← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7545

الأعياد وأثرها على المسلمين

سليمان بن سالم السحيمي

Полный текст (441 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فيا ترى من الصادق في تلك المحبة من أطاع وأمتثل، أم من أحدث وابتداع في ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فلا يكون محباً لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ﷺ ١ ". وهذا كثير فيمن يحتفلون بتلك المواسم بدعوى محبته ﷺ . وبهذا يتضح لمن أراد الحق أن حقيقة محبة النبي ﷺ تكمن في امتثال أمره واجتناب نهيه والمحافظة على طاعته والتمسك بسنته ومن خالف ذلك فقد ضل في معرفة تلك المحبة، وما يفعله أرباب الموالد والمواسم المحدثة فهو من هذا القبيل حيث ظنوا أن محبته ﷺ تتمثل في إقامة الحفلات والذكريات والتي قوامها تحسين المآكل والمشارب وإنشاد القصائد والطرب والتمايل، فأضافوا إلى الأحداث في الدين ارتكاب المحرمات والمنكرات. وهذا هو حال من أعرض عن سنته ﷺ ، حيث تتجاذبه الأهواء ويقع في الفتن ومزالق الشيطان. نسأل الله أن يرزقنا المحبة الصادقة له ولنبيه ﷺ وأن يوفقنا لاتباع سنته والسير على نهجه وأن يحفظنا من الخطأ والزلل في القول والاعتقاد والعمل إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 282

المطلب السادس: حكم الاحتفال بمولده ﷺ : كما هو معلوم أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أحدثها المتأخرون، ليس لها أصل في دين الله ولا في شرع رسوله ﷺ . وليس على إقامة الحفلات بمناسبة المولد دليل من كتاب ولا سنة، ولم يفعلها رسول الله ﷺ ، ولم يأمر بها ولا وصى بها المسلمين، ولم يفعلها خلفاؤه الراشدون الذين هم خير الناس بعد الأنبياء، وأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهم أهل السبق والمبادرة إلى الخيرات بفعل المأمورات وترك المنهيات، ولو كان الاحتفال بالمولد سنة أو أمراً مستحباً لسبقونا إليه ولأظهروه للناس، وأحيوه كما أحيوه السنن الثابتة عنه ﷺ . ولما لم يرد شيء من ذلك، حيث لم يأمر به ﷺ ولا فعله أصحابه ولا أحد من أهل البيت، ولا من سلف هذه الأمة الذين يعتد بهم كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وبقية أئمة السلف دل على أن فعله بدعة محدثة منكرة، مردودة على أصحابها؛ لأن كل بدعة ضلالة. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الواردة في النهي عن البدع والإحداث في الدين، وإليك بيان ذلك. - أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١.

стр. 283

وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير: " أي مهماً أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر " ١. وقال البغوي: " هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه " ٢. ولم يؤثر عن النبي ﷺ أنه أمر أمته باتخاذ ليلة المولد عيداً فكان العمل بها بدعة، وهو من قبيل المحدثات التي كان النبي ﷺ ينهى عنها، ويبالغ في التحذير منها، وعلى هذا ففي الآية الكريمة أوضح دليل على المنع من اتخاذ ليلة المولد النبوي عيداً ٣. ٢ - وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٤. قال ابن كثير: " أي عن أمر رسول الله ﷺ ومنهاجه، وطريقته، وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان.. " ٥. ٣ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٦.

стр. 284

وهذا الاحتفال يعد استدراكاً على الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم، وبهذا يتبين بطلانه وخطورته على الدين. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. فهم القدوة والأسوة بعد النبي ﷺ ولم يحتفلوا بمولده ﷺ ولو كان خيراً لسبقوا إليه. وغير ذلك من عموم الآيات الواردة في النهي عن الإحداث والابتداع في الدين والحث على التزام ما جاء به سيد المرسلين ﷺ . - ثانياً: من السنة: ١ - حديث العرباض بن سارية ﵁ الذي جاء فيه قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٢. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ليس منه فهو رد" ٣.

стр. 285

فالاحتفال بالمولد محدث مبتدع فهو مردود، ولا سيما أن أربابه والدعاة إليه يجعلونه قربة يتقربون بها إلى الله ، وهذا الاعتقاد باطل بنص قوله ﷺ . والأدلة في هذا الشأن كثيرة، وما ورد فيه الكفاية لمن طلب الحق وبحث عنه. - ثالثاً: من أقوال السلف: قال الشاطبي عند عده للبدع التي تضاهي الشرعية: ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً، وما أشبه ذلك ١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليال شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد.. فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها ٢. وقال الفكهاني ٣ عند ما سئل عن الاحتفال بالمولد: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله من أحد من علماء الأمة الذين هم

стр. 286

القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون. وقد نص على بدعية المولد بجميع صوره ١. فالمولد إذا بدعة منكرة سواءً احتوى على محرمات من سماع، أو رقص وغيره، أو اقتصر على الاجتماع وإطعام الطعام، والمعروف أن البدعة تزيد ولا تنقص. قال ابن الحاج بعد ما ذكر أن من جملة البدع المحدثة المولد وأنه احتوى على بدع ومحرمات: فانظر - رحمنا الله وإياك - إلى مخالفة السنة ما أشنعها وما أقبحها وكيف تجر إلى المحرمات، ألا ترى أنهم لما خالفوا السنة المطهرة، وفعلوا المولد لم يقتصروا على فعله، بل زادوا عليه من المحرمات والأباطيل المتعددة ٢. وقد نص على بدعيته جماعة من العلماء المحدثين منهم والمتقدمين ٣، ولعل من المناسب أن أختم كلام العلماء في هذه البدعة بفتوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في هذا الشأن والذي جاء فيها بعد نصه على عدم جوازه، وأنه من البدع المحدثة في الدين قوله: وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول عليه الصلاة

стр. 287

والسلام لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه، وعلى رسوله ﷺ . والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم " ١. ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغاً ونصحاً، فلو كان الاحتفال بالمولد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة، وفعله أصحابه ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم ٢. فمما تقدم من الأدلة وأقوال العلماء يتضح لطالب الحق بدعية هذا الاحتفال وأنه لا أصل له في دين الله وهو مخالف لما جاء به ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 288

والذي ينبغي للمسلم العاقل أن لا يغتر بكثرة المؤيدين لهذا الاحتفال؛ لأن الله سبحانه تعبدنا بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وأمرنا بالاتباع ونهانا عن الابتداع والإحداث في الدين. وما هذا الاحتفال إلا بدعة في الدين لم يعرفها سلف هذه الأمة، بل نشأت بعد القرون المفضلة، وانصراف كثير من الناس في هذا الزمان إلى مثل هذا الاحتفال ليس دليلاً على جوازه أو استحسانه، بل الحق ما كان موافقاً لما جاء به نبينا محمد ﷺ وإن قل اتباعه والباطل ما خالفه وإن كثير أعوانه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ١. ولقد وصف الله أهل الإيمان والعمل الصالح بأنهم قليل. فقال جل من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٢. كما أخبر جل وعلا أن كثيراً من الناس ينتحلون صفة الإيمان وهم في الحقيقة مشركون. قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.

стр. 289

وما وجد من أهل العلم نسب إليه القول بالاحتفال بالمولد النبوي واستحسانه كابن حجر والسيوطي والسخاوي وغيرهم من العلماء الذين لهم باع في أصول العلم الشرعي وفروعه. فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه عن المواسم المبتدعة من الموالد وغيرها: " وإذا فعلها قوم ذوي فضل فقد تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين لكراهيتها، وأنكرها قوم كذلك، وهؤلاء التاركون والمنكرون إن لم يكونوا أفضل ممن فعلوها فليس دونهم في الفضل فتكون حينئذٍ قد تنازع فيها أو لو الأمر فترد إذن إلى الله والرسول، وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها لا مع من رخص فيها، ثم إن عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء التاركين المنكرين ١. ومن ناحية أخرى فلعلها تكون زلة عالم، والحق يعرف بالدليل لا يعرف بالرجال وكثرة المؤيدين وفي ذلك قال الإمام مالك " ليس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك " ٢. والإنسان في مراحل علمه المختلفة تعتريه بعض الشبه في مسائل من العلم تجعله يخالف بسببها الحق، وحسب العالم في ذلك صدقه وتحريه الحق والبحث عنه، ولعله قد ظهر لمثل هؤلاء العلماء الحق فيما خالفوا فيه الدليل فرجعوا عن القول الباطل ولم نقف نحن عليه.

стр. 290

والبدعة مهما عمل بها من عمل ومهما قال بها من قال، ومهما بقيت من زمن فلا تكون سنة في يوم من الأيام بل هي بدعة مذمومة حتى تزول. وفي ذلك يقول الحكمي ١: " اعلم أن البدع كلها مردودة ليس فيها شيء مقبولاً، وكلها قبيحة ليس فيها حسن، وكلها ضلال ليس فيها هدى، وكلها أوزار ليس فيها أجر، وكلها باطل ليس فيها حق ٢. وما بدعة المولد إلا إحدى البدع المتباينة التي عمت وطمت والتي أحدثها أعداء الإسلام من الفاطميين الحاقدين، وأرباب التصوف الجهال المارقين، فلم يعرفها سلف هذه الأمة، وخيرها بعد نبيها ﷺ ، ثم تسللت وانتشرت حتى عمت كثيراً من المسلمين فقلّد بعضهم بعضاً في تلك البدعة، وكما قيل: " الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض " ٣. ولاسيما في هذا العصر، حتى أصبح ذلك العمل شعاراً يدل على المحبة لسيدنا ونبينا محمد ﷺ في زعمهم، ولم يكن ذلك الفعل مقتصراً على الجهلة والعوام، ومن لا يعرف الدليل ولا يفقهه بل إن بعضاً ممن ينتسبون إلى العلم أصبحوا دعاة سوء وضلال إلى مثل هذا الاحتفال، معرضين عن كتاب الله وسنة نبيه وأقوال سلف هذه الأمة، باحثين عن إشباع رغباتهم وشهواتهم بالأكل والشرب والهوى واللعب، الذي يحصل لهم في ذلك الاجتماع فلا حول

стр. 291

ولا قوة إلا بالله ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١. وأخيراً فخلاصة القول في الاحتفال بمولده ﷺ أنه باطل وبدعة منكرة لما يلي: ١ - أنه بدعة في الدين محدثة، وكل بدعة ضلالة، ولن يستطيع الذين يرون إقامته أن يقيموا عليه دليلاً من الشرع. ٢ - أنه مشابهة للنصارى في احتفالهم بمولد المسيح بن مريم ﵇، وقد نهينا عن التشبه بهم، ومن الغريب أن احتفال النصارى بمولد عيسى ﵇، بدعة ابتدعها النصارى أيضاً فأصبح الاحتفال بمولده ﷺ بدعة مركبة. ٣ - ما يقع فيه من المنكرات والمحرمات والتي أعظمها الشرك بالله جل وعلا والتي لا يخلو منها مولد من الموالد. ومن المعلوم أن البدعة لا تقف عند حد معين بل تزيد وتتوسع وذلك أن الاحتفال بالمولد النبوي أصبح أصلاً في ابتداع موالد أخرى للأولياء والصالحين والآباء والأبناء. وذلك اتباعاً لأول من أحدث المولد النبوي، وهم الفاطميون، حث أحدثوا معه موالد أخرى لآل البيت كفاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃، بل وللحاكم الحاضر أيضاً.

стр. 292

ومن أطلع على حال العالم الإسلامي اليوم أدرك ذلك، بحيث لا يكاد يمر أسبوع واحد دون اجتماع بعض الناس حول ولي من الأولياء فيهرع البعض منهم من الأقاليم النائية لحضور مولد ذلك الولي، وغالباً ما يكون هذا الاحتفال عند قبره، بل توسعوا في ذلك حتى امتدت إلى الاحتفال بمولد كل عظيم في نظر العامة وإن كان من الملحدين بحجة أنه ولي من الأولياء، ولا يقتصر هذا الفعل على بلد دون بلد، بل كل بلد من البلدان، أو إقليم من الأقاليم له أولياؤه الذين يحتفل بهم. ولم يكتفوا بهذا الحد، بل سرى ذلك إلى الاحتفال بمولد الآباء والأبناء والأحفاد وأفراد الأسرة فأصبح أرباب هذه الموالد كل يوم في عيد. فضلاً عن المواسم المبتدعة الأخرى. وعلى هذا فبدعة الاحتفال بالمولد النبوي هي بداية سلسلة متصلة لموالد أخرى ابتداءً من الولي وصاحب الطريقة، وانتهاءً بالاحتفال بمولد الولد والحفيد وسنأتي على بيان بعض تلك الاحتفالات في الأعياد المكانية ليقف القارئ على حقيقة تلك البدعة وما آلت إليه. والله المستعان.

стр. 293

المبحث الثالث: صلاة الرغائب المطلب الأول: متى أحدثت وصفتها: ... المبحث الثالث: صلاة الرغائب وهي صلاة تكون في ليلة، أول جمعة من شهر رجب بين صلاة المغرب والعشاء ويسبقها صيام الخميس١ المطلب الأول: متى أحدثت وصفتها: - أولاً: متى أحدثت: لم تعرف هذه الصلاة إلا بعد المائة الرابعة، وأول ما أحدثت ببيت المقدس - طهره الله - وذلك بعد سنة (٤٨٠هـ) ، ثمانين وأربعمائة، كما حكى ذلك الطرطوشي ﵀ ولم يصلها أحد قبل ذلك ٢. قال ابن رجب عند ذكره لها: " وإنما لم يذكرها المتقدمين؛ لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة؛ فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها " ٣.

стр. 294

- ثانياً: صفتها: ما يروى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة يعني ليلة الجمعة اثنتي عشر ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ١. ثلاث مرات، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ اثنتي عشرة مرة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى عليّ سبعين مرة، ثم يقول اللهم صلى على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد فيقول في سجوده سُبّوح قُدّوس رب الملائكة والرّوح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول: رب اغفر وأرحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى ثم يسأل الله تعالى حاجته، فإنها تقضى. قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وعدد ورق الشجر وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته.. الحديث". فهذه صفة الرغائب وهذا الحديث موضوع لا يصح عن رسول الله ﷺ ٣.

стр. 295

ومن صور الاحتفال بها اتخاذ ذلك الخميس موسماً يصنعون فيه أنواعاً من الحلوى ويجعلون فيها الصور المحرمة ويسمونها تعاليق وربما تكلف ذو العيال وأولاده من ذلك ما لا طائل له بعده، ويعتقدون أن ذلك قربة وأنه يثاب بإدخاله السرور على أهله وأولاده. ومنها إيقاد القناديل والمصابيح الكثيرة في البيوت والطرقات على المساجد والتفاخر فيها، كما يزدحم الناس على إحيائها في المساجد والجوامع، ويقوم أهل القرى لأجلها وتصلى بإمام وجماعة كأنها صلاة مشروعة، وينظم إلى ذلك مفاسد محرمة وهي اجتماع النساء بالرجال في الليل على ما علم من اجتماعهم أنه لابد أن يكون مع ذلك مالا ينبغي وينشأ من المفاسد ما لا يحصى وقد تكون سبباً لاجتماع من لا خير فيه وغير ذلك من الأمور المنكرة ١. وقد قال باستحسانها بعض العلماء كالغزالي ٢ وابن الصلاح ٣ وغيرهما.

стр. 296

واستدلوا على ذلك بما ورد في فضل الصلاة مطلقاً وقالوا: لا يلزم من ضعف الحديث بطلانها والمنع لدخولها ضمن ذلك العموم ١. ويقول الغزالي: فهذه صلاة مستحبة وإنما أوردناها في هذا القسم؛ لأنها تتكرر بتكرر السنين وإن كانت رتبتها لا تبلغ رتبة التراويح وصلاة العيد؛ لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد ولكن رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها ولا يسمحون بتركها فأحببت إيرادها ٢.

стр. 297

المطلب الثاني: الأدلة على بدعتها لا شك في بدعية هذه الصلاة ولا سيما أنها أحدثت بعد القرون المفضلة وأن مبناها والأصل فيها حديث موضوع لا يصح عن رسول الله ﷺ فاتخاذ بعض الناس لها موسماً وشعاراً بدعة منكرة تضاد الشريعة. وما استدل به من قال باستحسانها فلا تقوم به الحجة وهو باطل مردود لما يلي: ١ - أن العبادات توقيفية أي أنها لا تعرف إلا عن طريق الشرع وليس لأحد أن يعبد الله ﵎ إلا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وصلاة الرغائب مبناها على حديث موضوع فكيف يتعبد بحديث موضوع؟ ٢ - أنها حدثت بعد القرون المفضلة فهي مخالفة لفعل الصحابة والتابعين وتابعيهم والسلف الصالح الذين هم خير الناس وأولى الناس باتباع سنته ﷺ . ٣ - أن النبي ﷺ نهى عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام وهذا النهي بطريق النظر يشمل النهى عن صلاة الرغائب، فكان فعلها داخلاً تحت النهي. ٤ - أنها مخالفة لسنة السكون في الصلاة من جهة عد التسبيحات وعد سورة القدر ولا يتأتى العد في الغالب إلا بتحريك بعض الأصابع وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "اسكنوا في الصلاة" ١.

стр. 298

٥ - أنها مخالفة لسنة النوافل من جهة أن فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد إلا ما استثناه الشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف وقد قال ﷺ : "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ١. ٦ - أنها مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه وحضوره في الصلاة. ٧ - أن القول بصحتها والعمل بها يؤدي إلى اعتقاد ما ليس بسنة سنة ويشجع على الابتداع في الدين حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً. ٨ - اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل تأخير الفطور وأداء العشاء الآخرة، بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها والسجود بعد السلام لغير سهو وأنواع من الأذكار والمقادير لا أصل لها إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته وسلمت سريرته ٢. ويقول العز بن عبد السلام في ذلك: ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دوّن الكتب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس

стр. 299

الفرائض والسنن لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة ولا دونها في كتابه ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة، وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام١. وقال النووي عندما سئل عنها: هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكاراً مشتملة على منكرات فيتعين تركها والإعراض عنها وإنكارها على فاعلها. ولا يغتر بكثرة الفاعلين لها في كثيرة من البلدان ولا بكونها مذكورة في "قوت القلوب" ٢. وإحياء علوم الدين، ونحوهما فإنها بدعة باطلة. وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى كتابه. فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣. ولم يأمر باتباع الجاهلين ولا بالاغترار بغلطات المخطئين ٤. وقال ابن تيمية: " وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة فلا تستحب لا جماعة ولا فرادى.. والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء ولم يذكره واحد من السلف والأئمة أصلاً: ٥.

стр. 300

ومما يدل على بدعيتها أيضاً أنه لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به ولم يصح في فضل صوم رجب شيء عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃. قال ابن حجر: ولم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه، حديث يصلح للحجة ١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن تعظيم شهر رجب من الأمور المحدثة التي ينبغي اجتنابها، وان اتخاذ شهر رجب موسماً بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره ٢. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ٣. ويقول: " كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية " ٤.

стр. 301

قال الطرطوشي: " والذي بين أيدي الناس من تعظيمه إنما هو من بقايا الجاهلية " ١. فمما تقدم يتبين أن صلاة الرغائب من البدع المحدثة في الدين وأن تخصيص رجب بصيام، أو قيام دون غيره من الشهور أو تخصيصه بعبادة معينة واتخاذه موسماً لا أصل له في الإسلام، بل هو تشبه بأهل الجاهلية، حيث كانوا يعظمون شهر رجب دون غيره من الشهور. بالإضافة إلى ما ينظم إلى ذلك من البدع المحرمة والمفاسد الظاهرة في أثناء هذا الاحتفال وأداء تلك الصلاة، فالعجب كل العجب ممن يتعبد الله بغير ما شرع بمثل تلك البدع والمحدثات مخالفاً لسنة النبي ﷺ وسلف هذه الأمة. والله المستعان.

стр. 302

المبحث الرابع: الاحتفال بالإسراء والمعراج المطلب الأول: تاريخ الإسراء والمعراج: ... من المواسم التي اعتاد بعض الناس أن يحتفلوا بها يوم السابع والعشرين من رجب وليلته، وذلك احتفاء بإسرائه ومعراجه ﷺ ، جاعلين ذلك موسماً لإقامة حفلات الذكر والدعاء في كل عام مع صنع الأطعمة المختلفة لهذه المناسبة. المطلب الأول: تاريخ الإسراء والمعراج: على الرغم من ثبوت حادثة الإسراء والمعراج وشهرة ذلك في الكتاب والسنة إلا أن تحديد وقت وقوعه بالسنة، أو الشهر أو اليوم مما اختلف فيه أهل العلم والسير؛ هل وقع قبل مبعثه ﷺ ، أم بعده؟ فقيل: قبل المبعث وهو شاذ ١. وذهب الأكثر إلى أنه بعد المبعث، ثم اختلفوا في وقته. فقيل: ١ - قبل الهجرة بسنة، وكان ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، وبه قال النووي ٢. قال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ويقال كان في رجب، وقيل كان في رمضان ٣. ٢ - قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، وكان في السابع عشر من رمضان ٤. ٣ - قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر ٥.

стр. 303

٤ - قبلها بستة أشهر. ٥ - قبلها بسنة وشهرين أي في المحرم. ٦ - قبلها بثمانية أشهر. ٧ - قبلها بسنة وخمس أشهر، فعلى هذا يكون في شوال أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول ١. ٨ - ومن الناس من يزعم أن الإسراء والمعراج كان أول جمعة من رجب ليلة الرغائب التي أحدث فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك ٢. وبناءً على ما تقدم من أقوال العلماء فليلة الإسراء والمعراج لم تكن معلومة ولا دليل لمن قال بتحديدها. قال ابن كثير والحديث الذي جاء فيه أن الإسراء والمعراج كان ليلة السابع والعشرين من رجب لا يصح ٣. وقال أبو شامة: " ذكر القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب ٤. وإلى ذلك يشير شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: " لم يقم دليل معلوم على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها، بل النقول منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به " ٥.

стр. 304

المطلب الثاني: صفة الاحتفال: يكون الاحتفال بالإسراء والمعراج بأحياء ليلة السابع والعشرين وصوم يومها، كما نص على ذلك الغزالي، وقال: إن يومها وليلتها من الليالي الفاضلة التي يستحب أحياؤها ١. ومستندهم في ذلك ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب اثنتي عشر ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربع مرات، ثم أصبح صائماً حط الله عنه ذنوبه ستين سنة. وهذا الأثر موضوع على ابن عباس كما ذكر ذلك ابن حجر وغيره ٢. ومن صور الاحتفال بها الاجتماع في المساجد وإيقاد المصابيح والشموع فيها على خلاف العادة واجتماع الناس في داخلها حلقات كل حلقة لها كبير

стр. 305

يقتدون به في الذكر، والدعاء وليته كان ذكر أو قراءة، وإنما هو لعب في دين الله ، وذلك انهم يجعلونها على هيئة نغمات وترجيعات تشبه الغناء، والرقص الذي اصطلحوا عليه في هذه المناسبة، فقارئ القرآن يزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات المتفق عليها فحلقه فيها قرآن وأخرى فيها شعر، وثالثه نغمات وترديدات ١. ومن مظاهر الاحتفال بهذه الليلة قراءة قصة الإسراء والمعراج المنسوبة إلى ابن عباس ﵄ والتي كلها أباطيل وأضاليل ولم يصح منها إلا أحرف قليلة، وغير ذلك من القصص المختلقة التي يدعون فيها إلى تفضيل هذه الليلة ٢. حتى وصل بالبعض تفضيلها على ليلة القدر ٣. كما أن من مظاهر الاحتفال بها أن ترسم صورة البراق على هيئة فرس له جناحان ووجهه وجه امرأة جميلة ٤. ولم يقتصروا على ذلك، بل ضموا إليه اجتماع الرجال والنساء في الجامع مختلطين في الليل، وخروج النساء من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي مما يؤدي إلى الفساد وغير ذلك من الأمور التي يهتك بها حرمة المسجد

стр. 306

ومشاقة الرسول ﷺ بدعوى أن ذلك من الدين ١ حتى أصبح ذلك ملجأ لمن سولت له نفسه من فعل الفاحشة، وغير ذلك مما يقدح في المروءة فضلاً عن الدين. والاحتفال بها يختلف من منطقة إلى أخرى ومن جماعة إلى جماعة، ولكن الجامع بين تلك الاحتفالات الاستعداد لتلك الليلة بزيادة الوقود، والإنارة للمساجد ولا سيما التي يقام فيها الاحتفال وقراءة قصة الإسراء والمعراج المنسوبة لابن عباس ﵄، أو أي قصة أخرى فيها ذكر الإسراء والمعراج. وقلّ أن يخلوا احتفال بهذه المناسبة من وجود نساء يحضرن ذلك الحفل. فهذه صفة وصورة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج.

стр. 307

المطلب الثالث: الأدلة على بدعيتها: لا شك أن الإسراء والمعراج من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة الدالة على صدق نبوته ﷺ وعظم منزلته عند ربه جل وعلا، كما أنها من الدلائل على قدرته وعلوه على خلقه. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وقد جاءت الأخبار الصحيحة وتواترت عنه ﷺ أنه عرج به إلى السماء ورأى من آيات ربه ما رأى ٢ وهي من أكبر معجزاته ﷺ . ولكن ذلك لا يبرر الاحتفال بالإسراء والمعراج، فقد مكث ﷺ بعد هذه المعجزة ولم يثبت أنه احتفل بها، أو أمر بذلك، ولم يفعلها أحد من صحابته ولا تابعيهم من السلف الصالح الذين هم أحرص الناس على اتباع سنته ﷺ . فضلاً على أنه لم يثبت في تخصيص شهر رجب بعبادة خاصة، كما تقدم بيانه. فالاحتفال بهذه الليلة وجعلها موسماً يقام كل عام بدعة محدثة تضاهي المواسم الشرعية. وذلك أن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية من البدع المحدثة التي نهى عنها الرسول ﷺ بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة" ٣.

стр. 308

وغير ذلك من الأحاديث الواردة في النهي عن البدع والمحدثات في الدين. فتخصيص يوم السابع والعشرين وليلته بعبادة أو احتفال لا دليل عليه، ولا أفضلية لتلك الليلة على سائرها من الليالي حتى تختص بها. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيميه كما نقل عنه تلميذه ابن القيم: " ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها، لاسيما ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها؛ ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء من أعظم فضائله ﷺ ، ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان، ولا ذلك المكان بعباده شرعية " ١. وقال الزرقاني ٢: وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف؛ ولذلك لم يعينها ﷺ لأصحابه ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح ولا يصح إلى الآن ولا إلى أن تقوم الساعة فيها شيء، ومن قال فيها شيئاً فإنما قال من كيسه لمرجع ظهر له استأنس به؛ ولهذا تصادمت الأقوال فيها وتباينت ولم يثبت، الأمر فيها على شيء، ولو تعلق بها نفع للأمة ولو ذره لبينه لهم نبيه ﷺ ٣. وبهذا يتبين أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء فضلاً على ما يقع في هذا الاحتفال من الاختلاط والمفاسد ما قد علم.

стр. 309

المبحث الخامس: الاحتفال بليلة النصف من شعبان المطلب الأول: أقوال العلماء في ذلك: ... المطلب الأول: أقوال العلماء في ذلك: اختلف العلماء في أحياء ليلة النصف من شعبان إلى قولين: ١ - أنه بدعة وهو قول أكثر علماء الحجاز ومنهم عطاء١، وابن أبي مليكة ٢ ونقل عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم. ٢ - روي عن بعض التابعين ٣ أنهم كانوا يعظمونها ويجتهدون فيها بالعبادة ووافقهم طائفة من عباد أهل البصرة ٤. واستدلوا على ذلك بالأحاديث الواردة في فضلها ومنها: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع فقال ﷺ : "كنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله. قالت: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال:

стр. 310

إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" ١. ٢. ٢ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" ٣. ٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر فأغفر له ألا من مسترزق فأرزقه، ألا من مبتلى فأعافيه ألا كذا حتى يطلع الفجر" ٤.

стр. 311

٤ - ما روي عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ١. " أن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء والأموات ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد منهم " ٢؛ ولذلك تسمى بالليلة المباركة وليلة الرحمة وليلة البراءة والمغفرة ٣ كما تسمى بليلة عيد الملائكة ٤ وعيد قسام الأرزاق ٥. ٥ - ويرى البعض أن من أسباب تعظيم هذه الليلة أنه تم فيها تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة ٦. ولقد اختلف من قال بفضلها على كيفية إحيائها إلى قولين: القول الأول: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد وبه قال: خالد بن معدان ٧ ولقمان بن عامر ٨ وغيرهما، وكانوا يلبسون فيها أحسن ثيابهم

стр. 312

ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم على ذلك إسحاق بن راهويه ١. القول الثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه وهو قول الأوزاعي ٢ واختيار الحافظ ابن رجب ٣ وبه قال السيوطي ٤. والراجح: والله أعلم القول ببدعية الاحتفال بليلة النصف من شعبان مطلقاً، وذلك لما يلي: ١ - أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه أحياها ولا أحد من صحابته ﵃ وإنما حدث ذلك بعدهم. والأحاديث الواردة في ذلك أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها فضلاً عن أن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة فيها موضوعة كما سيأتي بيانه. روى ابن وضاح عن زيد أسلم قال: " لم أدرك أحداً من مشايخنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان ولم ندرك أحداً منهم يذكر حديث مكحول ولا يرى لها فضلاً على ما سواها من الليالي " ٥.

стр. 313

وقال ابن العربي: ١. " ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماعه ٢. وقال أيضاً: " ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليه " ٣. وقال أبو شامة: وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية ٤ في كتاب ما جاء في شهر شعبان " قال أهل التعديل والتجريح ليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح ٥. ٢ - أن الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان والذي جاء فيها أن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان.. " ليس فيها دليل على تخصيص هذه الليلة دون الليالي الأخرى؛ لأنه ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " ٦.

стр. 314

٣ - أما من يعتقد أنها الليلة المباركة التي قال الله عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ١. فقد أخطأ وخالف الصواب،، فالليلة المباركة هذه هي ليلة القدر. يقول ابن كثير عند تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى: مخبراً عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٢. وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٣. ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة ٤ فإن نص القرآن أنها في رمضان ٥. وقال ابن العربي بعد بيان أنها ليلة القدر وأنها في رمضان، فمن زعم أنها في غيره فقد أعظم الفرية على الله ٦. وبهذا قال جمهور العلماء وهو الراجح فعليه يبطل قول من زعم أنها ليلة النصف من شعبان لمخالفة النص الصريح للقرآن الكريم ٧.

стр. 315

٤ - أما القول بأنه يستحب أحياؤها؛ لأن القبلة تحولت فيها إلى الكعبة المشرفة، فهذا لا يصح أن يكون دليلاً وذلك أن هذه رواية من تسع روايات أخرى ولم يجزم بأن التحويل كان في هذه الليلة ١. ولو سلمنا جدلاً وقلنا أن التحويل حصل في تلك الليلة فلم تكن من سنة النبي ﷺ اتخاذ أيام الحوادث أعياداً وذلك أن التخصيص بالعبادة موكل إلى الشرع ولم يرد في الشرع شيء من ذلك. ٥ - أن الحافظ ابن رجب وهو الذي نقل تفضيل بعض التابعين لهذه الليلة وإحياءهم لها في المساجد ذكر أن مستندهم هم في ذلك ما بلغهم من آثار إسرائيلية ٢ ومتى كانت الآثار الإسرائيلية مستنداً ٣ وعمل التابعي أيضاً ليس بحجة ٤. ٦ - أما من قال أنه لا يكره صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه فلا دليل على ذلك التخصيص؛ لأن ذلك موكل إلى الشرع ولا دليل شرعي يصح عليه، وفي ذلك يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وأما ما اختاره الأوزاعي ﵀ من استحباب قيامها للأفراد واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالدليل الشرعي كونه مشروعاً لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين

стр. 316

الله سواءً فعله فرداً، أو في جماعة وسواءً أسره أو أعلنه لعموم قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها ١. وبهذا يتبين رجحان القول ببدعية ذلك الاحتفال لاسيما وأنه قد اقترن بالاحتفال بها بدع أخرى، كإحداث صلوات وأدعية خاصة بهذه الليلة وإليك بيانها، كما في المطلب التالي.

стр. 317

المطلب الثاني: الصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان: - أولاً: متى أحدثت؟: أول من أحدث بدعة هذه الصلاة رجل من أهل نابلس قدم إلى بيت المقدس سنة (٤٤٨هـ) ثمان وأربعين وأربعمائة وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل ثم أنضاف إليهما ثالث ورابع فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة. ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس، ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة ١. وقال ابن القيم وهذه الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربع مائة، ونشأت ببيت المقدس ٢. - ثانياً: صفتها: أن يصلي مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات، وإن شاء صلى عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة مائة مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣.

стр. 318

- ثالثاً: الأدلة على بدعيتها: لا شك في بدعيتها وذلك أن الأحاديث الواردة فيها لا تصح. وقد روى ابن الجوزي في الموضوعات صفة هذه الصلاة والأجر المترتب على أدائها من المغفرة والعتق وغير ذلك من عدة طرق، ثم قال: هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيه ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعاً ١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلامه عن بدعية الاحتفال لهذه الصلاة، فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل الحديث ٢. وقال ابن القيم: والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها ٣. وبهذا يتبين بدعية هذه الصلاة وهو ما اتفق عليه جمهور العلماء ٤. كما اخترعوا لهذه الليلة دعاءاً مخصوصاً لم يرد من طريق صحيح ولا غيره، وإنما هو من جمع بعض المشايخ ٥.

стр. 319

والذي يطلب فيه إبدال الشقاوة التي كتبت على الشخص سعادة، والحرمان عطاء والإفقار غنى. وهو " الله يا ذا المنّ ولا يمنّ عليه يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين.. الخ. ويكون ذلك بعد صلاة المغرب من تلك الليلة عقب قراءة سورة يس " ثلاثة مرات الأولى بنية طول العمر، والثانية بنية دفع البلاء، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس" ١. كما يكون أحياء هذه الليلة بذكر الآيات الست من أول سورة الدخان وتفسيرها تبياناً لفضلها ٢. معتقدين أن هذا العمل من الشعائر الدينية وأنه من مزايا هذه الليلة وخصائصها حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات، والسنن فتراهم يسارعون إلى المسجد قبل الغروب في هذه الليلة، ومنهم تاركو الصلاة، معتقدين انه يجبر كل تقصير سابق عليه، وأنه يطيل العمر لذلك يتشأمون من فواته ٣. مما نتج عن ذلك كثير من الفتن والمنكرات بسبب الاختلاط في تلك الاجتماعات. وبهذا يتبين لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة، أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام وإعداد الطعام وإظهار الزينة وغير ذلك بدعة منكرة محدثة في الإسلام.

стр. 320

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فأما صوم يوم النصف مفرداً فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزنية هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها ١. وذلك لأنه لا يجوز تخصيص، شيء من العبادة إلا بدليل صحيح من الشرع يدل على التخصيص، ولا دليل على تخصيص هذه الليلة بعبادة، فدل على بطلان ذلك الفعل. والله أعلم.
следующие страницы →