← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يقول: إن عادته في تقديم النوال على السؤال، فإذا سمع نغمات السائل قبل العطاء، تألم منها كما يتألم من الجراحات، وتؤثر تلك النغمات فيه تأثير الجراحات؛ تأسفاً على سبق السؤال على الإعطاء. وقيل: أراد أن يلتذ بالجراحات في الحروب التذاذه بنغمات السؤال. يمدحه بالسخاء والشجاعة. ذا السراج المنير هذا النقي ال ... جيب هذا بقية الأبدال الأبدال: زهاد الدنيا. ويقال: إن الأرض لا تخلو منهم. أربعون منهم في الشام، وثلاثون في سائر الأرض، وسمو أبدالاً؛ لأنهم إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر!! وقوله النقي الجيب: أي سليم القلب، من الغش والخيانة. يصفه بالاشتهار كالسراج المنير، وبسلامة القلب؛ وبأنه من أولياء الله تعالى، الذين بهم بقاء الدنيا وقوامها. فخذا ماء رجله وانضحا في ال ... مدن تأمن بوائق الزلزال البوائق: جمع البائقة، وهي الداهية، وروى: تأمن، وتؤمن. يقول: إنه ولي الله تعالى، فلو رش الماء الذي غسل به رجله في المدن والبلدان، لأمنت من الزلزال. وقيل: أراد أن الأرض لا تستقل من طيه إياها، هيبةً منه، فلو أخذ الماء الذي غسل به رجله ورش عليها لسكنت من هيبته. وامسحا ثوبه البقير على دا ... ئكما تشفيا من الإعلال البقير: القميص الذي لا كم له. وقيل: هو الفرجي؛ لأنه يبقر مقدمه. يقول: إن العليل إذا مسح ثوبه شفي من جميع الأدواء. مالئاً من نواله الشرق والغر ... ب ومن خوفه قلوب الرجال قابضاً كفه اليمين على الدن ... يا ولو شاء حازها بالشمال مالئاً وقابضاً: نصبا على المدح. وقيل: على الحال من قوله: هذا بقية الأبدال أي يكون هذا على هذه الأحوال. يقول: إنه قد ملأ الأرض كلها من عطاياه، واستولى عليها شرقاً وغرباً، وملأ من خوفه قلوب الناس. وقبض عن الدنيا كفه، زاهداً عنها، ولو شاء لنالها بأهون سعيٍ، فالرواية على هذا: عن الدنيا. وقيل: أراد أنه استولى على الدنيا كلها بيمينه، ولو شاء لأخذها بأصغر الأخذ. وهو المراد بقوله بالشمال. والرواية على هذا: على الدنيا. نفسه جيشه وتدبيره النص ... ر وألحاظه الظبا والعوالي يقول: إنه وحده يقوم مقام الجيش، وتدبيره بنفسه يقوم مقام النصرة، ورأيه ولحظاته تقوم مقام السيوف والرماح. وله في جماجم المال ضربٌ ... وقعه في جماجم الأبطال الجمجمة: عظم الرأس. يقول: إذا فرق ماله بالهبات، فإنه يقصد الأبطال ويضرب جماجمهم بالسيف، ويسلب أموالهم. فالضرب الواقع في جماجم الأموال، هو الواقع في رءوس الأبطال. فهم لاتقائه الدهر في يو ... م نزالٍ وليس يوم نزال فهم: راجع إلى الأبطال. يعني: أن الأبطال يخافون منه أبداً، فكأنهم طول الدهر في قتال؛ لخوفهم منه، وإن لم يكن قتال. والدهر نصب على الظرفية. رجلق طينه من العنبر الور ... د وطين العباد من صلصال العنبر الورد: الذي يضرب إلى الحمرة، ومنه العنبر الأشهب: الذي يضرب إلى البياض، وهما جيدان. والأسود رديء. والصلصال: طين يابس، وهو الذي له صوت. يقول: إن طينه الذي خلق منه، عنبر الورد، وطين غيره من صلصال، فله فضل على الناس. فبقيات طينه لاقت الما ... ء فصارت عذوبةً في الزلال يقول: إنه لما خلق، بقيت من طينته بقية، فخالطت الماء، فصارت تلك البقية عذوبةً في الماء الزلال، ولولاها لكانت كماء البحر. وبقايا وقاره عافت النا ... س فصارت ركانةً في الجبال يقول: إن بقايا وقاره وسكونه وهيبته، كرهت الناس فلم ترض بهم؛ لعلمها أنهم لا يستحقونها، فتحولت إلى الجبال فصارت سكوناً فيها. لست ممن يغره حبك السل ... م وألا ترى شهود القتال روى: بفتح التاء في ترى. وشهود بضم الشين. وروى: بالضم والفتح. يقول: لست ممن يغتر بأنك تحب السلم، أي الصلح وألا تختار شهود القتال. وعلى الرواية الأخرى وألا ترى شاهد القتال. فشهود. فعول: بمعنى فاعل. ذاك شيءٌ كفاكه عيش شان ... يك ذليلاً وقلة الأشكال يقول: ذاك الشيء، أي ترك القتال، كفاكه ذلة مبغضيك وقلة من يشابهك؛ لأن أعداءك ذلوا وقلوا وأمثاله فقدوا، فليس يوجد أحد يقاومك وكفيت أمر الحرب بهذا الوجه، فلا تحتاج إلى القتال.

стр. 107

واغتفارٌ لو غير السخط منه ... جعلت هامهم نعال النعال واغتفار: عطف على قوله: عيش شانيك. يقول: كفاك الحرب اغتفارك ذنوب أعدائك، ولو غير السخط والغضب ذلك الاغتفار واستولى عليه، لجعل أعداءك نعالاً لنعال الأفراس، ولدستهم بخيلك. لجيادٍ يدخلن في الحرب أعرا ... ءً ويخرجن من دمٍ في جلال وروى: لجيادٍ وبجياد وهو من تمام البيت الذي قبله، أي تجعلهم نعالاً لنعال جياد، أو تطأهم بجياد تدخل في الحرب أعراء: أي عارية، فتكتسي بالدم فترجع والدم قد غطاها، فكأنها في جلال: أي لابسة جلالاً. واستعار الحديد لوناً وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال هذا البيت معطوف على قوله: جعلت هامهم. يعني: أن السيوف كانت تختضب بالدم، فتستعير لوناً غير لونها، وألقى لونها البياض على ذوائب الأطفال؛ لأنها كانت تشيبهم من الخوف، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " يوماً يجعل الولدان شيباً " قال البخاري؟: معناه: أنه يقتل الآباء، ويؤتم الأولاد؛ فيشيبون من الحزن والخوف! أنت طوراً أمر من ناقع السم ... وطوراً أحلى من السلسال السم الناقع: هو القاتل لوقته. والسلسال: الماء العذب، السهل في الحلق. يقول: أنت في حالٍ أمر من السم القاتل، وفي حالٍ أطيب من الماء العذب السائغ. إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناسٍ في موضعٍ منك خال يقول: أنت كل الناس، فإذا غبت عن موضع فقد غاب الناس كلهم. وقيل: إنما صار الناس ناساً، إذا كنت فيهم؛ لأنهم يأتمون بك، وكل موضع خلا منك، فأهله لا تعد من الناس. وقال يمدح أبا علي هارون بن عبد العزي الأوراجي الكاتب: أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث أنت من الظلام ضياء أمن: فعل ماضٍ، من الأمن، والازديار: افتعال من الزيارة. والدجى: جمع دجية، وهي الظلمة. وضياء: رفع بالابتداء وخبره مقدم عليه، وهو قوله: حيث كنت. يقول: إن رقباءك أمنوا أن تزوري أحداً في الظلام؛ لأن كل موضع تكونين فيه، مضيءٌ بنور وجهك. ومثله قول الآخر: طارقٌ نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدراً طلعا قلق المليحة، وهي مسكٌ هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء القلق: الحركة، والاضطراب. وذكاء: اسم الشمس، وهي معرفة غير مصروفة. وقلق: مبتدأ. وهتكها: خبره. ومسيرها: عطف على قلق. وخبره: محذوف. تقديره: ومسيرها في الليل، وهي ذكاء هتك. يقول: إنها كالمسك إذا حرك فاح فحركتها تهتكها وتنم عليها، وكذلك مسيرها بالليل وهي الشمس هتكٌ لها. فجعل نفسها مسكاً، ووجهها شمساً، فالمصراع الأول من قول امرىء القيس. ألم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب ومثل المصراع الثاني: أرادوا ليخفوا في الظلام مسيرهم ... فنم عليهم في الظلام التبسم أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فبه علي خفاء المدله: هو الذاهب العقل. يقول: كان لي حزنٌ عليك، فحيرتني يوم الفراق عنه، حتى لم أحس به، وزال علمي به عني، فأسفي الآن على الحزن المتقدم، الذي حيرتني عن علمه، حتى صار خافياً علي. فكأنه اشتاق إلى حزنه الأول: الذي كان قبل حزن الفراق. وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء الشكية، والشكاية، والشكوى: بمعنى واحد. يقول: شكايتي الآن من عدم السقام، لا من السقام؛ لأن السقام إنما كان عندما كان لي أعضاء، فلما فقدت الأعضاء وصرت معدوماً لزوال السقام عني، فأنا أشتاق السقام؛ لأن بوجوده وجود الأعضاء أيضاً. مثلت عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها؛ كلتاهما نجلاء عين نجلاء: أي واسعة، وكذلك طعنة نجلاء. وقوله: فتشابها ذكره وحقه: فتشابهتا؛ لأن أحديهما العين، والأخرى جراحة، وهما مؤنثان. غير أنه ذهب بهما إلى المعنى، فكأنه قال: فتشابه الشيئان المذكوران. وأراد بالعين: العضو. وبالجراحة: الجرح. كقول زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح وأما قوله كلتاهما فأنثه رداً إلى لفظ العين، والجراحة. وأفرد قوله: نجلاء؛ لأن لفظة كلتا مفردة، وإنما تدل على التثنية لصيغته.

стр. 108

يقول: جعلت بعينيك مثالاً في قلبي. أي جرحت قلبي جراحة واسعة مثل عينك الواسعة، فكل واحد من العين والجراحة واسع. نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء السابري: قيل أراد به الثوب الرقيق. وقيل: هو الدرع. والصعدة: القناة القصيرة. ونفذت: فعل العين. يقول: نفذت عينك السابري على أحد المعنيين ورقته، ووصلت إلى قلبي فجرحته جرحاً واسعاً، ثم قال: ربما تندق الرمح ويلتوي الصلب القوي في هذا السابري؛ إن أراد به الدرع، فالمعنى ظاهر: أي أن عينك نفذت هذا الدرع إلى قلبي، وربما كانت تنكسر عليه الرماح ولا تعمل فيه. وإن أراد به الثوب الرقيق فمعناه أن قميصه ربما كان لا تعمل فيه الرماح بل تندق دون الوصول إلي؛ هيبة مني، في قلب من يريد طعني، ومع ذلك فإن عينك نفذته! وقيل أراد: أن عينك وصلت إلى قلبي وجرحته ولم تخرق الدرع ولا القميص. كما قال: رامياتٍ بأسهمٍ ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا نطقت فإنني الجوزاء الصخرة: إذا كانت بالوادي كانت أصلب وأثبت. يقول: أنا كصخرة الوادي في الصلابة والثبات، فإذا زاحمني أحدٌ في الفضل والكمال، أو في حال القتال لا يقدر على إزالتي عما أنا عليه من الحال، وما أختص به من الجلال. وقوله: فإذا نطقت فإنني الجوزاء له معنيان. أحدهما: أنه شبه نفسه بالجوزاء؛ لعلو محله عن كل ناظر. أي إذا نطقت لم يدرك غايتي أحد في البلاغة، كما لا يدرك أحد الجوزاء، وخصه بالذكر لأنه يشبه صورة الإنسان. والثاني: أنه أراد به ما يقول المنجمون من أن الجوزاء وصاحبه عطارد، يدلان على البلاغة والنطق. فيقول: أنا كالجوزاء: يستفاد من علمي ويقتبس من فوائدي، ويستمد من فصاحتي، كما أن الجوزاء يعطى من ولد فيه النطق والبراعة والبلاغة. وإذا خفيت على الغبي فعاذرٌ ... ألا تراني مقلةٌ عمياء يقول: إن خفي على الجاهل فضلي، فأنا أعذره، كما أعذر الأعمى إذ لم ير شخصي؛ لأن الجاهل أعمى القلب. شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضي أم البيداء؟! الشيم: جمع الشيمة، وهي العادة. وأفضي: أوسع، وهو اسم المبالغة، وأراد: أصدري أم البيداء أوسع؟! يقول: عادة الليالي لقصدها بمحنها وصروفها، أن تشكك ناقتي، فلا أدري أصدري أوسع بالأيام، وبأموالها، أم الفضاء أوسع. فتبيت تسئد مسئداً في نيها ... إسادها في المهمة الإنضاء الإسآد: قيل هو إسراع السير. وقيل: سير الليل كله. وقيل: هو إدامة السير ليلاً ونهاراً. والمهمة: الأرض الواسعة. والإنضاء: مصدر أنضاه. إذا هزله. وتبيت: فعل الناقة. وتقدير البيت: فتبيت تسئد مسئد الإنضاء في نيها إسآداً مثل إسآدها في المهمة. وإعرابه: تبيت. من أخوات كان، واسمه ضمير الناقة، وتسئد: فعل. في موضع نصب، لأنه خبر تبيت. ومسئداً: نصب على الحال من الضمير الذي فيه تبيت، وهو اسم الفاعل، وفاعله الإنضاء: وهو مرفوع به؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل. وإسآدها: نصب؛ لأنه وصف مصدر محذوف، كأنه قد أسأد مثل إسآدها، والضمير في إسآدها: راجع إلى الناقة، والناصب قوله: مسئد. ونظير التقدير الذي ذكرناه قول القائل: تبيت هندٌ تصلي، مصلياً عمرو ... في دارها، صلاتها في المسجد هذا كما تقول: مررت بهند واقفاً عندها عمرو فواقفاً: حال من مررت، وعمرو: مرفوع بواقف. معناه: أن هذه الناقة تسرع في السير، والمهمة. والإنضاء يأخذ من الناقة وينقص منها، مقدار ما تنقص هي من المهمة. ومثله لكشاجم في الشمعة قوله: تكيد الظلام كما كادها ... فتفنى وتفنيه في الموقف والمتنبي حول هذا المعنى إلى المفازة والناقة كما ترى. أنساعها ممغوطةٌ، وخفافها ... منكوحةٌ، وطريقها عذراء الأنساع: جمع نسع، وهو سير مضفور كهيئة العنان. والممغوطة: الممدودة. والخف: من البعير، بمنزلة القدم من الإنسان. ومنكوحة: أي دامية. فذكر بلفظ النكاح لذكره العذراء. يقول: أنساع هذه الناقة ممتدة لهزالها فجالت عليها أنساع رحلها، وخفافها دامية من الحفا وطريقها مجهولٌ لم يسلكه أحد. يتلون الخريت من خوف التوى ... فيها كما يتلون الحرباء

стр. 109

الخريت: الدليل العالم بخفيات الطرق، كخفاء ثقب الإبرة. والتوى: الهلاك. والحرباء: دابة أكبر من العظاية، على خلقتها. ويقال: إنها ذكر أم حبين تستقبل الشمس دائماً كيف دارت. والهاء في فيها: للطريق، لأنها تؤنث. وقيل: ترجع إلى البيداء. المعنى: أن هذه الطريق مجهولة فالدليل إذا سلكها يتقلب يميناً وشمالاً وخلفاً وقداماً، ومن ناحية إلى ناحية؛ وهذا هو التلون، كما تتقلب الحرباء في الشمس. ذكره ابن جنى. وقيل: أراد أنه يصفر لونه مرة، ويسود تارة، ويحمر أخرى؛ خوف الهلاك ورجاء الاهتداء. فهذا هو التلون كحال الحرباء مع الشمس. بيني وبين أبي عليٍّ مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء الهاء في مثله: للممدوح. والشم: جمع أشم، رفع لأنه بدل من قوله: مثله ويجوز أن يكون الابتداء مضمر أي: هو شم الجبال. فيكون كالتفسير لمثله ومثلهن منصوب؛ لأنه وصف لنكرة وهو رجاء فلما تقدمت على الموصوف نصبت على الحال. يقول: بيني وبين الممدوح جبالٌ، هي مثل الممدوح في العلو والثبات والرزانة والوقار. فشبه الجبال به، ولم يشبهه بالجبال. وهذه عادته: أن يمكن التشبيه في الموصوف، ويجعل المعنى ثابتاً فيه. ثم قال: ومثلهن رجاء. أي لي رجاء عنده مثل هذه الجبال. وعقاب لبنانٍ، وكيف بقطعها ... وهو الشتاء، وصيفهن شتاء؟ العقاب: جمع عقبة. ولبنان: جبل بالشام في ناحية دمشق. والباء في بقطعها زائدة. قوله: وهو الشتاء في موضع نصب على الحال. يقول: بيني وبينه عقابٌ وهي شديدة البرد، وصيفها مثل شتاء غيرها، فكيف لي بقطعها في الشتاء وهي بهذه الصفة؟ لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء لبس: أي عمى وغطى وأخفى، علي الطريق في هذه العقاب، فكأنها مع بياضها سوداء؛ حيث أن الطريق خفي فيها وهي بيضاء، كما يخفى في سواد الليل، إذ العادة أن الطريق لا يخفيه إلا سواد الليل وظلمة الغيم، فمتى خفي بالبياض صار بمنزلة السواد. وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء النضار: هو الذهب. وقام الماء: أي جمد. وأراد بالكريم: الممدوح. يعني إنما جمد لتحيره في عطائه، وخجله من كثرة سخائه، وسال الذهب في هباته كما سال الماء. جمد القطار فلو رأته كما رأى ... بهتت فلم تتبجس الأنواء الأنواء: الأمطار بالقمر؛ وقد بيناه. وتتبجس: أي تتفجر. ورأى: فعل القطار، رده إلى اللفظ، وليس فيه علامة التأنيث. وروى: كما أرى أي لو رأته القطار كما أرى وأشاهد، لميزت كما ميزت، ولو رأته الأنواء والقطار على اختلاف التقدير. يعني: لو رأته الأنواء كما رأته القطار. ويجوز رفع الأنواء من ثلاثة أوجه: أحدها: بقوله: رأته. والثاني: بقوله: بهتت الأنواء. والثالث: فلم تتبجس وهو المختار عند البصريين، وباقي الأفعال فيه ضمير الأنواء. يقول: إن المطر لما رأى جوده جمد وتحير فصار ثلجاً، ولو رأته الأنواء كما رآه المطر لتحيرت ولم تتفجر بالماء؛ خجلاً منه، وهذا على مذهب من يعتقد أن الأمطار من النجوم. في خطه من كل قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأن مداده الأهواء يقول: كل أحد يهوى خطه لحسنه، فشهوة كل قلب حاصلة في خطه، فكأن مداد خطه من أهواء الناس ومحبتهم. ولكل عينٍ قرةٌ في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء القرة: المسرة وأصله البرد. والمغيب: الغيبة. والأقذاء: جمع قذىً، وهو ما يسقط في العين. وروى الإقذاء مصدر من أقذيت عينه إذا طرحت فيها القذى. يقول: كل أحد يسر من قربه ويحزن لفراقه، فكأن رؤيته قرة العين، وغيبته قذى يسقط فيها. من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء تقديره: من يهتدي في الفعل إلى ما لا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعله. فالشعراء: رفع بقوله: ما لا يهتدى وأما يهتدى. ففيه ضمير الممدوح، وكذلك في حتى يفعل وفي هذا البيت وجوه: أحدها: أن من يصلح أن يكون بمعنى الذي، موضعه رفع بخبر الابتداء المحذوف. أي هو الذي، وما بعده إلى آخر البيت صلة، والضمير العائد إليه مستتر في الفعل الذي يليه. والثاني: يصلح أن يكون استفهاماً: أي من يفعل هذا غيره؟ وهو مرفوع بالابتدائ وما بعده خبر عنه.

стр. 110

والثالث: أنه حذف حرف الجر من يهتدى وعداه إلى المفعول. والأصل: من يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى. فحذف إلى وأوصل الفعل إلى المفعول. والرابع: أن ما في قوله ما يهتدى يصلح أن يكون بمعنى الذي، وأن يكون نكرة موصوفة. أي يهتدى في الفعل إلى شيء لا يهتدى إليه الشعراء. والخامس: أنه حذف الضمير الراجع إلى ما وهو قوله: إليه وهذا لا يجوز إلا في ضرورة؛ لأنه من صلة ما وإنما يجوز حذفه إذا كان متصلاً بالفعل كقولك: ما شربته ماء، وما شربت ماء. فأما إذا انفصل الضمير فلا يجوز حذفه. المعنى: أنه يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى إليه الشعراء بالقول، حتى يفعله هو، فإذا فعله اهتدوا إليه. في كل يومٍ للقوافي جولةٌ ... في قلبه ولأذنه إصغاء القوافي ها هنا: القصائد. يقول: إن الممدوح في كل يوم يمدح بالقصائد وينشد، فللقوافي جولان في قلبه، ولها استماع في أذنه. وإغارةٌ فيما احتواه كأنما ... في كل بيتٍ فيلقٌ شهباء الفيلق: القطعة من الجيش. والشهباء: بيضاء من الحديد، وإنما تكون دالة إلى الكتيبة، لا إلى الفيلق، والبيت من الشعر. يقول: إنه كل يوم يقصد ويمدح، ويهب ماله للشعراء، فكل بيت يمدح به، جيشٌ يغير على ماله؛ وذلك لتمكين الشعراء من ماله. من يظلم اللؤماء في تكليفهم ... أن يصبحوا وهم له أكفاء من: بمعنى الذي. أي: هو الذي يظلم اللؤماء. ويجوز أن يكون نكرة موصوفة. أي: هو رجلٌ يظلم اللؤماء. واللؤماء: جمع لئيم. يقول: هو الذي يطلب من اللئام أن يفعلوا مثل فعله، وأن يكونوا نظراء له، فهو يظلمهم بذلك؛ لأنه يكلفهم ما ليس في طباعهم، فهم يظلمون بذلك. ونذمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء نذمهم: أي نعيرهم. يقول: نحن نعير اللئام ونذمهم ولا يجب أن نذمهم؛ إذ بهم عرفنا فضل الممدوح؛ لأنهم لو كانوا مثله لما عرفنا فضله، وإنما عرفنا فضله لقصورهم عنه؛ لأن الشيء إنما يتبين إذا قرن بضده. وروى: وبضدها تتبين الأشياء، على ما لم يسم فاعله. من نفعه في أن يهاج وضره ... في تركه، لو تفطن الأعداء يقول: إن الممدوح نفعه في أن يهيج للحرب؛ لأنه حينئذٍ يغير على أعدائه، ويغنم أموالهم وينتفع بها. وضره في ترك هيجانه؛ لأنه إذا لم يحارب، صالح أعداءه. واستضراره بذلك: حيث يفرق ما جمعه في حال الحرب. ولو تفطن الأعداء بذلك قصدوا إلحاق الضرر به. فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء السلم: يذكر ويؤنث. والهيجاء: الحرب. شبه المال بالطائر فاستعار له جناحين. يقول: الصلح يكسر جناحي ماله، بنواله وتفرقته. أي أن الصلح يقل ماله، وما يكسره الصلح يجبره الحرب؛ لأنه يغنم أموال أعدائه فهو يتلف ويخلف. يعطي فتعطى من لها يده اللها ... وترى برؤية رأيه الآراء اللها: الدراهم والدنانير، واحدها لهوة. وأصلها القبضة التي تلقى في فم الرحاء. والآراء: جمع الرأي، وهو مقلوب مخفف من الأأراء. يقول: إنه يعطي عطاء كثيراً، والمعطى إليه يعطي من عطاياه. يعني: أنه قد أغناه بعطائه، حتى أنه يجود على غيره، وإذا نظر غيره إلى آرائه، تعلم منه الرأي والتدبير، ويبصر به وجه الصواب، بسداد رأيه. وقيل: أراد أنه إذا نظر إلى رأيه فكأنه قد أبصر جميع آراء الناس. متفرق الطعمين مجتمع القوى ... فكأنه السراء والضراء يقول: إنه جمع اللين والشدة، والبأس والجود، والرأي لا يدخله خلل، فكأنه لاجتماع اللين والشدة والسراء والضراء. وقيل: أراد بقوله مجتمع القوى باجتماع هذين الخلقين فيه اجتمعت قواه وكملت صفاته. وكأنه مالا تشاء عداته ... متمثلاً لوفوده ما شاءوا متمثلاً: نصب على الحال. وما: بموضع رفع. يقول: كأنه صور مما يكرهه أعداؤه، ومما يحبه أولياؤه في حال تمثله لوفوده وهم أولياؤه. وقيل: أراد أنه يسيء إلى أعدائه في حال إحسانه إلى أوليائه، فيجمع الأمرين في وقت واحد. يا أيها المجدي عليه روحه ... إذ ليس يأتيه لها استجداء يقول: يا أيها الرجل الموهوب له روحه، من حيث لم يأت أحد يستجديه. أي: يستوهبه. يعني: لو طلب طالبٌ روحك لوهبته منها، فمن لا يطلب ذلك فكأنه وهبه منها. ومثله:

стр. 111

ولو لم يكن في كفه غير روحه ... البيت ومثله قوله: لا خلق أسمح منك إلا عارفٌ ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها احمد عفاتك لا فجعت بفقدهم ... فلترك ما لم يأخذوا إعطاء يقول: احمد سائليك؛ حيث لم يستوهبوك نفسك؛ لأنهم لو استوهبوها منك لأعطيتهم إياها! فتركهم لروحك بمنزلة الإعطاء منهم لك. وقوله: ولا فجعت بفقدهم حشوٌ لطيف. وفيه وجهان: أحدهما: أنه دعاء لهم، لما ذكر من أنه ينتفع بهم. والثاني: أنه دعاء له بدوام النعمة وبقاء الدولة. فكأنه قال: لا زلت مقصوداً. لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ ... إلا إذا شقيت بك الأحياء لهذا البيت معنيان: أحدهما: أن الأموات لا تكثر إلا إذا غضبت على الأحياء فقتلتهم وأفنيتهم فشقوا. وقوله: كثرة قلة يعني أنها في الحقيقة قلة من حيث كانت فناءً وعدماً، أو لأن الأموات تبلى فتذروها الرياح وتأكلها الوحش والطير، فهي تقل وإن كثرت. والثاني: أن الأموات لا تكثر إلا إذا مات هذا الممدوح، وشقي الأحياء بفقده، وأنهم يموتون كلهم بموته؛ فحينئذ تكثر الأموات كثرة في قلة؛ لأنه من حيث هو موت رجل واحد قليل، ومن حيث ينضم إليه موت الخلق كثير. ومثله قول الآخر: لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ... ولا شاةٌ تموت ولا بعير ولكن الرزية موت حيٍّ ... يموت بموته خلقٌ كثير وقال أبو عمرو السلمي: عدت أبا علي الأوراجي في علته التي مات فيها بمصر فاستنشدني: لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ فجعل يستعيده ويبكي، فخرجت ولحقت بمنزلي فقيل: إنه مات! وكان أبو علي يتصوف. والقلب لا ينشق عما تحته ... حتى تحل به لك الشحناء الشحناء: البغض، كأنها تشحن الصدر، أي تملؤه عداوة. يقول: إن القلب لا ينشق عما دونه وما فيه، بالرماح والأسلحة، إلا إذا نزلت به عداوتك. وقيل: أراد أن القلب لا يحتمل عداوتك، فإذا حلت به عداوتك انشق القلب فمات فزعاً وخوفاً. فكأنه يقول: لا يهلك أحد إلا ببغضه. لم تسم يا هارون إلا بعد ما اق ... ترعت ونازعت اسمك الأسماء يقول: لما ولدت تنافست الأسماء في الشرف بك حتى تقارعت بالقرعة عليك فخرج سهم هارون فسميت به، فلم تسم بهارون إلا بعد هذه الحالة. فغدوت واسمك فيك غير مشاركٍ ... والناس فيما في يديك سواء يقول: فصرت لا شريك لك في هذا الاسم، إذ لام يسم أحد بهذا الاسم مثلك في الفضل، فصرت منفرداً به والناس شركاء في أموالك، يتصرفون فيها كيف شاءوا. لعممت حتى المدن منك ملاء ... ولفت حتى ذا الثناء لفاء اللام في قوله: لعممت جواب القسم، أي والله لعممت، أي ملأت المدن. وملاء: جمع ملآن. واللفاء: الشيء القليل الذي لا قدر له. يقول: قد عممت الأرض بجودك، حتى المدن ممتلئة به، وسبقت ثناءك، لما لك من القدر حتى صار هذا الثناء الذي أثني به عليك قليل، في جنب قدرك. وقد صرع البيت في أثناء القصيدة من غير انتقال إلى قصةأخرى. وهذا جائز وإن قل. ولجدت حتى كدت تبخل حائلاً ... للمنتهي ومن السرور بكاء المنتهي: هو الانتهاء. يقول: جدت حتى بلغت الغاية في الجود وكدت تستحيل بخيلاً، لأن الشيء إذا بلغ غايته انعكس إلى ضده. ثم قال: ومن السرور بكاء! أي أن الإنسان إذا تناهى في السرور دمعت عيناه، فيصير السرور بكاء. أبدأت شيئاً منك يعرف بدوه ... وأعدت حتى أنكر الإبداء يقول: ابتدأت فابتدعت بنوع المكارم ما لم يعهد قبلك، فمنك مبدؤه ثم كررته وزدت على ما كنت ابتدأت به، حتى تنسى الأول لأجل الثاني. ومثله: فإذا أتيت بجود يومك مفخراً ... عمت به أرواح جودك في غد فالفخر عن تقصيره بك ناكبٌ ... والمجد من أن تستزاد براء ناكب: أي عادل. وبراء: أي بريء. يقول: إن الفخر لا يقصر بك وهو ناكب عن أن يقصر بك؛ لأنك قد بلغت الغاية. والمجد: وهو الشرف، بريء من أن تستزيده؛ لأنه ليس فيه رؤية لم تبلغها أنت فتسأل الزيادة حتى تبلغها. فإذا سئلت فلا لأنك محوجٌ ... وإذا كتمت وشت بك الآلاء

стр. 112

الآلاء: النعم واحدها أليٌّ وإلي أي متى طلب الناس منك شيئاً فليس لأنك أحوجتهم إلى السؤال، ولكن سألوك تشرفاً بسؤالك وتلذذاً به، وإذا كتمك كاتم، أو كتم محلك وذكرك، دلت عليه نعمك الظاهرة المنتشرة، فلا يمكنه ذلك. ومثله قول مسلم: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر وإذا مدحت فلا لتكسب رفعةً ... للشاكرين على الإله ثناء يقال: كسب المال وكسب الرجل المال. يقول: إن مدحنا إياك، لا يكسبك رفعة؛ لأنك في نفسك رفيع، وإنما نمدحك شكراً لإحسانك، وتشرفاً بمدحك، وترفعاً بالثناء عليك. ثم ضرب مثلاً بأن من يثني عليك كالشاكرين لله تعالى؛ لأنهم يشكرون الله تعالى، لنفع يعود إليهم، لاإلى الله . وأخذه من قول الأول فلو كان يستغني عن الشكر ماجدٌ ... لعزة ملكٍ أو علو مكان لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروا لي أيها الثقلان وإذا مطرت فلا لأنك مجدبٌ ... يسقي الخصيب ويمطر الدأماء أجدب القوم: إذا أجدبت أرضهم، أو وقعوا في مكان جدب. والدأماء: البحر. يقول: إذا مطرت فلست تمطر لإجداب محلك وجدب بلدك، ولكن تمطر مع الاستغناء عنه، كما يمطر المكان الخصيب وكما يمطر البحر مع كثرة مائه. لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرخصاء الصبيب بمعنى المصبوب، وهو المطر. والرخصاء: عرق الحمى. والهاء في به: للنائل. والتأنيث: للسحاب؛ لأنه بمعنى الجمع. يقول: إن السحاب لم يعارضك في السخاء بمائه وإنما حسدك لزيادتك عليه فحم بسبب كثرة عطائك، فهذا الذي ينصب عنه، عرق الحمى التي أصابته. لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجهٍ ليس فيه حياء يقول: لم تلق الشمس وجهك، إلا بوجه ليس فيه حياء؛ إذ لو كان في وجهها حياء لم تقابله؛ لقصور نورها وبهائها عن نوره وبهائه. فبأيما قدمٍ سعيت إلى العلا ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء قوله: ما صلة وأي استفهام في معنى التعجب وأدم الهلال: جلده. والحذاء: النعل يقول: إنك بلغت من العلا محلاً لم يبلغه أحد فبأي قدمٍ سعيت إليها؟! ثم دعا له: بأن يكون أديم الهلال نعلاً لأخمصيه: أي لا زلت عالياً حتى يصير الهلال لك بمنزله النعل. ولك الزمان من الزمان وقايةٌ ... ولك الحمام من الحمام فداء دعا له فقال: وقاك الله من حواث الزمان بالزمان، وفداك بالموت من الموت. وقيل: أراد ليهلك الزمان دون هلاكك، وليمت الموت دون موتك. وقيل: أراد به أهل الزمان، وقاية لك من حوادث الزمان، وموت أهل الزمان فداء لموتك فيموتون عنك. لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء الورى: الخلق من بني آدم. واللذ: بحذف الياء: لغة في الذي. يقول: لو لم تكن من بني آدم، الذين هم في الحقيقة منك؛ لأنك جمالهم وشرفهم، ولو لم تكن فيهم لعدوا في العدم، ولكانت حواء بولادة نسلها عقيماً، كأنها لم تلد أحداً. ودخل أبو الطيب يوماً على أبي علي الأوراجي فقال له أبو علي: وددنا أنك كنت معنا يا أبا الطيب اليوم. فقال أبو الطيب: ولم؟ فقال: ركبنا ومعنا كلبٌ لابن مالك، فطردنا به وحده ظبياً، ولم يكن لنا صقرٌ. فاصطاده! فقال أبو الطيب: أنا قليل الرغبة في ذلك والنظر إلى مثل هذا. فقال أبو علي: إنما اشتهيت أن تراه حتى تستحسنه فتقول فيه شيئاً. فقال أبو الطيب: أنا أفعل. قال له: فأحب منك ذاك. وتحدث أبو علي ثم قال: أنا أحب أن تفعل ما وعدتني، فقال له أبو الطيب: قد أحفيت السؤال! أتحب أن يكون ذلك الساعة؟ فقال أبو علي: أيمكن مثل هذا؟ قال: نعم، وقد حكمتك في الوزن، وحرف الروي. فقال أبو علي: بل الأمر فيهما لك. فأخذ أبو الطيب درجاً وأخذ أبو علي درجا يكتب فيه كتاباً إلى إنسان، فقطع عليه أبو الطيب الذي يكتبه وأنشده يصف كلب صيد أرسل على غزال وليس معه صقر. ومنزلٍ ليس لنا بمنزل ولا لغير الغاديات الهطل الغاديات: السحاب يأتي غدوة، واحدها غادية. والهطل: جمع هاطلة، وهي الكثيرة المطر. يقال: هطلت السماء تهطل هطلاً وهطلاناًح إذا صبت صباً دائماً شديداً. يقول: رب منزل ليس بمنزل الإنس، وإنما هو منزل السحاب التي تصب الأمطار. ندى الخزامى ذفر القرنفل

стр. 113

محللٍ ملوحش لم يحلل الخزامى، والقرنفل: نبتان طيبان. وقيل: الخزامى خيري البر، والندى: الرطب. من بلد الندى. والذفر: الحاد الرائحة الطيبة والخبيثة، وبالدال النتن خاصة. والمحلل: المكان الذي يكثر الحلول فيه. وأراد: من الوحش فحذف النون، وقد مضى مثله. يقول: هذا المنزل فيه رائحة الخزامى والقرنفل، وإنه منزل الوحش وفيه تخلق دون الناس، فلا يحله أحدٌ من الناس. وقيل: أراد هذا المكان محلل الوحش، وإن أخذه سهل حلال؛ لكثرته وقرب تناوله، فكأن هذا المنزل قد أحل فيه تناول الوحش ما لم يحل اصطياده في غير ذلك الموضع. عن لنا فيه مراعي مغزلٍ محين النفس بعيد الموئل عن: أي ظهر وعرض. فيه: أي في المنزل. والمراعي: اسم من راعى. والمغزل: الظبية التي معها ولدها. فالمراعي الظبى، والمغزل: الظبية. ومحين النفس: الذي دنا حين أجله. والموئل: الملجأ. يقول: ظهر لنا في هذا المنزل ظبي يراعي ظبية ذات ولدٍ. أي يرعى معها. وهو محين النفس: أي أن الحين لاحق به، ودنا هلاكه، وهو بعيد الملجأ: أي لا ملجآ له؛ لأن الكلب صلاه فصار هالكاً. أغناه حسن الجيد عن لبس الحلى وعادة العري عن التفضل الحلي: الحلي، فخفف. والعري والتفضل: أن يلبس ثوباً يبتذل له في منزل الخدمة. والهاء في أإناه: لمراعي مغزل. يقول: إن حسن جيده أغناه عن التزين بالحلي، واعتياده أن يكون عرياناً كفاه، لفضله عن لبس الحلي. كأنه مضمخٌ بصندل معترضاً بمثل قرن الأيل يقول: كأنه مطلي بالصندل، لا من كونه يضرب إلى الصفرة كلون الصندل، وقرنه في الطول مثل قرن الأيل: وهو التيس الجبلي. وقيل: الثور الجبلي. ومعترضاً: حال من الهاء في كأنه. وهو من سرعة عدوه يسق لحظة الكلب فلا يقدر أن يتأمله. يحول بين الكلب والتأمل فحل كلابي وثاق الأحبل عن أشدقٍ مسوجرٍ مسلسل أقب ساطٍ شرسٍ شمردل الكلاب: صاحب الكلب. والوثاق: الرباط. والأشدق: واسع الشدقين وهما شق الفم عن يمين وشمال أي عن كلب أشدق. ومسوجر: أي في عنقه ساجور. وهو الخشب الذي يكون في عنق الكلب. ومسلسل: أي في عنقه سلسلة. والأقب: الضامر البطن. والساطي: البعيد ما بين الرجلين، إذا مشى. والشرس: السيىء الخلق. والشمردل: الطويل. وقيل: الخفيف الكثير الحركة. يقول: حل الكلابٌ رباط الحبال عن كلب هذه صفته. منها، إذا يثغ له لا يغزل موجد الفقرة رخو المفصل منها: يرجع إلى الأحبل، والكلاب، وإن لم يجر للكلاب ذكر؛ لدلالة الكلام عليها. وإذا يثغ صوت الثغاء: أي صوت الغنم. واستعاره للغزال وجزم يثغ بإذا ولا يجوز إلا في الشعر. وقوله: لا يغزل من قولهم: غزل الكلب يغزل، إذا دنا وأدرك الغزال، فتحير ولم يمسكه وقوله موجد الفقرة: أي وثيق الفقرة: وهو عظم الظهر وأراد برخو المفصل: أنه سريع التعطف. يقول: إن هذا الكلب إذا أدرك أيلاً وثغاله لم يدهش من ثغائه، ولم يمسك عنه لاعتياده الاصطياد، وإنه وثيق عظم الظهر ورخو المفصل: أي سريع التعطف له إذا أدبر لحظ المقبل كأنما ينظر من سجنجل يعدو إذا أحزن عدو المسهل إذا تلا جاء المدى وقد تلي أحزن: أي وقع في الحزن، وهو ما غلظ من الأرض. والمسهل: الواقع في السهل. والسجنجل: المرآة. يقول: من تيقظه يرى ما وراءه كما يرى ما قدامه. وإنه يعدو في الحزن من الأرض مثل ما يعدو في السهل. يقول: كأن عينه المرآة؛ من حيث إنه يرى بها خلفه وأمامه، كما يبصر الإنسان وجهه في المرآة؛ عن عكس المقابلة في الصورة. يقعي جلوس البدوي المصطلي بأربعٍ مجدولةٍ لم تجدل الإقعاء: هو أن يجلس على إليتيه ويرفع ركبتيه. وأقعى الكلب: إذا وقع على ذنبه. وجلوس: نصب على المصدر. المجدولة: المحكمة. يقول: إذا تبع الصيد وعدا خلفه، أدرك الغاية، وتقدم الصيد، فيتلوه الصيد: يعني أنه يصير متبوعاً بعد أن كان تابعاً. يعني يسبق الصيد ثم يعطف عليه فيصييده ثم قال: يجلس هذا الكلب مثل جلوس البدوي على النار: يعني أنه لعظم جثته يشبه البدوي، وجلوسه يشبه جلوسه عند الاصطلاء بالنار، وقوله: بأربع. أي يقعي بأربع قوائم مفتولة وهي في الحقيقة لم تفتل. فتل الأيادي ربذات الأرجل

стр. 114

آثارها أمثالها في الجندل الفتل: جمع أفتل. يعني أنه مفتول اليدين، وقيل: إنه جمع فتلاء، وهي التي تباعد ذراعها عن جنبها. وهي محمودة في الكلب. والأيادي: جمع الأيدي. والأيدي: جمع اليد. وربذات: أي مسرعات. يقول: إن هذا الكلب يده على هذه الصفة. وإن رجله خفيفة سريعة الانتقال. وقوله آثارها: أي آثار هذه القوائم إذا مشى على الصخر. يعني أنها تؤثر في الحجر، وتترك فيه آثارها. يكاد في الوثب، من التفتل يجمع بين متنه والكلكل وبين أعلاه وبين الأسفل شبيه وسمي الحضار بالولي التفتل: الالتواء. والكلكل: الصدر. والحضار: العدو. يعني: يلتوي في وثبه حتى يكاد أن يجمع بين صدره وظهره، ورأسه وقوائمه. فآخر عدوه كأوله، لا يلحقه فتور ولا تعب. يسرع أولاً ولا يبطىء آخرا كأنه مضبرٌ من جرول موثقٌ على رماح ذبل ذي ذنبٍ أجرد غير أعزل يخط في الأرض حساب الجمل مضبر: أي مجتمع الخلق. والجرول: الحجر. والذبل: جمع الذابل، وهو الذي أخذه الحفا، ولم يلبس. والأجرد: قصير الشعر. والأعزل: المائل في أحد شقي الجسد، وهو عيب في الخيل، والكلاب. يقول: كأنه أحكم ونحت من الحجر، وهو موثق على قوائم طوال، مثل الرماح الذبل. ثم وصف ذنبه، بأنه قليل الشعر؛ ليكون أخف، وأنه غير أعزل؛ لأنه عيب. وقوله: يخط في الأرض قيل: إنه من فعل الذنب، أي ذنبه طويل يخط في الأرض دفعة بعد أخرى، فيمحوا في الثاني، ما يخط في الأول، كما يفعل بالحروف الحساب على التخت، وقيل: أراد أن الكلب يخط ذلك، ووجه التشبيه أن أكثر ما يخط من حروف الهند أحرف معدودة، مختلفة الصور، فشبه آثار يدي الكلب ورجيله، يمنة ويسرة، على ما فيها من الاختلاف بتلك الصور. والجمل: أصله جمل فشدد للضرورة. كأنه من جسمه بمعزل لو كان يبلي السوط تحريكٌ بلي نيل المنى، وحكم نفس المرسل وعقلة الظبي، وحتف التتفل تحريكٌ: مرفوع؛ لأنه فاعل يبلي والسوط مفعوله. يقول: كان هذا الكلب؛ من سرعته بمعزل عن جسمه. أي يكاد يترك جسمه ويتميز منه لسرعته. وقيل إن الهاء عائدة إلى الذنب، أي أن ذنبه طويل، بعيدٌ من جسمه، فكأنه في ناحية منه. يقول: لو كان السوط يبلي من كثرة تحريكه، لكان هذا الكلب يبلى من سرعة عدوه، فكما لا يؤثر التحريك في السوط فكذلك كثرة العدو لا تؤثر فيه. فشبه جسمه لدقته وصلابته بالسوط. وقيل: شبه ذنبه لدقته بالسوط. يعني: لو كان السوط يبلي من كثرة التحريك لكان ذنبه يبلي من كثرة تحريكه إياه. والتتفل: ولد الثعلب. وقوله: نيل المنى: أي أن صاحبه إذا أرسله على الصيد نال مناه، وحكم لنفسه بما أراد. وهذا الكلب عقلة الظبي: أي هو للظبي بمنزلة العقال، لأنه لا يمكنه من العدو، وأنه هلاك ولد الثعلب. أي لا يقدر أن يفلت منه. وهو من قول امرىء القيس: .......... قيد الأوابد هيكل فانبريا فذين تحت القسطل قد ضمن الآخر قتل الأول في هبوة كلاهما لم يذهل لا يأتلي في ترك ألا تأتلي مقتحماً على المكان الأهوال يخال طول البحر عرض الجدول انبريا: أي اندفعا واعترضا. قوله فذين: أي فردين ونصبه على الحال، وأراد به الظبي والكلب. والقسطل: الغبار. والهبوة: الغبرة. أي أقبلا وظهرا للناظر يعدوان في الغبار منفردين لا ثالث معهما، وقد ضمن الآخر وهو الكلب قتل الأول وهو الغزال، لأن الكلب عدا خلف الظبي، وكل واحد منهما في وسط الغبار لم يغفل عن عدوه، بل كان مجداً فيه. الظبي للهرب. والكلب في الطلب. أي كل منهما لم يعرض له بغته ولم يأخذه سهوة والله أعلم ولا في قوله: لا يأتلي زائدة أي لا يأتلي في ترك أن يأتلي. ونصب مقتحماً على الحال، والعامل فيه لا يأتلي. وإن شئت نصبته بما بعده. أي يخال طول البحر مقتحماً. وهذه الأبيات تصلح أن تكون للكلب ولكل من الكلب والظبي يقول: إنه لا يقصر في ترك التقصير وإنه يطرح نفسه لشدة عدوه على الأمر الأعظم الأخوف ولا يبالي، لقلة مبالاته يظن طول البحر عرض النهر الصغير فيطرح نفسه فيه. حتى إذا قيل له نلت افعل افتر عن مذروبةٍ كالأنصل لا تعرف العهد بصقل الصيقل مركباتٍ في العذاب المنزل

стр. 115

افتر: أي كشر. ومذروبةٍ: أي محدودة. والأنصل: جمع نصل. يقول: حتى إذا وصل إلى الغزال وقيل له: أصبته افعل به ما شئت. كشر عن أنياب محددةٍ مصقوله كأنها النصول في الحدة، وهذه الأنياب كانت مصقولة خلقةً لا بصنعة صيقل، وإنها مركبة في حنك شديد، كل من عضه حطمه، كأنه عذاب منزل على الغزال. كأنها من سرعةٍ في الشمأل كأنها من ثقلٍ في يذبل كأنها من سعةٍ في هوجل التأنيث: للمذروبة. ويذبل: جبل. والهوجل: ما اتسع من الأرض. شبه حنكه؛ لسرعته بالشمال وشبه شدقه بيذبل الجبل المتسع. أي كأن هذه الأنياب مركبة في الشمال، وشبه شدة عض الحنك بالجبل. أي كأن الأنياب من ثقلها مركبه في يذبل. كأنه من علمه بالمقتل علم بقراط فصاد الأكحل المقتل: يجوز أن يكون مصدراً أو اسماً للموضع الذي إذا أصيب قتل، فمعناه على المصدر: أي كأنه لعلمه بالمقتل وأراد به إراقة الدماء علم بقراط الحكيم فصد الأكحل. وعلى الاسم: أي كأنه من حذقه بالصيد واجتنابه عند العض مواضع القتل علم بقراط الحكيم فصد الأكحل. والأكحل: عرق باطن الزراع. فحال ما للقفز للتجدل وصار ما في جلده في المرجل فلم يضرنا معه فقد الأجدل التجدل: السقوط على الجدالة، وهي الأرض. والأجدل: الصقر. يقول: فحال: أي استحال وانقلب ما للقفز: وهو الوثوب، وهي القوائم أي صارت قوائمه التي يقفز بها للسقوط، وصار ما في جلدها من اللحم في المرجل: أي ذبحناه وطبخناه بعد سلخ الجلد فلم يضرنا مع هذا الكلب فقد الصقر؛ لأنا صدنا بالكلب وحده، وذلك لأن الكلب لا يقدر على صيد الغزال إلا مع الصقر، إلا هذا الكلب. إذا بقيت سالماً أبا علي فالملك لله العزيز ثم لي ختم بالدعاء له ومعناه ظاهر قصائد بدر بن عمار وقال يمدح بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني وهو يومئذٍ على حرب طبرية من قبل أبي بكر محمد بن رائق: أحلماً نرى أم زماناً جديدا ... أم الخلق في شخص حيٍّ أعيدا؟! أحلماً: نصب بنرى. وأم زماناً: عطف عليه بأم. وجديدا: صفة لزمان. وقوله: أم الخلق: رفع لأن أم ها هنا منقطعة، والأولى متصلة. يقول: إن ما أرى من صفات هذا الممدوح وأفعاله عجب أنراه في المنام لبعده عن العادة، أم هذا زمان جديد، غير ما كان من قبل؛ لأننا نرى فيه ما لم يعهد في زمانٍ قبله! أم الناس قد أعيدوا في شخصٍ واحد؟! تجلى لنا فأضانا به ... كأنا نجومٌ لقينا سعودا تجلى: أي ظهر. فأضانا به: أي صرنا مضيئين به. وهو فعل لازم وأضاء يلزم ويتعدى. يقول: ظهر لنا هذا الممدوح، فعلا نوره وشرفه حتى أنرنا به، ولما ظهر كنا كأنا النجوم لقينا سعوداً فحسن بنوره وبركته. رأينا ببدرٍ وآبائه ... لبدر ولوداً، وبدراً وليدا أراد بالبدر الأول: الممدوح. والثاني: هو القمر. وبدراً ولوداً ووليداً: نصب برأينا. واللام في قوله لبدر: لام المفعول إذا قدم على الفعل كقوله تعالى: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " أي إن كنتم تعبرون للرؤيا. يقول: لما رأينا بدراً وهو الممدوح وأباه، لأن أباه قد ولد بدراً، ورأينا بدراً قد ولد، وهذا غير معهود في العالم أن يكون البدر والد البدر. جعله بدراً في الحقيقة ثم تعجب من كونه مولوداً! طلبنا رضاه بترك الذي ... رضينا، له فتركنا السجودا يقول: رضينا أن نسجد له؛ إعظاماً، فكره هو ذلك وأنكر منا السجود له، ولم يرضه. وطلبنا رضاه بترك السجود؛ موافقة وإيثاراً لرضاه على رضانا. أميرٌ أميرٌ عليه الندى ... جوادٌ، بخيلٌ بألا يجودا هذا كقول أبي تمام: ألا إن الندى أضحى أميراً ... على مال الأمير أبي الحسين يقول: هو أمير على الناس، والسخاء أمير عليه؛ لأنه يطيع أمره، فهو أبداً جواد لا يعدل عنه. وهو بخيل بألا يجود: أي بخيل. بترك الجود وهذا غاية الجود. يحدث عن فضله مكرهاً ... كأن له منه قلباً حسوداً يقول: هو يكره أن يحدث عنه بما فيه من الفضل؛ تنزهاً عن الكبر، فمتى حدث عنه فضله حدث مكرهاً عليه من غير اختيار منه، حتى كأن نفسه تحسده فلا تحب أن تسمع ثناءه، كما لا يحب الحاسد ذلك. ويقدم إلا على أن يفر ... ويقدر إلا على أن يزيدا

стр. 116

أقدم على الأمر: إذا دخل فيه غير خائف منه. يعني: أنه شجاع يقدم على كل أمر صعب إلا على زيادةٍ من مجده وعلو محله، فلا نهاية فوقه ولا يقدر عليه. كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه نجده جدودا يقول: إنك إذا أعطيت إنساناً صار له بنوالك جد في الناس، وحظ من السعادة، فكأن عطاءك بعض القضاء حيث أنه يسعد كما يسعد بالقضاء. وربتما حملةٍ في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سودا رب وربما وربت وربتما: لغات كثم وثمت وما زائدة. يقول: رب حملة لك في الحرب، فرجعت ورماحك السمر صاروا سوداً من الدم الذي جف عليها. وهولٍ كشفت ونصلٍ قصفت ... ورمح تركت مباداً مبيدا النصل: حديد السيف من غير قائم، وكذلك من الرمح والسهم والسكين. يقول: ورب هول كشفته عن أوليائك في الحروب وغيرها، ورب سيف كسرته في أعدائك، ورب رمحٍ كسرته في طعنك العدو بعد أن قتلته فتركته مباداً مبيدا: أي مكسوراً وكاسراً لمن طعن به. ومالٍ وهبت بلا موعدٍ ... وقرنٍ سبقت إليه الوعيدا يقول: رب مال وهبت ابتداء من غير وعد يتقدمه، ورب قرن: أي عدو، سبقت الوعيد إليه: أي قتلته قبل أن أوعدته وتهددته. بهجر سيوفك أغمادها ... تمني الطلى أن تكون الغمودا الطلى: جمع طلية، وهي صفحة العنق. والباء في بهجر سيوفك أي بسبب هجر سيوفك. يقول: إذا فارقت سيوفك الأغماد لا تعود إليها، وتنتقل من هامٍ إلى هام من رقاب أعدائك، فهي تتمنى أن تكون أغماداً لسيوفك حتى لا تسيئها ولا تضرها، وقيل: أراد أنها تتمنى أن تكون غموداً لسيوفك ومن جملة قتلاك؛ لعلمها أن أعداءك إذا ماتوا بسيوفك كان ذلك فخراً لهم. إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدراً عن ورود ورودا الهاء في مثله للهام، فرده إلى اللفظ. يقول: ترد هذه السيوف الهام بعد صدورها عن هام آخر، فيصير الصدور عن ورود الهام، فهي أبداً صادرة واردة. وقوله: ترى فعل السيوف ويجوز أن يكون للخطاب. والورود: الإتيان: والصدور: الرجوع. قتلت نفوس العدى بالحدي ... د حتى قتلت بهن الحديدا الكناية في بهن للنفوس. يقول: قتلت العدى بالسلاح حتى كسرت السلاح في الأعداء مثل قوله: ورمح تركت مباداً مبيدا وقوله: القاتل السيف في جسم القتيل ومثله لأبي تمام: وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةً ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا فأنفدت من عيشهن البقاء ... وأبقيت مما ملكت النفودا طابق بين أنفدت وأبقيت. يقول: أفنيت من نفوس العدا البقاء، حتى عدمت وفنيت، وأبقيت مما ملكت النفوذ. أي أفنيت أعداءك بالقتل ومالك بالبذل. كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا يقول: كأنك تبغي البقاء والخلود. بالموت في الحرب، والغنى بالفقر! يعني: أنت تحرص على إتلاف مالك في الجود. ونفسك في الحرب، فكأنك ترى غناك في الفقر، وخلودك في الموت. خلائق، تهدي إلى ربها ... وآية مجدٍ أراها العبيدا خلائق: خبر ابتداء محذوف، أي هذه الأفعال خلائق. وربها: قيل هو الممدوح وقيل: هو الله تعالى، وأراها وفعل الله تعالى أو الممدوح يقول: هذه الأفعال خلائق غريبة تدل على صاحبها. الذي هو الممدوح. علامة مجد، أراها الممدوح الذي هو ربها، أي أعلمها العبيد، أي الذين أنفسهم أنفس العبيد، وأراد سائر الناس. وعلى الوجه الآخر: أنها تدل على الله تعالى أنه مجد، أظهرها الله تعالى لعباده لتدل على قدرته. مهذبةٌ حلوةٌ مرةٌ ... حقرنا البحار بها والأسودا يقول: هذه خلائق مهذبة. أي مخلصة من كل عيب، وهي حلوة لأحبابه، ومرةٌ لأعدائه. وقيل. حلوة: أي كل أحد يستحلها ويستحسنها. ومرةً: أي لا يمكن الوصول إليها لصعوبتها، ولما فيها من بذل المال والمخاطرة بالنفس، حتى إذا قيست البحار إليها حقرت، وكذلك الأسود حقيرة؛ لما له من السخاء والشجاعة. بعيدٌ على قربها وصفها ... تغول الظنون وتنضي القصيدا تغول: يعني تهلك، يقال: غالته غول: أي أهلكته. وتنضي: أي تهزل.

стр. 117

يقول: هذه الخلائق قريبة منا، نشاهدها ولكن وصفها بعيد؛ لأنا لا ندرك غورها، فظنوننا تهلك قبل الإحاطة بها، وأشعارنا تعجز عن استيفائها. وهو المراد بقوله: وتنضي القصيد أي تعجزها. فأنت وحيد بني آدمٍ ... ولست لفقد نظيرٍ وحيدا يقول: أنت أوحد بني آدم؛ لفضلك وقصور الناس عن محلك، لا لأنه كان لك نظير ففقدته لأنه مات وانقضى فبقيت وحيداً، بل أنت مع وجود الخلق كلهم بلا نظير، وضد ذلك قول الشاعر: خلت الديار فسدت غير مدافع ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وقال أيضاً فيه وقد فصده الطبيب من أجل علة فغرق المبضع فوق حقه فأضر به ذلك: أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل وروى مكان المليحة البخيلة ومكان قوله: في البعد في البخل يقول: أبعد بعد المحبوبة البخل: أي أن بخلها على محبها أشد عليه من بعدها لأنه بعدٌ لا يحتاج معه إلى تكليف الإبل مشقة السير. ومثله قول أبو تمام: لا أظلم البين قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوىً قذفا غير أن أبا الطيب ذكر هذا المعنى في المصراع الأول، وزاد مثلاً آخر في المصراع الثاني. ملولةٌ ما يدوم ليس لها ... من مللٍ دائم بها ملل الهاء في ملولة للمبالغة؛ إلحاقاً لها بالأسماء، كالمحمولة والمركوبة والمحلوبة، ولو جعله وصفاً لكان بغيرها؛ لأن فعولاً إذا كان صفةً لا يلحقها علامة التأنيث نحو: امرأة صبور وشكور. وما بمعنى الذي، موضعه نصب. أي تمل الذي يدوم. ويجوز أن تكون بمعنى شيء أي تمل كل شيء يدوم، ومللها دائم، فليس لها من مللها الدائم ملل. وكان القياس أن تمله كما تمل كل شيء يدوم. وروى. بالتاء فما تكون للنفي ومعناه: أنها ملولة لا تدوم على حالة واحدة؛ فتكون تأكيداً لقوله ملولة ومثل هذا البيت قول بعض المتأخرين: إن خلف الميعاد منك طبيعةٌ ... فعدينا إذا تفضلت هجرا يعني: أن من عادتك إخلاف وعدك، فتفضلي وعدينا بالهجر؛ لتجري على طبيعتك فتخلفي وعدك فتصلينا خلافاً لوعدك. كأنما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل انفتلت: أي تثنت، والتوت. وقيل: إذا التفتت. يقول: كأن هذه المرأة حين تثني قدها سكران من خمر طرفها. وهذا يتضمن وصفها بالتبختر، ووصف عينيها بالملاحة. يجذبها تحت خصرها عجزٌ ... كأنه من فراقها وجل الهاء في كأنه للعجز. والوجل: الخائف. وتحت خصرها: نصب على الظرف. ويجوز أن يكون حالاً من النكرة. أي يجذبها عجز كائن تحت خصرها، فلما تقدم نصب على الحال. يقول: خصرها دقيق، وعجزها غليظ، فإذا أرادت النهوض جذبها عجزها وأمسكها، كأنه يخاف انفصالها عنه فهو متعلق بها كما يتعلق الرجل بذيل صاحبه إذا خاف نهوضه كما قال الآخر: فقعودها مثنى إذا قعدت ... وقيامها فرداً إذا نهضت أي إنها إذا أرادت القيام جذبها ثقل ردفها مرة أخرى. بي حر شوقٍ إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل يتصل الفعل بحر الشوق. يقول: بي حر شوق إلى مص ريق هذه المرأة، متى اتصل هذا الحر والشوق ينفصل عني الصبر. وقيل: إن يتصل فعل الترشف، كأنه يقول: متى اتصل الترشف ووجدت إليه سبيلاً انفصل صبري وزاد حر الشوق لاستطابة الريق والإشفاق من انقطاعه. الثغر والنحر والمخلخل وال ... معصم دائي والفاحم الرجل الثغر: السن ما دامت نابتة في الفم. والنحر: الصدر. والمخلخل: الساق وهو موضع الخلخال. والمعصم: الذراع. والفاحم: الشعر الأسود. والرجل: بين الجعد والسبط. ومهمةٍ جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل المهمة: المفازة. جبته: أي قطعته. وعرامس: جمع عرمس، وهي الناقة القوية الصلبة. والذلول: ضد الصعبة. يقول: رب فلاةٍ قطعتها على قدمي، وكانت بحيث يعجز عن قطعها الإبل القوية المعودة السير والركوب. يفضل نفسه عليها. بصارمي مرتدٍ، بمخبرتي ... مجتزىءٌ بالظلام مشتمل

стр. 118

مرتدٍ: أي متقلد. ومخبرتي: بخبرتي: مشتمل أي ملتحفٌ وروى متشحٌ أي متزين. وقوله: بالظلام مشتمل أي ملتحف. وقوله: بصارمي مرتد في موضع الحال ومجتزىء، أي قطعته وأنا كذلك، وكذلك ما بعده إلى آخر البيت، ولو نصبته على الحال لجاز، ولكنه أضمر المبتدأ وجعل قوله: مرتد خبره والجملة في موضوع النصب على الحال. يقول واصفاً نفسه بجرأة القلب، والهداية لمعرفة المفاوز: ورب مهمة سرت فيها ليلاً وقطعتها وحدي راجلاً لا يصحبني أحد غير سيفي، ولا دليل يدلني إلا معرفتي وخبرتي، وقد اشتملت الظلام وأقمته مقام اللحاف. إذا صديقٌ نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل نكرت وأنكرت بمعنىً واحد. وقوله: لم تعيني أي لم يتعذر علي. والحيل رفع لأنه فاعل لم تعيني. يقول: إذا رأيت من صديقي ما كرهت لم يصعب علي الاحتيال في فراقه. أي أني أفارقه وأسير عنه. ومثله لجرير: سريعٌ إذا لم أرض داري خياليا في سعة الخافقين مضطربٌ ... وفي بلادٍ من أختها بدل الخافقان: جانبا الأرض بين المشرق والمغرب؛ سميا بذلك لوجود الخلق بينهما، ذهابهم ومجيئهم والمضطرب: يجوز أن يكون بمعنى الاضطراب، وأن يكون اسماً لمكان الاضطراب. يقول: إذا ضاق بي مكان رحلت عنه إلى غيره؛ لأن في سعة الأرض مكانٌ غيره، ويقوم بدل مكان البلد الأول والهاء في أختها للبلد وروى أمثاله من الأشعار كثيرة منها: ولله أرضٌ ذات طوالٍ عريضةٌ ... إذا ذل منها جانبٌ عز جانب ومثله قول البحتري: شرق وغرب تجد من معرضٍ ... فالأرض من تربة والناس من رجل ومثله: وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحول وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " وأرض الله واسعة " وقوله: " ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها ". وفي اعتماد الأمير بدر بن عما ... رٍ عن الشغل بالورى شغل الاعتماد: يجوز أن يكون من قولك: اعتمدت فلاناً إذا استعنت به، كأنك جعلته عماداً لك. ويجوز: افتعالاً من عمدت الشيء، إذا قصدته. يقول: إن اعتمادي بدراً أشغلني عن كل أحد، فلا أبالي بصديق إذا تغير عني وتقديره: في اعتماد الأمير بدر بن عمار شغلٌ لي شغلني عن الورى. أصبح مالاً كماله لذوي ال ... حاجة لا يبتدي ولا يسل يقول: أصبح مالا معداً لذوي الحاجة يتناولونه فهو للمحتاجين، كماله له، فكما أنه إذا أراد ماله لم يحتج إلى ابتداء من معط، ولا إلى مسألة، فكذلك المحتاجون يأخذون ويتصرفون فيه متى شاءوا فهو لا يبتدىء بهم بالعطاء، لأنه لا يحزن المال دونهم ولا يسأل، لأنه لا يحتاج إلى ذلك. وقيل: أراد أنه أصبح مالاً كماله. على معنى: كما أن ماله لا يستأذن الواردون في أخذه، فلا يكون منه ابتداء بالدفع ولا سؤال من الوارد، فكذلك نفسه مبذولة لهم. هان على قلبه الزمان فما ... يبين فيه غمٌّ ولا جذل يكاد من طاعة الحمام له ... يقتل من ما دنا له أجل هان: أي سهل، من قولهم: هذا أمر هين. يقول: إنه يحتقر الزمان، فلا يحزن لإدباره، ولا يفرح بإقباله. بل غرضه فعل الجميل، لاقتناء الثناء الجزيل. وقوله: طاعة الحمام له. الهاء في: له الأولى للمدوح، وفي له الثانية: ترجع إلى من. يقول: إن الموت يطيعه حتى أنه لفرط طاعته يقرب أن يقتل من لم يحن أجله. يكاد من صحة العزيمة، ما ... يفعل قبل الفعال ينفعل يقول: إنه صحيح العزم، فمن صحة عزمه إذا هم بأمر قارب أن يكون ذلك الفعل، قبل أن يفعله. تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل يقول: إنك إذا نظرت إليه تعرف حقيقته المختصة به في عينه؛ لظهور أثرها عليه، فكأنه قد اكتحل بالذكاء والفطنة، وهذا من قوله تعالى: " سيماهم في وجوههم " وفي المثل: إن الجواد عينه فراره ويجوز أن تكون العين بمعنى النفس. ويجوز أن تكون العين بمعنى الرؤية. أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل الهاء في عليه: للممدوح وفي منها للفكرة. يقول: أخاف من حدة فكرته، أن يشتعل من حرارتها، لأن الذكي والفطن يوصف بأنه متقد القلب. أغر، أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكرثوا الذي فعلوا روى استكبروا واستكثروا.

стр. 119

أغر: أي أبيض الوجه، صيغته تتعدى إلى مفعولين. أو معروف مشهور كالغرة في الفرس. ثم ابتدأ فقال: أعداؤه إذا سلموا منه بالهرب، استعظموا ذلك من أنفسهم. يقبلهم وجه كل سابحةٍ ... أربعها قبل طرفها تصل يقبلهم: من قولهم: أقبلتهم وجه الخيل، فيتعدى إلى مفعولين، ومنه: وأقبلت أفواه العرق المكاويا وقيل: أراد يقبل عليهم بوجه، فحذف حرف الجر ضرورة. وأربعها: قوائمها الأربع، والتأنيث للسابحة. يقول: إنه يستقبل أعداءه بوجه كل فرس سابحة، من سرعة عدوها تصل قوائمها إليهم قبل وصول طرفها إليهم، يعني أنها إذا نظرت إليهم وصلت قوائمها قبل طرفها. جرداء ملء الحزام مجفرةٍ ... تكون مثلى عسيبها الخصل جرداء: أي قصيرة شعر الحافر. وقيل: هي المتجردة من الخيل لتقدمها. ومجفرة: أي عظيمة البطن لملء حزامها. والعسيب: العظم الذي عليه شعر الذنب، ويستحب قصره. والخصل: جمع خصلة وهي القطعة من الشعر. يعني: إن عظم ذنبه قصير، وشعره طويل. إن أدبرت قلت: لا تليل لها ... أو أقبلت قلت: ما لها كفل! التليل: العنق. يقول: إنها مشرفة العنق ممتلئة الكفل، فإذا أقبلت عليك حال عنقها بينها وبين كفلها حتى ظننت أنه لا كفل لها، وإذا أدبرت حال ردفها بينك وبين عنقها، حتى ظننت أنه لا عنق لها. وهذا محمود فيها. والطعن شزرٌ والأرض واجفةٌ ... كأنما في فؤادها وهل روى: واجفة، وراجفة، ومعناهما واحد: وهو الاضطراب. والوهل: الخوف. والواو في والطعن. للحال والهاء في فؤادها: للأرض. يقول: إنه يقبل على أعدائه بخيل، والطعن شزرٌ والأرض مضطربة، حتى كأن في قلبها فزع لشدة الارتعاد. قد صبغت خدها الدماء كما ... يصبغ خد الخريدة الخجل الخريدة: الحبيبة. والخجل: فتور يصيب المرأة عند الاستحياء. والهاء في خدها: راجعة إلى السابحة، وقيل إلى الأرض. ومعناه على الأول: إن الدماء قد صبغت خد السابحة، ولا تفزع ولا تنفر، كما يصبغ خد الجارية الحبيبة. الخجل؛ لأنه يولد الحمرة في الوجه. وهذا من قول امرىء القيس: كأن دماء الهاديات بنحرها ... عصارة حناءٍ بشيبٍ مرجل وعلى الثاني: أراد أن الأرض قد احمرت بالدم، مثل احمرار خد الجارية بالخجل. وقوله: خد الأرض. استعارة. والخيل تبكي جلودها عرقاً ... بأدمع ما تسحها مقل ما تسحها: أي ما تصبها. والمقلة: شحمة العين التي تجمع البياض في السواد. أراد أن الخيل تسيل عرقها من شدة عدوها، وشبه العرق بالدمع، وشبه جلود الخيل بالعيون، وهذا التشبيه حسن؛ لأن الدمع والعرق لا يكونان إلا من الشدة. سار ولا قفر من مواكبه ... كأنما كل سبسبٍ جبل روى: سار. وتقديره: وهو سار. والقفر: المكان الخالي. والسبسب: الفضاء الواسع يقول: إنه إذا سار ملأ الدنيا خيلاً ورجالاً، فلا يكون موضعٌ خالٍ من مواكبه؛ لكثرة جيشه، فتصير المفاوز بمنزلة الجبل لكثرة جيشه وكثرة سلاحهم. يمنعها أن يصيبها مطرٌ ... شدة ما قد تضايق الأسل الهاء في يمنعها ويصيبها: للمواكب. والأسل: الرماح. وفاعل يمنعها: شدة. وفاعل يصيبها: المطر. يقول: إن الرماح تضامت وتضايقت حتى حالت بين الخيل وبين المطر فمنعها تضايقها أن يصيبها المطر. يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل وروى: يا همام. يقول: مع هذه الأوصاف المذكورة أنت رجل في الحقيقة. والشرى: موضع بعينه توصف أسوده بالجرأة. إن البنان الذي تقلبه ... عندك في كل موضع مثل قوله عندك لا فائدة فيه إلا تمام البيت. يقول: إن البنان الذي تقلبه بالسخاء هو مثلٌ مضروب في كل موضع، أي: إن الناس يضربون المثل في الجود ببنانك. إنك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا المعشر: مفعل من المعاشرة، وهو الاجتماع والمخالطة. يقول: إنك من قوم كرام، لا يعدون الجود إلا بذل الأعمار، فإذا وهبوا ما دون الأعمار، فقد بخلوا عند أنفسهم. قلوبهم في مضاءٍ ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلوا الامتشاق: قيل هو استلال السيف. وقيل التقلد به. يقول: إن قلوبهم في المضاء مثل سيوفهم المستلة، وقاماتهم في الطول مثل رماحهم المعتقلة.

стр. 120

أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل أنت لعمري البدر المنير ولكنك ... في حومة الوغى زحل القواضب: القواطع. وقوله: نقيض اسمه أي أنك بدر تضيء الدنيا، ولكنك في الحرب تستحيل زحلاً على أعدائك وتصير ظلمة عليهم ونحساً لهم مثل زحل. كتيبةٌ لست ربها نفلٌ ... وبلدةٌ لست حليها عطل النف: الغنيمة. والعطل: التي لا حلي عليها. يقول: كل كتيبة لست صاحبها فهي غنيمة لأعدائها، وكل بلدة لست واليها، فهي عطل: أي لا عدل فيها. يعني: أن الجيوش لا تمنع إلا بك، والبلاد لا تتزين إلا بعدلك. قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل أي قصدت من شرق الأرض ومغربها، فأضمر الأرض وإن لم يجر لها ذكر لتقدم العلم بها كقوله تعالى: " ما ترك على ظهرها من دابة ". يقول: كثر القصد إليك من نواحي الأرض شرقها وغربها، حتى اشتكتك الركاب والسبل؛ لكثرة سير القصاد عليها إليك، وركوبهم عليها. ومثله قول أبي العتاهية. إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا لم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل تجتديكها: أي تطلبها منك، والهاء: للعافية. يقول: إنك وهبت جميع مالك، فلم يبق لك إلا قليل عافية في بدنك؛ وعلمت العلل بسخائك فقصدتك تسأل العافية منك؛ وإنما قال: قليل العافية، لأنه أراد أنه كثير التعب في طلب المكارم وحمل المغارم، فلم يبق من العافية إلا السلامة من المرض فقط. عذر الملومين فيك أنهما ... آسٍ جبانٌ ومبضعٌ بطل كان الطبيب فصده فغرق المبضع في ذراعه، فذكر أبو الطيب عذرهما، وأراد بالملومين: الطبيب والمبضع. فقال: إن عذرهما. أنه كان جباناً ومبضعه جريئاً؛ فلما أراد فصده دهش فلم يمكنه ضبط مبضعه فغاص في العرق فوق الواجب، وليس من واحد منهما ذنبٌ. مددت في راحة الطبيب يداً ... وما درى كيف يقطع الأمل يعتذر عن الطبيب ويقول: إن صناعة الطبيب فصد العروق، لا قطع الآمال، ويدك معدن الآمال، وقد أمرته بقطع الآمال، ولا عهد له بذلك، فاعذره على غلطه. ومثله لابن المعتز: يا فاصداً ليدٍ جلت أياديها ... ونال منها الذي يرجوه راجيها يد الندى هي فارفق لا ترق دمها ... فإن أرزاق طلاب الندى فيها إن يكن النفع ضر باطنها ... فربما ضر ظهرها القبل النفع: أراد به الفصد؛ لأن العافية تعود إليه. يقول: إن كان الفصد ضر باطن يدك فطالما ضر ظهرها تقبيل الناس. أراد أنها لدقتها ولطافتها يؤثر فيها التقبيل. ومثله لابن الرومي: فامدد إلي يداً تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا ومثله قول أبي تمام: تقبل الركن ركن البيت نافلةً ... وظهر كفك موقوفٌ على القبل يشق في عرقها الفصاد ولا ... يشق في عرق جودها العذل الفصاد: مصدر كالفصد. يقول: إن كان الفصد يشق عرق يدك ويؤثر فيه، فإن عرق جودها لا يؤثر فيه اللوم. خامره إذ مددتها جزعٌ ... كأنه من حذاقةٍ عجل الهاء في خامره: للطبيب، وقيل للمبضع. ومعناه. خالطه. العجل: المستعجل. يقول: لما مددت يدك إلى الطبيب، أخذته هيبة فدهش، وأخذه الجزع فأداه حذقه إلى الاستعجال، فتجاوز الحد وأفرط فيه، فكأنه من حذاقته مستعجل. جاز حدود اجتهاده فأتى ... غير اجتهادٍ لأمه الهبل الهبل: الثكل: وهو موت الولد. أي جاوز الحد فغلط. ثم دعا عليه أنه يفقد. أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمق الزلل النجاح: الظفر. والتعمق: التكلف وتناهي الحد. يقول: إن الإنسان إنما يظفر بمراده إذا جرى على طبعه، فإذا تكلف أد إلى الغلط والزلل. إرث لها إنها بما ملكت ... وبالذي قد أسلت تنهمل يقول: ارحم يدك فإنها تنهمل بما تملكه من الأموال، وبالدم الذي قد أسلته منها، فلا تجمع عليها سلب الأموال وإسالة الدم فيضر ذلك بها. مثلك يا بدر لا يكون، ولا ... تصلح إلا لمثلك الدول يقول: مثلك غير موجود، ولا يوجد في المستقبل، ولا تصلح الدولة إلا لمثلك، فإن لم يكن أحد مثلك فالملك لا يستحقه أحد غيرك أبداً. وقال أيضاً في بدر بن عمارٍ يمدحه:

стр. 121

بقائي شاء ليس هم، ارتحالا ... وحسن الصبر زموالا الجمالا ارتحالا: نصب بشآء، وفاعله: ضمير بقائي. وحسن الصبر: نصب بزموا. والجمال: عطف عليه، وليس: بمعنى: لا وأنه ليس له خبر. وقيل. اسم ليس: مضمر. وهم: خبره. وقيل. اسمه: هم. غير أنه استعمل الضمير المنفصل في موضع المتصل. قوله. زموا: أي أمسكوا الجمال وحبسوها ليركبوها ويحملو عليها ومثله لأبي تمام: قالوا الرحيل؛ فما شككت بأنه ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا تولوا بغتةً فكأن بيناً ... تهيبني ففاجأني اغتيالا البغتة، والفجاءة، والاغتيال متقاربة برحيلهم قبل وقوعه، فكأن البين كان يخاف مني أن يجاهرني بالإقدام علي، فهجم علي وأنا غافلٌ عنه. فقوله: تهيبني من ألفاظ الفخر استعمله في الغزل. فكان مسير عيسهم ذميلاً ... وسير الدمع إثرهم انهمالا الذميل: ضرب من السير السريع. وروى: عيرهم. قال ابن جنى: معناه أن مسير إبلهم كان ذميلاً. وهو السير المتوسط. وسير دمعي انهمالا يعني: أن دمعي سبق عيسهم، فكان سيره أسرع من سير عيسهم. وقيل: إن معناه أن دمعي كان يباري إبلهم فالإبل تسرع السير، والدمع يسرع. وهو الصحيح، لأن الذميل هو السير السريع. كذا ذكره ابن السكيت. كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخاةٍ فلما ثرن سالا وروى: فلما سرن. مناخاةٍ: أي باركات. يقال: أنخته فبرك، ولا يقال: ناخ. وثار البعير يثور: إذا نهض من مبركه. وسالا: من سال سيلاً فاعله: ضمير الدمع. يقول: كأن العيس سائرات، كانت فوق جفني مناخة، قد سدت مجاري الدمع وحبسته من السيلان، فلما نهضت عن جفنه عند سيرهن، سال الدمع المحبوس. وهذا من بدائع ما ذكره أبو الطيب. وحجبت النوى الظبيات عني ... فساعدت البراقع والحجالا الظبيات، بتحريك الباء، جمع ظبية، نحو جفنة وجفنات. ويجوز الإسكان. والتأنيث: للنوى؛ لأنها مؤنثة. والحجال: جمع حجلة. يقول: لما ارتحلوا حجبت النوى هذه النساء اللواتي هن كالظبيات عني ورافقت هذه النوى البراقع والحجال، فكما كانت البراقع والهوادج تسترهن، فكذلك النوى، سترتهن عني، فاتفقا من هذا الوجه. وقيل: إن مساعدتهما هو أن البراقع والهوادج إنما يحصل لهن عند إرادتهن الارتحال، وهو وقت النوى، فكأن النوى ساعدت البراقع والحجال حيث إنهما يكونان معاً. لبسن الوشي لا متجملاتٍ ... ولكن كي يصن به الجمالا نصب متجملات على الحال. والمتجمل: من يتكلف التجمل. المعنى: أنهن لبسن ثياب الوشي والديباج، لا لاجتلاب الحسن واكتساب الجمال؛ ولكن لبسنه ليسترن حسنهن ويصن جمالهن. وقيل: أراد أنهن يلبسن ذلك صيانةً لجمالهن من العيون. وضفرن الغدائر لا لحسنٍ ... ولكن خفن في الشعر الضلالا الضفر: الفتل. والغدائر: جمع غديرة، وهي الذؤابة، وسميت غديرة؛ لأنها غودرت حتى طالت. والضلال: الضياع. المعنى: أنهن لا يضفرن شعورهن ويضعن فيها؛ لطولها وكثافتها ووفورها. وقيل: أراد أنهن خفن ضلال الناس في شعورهن. وفيه وجهان: أحدهما: أن الدنيا تصير مظلمة من سواد شعورهن، فيضل الناس عن الطريق حضراً وسفراً، فإذا ضفرنها تظهر لهم وجوههن، فيغلب ضياء الوجوه سواد الشعور، فلا يضلون. والثاني: أن الناس يضلون عن الدين؛ افتتاناً بهن وبحسن شعورهن، فإذا ضفرنها صار الأمر أهون؛ لأنه لا يكاد يتبين فيه الجعودة. التي هي غاية حسن الشعر. بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالا جال: فعل الجسم، والثقب. أنث قوله: من برته رداً إلى المعنى، لأن من يقع على المذكر والمؤنث. ولو قال: براه لجاز. والهاء فيه عائدة إلى الجسم. والوشاح ها هنا النطاق. يقول: جسمي فداء المرأة التي برت جسمي وأنحلته، حتى لو جعلت ثقب لؤلؤة وشاحي: أي لو توشحت بلؤلؤة، لجال جسمي في ثقبها؛ لدقته ونحوله. وجال: فعل الجسم، وفعل الثقب. ولولا أنني في غير نومٍ ... لبت أظنني مني خيالا يقول: ذبت حتى صرت كالخيال، الذي لا حقيقة له، لا أنام بالليل؛ لما بي من الوجد، ولو كنت ممن أنام، ثم رأيت جسمي في النوم، لقدرته خيالاً لا حقيقة له، وقيل: معناه لولا أنني متيقظ لظننت نفسي الخيال، الذي يرى في النوم.

стр. 122

بدت قمراً، ومالت خوط بانٍ، ... وفاحت عنبراً، ورنت غزالا رنت: نظرت. ونصب قمراً وما بعده: على الحال، لأنه أقام اسم الجنس مقام الصفة، فإذا جاز أن يكون صفة، جاز أن يكون حالاً. ومعناه: بدت منيرةً كالقمر. أي وجهها. ومالت لينة الأعطاف كالغصن: وأراد به القامة. وفاحت زكية كالعنبر، ورنت كحلاء الجفون كالغزال. ومثل هذا قول بعض المتأخرين وهو قوله: سفرن بدوراً، وانتقبن أهلةً ... وفحن عبيراً والتفتن جآذرا كأن الحزن مشغوفٌ بقلبي ... فساعة هجرها تجد الوصالا مشغوف: أي ممتلىء، من شغفه الحب إذا ملأه. والهاء في هجرها للمحبوبة. يقول: إنها كلما هجرتني واصلني الحزن، فكأنه عاشقٌ لقلبي، كما أعشقها، فلا يجد الحزن سبيلاً إلى قلبي إلا عند هجرانها، فمتى هجرتني واصلني الحزن والكمد. كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروفٌ لم يدمن عليه حالا روى: يدمن فيكون حالاً منصوباً به. وروى: يدمن. وحالاً: نصب على التمييز. أي لم تزل الدنيا على هذه الحال مذ كانت، لا تثبت صروفها على حالٍ واحد. يقول: كما أنها لا تدوم لي على حالة واحدة، فكذلك كان حالها مع غيري من الناس الذين قبلي. أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا وروى: أشد الغم في الدنيا سرور. والهاء في عنه: للسرور. وكذلك في صاحبه. يقول: لا أغتر لسرور الدنيا؛ لعلمي بزوالها، فكل سرور يتيقن صاحبه زواله عنه، فهو أشد الغم عندي؛ لأن العاقل لا يفرح بما تئول عاقبته إلى الحزن والزوال. ألفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا القتود: خشب الرحل. والغريري: فحلٌ منسوب إلى غرير والجلال: مبالغة في الجليل، وهو عظيم الجسم. يقول: ألفت الرحيل، وجعلت أرضي ظهر البعير، وخشب الرحل، لا أنقلب عنه لكثرة أسفاري وشدة ملازمتي له. فما حاولت في أرضٍ مقاماً ... ولا أزمعت عن أرضٍ زوالا أزمعت: أي عزمت. يقول: ما أقمت في مكانٍ، لأني متنقل من أرض إلى أرض. ولا زلت عن أرض: أي عن ظهر البعير. الذي جعله كالأرض، يمسي ويصبح عليه، فإذا كان كذلك، فلم يقم عن الأرض الحقيقية، ولا زال عن الأرض المستعارة. وهي ظهر البعير. وقيل: ليست هذه كناية عن إدامة السفر؛ لأنه إذا لم يقم في موضع، فلا يحتاج إلى الإزماع لزواله عنها ورحيله منها. على قلقٍ كأن الريح تحتي ... أوجهها جنوباً أو شمالا روى: على قلق: أي أنا على الاضطراب، والتحرك. وروى: على قلقٍ. أي على بعير قلقٍ سريع السير. وروى: يميناً أو شمالاً. يقول: لم أزل أقلق في السير حتى كأني راكبٌ متن الريح، أصرفها كيف أشاء. مرة جنوباً ومرة شمالاً، والشمال تأتي من شمالك إذا استقبلت القبلة والجنوب تقابلها. إلى بدر بن عمار الذي لم ... يكن في غرة الشهر الهلالا وروى: إلى البدر. ومثله من الأسماء، حسنٌ. والحسن والعباس. وحذف التنوين من عمار؛ لسكونها وسكون اللام الأولى من الذي. ويجوز أن يكون جعله اسماً لقبيلةٍ فلم يصرفه. يقول: لم أزل أتقلب في الأسفار حتى وصلت إلى بدر بن عمار، الذي لم يزل بدراً كاملاً، ولم يكن هلالاً قط، وليس كالبدر الذي يكون ناقصاً في غرة الشهر، ثم يزيد إلى أن يكمل. ولو يعظم لنقصٍ كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا يقول مؤكداً للمعنى الذي ذكره في البيت الأول: أي لم يزل عظيماً مذ كان، لا أنه كان ناقصاً ثم صار عظيماً، ولم يزل أميراً فيما مضى، ولا يزال أميراً في المستقبل، ويجوز أن يكون دعاء. بلا مثلٍ وإن أبصرت فيه ... لكل مغيبٍ حسنٍ مثالا بلا مثل متعلق بقوله ولن يزالا: أي لم يزل أميراً بلا مثل، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي هو بلا مثل. يعني: أنه جمع كل فضيلة، فكل شيء حسن غائب، يوجد فيه نظيره ومثله وإن كان لا مثل ولا نظير له يجمع ما جمعه من الفضائل، فهو شبه كل شيء حسن. حسامٌ لابن رائقٍ المرجى ... حسام المتقي أيام صالا

стр. 123

لابن رائق المرجى: في موضع الجر. ويجوز أن يكون صفة مستأنفة للممدوح في موضع الرفع، والأول أولى. وحسام المتقي: جر لأنه صفة لابن رائق وهو اسم جنس بمعنى صفة. وابن رائق: قائد كبير، كان للخليفة المتقي بالله، وكان ابن عمار من قبل ابن رائق. والمعنى: أن ابن رائق سيف الخليفة، لما صال الخليفة على أعدائه وحارب بني اليزيد في البصرة، وكان بدر حساماً لابن رائق: أي كان يعتمد عليه في حروبه، وكان يقتل به أعداءه. سنانٌ في قناة بني معدٍ ... بني أسدٍ إذا دعوا النزالا بني أسد: يجوز أن يكون منصوباً بالنداء المضاف، ويجوز أن يكون بدلاً من قناة بني معد: أي في بني أسد الذين هم قناة بني معد. ويجوز أن يكون بدلاً من معد والتقدير: سنان في قناة بني أسد. يقول: هو يقوم في الدفع عنهم مقام السنان في القناة يوم الحرب والمنازلة. أعز مغالبٍ كفاً وسيفاً ... ومقدرةً ومحميةً وآلا المغالب: الذي يغالبك وتغالبه. والمحمية والمقدرة: القبيلة والأتباع. وكفاً: نصب على التمييز، وعطف سيفاً عليه، وإن كان لا يقال: هو أعزهم سيفاً لأنه أضمر فيه قوله: وأمضاهم سيفاً. يعني: أنه أعز من كل من يغالبه فنفسه أعز، وسيفه أقطع، وحميته وقدرته أكثر وصفه بخمسة أوصاف. وأشرف فاخرٍ نفساً وقوماً ... وأكرم منتمٍ عماً وخالا الفاخر: صاحب الفخر، ويجوز أن يكون اسم الفاعل: من فخر يفخر. وروى: منتمٍ ومعتز ومعناهما واحد. يقول: هو أشرف من فخر بنفسه وقومه، وأعمامه وأخواله أشرف من كل شريف. نفساً وما عده نصب على التمييز. يكون أحق إثناءٍ عليه ... على الدنيا وأهليها محالا يقول: إن أحق ما يستحقه من الثناء، محال أن يثنى به على الدنيا، وجميع من فيها؛ لأنه أفضل من جميع أهل الأرض، فثناؤه لا يستحقه أهل الدنيا. ويبقى ضعف ما قد قيل فيه ... إذا لم يترك أحدٌ مقالا يترك ويترك: بمعنى واحد، وهو افتعل من الترك. وضعف الشيء: مثله مرتين. يقول: إذا أثنى عليه الناس، ولم يتركوا مقالاً؛ بقي من أوصافه، ضعف ما وصفوا به. فيابن الطاعنين بكل لدنٍ ... مواضع يشتكي البطل السعالا اللدن: الرمح اللين. ومواضع: قيل إنه نصب بالطاعنين، فهو مفعول به. وقيل: نصب على الظرف. وتقديره: مواضع يشتكي فيها البطل السعال. المعنى على الأول يقول: يابن الطاعنين صدور الشجعان. وهي المواضع التي يخرج منها السعال، فهي مواضع شكاية السعال. وعلى الثاني: أنهم يطعنون في المواضع التي لا يقد الشجاع أن يسعل فيها؛ من ضيقها وشدتها. ويابن الضاربين بكل عضبٍ ... من العرب الأسافل والقلالا يقول: يابن الذين يضربون بكل سيف قاطع، أسافل العرب وقلالها. أراد بالأسافل: الأرجل. وبالقلال: الرءوس: وقيل: أراد بالقلال. رؤساء العرب وبالأسافل. الأتباع. وقيل: القلال: العرب الذين يسكنون الجبال. والأسافل: سكان السهول. أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمد الداء العضالا؟! المتشاعر: الذي يتكلف قول الشعر، وغرو: أي أولعوا. والداء العضال: الذي لا دواء له. يعني: أرى المتشبهين بالشعراء وليسوا منهم قد أولعوا بذمي، وطعنوا في، وحسدوا منزلتي عندك، وأنا أعذرهم لأني الداء الذي لا دواء له، لأني أبداً أغيظهم، فلابد لهم من أن يذموني. ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ ... يجد مراً به الماء الزلالا يقول: من يعيبني؛ إنما يعيبني للنقص الذي فيه، كما أن المريض يجد الماء العذب مراً؛ لأنه في فيه لاقى الماء، فكذلك ليس في شعري ولا في فضائلي مطعن، فمن طعن فلنقص فيه. وقالوا: هل يبلغك الثريا؟ ... فقلت: نعم، إذا شئت استفالا الثريا: من الأسماء التي لا تجيء إلا مصغرة، مثل الحميا والحديا والكميت. والاستفال: الانحطاط. وقالوا: الضمير يرجع إلى المتشاعرين، ويجوز أن يرجع إلى الناس، ويكون البيت مستأنفاً. يقول: إنهم يقولون: أتطمع أن يبلغك الثريا؟ فقلت لهم: قد بلغني فوق الثريا، فإذا شئت أن يحطني عن المحل الذي أنا عليه، يبلغني الثريا في الانحطاط، لا في الارتفاع. هو المفني المذاكي والأعادي ... وبيض الهند والسمر الطوالا

стр. 124

المذاكى: جمع المذكى، وهو الفرس الذي أتي عليه بعد أن يقرح سنه. وسكن الياء من الأعادي وأصلها الفتح. يقول: إنه يفنى الخيل بالركض في حروب الأعداء بالقتل، والسيوف والرماح بضرب وطعن. يصفه بغاية الشجاعة. وقائدها مسومةً خفافاً ... على حيٍّ تصبحه ثقالا قائدها: أي قائد المذاكى. والمسومة. المعلمة: من السمة. ومسومة وخفافاً وثقالاً: نصب على الحال. والتاء في تصبحه: للمذاكى. يقول: هو يغير على أعدائه بخيل توافيهم صباحاً، وهي وإن كانت خفافاً في أنفسها سريعة السير فإنها ثقالاً على أعدائه؛ لأنها تهلكهم وتغير عليهم. جوائل بالقنى مثقفاتٍ ... كأن على عواملهما الذبالا الجوائل: جمع جائلة، ونصبها على الحال من المذاكى. والقنى: جمع القناة ومثقفات: نصب على الحال من القنى. وعامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة، شبه أسنة الرماح بقناديل وسرج مشعلة لصفائها وبريقها. إذا وطئت بأيديها صخوراً ... بقين لوطء أرجلها، رمالا يصف شدة وطء الخيل، وأنها إذا وطئت بأيديها الصخور الصلبة سحقتها، حتى تصير رملاً، فلا تصل أرجلها إلى موضع الأيدي، إلا وقد صارت رمالا. جواب مسائلي: أله نظيرٌ؟ ... ولا لك في سؤالك لا، ألا، لا يقول: من سألني قائلاً: هل لهذا الرجل نظير؟ فجوابي له: لا، ولا لك نظير في سؤالك هذا؛ لأن كل أحد يعلم أنه لا نظير له. ثم افتتح الكلام بقوله: ألا وكرر لا تأكيداً للرد. فكأنه قال: لا لا، كقولك وقد سألك إنسان هل زيد قائم؟ فتقول: لا لا. وفيه تقديم المعطوف على المعطوف عليه وذلك لا يجوز إلا عند الضرورة كقول القائل: ألا يا نخلة من ذات عرقٍ ... عليك ورحمة الله السلام لقد أمنت بك الإعدام نفسٌ ... تعد رجاءها إياك مالا وقد وجلت قلوبٌ منك حتى ... غدت أوجالها فيها وجالا يقول: كل نفسٍ جعلت مالها رجاءها إياك، فقد أمنت من الفقر؛ لأنك تحقق رجاءها، فكأنه مال له حاصل والأوجال: جمع وجل، وهو الخوف. والوجال: جمع الوجل، وهو الخائف. والهاء في أوجالها وفيها للقلوب. يقول: قد خافت قلوب الأعداء منك، حتى صار الخوف الذي في قلوبهم خائفاً منك، فتعدى الخوف من قلوبهم إلى نفس الخوف! وقيل: الوجال: جمع الوجل الذي هو الخوف، وهو للتكثير. والأوجال للتقليل. يعني صار قليل وجلهم كثيراً. سرورك أن تسر الناس طراً ... تعلمهم عليك به الدلالا الدلال والدل: الشكل والغنج. يقول: إنك لا تسر إلا بأن توصل السرور إلى الناس كلهم، لتعلمهم كيف يتدللون عليك؛ لأنهم إذا علموا أنك تسر بالإحسان إليهم تدللوا عليك بقبول هباتك وسألوك ما لا يستحقونه منك. إذا سألوا شكرتهم عليه ... وإن سكتوا سألتهم السؤالا يقول: إذا سألوك شكرتهم على سؤالهم إياك؛ لحبك العطاء. وإن سكتوا عن سؤال سألتهم أن يسألوك؛ لأنك تلتذ بنغمات سؤالهم، وتحب أن تشكرهم على سؤالهم، فتشتهي أن تكون أبداً شاكراً للسؤال. وأسعد من رأينا مستميحٌ ... ينيل المستماح بأن ينالا المستميح: طالب العطاء. والمستماح: المطلوب منه العطاء. والإنالة: الإعطاء. والنيل. الأخذ. يقول: أسعد من رأينا من الناس، هو الطالب يعطي المطلوب منه؛ بأن يأخذ منه العطاء، وليس كذلك إلا سؤالك؛ لأنهم يأخذون من مالك ما يريدون، ويمنون عليك بما يأخذونه منك. يفارق سهمك الرجل الملاقي ... فراق القوس ما لاقى الرجالا يقول: إن سهمك إذا لقي رجلاً نفذ منه وفارقه، كما يخرج من القوس من شدة قوته، ولا يزال يمضي كذلك ما دام يلقى الرجال، واحداً بعد واحد. فقوله: مالاقى الرجالا في موضع النصب على الظرف: أي مدة ملاقاة الرجال وقيل: إن ما للنفي ومعناه. أن سهمه يفارق ما لاقاه فراقه القوس، كما لم يلق شيئاً، ولم يصب أحداً، فيكون أبلغ في القوة. فما تقف السهام على قرارٍ ... كأن الريش يطلب النصالا يقول: إن السهام تتجاوز المرمى إلى غيره، فلا تقف على قرار، فكأن الريش يطلب النصل ويطردها وهي تفر منه وهو يطلبها سبقت السابقين فما تجاري ... وجاوزت العلو فما تعالي المجاراة: المغالبة في الجري. والمعالاة: من العلو.

стр. 125

يقول: سبقت بالفضل كل سابق، فما يجاريك أحد؛ لعلمه بالقصور عنك. وجاوزت في العلو والقدر غاية لا يمكن لأحد أن يباريك في العلو والارتفاع، ويغلبك فيه. وأقسم لو صلحت يمين شيءٍ ... لما صلح العباد له شمالا وروى: الأنام بدل العباد. يقول: إنك تقوم مقام الخلق كلهم وتزيد عليهم، وهم لا يقدرون على الاستقلال بما تقدر عليه وحدك؛ فضرب اليمين مثلاً للقوة والأمر العظيم الذي يحتاج فيه إلى فضل القوة، وضرب الشمال مثلاً للضعف وما لا يحتاج فيه إلى فضل القوة. أقلب منك طرفي في سماءٍ ... وإن طلعت كواكبها خصالا خصالا: نصب على الحال. شبهه بالسماء، وخصاله بالكواكب. يقول: أنا أنظر منك إلى سماء من المجد، ونجوم: الخصال الجميلة. وأعجب منك كيف قدرت تنشا ... وقد أعطيت في المهد الكمالا! يقول: أعجب منك! كيف قدرت على أن تزيد وتنشأ شيئاً بعد شيىء، وأنت قد حويت الكمال في المهد! وهو من قوله تعالى: " وآتيناه الحكم صبياً " " قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ". وقال فيه ارتجالاً يمدحه. وهو على الشراب وقد صفت الفاكهة والنرجس. إنما بدر ابن عمارٍ سحابٌ ... هطلٌ فيه ثوابٌ وعقاب هطل: أي كثير المطر. يقول: إن الممدوح كالسحاب الهطل، فيه شرٌّ لأعدائه وخير لأوليائه، كالسحاب الذي يرجي مطره وتخشى صواعقه. إنما بدرٌ رزايا وعطايا ... ومنايا وطعانٌ وضراب معناه: أنه ذو رزايا إلى آخره. وصفه بهذه الأشياء مبالغة، من حيث أن هذه الأوصاف لما كثرت منه كأنه خلق منها، كما تقول لمن كثر منه الأكل والشرب: أنت أكلٌ وشربٌ فلما كثر منه ما ذكر صار كأنه خلق منها. ما يجيل الطرف إلا حمدته ... جهدها الأيدي وذمته الرقاب نصب جهدها، لأنه مصدر أقيم مقام الحال: أي حمدته جاهدة جهدها. ويروى: الطرف بكسر الطاء: وهو الفرس الكريم. يعني: ما يجيل فرسه في الحرب إلا حمدته الأيدي أي أيدي جيشه ورجاله؛ لأنه يكفيها ألم الطعن والضرب والرمي، وتولى هو بنفسه ضراب أعدائه. وقيل: أراد حمدته الأيدي في تلك الحال على بذله الأموال ونشره النوال. وتذمه الرقاب: أي تذمه رقاب أعدائه، لأنه يقطها. ومعناه أنه لا يتغير. وأراد بذلك: أن الحرب لا يشغله عن الجود. ومثله قوله: فواهبٌ والرماح تشجره ... وطاعنٌ والهبات متصله وقد يروى: ما يجيل الطرف بفتح الطاء: أي أنه في كل لمحة يجيل طرفه فينعم على قوم ويضرب رقاب قوم، فالأيدي تحمده على العطاء والرقاب تذمه على قطعها. ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب يقول: إنه ليس يقتل أعداءه خوفاً منهم، وما به حاجة إلى قتلهم؛ لأنهم عجزوا عنه، ولكنه عود إنالة جوده وعطائه كل شيء، حتى الذئاب، فإن عز إطعام لحوم القتلى، فيكره إخلاف ما عوده؛ لألأ يخيب رجاء الذئاب ومثله قوله: سفك الدماء بجوده لا بأسه ... كرماً لأن الطير بعض عياله فله هيبة من لا يترجى ... وله جود مرجىً لا يهاب لا يترجى: أي لا يرجى. يقول: إنه عظيم الهيبة واسع الجود، فمن يهابه لا يرجو عفوه، لشدة سطوته وعظم هيبته، ومن يرجوه لا يخاف سطوته لسبق جوده وعظم كرمه؛ لأنه يضع كلاً موضعه، فالمسيء لا يرجو رضاه والمحسن لا يخاف سخطه. طاعن الفرسان في الأحداق شزراً ... وعجاج الحرب للشمس نقاب شزراً: أي يميناً وشمالاً، وقيل: هو الذي أريد به أعلى الصدر. يقول: هو يطعن الفرسان في أحداقهم حين تشتد الحرب ويرتفع الغبار، وتصير الشمس من كثرة الغبار مستترة، فكأن الغبار نقاب للشمس. وتخصيص الأحداق بالطعن؛ بيان لحذقه بالطعن، وثبات قلبه، وأنه يهتدي في مثل هذا الخوف والظلمة إلى الأحداق، أو إشارة إلى أن سائر الأبدان مغطاة بالسلاح، سوى الأحداق. باعث النفس على الهول الذي ... ما لنفسٍ وقعت فيه إياب الهاء في فيه: للهول. يقول: إنه يطرح نفسه ويحملها على أمر مهول، بحيث أن من وقع فيه لم يسلم منه، ولا ترجع نفس وقعت في ل الأمر المهول. يصفه بالشجاعة والإقدام ومثله قوله: وأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد بأبي ريحك لا نرجساً ذا ... وأحاديثك لا هذا الشراب

стр. 126

يقول: أفدي بأبي ريحك، لا هذا النرجس، لأن ريحك أطيب من ريحه، وأفدي بأبي أحاديثك لا هذا الشراب؛ لأن حديثك ألذ من الشراب فهما أحب إلينا من هذا النرجس وهذا الشراب أيضاً. ليس بالمنكر أن برزت سبقاً ... غير مدفوعٍ عن السبق العراب أن برزت: في موضع الرفع؛ لأنه اسم ليس، ومعناه: أن سبقت. وقوله: سبقاً نصب على التمييز، ويجوز أن يكون نصباً على المصدر، ومعناه: أن سبقت سبقاً. يقول: ليس من العجب أن تسبق الكرام وتبرز عليهم في مجدك، كما أنه ليس بمنكر أن تسبق الخيل العراب غيرها، وإنما لم يقل: غير مدفوعة مع تأنيث الخيل؛ لأنه في معنى يدفع، والفعل إذا قدم على جماعة المؤنث يجوز فيه التذكير والتأنيث، فهذا وإن كان اسماً فهو حمله على الفعل وشبهه به، وقيل: أراد بالعراب: الجنس كأنه قال: جنس غير مدفوع. وهذه الأبيات من بحر الرمل وأصله فاعلاتن ست مرات، وهو قد جاء بها على الأصل، ولم يسمع من العرب إلا محذوف العروض: وهو أن يحذف من الجزء الثالث سبب وهو تن فيبقى فاعلاً ويحول إلى مثل وزنه فيصير فاعلن. وعذره أنه صرع الأبيات من غير إعادة القافية، وأيضاً فإنه اعتبر الأصل، لأنه أصل دائرة الرمل، فأتى بها على الأصل؛ ليعلم أن أصلها ذلك. وأما البيت الأول فلا إشكال فيه لأنه مصرع مقفى. يصف الأسد وقتال بدر إباه وخرج بدر بن عمارٍ إلى أسدٍ، فهرب الأسد منه! وكان خرج قبله إلى أسد آخر فهاجه عن بقرةٍ افترسها، بعد أن شبع وثقل، فوثب على كفل فرسه، فأعجله عن استلال سيفه، فضربه بسوطه، ودار الجيش به فقتل. فقال أبو الطيب: في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطرٌ تزيد به الخدود محولا أن في قوله: أن عزم الخليط مفتوحة الألف، ويكون الفعل بعدها مصدراً. ومعناه: لأن عزم. أو لأجل أن عزم ومثله: " أن كان ذا مالٍ " ويجوز كسرها، فتكون شرطاً وجوابه محذوف. أو إن عزم الخليط رحيلا: أي عزم على الرحيل، فحذف الجار كقول عنترة. ولقد أبيت على الطوى وأظله أي أظل عليه. ومحولا: يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون جمع محل مثل كعب وكعوب. والخليط: المخالط، ويقع على الواحد والجمع. والمعنى: إن في خدي من أجل فراق أحبائي، دمعاً متقاطراً كالمطر في التقاطر والسيلان، ولكنه يخالف المطر في الفعل؛ لأن المطر يخصب المحول وينبت البقول، ودمعي يجري على خدي الناضر، فيبطل نضرته ويغير حسنه ويزيد ذبوله. وهو المراد بالمحول. يا نظرةً نفت الرقاد وغادرت ... في حد قلبي ما حييت فلولا نصب نظرةً؛ لأنها منادى نكرة. ومعناه: التعجب كقوله تعالى: " يا حسرةً على العباد " وفلول: جمع فل، وهو الأثر في الحد، من السكين وغيره. يقول: يا نظرة عند الوداع ما أعظمها! فإنها نفت الرقاد عني، وغادرت في قلبي أثراً لا يندمل ما دمت حيا. كانت من الكحلاء سؤلي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا كانت: راجعة إلى النظرة. والكحلاء: يجوز أن يكون من التكحل، ويجوز أن يكون من الكحل: الذي هو خلقة. يقول: كانت تلك النظرة من هذه الجارية الكحلاء سؤلي وأمنيتي، فلما نظرت إليها كانت تلك النظرة أجلاً لي في الحقيقة لا سؤلا! وترك الهمزة من سولاً، لأن الواو ردف فلا يجوز غير ذلك. أجد الجفاء على سواك مروءةً ... والصبر إلا في نواك جميلا المصراع الأول له معنيان: أحدهما: أن من المروءة ترك جفائك، إلا على غيرك. فقد أمنت جفاءك لأنني لا أراه مروءة وليس ترك المروءة من عادتي، فلا أجفوك أبداً. والثاني: أن جفاء الناس إياي، على سواك لا أحتمله لأن احتماله ليس من المروءة، فإذا كان احتماله من المروءة لأجلك، فاحتمال الصبر في كل حادثة جميل، إلا في بعدك وهجرك، فإنه قبيح. فأول البيت مأخوذ من قول أبي عبادة البحتري: ألام على هواك، وليس عدلاً ... إذا أحببت مثلك أن ألاما وآخره من قول الآخر: والصبر يحسن في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم وأرى تدللك الكثر محبباً ... وأرى قليل تدلل مملولا التدلل: الدلال والغنج. يقول: إن الدلال الكثير منك محبب، وأنا أمل القليل من غيرك ومثله: ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاكا

стр. 127

تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا الروادف: جمع ردف، وأقامه مقام الواحد، كأنه جعل ناحية من عجزها ردفاً؛ لأنه أراد المبالغة في الثقل، أو أراد: الردف والأفخاذ. يقول: تشكو المطية التي ركبتها ثقل ردفها وعجزها عن حملها، كما تشكو النفس التي يدخلها عشقك. والتأنيث: للنفس المضمرة، ويجوز أن يكون أتبع التأنيث المطية. ويغيرني جذب الذمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا يغيرني: أي يحملن على الغيرة. والهاء في قلبها وفمها: للمطية وروى: لعطفها. والقلب: مصدر قلبت. وفمها: نصب بالمصدر. قيل: بالجذب. وقيل: بالقلب. يقول: متى جذبت هذه المطية زمامها وقلبت رأسها مع الزمام: حملني ذلك على الغيرة؛ لأنها تتصور بصورة من يطلب تقبيلك. حدق الحسان من الغواني هجن لي ... يوم الفراق صبابةً وغليلا يقول: لما نظرت يوم الفراق إلى الجواري الحسان، وتأملت حسن عيونهن هيجت لي أحداقهن رقة الشوق وحرارة القلب. حدقٌ يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا يذم: أي يحفظ. كأنه يدخله في ذمته وجواره، وفاعله: بدر. يقول: إن بدراً يمنع كل من استجار به من كل من يريد قتله، سوى من هذه الحدق، فإنه لا يقدر على منعها ومثله قوله: وقي الأمير هوى العيون؛ فإنه ... ما لا يزول ببأسه وسخائه الفارج الكرب العظام بمثلها ... والتارك الملك العزيز ذليلا يقول: هو يكشف الأمور العظام، ويدفعها بمثلها من الأمور العظام؛ لأنه لا يزيل الكربة عن الصديق إلا بإلحاق كربةٍ مثلها بعدوه، وكذلك يترك الملك العزيز ذليلاً، لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه ومثله قوله: وكم ذدت عنهم ردىً بالردى ... وكشفت من كربٍ بالكرب محكٌ إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا محكٌ: أي لجوج في الخصومة. وأراد بالغريم: قرنه وبالدين: روحه. يقول: إنه لجوج، فإذا أنال قرناً، أو طالب بدم، أو طلب ما يريد طلبه، جعل سيفه ضامناً لها حتى يؤديه إليه. أي أنه لا يحتاج لأخذه إلى الكفيل، بل يأخذه بسيفه؛ لقدرته وتمكنه. نطقٌ إذا حط الكلام لثامه ... أعطى بمنطقه القلوب عقولا نطقٌ: أي جيد النطق. واللثام: ما يديره الرجل من طرف عمامته على الفم، فإذا رفعه إلى الأنف لئام. وقوله: إذا حط الكلام لثامه. أي حطه ليتكلم؛ فأسند الفعل إلى سببه. يقول: هو فصيح بليغ، فإذا حدر لثامه ليتلكم، أفاد الناس عقولاً بما ينطق من الحكم والمواعظ والأمثال. أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا العدوى: تعدي الداء إلى ما يقاربه. والمعنى أن سخاءه أعدى إلى الزمان السخاء، فسخا به الزمان علي، وجمع بينه وبيني، وقد كان الزمان يبخل به علي فيما مضى، فلولا سخاؤه لكان لا يسخو الزمان به علي. وقال ابن جنى: معناه أن الزمان تعلم من سخائه، فسخا بهذا الممدوح وأخرجه من القدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه لبخل هذا الزمان به على الناس، فاستخلصه لنفسه، فهو إن كان في حال العدم لم يكن سخياً، حتى يعدى الناس سخاؤه على الزمان. ويجوز أن يوصف بذلك على معنى: أن الزمان لما علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، استفاد منه ما تصور كونه بعد وجوده، ولولا علمه به لبقي بخيلاً. والشيء إذا تحقق كونه أجري عليه من أوصاف الموجود كقوله تعالى: " ونادى أصحاب الجنة ". وكأن برقاً في متون غمامةٍ ... هنديه في كفه مسلولا هندية: رفع لأنه خبر كأن. ومسلولاً: نصب على الحال. والهاء في هنديه: للممدوح. شبه سيفه بالبرق للمعه، وكفه بالغمامة لجودها وكرمها. ومحل قائمه يسيل مواهباً ... لو كن سيلاً ما وجدن مسيلا الهاء في قائمه: للهندي. ومحله: كفه. ومواهباً: نصب على التمييز. وكن: يرجع إلى المواهب. يقول: إن المحل قائم سيفه. وهو كفه. تسيل مواهباً، ولو كانت تلك المواهب سيلاً لعمت الأرض فلم تجد مكاناً تسيل فيه، وجعل الكف تسيل بالمواهب لكونها آلة العطاء في الغالب. رقت مضاربه فهن كأنما ... يبدين من عشق الرقاب نحولا يقول: إن مضارب سيفه رقت، فكأنها عشقت الرقاب فنحل جسمها، ولهذا كان العشق يورث النحول. والمضارب: جمع المضرب، وهو حد السيف.

стр. 128

أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا المعفر: من عفرته، إذا ألقيته على العفر: وهو التراب. والهزبر. من أسماء الأسد. فكأنه وصفه بشدة الصوت. يقول: يا من يعفر الأسد بشديد صوته! لمن ادخرت سيفك المصقول! أي لا تدخره؛ فإنك لا تحتاج إليه، لأن السوط إذا كفاك معركة الأسد مع أنه لا يقاومه أحد واستغنيت عن السيف، فإنك لا تحتاج إليه، ولا إلى أحد، لأن كل شجاع دون الأسد. وقعت على الأردن منه بليةٌ ... نضدت بها هام الرفاق تلولا يروى: وقعت، ووقفت: والأردن: نهر بأرض الشام، وتنسب إليه تلك البلد. ونضدت: أي جعلت بعضها فوق بعض. والرفاق: جمع رفقة، وهم قوم يجتمعون للسفر. والكناية في نضدت: للبلية. والهاء في منه: لليث. وفي بها: للأردن، وأراد بها البقعة. يقول: حصلت من هذا الأسد بلية من البلايا، نضدت في هذه البلدة هامات أهل الرفقة تلولا، من كثرة ما افترسم ن الناس. وردٌ إذا ورد البحيرة شارباً ... ورد الفرات زئيره والنيلا وردٌ: اسم للأسد، إذا كان يضرب لونه إلى الحمرة. والبحيرة: بحيرة طبرية، وهي من الأردن، وبينها وبين الفرات أكث من عشرة أيام، وكذلك بينها وبين النيل. وشارباً: نصب على الحال. والزئير: صوت الأسد. والفرات: نهر يجري من بلاد الروم، ويمر في حدود الشام من قبل المشرق. يقول: إنه إذا ورد البحيرة ليشرب منها سمع زئيره من الفرات إلى النيل مع بعد المسافة. متخضبٌ بدم الفوارس لابسٌ ... في غيله من لبدتيه غيلا الغيل: الأجمة. ولبدة الأسد: ما تلبد على كتفه ومنكبيه من وبره. يقول: إنه مختضب من دماء الفوارس، لكثرة ما افترسهم. وخصهم بالذكر؛ لأنهم أمنع من غيرهم، وأنه من كثرة وبره، كأنه كان لابس أجمةٍ، فهو من وبره في أجمة. ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا الفريق: الجماعة من الناس. وحلولا: أي حالين، وهو نصب على الحال من الفريق، وإن شئت على القطع. يقول: إذا قابل إنسانٌ عينه في الظلمة، ظن أنها نار قوم نازلين في مفازة، وهذه النار يكون ضوءها أضوأ وأظهر من السراج. شبه بريق عينه بهذه النار. في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا يقول: إن هذا الأسد منفرد في أجمة عن الناس، كالرهبان الذين ينفردون عن الناس، غير أنه لا يعرف التحريم والتحليل وهم يعرفون ذلك. يطأ الثرى مترفقاً من تيهه ... فكأنه آسٍ يجس عليلا الثرى، والبرى: مرويان، وهما التراب. والتيه: الكبر. يقول: إنه يمشي على التراب، بالرفق لا بالكبر، فكأنه طبيب يجس عليلاً؛ لأنه إذا جس العليل ترفق. ويرد عفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا عفرة الأسد: الشعر المستدير على رقبته. واليافوخ: قحف الرأس. يعني: أنه ينفش وبره حتى يصير شعر رقبته على رأسه، مثل الإكليل؛ لكثرته واستدارته. وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها بشدة غيظة مشغولا الزمجرة: ترديد الصوت في الصدر. والهاء في عنها: للنفس. وتقديره مشغولاً عنها. وتظنه: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما: الهاء في تظنه، ونفسه بدل عنها. والثاني: مشغولا. يقول: تظن هذا الأسد مشغولاً عن نفسه بشدة غيظه، من كثرة ما يزمجر. أي تدل كثرة زمجرته على اشتغاله عن نفسه بغيظه. وروى: تزمجر بالتاء. ونفسه: بالرفع، على أن تكون نفسه فاعلة تزمجر. قصرت مخافته الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا قصرت: أي جعلت الخطى قصيرة. والفاعل: المخافة، والمفعول: الخطي. والكمي: الشجاع المتكمي بالسلاح. والمشكول: المشدود بالشكال. يقول: لما خاف الكمي منه، ركب فرسه، فهو يهيجه للإقدام جرأة، والفرس يحجم عنه خوفاً منه، فكأنه ركب فرسه مشكولاً. فشبه تقارب خطوه بالقيد. وقيل: أراد من خوف هذا السبع، لا يجسر الفرس أن يجري، فكأن خوفه صار قيداً. ألقى فريسته وبربر دونها ... وقربت قرباً خاله تطفيلا البربرة: ترجيع الصوت. والتطفيل: الدخول على القوم وهم يأكلون من غير دعوة. يقول: ظن الأسد حين علم أنك أسد مثله، أنك أردت التطفيل عليه في فريسته، فألقاها وبربر دونها، ذباً عنها، فوثب عليك. فتشابه الخلقان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا

стр. 129

يقول: تشابه الخلقان؛ منك ومن الأسد في الإقدام، واختلفا في بذل المطاعم، فإنك تبذل مأكولك، وهو يضن به ويذب عنه. أسدٌ يرى عضويه فيك كليهما ... متناً أزل وساعداً مفتولا المتن: الصلب. والأزل: الأرسخ الممسوح العجز. والمفتول: القوي المكلم. يقول: رأى الأسد فيك متنه الأزل، وساعده المفتول، وذلك من علم الشجاع البطل. في سرج ظامئة الفصوص طمرةٍ ... يأبى تفردها لها التمثيلا الظامئة: قليلة اللحم. والفصوص: المفاصل، واحدها فص. والطمرة: الوثابة، وقيل: المرتفعة الشاخصة. يقول: نظر إليك الأسد وأنت على فرس لطيفة الأوصال، يأبى تفرد هذا الفرس بالكمال، أن يكون له مثل، وقيل: أراد لا يحتاج صاحبه معه إلى فرس آخر. نيالة الطلبات لولا أنها ... تعطي مكان لجامها ما نيلا يقول: إنها تدرك كل ما تطلبه وهي طويلة العنق، فلولا أنها تمكن ملجمها من رأسها ما وصل إليها، وقيل: إنه وصف صعوبتها. أي لولا أنها تحط رأسها للجام، لما كان ينال رأسها أحد، لكنها مكنت من نفسها ملجمها فأمكن إلجامها لذلك. تندى سوالفها إذا استحضرتها ... وتظن عقد عنانها محلولا السوالف: صفحات العنق. وتندى: أي تبتل من العرق، وذلك من أمارات العنق. والاستحضار: طلب الحضر. يقول: من ازدياد جريها؛ عرقت سوالفها. وقوله: وتظن عقد عنانها محلولا: أي أنها تدخل في العنان وتدني صدرها، فيتسع العنان في يد فارسها، فكأنه محلول. ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا الزور: أعلى الصدر، عاد إلى وصف الأسد. يقول: ما زال يجمع نفسه في صدره للوثبة، حتى حسبت عرضه، طولاً. وقيل: أراد أن الفرس إذا أراد الوثوب ضم نفسه إلى صدره. ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا الحجار: كالحجارة، وأراد بالحضيض: هاهنا أسفل الأرض. يقول: إن المذكور قبله ما زال يدق الحجارة بصدره عند وثوبه، حتى كأنه يريد أن يشقها ويغوص فيها. وكأنه غرته عينٌ فادني ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا ادنى: افتعل من الدنو: أي دنا. يقول: كأن الأسد غرته عينه حين رآك إنساناً كسائر الناس فدنا إليك، ولم يعلم أنك أسد، ولو علم بأسك لم يجرء عليك، فلما لم يعلم ذلك، رأى الإقدام عليك خطباً حقيراً. أنف الكريم من الدنية تاركٌ ... في عينه العدد الكثير قليلا الأنف والأنفة: بمعنىً. والدنية: النقيصة. وهذا مثل. وأراد: أن الأسد أنف من الفرار فأقدم عليك، كما أن الكريم يطرح نفسه على العدد الكثير ويرى ذلك الكثير قليلاً لعلو همته. فكذلك الأسد أقدم عليك مخافة الأنفة. والعار مضاضٌ، وليس بخائفٍ ... من حتفه من خاف مما قيلا مضاض: أي مؤلم، وهذا أيضاً مثل. يقول: من أنف من العار لم يخف حتفه؛ لأنه يرى حتفه أسهل عليه من مقال الناس فيه. سبق التقاءكه بوثبة هاجم ... لو لم تصادمه لجازك ميلا عدى الالتقاء إلى الكاف وهو لا يتعدى إلا بالواو أو مع. يقول: لما رآك تقرب منه سبقك بوثبة هاجم، فلولا أنك صادمته لجازك ميلاً؛ لشدة وثبه. فضله على الأسد. خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا المكافحة: المواجهة. والتجديل. السقوط على الجدالة: وهي الأرض. يقول: لولا قوته لما قتلته؛ لأنه لقوته أقدم عليك، فلما واجهته بقوتك خذلته وخذلت قوته، حتى استنصر التسليم، فانقاد لك واختار السقوط على الأرض. قبضت منيته يديه وعنقه ... فكأنما صادفته مغلولا يقول: إن أجله قبض يديه وعنقه لك، فكأنه كان مغلولاً قبل أن تلحقه، فصادفته مغلولاً لما لم يمكنه المدافعة. سمع ابن عمته به وبحاله ... فنجا يهرول منك أمس مهولا نجا: أسرع المشي. والهرولة: اضطراب العدو. والمهول: الذي قد هاله أمر. يقول: إن ابن عمة هذا الأسد وهو أسدٌ مثله سمع بحال الأول، وقتلك إياه، فلما ركبت إليه فر منك مسرعاً، خوفاً أن تقتله كما قتلت الأول. وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا أمر: أي أشد مرارة.

стр. 130

يقول: فراره أشد مرارة من القتل الذي فر منه. وسلامته من القتل بالهرب. يقوم له مقام القتل؛ لأنه يعيش ذليلاً مهيناً والموت في العز خيرٌ من العيش في الذل وقيل: أراد أن قتله للأسد أكرم له، فكأن الموت أولى له لأنه كان معززاً. تلف الذي اتخذ الجراءة خلةً ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا الجرأة، والجراءة، والجسارة: الإقدام على الشيء. والخلة: الصداقة، وهو ها هنا يحتمل المصدر. يقول: إن هلاك الأسد الذي اختار الجرأة والإقدام عليك، وعظ الأسد الآخر الذي فر منك، فخاف إن ثبت لك أن تقتله كما قتلت الأول. وقد روى: وعظ على المصدر، وهو خبر الابتداء. لو كان علمك بالإله مقسماً ... في الناس ما بعث الإله رسولا يقول: لو كانت معرفتك بالإله وصفاته وعدله مقسومة بين الناس، لكانوا كلهم عارفين بالله، وما احتاجوا إلى رسول يدعوهم إلى أمور دينهم. لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... فرقان والتوراة والإنجيلا يقول: إن كلامك كله حكمٌ ومواعظ، ومختص بغاية الفصاحة، فلو كان موجوداً من قبل ما أنزل الله الكتب المذكورة لقام كلامك مقامها. لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا أي لو كانت الأموال التي تعطيهم الآن، كانت لهم قبل عطائك لكانوا أغنياء لم يعرفوا التأميل ولم يوملوا أحداً. وقيل: أراد لولا عطاؤك لما عرف الناس التأميل، ولكن لما أعطيتهم أطمعتهم بعطاياك فعرفوا التأميل. والأول أولى. فلقد عرفت وما عرفت حقيقةً ... ولقد جهلت، وما جهلت خمولا يقول: كل أحد عرفك لشهرتك وشهرة ذكرك وبعد صيتك، ولكن لا يعرف حقيقة أمرك، فأنت معروف من حيث يعرفك كل أحد لشهرة ذكرك، وأنت مجهول لبعد غايتك، ولطف مكانك، لا لأنك خامل الذكر بين الناس. نطقت بسوددك الحمام تغنياً ... وبما تجشمها الجياد صهيلا تغنياً وصهيلا: مصدران، في موضع الحال. والحمام: رفع بنظفت، وكذلك الجياد لأن نطقت مكررة. يقول: كل شيء يثني عليك حتى أن الحمام إذا غنت وصفت سؤددك، والخيل إذا صهلت وصفت ما تكلفها من المشقة والسير والحرب. وقيل: أراد بالحمام. العجم من حيث كساهم من نعمه مثل أطواق الحمام قال ابن جنى: أشهد بالله أنه لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناسز وما كل من طلب المعالي نافذاً ... فيها، ولا كل الرجال فحولا يقول: ليس كل من طلب المعالي يدرك منها ما أدركت، وينفذ فيها كما نفذت، ولا كل من هو على خلقة الرجال فحلا جامعاً لغايات الرجولية. وورد كتابٌ من ابن رائق على بدرٍ بإضافة الساحل إلى عمله فقال يهنىء بدراً بذلك: تهنى بصورٍ أم نهنئها بكا ... وقل الذي صورٌ وأنت له لكا روى تهنى ونهنى: من التهنئة، والدعاء لصاحب النعمة بدوامها، وتسويغها، فأصلها هنأ الطعام. وصور: مدينة من ساحل الشام. يقول: نهنئك بهذه المدينة، أم نهني هذه المدينة بك؛ حيث وليتها فإن هذه الولاية، ومن ولاك عليها، لو كانا لك لما استكثرنا لك ذلك؛ وهو معنى قوله: وقل الذي صور وأنت له لكا أي وقل لك الرجل الذي هذه المدينة وأنت له. أي أنك من جملة أصحابه في الظاهر، فكنت له كصور. وما صغر الأردن والساحل الذي ... حبيت به إلا إلى جنب قدركا الأردن: ديار فلسطين وما والاها. والساحل: ساحل الشام. يقول: إن الأردن والساحل الذي أعطيته عظيم وملك جليل، وإنما صغر بالقياس إلى قدرك وعلو محلك، فهو ليس بصغير إلا إلى جنب مقدارك، فإنك تستحق أكثر من هذا. تحاسدت البلدان حتى لوانها ... نفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا يقول: حسدت البلدان البلاد التي تليها، حتى أنها لو كانت من الأحياء لسار المشرق منها والمغرب إليك، ليكونا في ولايتك. ومثله قول أبي تمام: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل ومثله للبحتري: فلو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر وأصبح مصرٌ لا تكون أميره ... ولو أنه ذو مقلةٍ وفم بكى يقول: كل بلد لا تكون والياً عليه، لو كان له عينٌ وفمٌ لبكى من الحزن عليك، لكونك في غيره، واشتياقاً إلى توليتك عليه.

стр. 131

ونظر أبو الطيب ثياباً مطويةً إلى جانبه فسأل عنها. فقيل له: هي خلع الولاية. وكان أبو الطيب ذلك اليوم عليلاً فقال ارتجالاً: أرى حللاً مطواةً حساناً ... عداني أن أراك بها اعتلالي الحلة: ثوبان، إزار ورادء، ومطواة: أي مطوية وعداني. أي صرفني، وفاعله: اعتلالي. يقول: أرى حللاً على جنبك حسنة مطوية، وإنما منعني أن أراك وهي عليك مرضى. وهبك طويتها وخرجت عنها ... أتطوي ما عليك من الجمال؟ يقول: إنك وإن نزعتها وطويتها، فإنك في حلل من جمالك وحسنك، لا تقدر أن تخرج منه ولا أن تطويه. لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال الأواخر: جمع آخر. والأعالي: جمع أعلى. جعل الأعالي منها أواخر، لأنها تلبس بعد الشعار، فهي متأخرة عنها في البشرة. والأولى ما ولي الجسم وقرب منه، وقيل: الأعالي. ما يكون أعلى محلاً؛ وأشرف الثياب. يلبس آخراً. يقول: إن الحلل التي لبستها تقاتل أعاليها التي هي أواخرها، مع التي تلي جسدك، وحسدتها وطلبت كل واحدة منهما أن تكون هي التي تلي جسدك وتقرب مك. تلاحظك العيون وأنت فيها ... كأن عليك أفئدة الرجال يقول: إن الناس كانوا ينظرون إليك، وهي عليك نظر محبة واستحسان، حتى كأن التي عليك ولبستها قلوب الناس، لتعلق القلوب بها واستحسانهم إياها عليك، ومثله قوله: كأن عليه من حدق نطاقا ومثله الآخر لمقلتيها عظم الملك في المقل متى أحصيت فضلك في كلام ... فقد أحصيت حبات الرمال روى في مديح وفي كلام يقول: لك فضائل عدد الرمل، فإن قدرت على عدها فقد أحصيت مديحك وهذا غير ممكن، فكذلك عد فضائلك. وسار بعد ذلك إلى الساحل ولم يسر معه أبو الطيب فبلغه أن الأعور بن كروس كتب إلى بدر يقول له: إنما تخلف عنك أبو الطيب رغبةً عنك، ورفعاً لنفسه على المسير معك. ثم عاد بدرٌ إلى طبرية فضربت له قبابٌ عليها أمثلةٌ من تصاوير. فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه ويعتذر عن تخلفه عنه. الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا ما يجوز أن تكون بمعنى الذي، ويجوز أن تكون للنفي. ومنع: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما الكلام، والثاني الألسن، وهي جمع اللسان. وروى: الألسنا: وهو الأفصح وما في قوله: ما أعلنا بمعنى الذي، وأصله ما أعلنه، فحذف الهاء. يقول على الأول: الحب هو الذي يمنع الكلام من أن يعلن بالنطق ما في قلبه، وإذا لم يكن كذلك فليس بالحب الحقيقي. وتم الكلام ها هنا، وهذا مثل قول الآخر: وما هو إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب ثم قال: وألذ شكوى عاشق ما أعلنا أي ألذ الشكوى للعاشق ما باح بها لكل أحد كقول أبي نواس: فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونهاستر وقيل: إن أحد المصراعين متعلق بالآخر. ومعناه: الحب الحقيقي ما منع الألسن أن تبوح، في حالٍ يلتذ العاشق فيها بالشكوى، فيدرك الإبقاء على حبيبه والخوف من إغراء العذال به، فيدع ما يشتهيه، مراعاةً للحبيب كما قال الشاعر: ولست بواصفٍ أبداً حبيباً ... أعرضه لأهواء الرجال وقوله: وألذ شكوى، على هذا. في موضع الحال. ويجوز: أن يكون ما في قوله: ما أعلنا. بمعنى المصدر، فلا يحتاج إلى الهاء العائدة إليه، أي ألذ شكوى عاشق إعلانه. وعلى الثاني: الحب لم يمنع الألسن من الكلام، كأنه يحسن عند نفسه الشكوى؛ لأن في ذلك راحته وقوله: وألذ شكوى. تأكيد للمعنى الأول، وتعليل له. ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى ... من غير جرم واصلي صلة الضنى نصب هجر الكرى وصلة الضنى على المصدر. أي الذي هجرني مثل هجر الكرى. يقول: ليت الحبيب الذي هجرني من غير ذنب مني، هجر النوم عينين بهجره، وواصلني مثل مواصلتي السقم، حتى واصلني النوم وهجرني السقم. بنا: أي تباعدنا. وقوله: فلو حليتنا. أي وصفت واكتسيت حليتنا. امتقع لونه وابتقع وانتقع: إذا تغير. يقول لصاحبه: إنا لما تفرقنا تغيرت ألواننا من خوف الفراق وحزن التباعد وطول الضنى، فلو أردت وصفنا لم تقدر عليه، ولم تدر بأي شيء تصفنا؛ لكثرة ما ننتقل من لون إلى لون. وقوله: تلونا، نصب على التمييز.

стр. 132

وتوقدت أنفاسنا حتى لقد ... أشفقت تحترق العواذل بيننا الإشفاق: الخوف مع الرحمة. يقول: ألهبت أنفاسنا حرارة الشوق، حتى خفت أن تحترق العواذل اللائي كن بيننا. ووجه إشفاقه عليهن، مع أن العواذل يكن مبغضات للعشاق، لأن العاذل لا يكون في الأغلب إلا من يكون قريباً، أو ناصحاً شفيقاً. وقيل: إنه خاف أن تنم أنفاسه على حالهما، من حرارة الشوق. ويجوز أن يكون خوفه من احتراق نفسه واحتراق حبيبه، ثم يتعدى الاحتراق إلى العواذل، لأنهن لا يحترقن بحرارة أنفاسهما إلا بعد احتراقهما. ومثله قول بعض المتأخرين: والبين يقدح من أنفاسنا شررا ... أشفقت تحرقنا يوم الوداع معا أفدي المودعة التي أتبعتها ... نظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا سكن الفاء من زفرات ضرورة وأصلها الفتح. وثنا: أصله المد فقصره ضرورة أيضاً وفرادى: صفة لنظر؛ لأنه مصدر يقع على الواحد والجمع. يقول: أفدى التي ودعتني وودعتها، فبقيت أنظر في أثرها لا أطرق ولا ألتفت إلى سواها، وكانت زفراتي تتصاعد اثنين اثنين؛ لشدة الجزع. يعني كلما نظر في أثرها مرةً زفر مرتين. أنكرت طارقة الحوادث مرةً ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا اعترفت بها: أي عرفتها وتعودتها. وقيل: معناه. صبرت لها حتى صارت لي عادة. يقول: كنت في أمن من حوادث الدهر، فلما حدثت مرة أنكرتها وجزعت منها، ثم تكررت علي حتى صارت عادة لي، فلا أنكرها الآن. وهو من قول أبي العتاهية: تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر ومثله لآخر: روعت حتى ما أراع من النوى ... وإن بان جيران علي كرام ومثله لآخر: روعت بالبين حتى ما أراع به ... وبالمصائب في أهلي وجيراني وقطعت في الدنيا الفلا وركائبي ... فيها ووقتي: الضحى والموهنا الفلا: نصب بقطعت. وركائبي، ووقتي: معطوفان عليها. والضحى، والموهنا بدا في وقتي. والوهن والموهن: قطعة من الليل، وقيل: صدر الليل قدر ساعتين منه؛ والضحى: صدر النهار. يقول: استفدت لكثرة أسفاري في الفلوات، وأنضيت الركاب، وأفنيت ساعات نهاري وليلي. فعبر بالضحى، عن جملة النهار، وبالموهن: عن جميع الليل. فوقفت منها حيث أوقفني الندى ... وبلغت من بدر بن عمار المنى وقفته وأوقفته: أي حبسته، وبغير الألف أفصح. والهاء في قوله: منها راجعة إلى الدنيا. يقول: لم أزل أطوف في الدنيا حتى وصلت إلى بدر، فحبسني جوده ونداه عنده، وبلغت عنده كل ما أتمناه: من نيل الغنى وإدراك العلا ومثله قوله من أخرى: وقيدت نفسي في ذراك محبةً ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا لأبي الحسين جداً يضيق وعاؤه ... عنه ولو كان الوعاء الأزمنا جداً: أي عطاء. يقول: إن عطاءه قد بلغ إلى حدٍّ يضيق الوعاء عنه، حتى لو كان الزمان وعاءه، لضاق عنه. وشجاعةٌ أغناه عنها ذكرها ... ونهى الجبان حديثها أن يجبنا وشجاعةٌ: معطوفة على قوله جداً، وموضعه رفع بالابتداء. يقول: إن شجاعته قد اشتهر ذكرها وشاع في الناس حديثها. فانقاد أعداؤه لحكمه، فاستغنى عن استعمال شجاعته لدخولهم في طاعته. وهو المراد بقوله: أغناه عنها ذكرها أي عن إظهارها واستعمالها، وقوي قلب الجبان من كثرة ذكرها، حتى اضطر إلى ترك جبنه. نيطت حمائله بعاتق محربٍ ... ما كر قط وهل يكر وما انثنى؟! نيطت حمائله: أي علقت، ونياط: عرق القلب معلق. والعاتق: رأس الكتف، وهو الكاهل أيضاً. وحمالة السيف: قلادته. والمحرب: كثير الجراءة والهاء في حمائله: للممدوح ومحرب: أراد به الممدوح أيضاً. يقول: إن حمائل سيفه منوطة بعاتقه، وهو كثير الحرب، وإنه إذا حمل على عدوه لم ينثن عنه، فيحتاج إلى الرجوع إليها، لأن الكر يكون بعد الفر. فكأنه والطعن من قدامه ... متخوفٌ من خلفه أن يطعنا يقول: إنه يتقدم في المعركة، ويلقي الطعن قدامه ولا يتأخر، حتى كأنه يخاف أن يطعن من خلفه، فهو يتحرز بالتقدم كأنه يطعن من خلفه نفت التوهم عنه حدة ذهنه ... فقضى على غيب الأمور تيقنا فاعل نفت: هو حدة.

стр. 133

يقول: إنه من حدة فطنته وشدة ذكائه، صار توهمه علماً، فيقضي على الأمور الغائبة باليقين، لا بالتوهم والظن. وقيل: أراد أن إقدامه في الحرب، لعلمه بعواقب أمره في أنه يتلقى السلامة. يتفزع الجبار من بغتاته ... فيظل في خلواته متكفنا يقول: إن كل جبار يفزع من أن يهجم عليه بغتةً فيقتله، ويظل لابساً أكفانه إذا خلا بنفسه. أمضى إرادته فسوف له قدٌ ... واستقرب الأقصى فثم له هنا سوف: للاستقبال، وقدٌ: للمضي وتقريب العهد، فلما جعله اسماً أعربه، وثم: للمكان البعيد. وهنا: إشارة إلى المكان القريب. يقول: إن مراده طوع أمره فما يريد فعله في المستقبل، بمنزلة ماضي المفعول، والبعيد عنك بمنزلة القريب يجد الحديد على بضاضة جلده ... ثوباً أخف من الحرير وألينا روى جلده بدل جسمه. والبضاضة: الطراوة والنعومة. يقول: إنه مع نعومة جسمه ولين جلده، يجد الحديد والسلاح على بدنه أخف من الحرير وألين، وإن كان الحرير هو النهاية في الخفة واللين؛ وذلك لتعوده لبس السلاح وألفه له. وأمر من فقد الأحبة عنده ... فقد السيوف الفاقدات الأجفنا يقول: فقد السيوف المجردة من الأغماد، أشد عليه وأمر عنده من فقد الأحبة وبعدهم عنه. لا يستكنٌّ الرعب بين ضلوعه ... يوماً ولا الإحسان ألا يحسنا الإحسان: قيل إنه بمعنى العلم، ومعناه أن الخوف لا يستكن بين ضلوعه: أي لا يدخل ولا يستقر في قلبه وكذلك لا يستقر في قلبه العلم بألا يحسن إلى الناس. أي أنه جواد لا يعلم ترك الإحسان. وقيل الإحسان: هو ترك الإساءة، وهو الإنعام ومعناه: لا يثبت الإحسان حتى يحسن هو إلى الناس، إذ ليس في الدنيا من يحسن إلى الناس غيره. مستنبطٌ من علمه ما في غدٍ ... فكأن ما سيكون فيه دونا مستنبط في يومه ما في غده دون جمع والهاء في فيه يجوز أن تكون للممدوح، ويجوز أن تكون راجعة إلى علمه يقول: إنه عالم بعواقب الأمور يعرف في يومه ما يحدث في غدٍ، فكأن ما سيكون مكتوب عنده، مجموع الصورة لديه. تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدنا تنقاصر: خبر الأفهام. مثل: نصب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف. أي تتقاصر مثل تقاصرها عن الإدراك. الذي هو علم الله تعالى. الذيي الأفلاك فيه. والدنا: جمع الدنيا. فعلى هذا جعل كل أفق منها دنيا، فجاء الجمع لهذا. يقول: إن الأفهام تعجز عن إدراك حقيقته، ويقصر الإدراك عن علم معانيه، كما تعجز عن إدراك حقيقة ما وراء العالم. وهو المراد بقوله: الأفلاك فيه والدنا؛ لأن الناس اختلفوا فيما هو خارج العالم. فقال: كلما لم يعرفوا حقيقته ما ظرف له كذلك لا يعرفون حقيقة صفاتك. وعن ابن جنى: إن المراد بقوله: الأفلاك فيه والدنا، هو الله ﵎. من ليس من قتلاه من طلقائه ... من ليس ممن دان ممن حينا الطلقاء: جمع الطلائق. ودان: أطاع. وحين: دنا حينه، أي هلاكه. ومن ليس مبتدأ، ومن طلقائه خبره. أي من ليس من قتلاه، فهو من طلقائه. وكذلك الثاني. يقول: إنه أفنى العباد ببأسه وسطوته، وملكهم بعفوه، فمن لم يقتله فهو طليق عفوه، ومن لم يطعه فهو ممن دنا حتفه وهلاكه. لما قفلت من السواحل نحونا ... قفلت إليه وحشةٌ من عندنا يقول: إنك لما رحلت عنا استوحشنا لبعدك، فلما رجعت إلينا زالت عنا الوحشة، ورجعت إلى السواحل التي غبت عنها. وكان بدر الممدوح قد خرج إلى الساحل الذي رد إليه عمله، فلما عاد مدحه بهذه القصيدة. أرج الطريق فما مررت بموضع ... إلا أقام به الشذا مستوطنا أرج: أي فاحت منه رائحة الطيب. والشذا: المسك، وقيل: هو حدة ريحه. يقول: إن الطريق الذي سلكته عبق من طيب ريحك، فكل موضع مررت به أقام به الريح طيباً لا يفارقه، حتى كأنه وطنه. أخذه من قول النميري: تضوع مسكاً بطن نعمان إن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ عطرات إلا أن المتنبي زاد ذكر الاستيطان لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محييةً إليك الأغصنا يقول: لو كانت الشجر التي مررت عليها عاقلة عارفة بمحلك، لكانت تمد أغصانها نحوك محييةً ومشيرة بالسلام عليك. سلكت تماثيل القباب الجن من ... شوق بها، فأدرن فيك الأعينا

стр. 134

وروى: من شغف بها. والجن، فاعل سلكت. يقول: تداخلت الجن في التماثيل التي على القباب المضروبة لتنظر إليك؛ شوقاً لرؤيتك، فأدرن فيك أعينها. طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياءٌ عاقها رقصت بنا يقول: مراكبنا التي ركبناها إلى الممدوح استخفها السرور بقدومك، والمسير إليك، فلولا أن الحياء منعها من الرقص، لكادت ترقص بنا رقصا. أقبلت تبسم والجياد عوابسٌ ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا روى: يخببن من الخبب: وهو السير السريع، وروى يجنبن من الجنيبة وتبسم: في موضع نصب على الحال، وكذلك الجياد عوابس ويخببن: حال من الجياد، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً فيكون في موضع رفع. يقول: أقبلت إلينا ضاحكاً مبتسماً وخيلك عابسة؛ لما لحقها من التعب فيسر عن المسير بالدروع المضاعف نسجها وبالرماح. عقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه أمكنا العثير: الغبار. والعنق: ضرب من السير؛ ترفع فيه الدابة عنقها. يقول: إن الغبار الساطع من حافرها قد يعقد، لكثافته حتى كأنه أرض صلبه، فلو أرادت الجياد أن تسير على هذا الغبار لأمكنها السير. والأمر أمرك والقلوب خوافقٌ ... في موقفٍ بين المنية والمنى قيل: الأمر هنا بمعنى الحال، أي أقبلت وحالك في طلاقة وجهك، مثل حالك إذا كنت في الحرب، حين تخفق القلوب من الرعب، فتكون القلوب واقفة بين الموت والبقاء. يعني: أنه في الحرب ضاحك السن، مثل حاله القديمة. وقيل: أراد به أن أمرك نافذ في الأولياء والأعداء. وقلوب أعدائك خائفة واقفة بين الخوف من الموت وبين الرجاء. فعجبت حتى ما عجبت من الظبى ... ورأيت حتى ما رأيت، من السنى الظبى: جمع الظبية، وهي حد السيف. والسنى مقصور: هو الضوء. تقديره: فعجبت من الظبى حتى ما عجبت، ورأيت من السنى حتى ما رأيت. يقول: رأيت السيوف حولك متجردة فعجبت من كثرتها، وزاد الأمر حتى زال تعجبي مما رأيت من لمعان السيوف وبريقها، فبقيت متحيراً كمن لا حس له، وغلب لمعانها على بصري حتى ما رأيت؛ لأن لمعانها غشى عيني. وقيل: أراد فعجبت من انهزامهم، حتى زال تعجبي، من أجل السيوف التي لمعت بأيديهم، فقلت حق لهذه السيوف أن تعمل هذا، فأزال تعجبي؛ لأني لم أستكره أن يكون ذلك الانهزام فعل ما رأيت. وقيل: أراد أني عجبت من السيوف لكثرتها ولمعانها حتى التهيت بالعجب! فزال تعجبي كما قال أبو تمام: على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب وكذلك بريق السيوف؛ لشدة بريقه ولمعانه كف ضوءها بصري. إني أراك من المكارم عسكراً ... في عسكر، ومن المعالي معدنا قيل: معناه إنك في نفسك عسكر، وحولك من مكارمك عسكر؛ فلهذا أراك عسكراً في عسكر من المكارم. وقيل: معناه إني أراك عسكراً من المكارم، في عسكر من الخيل والرجال، وأنك معدن: أي أصل لكل خير وشرف. ومثل المصراع الأول لأبي تمام: لو لم يقد جحفلاً يوم الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب فطن الفؤاد لما أتيت على النوى ... ولما تركت مخافةً أن تفطنا يقول: أنت عالم بما فعلت بعدك من شكرك والثناء عليك وغير ذلك، وعالم بما لم أفعله مخافة أن تفطنه. يعني: إني لو لم أتركه إلا مخافة أن تقف عليه تركته. وقيل: أراد أنك تدرك غرضي فيما فعلته، لما بعدت عنك. وهو الاستزادة، ثم تركت البعد خوفاً من أن تقف على قصدي ومرادي. وقيل: أراد فعلت ذلك لأتجدد بالنوى عندك. أضحى فراقك لي عليه عقوبةً ... ليس الذي قاسيت منه هينا الهاء في عليه: راجعة إلى ما في قوله: لما أتيت أي صار فراقك عقوبة لي على ما أتيته من التأخر عنك وقد قاسيت منه وحشة عظيمة وأسفاً شديداً. فاغفر، فدىً لك، واحبني من بعدها ... لتخصني بعطيةٍ منها أنا يقول: اغفر ذنبي بعفوك عن التخلف عنك، وعلى التقصير الذي كان مني في حال البعد عنك، ثم صلني بعد المغفرة بصلة، لأكون مخصوصاً بها، واحبني في جملة من تحبه. وانه المشير عليك في بضلةٍ ... فالحر ممتحنٌ بأولاد الزنا

стр. 135

يقول: ازجر من يشير عليك في بما لا يليق بكرمك، فإنه ضلة، وإن أطعته في ذلك تكون غير سالك طريق الرشد، فإنه ولد زنا والحر مبتلٍ بأمثاله: أي بأولاد الزنا. وإذا الفتى طرح الكلام معرضاً ... في مجلسٍ أخذ الكلام اللذ عنا اللذ: بسكون الذال، لغةٌ في الذي. يقول: إذا عرض الفتى بكلامه رجلاً، فإن المعنى يأخذ ما عرض به من الكلام. ومكايد السفهاء واقعةٌ بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى المقتنى: مصدر من اقتنيت الشيء، إذا اكتسبته، ويجوز أن يكون اسم المفعول. يقول: إن السفيه لضعف رأيه إذا كان عدواً، رجع ضرر كيده عليه، ومن عادى شاعراً فقد اكتسب شراً طويلاً وهجواً كثيراً، وذلك بئس المدخر. لعنت مقارنة اللئيم فإنها ... ضيفٌ يجر من الندامة ضيفنا الضيفن: الذي يجيء مع الضيف من غير دعوة. روى: من الندامة ومن العداوة. يقول: لعن الله صحبة اللئام؛ فإنها تعقب الندامة. غضب الحسود إذا لقيتك راضيا ... زرءٌ أخف علي من أن يوزنا الرزء: المصيبة. يقول: إذا رضيت علي يحخف علي عضب من يحسدني. ومثله لأبي فراس: فليتك تحلو والحياة مريرةٌ ... وليتك ترضى والأنام غضاب ومثله لآخر: إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً علي لئامها أمسى الذي أمسى بربك كافراً ... من غيرنا، معنا بفضلك مؤمنا يقول: أمسى من يكفر بالله، مقراً بفضلك؛ لأنه يدرك بالأبصار، ومعرفة الله تعالى تستنبط بالنظر والاعتبار والمشاهدة. خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا الغزالة: الشمس في وقت الضحى. وقدم ضمير الغائب في قوله: فأعاضهاك. وأخر ضمير المخاطب، وذلك ليس بالاختيار إلا في ضرورة الشعر، والهاء: للبلاد. والكاف: للخطاب. وليلها: نصب على الظرف. وتحزن للبلاد. يقول: لما غابت الشمس عن الأرض ليلاً، فخلت من الشمس جعلك الله لها عوضاً من الشمس؛ لئلا تحزن البلاد لفراقها. يعني: أنه يقوم للبلاد مقام الشمس. ودخل عليه فوجده خالياً للشراب، وقد أمر الغلمان بحجاب الناس عنه. فارتجل: أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ ... هيهات لست على الحجاب بقادر تأمر: خبر أصبح. يقول: أمرت بالحجاب لخلوةٍ بنفسك، وما أبعد ما أردت! لأنك لا تقدر على الاحتجاب؛ للعلة التي ذكرها وهي قوله: من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر يقول: من كان نور وجهه ظاهراً، ونواله مبذولا، غير محجوبين، لم يحتجب هو عن عين، وإن أرخيت دونه الحجب. فإذا احتجبت فأنت غير محجبٍ ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر يقول: إذا احتجبت فأنت غير محتجب في الحقيقة، وإذا استترت فأنت نفس الظاهر، وأنت الظاهر في الحقيقة. وسقاه يوماً ولم يكن له رغبةٌ فقال يذكر وده لبدر: لم نر من نادمت إلاكا ... لا لسوي ودك لي ذاكا قال ابن جنى: من في قوله: من نادمت نكرة موصوفة بمنزلة رجل. وقوله: نادمت صفة له. لا صلة؛ كأنه قال: لم نر إنساناً نادمته غيرك. فحذف الهاء؛ وذلك لأنه استثنى منه الكاف، ومن إذا كانت نكرة تقع موقع الجماعة، فيصح الاستثناء منه. وقد يجوز أن يكون بمعنى المعرفة، واقع موقع الجماعة. وقوله: إلاك قبيح لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، لأنه وصل الضمير في موضع الفصل. يقول: لم نر أحداً نادمته سواك، وليس ذلك مني لسوى محبتك وودك لي. يعني: إني لا أحب الشراب وإنما نادمتك وشربته محبة مني إليك. ولا لحبيها ولكنني ... أمسيت أرجوك وأخشاكا الهاء في قوله: لحييها للخمر. ويجوز أن تكون للمنادمة. يقول: ما شربت الخمر حباً لها؛ ولكن شربتها لأني رجوتك أن تقضي حاجتي، وخشيت إن لم أشربها ألا تقضي حاجتي. وقال أيضاً يفخر بمنادمته الأمير ويمدحه: عذلت منادمة الأمير عواذلي ... في شربها وكفت جواب السائل يقول: إن منادمته شرفٌ لي ومجد، فمن عذلني عليها كان بالعذل أولى، ومن سألني عنها لم احتج إلى إجابته؛ لأن المنادمة جواب له بما فيها من الشرف. ومثله للطائي: عذلت سواكب دمعه عذاله ... بمدامع فندن كل مفند مطرت سحاب يديك ري جوانحي ... وحملت شكرك واصطناعك حاملي

стр. 136

يقول: أمطرتني حتى رويت وشكرتك على ذلك، ونعمك بلغتني المنزلة الرفيعة. فمتى أقوم بشكر ما أوليتني ... والقول فيك علو قدر القائل؟! يقول: متى يمكنني أن أقوم بشكر ما أوليتني من النعم؟ فأنا إذا شكرتك ومدحتك، فإن مدحي فيك يرفع قدري ويشرفني، فيكون ذلك نعمة منك علي، يجب القيام بشكرها، وذلك الشكر نعمةٌ، فإذا كان الحال هذا، كيف يمكن القيام بشكرك؟ أخذه من قول محمود الوراق: إذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... علي له في مثلها يجب الشكر فكيف أداء الشكر إلا بعونه؟ ... وإن دنت الأيام واتصل العمر وكان بدرٌ قد تاب من الشراب مرةً بعد أخرى، فرآه أبو الطيب يوماً يشرب فقال له: يا أيها الملك الذي ندماؤه ... شركاؤه في ملكه لا ملكه يقول: إن ندماءه شركاؤه في ملكه أي ماله مبذول لندمائه، وأما ملكه ورئاسته فمختصة به، لا يشركه فيها غيره؛ لأن بذله غير جائز ومثله: ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب في كل يوم بيننا دم كرمةٍ ... لك توبةٌ من توبةٍ من سفكه يقول: كل يوم بيننا خمر، وكل يوم توبةٌ من توبةٍ من سفكه. أي سفك هذا الدم أي أنك تتوب من التوبة التي هي توبة من سفكه. والصدق من شيم الكرام فنبنا ... أمن الشراب تتوب أم من تركه؟ أصله: فنبئنا. فأبدل الهمزة ياء، ثم حذفها. وروى أيضاً: فنبئاً، وأصله: فنبئن وهي نون تأكيد ساكنة، فأبدلها ألفاً فقال: نبئاً. يقول: أخبرنا أنك تائب من الشراب، أم من ترك الشراب؟ فقال بدر: بل من تركه يا أبا الطيب. وقال فيه أيضاً يمدحه: بدرٌ فتىً لو كان من سؤاله ... يوماً توفر حظه من ماله يقول: إنك كثير العطاء. يعني من يأتيه فلو كان مثلاً يوماً واحداً من جملة سائليه، لكان له نصيب وافر من ماله. تتحير الأفعال في أفعاله ... ويقل ما يأتيه في إقباله روى: الأفعال في أفعاله. وروى: الأقوال في أقواله. يقول: إنه يأتي بأفعال بديعة عظيمة، بحيث تتحير أفعال الناس فيها، وإن ما يأتيه من الأفعال العجيبة في جنب إقباله قليلة، وإقباله أعظم من أفعاله. قمراً نرى وسحابتين بموضع ... من وجهه ويمينه وشماله يقول: إن يديك كالسحابتين، تهطلان بالعطاء، وفي الحرب بالدماء، ووجهك كالقمر، ومن شأن السحاب أن يستر القمر وسحابتاه لا تستران ضياء نوره. وقال ابن جنى: معناه أن يمينه تسح بالعطاء، وشماله تسح الدماء. وهذا غير جيد، لأن أكثر الأعمال إنما تكون باليمين، وكذلك المحاربة. إلا إذا كان الرجل أعسر أيسر، أو يكون دون أعسر. والباء في قوله: بموضع بمعنى في: أي في موضع وإن شئت علقتها بالفعل، فيكون إذ ذاك فارغة لا ضمير لها، وإن شئت جعلتها صفةً لنكرة محذوفة: أي نرى قمراً وسحابتين كائنتين بموضع. وكذلك من إن شئت علقتها بالفعل، وإن شئت بمحذوف. سفك الدماء بجوده لا بأسه ... كرماً لأن الطير بعض عياله اللام في لأن بدل من اللام المقدرة في كرماً. يقول: إنه تكفل بأرزاق الطير، وجعلها من جملة عياله، فهو يقتل أعداءه ليطعم الطير لحوم القتلى؛ لكرمه واعتياده إطعام الطير دائماً. إن يفن ما يحوي فقد أبقى به ... ذكراً يزول الدهر قبل زواله يقول: إن كان قد أفنى ماله بسخائه، فقد اكتسب ذكراً يبقى إلى آخر الزمان. وقوله: يزول الدهر إلى آخره. أي لا يزول ذكره أبداً، ما دام الدهر؛ لأنه أراد أنه يبقى بعد الدهر، وإنما قصد به تأكيد بقاء الذكر. وهو من قول الآخر: تمر به الأيام تسحب ذيله ... وتبلى به الأيام وهو جديد وسأله حاجةً فقضاها، فنهض وهو يقول شكراً له على قضاء حاجته: قد أبت بالحاجة مقضيةً ... وعفت في الجلسة تطويلها عفت الشيء: إذا كرهته. وروى: في الجلسة بفتح الجيم وكسرها. يقول: رجعت بقضاء حاجتي، وكرهت تطويل الجلوس بعد قضاء الحاجة. أنت الذي طول بقاءٍ له ... خيرٌ لنفسي من بقائي لها وروى: طول بقاء به. يقول: بقاءك خيرٌ لي، من حياتي لنفسي؛ لأني منك في راحة، وأنا من نفسي في عناء فزاد الله في حياتك من حياتي: دعاء له. فسأله بدرٌ الجلوس فقال يذكر علو منزلة الأمير بدرٍ لما سأله أن يجلس:

стр. 137

يا بدر إنك، والحديث شجون ... من لم يكن لمثاله تكوين شجون: أي ضروب. وهو مأخوذ من شجون الوادي: وهي شعبه. وهو مثلٌ قديم، وأصله: الحديث ذو شجون فحذف المضاف. والتكوين: الإيجاد. ومن بمعنى: الذي. وهو خبر إن، واسمها: الكاف. من إنك وقوله: والحديث شجون. اعتراض بين اسم إن وخبرها؛ وإنما جاز ذلك لأن فيه ضرباً من التوكيد. ويجوز أن يكون من نكرة موصوفة. أي إنك رجل ليس له نظير. وتقدير البيت: يا بدر إنك من لم يكن لمثاله تكوين. أي لم يخلق له نظير. لعظمت حتى لو تكون أمانةً ... ما كان مؤتمناً بها جبرين اللام في لعظمت: جواب لقسم محذوف: أي والله لقد عظمت. ولا يجوز أن تكون لام الابتداء؛ لأنه مختص بالاسم. وجبرين لغة: أي جبريل. وقيل: إن النون بدل من اللام. يقول: إنك عظيم القدر فلو كنت من جملة الأمانات لكان جبريل غير مؤتمن بها على الوحي، وهذا إفراط. بعض البرية فوق بعض خاليا ... فإذا حضرت فكل فوق دون خالياً: نصب على الحال. يقول: إذا خلا الناس منك تفاضلوا في الشرف، فإذا حضرت استووا في التقصير، وصاروا كلهم دونك. أخذه من قول بشار: وكانت نساء الحي ما دمت فيهم ... قباحاً، فلما غبت صرن ملاحا غير أن المتنبي قلبه. وقال يمدح بدر بن عمار: فدتك الخيل وهي مسوماتٌ ... وبيض الهند وهي مجردات مسومات: يجوز أن يكون أراد به معلمات. ويجوز أن يريد به مرسلات. والواو في قوله: وهي في الموضعين: واو الحال. المعنى يدعو له ويقول: الخيل المسومة والسيوف المجردة من الأغماد فداءٌ لك؛ وإنما فداه بها لأنها لو فقدته لم يعملها أحد إعماله. وصفتك في قوافٍ سائراتٍ ... وقد بقيت وإن كثرت صفات التاء في كثرت: ضمير القوافي: وصفات: رفع بقوله: بقيت. يقول: قد وصفتك بقصائد يرويها كل واحد، وتسير بها الركبان، وقد بقيت صفات كثيرة، وإن كثرت القوافي. أفاعيل الورى من قبل دهمٌ ... وفعلك في فعالهم شيات أفاعيل: جمع أفعال. والدهم: السود. والشيات: جمع الشية في الفرس. وهو لون يخالف لون الجملة. يقول: إن أفعالك مشهورة بين أفعال الخلق، فإن أفعالهم تشبه بعضها بعضاً، وأفعالك مباينة لها، مشهورة فيما بينها. وقال أيضاً يذكر نعم بدرٍ عليه حين انصرافه من عنده ليلاً وقد سمر معه الليل كله: مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض الرؤيا: هي ما يرى في النوم. واستعمل ها هنا بمعنى رؤية البصر. يقول: إن الليل قد مضى، وفضلك باق، وخصالك المحمودة غير منقطعة ولا مبتذلة باختلاف الليل والنهار، ورؤيتك أحلى في العيون من النوم. على أنني طوقت منك بنعمةٍ ... شهيدٌ بها بعضي لغيري على بعضي بعضي: في موضع رفع؛ لأنه فاعل شهيد، وعلى: متعلق بفعل محذوف، أي أمدحك على ما طوقتنيه، أو أثني عليك أو نحوه من الأفعال. يعني: أنك أنعمت علي نعماً نبت بها لحمي وحسن بها حالي، فظهر أثرها علي، فلو جحدها لساني أقر بها جلدي وحسن حالي. سلام الذي فوق السماوات عرشه ... تخص به يا خير ماشٍ على الأرض يستأذنه في الانصراف عن مجلسه إلى منزله. يقول: سلام الله عليك، وصار مختصاً بك، يا خير من مشى على الأرض. وأقبل يلعب بالشطرنج فقال له يمدحه قبل انصرافه من عنده والمطر يهطل: ألم تر أيها الملك المرجى ... عجائب ما رأيت من السحاب؟ روى: مارأيت، وما رأيت. وهو أجود. يقول: أيها الملك الذي يرجى خيره، هل ترى ما رأيت من عجائب هذا السحاب؟ وهي كثرة الأمطار المتواترة. تشكي الأرض غيبته إليه ... وترشف ماءه رشف الرضاب أراد: تتشكى، والهاء في غيبته وما بعده: للسحاب. وترشف: أصله تترشف. أي تمص. والرضاب: قطع الريق. يقول: تظلمت الأرض إلى السحاب من غيبته عنها، فجاء المطر لتظلمها، فتمص الأرض شهوةً كما يمص العاشق ريق حبيبته. وقيل الهاء في إليه: للممدوح. أي تشكي الأرض إليه غيبته إلى السحاب. وأوهم أن في الشطرنج همي ... وفيك تأملي ولك انتصابي همي: أي قصدي. والانتصاب: التصدي للأمر، والقيام به.

стр. 138

يقول: أنا أظهر لك أني أنظر إلى الشطرنج وليس كذلك، فإني أنا أتأمل فيك، وأتمتع برؤيتك، وأنظر في أفعالك، وقيامي بين يديك خدمةً لك؛ لتأمرني بشيء فأمتثل أمرك. سأمضي والسلام عليك مني ... مغيبي ليلتي، وغداً إيابي روى: وعدي إيابي. يستأذنه في الانصراف. يقول أغيب ليلتي هذه لا غير، وغداً أعود إليك. قال ابن جنى: أنا اتهم هذه القطعة، ولم أقرأها عليه وكلامه عندي أجود من هذا. وأخذ الشراب من أبي الطيب، وأراد الانصراف، فلم يقدر على الكلام. فقال هذين البيتين وهو لا يدري أنه قالهما، فلما أصبح أنشده إياهما ابن الخراساني وهما قوله: نال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور وذا انصرافي إلى محلي ... اآذنٌ لي أيها الأمير؟ تقديره: نال مني الذي نلت منه. يقول: شربت الخمر من عقلي ما شربت أنا منها. وقوله: لله ما تصنع الخمور عجباً من صنيع الخمور بالنا. ثم قال: إأذن لي أيها الأمير في الانصراف إلى منزلي، فإني رأيت الخمر تغلب الإنسان. وعرض عليه من غده الصحبة فقال ارتجالاً يعتذر عن الصبوح من غدٍ: وجدت المدامة غلابةً ... تهيج للمرء أشواقه تسيء من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه قوله: تهيج للمرء أشواقه. أي تهيج ما سكن من أشواقه. وقوله: تسيء إلى آخره المراد به: من حيث تحمله على الجهل، وطرح الحشمة وإظهار الوقاحة، ولكن تحسن أخلاقه من حيث تورث الفرح وتحمل الإنسان على السخاء. ومع ذلك لا يفي خيرها بشرها. وأنفس ما للفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه روى: مال الفتى وما للفتى. يقول: أعز شيء في الإنسان عقله، والخمر تفسده والعاقل يكره تضييع عقله وإنفاقه. وقد مت أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت من ذاقه يقول: لما شربتها أمس فقدت حسي وصرت إلى حال الموت! ومن ذاق الموت لا يشتهيه مرة أخرى. ذكر هذه الأبيات استعفاءً من شرب الشراب. وقال يصف لعبةً وكان لبدرٍ جليسٌ أعورٌ يعرف بابن كروس، يحسد أبا الطيب لما كان يشاهده من سرعة خاطره؛ لأنه لم يكن يجري في المجلس شيءٌ إلا ارتجل فيه شعراً، فقال لبدر: أظنه يعمل هذا قبل حضوره ويعده معه، ومثل هذا لا يجوز أن يكون، وأنا أمتحنه بشيءٍ أحضره للوقت، فلما كمل المجلس ودارت الكئوس استخرج لعبةً قد استعدها، لها شعرٌ في طولها، تدور على لولب، إحدى رجليها مرفوعةٌ، وفي يدها طاقةٌ ريحانٍ، تدار فإذا وقفت حذاء إنسانٍ شرب ووضعها من يده، ونقرها فدارت فقال المتنبي: وجاريةٍ شعرها شطرها ... محكمةٍ نافدٍ أمرها قوله: محكمة أي جعل الحكم لها. وشطر الشيء: نصفه. يقول: إن شعرها على مقدار نصفها، وهي مقبولة الحكم، وأمرها نافذ؛ لأنها كانت إذا وقفت عند إنسان شرب قدحاً، فكأنها حكمت عليه بأن يشرب. تدور وفي يدها طاقةٌ ... تضمنها مكرهاً شبرها أراد بالشبر: اليد. يعني أن في يدها ريحان، وأن يدها تضمنته مكرهة؛ لأنها لا اختيار لها. فإن أسكرتنا ففي جهلها ... بما فعلته بنا عذرها تقديره: ففي جهلها عذرها بما فعلته بنا. يقول: إن كانت حكمت علينا بالشرب حتى سكرنا، فإن جهلها بما فعلته بنا، عذرها لنا. وأديرت فوقفت حذاء أبي الطيب فارتجل يصف اللعبة نفسها: جاريةٌ ما لجسمها روح ... بالقلب من حبها تباريح التباريح: جمع التبريح، وهو شدة الشوق. وجارية: رفع؛ لأنها خبر ابتداء محذوف. أي هذه جارية. يقول: إنها وإن كانت غير ذات روح، فإن حبها قد برح بقلبي. في يدها طاقةٌ تشير بها ... لكل طيبٍ من طيبها ريح سأشرب الكأس من إشارتها ... ودمع عيني في الخد مسفوح الواو في قوله: ودمع عيني واو الحال. يقول: إن رائحة كل طيب مكتسبٌ من هذه الطاقة التي في يدها، ثم قال: أشرب الخمر بإشارتها، ودمع عيني في تلك الحال مصبوب؛ لأن كل من شرب الخمر تذكر حبيبه فيهيج له من ذلك الذكر الحزن، فيؤدي إلى البكاء. وأدارها فوقفت حذاء بدرٍ فقال: يا ذا المعالي ومعدن الأدب ... سيدنا وابن سيد العرب أنت عليمٌ بكل معجزةٍ ... ولو سألنا سواك لم يجب أهذه قابلتك راقصةً ... أم رفعت رجلها من التعب؟!

стр. 139

قوله: سيدنا أراد يا سيدنا، فحذف حرف النداء. وراقصة: نصب على الحال. يقول: أنت تعلم بكل شيء خفي يعجز الناس عن إدراكه، ولو سألنا غيرك لم يجب، فأخبرنا عن هذه الجارية، هل قابلتك وهي ترقص، أو تعبت فرفعت رجلها من التعب؟ لأنها كانت قائمة على رجل واحدة. وأديرت فسقطت فقال في الحال: ما نقلت في مشيئةٍ قدما ... ولا اشتكت من دوارها ألما روى: مشيئة ومشيةٍ بالتصغير. على الأول: ما نقلت قدماً بإرادة منها ولا اشتكت من دوارها، حين سقطت من الألم؛ لأنها ليست مما يحس. وعلى الأخرى: ما نقلت قدماً في مشيةٍ، لأنها وإن كانت ماشية، فلم تنقل قدماً. لم أر شخصاً من قبل رؤيتها ... يفعل أفعالها وما عزما يقول: لم أر شخصاً سواها يفعل مثل أفعالها، من غير عزم وقصد. فلا تلمها على تواقعها ... أطربها أن رأتك مبتسما تواقعها: أي رقصها. يقول: لا تلمها على رقصها، لأنها تداخلها الطرب، فرقصت سروراً لما رأتك مبتسماً. وقيل: تواقعها: سقوطها. يعني. لا تلمها على سقوطها؛ لأنها لما رأتك ضاحكاً طربت فسقطت. وقال أيضاً فيها أي اللعبة نفسها: إن الأمير أدام الله دولته ... لفاخرٌ كسيت فخراً به مضر مضر: اسم قبيلة، فلهذا أنثه، وتقديره: كسيت مضر به فخراً، يعني ذو فخرٍ متناهٍ، حتى أن مضراً اكتست من فخره. وقيل تقديره: لفاخرٌ مضر به كسيت فخراً، يعني: أن مضر تفتخر به بما كساها من الفخر والشرف الزائد. في الشرب جاريةٌ من تحتها خشبٌ ... ما كان والدها جنٌّ ولا بشر الشرب: جمع شارب، يعني: فيما بين الشرب، جارية هذه صفتها. قامت على فرد رجلٍ من مهابته ... وليس تعقل ما تأتي وما تذ يقول: إنها قامت على فرد رجل؛ هيبةً من الأمير وخدمةً، مع أنها لا تعقل ما تفعل وما تترك. ووصفها بشعر كثير وهجاها بمثله لكنه لم يحفظ فخجل ابن كروس وأمر بدرٌ برفعها فرفعت فقال: وذات غدائرٍ لا عيب فيها ... سوى أن ليس تصلح للعناق إذا هجرت فعن غير اجتنابٍ ... وإن زارت فعن غير اشتياق العناق: المعانقة والاجتناب: المباعدة. يقول: إنه لا عيب فيها، إلا أنها من خشب لا تصلح للمعانقة، وقربها وبعدها عن غير قصد منها. أمرت بأن تشال ففارقتنا ... وما ألمت لحادثة الفراق يقول: إنك لما أمرت برفعها، فارقتنا ولم تتألم لفراقنا، كما يتألم المحب لفراق حبيبه. ثم قال لبدر ما حملك على ما فعلت؟ فقال له بدرٌ: أردت نفي الظنة عن أدبك، فقال المتنبي معتزاً بأدبه: زعمت أنك تنفي الظن عن أدبي ... وأنت أعظم أهل العصر مقدارا إني أنا الذهب المعروف مخبره ... يزيد في السبك للدينار دينارا السبك: الصوغ. يقول: إن كنت أردت إزالة القهر عني فقد زدت أنا على التجربة، مثل الذهب الذي إذا سبك زاد للدينار ديناراً، وليس كل ذهبٍ كذلك. قال له بدرٌ: والله للدينار قنطاراً! فقال المتنبي يمدح بدراً وقد أطرى أدبه: برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادي ينفد العمر فخر الزجاج بأن شربت به ... وزرت على من عافها الخمر يقول: من يرجوك يغنى، ومن يعاديك يفنى وإن الزجاج فخر على سائر الجواهر من الذهب والفضة، لما شربت به، وعابت الخمر من عافها ولم يشربها، حين تشربها أنت. وسلمت منها وهي تسكرنا ... حتى كأنك هابك السكر أي شربنا الخمر معك فأسكرتنا ولم تسكرك! فكأنها خافتك ولم تقدر عليك. ما يرتجى أحدٌ لمكرمةٍ ... إلا الإله وأنت يا بدر يقول: ليس أحد يرتجى خيره، إلا الله ، ثم أنت. وخرج أبو الطيب إلى جبل جرش: وهي مدينةٌ عظيمةٌ نسب إليها الجبل. فنزل بعلي بن أحمد المري الخراساني وكانت بينهما مودة بطبرية فقال يمدحه: لا افتخارٌ إلا لمن لا يضام ... مدركٍ أو محاربٍ لا ينام روى: مدركٍ أو محاربٍ، جراً. فيكونان صفتين لمن. ومن تكون نكرة. وروى. مدركٌ أو محاربٌ بالرفع، فيكونان خبرين لمبتدأ محذوف. أي هو مدرك. ومن تكون معرفة بمعنى الذي. ويجوز: أن يكون الجر فيهما على البدل من من ويكون بمعنى الذي.

стр. 140

يقول: لا ينبغي أن يفتخر إلا من لم يلحقه ضيم وذل من قبل أحد، ولن يكون أحد بهذه الصفة إلا أنت، ومن يكون مدركاً لما رامه، لا ينام عن أعدائه ومحاربتهم. ليس عزماً ما مرض المرء فيه ... ليس هماً ما عاق عنه الظلام نصب عزماً وهماً، لأنهما خبرا ليس، واسمه ما وصلته مرض: أي فرط. والهم: الهمة ها هنا. يقول: كل عزم يمرض فيه المرء ويفتر دون إمضائه، فليس بعزم على الحقيقة، وكل هم يمنع دون إمضائه ظلام الليل، فليس ذلك بهم على الحقيقة. واحتمال الأذى ورؤية جاني ... هـ غذاءٌ تضوي به الأجسام وروى: تتوي به الأجسام. أي تهلك. وتضوي: أي تهزل. يقول: إن تحمل الأذى ورؤية من يؤذيك ويجني عليك غذاء تبلى به الأجسام وتهزل. ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام وروى: ألذ منه الحمام. يقول: من يغبط الذليل على عيشه فهو ذليل: ورب عيش يكون الموت خيراً منه، إذا لم تنل المنية، ومثله قول بشار بن برد: وللموت خيرٌ من حياة على أذى ... يضيمك فيها صاحبٌ وتراقبه كل حلمٍ أتى بغير اقتدار ... حجةٌ لاجىءٌ إليها اللئام يقول: إنما يحسن الحلم مع القدرة. فمن لا يقدر على الانتصار إذا اعتصم بالحلم، فهو حجة يلتجىء إليها اللئام. ومثله قول الآخر: إن من الحلم ذلاً أنت عارفه ... والحلم عن قدرةٍ فضلٌ من الكرم من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميتٍ إيلام يقول: من كان مهيناً في نفسه سهل عليه إهانة غيره ولا يؤلمه ما يطوى عليه من الذل، فهو كالميت الذي لا يتألم من الجراحة وغيرها. ضاق ذرعاً بأن أضيق به ذر ... عاً زماني واستكرمتني الكرام الذرع: القلب، وأصله من الذراع، وكان الفصيل إذا مشى مع الإبل وكل عن سيرها، قالوا: ضاق ذرعه أي قصر خطوه، ثم قيل لكل من عجز عن شيء: ضاق قلبه به ذرعاً، وهو نصب على التمييز. وضاق: فاعله زماني. واستكرمتني: أي وجدتني كريماً. يقول: إن الزمان ضاق قلبه بسبب ضيق قلبي، وذلك إشارة إلى عظم حال نفسه. وقيل: أراد أن الزمان قصدني بأحداثه، فلما لم يمكنه أن يؤثر في، وأن يضيق قلبي بسبه، ضاق قلبه عند ذلك؛ لعجزه عن التأثير في، ووجدني الكرام كريماً في جميع أحوالي. واقفاً تحت أخمصي قدر نفسي ... واقفاً تحت أخمصي الأنام الأخمص: تحت باطن القدم. ويجوز في واقف الأول: الرفع على إضمار المبتدأ أي أنا واقف والنصب على الحال من الضمير في استكرمتني: أي وجدتني الكرام كريماً في تلك الحال. وأما الثاني: فبالنصب على الحال لا غير. أي أنا دون قدري في حال علوي عن الخلق. يقول: أنا واقف دون قدر نفسي وما بلغت المنزلة التي أستحقها بفضلي، وإن كان الخلق كلهم تحت قدمي. وهذا مثل. أقراراً ألذ فوق شرارٍ! ... ومراماً أبغى وظلمي يرام! يقال: لذ الطعام يلذه. إذا استلذه. والشرار: جمع شرارة. يقول: كيف أستلذ القرار في موضع أكون فيه معذباً؟! كالواقف فوق شرار النار! وكيف أطلب حاجة أصل إليها! مع أن الأعداء يرومون ظلمي، فلا أستقر حتى أدفع هذا الظلم عني بحبس ضيقته. دون أن يشرق الحجاز ونجدٌ ... والعراقان بالقنا والشام دون قيل إنها بمعنى: قبل، وقيل بمعنى: سوى. وتشرق: أي تغص وتمتلىء. يقول: لا أستقر دون أن تمتلىء هذه النوحي بالرماح فأنتصف منهم. شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر علي بن أحمد القمقام روى: شرق الجو وهو فعل ماض. ومشرق الجو وهو اسم الفاعل. وشرق الجو وهو مصدر. فيكون تقديره دون أن يشرق العراقان شرقاً مثل شرق الجو بالغبار؛ إذا سار الممدوح لمحاربة أعدائه. والقمقام: السيد. شبه امتلاء المواضع المذكورة بالجيش، بامتلاء الجو بالغبار، عند مسير هذا الممدوح. الأديب المهذب الأصيد الضر ... ب الذكي الجعد السري الهمام الأصيد: قيل هو المتكبر، وهو من صفة الملوك. والضرب: الخفيف الجسم. والعرب تتمدح به. والجعد مطلقاً: السخي. وقيل: هو الذي لا يضام لعزه. والذكي: التام العقل. والمهذب: المصفى من العيوب. والسري: الرفيع القدرز والهمام: العظيم الهمة. والذي ريب دهره من أسارا ... هـ ومن حاسدي يديه الغمام ريب الدهر: صروفه، وحوادثه.

стр. 141

يقول: إن صروف الدهر لا يمتنع أحد من ضيمه، والدهر قد صار من أساراه يصرفه كيف شاء، ويمنع ضرره عن الناس، ومن جملة حاسدي يديه: الغمام المضروب به المثل في السخاء، فيحسد يديه على جوده. يتداوى من كثرةٍ المال بالإق ... لال جوداً كأن مالاً سقام نصب جودا. لأنه مفعول له. وقيل: نصب على المصدر؛ لأن ما ظهر من الكلام يدل عليه: أي يجود جوداً. يقول: كأن الغنى عنده مرض يريد إزالته، فيتداوى منه بالإقلال والإنفاق، وكأن الإقلال عافية، فهو يريد بجوده إزالة السقم عنه وطلب العافية. حسنٌ في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام السوام: المال الراعي. وحسنٌ: خبر ابتداء محذوف. وتم الكلام عند قوله. حسن. يقول: إنه حسنٌ على الحقيقة، غير أنه عند أعدائه وفي عيونهم لعلمهم أنه يهلكهم ويقتلهم أقبح منظراً من ضيف في عيون سوائمه؛ لأنها إذا رأت الضيف علمت أنها منحورة مذبوحة، لما جرت به عادته بنحر الإبل للضيف. قال ابن جنى: على هذا استقر الكلام بيني وبين المتنبي. ومثله لبعض الأعراب: حبيبٌ إلى كلب الكريم مناخه ... بغيضٌ إلى الكوماء والكلب أبصر وقيل: معناه حسن في عيون أعدائه؛ من حيث أن حسنه قد بهر؛ فيستحسنه عدوه وصديقه، وهو مع ذلك أقبح في السوام من ضيفه، واستغنى بذكره في صدر البيت عن أعدائه في آخره، وإنما استعجبوا لهيبتهم منه وخوفهم من سطوته فيحذرون إيقاعه بهم، كما تخاف الماشية النحر عند رؤية الأضياف. لو حمى سيداً من الموت حامٍ ... لحماك الإجلال والإعظام الإجلال والإعظام: هو التبجيل والتعظيم. يقول: لو منع سيداً من الموت مانعٌ، لكان إجلال الناس وإعظامهم إياك يمنعاك الموت، ولكان الموت يهابك ويخشاك. وعوار لوامعٌ دينها الح ... ل ولكن زيها الإحرام قوله عوار: أي سيوف مجردة من الأغماد. يقول: وحماه أيضاً السيوف العواري من أغمادها، التي تلمع وتبرق. ودينها الحل؛ لأنها لا تتحرج من الدماء. وزيها الإحرام: لأنها مجردة عن أغمادها، كالمحرم العاري عن ثيابه المتجرد منها. كتبت في صحائف المجد: بسمٌ ... ثم قيسٌ وبعد قيس السلام يجوز في قوله: بعد قيس الفتح على ترك الصرف، حملاً على القبيلة، ويجوز الجر بلا تنوين، فيكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقوله بسمٌ: أراد " بسم الله الرحمن الرحيم " فجعل الباء من نفس الكلمة ورفع، الرواية الصحيحة: كتبت أي السيوف العواري كتبت: " بسم الله الرحمن الرحيم " في صحائف المجد أي لما أرادت إثبات أسماء المجد كتبت بعده: قيسٌ. أي أن المجد لهم، ثم لما لم ير أحداً يستحق المجد، كتبت في آخر الصحيفة، ما يختم به الكلام: وهو السلام. أي أن المجد مقصور على قيس. ورفع بسم وقيس على سبيل الحكاية كقولك: قرأت الحمد لله، وكقول ذي الرمة: سمعت: الناس ينتجعون غيثاً وروى: كتبت: على ما لم يسم فاعله. فيكون بسم وقيس مرفوعين، ويكون نائب الفاعل محمولاً على أنه أراد الكلمة بقوله: بسم. إنما مرة بن عوف بن سعدٍ ... جمراتٌ لا تشتهيها النعام أراد بالجمرات جمرات العرب وهم: قيس وضب ونمير. وسميت جمرات؛ لقوتها وكثرة حروبها، فشبهها بالجمرة في الإحراق. يعني: أنهم جمرات في الحرب والغارة، وليسوا كالجمرة التي تشتهيها النعام، لأن النعامة تبتلع الجمرة فتسيغها. وقال ابن جنى: أراد أنهم جمرات النار؛ لشدتهم على أعدائهم، وإحراقهم إياهم، كالجمرات، وليسوا كالجمرات التي تأكلها النعام، بل هم أشد منها. ليلها صبحها من النار والإص ... باح ليلٌ من الدخان تمام تمام: صفة الليل، وهو أطول ليلة في السنة. والهاء في ليلها: القيس، أو لمرة بن عوف. يقول: ليلهم كالصباح من كثرة اشتعال النيران؛ ليهتدي بها إليهم الأضياف والضلال، أو لإحراقهم دور أعدائهم. وصباحهم كالليل المظلم؛ من كثرة الدخان، لإحراقهم بيوت أعدائهم. هممٌ بلغتكم رتباتٍ ... قصرت عن بلوغها الأوهام يقول: لهم همم قد بلغتهم منازل من المجد، بحيث تقصر الأوهام عن بلوغ تلك المنازل. ولا تبلغها أوهام الناس. ونفوسٌ إذا انبرت لقتالٍ ... نفدت قبل ينفد الإقدام

стр. 142

روى نفدت قبل ينفد: أي فنيت. وروى فقدت قبل ينفذ الإقدام. ونفوس: رفع عطفاً على هممٌ، وانبرت: أي اندفعت وعرضت. أما بالذال: فمعناه إذا انبرت نفوسهم للقتال سبقت إلى الأعداء قبل سبق إقدام أعدائهم، وبالدال: معناه أن نفوسهم إذا انبرت لقتال فنيت بالقتال قبل أن يفنى الإقدام: أي يقتلون في الحال، وليس لهم إحجام. وكفتك الصفائح الناس حتى ... قد كفتك الصفائح الأقلام يقول: استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس، ثم استغنيت بأقلامك عن سيوفك، بما حصل في قلوب الناس من هيبتك. وقلوبٌ موطناتٌ على الرو ... ع كأن اقتحامها استسلام الاقتحام: طرح النفس على الأمر من غير تأمل. يقول: لهم قلوب قد وطنوها على الحرب، فكأن اقتحامهم استسلام. أي أنهم يسلمون أنفسهم للموت. قائدو كل شطبةٍ وحصانٍ ... قد براها الإسراج والإلجام الشطبة: الفرس الطويلة، وهي الأنثى. والحصان: الفرس الكريم. الذكر فقط، وقد أفرد الضمير في قوله: قد براها وحقه أن يقول: براهما اكتفاء بأحد الوصفين. وتقديره: قائدو كل شطبة قد براها، وكل حصان قد براه. الإسراج والإلجام. يعني أن هذه الأفراس قد أنحفها الإسراج والإلجام. يتعثرن بالرءوس كما مر ... بتاآت نطقه التمتام يتعثرن: أي الخيل، وموضعه النصب على الحال. والتمتام: الذي يتردد لسانه في التاء والفأفاء: الذي يتردد لسانه في الفاء والألثغ: الذي يبدل الحروف، وهو الأرت أيضاً. والألكن: الذي يصب كلامه في قوالب الفارسية. وقبل التمتام: هو الذي يعجل في الكلام ولا يكاد يفهمك. يقول: إنهم يقطعون رءوس الأعداء في الحرب، فتعثر خيلهم بالرءوس كما يعثر لسان التمتام عند نطقه بالتاء. طال غشيانك الكرائه حتى ... قال فيك الذي أقول الحسام الغشيان: الملابسة. والكرائه: جمع كريهةٍ، وهي الحرب. يقول: طال ملازمتك الحروب وملابساتها، حتى أن السيف يقول مثل ما أقوله: أي لو كان له نطق لقال كذلك. وكفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام الإلهام: حصول العلم في القلب من غير استدلال. يقول: إن التجارب أغنتك عن الفكر، ثم استمررت على فعل الصواب، حتى أغناك الإلهام عن التجارب. فارسٌ يشتري برازك للفخ ... ر بقتل معتل معجل لا يلام أي من يبارزك، يختار القتل للفخر، فلا يلام عليه ولا يعزل؛ لما يحصل له من نشر الذكر. نائلٌ منك نظرةٌ ساقه الفق ... ر عليه لفقره إنعام يقول: من ساقه الفقر إليك حتى ينال منك نظرة واحدة، فإن لفقره إنعام عليه! لأنك تجبر فقره لامحالة؛ فيكون فقره سبباً إلى حسن حاله وانتظام أحواله. خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام يقول: إن الرءوس أفضل الأعضاء فينا؛ لما فيها من أنواع الحواس، غير أن الأقدام صارت أفضل منها؛ لقصدها إياك، وتقريب المسافة بيننا. قد لعمري أقصرت عنك وللوف ... د ازدحامٌ وللعطايا ازدحام خفت إن صرت ف يمينك أن تأ ... خذني في هباتك الأقوام روى: ولعمري. يقول: أمسكت عن قصدك، والوفود مزدحمة؛ لأني خفت أن تهبني لبعضهم في جملة هباتك التي تهبها. ومن الرشد لم أزرك على القر ... ب على البعد يعرف الإلمام تم الكلام عند قوله: على القرب. يقول: كان من الرشد ترك زيارتك على القرب؛ لأن الزيارة إذا كانت من بعدٍ كانت أوقع. وعن ابن جنى قال: سألت المتنبي عن هذا؟ فقال. كنت بالقرب من الممدوح فلم أزره، فلما بعدت عنه زرته. ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام الجهام: السحاب الذي أراق ماءه. يقول: إن تأخر عطاياك عني كان خيراً لي وأنفع؛ لأنه إذا تأخر كان أكثر، ولو كان سريعاً لكان قليلاً؛ لأن السحاب الجهام يكون أسرع سيراً، ومع ذلك لا خير فيه، وإنما يكون المطر فيما يتثاقل في السير. قل فكم من جواهر بنظام ... ودها أنها بفيك كلام الود والوداد: المحبة والإرادة. يقول: تكلم وأسمعنا حسن كلامك، فكم جواهر منظومة منيتها أن تكون في فمك كلاماً. هابك الليل والنهار، فلو تن ... هاهما لم تجز بك الأيام

стр. 143

يقول: إن الأيام والليالي تخافك وتطيعك، فلو نهيتها عن المرور عليك والاجتياز بك، لما اجتازت بك، أي لو أمرت الدهر أن يقف لوقف!! حسبك الله؛ ما تضل عن الح ... ق وما يهتدي إليك أثام الأثام: هو الإثم. وقد يكون بمعنى العقوبة. يقول: دعاء له. الله كافيك، فإنك لا تزول عن الحق، ولا يهتدي إليك الإثم. لم لا تحذر العواقب في غي ... ر الدنايا؟ أو ما عليك حرام! الدنايا: جمع دنية، وهي كل فعل مذموم. قوله: أو ما قيل: بمعنى الذي: يعني أنك لا تحذر عاقبة شيء إلا عاقبة الأفعال الدنية، وعاقبة الذي عليك حرام. فلم لا تحذر عواقب غير هذين من الجود والإقدام، كا تحذر عاقبة الدنية والحرام. وقيل: إن ما نفى ومعناه: ليس عليك شيء حرام في الدنيا ممنوع عنك، فإنك تقدر على كل شيء، إلا على الدنايا. كم حبيبٍ لا عذر للوم فيه ... لك فيه من التقى لوام يقول: كم حبيب لك، لو واصلته لما لامك أحد فيه، فلم يمنعك عن مواصلته إلا التقى. وقيل: معناه كم فعل محبوب، لو فعلته فلا سبيل للوم عليك فيه، لكونه مباحاً، غير أنك تجتنبه للتقى، فكأن لك من التقى لائم. رفعت قدرك النزاهة عنه ... وثنت قلبك المساعي الجسام يقول: رفعت النزاهة والعفة قدرك عن هذا الحبيب، وصرفت قلبك مساعيك العظام واشتغالك بها. إن بعضاً من القريض هذاءٌ ... ليس شيئاً، وبعضه أحكام روى هراء وهذاء. يقول: إن الشعر بعضه هذيان، وكلام لا معنى له، وبعضه حكمة وصواب. وهذا مأخوذ من قوله ﷺ : " إن من الشعر لحكما " أي يحكم على الإنسان، ويسمه سمة الخير والشر منه. منه ما يجلب البراعة، والفضل ... ومنه ما يجلب البرسام البراعة: الفصاحة. والبرسام: بالسريانية، ورم الصدر؛ لأن البر: الصدر، والسام: الورم. وهو داء يكثر فيه الهذيان. وهذا تأكيد للمعنى الذي ذكر في البيت الأول. أي بعض الشعر يكون من الفصاحة وبعضه من البرسام. فحمله على فرسٍ وسأله المقام عنده فقال يعتذر عن تعجله في الرحيل: لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍ ... فإنني لرحيلي غير مختار وربما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغى غير قالٍ خشية العار يقول: لا تنكرن رحيلي عنك، فإنني غير مختار لذلك، ومفارقتي إياك بمنزلة مفارقة الإنسان نفسه يوم الحرب؛ فإنه لا يكون مبغضاً لنفسه، وإنما يفعل ذلك لخوف العار، كذلك مفارقتي إياك، ليس لبغضي لك، وإنما هو بمعنىً آخر. وقد منيت بحسادٍ أحاربهم ... فاجعل نداك عليهم بعض أنصاري منيت: أي بليت. وقد روى ذلك، وروى: أحاربهم وأحاذرهم أيضاً. يقول: إني بليت بقوم حساد، أحاربهم وأنازعهم وأطلب قهرهم، فاجعل عطاءك بعض أنصاري عليهم. هذا عذر لمفارقته. وقيل: أراد أن لي حساد يحسدونني عليك، ويحاولون إفساد حالي عندك، فانصرني عليهم بجودك وإحسانك. ونظيره قوله: أزل حسد الحاد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حسدا وقال يصف سيره في البوادي وما لقي في أسفاره، ويذم الأعور بن كروس بعد أن رجع من جبل جرش: عذيري من عذاري من أمور ... سكن جوانحي بدل الخدور العذير: الذي يقبل العذر، وهو أيضاً كل ما يعذر الرجل على فعله، ومعناه: من يعذرني. والعذارى: جمع عذراء، وهي البكر من النساء وأراد هنا بالعذارى الأمور العظام وجعل الأمور أبكاراً، لأنها لم تهجم على أحد قبله، ولم يحدث في مستقبل الأيام مثلها، ولم يطلبها أحد لصعوبتها. ولما جعلها أبكاراً جعل جوانح صدره لها خدوراً. يقول: من يعذرني من أمور أبكارٍ هجمت علي وحلت قلبي بدل حلولها في الخدور، ولم تهجم على أحد قبلي؟! ومبتسمات هيجاوات عصر ... عن الأسياف ليس عن الثغور هيجاوات: جمع هيجاء، وهي الحرب. وأضاف مبتسمات إليها وهي إضافة الشيىء إلى نفسه. يقول: من عذيري من حروب تبتسم عن أسياف مجردة مصقوله لا كالنساء اللاتي يتبسمن عن الثغور. شبه صفاء السيوف بصفاء الثغور. ركبت مشمراً قدمي إليها ... وكل عذافر قلق الضفور

стр. 144

العذافر: الجمل الشديد. والضفور: جمع الضفر، وهو حزام الرحل. ونصب مشمرا على الحال من التآء من ركبت والهاء في إليها للأمور، والهيجاوات. وأراد بالقلق الضفور: أي أن الحزام كان قد قلق للجهد، وطول السير. وقيل: يقال للجمل الصعب إنه قلق الضفور. المعنى: طلبت هذه الصعبة الشديدة، مرة راجلاً، ومرة راكباً، لبعير قد جهده السفر حتى قلق ضفوره. أواناً في بيوت البدو رحلي ... وآونةً على قتد البعير آونة: جمع أوان. يقول: أكون مره في بيوت البدو، ورحلي محطوط هناك. وأزمنة على قتد البعير. وجعل سيره أكثر من استقراره. وقيل: معناه أن رحله يكون في بيوت البدو مرة أي يترك رحله فيها ويسير راجلاً، ومرة. يحمل على البعير. وهو مثل البيت الذي قبله وأراد بالرحل: آلة السفر. والقتد والقتب والقتب رويا. وهو خشب الرحل. أعرض للرماح الصم نحري ... وأنصب حر وجهي للهجير أعرض: أي ألقى الرماح بنحري. وحر كل شيء: خالصه. والهجير: الوقت الذي يشتد فيه الحر. معناه: أحارب مرة فألقى الرماح بنحري، ومرة أسير مقابلاً شدة الحر بوجهي وقت الهاجرة؛ رجاء أن أدرك معالي الأمور. وأول البيت من قول الآخر: تعرض للطعان إذا التقينا ... وجوهاً لا تعرض في السباب وأسرى في ظلام الليل وحدي ... كأني منه في قمرٍ منير الهاء في منه للظلام. وقيل: للوجه في قوله: حر وجهي. يقول: أنا أمضي في ظلمة الليل وحدي، لا أخاف أحداً فكأن سيري في ضوء القمر، وكأني من نور وجهي في ليلة قمراء. فقل في حاجةٍ لم أقض منها ... على تعبي بها شروى نقير روى تعبي وشغفي والشروى بمعنى: الشدائد التي قاسيتها لم أقض منها، حاجتي قدر نقير. وإذا كانت الحاجة في الشدة على ما وصفتها، فقل فيها ما شئت فإنك لا تبلغ وصف شدتها. ونفسٍ لا تجيب إلى خسيسٍ ... وعينٍ لا تدار على نظير وقل في نفسٍ لا تجيب إلى خسيس أي إذا دعيت إليه لم تجب، ولا تمدح من كان خسيساً. قوله: وعين لا تدار على نظير. أي إني وحيد في فضلي لا أرى في الناس مثلي! يعني: أن عيني لا ترى نظيراً لي وروى: لا تدور، ولا تدار جميعاً وكفٍّ لا تنازع من أتاني ... ينازعني سوى شرفي وخيري المنازعة: المجادلة. يقول: إني لا أنازع من ينازعني في شيء من خيري، إلا من أتى ينازعني شرفي وكرمي، فأنا أنازعه وقلة ناصرٍ؛ جوزيت عني ... بشرٍّ منك ياشر الدهور! أي وقل في قلة ناصر ما شئت أن تقول فيها، إذ ليس أحد ينصرني. ثم صرف الخطاب إلى الدهر. فقال: جزاك عني على فعلك بي يا دهر شرٌّ منك. ويعاملك مثل ما عملت معي، فإنك شر الدهور، وكل ما ألاقي منك. عدوي كل شيءٍ فيك حتى ... لحلت الأكم موغرة الصدور الأكمة: الجبل الصغير، والجمع: آكام وأكم، والموغرة: هي المحماة من الغيظ. يقول: إن كل شيء فيك يا دهر يعاديني!! حتى خيل لي أن الأرض تعاديني! وأن أكماتها تغلي صدورها بعداوتي! وإن كانت هي شخص بلا عقل. كما يقول الخائف: أخاف الجدار أن يذيع سري. وذكر ابن جنى فيه وجهين: أحدهما: أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها، فكأن ذلك لعداوةٍ بينهما. والثاني: أنه أراد بذلك شدة ما تقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها ويؤكد ذلك قوله أولاً: وأنصب حر وجهي للهجير. فلو أني حسدت على نفيسٍ ... لجدت به لذي الجد العثور روى: على نفيس وعلى خطير. ومعناه على شيء نفيس، وروى لذي الجد ولذا الجد، وعلى الجد وعلى الدهر. يقول: لو حسدوني على شيء نفيس ومال خطير، لوهبته لمن له جد. أي بخت. عثور: أي منحوس. غير أني حسدت على حياتي. ولكني حدست على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور؟ وما استفهام. يقول: ولكنهم حسدوني على حياتي وهي مشوبة بالحزن! وأي خير في حياة بلا سرور؟! فأنا لا أرضاها لنفسي، فكيف لغيري. وقيل: أراد أنهم يرومون قتلي. فهم يحسدوني على بقاء حياتي. فيابن كروسٍ يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير تعادينا لأنا غير لكنٍ ... وتبغضنا لأنا غير عور؟! الكروس في اللغة: الكبير الرأس.

стр. 145

يقول: إن هجيت كنت نصف أعمى، وإن مدحت كنت نصف بصير، فأنت ناقص في الحالين. وأنت تعاديني؛ لأني فصيح، ولست بألكن مثلك، وتبغضني؛ لأني بصير غير أعور. وروى وتمقتنا. فلو كنت امرءًا يهجى هجونا ... ولكن ضاق فترٌ عن مسير الهجاء لا مجال لك فيه، كما أن الإنسان لا يمكنه أن يسير في فتر من الأرض وقال يمدح أبا عبد الله محمد بن عبد الله الخصيبي، وهو حينئذٍ يتقلد القضاء بأنطاكية: أفاضل الناس أغراضٌ لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن أفاضل الناس: جمع أفضل. والأغراض: جمع الغرض، وهوا ما ينصب للرمي، كالهدف. والفطن: جمع فطنةٌ يقول: إن الفضلاء في هذا الزمان مقصودون بالشر والحوادث، كالأهداف، فمن هو أخلى من العقل والفطنة، فهو أخلاهم من الهم. ومثله لابن المعتز: وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍ ... شرٍّ على الحر من سقمٍ على بدن الجيل: الأمة من الناس. وسواسية: جمع سواء على غير قياس. ولا يستعمل إلا في الشر. يقول: نحن فيما بين أمة سواءٌ في الشر، ليس فيهم شريف ولا كريم، منهم أشرار، أضر على الحر من السقم على البدن. حولي بكل مكانٍ منهم خلقٌ ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن روى: خلقٌ، وهي جمع خلقة، وهي الصورة، وروى: حلقٌ: وهي جمع حلقةٌ من الناس، وروى حزق: وهي جمع حزقة، وهي الجماعة. يقول: حولي خلق منهم في صورة الناس، وهم من جهلهم أنعام، فمن استفهم عنهم بمن فقد أخطأ؛ لأنه للناس، وينبغي أن يقول ما لا أقتري بلداً إلا على غرر ... ولا أمر بخلق غير مضطغن اقتريت البلاد: إذا سريت فيها وتتبعتها بلداً بلداً. والغرر: الخطر، وهو ما لا يوثق منه بالسلامة. ومضطغن: أي ذو ضغينة. يقول: لا أمر على بلد إلا وأنا مخاطرٌ بنفسي، ولا أمر بأحد إلا وهو محتقد علي وكل أحد عدوي؛ لفضلي. ولا أعاشر من أملاكهم أحداً ... إلا أحق بضرب الرأس من وثن الوثن: الصنم، وهو ما عبد من الحجارة. وليس بمصور. ونصب أحق بدلاً من أحد. يقول: ما عاشرت ملكاً من ملوك الناس إلا وجدته لا خير عنده ولا شر، فكأنه وثن، بل هو أحق وأولى بضرب الرأس من الوثن. إني لأعذرهم مما أعنفهم ... حتى أعنف نفسي فيهم وأني العنف: أشد اللوم. وأني: أي أفتر. يقول: إني لا أزال ألومهم على ما فيهم من اللوم، فلما وجدتهم جهلة لا يفهمون قبلت عذرهم وصرت أعنف نفسي في لومهم. وأراد: الملوك الذين تقدم ذكرهم سابقاً. فقر الجهول بلا قلبٍ إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن يقول: إنهم جهال، مفتقرون إلى الأدب، وليس لهم عقول، فافتقارهم إلى الأدب بلا قلب وعقل، كافتقار الحمار من غير رأس إلى رسن يقاد به ومدقعين بسبروتٍ صحبتهم ... عارين من حللٍ كاسين من درن المدقع: الفقر اللاصق بالدقعاء، وهي التراب. والسبروت: الأرض التي لا نبات فيها. والدرن: الوسخ. يقول: رب قوم صعاليك من أهالي البادية مدقعين، بفلاة قد صحبتهم، فكانوا عارين من الثياب قد علاهم الوسخ. خراب باديةٍ غرثى بطونهم ... مكن الضباب لهم زادٌ بلا ثمن الخراب: جمع خارب، وهو سارق الإبل خاصة، ومكن الضباب، بيضها قال الشاعر: ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم وهذه صفات أهل البادية، وقوله: لهم زادٌ بلا ثمن إشارة إلى كونهم لصوصاً. وقيل إشارة إلى أنهم ليس لهم زاد إلا بيض الضب؛ لأنه لا يحتاج إلى ثمن. يستخبرون فلا أعطيهم خبري ... وما يطيش لهم سهمٌ من الظنن طاش السهم: إذا لم يصب الغرض. والظنن: جمع الظنة، وهي التهمة. يقول: كنت أستر عنهم أمري، وما كانوا يظنون بي، يطلعهم على حقيقة حالي كقول الآخر: وخبرا عن صاحبٍ لويت ... وقلت لا أدري وقد دريت وخلةٍ في جليسٍ أتقيه بها ... كيما يرى أننا مثلان في الوهن الخلة: الخصلة. والوهن: الضعف. أي ورب جليس أظهرت له مثل ما هو عليه من نفسي، لئلا يعلم هو من حالي، وليظن أني مثله في الضعف والجهل. ومثله لآخر: وأنزلني ذل النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله
следующие страницы →