← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يقول: إن صروف الدهر لا يمتنع أحد من ضيمه، والدهر قد صار من أساراه يصرفه كيف شاء، ويمنع ضرره عن الناس، ومن جملة حاسدي يديه: الغمام المضروب به المثل في السخاء، فيحسد يديه على جوده. يتداوى من كثرةٍ المال بالإق ... لال جوداً كأن مالاً سقام نصب جودا. لأنه مفعول له. وقيل: نصب على المصدر؛ لأن ما ظهر من الكلام يدل عليه: أي يجود جوداً. يقول: كأن الغنى عنده مرض يريد إزالته، فيتداوى منه بالإقلال والإنفاق، وكأن الإقلال عافية، فهو يريد بجوده إزالة السقم عنه وطلب العافية. حسنٌ في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام السوام: المال الراعي. وحسنٌ: خبر ابتداء محذوف. وتم الكلام عند قوله. حسن. يقول: إنه حسنٌ على الحقيقة، غير أنه عند أعدائه وفي عيونهم لعلمهم أنه يهلكهم ويقتلهم أقبح منظراً من ضيف في عيون سوائمه؛ لأنها إذا رأت الضيف علمت أنها منحورة مذبوحة، لما جرت به عادته بنحر الإبل للضيف. قال ابن جنى: على هذا استقر الكلام بيني وبين المتنبي. ومثله لبعض الأعراب: حبيبٌ إلى كلب الكريم مناخه ... بغيضٌ إلى الكوماء والكلب أبصر وقيل: معناه حسن في عيون أعدائه؛ من حيث أن حسنه قد بهر؛ فيستحسنه عدوه وصديقه، وهو مع ذلك أقبح في السوام من ضيفه، واستغنى بذكره في صدر البيت عن أعدائه في آخره، وإنما استعجبوا لهيبتهم منه وخوفهم من سطوته فيحذرون إيقاعه بهم، كما تخاف الماشية النحر عند رؤية الأضياف. لو حمى سيداً من الموت حامٍ ... لحماك الإجلال والإعظام الإجلال والإعظام: هو التبجيل والتعظيم. يقول: لو منع سيداً من الموت مانعٌ، لكان إجلال الناس وإعظامهم إياك يمنعاك الموت، ولكان الموت يهابك ويخشاك. وعوار لوامعٌ دينها الح ... ل ولكن زيها الإحرام قوله عوار: أي سيوف مجردة من الأغماد. يقول: وحماه أيضاً السيوف العواري من أغمادها، التي تلمع وتبرق. ودينها الحل؛ لأنها لا تتحرج من الدماء. وزيها الإحرام: لأنها مجردة عن أغمادها، كالمحرم العاري عن ثيابه المتجرد منها. كتبت في صحائف المجد: بسمٌ ... ثم قيسٌ وبعد قيس السلام يجوز في قوله: بعد قيس الفتح على ترك الصرف، حملاً على القبيلة، ويجوز الجر بلا تنوين، فيكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقوله بسمٌ: أراد " بسم الله الرحمن الرحيم " فجعل الباء من نفس الكلمة ورفع، الرواية الصحيحة: كتبت أي السيوف العواري كتبت: " بسم الله الرحمن الرحيم " في صحائف المجد أي لما أرادت إثبات أسماء المجد كتبت بعده: قيسٌ. أي أن المجد لهم، ثم لما لم ير أحداً يستحق المجد، كتبت في آخر الصحيفة، ما يختم به الكلام: وهو السلام. أي أن المجد مقصور على قيس. ورفع بسم وقيس على سبيل الحكاية كقولك: قرأت الحمد لله، وكقول ذي الرمة: سمعت: الناس ينتجعون غيثاً وروى: كتبت: على ما لم يسم فاعله. فيكون بسم وقيس مرفوعين، ويكون نائب الفاعل محمولاً على أنه أراد الكلمة بقوله: بسم. إنما مرة بن عوف بن سعدٍ ... جمراتٌ لا تشتهيها النعام أراد بالجمرات جمرات العرب وهم: قيس وضب ونمير. وسميت جمرات؛ لقوتها وكثرة حروبها، فشبهها بالجمرة في الإحراق. يعني: أنهم جمرات في الحرب والغارة، وليسوا كالجمرة التي تشتهيها النعام، لأن النعامة تبتلع الجمرة فتسيغها. وقال ابن جنى: أراد أنهم جمرات النار؛ لشدتهم على أعدائهم، وإحراقهم إياهم، كالجمرات، وليسوا كالجمرات التي تأكلها النعام، بل هم أشد منها. ليلها صبحها من النار والإص ... باح ليلٌ من الدخان تمام تمام: صفة الليل، وهو أطول ليلة في السنة. والهاء في ليلها: القيس، أو لمرة بن عوف. يقول: ليلهم كالصباح من كثرة اشتعال النيران؛ ليهتدي بها إليهم الأضياف والضلال، أو لإحراقهم دور أعدائهم. وصباحهم كالليل المظلم؛ من كثرة الدخان، لإحراقهم بيوت أعدائهم. هممٌ بلغتكم رتباتٍ ... قصرت عن بلوغها الأوهام يقول: لهم همم قد بلغتهم منازل من المجد، بحيث تقصر الأوهام عن بلوغ تلك المنازل. ولا تبلغها أوهام الناس. ونفوسٌ إذا انبرت لقتالٍ ... نفدت قبل ينفد الإقدام

стр. 142

روى نفدت قبل ينفد: أي فنيت. وروى فقدت قبل ينفذ الإقدام. ونفوس: رفع عطفاً على هممٌ، وانبرت: أي اندفعت وعرضت. أما بالذال: فمعناه إذا انبرت نفوسهم للقتال سبقت إلى الأعداء قبل سبق إقدام أعدائهم، وبالدال: معناه أن نفوسهم إذا انبرت لقتال فنيت بالقتال قبل أن يفنى الإقدام: أي يقتلون في الحال، وليس لهم إحجام. وكفتك الصفائح الناس حتى ... قد كفتك الصفائح الأقلام يقول: استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس، ثم استغنيت بأقلامك عن سيوفك، بما حصل في قلوب الناس من هيبتك. وقلوبٌ موطناتٌ على الرو ... ع كأن اقتحامها استسلام الاقتحام: طرح النفس على الأمر من غير تأمل. يقول: لهم قلوب قد وطنوها على الحرب، فكأن اقتحامهم استسلام. أي أنهم يسلمون أنفسهم للموت. قائدو كل شطبةٍ وحصانٍ ... قد براها الإسراج والإلجام الشطبة: الفرس الطويلة، وهي الأنثى. والحصان: الفرس الكريم. الذكر فقط، وقد أفرد الضمير في قوله: قد براها وحقه أن يقول: براهما اكتفاء بأحد الوصفين. وتقديره: قائدو كل شطبة قد براها، وكل حصان قد براه. الإسراج والإلجام. يعني أن هذه الأفراس قد أنحفها الإسراج والإلجام. يتعثرن بالرءوس كما مر ... بتاآت نطقه التمتام يتعثرن: أي الخيل، وموضعه النصب على الحال. والتمتام: الذي يتردد لسانه في التاء والفأفاء: الذي يتردد لسانه في الفاء والألثغ: الذي يبدل الحروف، وهو الأرت أيضاً. والألكن: الذي يصب كلامه في قوالب الفارسية. وقبل التمتام: هو الذي يعجل في الكلام ولا يكاد يفهمك. يقول: إنهم يقطعون رءوس الأعداء في الحرب، فتعثر خيلهم بالرءوس كما يعثر لسان التمتام عند نطقه بالتاء. طال غشيانك الكرائه حتى ... قال فيك الذي أقول الحسام الغشيان: الملابسة. والكرائه: جمع كريهةٍ، وهي الحرب. يقول: طال ملازمتك الحروب وملابساتها، حتى أن السيف يقول مثل ما أقوله: أي لو كان له نطق لقال كذلك. وكفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام الإلهام: حصول العلم في القلب من غير استدلال. يقول: إن التجارب أغنتك عن الفكر، ثم استمررت على فعل الصواب، حتى أغناك الإلهام عن التجارب. فارسٌ يشتري برازك للفخ ... ر بقتل معتل معجل لا يلام أي من يبارزك، يختار القتل للفخر، فلا يلام عليه ولا يعزل؛ لما يحصل له من نشر الذكر. نائلٌ منك نظرةٌ ساقه الفق ... ر عليه لفقره إنعام يقول: من ساقه الفقر إليك حتى ينال منك نظرة واحدة، فإن لفقره إنعام عليه! لأنك تجبر فقره لامحالة؛ فيكون فقره سبباً إلى حسن حاله وانتظام أحواله. خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام يقول: إن الرءوس أفضل الأعضاء فينا؛ لما فيها من أنواع الحواس، غير أن الأقدام صارت أفضل منها؛ لقصدها إياك، وتقريب المسافة بيننا. قد لعمري أقصرت عنك وللوف ... د ازدحامٌ وللعطايا ازدحام خفت إن صرت ف يمينك أن تأ ... خذني في هباتك الأقوام روى: ولعمري. يقول: أمسكت عن قصدك، والوفود مزدحمة؛ لأني خفت أن تهبني لبعضهم في جملة هباتك التي تهبها. ومن الرشد لم أزرك على القر ... ب على البعد يعرف الإلمام تم الكلام عند قوله: على القرب. يقول: كان من الرشد ترك زيارتك على القرب؛ لأن الزيارة إذا كانت من بعدٍ كانت أوقع. وعن ابن جنى قال: سألت المتنبي عن هذا؟ فقال. كنت بالقرب من الممدوح فلم أزره، فلما بعدت عنه زرته. ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام الجهام: السحاب الذي أراق ماءه. يقول: إن تأخر عطاياك عني كان خيراً لي وأنفع؛ لأنه إذا تأخر كان أكثر، ولو كان سريعاً لكان قليلاً؛ لأن السحاب الجهام يكون أسرع سيراً، ومع ذلك لا خير فيه، وإنما يكون المطر فيما يتثاقل في السير. قل فكم من جواهر بنظام ... ودها أنها بفيك كلام الود والوداد: المحبة والإرادة. يقول: تكلم وأسمعنا حسن كلامك، فكم جواهر منظومة منيتها أن تكون في فمك كلاماً. هابك الليل والنهار، فلو تن ... هاهما لم تجز بك الأيام

стр. 143

يقول: إن الأيام والليالي تخافك وتطيعك، فلو نهيتها عن المرور عليك والاجتياز بك، لما اجتازت بك، أي لو أمرت الدهر أن يقف لوقف!! حسبك الله؛ ما تضل عن الح ... ق وما يهتدي إليك أثام الأثام: هو الإثم. وقد يكون بمعنى العقوبة. يقول: دعاء له. الله كافيك، فإنك لا تزول عن الحق، ولا يهتدي إليك الإثم. لم لا تحذر العواقب في غي ... ر الدنايا؟ أو ما عليك حرام! الدنايا: جمع دنية، وهي كل فعل مذموم. قوله: أو ما قيل: بمعنى الذي: يعني أنك لا تحذر عاقبة شيء إلا عاقبة الأفعال الدنية، وعاقبة الذي عليك حرام. فلم لا تحذر عواقب غير هذين من الجود والإقدام، كا تحذر عاقبة الدنية والحرام. وقيل: إن ما نفى ومعناه: ليس عليك شيء حرام في الدنيا ممنوع عنك، فإنك تقدر على كل شيء، إلا على الدنايا. كم حبيبٍ لا عذر للوم فيه ... لك فيه من التقى لوام يقول: كم حبيب لك، لو واصلته لما لامك أحد فيه، فلم يمنعك عن مواصلته إلا التقى. وقيل: معناه كم فعل محبوب، لو فعلته فلا سبيل للوم عليك فيه، لكونه مباحاً، غير أنك تجتنبه للتقى، فكأن لك من التقى لائم. رفعت قدرك النزاهة عنه ... وثنت قلبك المساعي الجسام يقول: رفعت النزاهة والعفة قدرك عن هذا الحبيب، وصرفت قلبك مساعيك العظام واشتغالك بها. إن بعضاً من القريض هذاءٌ ... ليس شيئاً، وبعضه أحكام روى هراء وهذاء. يقول: إن الشعر بعضه هذيان، وكلام لا معنى له، وبعضه حكمة وصواب. وهذا مأخوذ من قوله ﷺ : " إن من الشعر لحكما " أي يحكم على الإنسان، ويسمه سمة الخير والشر منه. منه ما يجلب البراعة، والفضل ... ومنه ما يجلب البرسام البراعة: الفصاحة. والبرسام: بالسريانية، ورم الصدر؛ لأن البر: الصدر، والسام: الورم. وهو داء يكثر فيه الهذيان. وهذا تأكيد للمعنى الذي ذكر في البيت الأول. أي بعض الشعر يكون من الفصاحة وبعضه من البرسام. فحمله على فرسٍ وسأله المقام عنده فقال يعتذر عن تعجله في الرحيل: لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍ ... فإنني لرحيلي غير مختار وربما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغى غير قالٍ خشية العار يقول: لا تنكرن رحيلي عنك، فإنني غير مختار لذلك، ومفارقتي إياك بمنزلة مفارقة الإنسان نفسه يوم الحرب؛ فإنه لا يكون مبغضاً لنفسه، وإنما يفعل ذلك لخوف العار، كذلك مفارقتي إياك، ليس لبغضي لك، وإنما هو بمعنىً آخر. وقد منيت بحسادٍ أحاربهم ... فاجعل نداك عليهم بعض أنصاري منيت: أي بليت. وقد روى ذلك، وروى: أحاربهم وأحاذرهم أيضاً. يقول: إني بليت بقوم حساد، أحاربهم وأنازعهم وأطلب قهرهم، فاجعل عطاءك بعض أنصاري عليهم. هذا عذر لمفارقته. وقيل: أراد أن لي حساد يحسدونني عليك، ويحاولون إفساد حالي عندك، فانصرني عليهم بجودك وإحسانك. ونظيره قوله: أزل حسد الحاد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حسدا وقال يصف سيره في البوادي وما لقي في أسفاره، ويذم الأعور بن كروس بعد أن رجع من جبل جرش: عذيري من عذاري من أمور ... سكن جوانحي بدل الخدور العذير: الذي يقبل العذر، وهو أيضاً كل ما يعذر الرجل على فعله، ومعناه: من يعذرني. والعذارى: جمع عذراء، وهي البكر من النساء وأراد هنا بالعذارى الأمور العظام وجعل الأمور أبكاراً، لأنها لم تهجم على أحد قبله، ولم يحدث في مستقبل الأيام مثلها، ولم يطلبها أحد لصعوبتها. ولما جعلها أبكاراً جعل جوانح صدره لها خدوراً. يقول: من يعذرني من أمور أبكارٍ هجمت علي وحلت قلبي بدل حلولها في الخدور، ولم تهجم على أحد قبلي؟! ومبتسمات هيجاوات عصر ... عن الأسياف ليس عن الثغور هيجاوات: جمع هيجاء، وهي الحرب. وأضاف مبتسمات إليها وهي إضافة الشيىء إلى نفسه. يقول: من عذيري من حروب تبتسم عن أسياف مجردة مصقوله لا كالنساء اللاتي يتبسمن عن الثغور. شبه صفاء السيوف بصفاء الثغور. ركبت مشمراً قدمي إليها ... وكل عذافر قلق الضفور

стр. 144

العذافر: الجمل الشديد. والضفور: جمع الضفر، وهو حزام الرحل. ونصب مشمرا على الحال من التآء من ركبت والهاء في إليها للأمور، والهيجاوات. وأراد بالقلق الضفور: أي أن الحزام كان قد قلق للجهد، وطول السير. وقيل: يقال للجمل الصعب إنه قلق الضفور. المعنى: طلبت هذه الصعبة الشديدة، مرة راجلاً، ومرة راكباً، لبعير قد جهده السفر حتى قلق ضفوره. أواناً في بيوت البدو رحلي ... وآونةً على قتد البعير آونة: جمع أوان. يقول: أكون مره في بيوت البدو، ورحلي محطوط هناك. وأزمنة على قتد البعير. وجعل سيره أكثر من استقراره. وقيل: معناه أن رحله يكون في بيوت البدو مرة أي يترك رحله فيها ويسير راجلاً، ومرة. يحمل على البعير. وهو مثل البيت الذي قبله وأراد بالرحل: آلة السفر. والقتد والقتب والقتب رويا. وهو خشب الرحل. أعرض للرماح الصم نحري ... وأنصب حر وجهي للهجير أعرض: أي ألقى الرماح بنحري. وحر كل شيء: خالصه. والهجير: الوقت الذي يشتد فيه الحر. معناه: أحارب مرة فألقى الرماح بنحري، ومرة أسير مقابلاً شدة الحر بوجهي وقت الهاجرة؛ رجاء أن أدرك معالي الأمور. وأول البيت من قول الآخر: تعرض للطعان إذا التقينا ... وجوهاً لا تعرض في السباب وأسرى في ظلام الليل وحدي ... كأني منه في قمرٍ منير الهاء في منه للظلام. وقيل: للوجه في قوله: حر وجهي. يقول: أنا أمضي في ظلمة الليل وحدي، لا أخاف أحداً فكأن سيري في ضوء القمر، وكأني من نور وجهي في ليلة قمراء. فقل في حاجةٍ لم أقض منها ... على تعبي بها شروى نقير روى تعبي وشغفي والشروى بمعنى: الشدائد التي قاسيتها لم أقض منها، حاجتي قدر نقير. وإذا كانت الحاجة في الشدة على ما وصفتها، فقل فيها ما شئت فإنك لا تبلغ وصف شدتها. ونفسٍ لا تجيب إلى خسيسٍ ... وعينٍ لا تدار على نظير وقل في نفسٍ لا تجيب إلى خسيس أي إذا دعيت إليه لم تجب، ولا تمدح من كان خسيساً. قوله: وعين لا تدار على نظير. أي إني وحيد في فضلي لا أرى في الناس مثلي! يعني: أن عيني لا ترى نظيراً لي وروى: لا تدور، ولا تدار جميعاً وكفٍّ لا تنازع من أتاني ... ينازعني سوى شرفي وخيري المنازعة: المجادلة. يقول: إني لا أنازع من ينازعني في شيء من خيري، إلا من أتى ينازعني شرفي وكرمي، فأنا أنازعه وقلة ناصرٍ؛ جوزيت عني ... بشرٍّ منك ياشر الدهور! أي وقل في قلة ناصر ما شئت أن تقول فيها، إذ ليس أحد ينصرني. ثم صرف الخطاب إلى الدهر. فقال: جزاك عني على فعلك بي يا دهر شرٌّ منك. ويعاملك مثل ما عملت معي، فإنك شر الدهور، وكل ما ألاقي منك. عدوي كل شيءٍ فيك حتى ... لحلت الأكم موغرة الصدور الأكمة: الجبل الصغير، والجمع: آكام وأكم، والموغرة: هي المحماة من الغيظ. يقول: إن كل شيء فيك يا دهر يعاديني!! حتى خيل لي أن الأرض تعاديني! وأن أكماتها تغلي صدورها بعداوتي! وإن كانت هي شخص بلا عقل. كما يقول الخائف: أخاف الجدار أن يذيع سري. وذكر ابن جنى فيه وجهين: أحدهما: أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها، فكأن ذلك لعداوةٍ بينهما. والثاني: أنه أراد بذلك شدة ما تقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها ويؤكد ذلك قوله أولاً: وأنصب حر وجهي للهجير. فلو أني حسدت على نفيسٍ ... لجدت به لذي الجد العثور روى: على نفيس وعلى خطير. ومعناه على شيء نفيس، وروى لذي الجد ولذا الجد، وعلى الجد وعلى الدهر. يقول: لو حسدوني على شيء نفيس ومال خطير، لوهبته لمن له جد. أي بخت. عثور: أي منحوس. غير أني حسدت على حياتي. ولكني حدست على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور؟ وما استفهام. يقول: ولكنهم حسدوني على حياتي وهي مشوبة بالحزن! وأي خير في حياة بلا سرور؟! فأنا لا أرضاها لنفسي، فكيف لغيري. وقيل: أراد أنهم يرومون قتلي. فهم يحسدوني على بقاء حياتي. فيابن كروسٍ يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير تعادينا لأنا غير لكنٍ ... وتبغضنا لأنا غير عور؟! الكروس في اللغة: الكبير الرأس.

стр. 145

يقول: إن هجيت كنت نصف أعمى، وإن مدحت كنت نصف بصير، فأنت ناقص في الحالين. وأنت تعاديني؛ لأني فصيح، ولست بألكن مثلك، وتبغضني؛ لأني بصير غير أعور. وروى وتمقتنا. فلو كنت امرءًا يهجى هجونا ... ولكن ضاق فترٌ عن مسير الهجاء لا مجال لك فيه، كما أن الإنسان لا يمكنه أن يسير في فتر من الأرض وقال يمدح أبا عبد الله محمد بن عبد الله الخصيبي، وهو حينئذٍ يتقلد القضاء بأنطاكية: أفاضل الناس أغراضٌ لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن أفاضل الناس: جمع أفضل. والأغراض: جمع الغرض، وهوا ما ينصب للرمي، كالهدف. والفطن: جمع فطنةٌ يقول: إن الفضلاء في هذا الزمان مقصودون بالشر والحوادث، كالأهداف، فمن هو أخلى من العقل والفطنة، فهو أخلاهم من الهم. ومثله لابن المعتز: وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍ ... شرٍّ على الحر من سقمٍ على بدن الجيل: الأمة من الناس. وسواسية: جمع سواء على غير قياس. ولا يستعمل إلا في الشر. يقول: نحن فيما بين أمة سواءٌ في الشر، ليس فيهم شريف ولا كريم، منهم أشرار، أضر على الحر من السقم على البدن. حولي بكل مكانٍ منهم خلقٌ ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن روى: خلقٌ، وهي جمع خلقة، وهي الصورة، وروى: حلقٌ: وهي جمع حلقةٌ من الناس، وروى حزق: وهي جمع حزقة، وهي الجماعة. يقول: حولي خلق منهم في صورة الناس، وهم من جهلهم أنعام، فمن استفهم عنهم بمن فقد أخطأ؛ لأنه للناس، وينبغي أن يقول ما لا أقتري بلداً إلا على غرر ... ولا أمر بخلق غير مضطغن اقتريت البلاد: إذا سريت فيها وتتبعتها بلداً بلداً. والغرر: الخطر، وهو ما لا يوثق منه بالسلامة. ومضطغن: أي ذو ضغينة. يقول: لا أمر على بلد إلا وأنا مخاطرٌ بنفسي، ولا أمر بأحد إلا وهو محتقد علي وكل أحد عدوي؛ لفضلي. ولا أعاشر من أملاكهم أحداً ... إلا أحق بضرب الرأس من وثن الوثن: الصنم، وهو ما عبد من الحجارة. وليس بمصور. ونصب أحق بدلاً من أحد. يقول: ما عاشرت ملكاً من ملوك الناس إلا وجدته لا خير عنده ولا شر، فكأنه وثن، بل هو أحق وأولى بضرب الرأس من الوثن. إني لأعذرهم مما أعنفهم ... حتى أعنف نفسي فيهم وأني العنف: أشد اللوم. وأني: أي أفتر. يقول: إني لا أزال ألومهم على ما فيهم من اللوم، فلما وجدتهم جهلة لا يفهمون قبلت عذرهم وصرت أعنف نفسي في لومهم. وأراد: الملوك الذين تقدم ذكرهم سابقاً. فقر الجهول بلا قلبٍ إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن يقول: إنهم جهال، مفتقرون إلى الأدب، وليس لهم عقول، فافتقارهم إلى الأدب بلا قلب وعقل، كافتقار الحمار من غير رأس إلى رسن يقاد به ومدقعين بسبروتٍ صحبتهم ... عارين من حللٍ كاسين من درن المدقع: الفقر اللاصق بالدقعاء، وهي التراب. والسبروت: الأرض التي لا نبات فيها. والدرن: الوسخ. يقول: رب قوم صعاليك من أهالي البادية مدقعين، بفلاة قد صحبتهم، فكانوا عارين من الثياب قد علاهم الوسخ. خراب باديةٍ غرثى بطونهم ... مكن الضباب لهم زادٌ بلا ثمن الخراب: جمع خارب، وهو سارق الإبل خاصة، ومكن الضباب، بيضها قال الشاعر: ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم وهذه صفات أهل البادية، وقوله: لهم زادٌ بلا ثمن إشارة إلى كونهم لصوصاً. وقيل إشارة إلى أنهم ليس لهم زاد إلا بيض الضب؛ لأنه لا يحتاج إلى ثمن. يستخبرون فلا أعطيهم خبري ... وما يطيش لهم سهمٌ من الظنن طاش السهم: إذا لم يصب الغرض. والظنن: جمع الظنة، وهي التهمة. يقول: كنت أستر عنهم أمري، وما كانوا يظنون بي، يطلعهم على حقيقة حالي كقول الآخر: وخبرا عن صاحبٍ لويت ... وقلت لا أدري وقد دريت وخلةٍ في جليسٍ أتقيه بها ... كيما يرى أننا مثلان في الوهن الخلة: الخصلة. والوهن: الضعف. أي ورب جليس أظهرت له مثل ما هو عليه من نفسي، لئلا يعلم هو من حالي، وليظن أني مثله في الضعف والجهل. ومثله لآخر: وأنزلني ذل النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله

стр. 146

أحامقه حتى يقال سجيةٌ ... ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله وكلمةٍ في طريقٍ خفت أعربها ... فيهتدي لي فلم أقدر على اللحن اللحن بالسكون: العدول بالكلام عن ظاهره. كقوله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " أي بتعريضهم في القول. واللحن بالتحريك: الخطأ في الإعراب. يقول: رب كلمة خفت في إظهارها، فلم أقدر على أن ألحن فيها؛ لأني مطبوع على الصواب في الإعراب. قد هون الصبر عندي كل نازلةٍ ... ولين العزم حد المركب الخشن يقول: قد جعل الصبر كل بلية تنزل بي خفيفة هنية، وأمضيت عزمي فيما أردت، فلين لي كل صعب خشن. كم مخلص وعلاً في خوض مهلكةٍ ... وقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن القتلة بالفتح: المرة الواحدة. وبالكسر: اسم للحالة. والفتح الوجه الوجيه ها هنا. يقول: كم شجاع خاض الهلاك فتخلص منه، واكتسب علاً وذكراً حسناً، وكم جبان في الحرب لم ينفعه حذره، فقتل واكتسب به مع قتله ذماً. لا يعجبن مضيماً حسن بزته ... فهل يروق دفيناً جودة الكفن المضيم: الذي أصابه الضيم. والبزة: اللباس. يقول: إن الذليل لا يعجبه حسن لباسه، مع كونه ذليلاً، فإنه بمنزلة الميت المكفن في ثياب جيدة، كما أنه لا ينفع الميت جودة الكفن وحسنه، فكذلك لا ينفعه حسن بزته. لله! حالٌ أرجيها وتخلفني ... وأقتضي كونها دهري ويمطلني رجوت الأمر ورجيته بمعنىً. ولله!: تعجب. ودهري: مفعول أقتضى. يقول: ما أعجب حالاً لا أزال أرجوها، فلا أصل إليها، وهي تخلفني وأنا أقتضي أبداً بكونها، وأطالب بحصولها، والدهر يدافعني بها ويمنعني عنها. مدحت قوماً وإن عشنا نظمت لهم ... قصائداً من إناث الخيل والحصن الحصن: جمع حصان، وهو الكريم من الفرس الذكر. وروى: من حجور الخيل: وهي الفرس الأنثى الكريمة. يقول: مدحت قوماً رجاءً في العطاء، فلو عشت نظمت لهم قصائد من الخيل. وأراد به جمع الجيوش، ولما جعلها قصائد قال: نظمت. تحت العجاج قوافيها مضمرةٌ ... إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن المضمرة: الخيل الخفيفة اللحم. وأراد بالقوافي: الخيل؛ فلذلك قال: مضمرة وبين أنها تخالف سائر القوافي، لأنها لا تدخل في الأذن. فلا أحارب مدفوعاً إلى جدر ... ولا أصالح مغروراً على دخن الدخن: الدخان، وأراد به الغش. ومدفوعاً ومغروراً: نصب على الحال من أحارب، وأصالح. يقول: لا أحارب منهم، وأنا مدفوع إلى حصن، وملتجىء بدار، بل أحاربه في الفضاء، وإن صالحت أحداً منهم لا أصالحه إلا بعد الثقة، فلا أصالحه وأنا مغرور بظاهره حتى أعلم حقيقة أمره، وأن باطنه كظاهره. والأصل فيه قول النبي ﷺ " هدنةٌ على دخن " وقيل: أراد لا أترك شيئاً في صدري ولا أقعد عن ثأري، ولا أبقى غاية من التشفي إلا بلغتها. مخيم الجمع بالبيداء يصهره ... حر الهواجر في صمٍّ من الفتن خيم بالمكان: إذا ضرب خيامه فيه. وصهرته الشمس وصهدته وصفرته: إذا أذابت دماغه. وقيل: إذا أحرقته. والهاجرة: عند انتصاف النهار في الصيف ومخيم: نصب على الحال. أي أفعل ذلك في هذه الحالة. والصم: جمع أصم، وهو الصلب، وأراد بالفتن: الحروب. يقول: إني أحارب من أحارب في فضاء، وأضرب خيمي بها، وأقاسي حر الشمس، وأثير الفتن الشدائد. والضمير في يصهره: للجمع. ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسنن الأولى: بمعنى الذين. يقول: إن الكرام الذين ماتوا تركوا مكارمهم على الممدوح، فمكارمهم موجودة فيه وهو يتصرف فيها كما يشاء. فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامى بدا بالمجد والمنن يقول: إن المكارم صارت في حجره، لما مات عنها الكرام فتكفل هو بحفظها، فكلما عرضت له اليتامى، وهي التي في حجره لينظر فيها، بدأ بالمجد: وهو الكرم والمنن، فقدم النظر في مصالح اليتامى التي مات عنها الكرام، وألقوها عليه. قاضٍ إذا التبس الأمران عن له ... رأيٌ يخلص بين الماء واللبن قاضٍ: في موضع رفع، أي هو قاض. وعن: أي ظهر. يقول: إذا التبس الأمر واختلط، ظهر له رأي نافذ، بحيث يمكن أن يفصل بين الماء واللبن. غض الشباب بعيدٌ فجر ليلته ... مجانب العين للفحشاء والوسن

стр. 147

يقول: هو شاب. وقوله: بعيدٌ فجر ليلته. قيل: إنه يسهر في ليله للصلاة والتفكر فيها؛ ليكسب الفخر والشرف، فيطول عليه ليله لذلك. وقيل: معناه أن الشيب بعيد عنه، فضرب الفجر: مثلاً للشيب، والليل: مثلاً للشباب. وأنه لا ينظر إلى فاحشة، ولا ينام الليل. شرابه النشح لا للري يطلبه ... وطعمه لقوام الجسم لا السمن النشح بالحاء والجيم: القليل من الشراب دون الري. يعني أنه لا ينال من دنياه إلا كدر نفسه. القائل الصدق فيه ما يضر به ... والواحد الحالتين: السر والعلن نصب الصدق بالقائل وما رفع بالابتداء وفيه خبره. يقول: إنه يقول الحق وإن كان عليه، وسره مثل علانيته ولا يضمر رياءً ولا خيانة أبداً. الفاصل الحكم عي الأولون به ... ومظهر الحق للساهي على الذهن الذهن: الذكي الفطن. والذهن والذهن: الفهم يقول: إنه يفصل الأحكام التي عي بها المتقدمون من الحكام ويظهر الحق للأبله الغافل، على المخاصم الجيد الذهن، الكثير الفطنة. وعلى الثاني: يظهر الحق الذي ذهب عن أذهان الناس وخفي عنهم. أفعاله نسبٌ لو لم يقل معها ... جدي الخصيب، عرفنا العرق بالغصن يقول: إن أفعاله تشبه أفعال جده، فلو لم ينتسب لعرفنا أنه من ولده، كما تعرف عرق الشجرة بغصنها، ويستدل به عليها. العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن العارض: السحاب. والهتن: الغزير الكثير الصب، وهو وصف للسحاب. يقول: إن الممدوح وأجداده أسخياء كالعارض الهتن. قد صيرت أول الدنيا أواخرها ... آباؤه من مغار العلم في قرن يقال: حبل مغار: أي جيد الفتل، واستعاره ها هنا في إحكام العلم. يقول: إن آباءه عالمون بالسير والأخبار وضابطون للأيام، فقد جمعوا بين ما مضى من أحوال الدنيا، وما يأتي من بعد في علمهم، كما يجمع البعران في مغار واحد: وهو الحبل الذي يشد به البعير إلى الآخر. كأنهم ولدوا من قبل أن ولدوا ... أو كان فهمهم أيام لم يكن روى: لم يكن بالياء رداً إلى الفهم، وبالتاء رداً إلى الدنيا. يقول: كأنهم ولدوا في الزمن الأول وشاهدوا أحواله وأحوال أهله. الخاطرين على أعدائهم أبداً ... من المحامد في أوقى من الجنن الجنة ما يتقى به كالترس ونحوه. يقول: إن محامدهم تقي أعراضهم فإذا خطروا على أعدائهم لم يقدروا على ذمهم، لكثرة من يمدحهم. وقيل: إنه يصف شجاعتهم فيقول: إنهم إذا خطروا برماحهم على أعدائهم لا يظفرون بهم لقصورهم عنهم، وإن محامدهم وهي الخصال التي فيهم من الشجاعة وغيرها تقي أعراضهم، فكأنهم منها في سلاح أوقى من سائر الأسلحة. للناظرين إلى إقباله فرحٌ ... يزيل ما بجباه القوم من غضن الغضن: تكسر الجلد وتثنيه. القوم: الناظرين. يقول: من نظر إليه فرح بلقائه. وبإقباله إليهم تنبسط وجوههم ويزول التكسر عن جباههم كأن مال ابن عبد الله مغترفٌ ... من راحتيه بأرض الروم واليمن يقول: إن معروفه يسافر فيصل إلى من نأى عنه، فكأنه يوصله إليهم من راحتيه. وإنما خص أرض الروم واليمن لأنها معروفة بسعة المال، فيشير إلى نهاية الجود، لأن أمواله إذا كانت مغترفةً إليها، دل على كثرة عطائه. لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريح والسفن اللثق: الندى، والوحل. يقول: أنت كالسحاب المغيث، إلا أن الوحل غير موجود فيك، لأنه أذى. وكذلك أنت البحر في السخاء: فلا يفقد فيك من البحر إلا ريحه وسفنه، التي لا تعلق لها بالجود، فأنت أفضل منهما بكثير. ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسن يقول: أنت أسد، لا يفقد فيك إلا قبح منظره، ولا يفقد فيك من سوى الأسد إلا ما هو قبيح غير مستحسن، فهو غير موجود فيك. منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلت ... حتى كأن ذوي الأوتار في هدن الاحتباء: جلسة مخصوصة ويكنى بها عن السيادة. يعني: منذ وليت وسدت بأنطاكية سكن أهلها وزالت أحقادهم فكأنهم مصالحون. ومذ مررت على أطوادها قرعت ... من السجود فلا نبتٌ على القنن الطود: الجبل. والقرع: ذهاب الشعر عن الرأس. والقنن: جمع قنة وهي أعلى الجبل.

стр. 148

يقول: لما مررت على جبال أنطاكية سجدت لك، وأطالت السجود تعظيماً لك، فانحسر النبات عن رأسها، فصارت قرع. وقيل: إنه من قولهم قرع الإناء عما كان فيه: أي خلا عنه. يعني: أنك لما مررت عليها وجاوزتها ولم تقم بها، خلت عن السجود بعد ما لم تكن خالية منه، لأنك وأصحابك شغلتها بالسجود حين نزلت فيها. وروى: قرعت: أي قرعت إلى السجود. إعظاماً لك، فانحسر عنها النبات. أخلت مواهبك الأسواق من صنع ... أغنى نداك عن الأعمال والمهن الصنع: الحاذق بالصناعة. والمهن: جمع المهنة، وهي الخدمة والتبذل. يقول: إنك أغنيت جميع الناس حتى خلت الأسواق من الصناع، وأغنيت الناس عن الصنائع والخدمة، لأن إحسانك قد كفل حاجاتهم وسد خلاتهم. ذا جود من ليس من دهرٍ على ثقةٍ ... وزهد من ليس من دنياه في وطن يقول: جودك بالأموال، جود من يعلم أنها زائلة عنه، وزهدك في الدنيا. زهد من يعلم أنه راحل عنها، فليس يرى دنياه من جملة وطنه، فلا يغتر بها ولا يثق بكونه فيها! وهذه هيبةٌ لم يؤتها بشرٌ ... وذا اقتدار لسانٍ ليس في المنن يقول: لم يؤت أحدٌ من البشر مثل هيبتك، وقدرة اللسان التي لك ليست في قوة أحد، والمنة: القوة. وقيل: أراد بالثاني نفسه. يعني: أن مدحي إياك وإنشادك القصيدة، ليس في مقدور أحد مثل ذلك، ولا لأحد من القوة مثل قوتي في المدح. فمر وأوم تطع قدست من جبلٍ ... تبارك الله مجري الروح في حضن حضن: اسم جبل بنجد. وفي الأمثال: أنجد من رأى حضناً. يقول: مر الناس إن شئت، وأوم: أي أشر من الإشارة إن شئت، فإنهم يطيعونك. قدست: أي طهرت من جبل. شبهة بالجبل لعظم هيبته وهمته وثبات عزه فتبارك الله الذي أجرى الروح في جبل. وورد على أبي الطيب كتابٌ من جدته لأمه من الكوفة تستجفيه فيه! وتشكو شوقها إليه، وطول غيبته عنها، فتوجه نحو العراق ولم يمكنه دخول الكوفة على حاله تلك، فانحدر إلى بغدد، وقد كانت جدته يئست منه، فكتب إليها كتاباً يسألها المسير إليه، فقبلت كتابه وحمت لوقتها سروراً به! وغلب الفرح على قلبها فقتلها! فقال يرثيها ويتحسر على وفاتها في غيبته ويفتخر بنفسه: ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذماً ... فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما يقول: إني لا أظهر للحوادث ولا أريها حمداً ولا ذماً، لأنها لا تستحق ذلك، لأنها تأتي من غير قصد، وذلك فعل الله تعالى، فلا أحمدها إذا أمسكت ولا أذمها إذا أصابتني؛ لأن بطشها ليس بفعل منها فأعده جهلاً منها، ولا كفها حلماً، فلا معنى للمدح ولا للذم لها. إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكرى كما أرمى أبدى: أصله بدأ. ويكرى: ينقص. وأرمى: زاد. يقول: إن الإنسان إذا بلغ الغاية من عمره، أخذ في النقصان إلى أن يعود إلى ما كان عليه، ابتداء من العدم وإلى في قوله: إلى مثل متعلق بقوله: مرجع الفتى. لك الله من مفجوعة بحبيبها ... قتيلة شوقٍ غير ملحقها وصما المفجوعة: المتألمة للمصيبة. وقوله: لك الله دعاء لها. أي كان الله لك حافظاً. وقيل: إنه تعظيم لحالها في شدة فجيعتها، والوصم: العيب، أي أنها ماتت شوقاً إليه!! وهذا الشوق الذي قتلها لا يلحق بها عاراً؛ لأنه شوق لولدها. أحن إلى الكأس التي شربت بها ... وأهوي لمثواها التراب وما ضما الكأس: هو الموت. ومثواها: إقامتها. يقول: أشتاق إلى الموت بعدها؛ لألحق بها، وأحب التراب، وما ضمها من القبر لأجل إقامتها فيه. بكيت عليها خيفةً في حياتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما الثكل: موت الولد الحميم. وقدما: نصب على الظرف. أي في زمان وروى: خيفة وحقبة أي مدة من الدهر. يقول: بكيت عليها قبل موتها خوفاً من ألا ألقاها، وذاق كل واحد منا ثكل صاحبه قديماً؛ بما كان بيننا من طول الفرقة وبعد المشقة. ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلدٌ باق أجدت له صرما أجدت: أي جددت. وفاعله: المرثية. يقول: إن أهل بلدها كانوا يحبونها؛ لسترها ودينها، فلو كان الهجر يقتل جميع المحبين لما كان أهل بلدها والذين يحبونها باقين بعدها، بل كانوا يمضون بمضيها ولا يبقوا بعدها. وقد جددت هذه المرأة لهم قطيعة.

стр. 149

منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروي أن تجوع وأن تظما تقدير البيت: منافعها ما ضرها في نفعها، غير محذوف العائد إلى ما وأضاف المصدر إلى المفعول. وحذف الفاعل كقوله تعالى: " لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ". أي من دعائه الخير، وقوله: " بسؤال نعجتك ". أي سؤاله نعجتك. يقول: إن منافع هذه المرأة فيما يضرها عند نفع غيرها. يعني: أنها كانت تضر بنفسها لتنفع غيرها، وإن ذكل كان نفعاً لها، لأنها كانت تؤثر غيرها على نفسها فتجوع وتظمأ، فكأن جوعها إذا أشبعت غيرها يقوم لها مقام غذائها، وكذلك عطشها إذا أروت غيرها يقوم مقام ارتوائها. والمصراع الثاني تفسير الأول. وقال ابن جنى: إن الهاء في منافعها للأحداث أي منافع الأحداث فيما يضر غيرها وبأن تجوع وتظمأ، وهذا ضارٌّ لغيرها. يعني: أنها تريد أن تهلك الناس فتخلوا منهم الدنيا. كما قال: كالموت ليس له ريٌّ ولا شبع وقيل: إن في بمعنى اللام، أو بمعنى مع. عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما ما بمعنى المصدر: أي قبل صنعها بنا. وقيل: بمعنى الذي. يقول: كنت عرفت الليالي وسوء صنيعها قبل وقوع ما أوقعت، فلما أوقعت ما أوقعت، وابتلتنا بموت الجدة، لم تصبني الليالي بشيء لم أعرفه من أحوالها، ولم تزدنا علماً بسوء تصرفها. أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍ ... فماتت سروراً بي، فمت بها غما نصب سروراً وغماً على المفعول له. يقول: إن كتابي أتاها بعد ما يئست مني، وحزنت على فراقي، فماتت سروراً بي ومت من الغم الذي حصل لي بموتها. حرامٌ على قلبي السرور فإنني ... أعد الذي ماتت به بعدها سما يقول: إن السرور حرام على قلبي؛ لأن موتها كان بالسرور! وذلك عندي كالسم. لما كان سبب موتها هو السرور، ولا ينبغي لأحد أن يقرب السم من قلبه. تعجب من خطي ولفظي كأنها ... ترى بحروف السطر أغربةً عصما العصم: جمع أعصم، وهو الذي في أحد جناحيه ريشة بيضاء. وقيل: هو الذي إحدى رجليه بيضاء، وذلك لا يكاد يوجد. يقول: إنها تعجبت من كتابي! وكانت تنظر إليه وتكرر النظر اشتياقاً إلي واستعجاباً؛ لأن عندها أني قد مت، فكأنها ترى غراباً أعصم؛ لفرط التعجب. وتلثمه حتى أصار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما السحم: السود. والمحاجر: ما حول العينين. يعني: أنها لم تزل تقبله وتمسح به على وجهها وعينيها وهي تبكي، حتى اسودت أنيابها ومحاجرها. رقا دمعها الجاري وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعد ما أدمى رقا: أي انقطع. يعني: أنها كانت تبكي علي وتحزن بسببي، فأراحها الموت من البكاء علي والوجد بي، فجفت دموعها وفارق حبي قلبها بموتها بعد ما كان جرحه وأسال دمه. ولم يسلها إلا المنايا، وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما يقول: لم يصبرها عني إلا الموت، الذي هو أشد من السقم الذي كان بها؛ لأن السقم يزيل الصحة، والموت يزيل الحياة ويبطلها. طلبت لها حظاً، ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت لها قسما يقول: طلبت لها حظاً بالعود إلى العراق، واستدعائها إلي حيث كنت. وقيل: طلبت لها بالمفارقة والغربة حظاً من الدنيا، فقد ماتت هي وفاتني ذلك الحظ المطلوب! الذي هو لقاؤها أو غيره. وقد كانت راضية من الدنيا كلها بمقامي عندها، لو كنت أرضى لها بذلك القسم، لكن لم أرض لها بما رضيت لنفسها. وقد روى: لو رضيت بضم الراء: ومعناه أنها كانت راضية بي لو رضي الله تعالى بي لها، وأن أكون عندها، ولكنه لم يرض بذلك. فأصبحت أستسقيي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما يقول: كنت قبل موتها أطلب لها الحظ بالقنا والحرب، وأدفع بالقتال والقوة والشجاعة، وكنت أدعو القنا لصب الدماء، فلما ماتت! عدت أدعو لقبرها وأستسقي الغمام له. على ما جرت به عادة العرب. وكنت قبيل الموت أستعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى يقول: كنت أستعظم النوى. أي فراقها، وهي سالمة، فالآن صار النوى الذي كنت أستعظمه صغرى، من حيث الموت. هبيني أخذت الثأر فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمى؟

стр. 150

يقول: لو كان موتك على يد عدو، لكنت آخذ الثأر منه، ولكنني لا أقدر على أخذ الثأر من الحمى التي قتلتك. وما انسدت الدنيا علي لضيقها ... ولكن طرفاً لا أراك به أعمى يقول: ما انسدت الدنيا علي لضيقها، ولكن بسبب فقدك، والعين التي لا أراك بها عمياء، فلذلك انسدت علي الدنيا وضاقت فوا أسفاً ألا أكب مقبلاً ... لرأسك والصدر اللذي ملئا حزما أراد باللذي: اللذين، فحذف النون لطول الاسم. وهو مثل قول الأخطل: أبني كليبٍ إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا وأكب: إذا أقبل على الشيء. يتأسف على فوته الانكباب على رأسها وصدرها مقبلاً ووصفها بأنها كانت ذات حزم ورأى، والحزم: جودة الرأي. وألا ألاقي روحك الطيب الذي ... كأن ذكي المسك كان له جسما أصله: أن لا ألاقي، فسكن ضرورة. والروح: يذكر في الأغلب وقد يؤنث. والذكي: الذي رائحته حادة. يتأسف على فوته الملاقاة بها ليلقى روحها، ثم وصف الحب الذي هو قالب الروح بأنه كان من ذكي المسك. وقيل: تأسف أنه لم يمت فيلقى روحها في الأرواح. ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍِ ... لكان أباك الضخم كونك لي أما الضخم: هو الشريف العظيم القدر. يقول: لو لم يكن لك أبٌ شريفٌ، لكان كونك لي أماً يشرفك، ويغنيك عن شرف الآباء. لئن لذ يوم الشامتين بموتها ... فقد ولدت مني لآنفهم رغما يقول: لئن سرت الأعداء بموتها. أي يوم موتها فإن لقائي سيفهم، لأنها ولدت رجلاً يرغم أنفهم ويذلهم. تغرب لا مستعظماً غير نفسه ... ولا قابلاً إلا لخالقه حكما يذكر نفسه ويقول: إنه تغرب، لا يستعظم أحداً إلا نفسه!! ولا يرى أحداً فوقه! ولا يرضى بحكم أحد إلا بحكم الله تعالى. ولا سالكاً إلا فؤاد عجاجةٍ ... ولا واجداً إلا لمكرمةٍ طعما يقول: لم يزل في تغربه سالكاً، وسط غبار الحرب، ولا يلتذ بطعم شيء إلا طعم المكرمة، وليس تغريه لجمع المال مع الذي والهوان!! يقولون لي: ما أنت؟ في كل بلدةٍ ... وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى ما الأولى: استفهام. أي: على أي صفة أنت؟ وكذلك الثانية. والثالثة: بمعنى الذي. يقول: كل بلدة دخلتها فأهلها يستعظمون حالي، ويسألون عن مرامي، وأنا لا أخبرهم بحالي، فإنها أعظم من أن تسمى. وقيل: أراد أنهم إذا سألوني: ما الذي تبتغي؟ فجوابي: ما أبتغيه جل أن يسمى! كأنه أراد: الملك، أو النبوة، أو الإمامة. كأن بنيهم عالمون بأنني ... جلوبٌ إليهم من معادنه اليتما الكناية في بنيهم: للشامتين. والهاء في معادنه: لليتم، غير أنه قدمه في اللفظ، وهو مؤخر في المعنى. يقول: إن أبناء أعدائي يفرون مني! فكأنهم يعلمون أني أجلب إليهم اليتم من معادنه، بأن أقتل أباءهم فأؤتمهم! وكثرة سؤالهم تدل على ذلك. وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما يقول: إن الجمع بين الماء والنار في موضع واحد، ليس بأصعب من الجمع بين البخت والعلم!! فهما منزلان في الاستحالة منزلة واحدة. ولكنني مستنصرٌ بذبابه ... ومرتكبٌ في كل حالٍ به الغشما أراد بالذباب: السيف، فأضمره، وذبابه: حده. والغشم: الظلم. يقول: إني وإن لم تساعدني الأيام، أطلب النصر بالسيف، وأرتكب الظلم، حتى أنال به ما أريد أخذه. من قول عمرو بن معد يكرب. وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ ... تحية بينهم ضربٌ وجيع وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما القرم: السيد الرئيس. يقول: أعدائي يوم الحرب، ضربت وجوههم بالسيف، وأقمته مقام التحية وإن لم أفعل فلست بسيد شجاع، ولا كريم مطاع. إذا فل عزمي عن مدىً خوف بعده ... فأبعد شيءٍ ممكنٌ لم يجد عزما قوله: خوف: فاعل فل. وعزمي: فاعله. يقول: إذا كسر عزمي؛ مخافة بعد المدى. يعني: كلما رمت أمراً بعيداً فأكسر عزمي خزفاً من بعده، فلم أظفر بمطلوب أبداً، فإنه إنما يدرك بصحة العزم، وأقرب الأشياء تناولاً إذا لم يكن عزم على تناوله فهو أبعد الأشياء.

стр. 151

وقيل: أراد أني إذا تركت أمراً بعيداً خوفاً من بعده؛ لانفلال عزمي دونه، فإني أركب ما هو أبعد منه، حيث لم يتقدمه عزم، من تعريض نفسي للقتل وطلب الموت. قلت: يجوز أن يكون مراده بذلك الدعاء على نفسه. يقول: إذا تركت الأمر لبعد تناوله وعسر مرامه، فأبعد الأشياء إمكاناً لم يجد عزمي. فكأنه يقول: ما وصلت أبداً إلى مرام أصعب، على جهة الدعاء. وإني لمن قومٍ كأن نفوسنا ... بها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظما كان القياس أن يقول: كأن نفوسهم، غير أنه يختار رد الكناية إلى الإخبار عن النفس؛ لما فيها من مبالغة المدح. يقول: إنا نختار الموت ونلتذه؛ فكأن نفوسنا تأنف أن تسكن العظم واللحم، فتحب مفارقتهما وتحرص على التخلص منهما. كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي ... ويا نفس زيدي في كرائهها قدما يقول: كذا أنا. أي: هكذا مذهبي. وقيل: أراد أنا مثل قومي، لا أرغب في الدنيا، فمتى شئت أيها الدنيا فاذهبي، ويا نفسي ازدادي في كراهة الدنيا وشدائدها، فإني لا أبالي بالدنيا وحياتها، وخيالاتها. فلا عبرت بي ساعةٌ لا تغرني ... ولا صحبتني مهجةٌ تقبل الظلما روى: غبرت وعبرت. أي مضت. يعني إنما أريد الحياة للعز، فكل ساعة لا أكسب فيها عزاً أماتني الله قبلها، ولا صاحبت نفسي محتملةً للظلم، وفرق الله بيني وبينها. وجعل قومٌ يستعظمون ما قال في آخر هذه القصيدة فقال يستكثرون أبياتاً نأمت بها ... لا تحسدن على أن ينئم الأسدا نأم ينأم: أي صوت. والنئيم: الصوت والأبيات: تصغير الأبيات. وأراد بتصغيرها أنها صغيرة إلى جنب فعله. ونصب الأسد بتحسدن أي لا تحسدون الأسد. وأن مع الفعل: بمعنى المصدر. أي على نئيمه. يقول: إنهم استعظموا هذه الأبيات، وفعالي أعظم منها، فأنا الأسد، والأسد لا يحسد على زئيره؛ لأن فعله أعظم من صوته، فلا ينبغي أن تحسدوني على ذلك. لو أن ثم قلوباً يعقلون بها ... أنساهم الذعر مما تحتها الحسدا الهاء في تحتها: للأبيات، وفي بها: للقلوب. يعني: لو كان لهم قلوب فيها عقول لأنساهم ما تضمنته أبياتي من الذعر والحسد الذي هم عليه. وقال يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل أواهل: جمع آهلة، أي عامرة. يقول: يا منازل أحبائي، لك منازل في قلبي، أنت نازلة فيها. أي: إني أذكرك وأذكر أهلك، وقد أقفرت أنت عن أهلك النازلين بك. وقوله هن أي المنازل التي في قلبي عامرة بذكرك وذكر أهلك. يعلمن ذاك وما علمت، وإنما ... أولاكما يبكي عليه العاقل يعلمن: أي المنازل التي في القلب. والهاء في عليه للأولى. يقول: منازلك في قلبي عالمةٌ بأنك قد أقفرت، وأنت لا تعلمين ذلك، فلما علمت أنك قد أقفرت، وتألمت، وحزنت، وهي عاقلة. فكانت هي أولى بأن يبكى عليه منك؛ لأنك غير عاقلة. وقيل: أراد أنها تعلم ما يصيبها من ألم الشوق وأنواع الهم، وأنت الجاهلة بذلك فهي أولى بالبكاء. وقيل: معناه أنها عالمة بنزولك فيها، وأنت جماد لا تعلمين من نزل فيك، فالعاقل منكما وهو قلبي أولى بأن يبكى عليه؛ لنزولك فيه. وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل؟! يقول: طرفي جلب إلي هلاكي! فمن أطالب بدمي؟ والمقتول هو القاتل! لأن بعضي قتل بعضي. ومثله قول الآخر: أذت ناراً بيدي أشعلتها في كبدي وأحسن من ذلك قول ابن المعتز: كنت صباحي قرير عيني ... فصرت أمسي صريع بيني تخلو الديار من الظباء وعنده ... من كل تابعةٍ خيالٌ خاذل التابعة: الغزالة التي تتبع أمها. والخاذل: المتأخرة عن القطيع في المرعى، والمختشية على خشفها. والهاء في قوله: وعنده راجع إلى الذي في قوله: وأنا الذي اجتلب وأراد نفسه. يقول: تخلو الديار من أهلها الذين هم كالظباء وعند نفسي من كل كالغزالة التابعة للظبية، خيال متأخر عنهن، كالظبية الخاذل. وقال ابن جنى: أراد بقوله: من كل تابع أي من كل جارية تابعة لأقاربها؛ لصغر سنها كما تتبع الغزال أمها. اللائي أفتكها الجبان، بمهجتي ... وأحبها قرباً إلي الباخل

стр. 152

اللائي جمع: التي. وأفتكها: أي أكثرها فتكاً، ورجل فاتك: أي شجاع. والباء: متعلق بفعل مضمر تقديره: اللائي أفتكها الجبان، فتكت بمهجتي. فلما دل عليه أفتكها حذفه. والمعنى: أن تلك الظباء من كان منها أجبن. كان أقدر على قتلي وفتك مهجتي. وذلك إشارة إلى نفارها، ومن كان منهن أبخل، فهو أحب إلي قرباً؛ لأن الوصل من الممتنع ألذ. ومنه قول جرير يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا الراميات لنا وهن نوافرٌ ... والخاتلات لنا وهن غوافل يقول: إنهن يرميننا بسهام عيونهن، وينفرن منا والعادة أن ينفر المرمي من الرامي. ويخدعننا بمواعيدهن وهن غريرات لا يعرفن مكراً ولا خديعة، والعادة أن الخادع يكون ذا مكر وخديعة. وقيل: أراد أنهن يصطدننا بعيونهن من غير قصد منهن، ويفسدن قلوبنا من غير إرادتهن؛ لأننا ننظر إليهن وهن غوافل والمصراع الثاني تأكيد كذلك. كافأننا عن شبههن من المها ... فلهن في غير التراب حبائل المها: بقر الوحش. شبه النساء بهن لسواد أحداقهن والحبائل: جمع حباله، وهي شرك الصائد. يقول: إن هذه النساء جازيننا عن بقر الوحش التي أشبهتها هذه النساء، فاصطدننا كما صدناهن بالحبائل، غير أن حبائلهن بخلاف الحبائل التي يصطاد بها الوحش؛ لأنها نبت في التراب، وهذه الحبائل هي: العيون، والقدود، والوجوه، وما أشبهها. من طاعني ثغر الرجال جآذرٌ ... ومن الرماح دمالجٌ وخلاخل الثغر: جمع ثغرة، وهي النقرة بين بين. والجآذر: أولاد بقر الوحش. يقول: إن هذه الجآذر يطعن في صدور الرجال كما يطعن الفرسان، ورماحهن الدمالج والخلاخيل فهن لهن بمنزلة الرماح للرجال، لأنهن يعملن بالقلوب مثل عمل الرماح. ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل يقول: إنما سميت أغطية العيون. جفوناً؛ لأن ما فيها من الأحداق تعمل عمل السيوف، ولولا أنها سيف لما سميت أغطيتها جفوناً. كم وقفةٍ سحرتك شوقاً بعد ما ... غرى الرقيب بنا ولج العاذل روى: سحرتك بالحاء أي أدهشتك. وبالجيم: أي: أوقدت فيك ناراً. وروى: شجرتك: أي طلبتك. وقوله غرى: أي ولع يقول: كم وقفة للوداع، ملأت هذه العيون قلبك شوقاً أو ملأته ناراً، وألهبت في قلبك نار من الشوق، وقد لج العاذل في العذل، ولازمك الرقيب في الحفظ. دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصبٍ أدقهما وضم الشاكل نصب ناحلين: على الحال، والعامل فيه: وقفة. ودون: نصب على الظرف، والعامل ما تقدم. يقول: كم وقفة وقفنا للوداع، وكنا ناحلين، وبقينا دون المعانقة من خوف الرقيب، وكنا قريبين، كتقارب شكلتي نصبٍ دقيقتين قريبتين بعضها من بعض، أدقهما الشاكل، وضم إحديهما إلى الأخرى. أي قارب بينهما. وقد احترز في ذلك عن البناء لأن الشكلتين إذا اجتمعا في النصب كانتا تنويناً، والتنوين يختص بالنصب؛ لأن الفتح لا يكون تنويناً. إنعم ولذ فللأمور أواخرٌ ... أبداً إذا كانت لهن أوائل لذ: أمر من لذ يلذ. يقول: اغتنم الشباب وتنعم وتلذذ فإن للشباب آخر، كماله أوله فإن الأوائل لها أواخر. ما دمت من أرب الحسان فإنما ... روق الشباب عليك ظلٌّ زائل روق الشباب: أوله. والأرب: الحاجة. يقول: تنعم ما دمت على حالة متعلق حاجات الحسان البكر. وهي حالة الشباب؛ فإن الشباب لا يبقى عليك، كالظل الذي لا يبقى بل يزول. وهو من قول امرىء القيس: تمتع من اللذات إنك فاني ومثله ليزيد بن معاوية: خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ ... فكلٌّ وإن طال المدى يتصرم للهو آونةٌ تمر كأنها ... قبلٌ يزودها حبيبٌ راحل آونة: جمع أوان. واللهو: السرور. وروى: يزودها ويزورها. فإن أردت بالحبيب. المحبوب، فالأجود كسر الواو وإن أردت به المحب فالفتح أولى. يعني أن أوقات السرور سريعة المرور، كأنها قبل أحباءٍ في وقت الارتحال، في اللذة وسرعة الزوال. جمح الزمان فما لذيذٌ خالصٌ ... مما يشوب ولا سرورٌ كامل جمح: أي عصى. يقول: إن الزمان جموح يكدر اللذات، فكل لذيذ مشوب بالتنغيص، وكل سرور فيه، ناقص غير كامل. حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ ... يته المنى وهي المقام الهائل

стр. 153

يقول: كل لذة منغصة، حتى رؤية أبي الفضل، فإنها منية كل نفس، ولكنها مشوبة بالهول والهيبة؛ فهي منغصة من هذا الوجه. وصفة بالهيبة. قال ابن جنى: هذا مخلص إلى المدح غريب ظريف، لا أعرفه لغيره. ممطورةٌ طرقي إليها دونها ... من جوده في كل فجٍّ وابل الهاء في إليها ودونها: للرؤية. والفج: الطريق الواسع. يقول: إن الطرق التي سلكها إلى رؤيته، كانت غير خالية من عطاياه، التي هي كالمطر الوابل، فكأن الطريق أصابه المطر. محجوبةٌ بسرادقٍ من هيبةٍ ... تثنى الأزمة، والمطي ذوامل السرادق: خيمة تضرب على أبواب الملوك لقعود الناس فيها إلى وقت الإذن. وقيل: هو ما يحاط حول الخيمة مثل السور. وتثنى: أي تصرف. وفاعله: ضمير الهيبة. وذوامل: جمع ذاملة، وهي السريعة السير. ومحجوبة: قيل أراد بها الطرق، أي أن الطريق التي مررت بها إليه، كانت عليها سرادق من هيبته، تمنع الناس من العدول عنه إلى غيره، ومطايا الناس إليه سريعة. وقيل: إن رؤيته محجوبة مهيبة، تصرف الأزمة، حتى لو أن المطايا ذوامل في سيرها، واعترضتها هذه الهيبة لصرفتها، وعدلت المطية عنها. خوفاً من الإقدام واستعظاماً لهيبته. للشمس فيه وللرياح وللسحا ... ب وللبحار وللأسود شمائل الشمائل: الأخلاق. يقول: للشمس فيه إضاءتها ومنفعتها وشهرتها وارتفاع محلها، وشبه الريح بدوام عطائه وقوته وكثرة تقلبه في الحروب وشبه السحاب بجوده، والبحار بهوله وسعة صدره وغزارته في العلم، والأسد في إقدامه وشجاعته. ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وملحياة وملممات مناهل أراد. من العقيان: الذهب. والمناهل: المشارب. يقول: عند موارده هذه أرى أشياء. فالذهب لسائله، والأدب لطالبه، والحياة لأوليائه؛ بالعفو عن الجاني، والممات لأعدائه. لو لم يهب لجب الوفود حواله ... لسرى إليه قطا الفلاة الناهل لو لم يهب: أي لم يخف. واللجب: اختلاط الأصوات وحواله: أي حوله: والناهل: العطشان. وهو نعت للقطا وهو مرفوع. فإن شئت رفعته بالفعل الأول: وهو لم يهب. وأسندت الفعل الثاني: وهو لسرى إلى ضمير القطا. أي لو لم يهب قطاة الفلاة الناهل لجب الوفود لسرى إليه. وهذا اختيار أهل الكوفة. فإن شئت رفعته بالفعل الثاني، وأضمرت للفعل الأول الفاعل، وهو اختيار أهل البصرة. يقول: لولا أن القطا تخاف أصوات الوفود على بابه وحوله، لكانت تسري إليه لتشرب من مناهله وتفد مع جملة الوفود إليه. يدري بما بك قبل تظهره له ... من ذهنه ويجيب قبل تسائل الهاء في تظهره لما وفي له، وذهنه وغيره من الضمائر: للممدوح. يقول لنفسه أو لصاحبه: إنه إذا رآك علم ما في نفسك قبل إظهارك له وأجابك عن سؤالك. وتراه معترضاً لها وموليا ... أحداقنا وتحار حين تقابل أحداقنا: رفع لأنه فاعل تراه والهاء في لها للأحداق. ونصب موليا ومعترضا على الحال. والاعتراض: هو المفاجأة. وقيل: هو أن يلي جنبه. يقول: إن أحداقنا إنما يمكن أن تراه إذا ولي عنا ظهره، أو يظهر مفاجأة أو مولياً جنبه، فإذا قابلته لوجهه تحيرت من هيبته ونور غرته، فلا يمكنك أن تنظر إليه. كلماته قضبٌ، وهن فواصلٌ ... كل الضرائب تحتهن مفاصل القضب: السيوف. وفواصل: أي قواطع، أي تفصل الأمور. والضرائب: جمع الضريبة، وهي محل الضرب. يقول: إن كلماته قواضب كالسيوف تفصل بين الحق والباطل وكل الضرائب: أي المشكلات عند هذه الكلمات كالمفاصل. هزمت مكارمه المكارم كلها ... حتى كأن المكرمات قبائل وروى قنابل: وهي جماعات الخيل. يقول: إن مكارمه هزمت جميع المكارم وأبطلتها، فكأنها العساكر تقابل بعضها بعضاً. وقتلن دفراً والدهيم فما ترى ... أم الدهيم وأم دفرٍ هابل دفر: اسم الدنيا. ودهيم: اسم الداهية. والهابل: الثاكل. وأفرد الضمير في ترى، وكان حقه أن يقول: تريان فاكتفى بالواحدة، كذلك في هابل. وعلى هذا أم زائدة. وقيل: أم الدفر: اسم الدنيا. وأم الدهيم: اسم الداهية على وجه الكنية. ومعناه: أن مكارمه قتلت بنت الدنيا وبنت الداهية، فالدنيا والداهية قد ثكلتا ابنيهما، يعني: أن مكارمه كفت الناس حوادث الدهر.

стр. 154

علامة العلماء واللج الذي ... لا ينتهي، ولكل لجٍّ ساحل علامة: كثير العلم، والهاء: للمبالغة. وجعله علامة العلماء زيادة للمبالغة: يصفه بكثرة العلم. وشبهه بالبحر في علمه وجوده، وفضله على البحر. لو طاب مولد كل حيٍّ مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل يقول: لو طاب مولد كل حيٍّ، مثل طيب مولده، لما احتاج النساء إلى القوابل، حتى لا يشاهدن المستور من أحوالهن. كأنه نزه أمه عن وقوع بصر القوابل على عورتها عند الولادة. وهذا ليس فيه فائدة؛ لأن طيب المولد: أي علاقة له بسهولة الولادة. وأي مدح في ذلك وفي الاستغناء عن القوابل؟! وإن أراد به سعة الرحم بانحلال الرباط، لكان السكوت عنه أولى. لو بان بالكرم الجنين بيانه ... لدرت به ذكرٌ أم أنثى الحامل يقول: لو تبين الجنين بالكرم الذي له، لكان بان هو في بطن أمه، وكانت الحوامل تعلم أنه ذكر أم أنثى. وهذا لا طائل فيه ولا فائدة. ليزد بنو الحسن الشراف تواضعاً ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل يقول: ليزدد هؤلاء الأشراف تواضعاً؛ لأنهم في الشرف مشهورون، فتواضعهم لا يضع قدرهم؛ لأن شرفهم لا ينكتم بالتواضع، كما لا ينكتم ضوء المشاعل في الظلام، بل الظلام يزيدها ضوءًا، كذلك تواضعهم. ستروا الندى ستر الغراب سفاده ... فبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل؟! السفاد للطير: كجماع الإنسان. والرباب: السحاب الأبيض، وقيل: هو الذي فوقه سحاب آخر. والهاطل: المتتابع القطر. يقول: إنهم اجتهدوا في إخفاء عطائهم فظهر ولم ينكتم، بل انتشر كالمطر الهاطل من السحاب. جخفت وهم لا يجخفون بها بهم ... شيمٌ على الحسب الأغر دلائل جخف وجمخ: إذ افخر والشيم الأخلاق. وقيل: هي الدلائل. وفاعل جخفت: شيم تقديره. جخفت بهم شيم وهم لا يجخفون بها. يقول: إن شيمهم تفتخر بهم؛ لحلولها فيهم، وهم لا يفتخرون بها؛ لأن أخطارهم أعظم. مع أن تلك الشيم هي أشرف الشيم، من حيث أنها دلائل على حسبهم الأغر الكريم. متشابهي ورع النفوس: كبيرهم ... وصغيرهم عف الإزار حلاحل متشابهي: نصب على الحال. عفٌّ وعفيف: واحد. والحلاحل: السيد. يقول: كلهم متشابهون في الورع: صغيرهم وكبيرهم، وكلهم سادة كرام، عفف الإزار، لا يقربون الفاحشة ولا يسعون إلى زنا، ولا ريبة. يا افخر فإن الناس فيك ثلاثةٌ: ... مستعظمٌ، أو حاسد، أو جاهل أي: يا هذا افخر فحق لك الفخر، ويجوز أن يكون بمعنى: التنبيه. يقول: إن الناس فيك ثلاثة أقسام: إما مستعظم لقدرك، وإما حاسد لفضلك، وإما جاهل بك لا يعرف حقيقة حالك. ومثله قول ذي الرمة: وما زلت تعطي النفس حتى تجاوزت ... مناها فأعط الآن إن شئت أو دع ولقد علوت فما تبالي بعدما ... عرفوا: أيحمد أم يذم القائل يقول: أنت علوت حتى استقر عند كل أحدٍ علو قدرك، فما تبالي بعد ذلك بحمد حامد ولا بذم ذام، وصارا عندك سواء. أثني عليك ولو تشاء لقلت لي ... قصرت فالإمساك عني نائل يقول: أثني عليك وأنا مقصر في وصفك، فلو شئت لقلت لي: إنك قصرت، فإذا أمسكت عني وقبلت مدحي مع تقصيري، فكأنك قد أعطيتني سوى ما أعطيت. وقيل: أراد إن لم تعطني على مدحي فقد أحسنت لما في مدحي من التقصير. لا تجسر الفصحاء تنشد ها هنا ... بيتاً ولكني الهزبر الباسل وروى: لا تحسن. الهزبر: الأسد. والباسل: الشجاع. يقول: لا يقدر أحدٌ من الفصحاء أن ينشد في مجلسك بيتاً واحداً؛ هيبةً منك. لكني خالفت سائر الفصحاء جسارةً وقوة قلب، فأنا كالأسد الشجاع، فلهذا تجاسرت عليك. ما نال أهل الجاهلية كلهم ... شعري، ولا سمعت بسحري بابل أرض العراق كلها: بابل وهي على ما يقال: قرية من العراق، وخصصت بالسحر؛ من أجل هاروت وماروت يقول: إن أهل الجاهلية ما نالو مثل شعري، وكذلك أهل بابل ما سمعوا بمثل سحري؛ لرقة ما أستنبط من المعاني. وأراد: أن شعري أجود الأشعار وأرق من السحر؛ لأن البليغ يمكنه أن يذم الممدوح، ويمدح المذموم! ولهذا قال ﷺ : " إن من البيان لسحرا ". وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني فاضل

стр. 155

يقول: إذا رأيت الجاهل والناقص يذمني، فذلك دليل على فضلي؛ لأنه إنما يذمني لأنه ضدي كما قيل: والجاهلون لأهل العلم أعداء ومثله قول الشاعر: وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع ومثله قول الطرماح وإني شقيٌّ باللئام ولن ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل من لي بفهم أهيل عصرٍ يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقل أهيل: تصغير أهل. وباقل: هو المضروب به المثل في العي، وهو من بني مازن، وقيل: من بني قيس بن ثعلبة. يقول: كيف أفهم أهل زمانٍ يدعى عندهم باقل، أن يحسب حساب الهند، وقد كان من عيه ما ضرب به المثل. قال ابن جنى: هذا غير جيد، لأن باقلاً، لم يؤت من الحساب، وإنما أتي من النطق. فلو قال: أن ينظم الأشعار فيهم باقل. أو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل. لكان أشبه بالقصة. والجواب: أنه أراد إيراد لفظ الحساب للعجز عنه. وأما وحقك فهو غاية مقسمٍ ... للحق أنت وما سواك الباطل المقسم: الحالف. وبالفتح: هو القسم، وهو الأولى. يقول: أحلف بحقك، وهو نهاية القسم، أنك ذو الحق، وما سواك ذو الباطل. وقيل: أراد أنك السيد حقاً، وكل سيد سواك فهو الباطل، ولا حقيقة له. كقوله: كأنك مستقيمٌ في محال الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل وروى: إذا اغتسلت الغاسل، تقديره: إذا أصابك الطيب، فأنت طيبة، والماء الغاسل أنت: إذا اغتسلت. يجوز نصبه بفعل مضمر يدل عليه الغاسل: أي تغسل الماء إذا اغتسلت. ثم صار الغاسل بك لامنه ودالاً عليه. ويجوز رفعه فيكون مبتدأ، والغاسل، صفته، وأنت خبره. يقول: إن الطيب إذا أصابك يطيب بك! والماء إذا اغتسلت به، اكتسب منك الطهارة. ما دار في الحنك اللسان وقلبت ... قلماً بأحسن من ثناك أنامل الثنا: مقصور يستعمل في المدح والذم. والثناء: ممدود، في الحسن خاصة. والنثا: بتقديم النون، روى أيضاً. يقول: ما دار في الفم اللسان، ولا قلبت الأنامل قلما بأحسن من ثناك: أي ما قيل، ولا كتب، أحسن من أخبارك، ومدحك. وقيل: ما أنشد أحدٌ ولا كتب أحسن من شعري في مدحك وثنائي عليك. وقال يمدح أخاه أبا سهل سعيد بن عبد الله الأنطاكي: قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى، وألف في ذا القلب أحزانا تقديره: قد علم البين أجفاناً منا البين، وتدمى الأجفان، وهي حال لها. يقول: قد علم البين بيننا أجفاننا البين فلا تلتقي بكاءً وسهراً، وتدمى يدل عليها، لأن البكاء وطول السهر يؤديان إلى الإدمان، وكذلك جمع البين في قلبي هذا أحزاناً، فليس فيه سروراً، كما لا نوم في العين. أملت ساعة ساروا كشف معصمها ... ليلبث الحي دون السير حيرانا المعصم: موضع السوار من اليد. يقول: رجوت وقت سير قومها أن تكشف هي معصمها ليقف قومها متحيرين عند رؤيته؛ لنوره وحسنه ويتعجبوا من ضوئه، فأتمتع أنا بالنظر إليها، والوقوف معها ساعة. ولو بدت لأتاهتهم فحجبها ... صونٌ عقولهم من لحظها صانا أتاهتهم: أي حيرتهم. وصون: رفع؛ لأنه فاعل حجبها. وعقولهم: نصب؛ لأنه مفعول صان، وفاعله: ضمير صون. يقول: لو بدت هذه المرأة بأجمعها؛ لحيرتهم وأذهبت عقولهم؛ فحجبوها صيانة لعقولهم من لحظها. وتقديره: فحجبها صونٌ صان من لحظها. بالواخدات وحاديها وبي قمرٌ ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا الواخدات: الإبل السراع. والحشيان: الذي علاه البهر من التعب، وروى: بالخاء من الخشية. يقول: أفدي بالإبل وحاديها وبنفسي قمراً، صفتها أنها يأخذها. البهر عند إسراع الإبل في السير، لنعومتها. وبالخاء: أنها تخشى عند شدة سيرها من شدة إقلاقها إياه. أراد: أن هذا القمر الكافل بالإبل وحاديها وبنفسي، وأمرنا إليه وسرورنا بوصاله، وحزننا لفراقه، فهو المتصرف فينا كما يشاء. أما الثياب فتعرى من محاسنه ... إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا التذكير: للقمر. والتأنيث: للثياب. وعرياناً: نصب على الحال، المعنى: أن الثياب تحسن به، لا أنه يحسن بها، فإذا أخلاها عريت من محاسنه التي اكتسبتها منه. وإذا عري هو من الثياب اكتسى حسناً أكثر وأزيد من لبسه الثياب.

стр. 156

يضمه المسك ضم المستهام به ... حتى يصير على الأعكان أعكانا الأعكان: جمع العكن، وهو ما يتكسر في أسفل البطن من الشحم والسمن. يقول: إن المسك يعبق بجسمها، ويضمه كأنه عاشق له، ويلصق به. كما ينضم العاشق إلى المعشوق، حتى يصير المسك أعكاناً فوق أعكانها. قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيزٍ بعدكم هانا يقول: كنت قبل الفراق أمسك عن البكاء؛ خوفاً على بصري أن يصبه دمعي، فاليوم لما نأيتم طال بكائي وهان علي كل عزيز! تهدي البوارق أخلاف المياه لكم ... وللمحب من التذكار نيرانا البوارق: السحائب ذات البرق. وعنى بالمحب نفسه. يقول: إن السحائب ذوت البروق، تهدي إليكم فروع المياه، وأهدت إلي نار الشوق، عند تذكري إياكم. يعني: أني إذا رأيتها تذكرت عهدي معكم، فألهبت في أحشائي نار الشوق إليكم، فجعلت السحائب المطر لكم والبرق لي. والأخلاف: جمع خلف، وهو للناقة بمنزلة الثدي للمرأة. إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلبٌ إذا شئت أن يسلاكم خانا السلو، والسلوة، والسلوان: طيب النفس عن المفقود. يقول: إذا أردت الإقدام على الأمور الهائلة، فإن قلبي يشيعني على كل هول، إلا الصبر عنكم، فإن قلبي لا يشيعني على ذلك، بل يخونني ويخالفني؛ لأن ذلك أعظم من كل هول. أبدو فسيجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحاً وإهوانا إهواناً: جاء به على الأصل في الصحيح للضرورة. والاستعمال في القياس: إهانة. ونصبه: صفحاً على المفعول له، وقيل: على المصدر، بفعل مضمر. أي: أصفح عنه صفحاً، وأهينه إهواناً، ولا أعاتبه. دليل على المحذوف. يقول: إذا ظهرت فإن من يذكرني بسوءٍ في حال الغيبة يسجد لي هيبةً مني، ولا أعاتبه على ما يذكرني به من السوء صفحاً. وإهانة. ومثله لجميل: إذا أبصروني طالعاً من ثنية ... يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس غريبٌ حيثما كانا يقول: هكذا كنت بين أهلي ووطني، لم أخل من حاسد يحسدني على فضلي، ويذكرني بسوءٍ من ورائين، فإذا ما ظهرت له يسجد لي والشريف حيثما كان غريب، لا يخلو من حاسدٍ ولا عاتب، فكنت أبداً غريباً بهذا الوجه؛ لأني لم أجد من يشاكلني ويوافقني. محسد الفضل، مكذوبٌ على أثري ... ألقى الكمي ويلقاني إذا حانا يقول: لم أزل محسوداً ومكذوباً على أثري؛ لأنه لم يمكن لأحد أن يواجهني بالسوء، ولم أزل شجاعاً ويلقاني الشجاع، إذا دنا هلاكه. لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً ... ولا أبيت على ما فات حسرانا طمعاً: نصب على المفعول له، أو على المصدر، كما في قوله: صفحاً يقول: لا أمد عنقي فيما لا يصل إلي طمعاً فيه، وإن فاتني شيء لم أتحسر عليه، وكأنه أخذ هذا المعنى من قوله تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ". ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا أي لا أسر بما آخذه من عطاء الناس؛ لأن المعطي هو المحمود به، ولو حملت أيها الإنسان إلى الدهر ملآناً من العطاء، فإني لا أفرح به، بل إنما أسر بما أعطى غيري بما فيه من الثناء والحمد. يعني: أن رغبتي في الحمد منه في الصلة. لا يجذبن ركابي نحوه أحدٌ ... ما دمت حياً وما قلقلن كيرانا قلقلن: أي حركن. والكيران: الرحل. واحده كور، وهو الرحل بأداته. والهاء في نحوه لأحد. أي لا يجذبن أحد ركابي. وما في قوله: ما دمت وما قلقلن نصب على الظرف. يقول: لا يجذب إبلي أحد من الملوك نحوه ما دمت حياً، ودامت الإبل تحرك رحالها. أي ما دامت تسير الإبل، أي لا أقصد أحداً أبداً. وروى: بعده أحد. أي لا أقصد بعد هذا الممدوح أحداً. لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا يقول: لو قدرت ركبت الناس كلهم، كما يركب البعير. وقصدت عليهم هذا الممدوح، وأراد بذلك أكثر الناس؛ لأنه يقال: إن أمة من الناس يقتضي ركوبها، وقد بين أنه أراد البعض فيما يليه. والبعران: جمع بعير، ونصبه يجوز من أوجه: أحدها: المصدر الواقع موقع الحال، أي ركبتهم مثل البعران، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والثاني: بإضمار فعل دل عليه ركبت، أي صيرتهم بعراناً.

стр. 157

والثالث: على التمييز؛ لأن قوله: ركبت الناس احتمل الركوب والاستيلاء والقهر، ففسره بالمعنى المقصود، ونصبه على التمييز كقولهم: امتلأ الإناء ماءً. فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا تقديره: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم عمياناً، عما يراه الممدوح من الإحسان، وما يأتيه من الكرم والشرف، وذلك مأخوذ من قوله تعالى: " إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً ". ذاك الجواد وإن قل الجواد له ... ذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا يقول: نحن نصفه بالجود، وذلك أقل أوصافه، ونصفه بالشجاعة، وهو لا يرضى قريناً ينازله؛ لأن الشجعان دونه ولا يستطيعونه. ذاك المعد الذي تقنو يداه لنا ... فلو أصيب بشيءٍ منه عزانا المعد: المدخر. أعد واستعد: بمعنى. وروى: المعد، وهو الذي أعد لريب الزمان. وقنوت الشيء أقنوه: إذا اكتسبته. يقول: إنه يجمع الأموال ليفرقها علينا، فنحن أحق بها منه، فإذا أصيب بشيء من ماله عزانا عليه؛ لأنه لنا دونه، وإن كان في يده. خف الزمان على أطراف أنمله ... حتى توهمن للأزمان أزمانا يقول: هان الزمان على أنامله، فيصرفه كيف شاء، كما يصرف الزمان أهله، فكانت أنامله أزمنة للأزمنة. ومثله قول الآخر: أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حالٍ إلى حال يلقى الوغى والقنا والنازلات به ... والسيف والضيف رحب الباع جذلانا النازلات: مصائب الدهر. ورحب الباع: واسع القلب. الجذلان: المسرور. يعني: أنه لا يضيق صدره بحوادث الدهر النازلة. تخاله من ذكاء القلب محتمياً ... ومن تكرمه والبشر نشوانا قوله: محتمياً، من الاحتماء، وهو قلة الأكل ومعناه: من فرط ذكائه. كأنه محتم من الطعام؛ لأن قلة الأكل تحد الفهم، وتقوى الحواس، كما أن كثرة الأكل تعمي القلب. وقيل: ملتهباً أي من الحمى، والحرارة، ومعناه: أنه من حدة ذكائه كأنه متوقد، ومن كثرة كرمه وبشره وسهولة خلقه كأنه سكران. وتسحب الحبر القينات رافلةً ... في جوده وتجر الخيل أرسانا الحبر: جمع حبرة وهي ضرب من ثياب بدوية وقينات: جمع قينة وهي الجارية مقنية. ورافلة! متبخرة. يقول: إنه يحب القينات يجليهن حللهن فهن يسحبن ذيولهن وآلاتهن والخيل يسحبن أرسانهن. يعطي المبشر بالقصاد قبلهم ... كمن يبشره بالماء عطشانا يقول: إنه يعطي من يبشره بالقاصدين، قبل إعطائه القاصدين، وقبل وصولهم إليه، وأنه يفرح بهذه البشارة كما يفرح العطشان إذا بشر بالماء. وتقديره: كمن يبشره المبشر بالماء وهو عطشان. وذلك حال. جزت بني الحسن الحسنى فإنهم ... في قومهم مثلهم في العز عدنانا فاعل جزت: الحسنى. وعدنان: في موضع جر بدل من العز. وقيل: العز صفة متقدمة بعدنان. وأراد: بني عدنان، وهو أبو العرب، من ولد إسماعيل. والضمير في إنهم لقومهم. يقول: جزت الحسنى بني الحسن، فإنهم في قومهم في الشرف، مثل قومهم في عدنان. أي: هم أشراف قومهم، كما أن قومهم أشراف عدنان. وروى: في الغر عدنانا. ما شيد الله من مجدٍ لسالفهم ... إلا ونحن نراه فيهم الآنا يقول: ما رفع الله لآبائهم السابقة، من المجد والعز، إلا ونحن نرى مثله في هؤلاء الآن. إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا يقال: فلان فارس هذا الأمر. أي حاذق فيه. يقول: إنهم متقدمون في هذه الأمور كلها، ولقوا: أي في مشهد حدثهم فرسانا. كأنهم يردون الموت من ظمأ ... أو ينشقون من الخطى ريحانا الخطى: الرماح المنسوبة إلى الخط، وهي قرية بساحل البحر يعمل فيها الرماح. يقول: كأن الموت ماء وهم إليه ظماء فهم يردون الموت كما يرد الظمآن الماء، وكأن الرماح ريحانهم، فهم يتلذون بهم، كما يلتذ باستنشاق رائحة الريحان. كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا الخرصان: جمع خرص، وهو السنان. شبه مضاء أسنتهم في الطعن، بمضاء ألسنتهم في النطق. والناس يشبهون الألنة بالأسنة، وهو قد عكس ذلك وجعله مضاءً ثابتاً في اللسان، ثم شبه به السنان. الكائنين لمن أبغي عداوته ... أعدى العدى، ولمن آخيت إخوانا

стр. 158

الكائنين: نصب على الصفة لبني الحسن مجاز. يقول: إنهم أعداء أعدائي، وأولياء أوليائي. خلائقٌ لو حواها الزنج لانقلبوا ... ظمى الشفاه، جعاد الشعر غرانا الظمى: جمع أظمى وظمياء، وهو اسم الشفة. وقيل: دقيق الشفة. ويروى: لمن الشفاه والغران: جمع أغر، وهو الأبيض. يقول: لهم خلائق حسنة، لو كانت في الزنج لتحولوا عن سوادهم وصاروا بيض الوجوه، سمر الشفاه، جعاد الشعور. وإنما قال ذلك لأن شفاهم بيض، وشعورهم قطط. والجعد: هو الذي دون القطط. وفوق الرجل. والرجل: فوق السبط. وأنفسٌ يلمعياتٌ تحبهم ... لها اضطراراً ولو أقصوك شنآنا يقال: رجل يلمعي وألمعي: إذا كان ذكياً فطناً. يقول: أنفس كريمة فطنة، تحبهم لأجلها اضطراراً، وإن أبغضوك وأبعدوك. وشنآنا: نصب على التمييز. الواضحين أبواتٍ وأجبنةٍ ... ووالداتٍ وألباباً وأذهانا الواضحين: نصب على التمييز. أو هو نعت لبني الحسن. وأجبنة: جمع الجبين. وروى: أخبية: وهي جمع خباء، ووضوحه؛ لغشيان القصاد. والأبوة: مصدر الأب. يقول: إن غرتهم واضحة، أي صريحة، وكذلك جباههم واضحة، أي حسان المنظر، وهم أشراف من قبل الأمهات، وعقولهم وخواطرهم واضحة. يعني: يعرف ذلك كل أحد. يا صائد الجحفل المرهوب جانبه ... إن الليوث تصيد الناس أحدانا أحدان: جمع واحد والأصل وحدان، فأبدل. والمرهوب: إن جررته فهو صفة للحجفل. والهاء في جانبه تعود إليه. وجانبه: فهو صفة للصائد والهاء عائد إليه. يقول: لك فضلٌ على الأسد؛ لأنك تصيد الجيش كله، والأسد يصيد الناس واحداً واحداً. وواهياً كل وقتٍ وقت نائله ... وإنما يهب الوهاب أحيانا واهباً: نصب؛ لأنه منادى نكرة، ونكره للتعظيم. وكل وقت: مبتدأ، ووقت نائله: خبره. يقول: أنت تهب دائماً، والأجواد يهبون في وقت دون وقت. أنت الذي سبك الأموال مكرمةً ... ثم اتخذت لها السؤال خزانا سبك الذهب: إذا أذابه وجعله قطعة واحدة. يقول: فكأنك سبكتها وجعلتها مكرمة، ثم جعلت السائلين خزاناً لها. قوله: سبك الأموال مكرمة. بمعنى صاغها كما يقول سبكت الذهب خلخالاً. عليك منك إذا أخليت مرتقبٌ ... لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا أخليت: صادفت مكاناً خالياً. يقول: إنك إذا خلوت، كان عليك رقيب من نفسك، فأنت لا تفعل سراً ما لا تفعله جهراً. لا أستزيدك في ما فيك من كرمٍ ... أنا الذي نام إن نبهت يقظانا واليقظان لا ينبه. يقول: إنك قد بلغت الغاية في الكرم، فإن أردت منك زيادة، كنت كمن يجيء إلى اليقظان فينبهه، يحسب أنه نائم وتقديره: أنا النائم إن نبهت يقظانا. فإن مثلك باهيت الكرام به ... ورد سخطاً على الأيام رضوانا باهيت: أي فاخرت. والهاء في به للمثل، ويجوز أن يكون للكرم. يقول: باهيت الكرام بمكانك، وعلمت أنك قد بلغت، فلا مزيد على ما أنت عليه من الكرم، وكنت ساخطاً على الزمان؛ لفقد الكرام فيه، فجعلت سخطي عليه رضاً؛ لأن كرمك أزال عن الزمان سخطي؛ حيث إني رضيت بك عنه. وأنت أبعدهم ذكراً، وأكبرهم ... قدراً، وأرفعهم في المجد بنيانا قد شرف الله أرضاً أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنسانا المنصوبات في البيت الأول: على التمييز. أي أنت أكرم الكرام، فذكرك أشهر وقدرك أشرف ومجدك أعلى وأرفع، وسواك: أي خلقك على استواءٍ. وفي القرآن: " خلقك فسواك " أي: أنت شرف الأرض، وزينة الناس. ومثله: أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلها ... لو كان مثلك في سواها يوجد وإنسانا: نصب؛ لأنه مفعول ثان من سواك. وقال يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران ويذكر مرضاً ألم بأبي أيوب: سربٌ محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها السرب: جماعة النساء، ورفع؛ لأنه خبر ابتداء محذوف. أي: هذا سرب، أو: مرادي سرب. ومحاسنه: مبتدأ ثان، وقوله: حرمت ذواتها خبره. وقيل سرب رفع بالابتداء، ومحاسنه مبتدأ ثان، صفة له. وداني الصفات إن شئت جعلته: بدلاً من قوله: محاسنه وإن شئت جعلته: صفة له أخرى. وإن شئت جعلته خبر السرب.

стр. 159

وجاز أن يكون سرب مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنه لما وصفه قربه من المعرفة، والهاء في ذواتها لمحاسنه وفي محاسنه لسرب وذوات محاسن السرب هي: السرب بعينه. والهاء في موصوفاتها للصفات. يقول: هذا سرب حرمت ذوات محاسنه. الحسان منه. وهذا السرب صفاته دانية قريبة هي مني؛ لأنها ألفاظ أنا قادر عليها، فمتى شئت وصفتها. فأما الموصوف بالحسن، فبعيد عني، وهن: النساء المعبر عنهن بالسرب. وإضافة ذوات إلى المضمر في قوله: ذواتها غير جائزة عند البصريين. وأبو العباس المبرد: يجيز ذلك. أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراً رأيت أرق من عبراتها أوفى: أي أشرف، يعني السرب. والبشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. والهاء في عبراتها للمقلة. يقول: إن هذا السرب لما أشرف علي وهي كناية عن علوهن في هوادجهن للمسير، رميت ببصري بشرات هذا السرب، فرأيت بشراته أرق وأصفى من عبرات عيني عند الارتحال. وإنما قال ذلك، لأن الدمع يضرب به المثل في الصفاء والرقة. يستاق عيسهم أنيني خلفها ... تتوهم الزفرات زجر حداتها يقول: كان أنيني على إثر الإبل التي كانت عليها الهوادج سابقاً، فكانت الإبل تظن زفراتي وراءها أنها زجر حداتها، فكانت تجد في السير. وروى: تشتاق عيسهم أنيني خلفها فلشدة شوقها إذا سمعت أنيني جدت في السير لزيادة أنيني. وكأنها شجرٌ بدت لكنها ... شجرٌ جنيت الموت من تمراتها روى: الموت والمر. يقول: كأن هذه العيس، وعليها الهوادج شجرٌ، لعلوها وارتفاعها. إلا أني جنيت من هذه الشجر، الثمر الذي ليس بمعتاد! وهو الموت، أو المر، من الثمر. لا سرت من إبل لواني فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها السمة: العلامة التي تكون على الإبل بالنار، والمدمع: مجرى الدمع، وأراد به الدمع هاهنا، ووصفه بالحرارة؛ لأن ماء العين إذا كان من الحزن يكون حاراً، وإذا كان من السرور فهو بارد. يدعو على الإبل فيقول لها: لا سرت أبداً، ولا قدرت على السير! ولو كنت فوق هذه الإبل راكباً. كانت دموعي تسيل عليها وتمحوا بحرارتها أثر سماتها، وتذهب شعرها كما تمحوه النار. وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسراتها المها: بقر الوحش. يقول دعاء لنفسه، وعلى الإبل: ليتني حملت ما عليك من النساء، وحملت أنت ما حملت من حسرات فراقهن. وقيل أراد: لو كنت فوقك لحملت ما عليك من هذه النساء وحملت أنت حسراتي التي أتحملها؛ لأني إذا حملتهن فرقت بينك وبينهن حسراتي لتبعدهن عنك. إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها الشغف: شدة الحب. يقول: إني على شدة كلفي بما في خمر هذه النساء، وهي الوجوه. أكف نفسي عن مواقعتهن. ومثله: قول العباس بن الأحنف: عف الضمير ولكن فاسق النظر وترى المروة والفتوة والأبو ... ة في كل مليحةٍ ضراتها كل مليحة: فاعل ترى والمروة وما يتبعها: مفعوله. وضراتها: المفعول الثاني. والهاء: للمليحة. يقول: ترى التقاء الملاح. مروتي وفتوتي وأبوتي. مانعة لي عنهن، فكأن هذه الثلاثة ضرات للملاح؛ لما فيهن من المنع عنها. هن الثلاث المانعاتي لذتي ... في خلوتي لا الخوف من تبعاتها يقول: هذه الثلاثة منعتني عن لذتي بالنساء في حال الخلوة؛ لأني لا أخاف تبعات ذلك: أي الخوف من الوشاة، أو عشائرهن أو غير ذلك؛ لأني كنت لا أخاف أحداً. وقيل: أراد خوف الألم والعقاب، لكن الأول أولى. ومطالبٍ فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها المطالب: جمع المطلب. يقول: كم من مطالبٍ عظيمة الخطر، فيها الهلاك إذا أتيتها، فآتيتها وأوقعت نفسي فيها وقضيت منها حاجتي، وأنا ثابت القلب حتى كنت لثبات قلبي كأنني غير ملابس لها. ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها المقانب: جمع المقنب، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. وكن. للوحش. يقول: رب جيش تركته بجيش آخر أقواتاً للوحوش، أي قتلته فأكلته الوحوش، بعد ما كانت الوحوش قوتاً له. يعني: أنهم صعاليك لا قوت لهم إلا ما يصيدون من الوحوش والسباع. أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها

стр. 160

أقبلتها: أي صرفت وجوه الخيل إليها. ثم شبه غرر الجياد وما في جبهاتها من البياض، ببياض أيدي بني عمران: أي نعمهم. وهذا مما جرت عادته به في تمكين التشبيه؛ لأنه جعل حقيقة البياض أولاً للنعم، ثم شبه غرر الجياد بذلك البياض. والأيدي: استعمل ها هنا بمعنى النعم. الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها الثابتين: في موضع جر، صفة لبني عمران. يقول: هم أثبت في ظهور الخيل، من جلودها على ظهورها في أصعب الحالات. وهي تواتر الطعن في صدور الخيل. والواو في قوله: والطعن واو الحال. العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها الأمات: جمع الأم. يقال: إن الهاء في الأمهات زائدة. وقيل: أمهات في الآدميين خاصة، والأمات مشتركة. يقول: يعرفون الخيل وهي تعرفهم؛ لأنها نتجت عندهم، وتناسلت في بيوتهم، وأجدادهم كانوا يركبون أمهات هذه الخيل. وقيل: أراد أنهم عارفون بالخيل لكثرة فراستهم لها، وكذلك آباؤهم وأجدادهم كانوا من الفرسان العارفين بالخيل والفروسية. فكأنها نتجت قياماً تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها صهوة الفرس: مقعد الفارس منه. يقول: كأن الخيل ولدت وهي تحتهم، وكأنهم ولدوا على ظهور الخيل؛ لاعتيادهم ركوب الخيل مذ كانوا أطفالاًن وكانت خيلهم مهاراً. وقيل: أراد كأنها خلقت لهم، وكأنهم خلقوا لها. وقيل: كأنه أعضاء لهم، وكأنهم أعضاء لها. وقيل: كأنهم خلقوا معاً. إن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها سويداء القلب وسوداؤه: الدم الذي في وسطه. وقيل: هو حبة فيه، مثل العنبة السوداء. يقول: هم في الكرام كالسويداء في القلب، التي بها قوام القلب، فمتى ذهبت، بطل القلب، فكذلك الكرام، إذا خلوا منهم، بطل كرمهم واستووا مع غيرهم. تلك النفوس الغالبات على العلا ... فالمجد يغلبها على شهواتها المعنى: أنهم يغلبون الناس على المعالي، فيجوزونها دونهم، والمجد يغلبهم على شهواتهم، فيحول بينهم وبينها فلا يأتون ما يلحقهم فيه عار وشين؛ ويصرفون شهواتهم إلى اكتساب المجد والرفعة والعلا سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبى أيوب خير نباتها يدعو لأبي الممدوح وأجداده بالسقيا. والياء في قوله: بيدي أبي أيوب، متعلقة بقوله: سقت. فيقول: سقى الله منابت هذه النفوس. وهي آباؤها، بيد أبي أيوب: الذي هو الممدوح، وهو خير نبات تلك المنابت؛ لأن جوده أكثر من وبل السحاب. وخير نباتها: صفة لأبي أيوب. وجعله خير ما نبت على تلك الأصول. يعني: أنه خير قومه. قيل: الباء متعلقة بقوله: سقت الورى، وهو غير داخل في الدعاء، فكأنه يقول: إن منابتها سقت الورى بيديه. ليس التعجب من مواهب ماله ... بل من سلامتها إلى أوقاتها الهاء في سلامتها وأوقاتها: للمواهب. المعنى: ليس التعجب من كثرة هباته، وإنما العجب من سلامة ماله إلى وقت الهبة؛ إذ ليس من عادته حبس المال. عجباً له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حفظها الأشياء من عاداتها عجباً: نصب على المصدر. وما حفظها الأشياء: في موضع الجر، لأنه صفة لأنمل. والأشياء: نصب بحفظها. يقول: عجبت من كيفية حفظه للعنان! إذ ليس من عادته أن يحفظ شيئاً ويمسكه. ومثله لأبي تمام: تعود بسط الكف حتى لوانه ... دعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها روى: كتابه وكتابةٍ على الاسم، والمصدر. يقول: لو ركض مهره في سطور كتاب له، لأمكنه أن يضع حافره على كل ميم في سطوره، ويعدها به، لفروسيته وحذقه. وخص الميمات؛ لأنها مدورة تشبه الحافر. وقيل: لأنها أصغر أشكال المعجم. وخص المهر؛ لأنه إذا قدر على أن يحصي ذلك بحافر المهر مع صعوبتها كان ذلك أمكن، وقد بالغ في قوله: لو مر يركض؛ لأنه إذا فعل ذلك وهو يركض كان في حال الترفق وعدم الركض أمكن عليه. يضع السنان بحيث شاء مجاولاً ... حتى من الآذان في أخراتها مجاولاً: أي في حال الجولان مع الأقران. والأخرات: جمع الخرت، وأراد هاهنا ثقب الأذن.

стр. 161

يقول: وضع السنان في حال مجاولته الأقران حيث أراد، حتى لو أراد أن يضعه في خرت الأذن لأمكنه! وبالغ في وصفه بقوله: مجاولاً؛ لأنه إذا فعل ذلك بالفرسان في حال المجاولة في الحرب، ففي غير ذلك الحال أقدر، لأن الرجل قد يكون حاذقاً بالطعن في أوقات اللعب، فإذا حضر في الحرب تحير، ولهذا قال: في موضع الطعن في الهيجاء، لا الطعن في الميدان. تكبو وراءك يا بن أحمد قرحٌ ... ليست قوائمهن من آلاتها كبا الفرس يكبوا: إذا عثر، وفي المثل: لكل جوادٍ كبوة، ولكل صارمٍ نبوة، ولكل عالم هفوة والقرح: جمع قارح، وهو الفرس إذا دخل في السادسة، وطلعت قوارحه، وهي أنيابه. وقال ابن جنى: الهاء في آلاتها تعود إلى وراءك؛ لأنها مؤنثة. أي ليست قوائم تجاريك. من آلات جرى خلفك شبه الممدوح بفرس سابق، وجعل من يباريه في المجد خيلاً قرحاً تجري وراءه. يقول: من جاراك كبا خلفك، وخانته قوائمه؛ لأنها ليست من آلات الجري خلفك. أي من باراك في مجدك عجز عن سعيك؛ لأنه ليس له آلة كآلتك. وقيل: إن الهاء في آلاتها ترجع إلى القرح. يعني: أن القرح إذا اتبعتك وطلبت لحاقك كبت، فكأن قوائمها ليست من آلاتها؛ لأنها تنصرف عن إرادتها، ولكنها آلة لتلك، من حيث دلت على سبقك، وأظهرت قصورها عن لحاقك، فكأنك استعنت بها على إظهار عجز من يسابقك. رعد الفوارس منك في أبدانها ... أجرى من العسلان في قنواتها الرعد: جمع رعدة. والعسلان: الاضطراب. والقنوات: جمع قناة. يقول: إن الفرسان إذا رأوك أو سمعوا بذكرك اضطربوا وارتعدوا؛ خوفاً منك. فكأن ذلك أجرى في بدنهم من اضطراب رماحهم واهتزازها، ومعنى اللفظ: أجرى من التحرك في قنواتها. لا خلق أسمح منك إلا عارفٌ ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها راء: مقلوب رأى. يقول: ليس أحد أسمح منك إلا رجل يعلم حال جودك. فرأى نفسك ولم يستوهبها منك، فجوده في ترك ذلك يزيد على جودك. غلت الذي حسب العشور بآيةٍ ... ترتيلك السورات من آياتها غلت: في الحساب. وغلط: في الكلام. والعشور: جمع عشر وهي عشور القرآن. وحسن ترتيلك: آية من آيات القرآن. فمن عد العشور في القرآن آيات السور، ولم يعد تلاوتك منها فقد غلط. يعني: أن تلاوتك معجزة لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها! كما لا يقدر أن يأتي بمثل آية من القرآن. والهاء في آياتها للسور أو للعشور. كرمٌ تبين في كلامك ماثلاً ... ويبين عتق الخيل في أصواتها ماثلاً: أي قائماً ظاهراً. والعتق: الكرم. يقول: إن حسن صوتك وكلامك يدل على كرمك، كما أن صهيل الفرس يدل على كرمه. أعيا زوالك عن محلٍّ نلته ... لا تخرج الأقمار من هالاتها الهالة: الدائرة التي حول القمر. يقول: لا يقدر أحد أن يزيلك عن محلك وشرفك، كما لا يخرج القمر عن هالته. لا تعذل المرض الذي بك، شائقٌ ... أنت الرجال وشائقٌ علاتها وروى: لاتعذل. وشائق: اسم الفاعل، من شقته أشوقه شوقاً. إذا حملته على الاشتياق. وشائق: خبر مبتدأ. وأنت: مبتدأ. والرجال: نصب بشائق الأول. وعلاتها: بالتاء والهاء: للرجال. يقول: لا تعذل المرض الذي بك، أو لا تلوم المرض الذي بك؛ لأنه قصدك زائراً، كما تزورك القصاد، وأنت تشوق الأمراض إلى زيارتك، كما تشوق الرجال. فإذا نوت سفراً إليك سبقنها ... فأضفت قبل مضافها حالاتها ومن روى: بالتاء، أي سبقتها قد صحف. ونوت: فعل الرجال. وسبقن: للعلات. والهاء: للرجال، وكذلك في مضافها وحالاتها والمضاف: مصدر، من قولك أضفت الرجل إضافةً ومضافاً: إذا قمت بضيافته. يقول: إن الرجال إذا نوت سفراً إلى لقائك، سبقتها العلات إليك، فأنزلتها في جسمك وأضفتها قبل أن تضيف الرجال. وتقديره: فأضفت حالاتها. أي علات الرجال. ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها؟ الهاء في عذرها للحمى وفي خيراتها للجسوم. يقول: إن منازل الحمى الجسوم، فإذا وجدت خير الجسوم فما عذرها في تركها لها، وعدولها إلى ما هو دونها؟! فأنت لما كان جسمك خير الجسوم قصدته رغبة فيه من غيره، كما أن من له منازل كثيرة فإنه ينزل فيما كان منها خير وأحسن. أعجبتها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لأذاتها

стр. 162

الأذاة، والأذى: بمعنىً. والهاء فيها: للأعضاء. يقول: إنك أعجبتها لشرفك وفضلك؛ فطال وقوفها؛ لتأمل الأعضاء لا لتؤذيها. وبذلت ما عشقته نفسك كله ... حتى بذلت لهذه صحاتها الهاء في عشقته وكله: لما. والهاء في صحاتها: للنفس. يقول: قد بذلت كل ما عشقته نفسك، حتى بذلك لحماك صحة نفسك!! حق الكواكب أن تعودك من علو ... وتعودك الآساد من غاباتها علو: لغة في علا وروى: تعودك وتزورك. يقول: على الكواكب أن تعودك من السماء، ويجب على الأسود أن تعودك من أماكنها؛ لأنك تشبه الكواكب بضيائها. والأسود بشجاعتها. والجنس يميل إلى الجنس. والجن من ستراتها، والوحش من ... فلواتها والطير من وكناتها الوكنات: جمع وكنة، وهي مواقع الطير، حيثما وقعت. وروى: وكراتها. المعنى: أنه يجب على كل ما في العالم أن يعودك. ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها يقول: الناس بمنزلة القصيدة. والممدوح بمنزلة البيت البديع الفرد من أبيات تلك القصيدة. قال أبو الفتح بن جنى: هذا البيت هو البديع الفرد من هذه القصيدة. في الناس أمثلةٌ تكون حياتها ... كمماتها ومماتها كحياتها روى: تدور حياتها. وأمثلة: أي أشباه. يعني: أن أشباه الناس. وقيل: أراد أن الناس أمور لا خير عندها ولا شر، فموتها وحياتها سواء. هبت النكاح حذار نسلٍ مثلها ... حتى وفرت على النساء بناتها يقول: إن التزوج ربما ينتج ولداً لا خير فيه! مثل هذه الأمثلة، فتركت بنات النساء عليهن، لم أتزوج منهن واحدة. فاليوم صرت إلى الذي لو أنه ... ملك البرية لاستقل هباتها يقول: فاليوم رأيت أفضل الناس وأكرمهم، فلو ملك الخلق كلهم ثم وهبهم لسائل لاستقلهم. مسترخصٌ نظرٌ إليه بما به ... نظرت وعثرة رجله بدياتها نظرت: فعل البرية. يقول: لو اشترت البرية نظرةً إليه، بعيونها التي تنظر بها، لكانت رخيصة! ولوفدت البرية عثرة رجله بداياتها: أي ديات البرية، لكانت رخيصة. ونظرٌ وعثرةٌ مرفوعان بمسترخص والهاء في دياتها قيل: للبرية. وقيل: للرجل. والأول أولى. وقال يمدح علي بن أحمد بن عامر الأنطاكي وفيها يفتخر ويصف ما لاقاه في طريقه: أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر ... وحيداً، وما قولي كذا ومعي الصبر! يقول: أطاعن خيلاً، والدهر واحداً من فرسانها! وأنا وحيد ليس لي من يعينني، ثم رجع وقال: ليس قولي كذلك، بل معي صبري يعاونني على دفع هذه الخيل، التي هي الدهر، وحوادثه منها، وأراد أني أقاسي خطوب الدهر. وأشجع مني كل يومٍ سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر يقول: إن سلامتي أشجع مني؛ لأنها ثبتت على حالها في كل أمرٍ عظيم وهولٍ جسيم، وما ثبتت سلامتي في هذه الأخطار العظيمة، إلا وفي نفس السلامة أمر. يعني: أن بقاء سلامتي يدل على أمر عظيم يظهر مني. تمرست بالآفات حتى تركتها ... تقول: أمات الموت أم ذعر الذعر؟! تمرست: أي تعودت إلقاء نفسي في الآفات والشدائد، حتى تركت الآفاق متعجبة مني ومن سلامتي! يقول: لعل الموت قد مات، والخوف خاف أن يخالط قلبي! وأقدمت إقدام الأتي كأن لي ... سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر الأتي: السيل الذي يأتي من بلد إلى بلد فلم يصبك مطره. يقول: إن إقدامي على الشدائد كإقدام السيل الذي لا يرد في شيء، فكأن لي نفساً غير نفسي هذه، حيث لا أبالي بهلاكها، وكأن لي عند نفسي ذخلاً، أريد أن أتلف نفسي لأجلها!. ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترقٌ جاران دارهما العمر أراد بالنفس: الروح. يقول: دع نفسك تأخذ من الدنيا ما قدرت عليه من العلو والشرف، قبل أن تفارق الجسد، فإنهما جاران فلابد من افتراقهما، والعمر دارهما، ولابد من نفاذ العمر فإذا نفذ افترقا. ولا تحسبن المجد زقاً وقينةً ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر يقول: لا تشغل نفسك باللهو والشراب، فإنه ليس بمجدٍ، وإنما المجد يحصل بالسيف والإقدام على الحرب. وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر الهبوة: الغبار الكثير.

стр. 163

يقول: ليس المجد إلا السيف، وليس البكر إلا الفتك بالأعداء، وقتل الملوك، وزعامة الجيش، فيرى لك الغبار: السواد. والهبوة: غبار العسكر العظيم، فتكون زعيماً لهم تقودهم حيث شئت. وفسر بهذين البيتين ما أراد بقوله: تأخذ وسعها. وتركك في الدنيا دوياً كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشر أنمله العشر: فاعل تداول. والهاء: للمرء. وتداولها للسمع: أنها تذهب عليه وتجيء. شبه الصوت الذي يكون في الحرب بصوت البحار الذي يسمعه الإنسان، إذا سد بأنامله أذنيه أراد أن المجد ما تقدم ذكره، وأن تترك في الدنيا أصوات العساكر على هذا الوصف. إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر يقول: إذا كان فضلك لا يرفعك عن قبول صلة ناقصٍ، حتى تحتاج إلى أن تشكره على هبته! فالفضل له لا لك؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى. قال أبو الفتح: أراد بذلك أنه إذا اضطرتك شدة الزمان إلى شكر الناقص من الناس لأجل ما تتبلغ به إلى مكان الفرصة، فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور. وأراد الأول وهو الظاهر. ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر يقول: من يفن عمره في جمع المال؛ خوفاً من الفقر، فما يفعله هو الفقر!! لأنه أبداً في غم الفقر، ويشقى بما يجمع ولا ينتفع به. علي لأهل الجور كل طمرةٍ ... عليها غلامٌ ملء حيزومه غمر الطمرة: قيل إنها الفرس العالية المشرفة. والحيزوم: الصدر. والغمر: الحقد. يقول: واجب علي أن أقصد كل ملك جائر بكل فرس طمرة، عليها كل غلام قد امتلأ صدره بالحقد ومحبة الحرب. يدير بأطراف الرماح عليهم ... كئوس المنايا حيث لا يشتهى الخمر يقول: كل غلام يدير على أهل الجور، بأطراف الرماح كئوس المنايا في مضايق الحرب، التي لا يشتهى فيها شرب الخمر. وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني ال ... جبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر يقول: كم من جبال قطعتها، فلو نطقت لشهدت أنني مثلها؛ لثباتي على الحالات، ولوقاري، وكم من بحر قطعته، لو نطق لشهد أنني بحر مثله؛ لسخائي وبعد غوري. وقيل: أراد أن الجبال تشهد أني مثلها؛ من حيث أنها تندق تحت حوافر خيلي، فتصير أرضاً لها! والبحر يصير مغموراً بخيلي، فتكون به الخيل بحراً، والبحر قطراً. وخرقٍ مكان العيس منه مكاننا ... من العيس فيه: واسط الكور والظهر وخرق: عطف على جبال ومكان: ابتداء. ومكاننا: خبره. أي: مثل مكاننا، ثم حذف المضاف. وفيه: مع ما يتعلق به حال من العيس. أي من العيس الكائنة فيه. والضمير: لخرق. وواسط: بدل من مكاننا. ويجوز أن يكون تفسيراً له. والظهر: معطوف على واسط. يقول: كم من أرض واسعة جئتها، وكانت الإبل تسير فيها أبداً، فكأنها واقفة في وسطها لا تبرح عن ظهورها. والكور: الرحل. وواسط: وسط، الذي يركب فيه الراكب. يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرةٍ أو أرضه معنا سفر الوخد: السير السريع. وجوزه: وسطه. والهاء في جوزه: للخرق. والسفر: المسافرون. وهذا البيت يتعلق بما قبله. ومعناه: أن الإبل تسير بنا وسط هذا الخرق، ولا تبرح منه، حتى كأننا على كرةٍ؛ لأن من شأن الكرة أن تقطع الأرض سيراً، وليس لها حالة الاستقرار، حتى كأن الأرض مسافرة معنا. هذا بيان لقوله: كأننا على كرة. قلت: ويحتمل أنه أراد كأننا على الفلك الذي يدوم سيره ولا ينقطع، وكأن الأرض مسافرة معنا، ولقد أخذ هذا المعنى السري الكندي فقال: وخرقٍ طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب ويومٍ وصلناه بليلٍ كأنما ... على أفقه من برقه حللٌ حمر الهاء في أفقه وبرقه: لليوم. يقول: وكم من يوم وصلنا سيره بسير الليل، فكأن برق ذلك اليوم المطير، على أفق هذا اليوم حلل حمر. وليلٍ وصلناه بيومٍ كأنما ... على متنه من دجنه حللٌ خضر الدجن: السحاب الدائم المنن، وأراد بالخضر: السود. يقول: رب ليل وصلنا سراه بسير النهار، فكأنما على متن هذا الليل من العتمة، حلل خضر: أي سود. وروى: من صحوه، فيكون أراد بالخضرة: لون السماء. وغيثٍ ظننا تحته أن عامراً ... علا لم يمت، أو في السحاب له قبر عامر: جد الممدوح.

стр. 164

يصف في هذه الأبيات أنه كان يواصل سيره بسراه، في المطر والغيم والبرق، حتى وصل إلى الممدوح، ثم شبه كثرة الغيث، بجود عامر. فيقول: من كثرة الغيث ظننت أنه رفع إلى السماء، أو قبره في السحاب، فهو يجود به فينهمل هذا المطر من جوده. وهو من قول أبي تمام: كأن السحاب الغر غيبن تحته ... حبيباً فلا يرقا لهن مدامع أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمدٍ ... يجود به لو لم أجز ويدي صفر الأولى في ابن ابنه: النصب؛ عطفاً على عامر. ويجوز رفعه على الابتداء. يقول: لولا أني مررت بهذا الغيث، ويدي خالية منه، لظننت أنه من جهة الممدوح. وإن سحاباً جوده مثل جوده ... سحابٌ على كل السحاب له فخر يقول: كل سحابٍ يكون مطره في الغزارة مثل جود الممدوح، فله على كل السحائب فخر. كما للممدوح على جميع الأسخياء من الناس، الفخر التام. فتىً لا يضم القلب همات قلبه ... ولو ضمها قلبٌ لما ضمها صدر الهاء في قلبه: للممدوح. وفي ضمها: للقلب. وفي ضمها الثانية: للهمات. يقول: إن همته عظيمة لا يسعها قلب أحد، ولو ضمه همة قلب أحد، لكان شيء من الصدور لا يضم ذلك القلب؛ لأن ذلك القلب لعظمه لا يسعه صدر، بل ينشق. وقيل: أراد أن همته لا يسعها قلبه؛ للطافته. وإن كان منه منشؤها. ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤه ... وهل نافعٌ لولا الأكف القنا السمر الإمكان: الغنى. يقول: لا ينفعك ماله، الذي يمكنه أن يصلك به، لولا سماحته التي توصله إليك. وقيل: أراد لولا سخاء نفسه وجوده، لكان لا ينفعك كثرة ماله، كما أن القناة لا تنفع للطعن، لولا الأكف. قرانٌ تلاقي الصلت فيه وعامرٌ ... كما يتلاقى الهندواني والنصر الصلت: جد الممدوح لأمه وعامر: جده لأبيه. وفيه حذف: أي أتى به قران. يقول: لما اقترن في نسبه هذا، الشريفان. اللذان كل منهما سيداً شريفاً. فكان في ذلك كالمشتري وزحل. إذا اقترنا؛ فإنه يدل على ملكٍ عظيم. ثم شبه اقترانهما باجتماع السيف والنصر. فجاءا به صلت الجبين معظماً ... ترى الناس قلاً حوله وهم كثر صلت الجبين: أي واضحة. يقول: إن جديه أتيا به وولداه، وهو صلت الجبين، شريف كبير، ويرى الناس حوله قليلين في المعنى، وإن كانوا كثيرين في العدد. مفدى بآباء الرجال سميدعاً ... هو الكرم المد الذي ماله جزر السميدع: السيد. والمد: الزيادة. والجزر: النقصان. يقول: إن الناس يفدونه بآبائهم؛ لجلالته وكثرة نفعه لهم، وهذا هو الكرم الذي يزيد ولا ينقص، فهو مدٌّ بلا جز. بخلاف الأنهار، فإنه لا مد لها ولا جزر، وأما كرمه فمد بلا جزر. وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركبٍ له ذكر يقول: ما زلت يسايرني ذكره، حتى قادني الشوق نحوه. أي ما زلت أسمع بخبره وكرمه، حتى اشتقت إلى لقائه فقصدته. وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر الخبر: الإخبار بالشيء. والخبر: الاختبار. يقول: كنت أستعظم ما أسمعه من ذكره، فلما رأيته، زاد الاختبار على الخبر. إليك طعناً في مدى كل صفصفٍ ... بكل وآةٍ كل ما لقيت نحر المدى: الغاية في البعد. والصفصف: الأرض الملساء الواسعة. والوآة: الناقة الصلبة. وأراد بقوله: طعنا: أي قطعنا. وكل ما لقيت: مبتدأ، وأراد: كل ما لقيته. ونحر: خبره. يقول: قطعنا إليك بعد كل أرض ملساء، بكل ناقة صلبة، فكل موضع لقيته هذه الناقة، هو نحرٌ يلاقيه الطعن، وقيل: أراد به مصدر نحرت: أي الناقة لمشقة السير، كأنها لقيت نحرها. إذا ورمت من لسعةٍ مرحت لها ... كأن نوالاً صر في جلدها النبر النبر: دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعته. يقول: إذا لسعها النبر ورم جلدها، فرقصت واضطربت لشدة لسعته، فكأن النبر صر في جلدها نوالا: أي عطية، فهي ترقص فرحاً؛ لأجله. فشبه ورم اللسعة بصرة. فجئناك دون الشمس والبدر في النوى ... ودونك في أحوالك الشمس والبدر يقول: أنت دون الشم والبدر في البعد، وهما دونك في أفعالك؛ لشرفك وعلوك، وأنت أنفع في المخاوف منهما. كأنك برد الماء لا عيش دونه ... ولو كنت برد الماء لم يكن العشر العشر: أبعد أظماء الإبل.

стр. 165

يقول: إن كل أحد يحتاج إليك، ولا عيش له مع فقدك، كما لا عيش له مع فقد الماء، بل الحاجة إليك أشد؛ لأن الماء قد يصبر عنه عشرة أيام، إلا أنت فلا يمكن الصبر عنك ساعة. وقيل: أراد لو كان برد الماء مثلك، لكانت الإبل تتجاوز العشر؛ لاستقائها بعذوبتك وبرد قطرك. وقيل: أراد أن جودك كثير، فلو كنت برد الماء لكنت موجوداً في كل موضع. فكان لا يحتاج الإبل إلى طول الظمأ وإلى الصبر على العطش عشرة أيام. دعاني إليك العلم والحلم والحجا ... وهذا الكلام النظم والنائل النثر يقول: دعاني إليك ما فيك من العلم والحلم والعقل. وقد روى: والنهى والمعنى واحد. ونائلك الذي نثره بين يدي سؤالك، وتفرقه على الناس. وهذا الكلام، والنظم للشعر الذي تقوله. لأنه روى: أن الممدوح كان شاعراً حسن الشعر. وقيل: أراد به كلامه الذي نظمه في مدحه، وذكر أوصافه. وما قلت من شعرٍ تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر روى: قلت على الخطاب. وقلت على الإخبار عن النفس. وهو أولى. يقول: دعاني إليك شعري الذي يكاد نوره يبيض الحبر المكتوب به. كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقك الزهر وروى: خلائفك يقول: كأن معاني هذا الشعر، في فصاحة لفظها وجودة نظمها، نجوم الثريا، وكأنها في حسنها، أخلاقك الحسنة الطاهرة. وخص الثريا؛ لأنها ظاهرة يعرفها كل أحد، ولأنها منظومة مجتمعة، والشعر كذلك. وجنبني قرب السلاطين مقتها ... وما يقتضي من جماجمها النسر يقول: أبعدني من قرب السلاطين، بغضي لهم وحقدي عليهم، وكذلك أبعدني عنهم مقاضاة النسر بجماجمهم. وإني رأيت الضر أحسن منظراً ... وأهون من مرأى صغيرٍ به كبر يقول: إنما باعدتهم؛ لأني رأيت احتمال الضر أحسن وأسهل من رؤية رجل صغير الهمة متكبر، وروى: من مرءٍ صغيرٍ على أن يكون صغير صفة للمرء. وروى: من مرأى صغير على الإضافة. وهو مصدر رأيت. وروى: من لقيا صغير. لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر أود: جمع ود. ويقال: رجل ود، وودود، ووديد. وأراد بالفؤاد: فؤادي. يقول: هذه الأعضاء التي سميتها مني تود الأعضاء منك مثلها، فلساني: وديد لسانك، وعيني: تود عينك، وفؤادي: وديد فؤادك، وهمتي: تود همتك، والشطر: عطف على هذه الأعضاء. أي وهي الشطر منك. يعني: أن الجسم جسمٌ واحد، فنصفه أنت ونصفه أنا. وغرضه بذلك شدة محبته له. وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر يقول: ما تفردت أنا بقول الشعر، ولكنه شعري أعانني على قوله. يعني: لما أردت نظمه فيك كان يعين على مدحك فينظم نفسه افتخاراً بك، وقيل: أراد أن حسن شعري يقوم مقام شعرٍ آخر، فكأن ذلك الحسن شعرٌ في شعري فيك. وماذا الذي فيه من الحسن رونقاً ... ولكن بدا في وجهه نحوك البشر يقول: الذي فيه من الحسن، ليس برونق له، ولكنه لما رآك وصار منتظماً فيك، ظهر له سرور وبشر في وجهه. وإني ولو نلت السماء لعالمٌ ... بأنك ما نلت الذي يوجب القدر يقول: إني أعلم أنك وإن نلت السماء، فذلك دون ما يوجبه قدرك؛ لأن قدرك أعلى محلاً، أجل من السماء! أزالت بك الأيام عتبي كأنما ... بنوها لها ذنبٌ، وأنت لها عذر يقول: كنت أعاتب الأيام، فلما جئت رضيت عنها، فكأنها أذنبت بلوم أبنائها، فاعتذرت أنت إلي بكرمك، فكنت عذراً لذنبها، وأبناؤها ذنبٌ لها. وقال يمدح علي بن محمدٍ بن سيار بن مكرم التميمي وكان يحب الرمي ويتعاطاه، وله وكيلٌ يتعرض للشعر، فمدح أبا الطيب فأنفذه إليه فصار إليه أبو الطيب فتلقاه وأجلسه في مرتبته وجلس بين يديه، فأنشده أبو الطيب: ضروب الناس عشاقٌ ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا الضروب: هي الأنواع. وأشفهم: أي أفضلهم. وضروبا: نصب بعشاق. وحبيباً نصب: على التمييز. يقول: أنواع الناس على اختلافهم يعشقون أنواعاً من المعشوقات، ولكن أحقهم بالعذر من بينهم، من يكون حبيبه أفضل وأعدل وأنبل. وما سكنى سوى قتل الأعادي ... فهل من زورةٍ تشفي القلوبا السكن: من تسكن إليه، من أهل أو حبيب.

стр. 166

يقول: إن الذي أعشقه ويسكن قلبي إليه. قتل الأعادي، فهل لي سبيل إلى يارة حبيبي: الذي هو قتلهم؟ لأنه يشفي قلبي وقلب أحبائي. وأراد به: هل أمكن من قتل الأعادي فأشفى به؟ تظل الطير منها في حديثٍ ... ترد به الصراصر والنعيبا الصرصرة: صوت النسر والبازي. والنعيب: صوت الغراب. وتظل: في موضع الجر، صفة لترد. يقول: هل من سبيل إلى وقعة بأعدائي يكثر فيها القتلى؛ فيجتمع عليها الطير، فينعب الغراب وتصرصر النسور والبازي، كأنهما في حديث. وإنما ذكر البازي بصرصرة؛ لأنه لا يأكل الجيف. لأنه لم يقل: إن هذه الطيور تأكل الجيف. فكأنه قال: تجتمع على هذه القتلى ما تأكل الجيف. فمنها ما تأكل ومنها ما لا تأكل، فتساعد أكالة الجيف بالأصوات فتنشط بنشاطها، وإن كانت لا تأكل؛ لأن الطير جنس واحد، والجنس يفرح بفرح الجنس ويغم بغمه. وقد لبست دماؤهم عليهم ... حداداً لم تشق لها جيوبا يروى: دماؤهم بالرفع؛ فتكون لبست فعلها. ومعناه: أن دماءهم لما يبست اسودت، فكأنها لبست الحداد؛ حزناً على القتلى، ولكنها لم تشق جيوبها، كما يفعله المصاب. وروى: دماءهم فلبست على هذا. فعل الطير. أي قد لبست الطيور دماء هؤلاء القتلى حداداً؛ لأنها اختصت بها، فجفت عليها واسودت، غير أنها لم تشق بها جيوباً، أي للقتلى، وقيل للحداد. أدمنا طعنهم والقتل حتى ... خلطنا في عظامهم الكعوبا أدمنا: من الإدامة. وقيل: من الجمع والخلط من قولهم للمتزوجين في الدعاء: أدام الله بينهما. والكعوب: جمع كعب، وهو عقب الرمح. يقول: ما زلنا نطعنهم حتى كسرنا الرماح فيهم، وخلطنا كعوبها في عظامهم؛ لكثرة طعنهم بها. وخص الكعوب؛ لأنها إذا انكسرت أشبهت العظام المتكسرة. وقيل: أراد بالكعوب: كعب الإنسان. أي قطعنا الأرجل والأذرع والأسوق حتى صارت الكعوب مختلطة بكسير العظام المكسرة. كأن خيولنا كانت قديماً ... تسقى في قحوفهم الحليبا القحوف: جمع قحف، وهو عظم الرأس الذي على الدماغ. والحليب: اللبن المحلوب من ساعته. وقديماً: نصب على الظرف. يقول: إن خيلنا تمر بنا على القتلى فتطأ رءوسهم وصدورهم، غير نافرة منهم، حتى كأنها كانت قد شربت اللبن فيما مضى من الأيام في عظام رءوسهم. فمرت غير نافرةٍ، عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا الجماجم: العظم الذي فيها الدماغ. والتريب: جمع التريبة وهي مجال القلادة. يقول: هذه الخيل مرت بنا على جماجم الأعداء وترائبهم، ولم تكن نافرة عنهم؛ وذلك لإلفها هذه الأشياء وأمثالها. يقدمها وقد خضبت شواها ... فتىً ترمي الحروب به الحروبا يقدمها: أي يتقدم عليها، وهو في موضع النصب على الحال من قوله: فمرت والشوى: الأطراف والقوائم يقول: مرت الخيل بنا وقد خضبت قوائمها بالدم، يتقدمها فتىً متعود الحرب متى يخرج من الحرب يدخل في حرب أخرى. وهو المراد بقوله: فتى ترمي الحروب به الحروبا. وأراد بالفتى نفسه. شديد الخنزوانة لا يبالي ... أصاب إذا تنمر أم أصيبا وروى: إذا تيمم أي قصد الحرب. والخنزوانة: الكبرياء وأصاب: يجوز أن يكون الألف للاستفهام؛ لأن أم يدل على الاستفهام فتكون أصاب: بمعنى صاب. ويجوز أن يكون ألف الاستفهام محذوفاً لدلالة أم عليها؛ لأن صاب وأصاب بمعنىً. وتنمر: أي غضب. وشديد الخنزاونة: صفة للفتى. يقول: هو شديد الكبرياء؛ لفضله وشجاعته، فإذا غضب في الحرب لا يبالي أيقتل أعداءه أم يقتلونه. أعزمي، طال هذا الليل فانظر ... أمنك الصبح يفرق أن يئوبا؟ الهمزة في أعزمي للنداء. يقول: يا عزمي، طال هذا الليل حتى كأن الصبح قد علم ما عزمت عليه من القتل والحرب، فهو يخاف منك يا عزمي أن يعود. كأن الفجر حبٌّ مستزارٌ ... يراعى في دجنته رقيبا الحب: الحبيب. والدجنة: الظلمة. يقول: كأن الفجر طلب أن يزوره فجاءه لزيارته، ولكنه يراعي الرقيب حتى يغفل عنه، ويزوره حينئذ. فشبه الفجر بالحبيب. والظلام بالرقيب. حتى إذا زال الظلام، طلع الفجر، وإذا غاب الرقيب، وصل الحبيب. كأن نجومه حليٌ عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا

стр. 167

الجبوب. وجه الأرض. وحذيت: أي جعلت له حذاء، وهو النعل. والكناية في نجومه وقوائمه وعليه لليل فكأنه أراد أن يشبه الليل بفرس أدهم مثل ما بين السماء والأرض، فجعل النجوم عليه مركبة، والأرض نعلاً لرجله. فيقول: كأن نجوم هذا الليل حلى عليه، وكأن الليل قد جعل أنعال قوائمه الأرض؛ لطول امتلائه بين السماء والأرض. وقد سرق قوله: كأن نجومه حلىٌ عليه من قوله تعالى: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " والبيت من قول امرىء القيس حيث يقول: كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتانٍ إلى صم جندل كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا الهاء في سواده لليل. وفي فيه للجو. يقول: كأن الهوى لقي من العناء ما لقيته أنا في الحرب والأسفار، فتغير لونه كما تغير لوني، فهذا السواد تغيرٌ في لونه. كأن دجاه يجذبها سهادي ... فليس تغيب إلا أن يغيبا الهاء في دجاه لليل، أو للجو، وفي يجذبها: للدجى، وهي الظلم. يقول: كأن ظلم هذا الليل يجذبها سهري، فهي متعلقة بسهري، فليست تغيب هذه الظلمة إلا إذا غاب السهر، وكما أن سهادي لا يغيب، كذلك دجى الليل، لا يزول ولا يغيب. أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا الهاء في فيه: للجو، أو لليل. وفي بها: للأجفان. يقول: إني أقلب أجفاني في هذا الليل والجو، يميناً وشمالاً، وأكثر من تقليبها، فكأني أعد بأجفاني عيوب الدهر، يعني: كما أن ذنوب الدهر كثيرة، لا تعداد لها، كذلك أجفاني لا انقطاع لتقليبها، ولا نوم لي هناك. وما ليلٌ بأطول من نهارٍ ... يظل بلحظ حسادي مشوبا أراد: بلحظي حسادي. فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول. يقول: هذا الليل مع تناهيه في الطول، وسهري فيه، ليس بأطول من نهارٍ ألاحظ فيه أعدائي، فيكون النهار مشوباً برؤيتي حسادي. فيشكو الليل والنهار جميعاً. وما موتٌ بأبغض من حياةٍ ... أرى لهم معي فيها نصيبا أبغض: الوجه فيه أن يقول: اشد إبغاضاً، لكنه جاء به على حذف الزوائد. يقول: كما أكره الموت أكره الحياة التي شاركني فيها الحساد، فليست الحياة أحب من الموت، ولا الموت أكره من الحياة، إذا كان لحسادي نصيب في تلك الحياة. يعني: أني أحب الحياة إذا أفنيت حسادي. عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا النوائب: حوادث الدهر. والنقيب: العارف بالأشياء. يقول: إني عرفت حوادث الدهر، حتى لو كانت الحوادث من الأحياء المنتسبين إلى الآباء لكنت العارف بها وبأنسابها، ومن أين تولد، وإلى من تنسب، كما يعرف النقيب الأنساب. ولماقلت الإبل امتطينا ... إلى ابن أبي سليمان الخطوبا امتطينا: ركبنا مطاها وظهورها. والخطوب: شدائد الأمور. يقول: لما لم نجد الإبل وقل ما نركبه، ركبنا إليه ما أصابنا من الشدائد، فجعلناها مطايانا، لا سبب قصدنا إياه وهو الشدائد. وقيل: لما حقرت الإبل في جنب قدره مشينا إليه بأقدامنا إعظاماً له وإجلالا. مطايا لا تذل لمن عليها ... ولا يبغي لها أحدٌ ركوبا يقول: إن الخطوب مطايا لا تطاوع راكبها؛ لشدتها وصعوبتها، ولا تنقاد لأحد، ولا يطلب أحد ركوبها؛ لصعوبتها لأنها غير ذلول. وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا الجديب: المجدب. لما جعل الخطوب مطايا، جعلها ترعى في نفسه، فيقول: إنها تأكل من أبدانا، بدلاً من رعي الأرض، فما فارقت هذه المطايا جديباً، من السقم والهزال كالأرض الجدبة. إلى ذي شيمةٍ شغفت فؤادي ... فلولاه لقلت بها النسيبا الشيمة: الخلق. وشغفت: أي ملأت فؤادي حباً. والنسيب ذكر محاسن المرأة في الشعر. يقول: امتطيت الخطوب، حتى وصلت إلى ذي شيمة كريمة، فلولا مراقبته وجلالة قدره، لنسبت بهذه الشيمة، كما ينسب الشاعر بالمرأة المحاسن. تنازعني هواها كل نفسٍ ... وإن لم تشبه الرشأ الربيبا الرشأ: الذكر من أولاد الظباء. والربيب: المربى في البيوت. والهاء في هواها: للشيمة. يقول: ليس أحد يعشق هذه الشيمة كعشقي لها، وإن لم تشبه هذه الشيمة الغزال المربى في البيوت. أي الجواري الحسان، وإنما هي خلق وطبع، لا شخص وجسم.

стр. 168

عجيبٌ في الزمان وما عجيبٌ ... أتى من آل سيارٍ عجيبا عجيباً: نصيب، لأنه خبر ما. يقول: هو عجيب في زمانه، لعدم نظيره، ولكن كونه عجيباً ليس بعجب إذا كان من آل سيار؛ لأنهم معادن المجد والكرم. وشيخٌ في الشباب وليس شيخاً ... يسمى كل من بلغ المشيبا شيخاً: نصب؛ لأنه خبر. مفعول يسمى، وكل اسمه. يقول: هو شيخ في شبابه؛ لحلمه وحكمته، وليس يسمى الشيخ كل من شاب، إذ من الشيب من لا يستحق اسم الشيخ. قسا فالأسد تفزع من يديه ... ورق فنحن نفزع أن يذوبا رق: أي لان. وقد روى: ولان. يقول: إنه قاسي القلب في الحروب على أعدائه، بحيث تخشى الأسود منه ومن صولته، ورق طبعه لأوليائه، بحيث نخاف نحن لرقته ولطافته أن يذوب، وروى: فالأسد تفزع من قواه وهي جمع القوة. أشد من الرياح الهوج بطشاً ... وأسرع في الندى منها هبوبا الهوج: أي الشديدة، التي لا تستقيم على سنن واحد. والبطش: الأخذ بالقوة. يقول: هو أشد من الرياح الهوج بطشاً، فكل من يبطش به أهلكه وهو أسرع من هذه الرياح في العطاء: أي لا يرد سائلاً. وبطشاً وهبوباً: نصبا على التمييز. وقالو: ذاك أرمى من رأينا ... فقلت: رأيتم الغرض القريبا يقول: عجب الناس من إصابة رميه، قلت: إنما رأيتموه يرمي الهدف القريب ولم تروه يرمي الهدف البعيد، فأخفى عليكم من رميه أكثر. وقيل معناه: أنكم رأيتم منه الغرض القريب، وأنا رأيت منه الغرض البعيد، فإنه يظن الظنون ويرى الآراء، فيكون كما رآه وظنه. وهل يخطي بأسهمه الرمايا ... وما يخطي بما ظن الغيوبا الأصل: يخطىء، بالهمزة فأبدلها ياء. يقول: كيف تعجبون من إصابته الغرض يرميه؟! وهو يرمي الغيب بظنه فيصيبه! فإذا كان يصيب بظنه الغيب الذي لا يصيبه أحد، فكيف لا يصيب المرمى المشاهد! إذا نكبت كنانته استبنا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا نكبت: أي قلبت على رءوسها. ويروى نكتت بالتاءين. وهو في معنى الأول. والكنانة: الجعبة. واستبنا: أي تبينا وعلمنا. والندوب: جمع ندب، وهو أثر الجرح والهاء في بأنصلها: للأسهم. يقول: إذا قلبت كنانته يوم الرمي رأينا في أنصلها الآثار الحاصلة من أنصلها؛ لأن أنصلها تقاتلت في الكنانة، لما أبطأت الرمي إلى الأعداء، لتعودها القتال والرمي، فجرح بعضها بعضا. وقيل: معناه أن سهامه تنفذ في سمة واحدة فيصيب النصل النصل ويؤثر فيه. يصيب ببعضها أفواق بعضٍ ... فلولا الكسر لاتصلت قضيبا الأفواق: جمع فوق، وهو الحز الذي يجرى في وتر القوس. يقول: إذا رمى سهماً، ثم رمى سهماً آخر، أصاب به فوق الأول، فلولا انكسار الأول لاتصل الأول بالثاني، وبالثاني الثالث فصار من ذلك قضيباً. بكل مقومٍ لم يعص أمراً ... له حتى ظنناه لبيباً يقول: يصيب بكل سهم مقوم حتى استقام له، فلا يعصي له أمراً، حتى كأنه عاقل يمتثل أمره. يريك النزع بين القوس منه ... وبين رميه الهدف اللهيبا روى: رمية الهدف على الإضافة. وروى رمية الهدف فيكون الهدف بدلاً من رميه. يقول: يريك جذبه السهم بين القوس وبين المرمى، وهو الهدف اللهيب. وقيل: أراد وصفه بالسرعة، فشبهه بلهيب النار. وقيل: أراد به حقيقة اللهيب للنار ويكون المراد به النار التي تتولد منه عند القدح. ألست ابن الألى سعدوا وسادوا ... ولم يلدوا امرأً إلا نجيبا! ألست: تقديره ليس للنفي. والألى: بمعنى الذين. فكأنه قال: أنت ابن الآباء الكرام، ذوي السعادة والمجد والسيادة، وهم لا يلدون إلا من هو نجيب مثلك ونالوا ما اشتهوا بالحزم هوناً ... وصاد الوحش نملهم دبيبا هونا: في موضع الحال. ودبيبا: حال من نملهم. يقول: إن آباءك نالوا ما تمنوا من المجد والعلا بأهون سعي؛ بفرط حزمهم ونملهم يصيد الوحش. ومعناه: أنهم ينالون الأمور الصعبة بأهون سعي منهم. وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا الريح: الرائحة. والهاء في لها وكساها: عبث؟ يقول: إن الرائحة التي تشم من الرياض ليست للرياض! ولكن كسا هذه الرياض دفن آبائه في التراب طيباً وعطراً، فما يفوح إنما هو ريحهم وأراد به الثناء وحسن الذكر الجميل.

стр. 169

أيا من عاد روح المجد فيه ... وعاد زمانه البالي قشيبا القشيب: الجديد والهاء في فيه تعود إلى من وفي زمانه إلى المجد وقيل: إلى من. يعني: أن المجد مات منذ قديم وذهب زمانه، ثم انتقلت رفعته فيك، فعاد حياً وصار زمانه جديداً بعد البلى. وقيل: أراد أن روح المجد بعد آبائه وأجداده انتقلت أيضاً إليه فصار هو المجد. على طريقة المبالغة، وعاد زمانه الذي هو فيه كثير الخير والخصب بعد ما كان قد بلي وأجدب بموته آبائه. تيممني وكيلك مادحاً لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا فآجرك الإله على عليلٍ ... بعثت إلى المسيح به طبيبا تيممني: يعني قصدني. والباقي ظاهر. وطبيباً: حال من ضمير عليل، أو من المسيح. ومثله: فإنك واستبضاعك الشعر نحونا ... كمستبضعٍ تمراً إلى أهل خيبرا يعني أن مثلك في إرساله إلي بمدحي؛ مثل من أرسل عليلاً ليداوي السيد المسيح. الذي كان يحيي الموتى ويصنع المعجزات ولست بمنكرٍ منك الهدايا ... ولكن زدتني فيها أديبا يقول: لا أنكر منك الهدايا، ولكنك زدتني في جملتها أديباً يمدحني وحكى أن الوكيل افتخر بذلك وقال: قد شهد لي بالأدب. فلا زالت ديارك مشرقاتٍ ... ولا دانيت يا شمس الغروبا يقول: لا زالت ديارك تشبه الشمس، وجعله شمساً لعلو محله وشهرة ذكره، وكنى بالغروب عن الموت، وذلك دعاء له بالبقاء. لأصبح آمناً فيك الرزايا ... كما أنا آمنٌ فيك العيوبا اللام في لأصبح متعلق بقوله: ولا دانيت أي إنما دعوت لك بالسلامة والبقاء لتأمن نفسي أن تنالك مصيبة كما آمنت أن يلحقك عيب. وقال أيضاً يمدحه ويذكر مهارته في الرماية وفيها يفتخر ويذم الزمان: أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد بله: أي دع، وقيل: كف، هو وضع لذلك. مثل: صه اسم فعل كقولك اسكت. وصهٍ: بمعنى كف. وفي أكثره: يجوز النصب، والجر، والرفع، أما النصب: فلأن بله اسم للفعل فينصب به كما ينصب بالفعل: ومعناه: دع أكثره. والجر: فلأنه مصدر أضيف إلى مابعده. وأما الرفع: فإن قطرباً أجازه على معنى: كيف أكثره؟ أو على معنى: بل أكثره. والجد: الاجتهاد والجد: الحظ. وأقل فعالي: مبتدأ. ومجد: خبره. وتقدير البيت: أقل فعالي مجد وذا الجد فيه جد. أم لم أنل، والهاء في فيه: للمجد. يقول: إن قليل فعالي مجد. أي لكنني مجداً وشرفاً حتى أكلي وشربي واضطجاعي وجلوسي، كل ذلك منسوب إلى المجد، لأن غرضي في جميع أفعالي اكتساب المجد. فدع عنك أكثر أفعالي من المساعي الجسام، والأخطار بالنفس والمال. وقوله: ذا الجد أي هذا جدي في الأمور، واجتهادي فيها حظ وبخت سواء نلت أو لم أنل لأن الجد معدود في السعادة، كما أن التواني معدود في الشقاء؛ لأنه إذا ينل حظه كان قد أبلى عذره. سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد يقول: سأطلب ملكي الذي هو حقي برماح وبمشايخ كأنهم مرد لكثرة التثامهم. يعني: أنهم عرب معودون التلثم حتى سقطت شعور عوارضهم فصاروا كالمرد. وخص المشايخ لتجربتهم وثبات بصائرهم كما قيل في المثل: زاحم بعودٍ أو دع. العود: الجمل المسن. وهذا من قول البحتري: حص التريك رءوسهم فأصابها ... في مثل لألاء التريك المذهب والأصل فيه قول ابن الأسلت: قد حصت البيضة رأسي ... فما أطعم يوماً غير هجاع ومعناه: أنها من طول ما استعملت تساقط ريشه الذي به قوة التهام. والأول أولى. ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا يقول: هؤلاء المشايخ إذا لقوا أعداءهم ثبتوا ولم يتزعزعوا، وإذا دعاهم صارخ أسرعوا إليه، ولم يتباطئوا، وإذا حملوا في الحرب قاموا مقام الجيش الكثير وإذا عدوا كانوا قليل العدد. يعني فيهم قلة من العدد وكثرة من حيث الجلد. وطعنٍ كأن الطعن لا طعن عنده ... وضربٍ كأن النار من حره برد هذا عطف على ما تقدم. أي سأطلب حقي بالقنا وبمشايخ صفتهم ما تقدم. يقول: وطعن كأن طعن الناس إذا قيس إليه ليس بطعن، أو بضرب بالسيف، كأن النار إذا قيست إليه فحرها برد، والهاء في عنده للطعن الأول والطعن: اسم كأن، والجملة بعده خبر، والعائد عليه محذوف.

стр. 170

إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ ... رجالٌ كأن الموت في فمها شهد حفت: أي أحدقت بي، وفاعله: رجال. والهاء في فمها للرجال والشهد: العسل مع ما فيه من الشمع. يقول: متى شئت أحدقت بي رجال راكبون على فرس سابحٍ، وكانوا أبطالاً يجدون الموت في الحرب حلواً كالعسل. وروى حفت بي أي: أسرعت. أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد صغر أهل الزمان على جهة التحقير. والفدم: هو الغبي. والوغد: العبد، وقيل من لا خير عنده. يقول: أذم إلى أهل الزمان أهله؛ فأعلم هذا الزمان جاهل غبي، وأكثرهم حزماً ضعيف وحقير، لا خير عنده ولا غناء له. وأكرمهم كلبٌ وأبصرهم عمٍ ... وأسهدهم فهدٌ وأشجعهم قرد العمى: الذي عمي قلبه. ويضرب المثل في الكلب بالخسة، وفي كثرة النوم بالفهد وفي الجبن بالقرد لأنه لا ينام بالليل خوفاً على نفسه. ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد يقول: من محن الدنيا على الحر، أن يرى عدواً له، ويظهر من صداقته، بحيث لا يكون من إظهارها بد. والأصل ما من إظهار صداقته بد، غير أنه حذف المضاف؛ لأن العدو لا يكون صديقاً. وروى أن يرى بضم الياء، على ما لم يسم فاعله. أي يرى الدنيا. ومعناه: من لوم الدنيا أن الحر مجبول على حبها، وهي عدوٌ ولا يقدر أن يعرض عنها. وهذا من قول أبي نواس: إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق بقلبي وإن لم أرو منها ملالةٌ ... وبي عن غوانيها، وإن وصلت صد الهاء في منها وغوانيها: للدنيا. يقول: إني وإن لم أرو من الدنيا، ولم أقض منها وطري، فإني قد مللت منها، لما عرفت من تقلب أحوالها، ولذلك أعرضت عن غواني هذه الدنيا؛ لما عرفت من غدرهن وقلة وفائهن، وإن واصلتني فلا أبالي لوصالي. خليلاي دون الناس: حزنٌ وعبرةٌ ... على فقد من أحببت ما لهما فقد ما لهما: أي للحزن، والعبرة. يقول: لما فقدت حبيبي أعرضت عن الناس وانفردت بالبكاء والحزن، فهما خليلاي، وليس لهما فقد. تلج دموعي بالجفون كأنما ... جفوني لعيني كل باكيةٍ خد يقول: لا تخلو جفوني من الدموع، فكأن جفوني خد لعيني كل باكية في الدنيا، وكأن كل دمع يجري من كل عين يجري على جفوني. وإني لتغنيني من الماء نغبةٌ ... وأصبر عنه مثل ما يصبر الربد النغبة: الجرعة، الربد: النعام، وهو جمع أربد، ورابد. والأربد: الذي يعلو سواده غبرة. يقول: يكفيني من الماء جرعة، فإذا نلتها أصبر عن الماء، كما صبر النعام. والنعامة لا ترد الماء وتكتفي بالهواء، وكذلك الضب والحية. وروى: وإني لتغنيني عن الماء نعته: أي وصفه، وهو أبلغ: يعني إذا وصف الماء أو نعت ارتويت بوصفه. وأمضي كما يمضي السنان لطيتي ... وأطوي كما تطوي المجلحة العقد الطية: النية. وروى: أطوي. أي أجوع. والمجلحة: الحادة في طلبها، المصممة على أطوادها. وأراد بها الذئاب، وهي أدوم السباع كلها، وأحرصها على الصيد. والعقد: جمع أعقد، وهو الذي في ذنبه عقد، وهي أخبث الذئاب. يقول: إذا عزمت على شيء مضيت فيه مضاء السنان، وإذا عدمت الزاد صبرت عنه، كما تصبر الذئاب. وهي توصف بالطوى، ويقال: أجوع من ذئب. وأكبر نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍ ... وكل اغتيابٍ جهد من ماله جهد الجهد والجهد: الطاقة. يقول: أجهد نفسي ألا أجازي أحداً بغيبة إذا اغتابني؛ وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على المكافأة بالفعل. وأرحم أقواماً من العي والغبا ... وأعذر في بغضي لأنهم ضد العي: العجز عن الكلام. والغباء: الجهل. يقول: أرحم من فيه الجهل والعي، وأعذرهم إذا بغضوني؛ لأنهم ضدي؛ إذ ليس في مثل ما فيهم من العي والجهل. ويمنعني ممن سوى ابن محمدٍ ... أيادٍ له عندي يضيق بها عند جعل عند اسماً، وإن كان لا يستعمل إلا ظرفا؛ لأنه حمله على المعنى. كأنه قال: يضيق بها المكان، ولأن أصل الأسماء يجريها بوجوده الإعراب، فإذا اضطر الشاعر ردها إلى الأصل. يقول: إن نعم ابن محمد كثيرة عندي، بحيث يضيق بها المكان من كثرتها، فلما أردت أن أمدح غيره منعتني تلك النعم أن أمدح أحداً سواه؛ حياءً منه.

стр. 171

توالى بلا وعدٍ ولكن قبلها ... شمائله، من غير وعدٍ بها وعد أصله: تتوالى، فحذف إحدى التاءين. والشمائل: الأخلاق. يقول: أياديه تتابعث علي من غير وعد تقدمها، غير أن شمائله الكريمة وطلاقة وجهه تقوم مقام الوعد، وإن لم يكن هناك وعد على الحقيقة. سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي! ... إلى السيف مما يطبع الله لا الهند صاحبي: بدل من السيف. يقول: سريت بسيفي الذي طبعته الهند إلى السيف الذي طبعه الله تعالى. وهو الممدوح، شبهه بالسيف لمضائه. فلما رآني مقبلاً هز نفسه ... إلي حسامٌ كل صفحٍ له حد حسام: رفع؛ لأنه فاعل رأى. ويجوز أن يكون مرفوعاً بهز. يقول: إنه لما رآني مقبلاً نحوه اهتز إلي وقام إلي، واستعمل فيه هز لأنه جعله سيفاً، ثم قال: كل صفح له حد أي كل جانب له، وكل جزء منه حد، بخلاف السيف فإنه كله صفحة، وهو وجهه. لا يكون له غيره. فلم أر قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد يقول: لم أر رجلاً قبلي مشى إليه البحر، وعانقته الأسد، شبهه بالبحر، لسخائه، وبالأسد؛ لشجاعته. وأراد بالرجل: نفسه. كأن القسي العاصيات تطيعه ... هوىً أو بها في غير أنمله زهد أراد بالعاصيات: الصعبة الشديدة. يقول: إن القسي الصعبة تطيعه عند توتيرها ونزعها. إما حباً له أو قلة رغبة في غير أصابعه، فلا تجذب لأحد دونه. يكاد يصيب الشيء من قبل رميه ... وتمكنه في سهمه المرسل الرد يقول: إذا رمى شيئاً أصابه قبل أن يرميه، وإذا أرسل سهماً أمكنه رده قبل وصوله إلى الغرض، وقصد المبالغة. وينفذه في العقد وهو مضيقٌ ... من الشعرة السوداء والليل مسود يقول: لو عقد عاقدٌ عقداً ضيقاً، على شعرة سوداء، وتركه في ليلة مظلمة، لأمكنه أن ينفذ سهمه فيه، في ظلمة الليل. بنفسي الذي لا يزدهي بخديعةٍ ... وإن كثرت فيها الذرائع والقصد لا يزدهي: أي لا يستخف به مخادعة، والهاء في فيها للخديعة. يقول: أفدي بنفسي الفصيح الفطن، الذي لا يستخفه أحد بالخديعة والمكر، وإن كثرت الوسائل في الخديعة، والقصد إليها، لأنه يقف عليها ويفطن لها سريعاً، فلا يمكن أحد خديعته. ومن بعده فقرٌ، ومن قربه غنىً ... ومن عرضه حرٌّ، ومن ماله عبد يقول: إن الغنى في يديه فمن بعد عنه حرمه، ومن قرب منه أغناه، وإن عرضه: أي نفسه وحسبه، حرٌّ: أي مصون صيانة الحر، وماله: مهان إهانة العبد. وطابق في هذا البيت. البعد: بالقرب. والفقر: بالغنى. والحر: بالعبد. والعرض: بالمال. ويصطنع المعروف مبتدئاً به ... ويمنعه من كل من ذمه حمد يقول: إنه يصطنع معروفه في مستحقه، فإذا رأى دنيا كفوراً للنعمة حرمه؛ لأن ذمه حمد، فلا يبالي بذمه، من حيث إنه يتضمن حمده؛ لأن الجاهل إذا ذم العالم، واللئيم إذا ذم الكريم فقد مدحه، ودل بذمه على أنه ضد له، فصار ذمه حمداً له من هذه الجملة. وقيل: أراد أن حمده مثل ذمه، لأنه لخسته لا يكون لحمده أثر، فلا يبالي بحمده وذمه. ويحتقر الحساد عن ذكره لهم ... كأنهم في الخلق ما خلقوا بعد يقول: إنه يحتقر حساده، فلا يذكرهم حتى لا يشتهروا بذكره إياهم، فكأنهم لعدم ذكره لهم واحتقارهم. في العدم، ولم يخلقوا بعد، وليس لهم وجود. ويأمنه الأعداء من غير ذلةٍ ... ولكن على قدر الذي يذنب الحقد يقول: إن أعداءه آمنوا بالله تعالى من غير ذلة له. ولكن الحقد يكون على قدر المذنب. وأعداؤه صغار القدر، فهو لا يبالي بهم؛ لأنهم أقل من أن يحقد عليهم، فأمنوا لذلك. وقيل: أراد أنه لا يجازي أحداً إلا بما يستحقه؛ لاتصافه بذلك، فلا يخافه أحد إلا على قدر ذنبه. فإن يك سيار بن مكرمٍ انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد يقول: إن كان جدك قد انقضى ومات، فإنك تنوب عنه، كما أن ماء الورد ينوب عن الورد ويقوم مقامه إذا فقد الورد. وفيه إشارة إلى تفضيله على جده، لأن ماء الورد أطيب من الورد وألطف وأكثر بقاء ونفعاً. مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألفٌ إذا ما جمعت واحدٌ فرد ذكر بنوه في مضى من غير توكيده بالمنفصل، وكان الوجه أن يقول: مضى هو وبنوه وذلك أيضاً جائز.

стр. 172

يقول: مضى سيار بن مكرم ومضى بنوه، وهم أبوه وأعمامه، وانفردت أنت بفضلهم، أي جمعت فضائلهم، فكأنك جميعهم، كما أن الألف واحد؛ من حيث اللفظ وإن كان ألفاً في المعنى، وأعداد كثيرة ومنتهى الأعداد، فهي تجمع الأعداد مع أنه واحد. لهم أوجهٌ غرٌّ، وأيدٍ كريمةٍ ... ومعرفةٌ عدٌّ، وألسنةٌ لد لهم: أي لأجداده، أوجه بيض وأيد كريمة: أي سخية. وقيل: نعم خالصة من المن، ومعرفة عد: كثيرة، وألسنة لد: فصيحة شديدة الخصومة ماهرة بالجدال. وأرديةٌ خضرٌ، وملكٌ مطاعةٌ ... ومركوزةٌ سمرٌ، ومقربةٌ جرد وأردية خضر قيل: أراد نعمٌ سابغة وعطاي هنيةٌ. كما قال: غمز الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... البيت. وقيل: أراد به الرداء، وخص الخضر؛ لأنها من ثياب الملوك في ديار العرب. وقيل: أراد بالخضر السود، أي اسودت موضع حمائلهم لكثرة تقلدهم بالسيوف. قوله: وملك مطاعة أنث الملك على معنى السلطان، وهو مؤنث ذهاباً بها إلى القدرة. وقيل: أراد بالتأنيث المملكة ومركوزة سمر: أي الرماح ركزت. أي غرزت في بيوتهم. وذلك عادة. ومقربة جرد: أراد به الخيل المقربة من البيوت، فهي لا ترسل لكرمها وخوفهم عليها وحبهم لها فتربط قريباً من البيوت. والجرد: جمع أجرد، وهي القصار الشعور. وما عشت ما ماتوا ولا أبواهم ... تميم بن مرٍّ وابن طابخةٍ أد ما الأولى للوقت، والثانية للنفي. يقول: ما دمت تعيش، فما مات أحد من آبائك، ولا مات تميم بن مر، وابن طابخة، الذين أنت وآباؤك من نسلها؛ لأن فضائلهم موجودة فيك. وأد: اسم ابن طابخة. وقوله: تميم بن مر. بدل من قوله: ولا أبواهم. وابن طابخة معطوف عليه، وإن شئت جعلته عطف على سيار، وأبدل من ابن طابخة، أو عطف بيان، ويجوز أن يكون تميم بن مر: خبر ابتداء محذوف أي هما تميم بن مر وابن طابخةٍ أد، كأن قائلاً قال: من هما؟ قال: تميم بن مرو وابن طابخة، فيكون تفسيراً لقوله: ولا أبواهم. فبعض الذي يبدو الذي أنا ذاكرٌ ... وبعض الذي يخفى علي الذي يبدو يقول: ما أذكر من أوصافك ومناقبك، بعض ما يظهر لي منها، والذي ظهر لي منها بعض ما خفي علي، فالذي خفي أكثر مما ظهر، وما ظهر لي أكثر مما ذكرت، لأن لفظي يقصر عنها. وتقديره: وبعض الذي يبدو، مثل بعض الذي يخفى. فحذف المضاف. ألوم به من لامني في وداده ... وحق لخير الخلق من خيره الود الهاء في به للذكر، أو الوصف لفضله. يقول من لامني في حبي إياه، ألومه بما وصفته من مفاخره، وأرد عليه بذكر محاسنه؛ لأن الممدوح خير الخلق، وأنا أيضاً كذلك، فحق لي أن أوده لأن الجنس يصبو إلى جنسه. كذا فتنحوا عن عليٍِّ وطرقه ... بني اللوم حتى يعبر الملك الجعد الجعد: السخي. وقيل: معناه أنه أبى الظلم منقبض عن الضيم، هذا إذا أطلق، فإذا قرن باليدين كان ما يعنون أنه بخيل وبني اللؤم نداء مضاف، وقيل نصب على الذم. يقول: تنحوا أيها اللائمون طرق المكارم، حتى يعبرها الملك السخي الأبي الضيم من غير مشقة. ومثله لبشار: سمعت بمكرمه ابن العلا ... ء فأنشأت تطلبها لست تم فما في سجاياكم منازعة العلا ... ولا في طباع التربة المسك والند يقول: ليس في طباعكم منافسة الكرام على المكارم، كما أن التراب ليس في طبعه أن يولد المسك والد وأراد أن يسافر فودعه صديقٌ له فارتجل وقال: أما الفراق فإنه ما أعهد ... هو توأمي لو أن بيناً يولد التوأم: الذي ولد معه آخر. وما بمعنى: الذي. أي الذي أعهد. يقول: إني تعاهدت الفراق، وهو الذي أعهده منذ ولدت، ولو كان البين يولد لكنت أنا وهو توأمين. ومثله قول الآخر: فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب ولقد علمنا أننا سنطيعه ... لما علمنا أننا لا ينلخد يقول: لما علمنا أن الموت كتب علينا، وأننا لابد لنا من الفراق! علمنا أننا في طاعته والانقياد له. وإذا الجياد أبا البهي نقلننا ... عنكم فأردأ ما يكون الأجود وروى: فأردأ ما ركبت الأجود. يقول: يا أبا البهي، إذا كانت الخيل سبباً لفراقنا، فأجودها وأسبقها أردؤها؛ لأن أجودها أسرع في إبعادنا، فلذكل صار ذماً لها.

стр. 173

من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئاً يحمد يقول: إن كان الناس يذمون الفراق خاصة، فأنا أذم جميع الدهر، ولا أرى في الدهر شيئاً يستحق الحمد والمدح. وقال يمدح أبا بكر علي بن صالحٍ الروذباري الكاتب بدمشق: كفرندي فرند سيفي الجراز ... لذة العين عدةٌ للبراز الفرند، والإفرند: جوهر السيف، وهو خضرته التي تردد فيه والجراز: القاطع. والبراز: المبازة. يقول: إن جوهر سيفي مثل مضاء حده، ومثل مضاء عزمي، وهو لذة العين حين تنظر إليه، وعدتي ليوم القتال، والحرب. تحسب الماء خط في لهب النا ... ر أدق الخطوط في الأحراز أدق: نصب على المصدر. وأراد: تحسب الماء في سيفي، فحذف للعلم به. والأحراز: جمع حرز، وهو التعويذة. شبه السيف بالنار، وفرنده بالماء. يقول: إذا نظرت إليه حسبت أن الماء خط في لهيب النار! فهذا عجيب لأنهما لا يجتمعان، وإن ذلك الخط في الدقة أدق من خطوط الأحراز. كلما رمت لونه منع النا ... ظر موجٌ كأنه منك هازي أصله هازىء بالهمزة فقلبها ياء فصار مثل هازي. يقول: إن ما يموج في صفحته، مرة تراه أصفر، وأخرى أخضر، وأخرى أزرق، ويجيء مرة ويذهب أخرى، فإذا نظرته لا يعطيك حقيقة لونه، فكأنه يهزأ منك. ودقيقٌ قدى الهباء أنيقٌ ... متوالٍ في مستوٍ هزهاز قوله: ودقيق أراد به: الغبرة التي تعلو متن السيف. وقيل أراد: جوهره الدقيق. والهباء: ما تراه في الشمس إذا دخلت البيت، من كوة. وقدى الهباء: بالفتاح والكسر أي مقداره. والأنيق: المعجب. والهزهاز: كثير الاهتزاز. وقيل هو الذي يجيء ماؤه ويذهب. قوله: في مستوٍ: أي متن مستوٍ. ومتوالٍ: أي غبار متوال. يقول. عطفاً على ما تقدم: إن الناظر يمنعه غبار دقيق، أو جوهر دقيق كأنه الهباء وهو أنيق متتابع غير منقطع، في متنٍ مستوٍ يجيء ماؤه ويذهب لكثرة اهتزازه وجود صقاله. ورد الماء فالجوانب قدراً ... شربت والتي تليها جوازي جوازي: أصله بالهمزة. يقول: ورد الجوازىء، أي الإبل التي تجتزىء بالرطب عن ماء هذا السيف، فشربت شفرتاه منه قدر الحاجة، واجترىء متنه وصفحته بما فيها من الرونق والصفاء، ولم يشرب الماء كله؛ ليكون أثبت له فلا ينكسر. حملته حمائل الدهر حتى ... هي محتاجةٌ إلى خراز حمائل السيف، وحمالته، ونجاده، ومحله: بمعنى. يقول: كانت حمائله الدهور، فأخلقها وأبلاها فهي محتاجة إلى خراز: يرمم مارث. يعني: أنه قديم عتيق قد أبلى الأعوام، ومرت عليه الدهور؛ والسيف إذا كان أعتق، كان أجود وأقطع. وهو لا تلحق الدماء غراري ... هـ ولا عرض منتضيه المخازي غراري السيف: حداه. والمخازي: جمع مخزاة، وهي المذلة. والمنتضى: المخرج له من الغمد. يقول: لا تلحق الدماء غراريه؛ لسرعة مضائه، فيسبق الدم ويخرج الدم بعده! وقيل: أراد أنه جيد الصقل، ولا يقبل الدم لصقالته، وكما لا يلحق غراريه الدم، كذلك لا يلحق حامله الذي ينتضيه في الحرب؛ لفضله وشجاعته. يا مزيل الظلام عني، وروضي ... يوم شربي ومعقلي في البراز المعقل: الحصن. والبراز: الصحراء. يقول مخاطباً لسيفه: أنت تزيل عني ظلم الخطوب والشدائد، وأنت روضي يوم أشرب: أي نظري إليك، وإلى جوهرك، يقوم لي مقام الروض. وأنت معقلي: ألجأ إليك إذا التجأ غيري إلى الحصون. وقيل: أراد به أن رونقه وصقاله يضيء له الظلام. وكذلك أراد أنه في خضرته يشبه الروض. واليماني الذي لو اسطعت كانت ... مقلتي غمده م الإعزاز اليماني: صفة للسيف، أي أنه منسوب إلى اليمن. يقول: لو استطعت أن أجعل مقلتي غمدك لفعلت؛ صيانة لك وإعزازاً. إن برقي إذا برقت فعالي ... وصليلي إذا صللت ارتجازي الصليل: صوت وقع الحديد بعضه على بعض. والارتجاز: من الرجز. يقول: إذا لمعت في الحرب بروقك برقت أنا بفعلي وظهرت به كما ظهرت بلمعك، وإذا صللت عند الضراب ارتجزت أنا بشعري، فرجزي يقوم مقام صليك. ولم أحملك معلماً هكذا إلا ... لضرب الرقاب والأجواز المعلم: الذي يجعل من نفسه إشارة إلى الحال، وهو نصب على الحال. يقول: لم أحملك يا سيف في حال ما أنا معلم، وهي حال الحروب، إلا لضرب رقاب الناس، وأوساطهم.

стр. 174

ولقطعي بك الحديد عليها ... فكلانا لجنسه اليو غاز الهاء في عليها للرقاب والأجواز. الذي على الرقاب والأجواز، فتقطع أنت الحديد، وأقطع أنا الأبدان، فكل واحد منا يغزو جنسه. وموضع عليها نصب على الحال: أي لقطعي بك الحديد كائناً عليها، والهاء في جنسه عائد إلى الضمير في كلانا. سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍ ... فتصدى للغيث أهل الحجاز الركض: ضرب الراكب الدابة حثاً لها على السير. قيل: أراد به أهل الركض. وقيل: بل الركض نفسه. والوهن: قطعة من الليل. يقول: سل هذا السيف أهل الركض بعد مضي صدرٍ من الليل. وعلى الثاني: إن شدة الركض سلة: أي اندلق من الغمد لشدة الركض، فظهر عند السل لمعانه، فرآه أهل الحجاز فظنوا أنه برق، وتوقعوا الغيث. والتصدي: التطاول إليه عند لقائه. حكى المتنبي قال: إنما خصصتهم؛ لأن فيهم طمعاً ليس لغيرهم! قال أبو الفتح: ولم أسمع هذا منه فإن لم يكن الأمر كذلك، فالذي أداه إلى ذلك هو القافية. وقيل: إنما خصصهم لأن الغيث يقل فيهم، والقحط يكثر في أرضهم، فتصديهم له أكثر. وتمنيت مثله فكأني ... طالبٌ لابن صالحٍ من يوازي يقول: لا مثل لهذا السيف في السيوف، كما أن ابن صالح لا مثل له في الأنام! ليس كل السراة بالروذبا ... ري ولا كل ما يطير بباز السراة: جمع سرى أي شريف. يقول: ليس كل رئيس له سؤدد، كما أن ليس كل طائر بازٍ، وإن شاركه في الطيران. فارسيٌّ له من المجد تاجٌ ... كان من جوهرٍ على أبرواز يقول: إنه من أهل بيت ملك قديم وشرف عظيم في الفرس. وقيل: معناه إن التاج لأبرواز كان من جوهر، وتاجه من المجد والسؤدد، فهو أفضل منه. نفسه فوق كل أصل شريفٍ ... ولواني له إلى الشمس عاز يقول: هو أفضل من أصله الذي انتسب إليه، وإن كان ذلك الأصل شريفاً، ولو نسبته إلى الشمس لكان أعلا محلاً منها. شغلت قلبه حسان المعالي ... عن حسان الوجوه والأعجاز يقول: إن المعالي الحسان شغلت قلبه باكتسابها عن طلب النساء الحسان الوجوه والأعجاز. وكأن الفريد والدر واليا ... قوت من لفظه، وسام الركاز نصب سام لأنه معطوف على ما تقدم. والسام: عروق الذهب. والركاز: معادن سائر الكنوز. والفريد: الدر الكبير الذي لا يكون معه في الصدفة غيره. يقول: كأن هذه الأشياء حصلت من لفظ الممدوح؛ لحسنه ورونقه وعذوبته. تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز يقول: إن أعداءه يقضمون على الجمر والحديد حنقاً وغيظاً دون بلوغ مرتبته! فكأنهم يقضمون سكر الأهواز؛ لأن الإنسان يحب الإكثار من ذلك. بلغته البلاغة الجهد بالعف ... وونال الإسهاب بالإيجاز يقول: إن البلاغة قد بلغته بالسهولة اجتهاد غيره، أي أن عفوه يزيد على اجتهاد غيره، وأدرك بالإيجاز إسهاب غيره: وهو الإطالة. حامل الحرب والديات عن القو ... م وثقل الديون والأعواز أي: وثقل الأعواز. وروى الإعواز، وهو المصدر، من أعوزني الشيء: إذا لم تجده. وروى: الأعواز: وهو جمع العوز، وهو الاسم. يقول: إذا خاف الناس حرباًُ دفعها عنهم، وإن أثقلتهم ديات وديون أداها من ماله، وإن قل مالهم أغناهم. كيف لا يشتكي وكيف تشكوا؟ ... به لا بمن شكاها المرازي! المرازي: المصائب، وأصله الهمز. يقول: إن الناس يشكون إليه ما لزمهم من الأثقال والمؤن فيحملها عنهم، وهم يشكون المصائب والأثقال! مع أنه يحملها عنهم بالمرازي، فهي واقعة به في الحقيقة لا بهم، فكيف لا يشكوها؟ وهم يشكون! وهو أولى بأن يشكو. أيها الواسع الفناء وما في ... هـ مبيتٌ لمالك المجتاز الكاف في مالك للخطاب. وأضاف المال إلى الناس. يقول: إن فناءك واسع ومع ذلك لا مبيت فيه لمالك؛ لأنك تفرقه في الوقت، فكأنه ليس له مبيت عندك. بك أضحى شبا الأسنة عندي ... كشبا أسوق الجراد النوازي شبا كل شيء: حده. والأسوق: جمع ساق، والنوازي: جمع النازية، من نزا ينزو، إذا وثب. يقول: بك تعلمت الشجاعة، حتى حد الأسنة ونوائب الدهر لا تؤثر في! فكأنها أسوق الجراد النازية؛ في أنها لا تأثير لها في. وانثنى عني الرديني حتى ... دار دور الحروف في هواز

стр. 175

يقول: إن الرمح إذا طعنت به انعطف عني مثل حروف هوز! وخص هذه الحروف؛ لأنها كلها: الهاء والواو والزاي. مستديرة منقطعة، والألف ليست فيها ولكنها زائدة. كما قالوا: أبو جاد وهواز وكلمون. وهي أبجد وهوز وكلمن. وقيل أراد بذكر هواز جميع حروف المعجم، ومعناه أن الرماح لا تؤثر في ولا تخدشني كما لا تخدش هذه الحروف الأقلام ولا تؤثر فيها. وبآبائك الكرام التأسي ... والتسلي عمن مضى والتعازي يقول: إن آباءك الماضين الكرام، صاروا لنا أسوة عن كل هالكةٍ، فنحن نتسلى بهم عن مصائبنا؛ إذ لو بقي أحد لبقي آباؤك. تركوا الأرض بعد ما ذللوها ... ومشت تحتهم بلا مهماز المهماز: الحديدة يجعلها الفارس في نعله، يهمز بها الدابة. يقول: إنهم مضوا بعد ما ملكوا الأرض، وذللوها وانقادت لهم أي أهلها، وأطاعوهم طوعاً، لحبهم إياهم من غير كراهة ولا إكراه. وأطاعتهم الجيوش وهيبوا ... فكلام الورى لهم كالنحاز النحاز: سعال يأخذ الإبل والغنم. يقول: انقادت لهم العساكر وهابتهم! فكل من أراد أن يتكلم بين أيديهم تنحنح وسعل؛ كما يفعله الحصير إذا عيي بالكلام. وقيل: أراد كأن لم يسمع من الناس إلا همساً شبيهاً بالنحاز؛ لهيبتهم. وقيل: أراد أنهم لم يبالوا بكلام أحد لهيبتهم ولانقياد الناس إليهم، ولم يفكروا، كما لا يفكر الإنسان في سعالٍ يأخذ الغنم والإبل. وهجانٍ على هجانٍ تأتي ... ك عديد الحبوب في الأقواز الهجان الأول: الكرام من الناس. والثاني: الكرام من الإبل. تأتيك: أي تقصدك. وروى تأتتك: أي قصدتك. والأقواز: جمع القوز، وهي القطعة المستديرة من الرمل. وعديد: نصب على الحال من الضمير في تأتيك، والإضافة في تقدير الانفصال. يقول: رب قوم كرام قصدوك على إبل كرام في عدد حبات الرمل؛ لأنك كريم والكريم إذا مسه الضر، ماله إلا الكريم. صفها السير في العراء فكانت ... فوق مثل الملاء مثل الطراز العراء: الأرض الخالية. والهاء في صفها للإبل. شبه استواء الإبل في العراء بطراز على ملاءة! وذلك أن الإبل الكرام لا تتقدم إحداها على الأخرى بل تصف على استواءٍ واحد في المكان الواسع. وحكى في اللحوم فعلك في الوف ... ر فأودى بالعنتريس الكناز حكى: أي السير حكى في اللحوم فعلك. في الوفر: وهو المال الكثير. والعنتريس: الناقة القوية. والكناز: المكتنزة اللحم. يقول: إن السير أذهب لحوم الإبل وأفناها، فأشبه فعله بها فعلك في مالك الذي تفرقه. وأودى: فاعله السير أي أهلكه. كلما جادت الظنون بوعدٍ ... عنك جادت يداك بالإنجاز يقول: كلما ظننا في أنفسنا عنك بوعد، وقدرنا أنك تعطينا بوعد، وعدنا ظنوننا كأن ذلك على قدرنا، فتنجز ما قدرنا وتحقق ما أملنا. ملكٌ منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز يقول: إنه عالم بالشعر جيد الفكر فيه، فمنشد الشعر كأنه وضع ثوباً في يدي بزاز؛ لأن البزار يكون عارفاً بالثوب. ولنا القول وهو أدرى بفحوا ... هـ وأهدى فيه إلى الإعجاز فحوى الكلام: معانيه، ومعاريضه. يقول: إنه يقول الشعر، وهو أعلم بدقائق معانيه، ويقدر أن يقول ما يعجز عنه كل شاعرٍ فصيح. ومن الناس من تجوز عليه ... شعراءٌ كأنها الخازباز الخازباز: صوت الذباب، ونفس الذباب. يقول: إنه عالم بجيد الشعر ورديئه وغيره يجوز عليه شعر شعراء كان شعرهم مثل طنين الذباب الذي لا معنى له. ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائع العكاز يقول: إن من يجوز عليه مثل ذلك، هو يظن أنه عالم بالشعر، وهو كالأعمى بين العميان، إذا ضاع عكازه وعصاته التي يتوكأ عليها! قيل: إنه أراد بهذا رجلاً بعينه ضدٌّ للممدوح. كل شعرٍ نظير قابله منك ... وعقل المجيز مثل المجاز الكاف في منك للشاعر. والمجيز: المعطي، ويجوز أن يكون بمعنى المجوز القائل. يقول: أيها الشاعر إن كل شعر يشبه من يقبله منك، فالرديء يجوز على الجاهل به، والجيد يعرفه العالم به، وعقل الممدوح الذي يعطي الجائزة على المدح ويقبل المديح ويجيزه، مثل عقل المادح المعطي، والذي قبله منه. فالأحمق يجيز الأحمق ويقبل منه. والعاقل يجيز العالم، وهو يقبل منه لأنه يرضى بشعره.

стр. 176

وقد قيل: نظير قائله ومعناه. موقع كل شعر منك أيها الممدوح كموقع قائله، فإن كان فاضلاً مقدماً فشعره مثله، وإن كان رذلاً فشعره كذلك، وكذلك عقل من يجيز عليه أو يقبله مثل عقل الشاعر الذي يقبل الجائزة عليه. وقال أيضاً: يهجو علوياً عباسياً: أماتكم من قبل موتكم الجهل ... وجركم من خفةٍ بكم النمل يقول: إنكم من غلبة الجهل عليكم أموات وإن كنتم أحياء! ومن خفة أقداركم ومهانتكم يقدر أن يجركم النمل إلى حيث شاء. وليد أبي الطيب الكلب مالكم ... فطنتم إلى الدعوى وما لكم عقل وليد: تصغير ولد، ونصب على أنه منادى مضاف. يقول: ليس لكم عقل، فكيف علمتم لؤم أصلكم، فرغبتم عنه وادعيتم إلى غير أبيكم! ولو ضربتكم منجنيقي وأصلكم ... قوي لهدتكم فكيف ولا أصل؟! المنجنيق: يذكر ويؤنث وقد أنث. والهد: الكسر. يقول: لو كان لكم أصل قوي وتعرضت له لأفسدته وهديته، فكيف تثبتون لي وليس لكم أصل؟! ولو كنتم ممن يدبر أمره ... لما كنتم نسل الذي ماله نسل يقول: لو كان الأمر فيكم إلى أبيكم لم يرض أن تكونوا نسله؛ لأن من يكون نسله مثلكم فلا نسل له! غير أن الإنسان لا اختيار له في ولده. وقيل: معناه لو كنتم ممن يحسن التدبير لما انتسبتم إلى من لا عقب له، بل كنتم تنتسبون إلى من كان له عقب. وقال يمدح الحسين بن علي الهمذاني: لقد حازني وجدٌ بمن حازه بعد ... فياليتني بعدٌ ويا ليته وجد حازني: أي جمعني. يقول: قد ملكني الوجد والحزن، بمن استولى عليه البعد، فيا ليتني البعد؛ لأكون معه، ويا ليته الوجد ليكون معي أبداً. أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى ... وإن كان لا يبقى له الحجر الصلد ذكر نصب بتجديد الهوى وهو مصدر جدد، والصلد: الصلب اليابس. يقول: أنا أسر إذا جدد لي الشوق ذكر الشدائد التي سرت على في الهوى، وإن كان مما لا يطيق الحجر الصلد احتماله. نسب ذكر ما مضى إلى تجديد الهوى؛ إذ لولا الهوى. ما تجدد. سهادٌ أتانا منك في العين عندنا ... رقادٌ، وقلامٌ رعى سربكم ورد القلام: نبت خبيث الرائحة. والسرب: الإبل. يقول: إني أستلذ الألم فيما ينالني من أجلك! وأستحسن القبيح في حبك، فالسهر في عيني ألذ من النوم، والقلام إذا رعت إبلكم أطيب عندي من الورد! ومثله: أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد يقول: أنت مصورة في قلبي، حتى كأنك لم تفارقيني، وإن بعدت عني حتى كأن يأسي منك وعدٌ بلقائك. وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الند يقول: من قوة تمثلك في قلبي، أظن أنك عندي تمسحين مدامعي وتعانقيني فأجد في ثوبي رائحة الند من ريح ثوبك. إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد يقول: إن الحسناء تفي بعهدها، وعهده ألا يكون لها عهد! أي لا يكون لها لقاء، فغدرها إذاً يكون وفاء بعهدها! وقيل: معناه إن الحسناء إذا غدرت، وفت هي بعهدها؛ لأنها مخالفة لسائر النساء. وقيل: أراد أن المرأة إنما عهدت على الغدر وبه جرت عادتها، فقد فعلت هي إذا غدرت بما جرت به عادتها، فإذا أوفت بعهدها، غدرت ووفت بعهدها؛ لأن عهدها ألا يدوم لها عهد ولا ود. ومثله لأبي تمام: فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانيةٍ هند وإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصد القصد: الاقتصاد. يقول: إن المرأة إذا عشقت، أو أبغضت أفرطت في الحالين فعشقها بمن يعشقها أشد، وبغضها إذا أبغضت أشد، لا اقتصاد لها في ذلك. وقوله: فاذهب إشارة إلى أنه ليس يجب أن يعتمد عليهن في حال من الأحوال. وإن حقدت لم يبق في قلبها رضاً ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد وهذا تأكيد لما مضى من نفي الاقتصاد أيضاً. كذلك أخلاق النساء وربما ... يضل بها الهادي ويخفى بها الرشد الهاء في بها وبها للنساء. يقول: إن أخلاق النساء على ما وصفته لك، ولكن العاقل ربما ضل عقله بحبهن، وخفي عليه رشده، فيغلب هواهن رأيه. ولكن حباً خامر القلب في الصبا ... يزيد على مر الزمان ويشتد

стр. 177

يقول: إن الحب إذا خالط القلب في الصبا، لا يزال يزيد على مرور الأيام ويشتد. ومثله قول الآخر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي فارغاً فتمكنا سقى ابن عليٍّ كل مزنٍ سقتكم ... مكافأةً يغدو إليها كما تغدو التأنيث لكل مزن؛ لأنه أراد جماعة المزن، ويغدو: فعل الممدوح. يقول: دعاء للسحاب التي سقت ديار أحبائه، بأن يسقي الممدوح التي سقتكم أيها الأحباب؛ حتى يكون مجازاة السحاب على سقياها فيغدو هو إلى السحاب، كما يغدو السحاب إلى ديارهم. لتروى كما تروى بلاداً سكنتها ... وينبت فيها فوقك الفخر والمجد سكنتها، وفوقك: خطاب للمحبوبة. المعنى: لتروي السحاب من صوب كرمه، كما أروت بلاداً سكنتها أيتها المحبوبة، وينبت السحاب فوقك الفخر والمجد، كما ينبت في ديار المحبوبة النور والعشب. يعني أن سقياه للسحاب ليس مما ينبت العشب، وإنما سقيا كرم ينبت الفخر والمجد. بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه ... ويخرق من زحمٍ، على الرجل البرد الباء: متعلقة بقوله: لتروى أي لتروى بمن تشخص الأبصار. وقيل: بالفخر. أي يثبت الفخر بمن تشخص الأبصار. يقول: إذا ركب تتحير وتشخص إليه أبصار الناس، ويزدحم عليه الناس ينظرون إليه لحسنه، حتى يخرق بعضهم ثياب بعض من كثرة الازدحام! وتلقى، وما تدري البنان سلاحها ... لكثرة إيماءٍ إليه إذا يبدو البنان: فاعل تلقى وتدرى، والمفعول السلاح. يقول: إذا بدا للناس بهرهم حسنه فيشير بعضهم إلى بعض بأصابعهم وقد سقط سلاحه من يده، وهو لا يعلم لحيرته. ومثله للمعري في النعاس: حيث اليسار عن العنان ضعيفةٌ ... فالسوط تسقط من يمين الفارس ضروبٌ لهام الضاربي الهام في الوغى ... خفيفٌ إذا ما أثقل الفرس اللبد يقول: إنه يضرب في الحرب الشجعان الذين يضربون الرءوس، وإنه فارس خفيف على ظهر فرسه، إذا أثقله لبده. الذي تحت السرج. بصيرٌ بأخذ الحمد من كل موضعٍ ... ولو خبأته بين أنيابها الأسد يقول: إنه عالم بطريق المجد، وكيفية أخذه، فهو يتحمل فيه الموت حتى لو كان في أفواه الأسد لاستخرجه! بتأميله يغنى الفتى قبل نيله ... وبالذعر من قبل المهند ينقد التأميل: الأمل، وينقد: ينقطع. يقول: كل من أمله حصل له الغنى بمجرد أمله، قبل أن يصل إليه نائله! ومن قصده محارباً مات من خوفه قبل أن يقتله بسيفه! وسيفي لأنت السيف لا ما تسله ... لضربٍ ومما السيف منه لك الغمد وسيفي: قسم. ولأنت السيف: جوابه. يقول: وحق سيفي، إنك السيف على الحقيقة. لا ما تسله: أي الذي تسله للضرب؛ لأنك أمضى منه، ولأنه لا يعمل إلا إذا ضربت به؛ فالقطع في الحقيقة لك لا له! وقوله: ومما السيف أي أن غمدك من الحديد الذي يطبع منه السيف. وهو الدروع والجواشن. وإذا لبستها كانت كالغمد لك. أي أت أفضل من السيف جوهراً، وغمدك أفضل من غمده؛ لأن غمدك من الحديد الذي يعمل منه السيف. وقيل معناه: إن من جنس الحديد غمدك؛ لأنك تدفع ضرباً بالسيف عن نفسك؛ فقد صار الحديد غمداً يقيك كما يقي السيف غمده. ورمحي، لأنت الرمح لا ما تبله ... نجيعاً، ولولا القدح لم يثقب الزند يقول: وحق رمحي إنك أنت الرمح على الحقيقة، لا رمحك الذي تبله بالدم؛ لأن الرمح إنما يعمل إذا طعنت به، كما أن الزند لو لم يقدح لم تخرج منه النار. من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا يقول: هو من قوم قسموا الشكر بيني وبينهم، فأنا أشكرهم على إنعامهم، وهم يشكرونني على قبولي منهم برهم. وهذا معنى قوله: لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا أي أنهم يعدون نعمهم على غيرهم نعمة على أنفسهم، فيشكرون من قبل نعمهم ويثنون عليهم وهذا من قول التهامي: ودعا لسائله وأعلن شكره ... حتى حسبنا السائل المسئولا فشكري لهم شكران: شكرٌ على الندى ... وشكرٌ على الشكر الذي وهبوا بعد يقول: إني أشكرهم من وجهين. أحدهما على نعمهم علي، والثاني على شكرهم لي في قبول نعمهم، وهذه نعمة مجددة. وهذا البيت من بدائعه التي لم يسبق إليه. صيامٌ بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدوا وروى: قيام.

стр. 178

يقول: إن خيلهم قيام على أبواب بيوتهم، وأعداءهم يخافون طلوعها عليهم فكأنها تعدوا في قلوبهم من خوفهم. وأنفسهم مبذولةٌ لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفد يقول: من قصدهم بذلوا له أنفسهم، ومن لم يقصدهم أنفذوا إليه صلاتهم وأنعموا عليه بأموالهم، فكأن أموالهم وفد. ومثله لأبي تمام قوله: فإن لم يفد يوماً إليهن طالبٌ ... وفدن إلى كل امرىءٍ غير وافد كأن عطيات الحسين عساكرٌ ... ففيها العبدي والمطهمة الجرد المطهمة: الخيل التامة الخلق، الكاملة الحسن. يقول: إنه يهب العبيد والخيل والسلاح، فكأن ما يهبه عسكراً لكثرته. أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلا ... رويدك حتى يلبس الشعر الخد شبهه بالقمر، وآباءه بالشمس؛ لشرفهما وعلوهما، إشارة إلى أنه اكتسب شرفه من أبيه كما يكتسب القمر نوره من الشمس، ثم قال: رويدك أي أمهل حتى تبلغ مبلغ الرجال. وهذا قلب ما ذكره الحكمي في قوله: وترى السادات مائلةً ... لسليل الشمس من قمره وغال فضول الدرع من جنباتها ... على بدنٍ قد القناة له قد غال الشيء: إذا أهلكه. والهاء في جنباتها للدروع. يقول: إن الممدوح أذهب بالدروع وفضولها أي استوفاها بقده، فكأن طوله قد القناة؛ لاعتداله. وباشر أبكار المكارم أمرداً ... وكان كذا آباؤه وهم مرد أبكار المكارم: هي المبتدئات منها التي سبق الممدوح إليها. يعني: أنه سئل وهو أمرد، وكذلك كان آباؤه، فهو يجري على عادتهم أيضاً وسننهم. مدحت أباه قبله فشفى يدي ... من العدم من تشفي به الأعين الرمد يقول: مدحت أباه قبل مدحه، فشفاني من الفقر وأغناني، من إذا نظرت إليه الأعين الرمد، شفاها! ومثله لابن الرومي: يا أرمد العين قم قبالته ... فداو باللحظ نحوه رمدك حباني بأثمان السوابق دونها ... مخافة سيري، إنها للنوى جند مخافة: نصب لأنه مفعول له. يقول: أعطاني أبوك الدراهم والدنانير دون الخيل؛ خوفاً من أن أخرج عليها من حضرته؛ لأن الخيل معينةٌ على البعد، وجند له.. وشهوة عودٍ، إن جود يمينه ... ثناءٌ ثناءٌ، والجواد بها فرد شهوة: نصب عطفاً على مخافة، والهاء في بها للأثمان. والألف واللام في الجواد بمعنى الذي. أي الذي يجود. يقول: أعطاني أثمانها دونها مخافة سيري بها، وشهوةً منه أن يعود إلى العطاء؛ لأن جوده لا يقتصر على مرة واحدة، بل هو مثنى مثنى، أي إن عادته أن يجود مرتين مرتين. والذي يجود به فرد: أي الممدوح فرد لا ثاني له في شرفه، كما لا نظير له في زمانه وأقرانه. فلا زلت ألقى الحاسدين بمثلها ... وفي يدهم غيظٌ وفي يدي الرفد بمثلها: أي بمثل العطايا. وهي الأثمان. يقول: دام لي عطاؤه ورفده حتى أغيظ بهما حسادي، فيكون معهم غيظ ومعي عطاء! وهذا دعاء لنفسه وعلى الحاسدين له. وعندي قباطي الهمام وماله ... وعندهم مما ظفرت به الجحد القباطي: جمع القبيطة، وهي ثياب مصر. والقبيطة منسوب إلى القباط وهم نصارى. كالذين يسكنون ريف مصر ورساتيقها، بمنزلة سواد العرب. يقول عطفاً على دعائه الأول: لا زلت أبداً آخذ خلعه وأمواله وحسادي يجحدون ما ظفرت به لغيظهم فيقولون: لم يعطه شيئاً! ليطيبوا بذلك أنفسهم. وقيل: أراد أنهم يجحدون نعمه ويقولون: لم يعطه شيئاً، حتى يكون جحودهم سبباً لانقطاع صلاته عنهم. يرومون شأوى في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما خلا المنطق، القرد يقول: إن الحساد يحاولون بلوغ غايتي في الفصاحة والبيان، وهم قرود! والقرد يحاكي الإنسان في أفعاله، إلا في النطق فكيف يقدرون على ذلك؟! فهم في جموعٍ لا يراها ابن دأيةٍ ... وهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد ابن دأية: الغراب. ويوصف بحدة البصر والخلد: الفأرة العمياء، وتوصف بحدة السمع، وصدق الحس. يقول: إنهم من قلتهم وخستهم لا يراهم الغراب مع حدة بصره، وإن كانوا كثيرين في العدد ولهم أصوات وضجيج، ومع ذلك فالخلد لا يحس بها مع صحة السمع. ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد كل غريبة: أي كل لفظ غريب، أو معانٍ غريبة، أو خصلة. وفي جازوا قولان:

стр. 179

أحدهما: ما قاله ابن جنى. أنه من قولهم: هذه الدراهم جائزة. أي تجوز على خبث. كأنه يقول: إن الناس استفادوا مني الأخلاق الغريبة والمعاني البديعة. فتكلموا ما ليس في طباعهم فجازوا ونفقوا بترك الناس ذمهم، وإن لم يحمدوهم. والثاني: أن جازوا أمر من المجازاة. وعدل عن معاتبه إلى الخطاب فيقول: أيها الناس إذا استفدتم مني هذه المعاني فجازوني بترك الذم إن لم تحمدوني. وجدت علياً وابنه خير قومه ... وهم خير قومٍ واستوى الحر والعبد يقول: وجدت علياً وابنه أفضل قومه، وقومه خير الناس. من بعدهم متساوي في الفضل، لا فضل في ذلك بين الحر والعبد. وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد روى: في عنق الحسناء. أي عنق المرأة الحسناء وروي: وفي العنق الحسناء؛ على أن يكون الحسناء صفة للعنق. والكناية في منهما للممدوح وأبيه، وفي مكانه للشعر. يقول: أصبح شعري فيهما حين مدحتهما به في مكانه. أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، فزاد حسنه، كما أن العقد إذا كان في عنق الحسناء، أو في العنق الموصوف بالحسن كان أزيد حسناً؛ لما كان ذلك مكانه. قصائد ابن طغج وكثرت على أبي الطيب مراسلة الأمير أبي محمدٍ الحسن بن عبيد الله ابن طغج من الرملة فسار إليه فلما حل به حمل إليه وأكرمه. وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي بحضرة أبي الطيب قال: حدثني محمد بن القاسم المعروف بالصوفي قال: أرسلني الأمير أبو محمدٍ إلى أبي الطيب ومعي مركوبٌ يركبه فصعدت إليه، إلى دارٍ كان نزلها فسلمت عليه وعرفته رسالة الأمير، وأنه منتظرٌ له، فامتنع علي وقال: أعلم أنه يطلب شعراً، وما قلت شيئاً. فقلت له: ما تفترق! فقال لي: فاقعد إذاً، ثم دخل إلى بيت في الحجرة ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة ثم خرج إلي وهي في يده مكتوبةٌ لم تجف بعد. فقلت له: أنشدنيها فامتنع وقال: الساعة تسمعها. ثم ركب وسرنا فدخل على الأمير أبي محمد وعيني الأمير إلى الباب ممدودة منتظراً إلى وروده فسأل عن خبر الإبطاء فأخبرته الخبر فسلم عليه ورفعه أرفع مجلسٍ. وأنشد أبو الطيب: أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم وقت نصب على الظرف. واللوائم جمع اللائمة. والمعالم جمع، وهي أثر العلامة. وقوله: أنا لائمي كالقسم، أو كالدعاء على نفسه بأن يكون من جملة لوامه، لأنه أبغض الناس عنده. فيقول: لمت نفسي إن كنت وقت لامتني اللوائم، ما لحقتني عند وقوفي على آثار المحبوبة يعني: جعلني الله من لوامه إن كنت علمت ذلك. وقيل: معناه الخبر، أي لو كنت علمت ما أصابني عند ذلك، لكنت أنا ألوم نفسي على ما ظهر من الجزع ولكني تحيرت حتى ذهب عقلي. ولكنني مما ذهلت متيمٌ ... كسالٍ وقلبي بائحٌ مثل كاتم ذهلت: أي غفلت والمتيم: الذي عبده الحب. يقول: ولكنني تحيرت فبقيت ذاهل اللب عن الشكوى فأنا متيم ولكني كأني سالٍ صابر؛ لما لحقني من التحير وذهاب العقل، وكأن قلبي يحب ويخفق فيبوح بما كنت أكتمه من الشوق! فهو بائح بما يجده وكأنه كاتم؛ لأني لا أظهر الشكوى بلسان. وقيل: إن قلبي بائح من حيث أنه يتوجع فتبكي العين، فيظهر ما في قلبي بالدمع واللسان، فسكت عن إظهاره بالشكوى. وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم الأذواد الإبل، ما بين الثلاثة إلى العشرة. يقول: لما وقفنا بتلك المعالم أطلنا الوقوف، ولم تبرح إبلنا، فكأن ما في قلوبنا من الوجد في قوائم الإبل فهي لا تبرح! ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم المنسم: طرف خف البعير. والهاء في ترابها للمعالم. يقول: وطئنا تراب المعالم بأخفاف إبلنا، فما زلت أشفي غليلي بتقبيل مناسم الإبل. ديار اللواتي دارهن عزيزةٌ ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم روى: ديار بالنصب بدلاً من قوله: ترابها. وروى: بالرفع على أنه خبر ابتداء محذوف: أي هي ديار. يقول: هذه الديار ديار نساء عزيزات منيعات، لا يقدر أحد على الوصول إليهن، وإنما يحفظن بالرماح لا بالتمائم؛ إشارة إلى حسنهن وإلى صغرهن؛ لأن التمائم تعلق على من كان كذلك.

стр. 180

حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم الهاء في مثله للوشي. يقول: إنهن إذا تثنين فيؤثر ما عليهن من الوشي في أبدانهن، لنعومتها! فينقش عليها آثاراً مثل آثار الوشي، كما ترى نقش الخاتم في الشمع إذا وضع عليه. ويبسمن عن درٍّ تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم المباسم: جمع مبسم وهو الثغر، ووشحت: أي قلدت. والهاء في مثله للدر. يقول: إنهن إذا ضحكن أبدين ثغوراً مثل الدر الذي في قلائدهن فكأن الذي توشحن بها هي أسنانهن التي كالدر. فما لي وللدنيا: طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم روى: نجومها أي يكون منصوباً بالمصدر الذي هو طلابي. وروى: بالرفع على أن يكون خبر طلابي. وأراد بالنجوم: معالي الأمور، والأراقم: الحيات. يقول: ما لي أطلب من الدنيا معالي الأمور! فأتحمل المشاق والأخطار وأقتحم المهالك. وهو من قول العتابي: فإن جسيمات الأمور منوطةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم يقول: من الحلم، استعمال الجهل في بعض الأوقات وذلك إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم، أي إذا كان حلمك داعياً إلى ظلمك وإقدام السفيه عليك، فالجهل ها هنا هو الحلم. وهذا من قول أبي الأسود: فإنك لم تعطف عن الحق جاهلاً ... بمثل خصيم عالمٍ يتجاهل وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ ... فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم يقول: من الحلم أن ترد الماء الذي قتل عليه الوارد، حتى امتزج بدم القتلى وتسقي إبلك إذا لم يمكن الضعيف أن يسقيها، وأن تزاحم الناس. ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم يقول: من عرف أحوال الأنام، وطباع الأيام، كما عرفت وجربت من لؤمهم لم يترك واحداً من أحيائهم. وروى رمحه من دمائهم! فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم قوله: فليس بمرحوم، إشارة إلى من في البيت المتقدم، وكذلك الهاء في به. يقول: إنما قلت ذلك لأنهم إذا ظفروا به لا يرحمونه، فكذلك هو إذا قتلهم لا يأثم به. إذا صلت لم أترك مصالاً لفاتكٍ ... وإن قلت لم أترك مقالاً لعالم يقول: إذا صلت في الحرب لم أترك فيه غاية لشجاع، وإذا قلت شعراً لم يقدر أحد أن يأتي بمثله. وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم يقول: إن لم أكن كما قلت ووصفت من الشجاعة والعلم، خانتني الأشعار وهذا دعاء منه على نفسه وكذلك صرفني عن هذا الممدوح ضعف العزائم إن لم أكن كذلك. عن المقتنى بذل التلاد تلاده ... ومجتنب البخل اجتناب المحارم يقول: إن أكن كما وصفت وعاقني ضعف عزائمي عن الذي يكتسب المال مكان المال، فيقتني بذلك الثناء الحسن والذكر الجميل ويجتنب البخل كما يجتنب المحارم. تمنى أعاديه محل عفاته ... وتحسد كفيه ثقال الغمائم تمنى: أي تتمنى، فحذف التاء لدلاتها. يقول: إن أعداءه يتمنون أن يكون لهم من هذا الممدوح محل قصاده؛ لأن قصاده، ينفذ حكمهم في ماله، ويملكون ويغيرون عليه! ومع ذلك لهم محل رفيع عند الممدوح! وغاية ما يتمنى العدو من عدوه، أن يحصل في عدوه مثل ذلك. وتحسده أيضاً الغمائم المطيرة، لأنه زاد عليها في الجود والعطاء. ولا يتلقى الحرب إلا بمهجةٍ ... معظمةٍ مذخورةٍ للعظائم معظمة: أي رفيعة مصونة عن الدنايا، وهي معدة لدفع الأمور العظائم. يقول: إنه لا يباشر الحرب والشدائد الجسام إلا بنفسه. وذي لجبٍ، لا ذو الجناح أمامه ... بناجٍ ولا الوحش المثار بسالم اللجب: الصوت في الحرب. وتقديره: وجيش ذي لجب. يقول: إنه لا يتلقى الحرب إلا بمهجة نفيسة، وجيش له أصوات كثيرة، فإذا عبر عليهم طير صادوه، وإن ثار وحش قصدوه. فلا يسلم منه وحش ولا طير. تمر عليه الشمس وهي ضعيفةٌ ... تطالعه من بين ريش القشاعم القشاعم: جمع قشعم، وهو النسر، وقيل: هو طائر يشبهه، والهاء في عليه وتطالعه تعود إلى ذي لجب. يقول: إن النسور كانت تطير فوقه والغبار ساطع حوله، حتى حال بينه وبين الشمس، وهي تمر عليه ضعيفة، فيظهر الضوء من بين ريش النسور.
следующие страницы →