← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7545

الأعياد وأثرها على المسلمين

سليمان بن سالم السحيمي

Полный текст (441 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فيجب على المسلمين التنبه إلى ذلك وأن يحتلفوا بأعيادهم الشرعية، كما أمر ﷺ ، لكي يتحقق الهدف من هذه الاحتفالات فيتجدد النشاط للطاعة والعبادة بعد أن تستروح النفس دون إطلاق للشهوات أو الغرائز، وبذلك يكون العيد نقطة تزويد وبداية لعمل جديد. وخاب أقوام يجعلون من العيد موسماً للمعاصي والشهوات وسوقاً للمخالفة وارتكاب الموبقات.

стр. 212

الفصل الثالث: الأعياد الزمانية المبتدعة لقد انتشر كثير من الأعياد الزمانية المبتدعة لدى بعض المسلمين، والتي فيها محاكاة للكفار في أعيادهم، ولا سيما في هذا العصر. وكان أول من أحدث أكثر تلك الأعياد كما تقدم الفاطميون في بداية ظهورهم في مصر؛ وذلك لجذب الجماهير بهذه الاحتفالات، والتي يزعمون أنها دينية فينسون المذهب الحق ويتجهون إلى المذهب الجديد الباطل الذي يدعون إليه مذهب الرفض والتشيع، ولا سيما إذا كانت هذه الاحتفالات مصدر بهجة وفرح للشعب. وهدف الدولة الفاطمية من ذلك هو التمكين للدولة الجديدة في الثبات والرسوخ، فأخذت تستميل أهواء العامة بتلك الاحتفالات وتفرق فيها الهدايا على نحو متسع يشمل الكثير من أفراد الشعب فكثرت تلك المواسم وانشغل الناس في الاحتفال بها، وكان شعارهم فيها الطرب واللهو ما عدا يوم عاشوراء، فقد اتخذته الدولة الفاطمية يوم مأتم وحزن ونياحة. وقد تأصلت تلك الأعياد والمواسم في نفوس بعض المسلمين حتى أصبحت فيما بعد تعرف بالذكريات الإسلامية والتي يزعم البعض أنها من الدين وأن في الاحتفال بها الثواب الجزيل. وإليك بيان هذه الاحتفالات وتلك المواسم وما يفعل فيها لتقف على حقيقة بطلانها، وقد أفردت لكل منها مبحثاً خاصاً.

стр. 213

المبحث الأول: يوم عاشوراء المطلب الأول: اتخاذ عاشوراء مأتما ... المبحث الأول: يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم الحرام، وهو من الأيام الفاضلة، ولكن قد ابتدع فيه بدع منكره، وهلك فيه طائفتان بين إفراط وتفريط طائفة تجعله يوم فرح وسرور وأخرى يوم حزن ونياحة، وإليك تفصيل ذلك. المطلب الأول: اتخاذ عاشوراء مأتما: تتخذ الرافضة١ يوم عاشوراء من كل عام مأتماً ونياحة حزناً منهم على قتل الحسين بن علي ﵄. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وذلك أن الله أكرم الحسين بالشهادة في ذلك اليوم من سنة إحدى وستين (٦١) ، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه، فأوجب ذلك شراً بين الناس

стр. 214

فصارت طائفة جاهلة ظالمة، إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، فتظهر فيه شعائر الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية " ١. فهذه الطائفة هم الرافضة، وعلى مر العصور تتخذ يوم عاشوراء مأتماً وحزناً ويظهرون ذلك علناً كلما قويت لهم شوكة أو ظهرت لهم دولة. ففي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة (٣٥٢) ألزم معز الدولة ابن بويه ٢ عاشوراء أهل بغداد بالنوح على الحسين ﵁ وأمر بغلق الأسواق ومنع الطباخين من عمل الأطعمة. وخرجت نساء الرافضة منشرات الشعور مفحمات الوجوه يلطمن ويفتن الناس. وهذا أول ما نيح عليه ٣. ولقد اتخذت الدولة الفاطمية على كثرة أعيادها ومناسباتها يوم عاشوراء يوم حزن، فكانت تتعطل فيه الأسواق ويخرج فيه المنشدون في الطرقات، وكان الخليفة يجلس في ذلك اليوم على الأرض متلثماً يرى به الحزن، كما كان القاضي والدعاة والأشراف والأمراء يظهرون وهم ملثمون حفاة.

стр. 215

كما يعمل في ذلك اليوم الموائد المسماة بسماط الحزن، ويتكون الطعام الذي يقدم عليه من العدس الأسود والملوحات والمخللات والأجبان وخبز الشعير المغير لونه قصداً إظهاراً للحزن. فيأخذ الشعراء بالإنشاد في هذه المناسبة ويرثون آل البيت ويلقون باللآئمة على من غصب الخلافة من أصحابها الحقيقيين كما في زعمهم، ثم يذكرون الروايات والقصص التي اختلقوها والتي رواها أصحابهم في مقتل الحسين ﵁ ١. ولا زال إلى يومنا هذا تتخذ الرافضة يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن والنياحة ويندبون الحسين ﵁، فتخرج المواكب العزائية في الطرقات والشوارع مظهرين اللطم بالأيدي على الخدود والصدور والضرب بالسلاسل على الأكتاف والظهور حتى تسيل الدماء. ويحصل التشبه بالنساء فيلبس الرجال ملابس النساء لإقامة التمثيلات العزائية في الحسينيات للبكاء على الحسين. وقد نص على جواز ذلك علماء الرافضة المعاصرين ٢.

стр. 216

وفي ذلك يقول ناصر الدين شاه: وفي الهند وباكستان وإيران والعراق تكتسي هذه المآتم حللاً مرعبه إذا يخرج الرجال في الطرقات وهم يسيرون وراء هودج قد يبالغون أحياناً في ارتفاعه حتى يبلغ بضعة أمتار وهم عراة، وفي أيديهم زناجير من حديد وفي رؤوسها شفرات صغيرة حادة يضربون بها صدورهم حتى تسيل الدماء منهم، وفي كثير من الأحيان يموت بعضهم. أما النساء فإنهن يجلسن في دورهن ينحن ويبكين ويلطمن صدورهن بأيديهن كل هذا تكريماً للحسين الذي قتل مظلوماً بزعمهم ١.

стр. 217

ويقول السيد محسن الأمين الحسيني العاملي ١: معللاً إقامة المآتم: ونريد بإقامة المآتم البكاء بقتله (ع) بإخراج الدمع بصوت وبدونه والتعرض لما يسبب ذلك وإظهار شعار الحزن والتأسف لما صدر عليه وتذكر مصابه ونظم الأشعار في رثائه وتلاوتها واستماعها وتهيج النفوس بها للحزن والبكاء ... " ٢. كما أن لهم في هذا اليوم وفي شهر محرم أيضاً بدع شنيعة منكرة، حيث يصنعون في هذا اليوم ضريحاً من الخشب مزيناً بالألوان ويسمونه ضريح الحسين أو كربلاء ويجعلون فيه قبرين ويطلقون عليه اسم التعزية ويجتمع الأطفال بملابس ورديه أو خضر ويسمونهم فقراء الحسين. كما تشعل النيران ويتواثب الناس عليها والأطفال يطوفون الطرقات ويصيحون يا حسين يا حسين، وكل من يولد في هذا الشهر يعتبر شؤماً سيئ الطالع. وغير ذلك من البدع التي استحدثوها من أجل ترسيخ هذه العقيدة في أذهان الناس ٣. ولم يكتفوا بذلك، بل رتبوا على هذه المآتم وهذا الحزن والنياحة الأجر والثواب وأنه مكفر للخطايا والذنوب جالب للمغفرة والرحمة.

стр. 218

فقد روى الطوسي في الأمالي بسنده عن الرضى (ع) أنه قال من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرت بنافي الجنان عينه.. " ١. وعن أبي عمارة الكوفي قال: سمعت جعفر بن محمد ﵇ يقول: من دمعت عينه معه لدم سفك لنا أو حق لنا انقصناه أو عرض انتهك لنا أو لأحد من شيعتنا بوأه الله تعالى بها في الجنة أحقاباً ٢. وعن الحسين بن علي ﵁ " أنه قال: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقبا " ٣. وعن جعفر الصادق قال: " من ذكر عنده الحسين فخرج من عينيه دمع مثل جناح بعوضه غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر " ٤. وغير ذلك من الروايات التي وضعوها في هذا الشأن ونسبوها إلى آل البيت كذباً وزوراً فهي مخالفة للشرع وللعقل. ولم يكتفوا أيضاً بذلك، بل زعموا أن هذه المآتم، وهذه المجالس هي التي حفظت الإسلام.

стр. 219

وفي ذلك يقول الخميني: " إن البكاء على سيد الشهداء ﵇ وإقامة المجالس الحسينية هي التي حفظت الإسلام منذ أربعة عشر قرناً " ١. فانظر كيف جنوا على الإسلام بمثل هذا فهذا هو يوم عاشوراء عند الرافضة، وهذا هو معتقدهم فيه، فهل هذا الفعل من الإسلام في شيء؟. للجواب على هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وصار الشيطان يسب قتل الحسين ﵁ يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي، وما يفضي إلى ذلك من سب السلف ولعنهم وإدخال من لا ذنب له من ذوي الذنوب حتى يسبب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب وقصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة. فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرم الله ورسوله ٢. والذي أمر الله به ورسوله ﷺ في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع.

стр. 220

قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ١. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ٢. وقال ﷺ : "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال ٣ من قطران ٤ ودرع من جرب" ٥. وقال ﷺ : "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها" ٦. وإذا كان الله قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة فكيف مع طول الزمان؟ فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاد قصائد الحزن،

стр. 221

ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدنيا، ولم يعرف طوائف الإسلام أكثر كذباً وفتناً ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه الطائفة الضالة الغاوية. فإنهم شر من الخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي ﷺ : "يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان" ١. وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي ﷺ وأمته المؤمنين، كما أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ببغداد ٢ وغيرها، بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ولد العباس، وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين، من القتل والسبي وخراب الديار، وشر هؤلاء وضررهم على الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام" ٣. ولا زالوا إلى يومنا هذا أعواناً للكفر وأهله وللشرك وأنصاره من اليهودية الصهيونية والشيوعية الماركسية، وكلما كانت لهم دولة أظهروا العداوة والكيد للإسلام وأهله.

стр. 222

وما هذا الفعل إلا دليل لذلك فإن قتل الحسين فقد قتل من هو أفضل منه أبوه علي بن أبي طالب وقبله عمر وعثمان ﵃، فلم يتخذ الرافضة لمقتل علي ﵁ مأتماً كما لم يتخذ المسلمون لمقتل عمر وعثمان وما هذا إلا من تزين الشيطان لهم لإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين. ثم لماذا هذا البكاء وهذه النياحة على الحسين والرافضة يزعمون أن أئمتهم يعلمون الغيب وأنهم يموتون متى شاءوا، كما نص على ذلك الكليني ١ حيث قال: " باب أن الأئمة ﵈ يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم ٢. ثم ساق روايات في ذلك منها: ما نسبه إلى جعفر ﵇ أنه قال: " أنزل الله تعالى النصر على الحسين ﵇ حتى كان ما بين السماء والأرض ثم خيره النصر أو لقاء الله فأختار لقاء الله تعالى " ٣. كما أفرد صاحب بصائر الدرجات باباً قال فيه: " باب أن الأئمة يعرفون متى يموتون ويعلمون ذلك قبل أن يأتيهم الموت ".

стр. 223

ثم ساق روايات منها: قال أبو عبد الله ﵇: " إن الإمام لو لم يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير إليه فليس بحجة الله على خلقه " ١. فإذا كان الأمر كذلك فعلام البكاء والنياحة واللطم مادام الحسين مات حينما أراد ومات الميتة التي أرادها. فكما أن علياً أختار أن يموت مطعوناً فكذلك أختار الحسين أن يموت مقتولاً، فلماذا هذا الإخلاص للحسين دون سواه ٢. بئس هذه العقيدة ويالها من سخافة لا ترضاها العقول. ولا ريب أن قتل الحسين من أعظم الذنوب وأن فاعل ذلك والراضي به والمعين عليه مستحق لعقاب الله الذي يستحقه أمثاله، لكن قتله ليس بأعظم من قتل من هو أفضل منه من النبيين والسابقين الأولين، أو من قتل في حرب مسيلمة وكشهداء أحد، والذين قتلوا ببئر معونة وكقتل عثمان وعلي، ولا سيما والذين قتلوا أباه علياً كانوا يعتقدونه كافراً أو مرتداً وأن قتله من أعظم القربات بخلاف الذين قتلوا الحسين، فانهم لم يكونوا يعتقدون كفره وكان كثير منهم، أو أكثرهم يكره قتله ويرونه ذنباً عظيماً لكن قتلوه لغرضهم كما يقتل الناس بعضهم بعضاً على الملك " ٣. فاتخاذ أيام المصائب مآتم ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب ٤. ولم يأمر النبي ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف بمن دونهم ٥.

стр. 224

أما ما تعتقده الرافضة بأن ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى وتكفر به سيأتهم وما يصدر عنهم في السنة كلها ـ فذلك باطل بل أن ذلك الفعل موجب لطردهم من رحمة الله تعالى، كيف لا وفيه هتك لبيت النبوة واستهزاء بهم ولله در من قال: هتكوا الحسين بكل عام مرة ... وتمثلوا بعداوة وتصوروا ويلاه من تلك الفضيحة إنها ... تطوى وفي أيدي الروافض تنشر ١ وكما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٢. ولقد تأثر بعض المسلمين بهذه العقيدة فشاركوا الرافضة في ذلك، ولكن بشكل صامت دون نياحة ولطم وذلك بنعيه وما حل به يوم قتله على المنابر سنوياً كل جمعة من عاشوراء بحقيقة مشوهه كما يريدها الرافضة ٣. وذلك لجهالة أولئك لحقيقة مذهب الرافضة وما انطوت عليه عقائدهم من المكر والخديعة والخيانة للإسلام والمسلمين. والتاريخ أكبر شاهد على ذلك. فظن هؤلاء أن مثل هذا الفعل إظهار لمحبة آل البيت، فوقعوا فيما أرادت الرافضة من السب والشتم لبعض صحابة النبي ﷺ . والله المستعان.

стр. 225

المطلب الثاني: ـ اتخاذ عاشوراء عيداً: وكما اتخذت الرافضة يوم عاشوراء مأتماً وحزناً اتخذته طائفة أخرى عيداً وموسماً للفرح والسرور. وهم إما من النواصب ١ المتعصبين على الحسين وأهل بيته، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد والكذب بالكذب والشر بالشر والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء، كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم. فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح مقابلة لأولئك، وهي بدعة ثانية " ٢. ومما ورد في ذلك ما يلي: ١ ـ حديث "من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته" ٣.

стр. 226

٢ ـ حديث "من اكتحل بالأثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً" ١. ٣ ـ ابتداع صلاة مخصوصة في يومه وليلته: روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله تعالى بمثل عبادة أهل السموات والأرض، ومن صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وخمسين مرة قل هو الله أحد غفر الله له ذنبه خمسين عاماً ماض وخمسين عاماً مستقبلاً وبني له في المثل الأعلى ألف ألف منبر من نور" ٢. وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى لله يوم عاشوراء ما بين الظهر والعصر أربعين ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي عشر مرات وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة والمعوذتين خمس مرات فإذا سلم استغفر سبعين مرة أعطاه الله في الفردوس قبة بيضاء.." الحديث ٣. وغير ذلك من البدع التي أحدثت في ذلك اليوم والتي لا أصل لها في دين الله ٤.

стр. 227

وقد علل ابن الجوزي ذلك عند ذكر عاشوراء فقال: تمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة، فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء ونحن براء من الفريقين، وقد صح أن الرسول ﷺ أمر بصوم عاشوراء إذ قال انه كفارة سنة، فلم يقتنعوا بذلك حتى أطالوا واعرضوا وترقوا في الكذب " ١. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع فهل ورد عن النبي ﷺ في ذلك حديث صحيح أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟. فأجاب " الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روي أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة. وإنما حصلت هذه البدع في يوم عاشوراء؛ لأن الكوفة كان فيها طائفتان طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة، وإما جهال وأصحاب هوى.

стр. 228

وطائفة ناصبة تبغض علياً وأصحابه لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى١. فوضعت الآثار في الاحتفال بعاشوراء لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة فان هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً، فوضع أولئك آثاراً تقتضي التوسع فيه واتخاذه عيداً وكلاهما باطل. فهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال، وإن كانت الشيعة أكثر كذباً وأسوأ حالاً ٢. فعلى هذا لا يجوز لأحد أن يغير شيئاً من الشريعة لأجل أحد وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المقابلة لبدع الرافضة. وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض النواحي لمقابلة الرافضة، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم ولا يبالي إلى أي الجهتين صاروا ٣. فمن جعل يوم عاشوراء مأتماً وحزناً ونياحة، أو جعله يوم عيد وفرح وسرور فقد ابتدع في الدين وخالف سنة سيد المرسلين.

стр. 229

المطلب الثالث: ـ السنة في يوم عاشوراء: يوم عاشوراء من الأيام الفاضلة التي حث النبي ﷺ على صيامها، فجاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة ﵁ أنه قال: "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا الدهر كله، وصيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" ١. وعن ابن عباس ﵄ قال: "ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم، عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان" ٢. فالسنة إذاً في اليوم هذا الصيام فحسب وقد صامه ﷺ وأخبر بفضل صيامه كما في الحديث السابق وأمر بصيامه، فقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. ١ ـ فعن ابن عمر ﵄: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء. وأن رسول ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان فلما افترض رمضان. قال ﷺ : "إن عاشوراء من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه" ٣.

стр. 230

وعن ابن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه" ١. وعنه أيضاً قال: أمر رسول الله ﷺ " بصوم يوم عاشوراء العاشر" ٢. فهذه هي السنة في يوم عاشوراء ومن اتخذه عيداً ويوم فرح وسرور فقد شابه اليهود في ذلك فقد كانوا يتخذونه عيداً. كما جاء ذلك في الحديث الصحيح: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً، فقال النبي ﷺ : "فصوموه أنتم" ٣. وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم. فقال رسول الله ﷺ : "فصوموه أنتم" ٤. ولما كان آخر عمره ﷺ وبلغه أن اليهود يتخذونه عيداً أمر بمخالفتهم فقد جاء في الحديث.

стр. 231

عن ابن عباس ﵄ أنه قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع". قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . وفي رواية: "لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع" ١. وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوماً وبعده يوماً" ٢. قال ابن رجب: وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيداً، وعلى استحباب صيام أعياد المشركين فإن الصوم ينافي اتخاذه عيداً فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر، وفي ذلك مخالفة لهم في كيفية صيامه أيضاً فلا تبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية" ٣. فإذاً يستحب لمن صامه أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي ﷺ ، ولكي يسلم من المشابهة في ذلك. ولقد ذكر العلماء أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: ١ ـ صوم التاسع والعاشر والحادي عشر لحديث "صوموا قبله يوماً وبعده يوماً".

стр. 232

٢ ـ صوم التاسع والعاشر لحديث "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع". ٣ ـ إفراده بالصوم أي صوم عاشوراء وحده، للأحاديث الدالة على تأكيد صومه" ١. فهذه هي السنة في يوم عاشوراء، أما ما يفعله بعض الناس في عاشوراء من اتخاذ طعام خارج عن العادة، أو تجديد لباس أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به، أو قصده بالذبح، أو الاكتحال أو الاختضاب أو الاغتسال أو زيارة المساجد والقبور ونحو ذلك. فهذا من البدع المنكرة المستحدثة في الدين التي لم يسنها رسول الله ﷺ ، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين ٢. ومن هنا تتجلى وسيطة مذهب أهل السنة والجماعة فلا إفراط ولا تفريط إنما هو تمسك بسنة المصطفى ﷺ وامتثال لأمره ورجاء لثواب الله تعالى، فلم يتخذوا هذا اليوم مأتماً وحزناً، كما اتخذته الرافضة، حيث جعلته يوم نياحه وتألم فنصبوا العداوة لصحابة رسول الله ﷺ ، وأحدثوا بدعاً ومراسم فيه يجددونها في كل عام حتى أصبحت سمة لهذا اليوم، تثير الاستغراب ويمقتها صاحب العقل السليم زاعمين أن ذلك نصرة لآل البيت وأنه من الدين فرتبوا على فعله الثواب العظيم.

стр. 233

ومن أطلع على التاريخ أدرك حقيقة أولئك القوم فهم الذين خذلوا الحسين ﵁ وآل البيت ١ فابتدعوا ذلك تعويضاً لما فعله أسلافهم وتكفيراً لما صدره منهم. ولم يكن مذهب أهل السنة والجماعة اتخاذه يوم فرح وسرور كما اتخذه بعض الجهال، أو الذين ابغضوا علياً وآل البيت رضوان الله عليهم فقابلوا البدعة بالبدعة، ووضعوا الأحاديث في أفضليته، وانه يوم فرح وسرور فتنقصوا آل البيت. وبهذا يتبين أن الحق هو ما عليه أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة بأن تعظيم يوم عاشوراء يكون بالصوم فقط. ولا يكون بالفرح والسرور، أو المآتم والحزن. فهو وسط بين ضلالتين.

стр. 234

المبحث الثاني: الاحتفال بمولد النبيّ ﷺ المطلب الأول: نشأته وأول من أحدثه في الإسلام: ... المطلب الأول: نشأته وأول من أحدثه في الإسلام: - أولاً: أصل المولد ونشأته: من أعظم المواسم المبتدعة التي يحتفل بها كثير من المسلمين، الاحتفال بمولده ﷺ ، بل هو الأصل في تلك المواسم والاحتفالات الأخرى التي تتخذ للأولياء والصالحين والآباء والأبناء والموالد ظاهرة اجتماعية عرفتها المجتمعات منذ زمن بعيد، ولم يكن الاحتفال بالموالد مقتصراً على المسلمين، أو على مجتمع دون مجتمع بل كانت ظاهرة الاحتفال بالموالد معروفة من زمن العصور المتقدمة والسابقة للإسلام، فكان الفراعنة واليونان يحتفلون بالآلهة ويجعلون عيداً لظهورها١، وكذلك سائر الأديان الأولى. ثم انتقل ذلك إلى المسيحية فكانوا يحتفلون بالموالد وأهم الموالد عند النصارى ميلاد المسيح ﵇، حيث يتخذونه عيداً فتعطل فيه الأعمال ويجعلونه يوم فرح وسرور، وذلك بإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل المنكرات من شرب خمور وفعل فاحشة وغير ذلك من المهازل والقبائح. ثم جاء بعض المنتسبين للإسلام فأخذوا يوم مولده ﷺ عيداً مضاهاة للنصارى في اتخاذهم مولد المسيح ﵇ عيداً، فضاهوا النصارى فيما

стр. 235

يفعلونه في هذا اليوم فأصبح يوم فرح وسرور وعيد يتكرر كل عام بمراسمه الخاصة. من هنا كان أصل الاحتفال بالمولد النبوي وفي ذلك يقول السخاوي ١: " إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإسلام أوْلى بالتكريم وأجدر " ٢. فهذا نص في المشابهة: وهو أن الاحتفال بالمولد النبوي أصله مأخوذ من النصارى ومن تشبه بقوم فهو منهم ". وهو تحقيق لقوله ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى ولو دخلوا جحر ضب تبعتموهم " ٣. فهذا هو أصل المولد ونشأته. - ثانياً: أول من أحدث المولد في الإسلام: أجمع العلماء المنكرون لبدعة المولد والمؤيدون لها على أنه لم يحتفل ﷺ بمولده ولم يأمر بذلك، ولم يحتفل صحابته ولا التابعون لهم، ولا تابعوا التابعين الذين هم خير الناس وأحرص الناس على اتباع سنته ﷺ ، ومضت القرون الثلاث التي شهد لها ﷺ بالأفضلية على تلك الحالة لم يحتفلوا بمولد الرسول ﷺ ولم يعرفوا ذلك.

стр. 236

فلما كان أواخر القرن الرابع الهجري وقامت الدولة الفاطمية في مصر ظهر الاحتفال بالمولد النبوي لأول مرة في تاريخ الإسلام. كما نقل ذلك المقريزي في خططه حيث ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يحتفلون بها ويتخذونها أعياداً في طوال السنة يوسعون فيها على الرعية، ويعظمون فيها العطاء والهبات. وهي تربو على عشرين موسماً وعيداً كما تقدم بيانها ١ منها الموالد الستة التي ابتدعوها وأحدثوها وهي: مولد النبي ﷺ ، ومولد علي بن أبي طالب ﵁، ومولد الحسن والحسين وفاطمة ﵃ ومولد الخلفية الحاضر. وكانت لهذه الموالد رسوم خاصة يفعلها الخليفة ويحتفل بها الشعب ٢. وقد نص على ذلك أيضاً القلقشندي ٣ وهو قول جماعة من المتأخرين ٤. وهناك قول آخر: وهو أن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي هو صاحب إربل ٥ الملك المظفر أبو سعيد كوكبري ٦، كما نص على ذلك السيوطي ٧.

стр. 237

وجاء عن أبي شامة قوله: إن من أحسن ما ابتدع في زمانه ما كان يفعل في مدينة إربل من الاحتفال بالمولد النبوي، وكان أول من فعل ذلك بالموصل ١، الشيخ عمر بن محمد الملا ٢ أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل ٣. وعلى هذا يكون إحداث المولد في القرن السادس، أو السابع الهجري. وهذا القول مرجوح، فإحداث الملك المظفر للمولد في مدينة إربل لا ينافي هذا من أن أول من أحدثه في القاهرة الخلفاء الفاطميون من قبل ذلك، فإن الدولة الفاطمية قد انقضت بموت العاضد سنة ٥٦٧هـ، وما كانت الموالد تعرف في دولة الإسلام قبل ذلك. وما ذكره أبو شامة من أنه اقتدى بفعل الشيخ عمر بن محمد الملا، وهو أول من أحدثه لا يمنع أن يكون عمل المولد تسرب إليه من الفاطميين، لاسيما وأنهم قد استولوا على الموصل سنة ٣٤٧هـ ٤ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فقد قيد أبو شامة تلك الأولوية بقوله: " أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر غالملا.. ".

стр. 238

وبهذا يتبين للقارئ أن أول من ابتدع الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من الموالد الدولة الفاطمية، كما نطقت بذلك كتب التاريخ والسير. فعليهم تبعه ذلك، حيث جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: " من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها " ١. وأخذ عنهم عمر الملا، وأول من أحدثه في إربل الملك المظفر في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع. وسواء كان أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي الفاطميون في القرن الرابع، أو صاحب إربل في القرن السابع، فالبدعة في الدين مرفوضة ولا تقبل من أحد لا في عصور متقدمة ولا متأخرة فهي مردودة على صاحبها كما نص على ذلك النبي ﷺ .

стр. 239

المطلب الثاني: صور الاحتفال بالمولد: جرت عادة كثير من المسلمين بعد القرون المفضلة، أن تحتفل في شهر ربيع الأول في يوم الثاني عشر منه من كل عام بذكرى ميلاد الرسول ﷺ ، ولقد اختلفت أساليبهم في الاحتفال؛ بهذه الذكرى باختلاف البيئات والبلدان والغنى والفقر كل بحسب حاله لهذه تنوعت صور الاحتفال ولم تكن على نمط واحد. فمنهم من يعدون في هذه المناسبة طعاماً خاصاً تجتمع الأسرة من حوله في هذه الليلة - أعني ليلة الثاني عشر من ربيع الأول - فرحة مسرورة حول مائدة واحدة. ومنهم من يحتفل بأصناف من الحلوى ذات أشكال وصور مخصوصة يصنعها الباعة لتلك المناسبة تعرف بحلوى المولد، والتي تعرض في الأسواق في ذلك الوقت. ومنهم من يجتمعون حول المنشدين ليسمعهم قصة المولد الشريف، وهذه هي الصفة السائدة في المجتمع الإسلامي اليوم، وصفة الاحتفال بذلك أن يكون عبارة عن اجتماع في أحد المساجد، أو الميادين المعدة لذلك، أو أحد بيوت الأغنياء، ويكون الاستعداد لذلك من بداية شهر ربيع الأول إلى اليوم الثاني عشر منه في كل عام، فيجتمع من أراد الحضور إلى هذا المكان، فيبدأ بقراءة بعض آيات القرآن الكريم، التي جاء فيها ذكره ﷺ .

стр. 240

ثم يتناولون قراءة جانب من سيرته ﷺ وما لاقاه في بداية حياته ﷺ ، وبيان نسبه الشريف من خلال ما هو مدون في قصة المولد المعروف ١، والمشتملة على بعض الشمائل الطاهرة الخِلقية منها والخُلقية، حتى إذا جاء ذكر مولده، قام الجميع إجلالاً وتعظيماً وترحيباً بمقدمه ﷺ . وفي ذلك يقول البرزنجي ٢. " هذا وقد استحسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمة ذو رواية وروية، فطوبى لمن كان تعظيمه ﷺ غاية مرامه ومرماه " ٣. بل قد أوجب بعضهم القيام، وفي ذلك يقول المناوي ٤ في مولده ما نصه. " ويجب معشر الحاضرين والسامعين القيام عند ذكر مولده الشريف تعظيماً لقدوم ذاته البهية، فيا سعادة من وقف تعظيماً له على الأقدام " ٥. مرددين بعض أبيات الترحيب لقدومه ﷺ ، كقوله القائل: أشرقت أنوار محمد ... واختفت منها البدور ٦

стр. 241

أو صلاة ربي ذي الجلالذ ... على نور الهدى باهي الجمال ١ أو مرحباً يا مرحباً يا مرحباً ... مرحباً جد الحسين مرحبا يا نبي سلام عليك ... يا رسول سلام عليك ٢ ثم بعد ذلك يواصلون قراءة قصة حياته ﷺ ، وعلى شكل مقاطع يتخللها قولهم: مولاي صل وسلم دائماً أبدأ ... على حبيبك خير الخلق كلهم ويندب لقراءة هذه القصة شاب حسن الصوت، فيترنم بالمدائح والأشعار المشتملة على الغلو والإطراء كقصيدة البردة، أو غيرها من القصائد المشتمل بعضها على الشرك والعياذ بالله. ثم بعد ذلك يتناول ما أعد لهذه المناسبة من طعام، وهم يعتقدون أنهم قد تقربوا إلى الله تعالى بأعظم قربة، ويتضح ذلك جلياً في دعاء ختم المولد، والذي يرددونه في نهاية هذه المناسبة راجين من الله قبول ذلك العمل، فمن هذا الدعاء قولهم: " اللهم إنا قد حضرنا قراءة ما تيسر من مولد نبيك الكريم فأفض اللهم علينا خلع القبول والتكريم، واسكنا بجواره في جنات النعيم.. " ٣.

стр. 242

وجاء في دعاء ختم مولد الديبع ١: " واغفر اللهم بجاهه لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولمعلمينا وذي الحقوق علينا ولمن أجرى هذا الخير في هذه الساعة.. " ٢. بل قد نص الميرغني ٣ على قبول الدعاء فقال: " وأنه يستجاب الدعاء عند ذكر الولادة وعند الفراغ منه فنسأل الله الغفران ٤. وبهذا الدعاء يختم الاحتفال بالمولد النبوي ويقوم بعض الأغنياء بتوزيع بعض الأموال على الفقراء الذين حضروا تلك المناسبة راجياً من الله مضاعفة أجر هذه الصدقة، ولا سيما أنها أتت عقب عمل صالح في زعمهم، ثم بعد ذلك ينفض ذلك الاجتماع. فهذه الصورة هي أمثل صورة للاحتفال بالمولد عندهم وهي التي في زعمهم لم يكن فيها اختلاط ولا غناء ولا ضرب دف، والذين يفعلون مثل ذلك الاحتفال يزعمون أنهم ملتزمون ومحافظون على المشروع من الاحتفال وذلك

стр. 243

لمنعهم إدخال الباطل والمنكر فيه، متناسين أبيات الشرك والغلو التي يرددونها كل حين. وحقا أن الهوى يعمي ويصم فالله المستعان. ولا يقتصر الاحتفال بالمولد على إقامة حفلة في الثاني عشر من ربيع الأول فحسب بل إن هناك صوراً من الاحتفال بالمولد النبوي، وذلك من خلال عقد الندوات والمحاضرات التي تنشر في وسائل الإعلام المختلفة المسموعة منها والمرئية والمقروءة، فتفتتح تلك الندوات والمحاضرات بتلاوة آيات من الذكر الحكيم يحرص قارؤها على أن تتحدث عن النبي ﷺ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ثم يتناول أصحاب المحاضرة، أو الندوة سيرته ﷺ وما لقيه في هذه الحياة، ويكون ذلك العمل ابتداءً من ربيع الأول من كل عام. ومن العجيب والغريب أن المغنين والمغنيات والمطربين وأرباب الفجور يحتفلون بمولده ﷺ فيحيون تلك الليلة بالغناء والسهر والطرب مختلطين في ذلك رجالاً ونساءً، مترنمين بابتهالات وأغان وأدعية شركية يواكبها ضرب دف وصوت مزمار وقرع أعواد، كل ذلك احتفالاً بمولده ﷺ ، زاعمين محبته، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ٢.

стр. 244

ومن استمع إلى إذاعات بعض الدول الإسلامية في ذلك الوقت أدرك حقيقة ما أشرت إليه. ومن صور الاحتفال بالمولد اعتباره عيداً رسمياً تعطل فيه المصالح الحكومية عند بعض البلاد الإسلامية، كما تحتفل بعض الدول الإسلامية به رسمياً وتقيم لذلك موكباً خاصاً يتقدمه مسئول من الدولة حتى يصلوا إلى المكان المعد للاحتفال، وعادة ما يكون في أحد المساجد المشهورة، أو الميادين المعدة لذلك فتلقى الكلمات والقصائد والابتهالات التي يزعمون أنها دينية - بهذه المناسبة كما يحضرها أرباب الطرق الصوفية. ثم تمد سمائط الأكل والحلوى فيتناول الحاضرون ما لذ وطاب، ثم ينصرفون بعد ذلك. وهذا الفعل هو نظير ما كان يفعله الفاطميون بالاحتفال بالمولد ١. وقد حكي ذلك أيضاً عن الملك المظفر في احتفاله ببعض الموالد أنه أعد سماطاً فيه خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوي، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع، ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ٢.

стр. 245

وكذلك الاحتفالات التي وقعت بعد ذلك فقد جرت على هذا المنوال من المبالغة والإسراف وصرف الأموال في غير طاعة الله ، فضلاً عما يحدث في هذه الاحتفالات من المنكرات التي يندي لها الجبين، وإليك نماذج منها لتقف على حقيقة الاحتفال بالمولد وإلى أي حد وصل أربابه ودعاته من البعد عن شرع الله واتباع سنته ﷺ .

стр. 246

المطلب الثالث: المنكرات التي تحصل في المولد: مع كون الاحتفال بالمولد بدعة، فإنها لا تخلو من المنكرات المحرمة، وهذا هو حال البدعة من حيث التمدد والتوسع فتتوالد وتعظم حتى تفسد العقيدة وتخرج صاحبها من الدين وهو لا يشعر بأنه عمل ذنباً بل يظن أن ذلك العمل فيه قربة وطاعة. ومن أعظم المنكرات وأشنعها التي تقع في الاحتفال بالمولد النبوي الشرك بالله الذي هو أعظم ذنب عصى به الله . فقد جاء في الحديث: " أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١. وهو المنافي لكلمة التوحيد الموجب لسخط الله وعذابه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. ولا يقبل الله من صاحبه لا صرفاً ولا عدلاً ٣ كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٤.

стр. 247

كل ذلك يقع في المولد بسبب الغلو في سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، من دعائه والاستغاثة به، وطلب المدد والعون، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وغير ذلك من أمور العبادة التي لا تصرف إلا لله جلّ وعلا، بل إن البعض جعل الدنيا والآخرة له ﷺ مخالفين بذلك قوله ﷺ : "أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ١. ومعرضين عن قوله ﷺ أيضاً: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢. وإليك أيها القارئ نماذج من النثر والنظم الذي تُحيا به هذه الموالد ولا يخلو مولد منها حتى أصبح ذلك الفعل كأنه من السنن المأثورة التي يجب العمل بها، وتلاوتها في تلك الليلة التي يزعمون أنها توافق مولده ﷺ . فمن ذلك زعمهم أن النبي ﷺ الأصل في المخلوقات، وانه خلق من نور الله ثم، خلق من هذا النور سائر المخلوقات. وقد أوردوا في ذلك حديثاً لا يصح عنه ﷺ يروونه:

стр. 248

عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: "يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة، حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لا لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر.." ١. قال المناوي في مولده: وقد اشتمل اسمه الشريف على أربعة أحرف هجائية لكل حرف منها مزية ومقام، فالميم الأولى ما من نبي ولا رسول إلا خلق من نور طلعته البهية فهو أصل والكل منه فرع بلا شك، ولا إيهام.. " ٢. وقال في نظمه: فالكل من نوره الرحمن أوجده ... لولاه ما كانت الأفاق قد نظمت ٣ وقال الميرغني: وأشهد أن سيدنا محمداً الذي من ميم اسمه امتدت سائر العوالم الخلقية ٤. وهذا القول بيّن البطلان، والحديث الوارد في ذلك موضوع مكذوب لا يصح عن رسول الله ﷺ .

стр. 249

فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس هذا حديثاً عن النبي ﷺ لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي ﷺ ، بل ولا يعرف عن الصحابة، بل هو كلام لا يدرى من قائله ١. وقد سئل السيوطي عن هذا الحديث فأجاب بقوله: ليس له إسناد يعتمد عليه ٢. ويبطله قوله ﷺ : "الناس بنو آدم وآدم من تراب" ٣. ودعوى أنه ﷺ خلق من نور الله، فهذا كذب وبهتان يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ٤. وهذا القول يشبه قول النصارى في المسيح ﵇ وهو من الغلو والإطراء المذموم وفي ذلك يقول شيخ الإسلام عند الكلام على اعتقاد النصارى في المسيح ووجوده: وظن النصارى يضاهي ظن طائفة من غلاة المنتسبين إلى الإسلام وغيرهم، الذين يقولونّ إن ذات النبي ﷺ كانت موجودة قبل خلق آدم. ويقولونّ إنه خلق من نور رب العالمين ووجد قبل خلق آدم وأن الأشياء خلقت منه حتى قد يقولون في محمد ﷺ جنس قول النصارى في المسيح، حتى قد يجعلون مدد العالم منه، ويروون في ذلك أحاديث كلها كذب.. ٥.

стр. 250

فهذا هو حال تلك الموالد وقصصها التي تقرأ في الاحتفال مبناها على مثل هذا الحديث الذي لا يصح عنه ﷺ فضلاً عن ذلك الاعتقاد الباطل المأخوذ من عقيدة النصارى في المسيح بن مريم ﵇، وما أوردته هنا مثال على ذلك. ومن ألهمه الله حسن البصيرة والعقل السليم أدرك أن مثل هذا الكلام لا يصح ولا يصدر عنه ﷺ ، حيث إن بطلانه واضح بالعقل والنقل. ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في نقده لمثل هذه الأحاديث الواردة في هذا الشأن: " فهذه الأحاديث وأمثالها، مما هو كذب وفرية عند أهل العلم لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل مستحيلة في العقل ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلا على وجه البيان لكونها كذباً، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ١. ٢. ومن الأشعار التي يتغنون بها في مدح النبي ﷺ ويرددونها في هذه المناسبة، وقد غالوا فيه ﷺ حتى أعطوه ما لله من الحقوق، ما جاء في بردة المديح للبوصيري ٣. وهي من أشهر هذه الأشعار:
следующие страницы →