقام في الناس فخطبهم وقال: إن الله أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد فجرى الناس على ذلك ما شاء الله الإسلام دينهم والحق فيهم والكتاب أمامهم حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم فنعوذ بالله من شر ما هو كائن ثم عاد ثانية فقال: إنه لا بد مما هو كائن أن يكون ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي فقد أدركتم ورأيتم فالزموا دينكم واهدوا بهدي نبيكم ﷺ واتبعوا سنته
стр. 124
وأعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردوه وأرضوا بالله جل وعز ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا وبالقرآن حكما وإماما.
[و] لما اراد علي١ الخروج من الربذة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع فقال: يا أمير المؤمنين اي شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منا وأجابونا إليه قال: فإن لم يجيبوا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم قال: فنعم إذا وقام الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول وقال:
دراكها دراكها قبل الفوت ... وانفر بنا واسم نحو الصوت
لا وألت نفسي إن هبت الموت
والله لأنصرن الله كما سمانا أنصارا فخرج أمير المؤمنين وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح والراية مع محمد بن الحنفية وعلى الميمنة عبد الله بن عباس وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد وخرج علي وهو في سبعمائة وستين وراجز علي يرجز به:
سيروا أبابيل وحثوا السيرا ... إذا عزم السير وقولوا خيرا
حتى يلاقوا وتلاقوا خيرا ... نغزو بها طلحة والزبيرا
وهو أمام أمير المؤمنين وأمير المؤمنين علي على ناقة له حمراء يقود فرسا
стр. 125
كميتا فتلقاهم بفيد غلام من بني سعد بن ثعلبة بن عامر يدعى مرة فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أمير المؤمنين فقال: سفرة فانية فيها دماء من نفوس فانية فسمعها علي فدعاه فقال: ما اسمك؟ قال: مرة قال: أمر الله عيشك كاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف١ فلما نزل بفيد أتته أسد وطيء فعرضوا عليه أنفسهم فقال: الزموا قراركم في المهاجرين كفاية وقدم رجل من أهل الكوفة فيد قبل خروج علي فقال: من الرجل؟ قال: عامر بن مطر قال: الليثي؟ قال: الشيباني قال: أخبرني عما وراءك قال: فأخبره حتى سأله عن أبي موسى فقال: إن أردت الصلح فأبو موسى صاحب ذلك وإن أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب ذلك قال: والله ما أريد إلا الإصلاح حتى يرد علينا قال: قد أخبرتك الخبر وسكت وسكت علي.
ولما نزل علي الثعلبية٢ أتاه الذي لقي عثمان بن حنيف وحرسه فقام وأخبر القوم الخبر وقال: اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير من قتل المسلمين وسلمنا منهم أجمعين ولما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقي حكيم بن جبلة وقتلة عثمان بن عفان ﵁ فقال: الله أكبر ما ينجيني من طلحة والزبير إذ أصابا ثأرهما أو ينجيهما؟ وقرأ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ٣ وقال:
دعا حكيم دعوة الزماع ... حل بها منزلة النزاع
стр. 126
ولما انتهوا إلى ذي قار انتهى إليه فيها عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعر فلما رآه علي نظر إلى أصحابه فقال: انطلق هذا من عندنا وهو شيخ فرجع إلينا وهو شاب فلم يزل بذي قار يتلوم محمدا ومحمدا وأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق فقال: عبد القيس خير ربيعة في كل ربيعة خير وقال:
يا لهف نفسي على ربيعة ... ربيعة السامعة المطيعة
قد سبقتني فيهم الوقيعة ... دعا علي دعوة سميعة
حلوا بها المنزلة الرفيعة
قال: وعرضت عليه بكر بن وائل فقال لهم مثل ما قال لطيء وأسد.
стр. 127
موقف أبي موسى الأشعري:
ولما قدم محمد ومحمد على الكوفة وأتيا أبو موسى بكتاب امير المؤمنين وقاما في الناس بأمره فلم يجابا إلى شيء فلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجي على أبي موسى فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس باليوم إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جر عليكم ما ترون وما بقي إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل الدنيا فاختاروا فلم ينفر إليه أحد فغضب الرجلان وأغلظا لأبي موسى فقال أبو موسى: والله إن بيعة عثمان ﵁ لفي عنقي وعنق صاحبكما فإن لم يكن بد من قتال لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا فانطلقا إلى علي فوافياه بذي قار وأخبراه الخبر وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجل إلى الكوفة فقال علي: يا اشتر أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء إذهب أنت وعبد الله بن عباس فأصلح ما أفسدت.
стр. 128
فخرج عبد الله بن عباس ومعه الأشتر فقدما الكوفة وكلما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة فقال للكوفيين: أنا صاحبكم يوم الجرعة وأنا صاحبكم اليوم فجمع الناس فخطبهم وقال: أيها الناس إن أصحاب النبي ﷺ الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جل وعز وبرسوله ﷺ ممن لم يصحبه وإن لكم علينا حقا فأنا مؤديه إليكم؟ كان الرأي ألا تستخفوا بسلطان الله ولا تجترئوا على الله وكان الرأي الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم ولا تكلفوا الدخول في هذا فأما إذ كان ما كان فإنها فتنة صماء النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد والقاعد خير من القائم والقائم خير من الراكب فكونوا جرثومة من جراثيم العرب فاغمدوا السيوف وأنصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة.
ولما رجع١ ابن عباس إلى علي بالخبر دعا الحسن بن علي فأرسله فأرسل معه عمار بن ياسر فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدت فأقبلا حتى دخلا المسجد فكان أول من أتاهما مسروق بن الأجدع فسلم عليهما وأقبل عمار فقال: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان ﵁؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا! فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل ولم تسؤني؟ وقطع عليهما الحسن فاقبل على أبي موسى فقال: يا أبا موسى لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا
стр. 129
الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء فقال: صدقت بأبي أنت وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب" قد جعلنا الله إخوانا وحرم علينا أموالنا ودماءنا, وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ٢. وقال جل وعز: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٣ فغضب عمار وساءه وقام وقال: يا أيها الناس إنما قال له خاصة: أنت فيها قاعدا خير منك قائما وقام رجل من بني تميم فقال لعمار: أسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا وثار زيد بن صوحان وطبقته وثار الناس وجعل أبو موسى يكفكف الناس ثم انطلق حتى أتى المنبر وسكن الناس واقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان من عائشة ﵂ إليه وإلى اهل الكوفة وقد كان طلب كتاب العامة فضمه إلى كتابه فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامة: أما بعد فثبطوا أيها الناس واجلسوا في بيوتكم إلا عن قتلة عثمان بن عفان ﵁.
فلما فرغ من الكتاب قال: أمرت بأمر وأمرنا بأمر أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة فأمرتنا بما أمرت به وركبت ما أمرنا به فقام إليه شبث بن ربعي فقال: يا عماني - وزيد من عبد القيس عمان وليس من أهل البحرين - سرقت بجلولاء فقطعك الله وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ما أمرت إلا بما أمر الله به بالإصلاح بين الناس فقلت:
стр. 130
ورب الكعبة وتهاوى الناس وقام أبو موسى فقال: أيها الناس أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي اليكم المظلوم ويأمن فيكم الخائف إنا أصحاب محمد ﷺ أعلم بما سمعنا إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور فتسكن أحيانا فلا يدرى من أين تؤتى تذر الحليم كابن أمس شيموا١ سيوفكم وقصدوا٢ رماحكم وأرسلوا سهامكم واقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم خلوا قريشا - إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتق فتقها وتشعب صدعها فإن فعلت فلأنفسها سعت وإن أبت فعلى أنفسها منت٣, سمنها تهريق في أديمها استنصحوني ولا تستغشوني وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها.
فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد الله بن قيس رد الفرات عن دراجه٤ اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد فدع عنك ما لست مدركه ثم قرأ: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٥ إلى آخر الآيتين, سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق.
فقام القعقاع بن عمرو فقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق أحب أن ترشدوا ولأقولن لكم قولا هو الحق أما ما قال الأمير فهو الأمر لو أن إليه
стр. 131
سبيلا وأما ما قال زيد فزيد في الامر فلا تستنصحوه فإنه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها وجرى إليها والقول الذي هو القول إنه لا بد من إمارة تنظم الناس وتزغ الظالم وتعز المظلوم وهذا علي يلي بما ولي وقد أنصف في الدعاء وإنما يدعو إلى الإصلاح فانفروا وكونوا من هذا الامر بمرأى ومسمع.
وقال سيحان: ايها الناس إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعز المظلوم ويجمع الناس وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه وهو المأمون على الأمة الفقيه في الدين فمن نهض إليه فإنا سائرون معه.
ولان عمار بعد نزوته الأولى فلما فرغ سيحان من خطبته تكلم عمار فقال: هذا ابن عم رسول الله ﷺ يستنفركم إلى زوجة رسول الله ﷺ وإلى طلحة والزبير١ وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه فقال رجل: يا أبا اليقظان لهو مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له فقال الحسن: اكفف عنا يا عمار فإن للإصلاح أهلا.
وقام الحسن بن علي فقال: يا أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه والله لأن يليه أولو النهي أمثل في العاجلة وخير في العاقبة فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم فسامح الناس وأجابوا ورضوا به وأتى قوم من طيء عديا فقالوا: ماذا ترى وماذا تأمر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس فأخبر بقيام الحسن وكلام من تكلم فقال: قد بايعنا هذا الرجل وقد دعانا إلى جميل وإلى هذا الحدث العظيم لننظر فيه ونحن سائرون وناظرون.
стр. 132
وقام هند بن عمرو فقال: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى جاءنا ابنه فاسمعوا إلى قوله وانتهوا إلى أمره وانفروا إلى أميركم فانظروا معه في هذا الأمر وأعينوه برأيكم.
وقام حجر بن عدي فقال: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافا وثقالا: وأنا أولكم وقام الأشتر فذكر الجاهلية وشدتها والإسلام ورخاءه وذكر عثمان ﵁ فقام إليه المقطع بن الهيثم بن فجيع العامري ثم البكائي؛ فقال: اسكت قبحك الله كلب خلي والنباح فثار الناس فأجلسوه.
وقام المقطع فقال: إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أحد بذكر أحد من أئمتنا وإن عليا عندنا لمقنع والله لئن يكن هذا الضرب لا يرضى به علي فعض امرؤ على لسانه في مشاهدنا فأقبلوا على ما أحثاكم.
فقال الحسن: صدق الشيخ وقال الحسن: ايها الناس إني غاد فمن شاء منكم ان يخرج معي على الظهر ومن شاء فليخرج في الماء فنفر معه تسعة آلاف فأخذ بعضهم البر وأخذ بعضهم الماء وعلى كل سبع رجل أخذ البر ستة آلاف ومائتان وأخذ الماء ألفان وثمانمائة.
стр. 133
نزول أمير المؤمنين علي ذا قار:
لما التقوا بذي قار١ تلقاهم علي في أناس فيهم ابن عباس فرحب بهم.
стр. 134
وقال: يا أهل الكوفة أنتم وليتم شوكة العجم وملوكهم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم فأغنيتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فذاك ما نريد وإن يلجوا داويناهم بالرفق وبايناهم حتى يبدؤونا بظلم ولن ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
فاجتمع بذي قار سبعة آلاف ومائتان وعبد القيس بأسرها في الطريق بين علي وأهل البصرة ينتظرون مرور علي بهم وهم آلاف - وفي الماء ألفان وأربعمائة.
стр. 135
مساعي الإصلاح:
[وفي رواية اخرى] ١.
لما نزل علي ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر وأرسل الحسن بن علي وعمار بعد ابن عباس والأشتر فخف في ذلك الامر جميع من كان نفر فيه ولم يقدم فيه الوجوه اتباعهم فكانوا خمسة آلاف أخذ نصفهم في البر ونصفهم في البحر وخف من لم ينفر فيها ولم يعمل لها وكان على طاعته٢ ملازما للجماعة فكانوا أربعة آلاف فكان رؤساء الجماعة القعقاع بن عمرو وسعد٣ بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب وكان رؤساء النفار: زيد بن صوحان والأشتر مالك بن الحارث وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس ومعهم اتباعهم وأمثال
стр. 136
لهم ليسوا دونهم إلا أنهم لم يؤمروا منهم حجر بن عدي وابن محدوج البكري وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم فبادروا في الوقعة إلا قليلا فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاع بن عمرو فارسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يابن الحنظلية - وكان القعقاع من أصحاب النبي ﷺ فادعهما إلى الالفة والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة مني؟ فقال: نلقاهم بالذي أمرت به فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا الرأي وكلمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي قال: أنت لها فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة ﵂ فسلم عليها وقال: أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاءا فقال: إني سالت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح فوالله لئن عرفنا لنصلحن ولئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتلة عثمان ﵁ فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن وإن عمل به كان إحياء للقرآن فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الإستقامة منكم اليوم قتلتم ستمائة إلا رجلا فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم وطلبتم ذلك الذي أفلت - يعني حرقوص بن زهير - فمنعه ستة آلاف وهم على رجل فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون وإن قاتلتموهم والذين إعتزلوكم فأديلوا عليكم فالذي حذرتم وقربتم به هذا الامر أعظم مما أراكم تكرهون وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت
стр. 137
ماذا؟ قال: اقول هذا الأمر دواؤه التسكين وإذا سكن اختلجوا فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرضوا له فيصرعنا وإياكم وأيم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر وليس كالأمور ولا كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل فقالوا: نعم إذا قد أحسنت وأصبت المقالة فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر فرجع إلى علي فأخبره فاعجبه ذلك وأشرف القوم على الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه.
وأقبلت وفود البصرة نحو علي حين نزل بذي قار فجاءت وفود تميم وبكر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأي إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أي حال نهضوا إليه وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا يخطر لهم قتال على بال فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثل مقالتهم وأدخلوهم على علي فأخبروه خبرهم سأل علي جرير بن شرس عن طلحة والزبير فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثل له:
ألا ابلغ بني بكر رسولا ... فليس إلى بني كعب سبيل
سيرجع ظلمكم منكم عليكم ... طويل الساعدين له فضول
стр. 138
وتمثل علي عندها:
ألم تعلم أبا سمعان أنا ... نرد الشيخ مثلك ذا الصداع
ويذهل عقله بالحرب حتى ... يقوم فيستجيب لغير داع
فدافع عن خزاعة جمع بكر ... وما بك يا سراقة من دفاع
[و] لما جاءت١ وفود أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم جمع علي الناس ثم قام على الغرائر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وذكر الجاهلية وشقاءها والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ثم الذي يليه ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الاشياء على أدبارها والله بالغ أمره ومصيب ما أراد ألا وإني راحل غدا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس وليغن السفهاء عني أنفسهم.
стр. 139
رؤوس الفتنة يحبطون مساعي الإصلاح:
فاجتمع نفر منهم علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة العبسي وشريح بن أوفى بن ضبيعة والأشتر في عدة ممن سار إلى عثمان ورضي بسير من سار وجاء معهم المصريون: ابن السوداء وخالد بن ملجم وتشاوروا فقالوا: ما الرأي؟ وهذا والله علي وهو أبصر الناس بكتاب الله وأقرب ممن
стр. 140
يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك وهو يقول ما يقول ولم ينفر إليه إلا هم والقليل من غيرهم فكيف به إذا شام القوم وشاموه١ وإذا رأوا قلتنا في كثرتهم؟ أنتم والله ترادون وما أنتم بأنجى من شيء فقال الأشتر: أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان اليوم ورأي الناس فينا والله واحد وإن يصطلحوا وعلي فعلى دمائنا فهلموا فلنتواثب على علي فلنلحقه بعثمان فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكون.
فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرأي رأيت! أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار الفان وخمسمائة أو نحو من ستمائة وهذا ابن الحنظلية وأصحابه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا فارقأ على ظلعك٢.
وقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم فإن قلوا كان أقوى لعدوهم عليهم وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم دعوهم وارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتقون به وامتنعوا من الناس.
فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت ود والله الناس أنكم على جديلة٣ ولم تكونوا مع أقوام برآء ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شيء فقال عدي بن حاتم: والله ما رضيت ولا كرهت ولقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث فاما إذ وقع ما وقع ونزل من الناس
стр. 141
بهذه المنزلة فإن لنا عتادا من خيول وسلاح محمودا فإن أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أحجمنا فقال ابن السوداء: أحسنت.
وقال سالم بن ثعلبة: من كان أراد بما أتى الدنيا فإني لم أرد ذلك والله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى بيتي ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور وأحلف بالله إنكم لتفرقون السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلى السيف فقال ابن السوداء: قد قال قولا.
وقال شريح بن أوفى: أبرموا أموركم قبل أن تخرجوا ولا تؤخروا أمرا ينبغي لكم تعجيله ولا تعجلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره فإنا عند الناس بشر المنازل فلا أدري ما الناس صانعون غدا إذا ما هم التقوا.
وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر فإذا من أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون.
وأصبح علي على ظهر فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عبد القيس نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك ثم ارتحل حتى نزل على أهل الكوفة وهم أمام ذلك١ والناس متلاحقون به وقد قطعهم ولما بلغ أهل البصرة رأيهم ونزل علي بحيث نزل قام أبو الجرباء إلى الزبير بن العوام فقال: إن الرأي أن تبعث الآن ألف فارس فيمسوا هذا الرجل ويصبحوه قبل أن يوافي أصحابه فقال الزبير: يا أبا الجرباء إنا لنعرف أمور الحرب,
стр. 142
ولكنهم أهل دعوتنا وهذا أمر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم هذا أمر من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة ومع ذلك إنه قد فارقنا وافدهم على أمر وأنا أرجوا أن يتم لنا الصلح فأبشروا وأصبروا وأقبل صبرة بن شيمان فقال: يا طلحة يا زبير انتهزا بنا هذا الرجل فإن الرأي في الحرب خير من الشدة فقالا: يا صبرة إنا وهم مسلمون وهذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو يكون فيه من رسول الله ﷺ سنة إنما هو حدث وقد زعم قوم أنه لا ينبغي تحريكه اليوم وهم علي ومن معه فقلنا: نحن لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخره فقال علي: هذا الذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه وهو كأمر لا يدرك وقد كاد أن يبين لنا وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمها منفعة وأحوطها.
وأقبل كعب بن سور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد توردكم أوائلهم؟ اقطعوا هذا العنق من هؤلاء فقالوا: ياكعب إن هذا أمر بيننا وبين إخواننا وهو أمر ملتبس لا والله ما أخذ أصحاب محمد ﷺ مذ بعث الله نبيه طريقا إلا علموا أين مواقع أقدامهم حتى حدث هذا فإنهم لا يدرون أمقبلون هم أم مدبرون! إن الشيء يحسن عندنا اليوم ويقبح عند إخواننا فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم وإنا لنحتج عليهم بالحجة فلا يرونها حجة ثم يحتجون بها على أمثالها ونحن نرجوا الصلح إن أجابوا إليه وتموا وإلا فإن آخر الدواء الكي.
وقام إلى علي بن أبي طالب أقوام من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم فقام إليه فيمن قام الأعور بن بنان المنقري فقال له علي: على الإصلاح
стр. 143
وإطفاء النائرة١ لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم وقد أجابوني قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا, قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم.
وقام إليه ابو سلامة الدألاني فقال٢: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم, قال: فترى لك حجة بتأخيرك٣ ذلك؟ قال: نعم, إن الشيء إذا كان لايدرك, فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعا, قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا فدا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقي قلبه لله منا ومنهم إلا أدخله الله الجنة.
وقام إليه مالك بن حبيب, فقال: ما أنت صانع إذا لقيت هؤلاء القوم؟ قال: قد بان لنا ولهم أن الإصلاح الكف عن هذا الأمر فإن بايعونا فذلك فإن أبوا وأبينا إلا القتال فصدع لا يلتئم قال: فإن ابتلينا فما بال قتلانا؟ قال: من أراد الله نفعه ذلك وكان نجاءه.
وقام علي فخطب الناس غحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس, املكوا أنفسكم كفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم, فأنهم إخوانكم واصبروا على ما يأتيكم, وإياكم أن تسبقونا فإن المخصوم غدا من خصم اليوم.
ثم ارتحل وأقدم ودفع تعبيته التي قدم فيها, حتى إذا أطل على القوم بعث إليهم حكيم بن سلامه ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا وأقرونا ننزل وننظر في هذا الأمر.
стр. 144
فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين قد منعوا حرقوص بن زهير ولا يرون القتال مع علي بن أبي طالب فقال: يا علي إن قومنا بالبصرة يزعمون إنك إن ظهرت عليهم غدا أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم فقال: ما مثلي يخاف هذا منه وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر ألم تسمع إلى قول الله ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ١ وهم قوم مسلمون! هل أنت مغن عني قومك؟ قال: نعم واختر مني واحدة من ثنتين إما أن أكون آتيك فأكون معك بنفسي وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود وقد بدأ فقال: يال خندف فأجابه ناس ثم نادى يال تميم فأجابه ناس ثم نادى: يال سعد فلم يبق سعدي إلا أجابه فاعتزل بهم ثم نظر ما يصنع الناس فلما وقع القتال وظفر علي جاؤوا وافرين فدخلوا فيما دخل فيه الناس.
[كذلك] أرسل عمران بن حصين٢ في الناس يخذل من الفريقين جميعا كما صنع الأحنف وأرسل إلى بني عدي فيما أرسل فاقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حضن٣ مع أعنز خضر وضأن أجز أصوافها وأشرب ألبانها أحب إلى من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم فقالت بنو عدي جميعا بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء - يعنون أم المؤمنين.
стр. 145
وأهل البصرة فرق١: فرقة مع طلحة والزبير وفرقة مع علي وفرقة لا ترى القتال مع أحد من الفريقين وجاءت عائشة ﵂ من منزلها الذي كانت فيه حتى نزلت في مسجد الحدان في الأزد وكان القتال في ساحتهم ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا تراءوا لم تستطع وإنما هي بحور تدفق فأطعني ولا تشهدهم واعتزل بقومك فإني أخاف ألا يكون صلح وكن وراء هذه النطفة ودع هذين الغارين من مضر وربيعة فهما إخوان فإن اصطلحا فالصلح ما اردنا وإن اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا - وكان كعب في الجاهلية نصرانيا - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانية أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين الناس وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير وإن ردوا عليهم الصلح وأدع الطلب بدم عثمان لا أفعل ذلك أبدا فأطبق أهل اليمن على الحضور.
[و] لما رجع الأحنف٢ بن قيس من عند علي لقيه هلال بن وكيع بن مالك ابن عمرو فقال: ما رأيك قال: الاعتزال فما رأيك؟ قال: مكانفة أم المؤمنين أفتدعنا وأنت سيدنا؟ قال: إنما أكون سيدكم غدا إذا قتلت وبقيت فقال هلال: هذا وأنت شيخنا؟ فقال: انا الشيخ المعصي وأنت الشاب المطاع فاتبعت بنو سعد الأحنف فاعتزل بهم إلى وادي السباع واتبعت بنو حنظلة هلال وتابعت بنو عمرو أبا الجرباء فقاتلوا.