← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7545

الأعياد وأثرها على المسلمين

سليمان بن سالم السحيمي

Полный текст (441 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومما تقدم من الأدلة يتضح أن الأعياد الزمانية الشرعية هي: يوم الفطر ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، ويوم الجمعة، فهذه الأيام السبعة هي أعياد المسلمين الزمانية فحسب ولم يشرع الله سوى هذه الأيام فقط وماعدا ذلك فاتخاذه عيداً أو موسماً بدعة لا أصل له في الشريعة ولا يقوم عليه دليل.

стр. 142

المبحث الثاني: الأعياد المكانية الشرعية - العيد المكاني: كما هو معلوم أن العيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة، أو لغيرها ١. وكما حدد الشارع الأعياد الزمانية نجده قد حدد الأعياد المكانية وهي تلك الأماكن التي يقصدها المسلمون في موسم الحج وهي ما تعرف بالمشاعر. والحج في اللغة: القصد وكثرة الاختلاف والتردد. وقيل: كثرة القصد إلى معظم ٢. وفي الاصطلاح: قصد مكة للنسك في زمن مخصوص ٣. ومواطن هذا النسك: البيت الحرام، ومنى وعرفة، ومزدلفة. أمكنة فاضلة ومشاعر معظمة تؤدى فيها هذه العبادة استجابة لأمر الله وابتغاء لمرضاته، وتلك هي الأعياد المكانية التي شرعها الله لأهل الإسلام. وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم: " فالمسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيداً " ٤.

стр. 143

- وقد وردت هذه الأماكن في الكتاب والسنة: فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وإلى منى يشير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٣. فالأيام المعدودات هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمى الجمار٤. أما السنة فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله ﵄ الطويل في صفة حج النبي ﷺ وفيه: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة،

стр. 144

فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ١. فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب.. ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف.. فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس.. ودفع رسول الله ﷺ .. حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بآذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حين تبين له الصبح بآذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبر وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس.. حتى أتى الجمرة".

стр. 145

وفي رواية: "أن رسول الله ﷺ قال: "نحرت ههنا ومنى كله منحر فانحروا في رحالكم ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف ووقفت ههنا وجمع كلها موقف" ١. وهذا الحديث يدل على الأماكن المذكورة وهي عرفات ومزدلفة ومنى فلم يشرع الله مكاناً يقصد للعبادة والتقرب فيه إلا هذه الأماكن وماعداها فمبتدع محدث. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكاناً يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكاناً يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير، لا الصلاة، بخلاف المساجد فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر وفيها الصلاة والنسك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢. وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة، ولا الدعاء ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك وإن كان مسكناً لنبي أو منزلاً أو ممراً ٣.

стр. 146

فمما تقدم يتضح أن أعياد المسلمين الزمانية منحصرة في سبعة أيام يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى، ويوم عرفة وأيام التشريق. والأعياد المكانية منحصرة في مواضع الحج ومشاعره المعظمة البيت الحرام وعرفة ومزدلفة ومنى، فمن اتخذ عيداً مكانياً أو زمانياً سوى هذه فقد أحدث في الدين وابتدع وتشبه باليهود والنصارى والمشركين الذين قد أمرنا بمخالفتهم كيف لا وقد أبطل الإسلام أعيادهم وعوضننا عنها بتلك الأعياد الزمانية والمكانية والتي مبناها على إخلاص العبادة وتجريدها للخالق سبحانه.

стр. 147

الفصل الثاني: بيان أن الله تعالى أغنى المسلمين بأعيادهم الشرعية المبحث الأول: ارتباط الأعياد الشرعية بالفرائض الدينية ... المبحث الأول: ارتباط الأعياد الشرعية بالفرائض الدينية الدين الإسلامي دين الوسطية لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا إجحاف، هذا هو حال الإسلام في جميع أموره لا يعتني بناحية دون أخرى، وهذه الوسطية تدل على اعتداله، حيث يتناول جانبي النفس الإنسانية الجانب الروحي والجانب المادي؛ وذلك بتلبية حاجتهما بعيداً عن المغالاة في التجرد الروحي، أو الإغراق في الجانب المادي؛ وذلك في حدود ما يحفظ هذا البناء ويجعله قوياً متماسكاً. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ١. وذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين: قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هم له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين، وقسم: تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة وترك الدنيا، وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصابئين وطوائف من وثني الهند وأصحاب الرياضات. أما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها الحقين حق الروح وحق الجسد وإن شئت قلت إنه أعطاها جميع الحقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح ٢.

стр. 148

ولقد تجلت هذه الأمور في الاحتفال بالأعياد الإسلامية، حيث جمعت بين زاد الروح وزاد الجسد والأعياد الشرعية مرتبطة بعبادات جليلة وفرائض مكتوبة. " حيث تأتي بعد فترة يمتحن فيها الإنسان في فضيلتين من الزم الفضائل له في حياته الخاصة، وحياته العامة، وهما التضحية وضبط النفس " ١. وذلك أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه ويخرجون من بلادهم بزينتهم وتلك عادة لا ينفك عنها أحد من طوائف العرب والعجم. ولقد وصل ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: "قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر" ٢. وإنما بدلا لأنه ما من عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه بشعائر دين، أو موافقة أئمة مذهب أو شيء يضاهي ذلك، فخشي النبي ﷺ إن تركهم وعادتهم أن يكون هناك تنويه بشعائر الجاهلية وترويج لسنة أسلافهم، فأبدلهما بيومين فيهما تنويه بشعائر الملة الحنفية، وضم التجمل فيهما ذكر الله وأبواباً من الطاعات، لئلا يكون اجتماع المسلمين بمحض اللعب، ولئلا يخلو اجتماع منهم من إعلاء كلمة الله. فأحدهما: يوم فطر صيامهم وأداء نوع من زكاتهم، فاجتمع الفرح الطبيعي، من قبل تفرغهم عما يشق عليهم وأخذ الفقير الصدقات.

стр. 149

و"العقلي" من قبل الابتهاج مما أنعم الله عليهم من توفيق أداء ما افتراض عليهم، وأسبل عليهم من إبقاء رؤوس الأهل والولد إلى سنة أخرى ١. " فعيد الفطر مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار شرع لهم عقب ذلك عيداً يجتمعون فيه على شكر الله وذكره، وتكبيره على ما هداهم له وشرع لهم في ذلك الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة ٢. فهذا العيد مرتبط بالسرور الذي يحصل عليه المسلم، وقد استطاع أن يلبي أمر ربه بصيام شهر رمضان، فهو يفرح بأن كملت له هذه النعمة وتمت له هذه الغاية ٣. وفي ذلك يقول ﷺ : "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطرة , وإذا لقي ربه فرح بصومه" ٤. الثاني: عيد الأضحى فهو يوم أمر ذبح إبراهيم ولده إسماعيل ﵉، وإنعام الله عليهما بأن فداه بذبح عظيم إذ فيه تذكر لحال أئمة الملة

стр. 150

الحنيفية، والاعتبار بهم، وفيه تشبه لما بالحاج وتنويه بهم وشوق هم فيه؛ ولذلك شرع التكبير ١. وهو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ٢. وهو يوم النحر وأكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم وكمل يوم عرفة واعتق الله عباده المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك، وشرع للجميع التقرب إلى الله بالنسك، وهو إراقة دماء القرابين ٣. أما يوم الجمعة: فهو عيد الأسبوع ومتعلق بإكمال الصلوات المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين ٤. وفي ذلك يقول ابن القيم إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد شرع الله لكل أمة في الأسبوع يوماً يفرغون فيه للعبادة ويجتمعون فيه لتذكير المبدأ والمعاد والثواب والعقاب، ويتذكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياماً بين يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام بهذا الفرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق وذلك يوم الجمعة فأدخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته وقدر اجتماعهم

стр. 151

فيه مع الأمم لنيل كرامته، فهو يوم الاجتماع شرعاً في الدنيا وقدراً في الآخرة ١. فهذه الميزة من الخصائص التي اختصت بها الأعياد الشرعية على ما سواها من أعياد الأمم والمبتدعة، وهي تأتي في أفضل أوقات السنة " فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، وهو عيد للمسلمين، ورمضان ميزان العام ويعقبه يوم الفطر وهو عيد للمسلمين، والحج ميزان العمر ويعقبه يوم النحر، وهو عيد للمسلمين ٢.

стр. 152

المبحث الثاني: اشتمالها على تغذية الروح والبدن لقد اشتملت الأعياد الإسلامية على سنن مثلى وصفات جليلة اتسمت بالشمولية التي جعلت المرء المسلم يعمل لدنياه وآخرته موفقاً بين مطالب الروح ومطالب الجسد. وإليك صوراً من هذه السنن تبين ذلك فمنها: ١ ـ مشروعية التجمل للأعياد: لقد شرع الله للمسلمين في أعيادهم التجمل في الملبس والهيئة؛ وذلك ليظهر المسلم بالمظهر الذي يليق به من نظافة الملبس ونقاء القلب؛ وذلك تأكيد لعوامل الألفة بين المسلمين وإمعاناً في إزالة أسباب النفرة والكراهة فيما بينهم، ولا سيما في تلك المجامع الدينية وما هذا إلا امتثال لأمره : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ١. وكما جاء عنه ﷺ أنه قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" ٢.

стр. 153

وعن أبي سعيد الخدري قال أشهد على رسول الله ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيباً إن وجد" ١. وعن مالك عن نافع "أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن ليغدو إلى المصلى" ٢. وقال ابن قدامة ٣: يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر ٤. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: " سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال " ٥. وجاء في التجمل أيضاً: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ عمر جبة من استبرق ٦ تباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 154

يا رسول الله ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود، فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذه لباس من لا خلاق له" فلبث عمر ما شاء أن يلبث، ثم أرسل إليه رسول الله ﷺ بجبة ديباج، فأقبل بها عمر فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنك قلت: "إنما هذه لباس من لا خلاق له" وأرسلت إلي هذه الجبة، فقال: رسول الله ﷺ : "تبيعها أو تصيب بها حاجتك" ١. فالتجمل يوم العيد كان عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي ﷺ فعلم بقاؤها ٢. وعن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: "ما على أحدكم لو اشتري ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوب مهنته" ٣. وعن نافع أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه ٤. فهذه النصوص تدل على مشروعية التجمل ومس الطيب والغسل في الأعياد الإسلامية، وفي ذلك ترويح للنفس والجسد.

стр. 155

وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: وأحب أن يلبس الرجل أحسن ما يجد في الأعياد الجمعة والعيدين ومحافل الناس ويتنظف ويتطيب ١. ٢ ـ الفرح والسرور في الأعياد: أباح الله للمسلمين إظهار الفرح والسرور في أعيادهم ابتهاجاً بذلك وترويحاً للنفس، وقد أشارت الأدلة إلى ذلك فمنها: أـ عن أنس ﵁ قال قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر" ٢. قال الصنعاني ٣: وفيه دليل على أن إظهار السرور في العيد مندوب وان ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده إذ إبدال الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين ما تفعله الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقتين، والمراد من أفعال الجاهلية ما ليس محظوراً ولا شاغلاً عن طاعة ٤.

стр. 156

ب ـ عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث ١ فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني. وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: "دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا" ٢. ـ والحديث يشير إلى فوائد منها: ١ـ مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى. ٢ ـ وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين ٣ كما جاء ذلك عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال يومئذٍ "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة" ٤. ولكن بعض الناس يطلق لنفسه العنان في الاحتفال بالأعياد الإسلامية من حيث الفرح والسرور واللعب والغناء وإحضار آلات الطرب والموسيقي مستدلاً بالأحاديث الواردة في جواز اللعب في العيد على إباحة الغناء والسماع.

стр. 157

وبالنظر إلى الأحاديث الواردة في جواز اللعب والغناء والفرح في أيام العيد نجد أنه لا دليل لهم في ذلك. حيث جاء في حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث، وقالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك يوم عيد فقال رسول الله ﷺ "يا أبا ب كر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا". فقولها: "ليستا مغنيتين" قال ابن حجر نقلاً عن القرطبي ١. أي ليستا ممن يعرف بالغناء، كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن. وقد استدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة ﵂ بهذا القول " فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما اللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة، وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح ٢.

стр. 158

وهذا كاف في الرد على من استدل بأحاديث الباب على إباحة الغناء وسماعه. ٣ ـ مشروعية التكبير وذكر الله في الأعياد: من شعائر الأعياد الإسلامية التكبير فيها لما في ذلك من التوحيد لله وإخلاص العبادة والانقياد له بالطاعة، حيث يهتف المسلمون بذلك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ١. وذلك شكراً لله أن مكنهم بفضله ومنته من صيام رمضان وقيامه وإن سهل لهم أداء فريضة الحج. ومما يدل على مشروعية التكبير ما جاء عن أم عطية أنها قالت: "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته" ٢. قال الخطابي ٣: " الحكمة من التكبير في هذه الأيام هو أن الجاهلين كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشرع التكبير فيها إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه ٤.

стр. 159

وجاء استحباب الإكثار من الصلاة على سيدنا ونبينا محمد ﷺ يوم الجمعة؛ وذلك لقوله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ" ١. وفي ذلك يقول ابن القيم: " ورسول الله ﷺ سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى، وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم، فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكرِه وحمدِه وأداء القليل من حقه ﷺ أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته ٢.

стр. 160

المبحث الثالث: أثر الأعياد الشرعية في التكافل الاجتماعي يحرص الدين الإسلامي دائماً على إتاحة الفرص التي تحقق سعادة الفرد المسلم وتجلب له الراحة، لكي يقوم بالفرائض التي كلفه الله بالقيام بها؛ وذلك بما يهيئه من أسباب لضمان الكفاية المعيشية، والتي تتمثل في التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع المسلم. فمن هذا التكافل ما تمتاز به الأعياد الإسلامية على غيرها، وذلك باقترانها بتشريعات اجتماعية تستهدف البر بالفقراء والمحتاجين والعطف على ذوي الأرحام والأرامل والأيتام. فعيد الفطر يقترن بتشريع زكاة الفطر، وعيد الأضحى يقترن بتشريع نحر الأضحية؛ وذلك للبر بالمعوزين والتوسعة على الفقراء في وقت أعده الله لفرح المسلمين وسرورهم ولجأ الكل إلى المشاركة في بهجة العيد , وأعياد الإسلام شرع فيها؛ ذلك لإزالة الأنانية والشحناء ولإشاعة روح البهجة بين المسلمين. فهذه التشريعات تدعو إلى التكافل والترابط بين أفراد الأمة المسلمة، ففي اقتران عيد الفطر بصدقة الفطر حكم عظيمة وفوائد جليلة، كما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ "زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" ١.

стр. 161

ـ فلمشروعية زكاة الفطر حكمتان: الأولى: ترجع إلى الصائم، وهي تطهير نفسه مما عساه أن يكون قد وقع فيه، وهو صائم من لغو القول وفحشة، وللحسنات أثرها الطيب في إزالة السيئات. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ١. وقوله ﷺ : "واتبع السيئة الحسنة تمحها" ٢. الثانية: ترجع إلى تلبية الإحساس بحاجة أخيه المسلم فتكون عنوناً له وسداً لحاجته وفاقته في العيد، وهي بهذا تكون مظهراً عملياً للتضامن الذي يبنى المجتمع الإسلامي على أساس منه. فيكون الفرح شاملاً للفقير والغنى؛ وبذلك تحصل وحدة السرور والغبطة بينهما كما حصلت الوحدة في الصيام. ومن هنا يتضح أن زكاة الفطر وسيلة تعاون وتضامن بين أفراد المجتمع المسلم؛ وذلك لتحقيق التماسك والترابط في البناء الاجتماعي الإسلامي الذي يتساوى فيه الغني والفقير، حيث تجبر بها خواطر الفقراء وتزول من النفوس النفرة للأغنياء.

стр. 162

ونجد أن تشريع الأضحية مرتبط بأعظم مواسم المسلمين وأكبر أعيادهم "عيد الأضحى" ولقد اجتمع في هذا العيد المبارك الصلاة والنسك كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ْ﴾ ١. وهما من أعظم العبادات لله . وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين وهما: الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع وحسن الظن، وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته وأمره، وخلقه وفضله عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله، الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفاً من الفقر، وتركاً لإعانة الفقراء وإعطائهم وسوء الظن منهم بربهم؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. فشكر المنعم عليه وعبادته أعظمها هاتان العبادتان: الصلاة والنحر؛ لأن أجل العبادات المالية النحر وأجل العبادات البدنية الصلاة، ومن هنا كان ﷺ كثير الصلاة لربه كثير النحر ٣. فعلى هذا فالأضحية شعيرة من شعائر المسلمين وسمة من سمات الاحتفال بعيد الأضحى.

стр. 163

ـ إنها من أجل العبادات المالية، وهي تدعيم لرابطة الأخوة بين المسلمين وإعانة للفقراء والمحتاجين في العيد. ـ إن النحر عبادة وقربة إلى الله تعالى، وهذا ما يميز أعياد المسلمين ويترفع بها عن أعياد المشركين وما يقربون فيها لآلهتهم من القرابين والذبائح. ومن هنا تتجلى حكمة مشروعية الأضحية وارتباطها بعيد الأضحى، فهي توسعة على الفقراء والمساكين، وربط لمشاعر المسلم في أي بقعة على ظهر الأرض بالمسلمين في منى ليكون هناك وحدة في الهدف والعمل. " ولئن كان المشركون يذبحون هذه القرابين للأصنام رجاء النفع والضر، فإن المؤمن لا يذبح لصنم ولا وثن، وإنما يتقرب بنسكه إلى الله وحده مخلصاً له العبادة جل وعلا، وهي تحمل في طياتها ذكرى الفداء لإسماعيل ﵇. فهي مع كونها توسعة وصدقة ومعونة لأهل الحاجة من الضعفاء قربة لله ١. كما جاء أن يوم الجمعة يستحب فيه الصدقة، كما في حديث أبي سعيد الخدري أنه جاء رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب بهيئة بذة ٢ فقال له رسول الله ﷺ : "أصليت قال: لا. قال: صل ركعتين وحث الناس على الصدقة فألقوا ثياباً فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فحث الناس على الصدقة فألقى أحد ثوبيه فقال رسول الله ﷺ : جاء

стр. 164

هذا يوم الجمعة بهيئة بذة فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثياباً فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة فألقى أحدهما فأنتهره فقال خذ ثوبك " ١. ويقول ابن القيم عند ذكره لخصائص يوم الجمعة: " إن الصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور " ٢. فما تقدم يتضح أن جميع الأعياد الشرعية جاء فيها الحث على الصدقة والبر والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، وذلك من أهم الروابط بين أفراد الأمة الإسلامية، فالدين الإسلامي يدعو إلى التكافل والتعاون في كل وقت. وهذا مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٣. وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٤. ولا يقتصر مغزى العيد على هذا الحد، بل يتجلى أثره في التكافل الاجتماعي بما يضيفه على القلوب من أنس وعلى النفوس من بهجة وعلى

стр. 165

الأجسام من راحة وهو ما يدعو إليه من تجديد أواصر الحب بين الأصدقاء والتراحم بين الأقرباء والتعاون بين الناس جميعاً. ففي العيد تتقارب النفوس على الود، وتجتمع على الألفة، وفي العيد يتناسى ذوو النفوس الطيبة أضغانهم، فيجتمعون بعد افتراق ويتصافون بعد كدر، ويتصافحون بعد انقباض، وفي ذلك كله تجديد للصلة الاجتماعية بين الناس على أقوى ما تكون حباً ووفاءً وإخاءً ١. كما تتجلى قوة البناء الاجتماعي للمسلمين في أداء الصلاة لهذه الأعياد، فصلاة الجمعة والعيدين من أكبر الشعائر الإسلامية التي تعطى القوة للمسلمين أمام الأمم الأخرى. حيث اجتماع الكلمة بين المسلمين ووجود التآلف والتراحم لاجتماعهم في مسجد واحد، أو مساجد متعددة كما أن فيها معنى المساواة لا التي تترنم بها الأمم الأخرى. حيث يقف المسلم الفقير بجانب الغني بلا فارق ولا تميز ٢ وإنما يكون الفضل بالتقوى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣. وما أحوج الأمة الإسلامية في أعيادها إلى تطبيق هذه المثل لكي يعيش المجتمع الحياة السعيدة التي تنادي بها الشريعة، وإلى نبذ الخلافات والأحقاد

стр. 166

والعودة إلى العقيدة الصافية النابعة من الكتاب والسنة؛ وذلك أن الأعياد هي المظهر الحقيقي للأمم، حيث تظهر منه عادات وأخلاق من يحتفل به، وفي ذلك يقول الدكتور السباعي: ومن أراد معرفة أخلاق الأمم فليراقبها في أعيادها إذ تنطلق السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها، والمجتمع السعيد هو الذي تسمو أخلاقه الاجتماعية في العيد إلى أرفع ذروة، ويمتد شعوره الإنساني إلى أبعد مدى، وذلك حين يبدو في العيد متماسكاً متعاوناً متراحماً، حتى يخفق فيه كل قلب بالحب والبر والود " ١. فيجب على المسلم مراعاة هذه القيم والمثل التي تدعو إليها الأعياد الشرعية ليحصل بذلك التكامل الاجتماعي وقوة البناء للأمة الإسلامية، ولتكن أمة واحدة في تعاونها وتماسكها، كما أنها واحدة في عبادتها لله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.

стр. 167

المبحث الرابع: مقارنة بين الأعياد الشرعية والأعياد الأخرى بالنظر إلى أعياد الكفار وما يحدث في أثناء الاحتفال بها نجد أنها مشتملة على ما يجرح الأدب وما يفضي إلى الحرمات وما يدعو إلى الانحلال ونبذ الأخلاق كل هذا مباح عند أربابها بحجة أنها أيام أعياد وأيام فرح وسرور، فلا وازع ديني يمنعهم ولا خلقي يردعهم. فضلاً عن عدم وجود ضابط لتلك الأعياد لدى الأمم والشعوب، حيث تنوعت من عهد إلى عهد ومن عصر إلى آخر، وكانت تقل وتكثر ويزاد فيها وينقص لعدم ثباتها على أصل ولمجاراة الأهواء فيها، فتتغير أسماؤها وتتعدل مواقيتها ومراسم تقاليدها والاحتفال بها بتطور الزمن وتغير الأفكار. وذلك أن جلها من وضع البشر القاصر، حيث نجدها تفتقر إلى وجود العبادة والأخلاق النبيلة فيها، ومع هذا فهي أعياد ضيقة محدودة في إطار معين؛ لأن أصل قيامها على حب الهوى والشهوة، أو الأساطير والخرافة، ويتجلى ذلك في عنايتها بالجانب المادي فقط. فجل الأعياد غير الإسلامية تعتني بالجوانب المادية، وإشباع اللذات الحسية وعدم العناية بالجانب الروحي الذي ينمي الأخلاق ويزرع الصفات الحسنة النبيلة، حيث نجد أن أصحاب هذه الأعياد والمحتفلون بها، قد وقعوا في براثن الرذيلة فسايروا في احتفالاتهم شهواتهم وطلبوا إشباعها بدون ضابط فاتسمت بالمادية وأفرطت في الأنانية والبعد عن المصلحة العامة التي فيها التكافل والرفعة للفرد والمجتمع فضلاً عن الطاعة والعبادة لله.

стр. 168

وهذا هو حال الأعياد التي قبل الإسلام، أو التي ابتدعت على غرار تلك الأعياد. وبنظرة يسيرة على الأعياد الشرعية نجد أنها تتميز على غيرها بجوانب وذلك أن مصدرها عن طريق الوحي الكتاب والسنة الذي قال فيهما النبي ﷺ : "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي" ١. من أجل هذا تنفرد الأعياد الشرعية بخصائص تميزها عن سائر الأعياد الأخرى منها: ١ ـ الثبات في العدد والتسمية: من المعلوم أن الأعياد غير الشرعية لا تثبت على عدد معين ولا على اسم واحد، بل تتغير وتتبدل ويزاد فيها وينقص بحسب أصحابها، ومن يحتفل بها من زمن إلى آخر. أما الأعياد الشرعية فهي ثابتة من ناحية العدد والاسم؛ لأنها بوحي من الله فعددها ثلاثة وأسماؤها هي: عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الجمعة. ويلحق بعيد الأضحى أيام التشريق ويوم عرفة، فالأعياد الشرعية إذاً سبعة أيام فقط كما دلت على ذلك النصوص الشرعية الصحيحة التي تقدم بيانها ٢. وماعداها فلا أصل له في الشريعة فيكون محدثاً مبتدعاً.

стр. 169

فالأعياد الشرعية إذاً ثابتة العدد فلا تزيد ولا تنقص، ثابتة الأسماء فلا تتغير ولا تبدل، وهي باقية على ذلك كما شرعها الله لعباده. ومن هنا ندرك سر قلق الأعياد غير الشرعية وعدم ثباتها لعدم قيامها على وحي من الله، فهذا الثبات وعدم الاضطراب في الاسم والعدد أحد خصائص ومميزات أعيادنا الشرعية. ٢ ـ الثبات في الأزمنة: مما تتميز به الأعياد الشرعية كونها في زمن محدد معلوم، وهذا ما تفتقر إليه كثير من الأعياد الأخرى. فنجد أن عيد الفطر: يكون في أول يوم بعد شهر رمضان أي في اليوم الأول من شهر شوال. وعيد الأضحى: في العاشر من شهر ذي الحجة. وعيد الجمعة: هو العيد الذي يتكرر في كل أسبوع ويقع في يوم الجمعة. وبناءً على هذا يتضح أن الأعياد الشرعية زمنها محدد، حيث تأتي في وقت معلوم، فيحتفل بها العالم الإسلامي اجمع كما أنها تأتي في جميع فصول السنة؛ وذلك لأنها مبنية على التوقيت القمري الذي يختلف موقعه من فصول السنة فلا يقتصر الاحتفال والبهجة بالعيد على موسم دون موسم، أو فصل دون فصل، بل يشمل جميع المواسم وجميع الفصول. وفي ذلك يقول العقاد: وذلك أن التوقيت بالأشهر القمرية في حساب العيدين الإسلاميين كان له أثر في تنزيه هذين العيدين عن كل صلة بالعقائد

стр. 170

الجاهلية التي سبقت دعوة الإسلام، فلا ارتباط لهما اليوم بمواقيت عبادة الطبيعة، أو عبادة الكواكب، وليس لهما قوام من الذكريات المادية أو المعاني النفعية، فقد يعود الصيام في أشهر الصيف كما يعود في أشهر الشتاء، وقد يجب الحج مع أوان المرعى والسقاية كما يجب مع كل أوان، وهو عدل في توزيع أيام الفرائض يناسب العدل في تكاليف الدين وأعباء الواجبات. ويناسب العدل في أحوال الأمم التي تؤدي الفرائض وتنهض بتلك الأعباء، ومنها أمم الرعاية والزراعة وأمم التجارة والصناعة وأمم تقيم في كل مناخ وكل إقليم ١. ٣ ـ الثبات في الاحتفال بها: بالتأمل في طريقة الاحتفال بالأعياد نجد أنها تختلف من شعب لآخر ومن عصر لعصر؛ وذلك حسب العادات والتقاليد الخاصة بالاحتفال بالعيد والأعياد مظهر من مظاهر الأمم والشعوب يتضح من خلالها قيمة ذلك الشعب وتلك الأمة، من حيث الرقي والانحطاط ومن حيث الرشد والضلال والاستقامة والانحراف. فيتفاوتون في كيفية الاحتفال وغالباً ما يحكم ذلك سبب هذا الاحتفال فقوام الاحتفالات غير الشرعية اللهو المحرم، والمجون الذي يخدش الحياء ويزيل المروءة.

стр. 171

كما قد يكون سبب هذا العيد ولادة ملك أو وفاة عظيم أو وجود حادثة كونية، أو غير ذلك من الأسباب التي يعتز بها ذلك الشعب، أو تلك الأمة , وهذه هي حال احتفالات الأمم السابقة من اليهودية، أو النصرانية أو المجوسية، وكذلك حال الأعياد المبتدعة. ومن أغرب العادات والتقاليد في الاحتفال بالأعياد ما يحكيه اليعقوبي ١ عن الصينيين في أحد أعيادهم حيث قال أولهم أعياد لأصنامهم، أعظمها عيد في أول السنة، يقال له الزارار، يخرجون إلى مجمع، ويعدون فيه الأطعمة والأشربة، ثم يأتون برجل قد حبس نفسه على ذلك الصنم العظيم، وعلى جميع شهواته، وتمكن من كل ما يريد، فيتقدم إلى ذلك الصنم، وقد صبر على أصابع يده شيئاً يشعل النار، ثم يحرق أصابعه بالنار ويسرجها بين يدي ذلك الصنم حتى يحترق، ويقع منها ميتاً فيقطع، فمن نال منه شظية، أو خرقة من ثيابه، فقد فاز ثم يأتون برجل آخر يريد أن يحبس نفسه للصنم للسنة الجديدة، فيقف موضعه ويلبس الثياب ويضرب عليه الصنوح ٢، ثم يفترقون، فيأكلون ويشربون ويقيمون أسبوعاً وينصرفون ٣. أما الأعياد الشرعية فقد بين الله كيفية الاحتفال بها، حيث جعلها مشتملة على ما يغذي الروح والبدن من الصفات العليا والقيم المثلى التي تعود على المجتمع بالخير والصلاح والتي تقوي صلة العبد بربه.

стр. 172

فطريقة الاحتفال بالأعياد الشرعية ثابتة وهادفة لا تختص بفرد دون فرد ولا إقليم دون إقليم، بل تشمل جميع الأمة الإسلامية. لأنها لا صلة لها بعظيم من العظماء ولا بولايته ولادته ولا بحياته أو موته، فلا ارتباط لها بشخص من الأشخاص أو فعل من الأفعال أو ظاهرة كونية أو حادثة وطنية من الحوادث، بل إنها تسمو عن ذلك كله فشعار الاحتفال بالأعياد الشرعية إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والصلاة والصدقة والبر والإحسان والتكافل بين المجتمع صغيرة وكبيرة غنية وفقيرة. وذلك لارتباطها بعبادات عظيمة وتشريعات جليلة، فعيد الفطر يعقب صوم رمضان وشرعت فيه صدقة الفطر. وعيد الأضحى يأتي عقب الحج وشرعت فيه الأضحية، وعيد الجمعة عقب الصلوات المفروضة ويستحب فيه الصدقة. فهذه بعض ما تتميز به الأعياد الشرعية على غيرها تواد وتراحم تعاطف وتكافل، متع حلال وفرح وسرور مع شكر الله وإخلاص العبادة له.

стр. 173

الباب الرابع: الأعياد والمواسم المبتدعة وأثرها السيء الفصل الأول: في البدعة المبحث الأول: تعريف البدعة في اللغة ... المبحث الأول: تعريف البدعة في اللغة ـ البدعة في اللغة: اسم من الابتداع، يقال بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه أنشأه وبدأه. وبدع الركية استنبطها وأحدثها ... والبديع والبدع الشيء الذي يكون أولاً. وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ ١. أي ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير ٢. وفلان بدع في الأمر أي أول لم يسبقه أحد ... وأبدع وابتدع: أتى ببدعة قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ ٣. والبدعة الحدث: وبدّعه نسبه إلى البدعة. والبديع المحدث العجيب والبديع المبدع. وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال. والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء كما قال : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤. أي خالقها ومبدعها، فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق.

стр. 174

ويقال: سقاء بديع: أي جديد وشيء بدع بالكسر أي مبتدع، وأبدعت الإبل بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال وأبدعت هي كلت وعطبت ١. ومما تقدم يتضح أن البدعة في اللغة لها معنيان: أحدهما: الشيء المخترع على غير مثال سابق ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣. الثاني: التعب والكلال يقال في الإبل إذا هزلت وانقطعت في الطريق، وكما جاء في الحديث "أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أني أبدع بي فاحملني" ٤. أي انقطع بي لكلال راحلتي. كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعاً إنشاء أي أمر خارج عمّا اعتيد منها ٥. فالباء والدال والعين أصلان لشيئين: أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق.

стр. 175

والثاني: الانقطاع والكلال ١. والبدعة تطلق في عالم الشر والخير ٢ وأكثر ما تستعمل عرفاً في الذم ٣، كما أن كلمة بدعة غلب استعمالها فيما نقص من الدين، أو زيد فيه ٤. فالبدعة إذاً اسم هيئة من الابتداع كالرفعة من الارتفاع وهي كل شيء أحدث على غير مثال سابق ٥.

стр. 176

المبحث الثاني: تعريف البدعة في الاصطلاح لقد عرف عدد من العلماء البدّعة في الاصطلاح بتعريفات كثيرة تدل على معنى واحد وهو الإحداث في الدين بما يخالف الكتاب والسنة، وهذه التعريفات لا تخرج عن هذا المعنى، وإن اختلفت ألفاظها وتفاوتت في استيفاء جزئيات تعريفها. ١ ـ ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب ما أمر به أمر إيجاب، أو استحباب وعُلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواءً كان هذا مفعولاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلمأو لم يكن" ١. وقال أيضاً: " والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات " ٢. ٢ ـ ويقول الشاطبي ﵀ ٣: " هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله " ٤.

стр. 177

٣ ـ ويقول ابن رجب ﵀: " والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة " ١. ٤ ـ ويقول ابن حجر العسقلاني ﵀: " البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع مقابل السنة فتكون مذمومة " ٢. وقد نص على ذلك الطرطوشي ٣ وابن حجر الهيثمي ٤ والسيوطي ٥. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والآثار، حيث تضافرت على ذم البدع والمحدثات في الدين بصفة عامة شاملة لكل محدث ومبتدع. ـ فمن الكتاب: ١ ـ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٦.

стр. 178

أخبر الله في هذه الآية أن الشريعة قد كملت قبل انتقاله ﷺ فهي كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان ١؛ لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكاً وتوحي بأنها ناقصة. ٢ ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢. فالمراد بالصراط المستقيم: سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة والسبل الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل: اليهودية والنصرانية، وسائر الملل والأهواء والبدع ٣. وعن مجاهد قال: " ولا تتبع السبل قال البدع والشبهات "٤. فأفادت الآية أن طريق الحق واحدة وأن للباطل طرقاً متعددة لا واحدة، وتعددها لم يخص بعدد مخصوص ٥. ٣ ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٦.

стр. 179

٤ ـ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. ٥ ـ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم البدع وأهلها. ـ ومن السنة: ١ ـ ما رواه العرباض بن سارية، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل يا رسول الله كأنّ هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣.

стр. 180

٢ ـ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما بعد: "فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.." ١. وفي رواية "وكل محدثة بدعة وكل بدعة في النار" ٢. ٣ ـ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ٣. وغير ذلك من الأحاديث الواردة في ذم الابتداع والآمر بالاتباع وموافقة السنة. ـ ومن الآثار: ١ ـ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع" ٤.
следующие страницы →