المطلب الثالث: المنكرات التي تحصل في المولد:
مع كون الاحتفال بالمولد بدعة، فإنها لا تخلو من المنكرات المحرمة، وهذا هو حال البدعة من حيث التمدد والتوسع فتتوالد وتعظم حتى تفسد العقيدة وتخرج صاحبها من الدين وهو لا يشعر بأنه عمل ذنباً بل يظن أن ذلك العمل فيه قربة وطاعة.
ومن أعظم المنكرات وأشنعها التي تقع في الاحتفال بالمولد النبوي الشرك بالله الذي هو أعظم ذنب عصى به الله .
فقد جاء في الحديث: " أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١.
وهو المنافي لكلمة التوحيد الموجب لسخط الله وعذابه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
ولا يقبل الله من صاحبه لا صرفاً ولا عدلاً ٣ كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٤.
стр. 247
كل ذلك يقع في المولد بسبب الغلو في سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، من دعائه والاستغاثة به، وطلب المدد والعون، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وغير ذلك من أمور العبادة التي لا تصرف إلا لله جلّ وعلا، بل إن البعض جعل الدنيا والآخرة له ﷺ مخالفين بذلك قوله ﷺ : "أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ١.
ومعرضين عن قوله ﷺ أيضاً:
"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢.
وإليك أيها القارئ نماذج من النثر والنظم الذي تُحيا به هذه الموالد ولا يخلو مولد منها حتى أصبح ذلك الفعل كأنه من السنن المأثورة التي يجب العمل بها، وتلاوتها في تلك الليلة التي يزعمون أنها توافق مولده ﷺ .
فمن ذلك زعمهم أن النبي ﷺ الأصل في المخلوقات، وانه خلق من نور الله ثم، خلق من هذا النور سائر المخلوقات. وقد أوردوا في ذلك حديثاً لا يصح عنه ﷺ يروونه:
стр. 248
عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: "يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة، حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لا لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر.." ١.
قال المناوي في مولده: وقد اشتمل اسمه الشريف على أربعة أحرف هجائية لكل حرف منها مزية ومقام، فالميم الأولى ما من نبي ولا رسول إلا خلق من نور طلعته البهية فهو أصل والكل منه فرع بلا شك، ولا إيهام.. " ٢.
وقال في نظمه:
فالكل من نوره الرحمن أوجده ... لولاه ما كانت الأفاق قد نظمت ٣
وقال الميرغني: وأشهد أن سيدنا محمداً الذي من ميم اسمه امتدت سائر العوالم الخلقية ٤.
وهذا القول بيّن البطلان، والحديث الوارد في ذلك موضوع مكذوب لا يصح عن رسول الله ﷺ .
стр. 249
فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس هذا حديثاً عن النبي ﷺ لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي ﷺ ، بل ولا يعرف عن الصحابة، بل هو كلام لا يدرى من قائله ١.
وقد سئل السيوطي عن هذا الحديث فأجاب بقوله: ليس له إسناد يعتمد عليه ٢. ويبطله قوله ﷺ : "الناس بنو آدم وآدم من تراب" ٣.
ودعوى أنه ﷺ خلق من نور الله، فهذا كذب وبهتان يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ٤.
وهذا القول يشبه قول النصارى في المسيح ﵇ وهو من الغلو والإطراء المذموم وفي ذلك يقول شيخ الإسلام عند الكلام على اعتقاد النصارى في المسيح ووجوده: وظن النصارى يضاهي ظن طائفة من غلاة المنتسبين إلى الإسلام وغيرهم، الذين يقولونّ إن ذات النبي ﷺ كانت موجودة قبل خلق آدم. ويقولونّ إنه خلق من نور رب العالمين ووجد قبل خلق آدم وأن الأشياء خلقت منه حتى قد يقولون في محمد ﷺ جنس قول النصارى في المسيح، حتى قد يجعلون مدد العالم منه، ويروون في ذلك أحاديث كلها كذب.. ٥.
стр. 250
فهذا هو حال تلك الموالد وقصصها التي تقرأ في الاحتفال مبناها على مثل هذا الحديث الذي لا يصح عنه ﷺ فضلاً عن ذلك الاعتقاد الباطل المأخوذ من عقيدة النصارى في المسيح بن مريم ﵇، وما أوردته هنا مثال على ذلك.
ومن ألهمه الله حسن البصيرة والعقل السليم أدرك أن مثل هذا الكلام لا يصح ولا يصدر عنه ﷺ ، حيث إن بطلانه واضح بالعقل والنقل.
ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في نقده لمثل هذه الأحاديث الواردة في هذا الشأن: " فهذه الأحاديث وأمثالها، مما هو كذب وفرية عند أهل العلم لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل مستحيلة في العقل ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلا على وجه البيان لكونها كذباً، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ١. ٢.
ومن الأشعار التي يتغنون بها في مدح النبي ﷺ ويرددونها في هذه المناسبة، وقد غالوا فيه ﷺ حتى أعطوه ما لله من الحقوق، ما جاء في بردة المديح للبوصيري ٣. وهي من أشهر هذه الأشعار:
стр. 251
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من وجودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم ١
من تأمل هذه الأبيات أدرك ما انطوت عليه من الشرك بالله المنافي للتوحيد والمحبط للعمل فمن ذلك:
١ - أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذٌ إلا هو جل وعلا.
٢ - أنه دعاه وناداه بالتضرع، وإظهار الفاقة، والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله وذلك هو الشرك في الألوهية.
٣ - سؤاله منه أن يشفع له في قوله: "ولن يضيق رسول الله جاهك بي.." وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه وهو الجاه والشفاعة عند الله وهذا هو الشرك ٢.
ولقد أعرض قائل هذه الأبيات ومن يتغنى بها: يا أكرم الخلق.. عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ ٣.
فالنبي ﷺ لا يملك نفع أحد ولا ضره، وإنما المالك للنفع والضر هو الله .
стр. 252
وقد غلا غلواً مفرطاً بقوله: " فإن من وجودك الدنيا وضرتها ... وشاركه في هذا الغلو من يرددها، حيث أعطى النبي ﷺ ما لا يملكه إلا الله خالق السموات والأرض القائل: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ ١.
فهذا القول شرك وكفر صريح حيث جزم أن من جود النبي ﷺ الدنيا والآخرة ولم يكتف بذلك حتى أضاف علم اللوح والقلم إليه ﷺ ، ذلك العلم الذي استأثره الله لنفسه.
وبهذا الفعل خالف قوله ﷺ فيما حكاه عنه الله : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ ٣.
وجاء في مولد المناوي:
والكائنات لأجل المصطفى خلقت ... دنيا وأخرى جميعاً من ملاحته
هو أول الخلق سر العالمين به ... كذا جميع البرايا من بدايته
لولاه ما أوجد الله الوجود ولا ... قد كان ما كان إلا من كرامته ٤
وقال أيضاً:
أنا العبد الذليل وأنت جاه ... أنا في العالمين سواك مالي
أنا يا مصطفى كثرت ذنوبي ... وأرجو العفو في من مولى الموالى
стр. 253
..
...
فكن بي شفيعاً يا مصطفانا ... وعوناً في المهمات الثقال
فمن لي ارتجيه لكشف ضري ... غوثي في الشدائد والنوال ١
قال الميرغني:
لوذوا به ثم قوموا ... صلى الله عليه ٢
وجاء في الأنوار القدسية:
فيك قد أحسنت ظني ... يا بشير يا نذير
فأغثني يا ملاذي ... في مهمات الأمور ٣
...
وقد اكتفيت بتوضيح ما ورد في بعض أبيات البوصيري من الشرك والضلال وما سقته بعد ذلك من الأبيات فهي على نظيرها في الحكم، والله الهادي إلى الصواب.
فهذا الغلو وهذا الإطراء هو الذي وقعت فيه النصارى إلا أن هؤلاء لم يقولوا ثالث ثلاثة أو أن محمداً ﷺ إله، ولكن صرفوا ما كان لله لمحمد ﷺ ، فماذا تركوا لله جل وعلا.
فهذه هي عين دعوة النصارى في المسيح بن مريم ﵇، لكن اختلف الاسم ووافق المضمون، وتغيير المسميات لا يغير الحقائق. وهذا هو حال الشيطان لإيقاع بني آدم في براثن الشرك والكفر والعياذ بالله.
стр. 254
يوضح ذلك ما قاله البوصيري:
دع ما دعته النصارى في نبيهم ... وأحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم ١
أي: قل ما شئت من القول، ولا تقل: ثالث ثلاثة، أو أنه إله أو ابن إله، وفي ذلك يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ٢: عندما تناول بعض أبيات البرعي ٣ وهي على نظير تلك الأبيات ما نصه:
" وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى ﵇ إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطلقه ولكن أتى بلباب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز فرأى الشيطان أن الإتيان بالمعنى دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل وقبوله عند ذوي العقول السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ﵇ كفر، فلو أتاهم بدعوى النصارى اسماً ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه البرعي وأحزابه، وترك للنصارى وإلا فما ندري ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان ٤.
стр. 255
وما أوردته هنا ما هو إلا مثال لما يردد في الاحتفال بالمولد من أشعار ومدائح ولا يخلو مولد من ذلك ولا سيما قصيدة البردة، بل إن جل من يحضر المولد يحفظها عن ظهر قلب.
فلا أدرى هل يجهلون معاني تلك الأبيات وما انطوت عليه من كفر وشرك وتنقص لله في ألوهيته وربوبيته، فبذلك يكونون جهله مقلدين لا يفقهون ما يقولون على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١.
أم إنه الهوى والإعراض عن السنة وحب البدعة والخرافة على حد قول الشاعر:
يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
ومن المنكرات الأخرى:
١ - أحياؤه بالرقص والغناء الشركي الخليع، وبعرائس الحلوى المزينة وبعلب القمار وغير ذلك من الأعمال السيئة ٢.
٢ - ومنها: انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها وكثرة اللغط فيها ودخول الأطفال حفاة أو بالنعال فلا يكاد يتيسر لأحد إقامة الشعائر في مسجد يعمل فيه مولد.
٣ - ومنها: خروج النساء متبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حد لا يؤمن معه وقوع الفاحشة.
стр. 256
٤ - ومنها: استعمال الأغاني وآلات الطرب على الوجه المحرم بالإجماع وغير ذلك مما يفسد أخلاق الأمة ويبعث في نفوس الشبان روح العشق والميل إلى الفجور.
٥ - ومنها قراءة القرآن على غير الوجه المشروع فيرجعون فيه كترجيع الغناء غير مراعين فيه ما يجب له من الأدب.
٦ - ومنها: طلب الرياء بعمل هذا المولد والتنافس فيه، فترى الأغنياء يتنافسون في الليالي التي يحيونها بأسمائهم وكل يجتهد أن تكون ليلته أحسن الليالي ١.
فهذه بعض المنكرات التي تحصل في بدعة المولد وأصحاب الموالد يعرفون من المفاسد المترتبة على هذا الاحتفال أكثر مما ذكرنا، ولكن هذا هو حال البدعة، عندما تتشربها القلوب حتى تقضي على الدين فهي كالنار في الهشيم، وبهذا يصبح الاحتفال بالمولد مبدأة للفساد وجمع لكل رذيلة وسفاهة، وهذا الفعل لا يطرد في كل مولد، بل يختلف من بلد إلى بلد، ومن جماعة إلى أخرى على حسب قوة الدعاة إليه.
ولكن لا يخلو في الغالب احتفال من الاحتفالات بالمولد من وقوع الشرك والمعاصي فيه وذلك بسبب تلك المدائح والأشعار التي يرددونها، والأعمال التي يمارسونها.
стр. 257
المطلب الرابع: الشبه التي اعتمد عليها من قال بالاحتفال بالمولد وردها:
لم تكن هناك أدلة صحيحة تشير إلى الاحتفال بالمولد النبوي وجوازه، ولكن من قال بالاحتفال به اعتمدوا على شبة ظنوا وزعموا أنها تشير وتدعو إلى الاحتفال بهذه البدعة وانطلت على كثير من الناس لا سيما العوام منهم، وسنعرض أهم الشبه التي اعتمد عليها أولئك، ثم نبين بطلانها، وأنه لا دليل فيها على هذا العمل وذلك بعد عرضها على كتاب الله وسنه نبيه ﷺ وأقوال سلف هذه الأمة، وإليك بيان ذلك:
- الشبهة الأولى:
ما حكاه السيوطي عن ابن حجر أنه استخرج أصلاً فقال: قد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد، فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك فقد اشتملت على محاسن وضدها. فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها، كان بدعة حسنة، وإلا فلا.
قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من "أن النبي ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجا موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى" ١.
стр. 258
فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ﷺ الذي هو نبي الرحمة في ذلك اليوم.
وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه، حتى يطابق قصة موسى ﵇ في يوم عاشوراء.
ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم في الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة، وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله ١.
ويجاب على هذه الشبهة بما يلي:
أولاً: أن ابن حجر ﵀ صرح في أول كلامه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذه الجملة من كلام ابن حجر كافية في ذم المولد، إذ لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة الهدى من بعدهم ٢ فهم خير الناس وأولى الناس باتباعه ﷺ فكيف يعزب عنهم ذلك؟!
ثانياً: أن تخريج ابن حجر عمل المولد على حديث صوم عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد
стр. 259
من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحاً؛ إذ لو كان صحيحاً لم يعزب عن فهم السلف ويفهمه من بعدهم كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلاً عليه؛ إذ لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح.
فاستنباط ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي - مادام الأمر كذلك - من حديث صوم يوم عاشوراء، أو من نص آخر مخالف لما أجمع عليه السلف من ناحية العمل به وما خالف إجماعهم فهو خطا لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى١. فهم أوْلى الناس وأحرص الناس على اتباعه ﷺ والهدى فيما كانوا عليه ٢.
ثالثاً: أن تخريج المولد على صيام يوم عاشوراء من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين:
أحدهما: أن نعبد الله وحده ولا شريك له.
والثاني: أن نعبده بما شرع على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع.
стр. 260
قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب أو مستحب ولا يعبد الله بالأمور المبتدعة ٢. فلا يسع المسلم إلا الاتباع.
رابعاً: أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي ﷺ ورغبه فيه ٣، بخلاف اتخاذ يوم مولده عيداً، فإنه لم يفعله ولم يرغب فيه ولو كان في الاحتفال بالمولد واتخاذه عيداً أدنى شيء من الفضل لبيّنه ﷺ لأمته؛ لأنه ما من خير إلا ودلهم عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنها وحذرهم منها ٤. فبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة والتخريج المتكلف المردود.
- الشبهة الثانية:
قال السيوطي بعد ما نقل كلام ابن حجر وظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي، عن أنس ﵁ " أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة " ٥.
стр. 261
مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله تعالى إياه، رحمة للعالمين، وتشريفاً لأمته كما كان يصلي على نفسه؛ لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده باجتماع الإخوان، وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات ١.
- الجواب على هذه الشبهة:
إن هذه الشبهة ساقطة ومردودة؛ وذلك لعدم ثبوت هذا الحديث. قال الإمام أحمد عنه: بأنه منكر ٢. وقال النووي: حديث باطل ٣. وقال ابن حجر: لا يثبت ٤.
- الشبهة الثالثة:
ما نقله السيوطي عن الحافظ شمس الدين الجزري ٥ وأنه قال في كتابه المسمى "عرف التعريف بالمولد الشريف " ما نصه: وقد رُؤى أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة
стр. 262
اثنين، وأمص من بين إصبعي هاتين ماء بقدر هذا، وأشار برأس إصبعه وان ذلك بإعتاقى لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له
فإذا كان أبو لهب الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحة مولد النبي ﷺ ، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي ﷺ يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ﷺ .
ولعمري إنما يكون جزاؤه من المولى الكريم، أن يدخله بفضله جنات النعيم.
وفي ذلك يقول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدمشقي ١. وقد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سروراً بميلاد النبي ﷺ ثم أنشد:
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلداً
أتى أنه يوم الاثنين دائماً ... يخفف عنه السرور بأحمدا
فما الظن بالعيد الذي طول عمره ... بأحمد مسروراً ومات موحداً ٢؟
- الجواب على هذه الشبهة من وجوه:
أولاً: أن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، كما جاء ذلك في
стр. 263
فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرحيبه ١. قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقي ثويبة ٢. وعلى تقدير أنه موصول، فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه ٣.
ثانياً: أنه لم يصح أن ثويبة أعتقها أبو لهب عند ولادة النبي ﷺ وإنما كان إعتاقها قبل الهجرة وذلك بعد الإرضاع بزمن طويل كما هو ثابت في كتب التاريخ والسير.
قال ابن سعد ٤: بسنده " كانت ثويبة مرضعة رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي على ملك أبي لهب وسألته أن يبيعها لها فامتنع، فلما هاجر رسول الله ﷺ أعتقها أبو لهب وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وبكسوة حتى جاء الخبر أنها ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر ٥.
ثالثاً: دلت النصوص الصريحة من كتاب الله على أن أعمال الكفار حابطة كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ ٦.
стр. 264
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ ١.
وأبو لهب يدخل تحت هذه الآيات ضمناً فلا ينتفع بإعتاق ثويبة؛ لأن أعماله كلها حابطة ٢.
رابعاً: أن نصوص القرآن دالة على أن العذاب لا يخفف عن الكفار ٣. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ٤.
وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآية لشدة كفره وعداوته لرسول الله ﷺ وأذيته له.
كيف لا وقد جاء النص الصريح بذلك كما في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ٥.
стр. 265
خامساً: أما أبيات الحافظ الدمشقي. فنحن ندعو للحافظ الدمشقي بالرحمة والمغفرة، ونؤكد معه قوله الصادق:
فما الظن بالعبد الذي طول عمره ... بأحمد مسروراً ومات موحداً
فهو ﵀ يرجو ثواب ربه، بسروره برسول ﷺ ، طول عمره لا أنه يرتجي ثواب سروره بالرسول ﷺ في ليلة بعد ثلاثمائة وأربع وخمسين ليلة! ثم إنه ﵀ يربط رجاء الثواب بموته موحداً الله تعالى بما هو أهله وبما يستحقه من العبادة والتعظيم.. ١.
وبهذا يتبين أنه لا دليل لهم بهذه الشبهة، وأنه لم يثبت أن أبا لهب فرح بالنبي ﷺ ولا أنه أعتق ثويبة حال ولادته ﷺ ، بل كان من أشد الأعداء للرسول ﷺ فتلك دعوى لا برهان عليها.
- الشبهة الرابعة:
أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود؛ إذ سعد به كل موجود وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين. فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل عليّ" ٢.
وهذا معنى الاحتفال به، والمعنى موجود سواءً كان ذلك بصيام، أم إطعام طعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة على النبي ﷺ وسماع شمائله الشريفة٣.
стр. 266
- الرد على هذه الشبهة من وجوه:
أولاً: أنه إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﷺ فيه فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ربه وهو الصوم، وعليه فلنصم كما صام غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأن الصيام فيه مقاومة للنفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك، فتعارض الغرضان، فآثروا ما يحبون على ما يحب الله وهي زلة عند ذوي البصائر والنهي ١.
ويوضح ذلك أن بعض أرباب الموالد نص على كراهة صوم يوم الاثنين الموافق للثاني عشر من ربيع الأول بحجة أنه عيد من أعياد المسلمين.
وقد نقل ذلك الحطاب ٢ حيث قال: " قال الشيخ زروق ٣: في شرح القرطبية صيام يوم المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صح علمه وورعه، وقال: إنه من أعياد المسلمين فينبغي أن لا يصام فيه " ٤.
وجاء في حاشية الدردير " تنبيه: ومن جملة الصيام المكروه كما قال بعضهم: صوم يوم المولد المحمدي إلحاقا له بالأعياد " ٥.
стр. 267
وهذا نص في مخالفته ﷺ فالنبي ﷺ صام يوم الاثنين ورغب فيه.
وأولئك تعمدوا مخالفته ﷺ ، ومن هنا يتبين بطلان دعوى محبته؛ إذ المحبة في المتابعة لا في الإدعاء.
ثانياً: أن الرسول ﷺ لم يصم يوم ولادته، وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه كذلك.
وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات أو أكثر، وبناءً على هذا فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع يعتبر استدراكاً على الشارع وتصحيحاً لعمله وما أقبح هذا إن كان - والعياذ بالله - ١.
ثالثاً: أن صيام يوم الاثنين له خصوصية أخرى، إضافة إلى ما ذكر في الحديث الذي استندوا إليه وذلك أنه يوم تعرض فيه الأعمال، كما تعرض في يوم الخميس، فندب النبي ﷺ صومه.
كما جاء عن أبي هريرة الله عنه أن النبي ﷺ قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" ٢.
стр. 268
فلم يكن الداعي إلى هذا الصوم لكونه يوم ولادته فحسب، بل لأجل أن الأعمال تعرض فيهما وأنه يوم أنزل عليه فيه.
رابعاً: هل النبي ﷺ عندما صام يوم الاثنين أضاف إلى الصيام احتفالاً كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح وأنغام وطعام وشراب؟ الجواب: لا وإنما اكتفى بالصيام فقط. إذاً ألا يكفى الأمة ما كفى نبيها ﷺ ويسعها ما وسعه، وهل يقدر عاقل أن يقول: لا؟ إذاً فلِم الافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
ويقول رسول الله ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢. ٣.
خامساً: قولهم إن هذا في معنى الاحتفال به والمعنى موجود سواءً كان ذلك بصيام أم أطعام طعام.. الخ.
في هذا القول اتهام خطير لخير هذه الأمة صحابة النبي ﷺ وتابعيهم ورمي لهم بالتقصير، حيث لم يفهموا مقصوده ﷺ من صيام هذا اليوم فلم يحتلفوا بهذه المناسبة.
وفي هذا يقول الشيخ ابن منيع في رده على المالكي: عندما استدل بهذا الدليل - يقصد المالكي - أن الرسول ﷺ كان بصيامه يوم ولادته يوحي إلى أمته وفي طليعة الأمة أصحابه وتابعوهم بإقامة احتفال بمولده ﷺ إلا أنهم من
стр. 269
الغباء والجهل والبعد عن إدراك مقاصده ﷺ بمكان حجب عنهم ذلك، حتى جاءت الرافضة والقرامطة والفاطميون ومن نحا نحوهم من أهل البدع والمحدثات، كالمالكي واضرابه، فأدركوا بثاقب بصرهم ونفاذ بصيرتهم وقوة إيمانهم وشدة محبتهم لرسول الله ﷺ أدركوا مقصده ﷺ بصيامه يوم الاثنين فدعوا إلى إقامة الاحتفال بالمولد.
حقاً إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.. وبالتالي نقول: لأصحاب رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والستة الباقين من العشرة والحسن والحسين وأمهما فاطمة وأمهات المؤمنين أزواجه ﷺ وغيرهم إنكم لم تقدروا رسول الله ﷺ حق قدره كما قدره أولئك المحتفلون فلم تقيموا احتفالات حوليه بذكرى ولادته ﷺ ، كما يوحي بذلك على حد زعم المالكي وفهمه السقيم، حقاً إن الهوى يعمى ويصم ١.
فهذا هو حال من جانب الحق واتبع الهوى يقدح في مَنْ خالفه مِنْ سلف هذه الأمة وخيرها سواءً أراد بذلك أم لم يرد فالله المستعان والهادي إلى الصواب.
- الشبهة الخامسة:
أن الفرح به ﷺ مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٢.
стр. 270
فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي ﷺ أعظم الرحمة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١. ٢.
الجواب على ذلك: إن القول بذلك تعسف للأدلة بجعلها موافقة للهوى ومجانبة لما عليه هذه الأمة من كبار المفسرين وأئمة علم التفسير الذين نصوا على أن المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما ما عنته الآية السابقة لهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣.
قال الطبري في تفسيره لهذا الآية: يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين بك وبما أنزل إليك من عند ربك. ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ . أيها الناس الذي تفضل به عليكم هو الإسلام. فبينه لكم ودعاكم إليه ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ التي رحمكم بها فأنزلها إليكم فعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه فبصركم بها معا لم دينكم وذلك القرآن.
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يقول فان الإسلام الذي دعاهم إليه والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وكنوزها ٤.
стр. 271
وقال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ .
قال أبو سعيد الخدري وابن عباس ﵄: " فضله القرآن ورحمته الإسلام وعنهما أيضاً: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله"١.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: يقول تعالى ممتناً على خلقه بما أنزل من القرآن العظيم على رسوله الكريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي زاجرا عن الفواحش.
﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه ".
كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى والدين الحق فليفرحوا فانه أولى بما يفرحون به.
﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة ٤.
стр. 272
وقال ابن القيم عند هذه الآية: وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته الإسلام والسنة ١.
وبهذا تبين لطالب الحق أنه لا دليل بهذه الآية وهذا هو حال المبتدعة، فانهم يتعسفون الأدلة لمجارات آرائهم وأهوائهم وإن خالفت ما هو مجمع عليه.
- الشبهة السادسة:
إن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢. ٣.
- الجواب: -
أولاً: إذا كان لا يذكر ﷺ إلا في يوم ولادته فبئست هذا العقيدة وهذا جفاء في حقه ﷺ فأين دعوى المحبة إذاً؟.
إذا كان لا يصلى عليه إلا في ليلة من ثلاثمائة وست وخمسين ليلة نعوذ بالله من الغفلة والصدود عن الحق.
ثانياً: الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ مستحب في كل وقت وقد جاء في الحديث عنه ﷺ : "من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشراً"٤.
стр. 273
والصلاة والسلام مقترنة عند ذكره ﷺ في كل وقت وفي كل مناسبة، فقد قال ﷺ : "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ" ١.
وقد أمر ﷺ بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة عيد الأسبوع فقال ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض وفيه النفخة، وفيه الصعقة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ.." ٢.
فهل يليق بالمسلم أن لا يصلي عليه ﷺ إلا في ليلة واحدة من ثلاثمائة وست وخمسين ليلة كلا بل هذا هو الهجران ولا يقول بذلك عاقل وفي ذلك يقول أبو بكر الجزائري:
كون المولد ذكرى.. الخ هذه تصلح أن تكون علة لو كان المسلم لا يذكر النبي ﷺ في كل يوم عشرات المرات، فتقام له ذكرى سنوية أو شهرية يتذكر فيها نبيه ليزداد بذلك إيمانه وحبه له. أما والمسلم لا يصلي صلاة من ليل أو نهار إلا ذكر فيها رسول الله ﷺ ، ولا يدخل وقت صلاة ولا يقام لها إلا ويذكر الرسول الله ﷺ ويصلى عليه، إن الذي تقام له ذكرى خشية النسيان هو من لا يذكر أما من يذكر ولا ينسى فكيف تقام ذكرى حتى لا ينسى، أليس هذه من تحصيل ما هو حاصل، وتحصيل الحاصل عبث ينزه عنه العقلاء ٣.
стр. 274
- الشبهة السابعة:
إن المولد أمر يستحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" ١.٢.
- والجواب من وجوه:
١ - إن ذلك القول دعوى يعوزها الدليل وهو قول مخالف للحق والصواب، ولقد أنكر ذلك الاحتفال أكابر علماء السلف وقالوا ببدعته وأنه مخالف لما جاء به ﷺ وكل ما خالف شيئاً من سنة رسول الله ﷺ فلا مكان له ولا اعتبار بل هو مردود بنص قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤. وقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٥.
فلم يفعله الصحابة ولا تابعوهم ولا القرون المفضلة فكيف يكون أمراً مستحسناً؟
стр. 275
٢ - أن "أل" في كلمة المسلمون للعهد ويبين ذلك السياق حيث جاء فيه " إن الله نظر في قلوب العباد فأختار محمداً فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ " وعليه فالمراد بهذا الأثر إجماع الصحابة واتفاقهم.
ويؤيد ذلك: ما جاء عند الحاكم بزيادة " وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ " ١. وفي هذه الجملة بيان للمراد فقد استدل عبد الله بن مسعود ﵁ على استخلاف أبي بكر بإجماع الصحابة.
٣ - إن قيل: أن "أل" للاستغراق فيشمل كل المسلمين فيكون إجماعاً وأهل الإجماع هم أهل الاجتهاد والعلم.
وذلك أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم فليزم عليه استحسان العوام وهو باطل بإجماع ٢.
قال العز بن عبد السلام - عندما سئل عن ذلك -: " إن صح الحديث فالمراد بالمسلمين أهل الإجماع ٣.
стр. 276
الله عنه من أشد الصحابة إنكاراً للبدع وهجراً لأصحابها وهو القائل " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ".
فلما لم يجدوا دليلاً صحيحاً على ذلك الاحتفال جعلوه بدعة حسنة، فاضطرهم انتصارهم لهذه البدعة إلى تعسف الأدلة وجعلها في غير مواضعها حيث صرفوها عن معانيها الحقيقية مخالفين بذلك ما جاء عن سلف هذه الأمة، فمتى تحقق أنه بدعة حسبما شهدوا به على أنفسهم فإن رسول الله ﷺ قال: "كل بدعة ضلالة" وهي نكرة مضافة تعم كل بدعة فليس في الشرع بدعة حسنة، بل إن البدعة تنافي السنة وتنافي الحسنة.
فلسنا في حاجة إلى مثل هذا الفعل الذي لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من القرون المفضلة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين هم خير الناس وأحرصهم على اتباعه ﷺ .
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية " ومعلوم أن كلما لم يسنه ولا استحبه رسول الله ﷺ ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم فإنه يكون من البدع المنكرات، ولا يقول أحد في مثل هذا: إنه بدعة حسنه " ١.
ومن قال بذلك فقد زعم أنه أتى في هذا الدين بخير مما جاء به رسول الله ﷺ وصحابته ﵃، وانه ﷺ لم يؤد رسالة ربه، وبهذا الزعم خالفوا نص كلام الله ، حيث قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢.
стр. 277
وكما قيل:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
فيا من تحتفلون بمولده ﷺ ألا يسعكم ما وسع نبيكم وصحابته ﵃، أما تتقون الله في ذلك القائل ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
وإذا كنتم تحتفلون بيوم مولده ﷺ فاليوم الذي ولد فيه هو بعينه الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه ٢.
فيتبين بغاية الوضوح والبيان أن المبتدعة أصحاب هوى، وربما كانوا أصحاب مصالح، فكل ما أوردوه من شبه زعموا دلالتها على بدعتهم إنما هي شبه واهية لا قرار لها ولا ثبات فهي بجانب الأدلة الشرعية الواضحة الصريحة سراب لا حقيقة له، وخيط عنكبوت لا قوة ولا صلابة فيه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
ومن فكر بعقل سليم باحثاً عن الحق والصواب استرشد إلى أن هذا الفعل بدعة منكرة، ومن كان تابعاً للهوى، ودعاة الضلالة معانداً فلا تزيده الأدلة ووضوحها إلا عناداً واستكباراً عن الحق، والعياذ بالله. (ومن يضلل الله فما له من هاد
стр. 278
المطلب الخامس: دعوى أن ترك الاحتفال بالمولد ينافي محبة النبي ﷺ :
يصف بعض دعاة الاحتفال بالمولد من ينكره ولا يحتفل به، بأنه لا يحب النبي ﷺ وأنه يبغضه ولو كان محباً له لاحتفل بمولده ﷺ
ويجاب على ذلك بأن محبة النبي ﷺ ليست أهازيج تردد، ولا قصائد تنشد، ولا دعاوى تدعى.
والدعاوى ما لم يقيموا عليها
بينات فأهلها أدعياء
إن حقيقة محبته ﷺ اتباع أمره واجتناب نهيه، والسير على نهجه، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ولا تتحقق المحبة إلا بذلك قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فقد جعل الاتباع والانقياد دليل تلك المحبة وبه يعرف الصادق من المدعي.
وفي ذلك يقول ابن كثير: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله..
стр. 279
قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم بهذه الآية ١.
وقال ابن القيم في قوله تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها، وفائدتها فدليلها وعلامتها، اتباع الرسول.
وفائدتها وثمرتها: محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة، ومحبته لكم منتفية ٢.
فلا تحصل المحبة إذاً إلا بالإتباع والتمسك بسنته ﷺ أما أن يدعى الشخص محبة الرسول ﷺ وهو يخالف أمره في النهي عن الأحداث في الدين معلناً تلك فالمحب بدقات الطبول ونغمات المنشدين وتأوهات أصحاب الوجد التائهين الضالين، وبألوان المأكل والمطاعم فهذه دعوى كاذبة إذا الضدان لا يجتمعان، وكما قيل:
تعصى إلا له وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ٣
فالمحبة لابد أن يوافق محبوبة فعلامة المحبة هي الطاعة وليست المحبة ذكرى عابرة تردد في مناسبات محدودة، أو ذكرى في شعر ينشد وقيام وقعود وقصة تتلى منغمة، إن ذلك الفعل فيه مشاقة لله وللرسول ﷺ ومخالفة ظاهرة لما جاء به ﷺ .
стр. 280
فالاتباع هو الميزان الذي يعرف به من أحب حقيقة ومن أدعى ولا ريب أنه يجب تقديم محبته ﷺ على النفس والمال والولد والناس أجمعين، حيث جاء في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ١.
وقوله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ لما قال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال ﷺ : "الآن عمر" ٢.
ولكن هذه المحبة يجب أن تكون ضمن ما حدده الشارع، بعيداً عن الغلو والإفراط والتفريط فقد قال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله" ٣.
وعلامة كون الإنسان محباً للرسول ﷺ هي اتباع سنته ﷺ والسير على نهجه ظاهراً وباطناً والوقوف على ذلك، وكلما قل الاتباع نقصت تلك المحبة، فبكمال الاتباع تكمل المحبة والعكس كذلك ٤.
стр. 281
فيا ترى من الصادق في تلك المحبة من أطاع وأمتثل، أم من أحدث وابتداع في ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فلا يكون محباً لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ﷺ ١ ". وهذا كثير فيمن يحتفلون بتلك المواسم بدعوى محبته ﷺ .
وبهذا يتضح لمن أراد الحق أن حقيقة محبة النبي ﷺ تكمن في امتثال أمره واجتناب نهيه والمحافظة على طاعته والتمسك بسنته ومن خالف ذلك فقد ضل في معرفة تلك المحبة، وما يفعله أرباب الموالد والمواسم المحدثة فهو من هذا القبيل حيث ظنوا أن محبته ﷺ تتمثل في إقامة الحفلات والذكريات والتي قوامها تحسين المآكل والمشارب وإنشاد القصائد والطرب والتمايل، فأضافوا إلى الأحداث في الدين ارتكاب المحرمات والمنكرات.
وهذا هو حال من أعرض عن سنته ﷺ ، حيث تتجاذبه الأهواء ويقع في الفتن ومزالق الشيطان. نسأل الله أن يرزقنا المحبة الصادقة له ولنبيه ﷺ وأن يوفقنا لاتباع سنته والسير على نهجه وأن يحفظنا من الخطأ والزلل في القول والاعتقاد والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 282
المطلب السادس: حكم الاحتفال بمولده ﷺ :
كما هو معلوم أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أحدثها المتأخرون، ليس لها أصل في دين الله ولا في شرع رسوله ﷺ . وليس على إقامة الحفلات بمناسبة المولد دليل من كتاب ولا سنة، ولم يفعلها رسول الله ﷺ ، ولم يأمر بها ولا وصى بها المسلمين، ولم يفعلها خلفاؤه الراشدون الذين هم خير الناس بعد الأنبياء، وأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهم أهل السبق والمبادرة إلى الخيرات بفعل المأمورات وترك المنهيات، ولو كان الاحتفال بالمولد سنة أو أمراً مستحباً لسبقونا إليه ولأظهروه للناس، وأحيوه كما أحيوه السنن الثابتة عنه ﷺ .
ولما لم يرد شيء من ذلك، حيث لم يأمر به ﷺ ولا فعله أصحابه ولا أحد من أهل البيت، ولا من سلف هذه الأمة الذين يعتد بهم كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وبقية أئمة السلف دل على أن فعله بدعة محدثة منكرة، مردودة على أصحابها؛ لأن كل بدعة ضلالة.
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الواردة في النهي عن البدع والإحداث في الدين، وإليك بيان ذلك.
- أولاً: من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١.
стр. 283
وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير: " أي مهماً أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر " ١.
وقال البغوي: " هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه " ٢.
ولم يؤثر عن النبي ﷺ أنه أمر أمته باتخاذ ليلة المولد عيداً فكان العمل بها بدعة، وهو من قبيل المحدثات التي كان النبي ﷺ ينهى عنها، ويبالغ في التحذير منها، وعلى هذا ففي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً ٣.
٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٤.
قال ابن كثير: " أي عن أمر رسول الله ﷺ ومنهاجه، وطريقته، وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان.. " ٥.
٣ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٦.
стр. 284
وهذا الاحتفال يعد استدراكاً على الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم، وبهذا يتبين بطلانه وخطورته على الدين.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
فهم القدوة والأسوة بعد النبي ﷺ ولم يحتفلوا بمولده ﷺ ولو كان خيراً لسبقوا إليه.
وغير ذلك من عموم الآيات الواردة في النهي عن الإحداث والابتداع في الدين والحث على التزام ما جاء به سيد المرسلين ﷺ .
- ثانياً: من السنة:
١ - حديث العرباض بن سارية ﵁ الذي جاء فيه قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٢.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ليس منه فهو رد" ٣.
стр. 285
فالاحتفال بالمولد محدث مبتدع فهو مردود، ولا سيما أن أربابه والدعاة إليه يجعلونه قربة يتقربون بها إلى الله ، وهذا الاعتقاد باطل بنص قوله ﷺ .
والأدلة في هذا الشأن كثيرة، وما ورد فيه الكفاية لمن طلب الحق وبحث عنه.
- ثالثاً: من أقوال السلف:
قال الشاطبي عند عده للبدع التي تضاهي الشرعية: ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً، وما أشبه ذلك ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليال شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد.. فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها ٢.
وقال الفكهاني ٣ عند ما سئل عن الاحتفال بالمولد: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله من أحد من علماء الأمة الذين هم