المبحث الثاني: تعريف البدعة في الاصطلاح
لقد عرف عدد من العلماء البدّعة في الاصطلاح بتعريفات كثيرة تدل على معنى واحد وهو الإحداث في الدين بما يخالف الكتاب والسنة، وهذه التعريفات لا تخرج عن هذا المعنى، وإن اختلفت ألفاظها وتفاوتت في استيفاء جزئيات تعريفها.
١ ـ ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب ما أمر به أمر إيجاب، أو استحباب وعُلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواءً كان هذا مفعولاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلمأو لم يكن" ١.
وقال أيضاً: " والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات " ٢.
٢ ـ ويقول الشاطبي ﵀ ٣: " هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله " ٤.
стр. 177
٣ ـ ويقول ابن رجب ﵀: " والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة " ١.
٤ ـ ويقول ابن حجر العسقلاني ﵀: " البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع مقابل السنة فتكون مذمومة " ٢.
وقد نص على ذلك الطرطوشي ٣ وابن حجر الهيثمي ٤ والسيوطي ٥. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والآثار، حيث تضافرت على ذم البدع والمحدثات في الدين بصفة عامة شاملة لكل محدث ومبتدع.
ـ فمن الكتاب:
١ ـ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٦.
стр. 178
أخبر الله في هذه الآية أن الشريعة قد كملت قبل انتقاله ﷺ فهي كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان ١؛ لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكاً وتوحي بأنها ناقصة.
٢ ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
فالمراد بالصراط المستقيم: سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة والسبل الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل: اليهودية والنصرانية، وسائر الملل والأهواء والبدع ٣.
وعن مجاهد قال: " ولا تتبع السبل قال البدع والشبهات "٤. فأفادت الآية أن طريق الحق واحدة وأن للباطل طرقاً متعددة لا واحدة، وتعددها لم يخص بعدد مخصوص ٥.
٣ ـ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٦.
стр. 179
٤ ـ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
٥ ـ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم البدع وأهلها.
ـ ومن السنة:
١ ـ ما رواه العرباض بن سارية، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل يا رسول الله كأنّ هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣.
стр. 180
٢ ـ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما بعد: "فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.." ١.
وفي رواية "وكل محدثة بدعة وكل بدعة في النار" ٢.
٣ ـ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ٣.
وغير ذلك من الأحاديث الواردة في ذم الابتداع والآمر بالاتباع وموافقة السنة.
ـ ومن الآثار:
١ ـ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع" ٤.
стр. 181
٢ ـ وقال أيضاً: "ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدعة وتموت السنة" ١.
٣ ـ وعن ابن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" ٢.
فمما تقدم من الآيات والأحاديث والآثار الواردة في النهي عن البدعة والمحدثات وذمها يتضح لمن أراد الحق أن البدعة في الشرع لا تطلق إلى على ما خالف السنة، وأن البدعة لا تكون إلا مذمومة سواء كانت في العادات، أو العبادات فلا بدعة حسنة إذاً، وهو الراجح؛ وذلك أن هذه الأدلة جاءت في ذم البدع والمحدثات عامة ولم تختص بمحدثة دون أخرى. كما قرر ذلك الشاطبي ﵀ عند تعريفه للبدعة في الشرع، حيث قال: البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ". وهذا على رأى من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها للعبادات.
أما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: " البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية " ٣.
стр. 182
وهناك من ذهب إلى القول بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، أو ممدوحة ومذمومة ١.
وهذا القول باطل؛ لأن البدع كلها قبيحة ليس فيها حسن، وكلها مذمومة ليس فيها ممدوح، وكلها ضلال ليس فيها هدى، وقد تقدم تقرير ذلك بنصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
" وإنما قال بهذا التقسيم من لم يفهم مقاصد النصوص على حقيقتها وكلام السلف على وجهته، فاستدلوا ببعض الأحاديث وببعض الآثار وحملوها على غير المراد منها وزعموا أنها تدل على تحسين بعض البدع ٢.
ـ ومن جملة ما استدلوا به:
١ ـ ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح جماعة في رمضان حيث قال: نعم البدعة هذه ٣.
٢ ـ عموم الأحاديث الواردة في أجر من سن سنة والتي فهموا منها أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة، مثل:
أـ ما جاء في الصحيح من قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شي،
стр. 183
ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارها شيء" ١. ب ـ وقوله ﷺ : "إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم.. الحديث" ٢.
٣ ـ القول بأنه ليس كل بدعة ضلالة ٣.
وما احتج به من قال بتحسين البدع من هذه النصوص فليس له فيها حجة لما يلي:
أولاً: احتجاجهم بقول عمر بن الخطاب ﵁ في صلاة التراويح " نعمت البدعة هذه ". وجعلوها مخصصة لقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" فهو احتجاج مردود ولا تقوم به الحجة لأمور:
١ـ أن صلاة التراويح ليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقوله ﷺ وفعله ولقد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة وذلك لما جاء من حديث عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم النبي ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" ٤.
стр. 184
فعلل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر ﵁ جمعهم عل قارئ واحد، فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته صلى الله عليه وسلم١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما قول عمر ﵁: " نعمت البدعة هذه " فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكماً بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﷺ ، ومن أعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
وتسمية عمر ﵁ صلاة التراويح تسمية لغوية، لا تسمية شرعية؛ لأن البدعة اللغوية تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق. أما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي ٢.
стр. 185
وقال ابن رجب: وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدعة اللغوية لا الشرعية ١.
٢ ـ أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين كما ثبت في الحديث الصحيح قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور" ٢. فأعطى هذا الحديث أن ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنته ﷺ . فعلى هذا فعل عمر ﵁ لم يكن بدعة، بل هو سنة.
ثانياً: أما استدلالهم بالأحاديث الواردة في ثواب من سن سنة حسنة، فيجاب عليها بما يلي:
١ ـ لو نظرنا إلى سبب حديث من سن في الإسلام سنة حسنة وقصته نجده في سنة الصدقة وترغيب الناس فيها، فدل ذلك على أن المراد سنة الأحياء وليس المراد به الاختراع ونصه كما يلي:
عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار ٣ أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر ٤ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلملما رأى بهم من
стр. 186
الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ١. والآية التي في سورة الحشر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة قال، فجاء رجل من الأنصار بصرة كانت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام، أوثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبه ٣. فقال رسول الله ﷺ : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها.. الحديث".
٣ ـ إن قوله: "من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة" لا يمكن حمله على الاختراع من أصل؛ لأن كونها حسنة أو سيئة لا يعرف إلا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع، لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 187
وإنما يقول بالتحسين والتقبيح بالعقل المبتدعة، فلزم أن تكون السنة في الحديث. أما حسنة في الشرع، وأما قبيحة بالشرع، فلا يصدق إلا على مثل الصدقة المذكورة وما أشبهها من السنن المشروعة، وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم، حيث قال ﷺ : "لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل" ١.
وعلى البدع لأنه قد ثبت ذمها والنهي عنها شرعاً ٢.
٤ ـ أما قولهم: " ليست كل بدعة ضلالة " فيجاب عليه بما يلي:
فيه اعتراض على عموم الأحاديث الواردة في ذم البدع والمحدثات، ولقد أجاب شيخ الإسلام بن تيمية على هذا القول بقوله:
والجواب: أما القول أن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات. فهذا نص رسول الله ﷺ فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم.
ولا يجوز حمل قوله ﷺ "كل بدعة ضلالة" على البدعة التي نهي عنها بخصوصها؛ لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث.. وهو من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع التأويل السائغ..
стр. 188
ودلالة الحديث باقية لا ترد بما ذكروه، ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية وهي قوله: "كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة ـ فإن هذا إلى مشاقه الرسول ﷺ أقرب منه إلى التأويل ١.
ـ وفيه من المفاسد أشياء:
أـ سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإن المنهي عنه علم حكمه بذلك التخصيص.
ب ـ إن اسم البدعة يكون عديم التأثير.
ج ـ ليس كل بدعة جاء عنها نهي خاص، وليس كل ما جاء فيه نهي خاصة بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس وتدليس.
د ـ مساواة البدعة بالمعاصي والحقيقة أن البدعة شر من المعاصي ٢.
كما قال سفيان الثوري: " البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها " ٣.
وبهذا يبطل استدلال من قال بتحسين البدعة، ولا سيما أن الأدلة الواردة في ذم البدع واضحة الدلالة من وجوه: ١ ـ أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها ولم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أن من البدع ما هو هدى، فلو كان هنالك بدعة
стр. 189
ومحدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان لأشير إلى ذلك في آية أو حديث ولكنه لا يوجد.
فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية والعموم لا يتخلف عن مقتضاها فرد من أفراد البدعة.
٢ ـ أنه قد تقرر في علم الأصول أن كل قاعدة شرعية كلية ودليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرارها وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم.
وذلك أن الأدلة جاءت متعددة ومتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال أن كل بدعة ضلالة وأن كل محدثة بدعة ونحو ذلك من العبارات الدالة على عموم ذم البدع والمحدثات في الدين، ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا يفهم منه خلاف ظاهر العموم والكلية فيها، فدل ذلك على أن هذه الأدلة على ظاهرها من العموم والإطلاق.
٣ ـ إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان على ذم البدع بدون استثناء والهروب عنها وعن أصحابها، فدل ذلك على أن كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل، الذي يجب تجنبه.
٤ ـ أن مفهوم البدعة ومعناها يقتضي عموم ذم البدع كلها؛ لأنها مضاد للشارع وترك للشرع، وكل ما كان كذلك فممتنع أن ينقسم إلى
стр. 190
حسن وقبيح وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع ومخالفته ١.
وبذلك تبين رجحان القول بأن البدعة في الشرع مذمومة، وانه لا بدعة حسنة، وان البدعة تكون في مقابل السنة والله أعلم.
стр. 191
المبحث الثالث: أسباب انتشار البدعة
إن أسباب انتشار البدع كثيرة ومتعددة لا يمكن حصرها وتحديدها؛ ذلك لأنها تتغير وتتجدد وتظهر وتختفي بحسب الدوافع والموانع لها؛ لذا سأقتصر على أهمها باختصار، وهي كما يلي:
١ ـ الجهل بأدوات الفهم:
وذلك أن الله قد أنزل القرآن الكريم عربياً لا عجمة فيه، جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب. كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وغير ذلك من الآيات التي تبين أن القرآن نزل عربياً على أفصح عربي نطق بها محمد ﷺ . فالشريعة لا تفهم ولا تعطي ما عندها إلا إذا فهم اللسان العربي، هذا وإن كان ﷺ بعث للناس كافة، فجميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تبع للسان العربي، وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله إلا من الطريق الذي نزل عليه، وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها، فيجب على كل مسلم أن يتعلم من اللسان العربي ما بلغه جهده حتى يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويتلو كتاب الله، وينطق به الذكر المفترض عليه من التكبير ونحوه ٢.
стр. 192
ولكي يسلم من الانحراف عن الدين والوقوع في الابتداع، وكثير من وقع في البدعة بسبب جهله باللسان العربي.
٢ ـ الجهل بالدين والسنة وعلومها:
مما يترتب على ذلك عدم التمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة؛ لذا فالمبتدعة لا يفرقون بين السنة والبدعة، فيعتمدون على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ، مما أدى إلى الابتداع والتشويه للشرع والافتراء عليه، فردوا الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل ١.
متناسين تحذيره ﷺ من الكذب عليه كما قال: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ٢.
وكما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤. وغير ذلك من الآيات الواردة في التحذير من مخالفته ﷺ .
стр. 193
٣ ـ اتباع الهوى:
ولقد ذم الله من يتبعون الهوى ويعرضون عن الحق الذي جاء به الشرع.
كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم الهوى وأصحابه.
وفي ذلك يقول الشاطبي ﵀: " لذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة مأخذ الافتقار إليها، أو التعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها وراء ذلك " ٣.
٤ ـ اتباع المتشابه:
وذلك باتباعه وترك المحكم من الآيات والأحاديث وإلى ذلك يشير إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ ٤.
стр. 194
فهم يطلبون به أهواءهم لحصول الفتنة، فليس في نظرهم، إذاً في الدليل نظر المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمة، بل نظر من حكم بالهوى، ثم أتى بالدليل كالشاهد ١.
٥ ـ القول في الدين بغير علم وقبول ذلك من قائله:
وذلك باتخاذ الناس رؤوساً جهالاً يقومون بالفتوى والتعليم، ويقولون في دين الله بغير علم، حيث تكثر الاستحسانات التي قوامها الأهواء والآراء.
كما قال ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ٢. ٣.
ولقد حذر من القول بغير علم وجعله محرماً كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٤.
فالآية تبين تحريم عموم القول في الدين بغير علم ٥.
стр. 195
٦ ـ الغلو في الأشخاص:
وذلك بالتسليم لغير المعصوم ﷺ والقول بعصمة الأئمة المتبوعين من الخطأ والتعصب لآرائهم الباطلة، أو تقديس الشيوخ باعتبار أن منازلهم تقارب منازل الأنبياء ١.
وقد نهى الله عن الغلو. فقال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢.
كما ثبت عنه ﷺ النهي عن ذلك. فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله" ٣.
وغير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الغلو وأنه من أسباب الوقوع في الشرك والبدع بريد الشرك والموصلة إليه.
стр. 196
المبحث الرابع: أحكام البدع
لا شك في أن البدع كلها محرمة مذمومة بإطلاق، ولا بدعة حسنة كما تقدم تقرير ذلك، ولكن هذه البدع تتفاوت، وذلك بحسب إخلالها في الدين، وهي قسمين: بدعة مكفرة. وبدعة غير مكفرة.
فضابط البدعة المكفرة: من أنكر أمراً مجمعاً عليه متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة، من جحود مفروض، أو فرض ما لم يفرض، أو إحلال محرم، أو تحريم حلال، أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه، من نفي أو إثبات؛ لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل به رسله، كبدعة الجهمية ١ في إنكار صفات الله ، والقول بخلق القرآن، أو خلق أي صفة من صفات الله، وإنكار أن يكون الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً وغير ذلك.
وكبدعة القدرية ٢ في إنكار علم الله ، وأفعاله وقضائه وقدره وغير ذلك من الأهواء.
стр. 197
ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله، فهذا مقطوع بكفره، بل هو أجنبي عن الدين من أعدى أعدائه، وآخرون مغررون ملبس عليهم، فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم ١.
أما ضابط البدعة الغير مكفرة، فهي: ما لم يلزم منها تكذيب بالكتاب ولا بشيء مما أرسل الله به رسله، بل ناتجة عن نوع تأويل وشهوات نفسانية ٢.
وقد ذكر الشاطبي ﵀ " أن البدع تنقسم باعتبار تفاوت درجاتها إلى كبائر وصغائر، وأشار إلى أن ضابط التفريق بينهما هو ضابط التفريق بين كبائر الذنوب وصغائرها، حيث قال: "وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات ٣، أن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة، وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال. وكل ما نص عليه راجع إليها وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها، وهو الذي يجمع شتات ما ذكره العلماء، وما لم يذكروه مما هو في معناه، فكذلك نقول في كبائر البدع ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة، وما لا فهو صغير" ٤.
стр. 198
فعلى هذا يكون التفريق بين البدع المكفرة وغير المكفرة، وبين كبائر البدع وصغائرها أن البدعة إذا كانت ناتجة عن إنكار وجحود، كما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهي مكفرة، وإن كانت ناتجة عن تأويل فهي غير مكفرة، ثم إن هذه البدع غير المكفرة متفاوتة، فإن كانت البدعة متعلقة بالضروريات الخمس فيهي كبيرة، وإلا فهي صغيرة.
ويجب التنبيه إلى أن هذه ليست قاعدة مطردة مع كل أحد، بل تختلف بحسب حال المبتدع من حيث علمه وجهله، ودعوته إلى البدعة من عدمها، وإصراره عليها، أو عدم إصراره، فقد يكون للصغيرة حكم الكبيرة، وغير المكفرة حكم المكفرة بحسب تلك الأحوال ١.
стр. 199
الفصل الثاني: بعض البدع والمخالفات التي وقعت في الأعياد الشرعية
*
...
المبحث الأول: بدع ومخالفات في عيدي الفطر والأضحى
لقد اشتملت الأعياد الشرعية على كثير من السنن التي تكفل للمجتمع المسلم بناءه وتزيد في قوة ترابطه وتعود عليه بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
ولكن كثيراً من الناس لم يكتفوا بذلك ولم تسعهم تلك السنن فزين لهم الشيطان وأملى لهم باستحداث بدع ومخالفات في تلك الأعياد الشرعية، فاستجابوا لرغبته وأحدثوا ما لا يمكن حصره ولا مطمع في استيفائه واعتمدوا في ذلك على أحاديث موضوعة أو ضعيفة، وقلدوا أهل الزيغ والضلال وأطلقوا الشهوات للأنفس فتركوا بذلك كثيراً من السنن المشروعة، وهذا هو حال أهل البدع، فما يرتكبوا بدعة إلا ويتركوا سنة، وهذا يشير إلى أمر خطير في حياة المسلمين إلا وهو البعد عن التمسك بالهدى القويم.
فالأعياد الشرعية لن تكون لها قيمتها الحقيقة إلا بنبذ ما اعتراها من بدع ومخالفات والعود إلى الاحتفال بها على الوجه المشروع.
لذا سأذكر في هذا جملة من تلك البدع والمخالفات لكي تكون مثالاً ونموذجاً.
стр. 200
المبحث الأول: بدع ومخالفات في عيدي الفطر والأضحى
لقد لصق بالاحتفال بعيدي الفطر والأضحى كثير من البدع والمخالفات التي شوهت جمالهما، وذلك بالابتعاد عن إقامة السنن التي اشتملت عليها هذه الأعياد، ومن هذه البدع والمخالفات ما يلي:
١ - بدعة صلاة ليلة عيد الفطر وأيضاً صلاة النحر. ويستدلون على ذلك بما روي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ "من قام ليلتي العيد محتسباً لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب "١.
وحديث "من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" ٢.
стр. 201
فصلاة ليلة الفطر صفتها: أن يصلي مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد، عشر مرات.
ويستدلون على ذلك بما روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي بعثني بالحق أن جبريل ﵇ أخبرني عن إسرافيل عن ربه أنه من صلى ليلة الفطر مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد عشر مرات، ويقول في ركوعه وسجوده عشر مرات: سبحان الله والحمد ولا إله إلا الله والله أكبر.." الحديث ١.
أما صلاة ليلة النحر فصفتها: أن يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب خمس عشرة مرة وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة وقل أعوذ برب الفلق خمس عشر مرة، وقل أعوذ برب الناس، خمس عشر مرة.
ويستدلون على ذلك بما روى عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى ليلة النحر ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب خمس عشرة مرة، وقل هو الله أحد خمس عشر مرة، وقل أعوذ برب الفلق خمس عشرة مرة، وقل أعوذ برب الناس خمس عشرة مرة، فإذا سلم قرأ آية الكرسي ثلاث مرات ويستغفر الله خمس عشرة مرة، جعل الله اسمه في أصحاب
стр. 202
الجنة وغفر له ذنوب السر وذنوب العلانية وكتب له بكل آية قرأها حجة وعمرة، وكأنما أعتق ستين رقبة من ولد إسماعيل فإن مات فيما بينه وبين الجمعة الأخرى مات شهيداً" ١.
٢ - ومنها: صلاة يوم الفطر. ويستدلون على ذلك بما روي عن سلمان الفارسي قال: قال: رسول الله ﷺ : "من صلى يوم الفطر بعد ما يصلي عيده أربع ركعات يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بالشمس وضحاها وفي الثالثة والضحى وفي الرابعة قل هو الله أحد، فكأنما قرأ كل كتاب أنزله تعالى على أنبيائه وكأنما أشبع جميع اليتامى ودهنهم ونظفهم، وكان له من الأجر مثل ما طلعت عليه الشمس ويغفر له ذنوب خمسين سنة" ٢.
٣ - ومنها: تأخير الأكل عن صلاة العيد يوم الفطر. وهذا مخالف للسنة فكان ﷺ لا يخرج إلى العيد حتى يأكل فقد جاء ذلك في الصحيح عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدوا يوم الفطر حتى يأكل تمرات" ٣.
стр. 203
والحكمة من ذلك حتى لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد فكأنه أراد سد الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى ١.
وقد جاء في عدم الأكل قبل صلاة العيد حديث لا يصح يروى عن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام صبيحة يوم الفطر كأنما صام الدهر" ٢.
٤ - ومنها: تقديم الأكل على صلاة العيد يوم الأضحى. وهو مخالف للسنة حيث كان النبي ﷺ لا يطعم في عيد الأضحى حتى يرجع من المصلى.
فقد جاء في الحديث عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ويوم النحر لا يطعم حتى يرجع ٣.
والحكمة في تأخير الفطر يوم الأضحى أنه يوم تشرع فيه الأضحية والأكل منها، فشرع له أن يكون فطره على شيء منها ٤.
стр. 204
وقال ابن المنير: ١ " وقع أكله ﷺ في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتها الخاصة بهما فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها فاجتمعا من جهة وافترقا من جهة أخرى " ٢.
٥ - ومنها صلاة ركعتين قبل صلاة العيد وبعدها. وهذا مخالف لسنته ﷺ فليس لها سنة لا قبلها ولا بعدها، حيث جاء عن ابن عباس ﵄ قال: "إن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها" ٣.
قال ابن القيم: ولم يكن هو ﷺ ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى قبل الصلاة وبعدها ٤.
٦ - ومنها: النداء للعيدين بالصلاة جامعة أو بالأذان. وهذا خلاف السنة لما جاء عن جابر بن سمرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة، ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة ٥.
стр. 205
وعن ابن عباس ﵄ قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" ١.
وفي ذلك يقول ابن القيم: " وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جماعة، والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك " ٢.
وقال الصنعاني: " وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة " ٣.
٧ - ومنها: اشتغالهم عقب الصلاة بزيارة القبور ٤ قبل العودة إلى أهليهم، وقد كان ﷺ يذهب من طريق ويرجع من آخر. فعن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق " ٥.
ولم يثبت أن زار قبراً في ذهابه أو إيابه مع وقوع المقابر في طريقه ٦، بل قال في عيد الأضحى: "إن أول ما نبدأ من يومنا أن نصلي ثم ننحر، فمن فعل فقد أصاب السنة" ٧.
стр. 206
وهذا الفعل من تلبيس الشيطان فإنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئاً يخيل إليهم أنه قربة فعوض لهم عن سرعة الأوبة إلى الأهل زيارة القبور فحسنها وجعلها من البر والخير، فاعتقاد أن ذلك سنة في هذا اليوم بدعة منكرة ومخالفة للسنة، وربما يفعل ذلك بعض النساء على ما عهد منهن من التبرج والتزين، ولبس الفاخر من الثياب وإظهار البخور والطيب ونحو ذلك، وفي هذا من المحرمات ما لا يخفى ١.
٨ - ومنها: تكبير المؤذنين على صوت واحد وسكوت الناس لأجل استماعهم وتركهم التكبير لأنفسهم، فكل هذا معارض لسنة التكبير التي شرعت ٢.
٩ - ومنها: اجتماع الناس يوم العيد بالمساجد وانقسامهم إلى طائفتين كل واحدة منهما ترد على الأخرى بالتكبير المعروف ٣.
١٠ - ومنها: التشبه بالكفار والمشركين في الملابس واستماع المعازف وغيرهما من المنكرات، وذلك بحجة أنها أيام فرح وسرور ٤.
فهذه بعض البدع والمخالفات التي تقع في عيدي الفطر والأضحى.
стр. 207
المبحث الثاني: البدع والمخالفات في الجمعة
لقد وقعت في عيد الأسبوع كثير من البدع والمخالفات منها:
١ - صلاة ليلة الجمعة. ويستدلون على ذلك بما روي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "من صلى ركعتين في ليلة الجمعة قرأ فيهما بفاتحة الكتاب وخمس عشرة مرة إذا زلزلت أمنه الله من عذاب القبر ومن أهوال يوم القيامة" ١.
٢ - ومنها: صلاة يوم الجمعة. وهي: ركعتين بين وقت الظهر والعصر ويستدلون على ذلك بما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى يوم الجمعة ما بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة واحدة وخمساً وعشرين مرة قل أعوذ برب الفلق، وفي الركعة الثانية يقرأ الفاتحة وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الناس خمساً وعشرين مرة، فإذا سلم قال لا حول ولا قوة إلا بالله خمسين مرة، فلا يخرج من الدنيا حتى يرى ربه في المنام أو يرى مكانه في الجنة أو يرى له" ٢.
стр. 208
وهذه بدع منكرة لا أصل لها في شرع الله لورود النهي عن تخصيص يوم الجمعة وليلتها بعبادة خاصة.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" ١.
٣ - ومن المخالفات: إرسال البسط والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها وذلك لحجز المكان ٢.
قال شيخ الإسلام: وهذا منهي عنه بالاتفاق ٣.
٤ - ومنها التذكير يوم الجمعة وذلك بالدعاء إليها بالذكر والصلاة على رسول الله ﷺ ونحو ذلك ٤.
٥ - ومنها: الأذان جماعة يوم الجمعة، وذلك باتخاذ أكثر من مؤذن ٥.
٦ - ومنها: ما يقع من المؤذن عند إرادة الخطيب الخطبة بما يسمى بالترقية وهو تلاوة آية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٦.
стр. 209
ثم قوله: (أيها الناس) صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت" ١ أنصتوا رحمكم الله ٢.
٧ - ومنها: تباطي الإمام في الصعود واشتغاله بالدعاء مستقبلاً القبلة قبل الإقبال على الناس والسلام عليهم ورفع يديه عند الدعاء ٣.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ودعاء الإمام بعد صعود المنبر لا أصل له " ٤.
٨ - ومنها: الالتفات يميناً عند قوله آمركم وأنهاكم وعند الصلاة على النبي ﷺ " ٥.
٩ - ومنها: تكلف بعض الخطباء رفع الصوت في الصلاة على النبي ﷺ فوق المعتاد في باقي الخطبة ٦.
١٠ - ومنها: صلاة الظهر بعد الجمعة ٧.
стр. 210
١١ - ومنها: كتابة الحروز ١ في آخر جمعة من شهر رمضان حال الخطبة.
قال ابن النحاس: " وذلك بدعة سيما وهو يترك بسببه ما وجب عليه من سماع الخطبة والإنصات إليها " ٢.
١٢ - ومنها: ما يفعله بعض المؤذنين حال جلوس الخطيب بين الخطبتين من قيامه ودعائه بالنفع للخطيب والمستمعين ٣.
فهذه بعض البدع والمخالفات التي وقعت في الأعياد الشرعية، وهي نتيجة لابتعادهم عن ما شرعه الله في تلك الأعياد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وترك السنن من جنس فعل البدع، فينبغي إقامة المواسم على ما كان عليه السابقون الأولون يقيمونها من الصلاة والخطبة المشروعة والتكبير والصدقة في الفطر والذبح في الأضحية، فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع، ومن الأئمة من لا يذكر في خطبته ما ينبغي ذكره، بل يعدل على إلى ما تقل فائدته إلى غير ذلك من أمور السنة، فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه ٤.
стр. 211
فيجب على المسلمين التنبه إلى ذلك وأن يحتلفوا بأعيادهم الشرعية، كما أمر ﷺ ، لكي يتحقق الهدف من هذه الاحتفالات فيتجدد النشاط للطاعة والعبادة بعد أن تستروح النفس دون إطلاق للشهوات أو الغرائز، وبذلك يكون العيد نقطة تزويد وبداية لعمل جديد.
وخاب أقوام يجعلون من العيد موسماً للمعاصي والشهوات وسوقاً للمخالفة وارتكاب الموبقات.
стр. 212
الفصل الثالث: الأعياد الزمانية المبتدعة
لقد انتشر كثير من الأعياد الزمانية المبتدعة لدى بعض المسلمين، والتي فيها محاكاة للكفار في أعيادهم، ولا سيما في هذا العصر.
وكان أول من أحدث أكثر تلك الأعياد كما تقدم الفاطميون في بداية ظهورهم في مصر؛ وذلك لجذب الجماهير بهذه الاحتفالات، والتي يزعمون أنها دينية فينسون المذهب الحق ويتجهون إلى المذهب الجديد الباطل الذي يدعون إليه مذهب الرفض والتشيع، ولا سيما إذا كانت هذه الاحتفالات مصدر بهجة وفرح للشعب.
وهدف الدولة الفاطمية من ذلك هو التمكين للدولة الجديدة في الثبات والرسوخ، فأخذت تستميل أهواء العامة بتلك الاحتفالات وتفرق فيها الهدايا على نحو متسع يشمل الكثير من أفراد الشعب فكثرت تلك المواسم وانشغل الناس في الاحتفال بها، وكان شعارهم فيها الطرب واللهو ما عدا يوم عاشوراء، فقد اتخذته الدولة الفاطمية يوم مأتم وحزن ونياحة.
وقد تأصلت تلك الأعياد والمواسم في نفوس بعض المسلمين حتى أصبحت فيما بعد تعرف بالذكريات الإسلامية والتي يزعم البعض أنها من الدين وأن في الاحتفال بها الثواب الجزيل.
وإليك بيان هذه الاحتفالات وتلك المواسم وما يفعل فيها لتقف على حقيقة بطلانها، وقد أفردت لكل منها مبحثاً خاصاً.
стр. 213
المبحث الأول: يوم عاشوراء
المطلب الأول: اتخاذ عاشوراء مأتما
...
المبحث الأول: يوم عاشوراء
وهو اليوم العاشر من محرم الحرام، وهو من الأيام الفاضلة، ولكن قد ابتدع فيه بدع منكره، وهلك فيه طائفتان بين إفراط وتفريط طائفة تجعله يوم فرح وسرور وأخرى يوم حزن ونياحة، وإليك تفصيل ذلك.
المطلب الأول: اتخاذ عاشوراء مأتما:
تتخذ الرافضة١ يوم عاشوراء من كل عام مأتماً ونياحة حزناً منهم على قتل الحسين بن علي ﵄.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وذلك أن الله أكرم الحسين بالشهادة في ذلك اليوم من سنة إحدى وستين (٦١) ، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه، فأوجب ذلك شراً بين الناس
стр. 214
فصارت طائفة جاهلة ظالمة، إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، فتظهر فيه شعائر الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية " ١.
فهذه الطائفة هم الرافضة، وعلى مر العصور تتخذ يوم عاشوراء مأتماً وحزناً ويظهرون ذلك علناً كلما قويت لهم شوكة أو ظهرت لهم دولة.
ففي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة (٣٥٢) ألزم معز الدولة ابن بويه ٢ عاشوراء أهل بغداد بالنوح على الحسين ﵁ وأمر بغلق الأسواق ومنع الطباخين من عمل الأطعمة.
وخرجت نساء الرافضة منشرات الشعور مفحمات الوجوه يلطمن ويفتن الناس. وهذا أول ما نيح عليه ٣.
ولقد اتخذت الدولة الفاطمية على كثرة أعيادها ومناسباتها يوم عاشوراء يوم حزن، فكانت تتعطل فيه الأسواق ويخرج فيه المنشدون في الطرقات، وكان الخليفة يجلس في ذلك اليوم على الأرض متلثماً يرى به الحزن، كما كان القاضي والدعاة والأشراف والأمراء يظهرون وهم ملثمون حفاة.
стр. 215
كما يعمل في ذلك اليوم الموائد المسماة بسماط الحزن، ويتكون الطعام الذي يقدم عليه من العدس الأسود والملوحات والمخللات والأجبان وخبز الشعير المغير لونه قصداً إظهاراً للحزن.
فيأخذ الشعراء بالإنشاد في هذه المناسبة ويرثون آل البيت ويلقون باللآئمة على من غصب الخلافة من أصحابها الحقيقيين كما في زعمهم، ثم يذكرون الروايات والقصص التي اختلقوها والتي رواها أصحابهم في مقتل الحسين ﵁ ١.
ولا زال إلى يومنا هذا تتخذ الرافضة يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن والنياحة ويندبون الحسين ﵁، فتخرج المواكب العزائية في الطرقات والشوارع مظهرين اللطم بالأيدي على الخدود والصدور والضرب بالسلاسل على الأكتاف والظهور حتى تسيل الدماء.
ويحصل التشبه بالنساء فيلبس الرجال ملابس النساء لإقامة التمثيلات العزائية في الحسينيات للبكاء على الحسين.
وقد نص على جواز ذلك علماء الرافضة المعاصرين ٢.