الله سواءً فعله فرداً، أو في جماعة وسواءً أسره أو أعلنه لعموم قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها ١.
وبهذا يتبين رجحان القول ببدعية ذلك الاحتفال لاسيما وأنه قد اقترن بالاحتفال بها بدع أخرى، كإحداث صلوات وأدعية خاصة بهذه الليلة وإليك بيانها، كما في المطلب التالي.
стр. 317
المطلب الثاني: الصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان:
- أولاً: متى أحدثت؟:
أول من أحدث بدعة هذه الصلاة رجل من أهل نابلس قدم إلى بيت المقدس سنة (٤٤٨هـ) ثمان وأربعين وأربعمائة وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل ثم أنضاف إليهما ثالث ورابع فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة.
ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس، ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة ١.
وقال ابن القيم وهذه الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربع مائة، ونشأت ببيت المقدس ٢.
- ثانياً: صفتها:
أن يصلي مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات، وإن شاء صلى عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة مائة مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣.
стр. 318
- ثالثاً: الأدلة على بدعيتها:
لا شك في بدعيتها وذلك أن الأحاديث الواردة فيها لا تصح. وقد روى ابن الجوزي في الموضوعات صفة هذه الصلاة والأجر المترتب على أدائها من المغفرة والعتق وغير ذلك من عدة طرق، ثم قال: هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيه ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعاً ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلامه عن بدعية الاحتفال لهذه الصلاة، فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل الحديث ٢.
وقال ابن القيم: والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها ٣.
وبهذا يتبين بدعية هذه الصلاة وهو ما اتفق عليه جمهور العلماء ٤. كما اخترعوا لهذه الليلة دعاءاً مخصوصاً لم يرد من طريق صحيح ولا غيره، وإنما هو من جمع بعض المشايخ ٥.
стр. 319
والذي يطلب فيه إبدال الشقاوة التي كتبت على الشخص سعادة، والحرمان عطاء والإفقار غنى.
وهو " الله يا ذا المنّ ولا يمنّ عليه يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول والإنعام لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين.. الخ. ويكون ذلك بعد صلاة المغرب من تلك الليلة عقب قراءة سورة يس " ثلاثة مرات الأولى بنية طول العمر، والثانية بنية دفع البلاء، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس" ١.
كما يكون أحياء هذه الليلة بذكر الآيات الست من أول سورة الدخان وتفسيرها تبياناً لفضلها ٢.
معتقدين أن هذا العمل من الشعائر الدينية وأنه من مزايا هذه الليلة وخصائصها حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات، والسنن فتراهم يسارعون إلى المسجد قبل الغروب في هذه الليلة، ومنهم تاركو الصلاة، معتقدين انه يجبر كل تقصير سابق عليه، وأنه يطيل العمر لذلك يتشأمون من فواته ٣. مما نتج عن ذلك كثير من الفتن والمنكرات بسبب الاختلاط في تلك الاجتماعات.
وبهذا يتبين لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة، أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام وإعداد الطعام وإظهار الزينة وغير ذلك بدعة منكرة محدثة في الإسلام.
стр. 320
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فأما صوم يوم النصف مفرداً فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزنية هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها ١.
وذلك لأنه لا يجوز تخصيص، شيء من العبادة إلا بدليل صحيح من الشرع يدل على التخصيص، ولا دليل على تخصيص هذه الليلة بعبادة، فدل على بطلان ذلك الفعل. والله أعلم.
стр. 321
المبحث السادس: الاحتفال بليلة القدر
المطلب الأول: فة الاحتفال بها:
...
المبحث السادس الاحتفال بليلة القدر
ويكون في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك من كل عام ١.
المطلب الأول صفة الاحتفال بها:
وذلك بتخصيصها بصلاة تعرف بصلاة القدر وهي أن يصلي بعد التراويح ركعتين في الجماعة، وفي آخر الليل يصلي تمام مائة ركعة ٢.
ويكثر إيقاد المصابيح والأنوار وتعليقها على المساجد والمنارات إشعاراً بتلك المناسبة، وبيان فضلها، كما تشارك وسائل الأعلام في كثير من البلاد الإسلامية في نقل ذلك الاحتفال والتحدث عنه.
كما يحضر هذا الاحتفال في بعض البلدان الإسلامية رئيس الدولة، أو من ينوب عنه ٣.
ومن مظاهر الاحتفال بها إلقاء خطبة عقب صلاة التراويح يبين فيها فضل ليلة القدر وجزاء من عمل فيها.
стр. 322
يقول الشيخ محمود شلتوت في وصف الاحتفال بتلك الليلة: تواضع المسلمون بعد عصورهم الأولى أن يحتفلوا في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان بليلة القدر، ويظن كثير من الناس أن هذا الاحتفال التقليدي الذي يقيمونه في السابع والعشرين من رمضان، والذي قوامه كلمة تلقى على الحاضرين، وحلوى توزع عليهم، يظنون أنه يحقق قيامها الذي رغّب فيه رسول الله ﷺ ١.
قلت: ومن العجيب أن بعض من يحتفلون بهذه الليلة يعلنون فرحهم بشكل مزر، حيث يحضرون فرقة صوفية لترقص في المسجد وقد لبس فيها الشبان المرد بعض الملابس النسائية ووضعوا على رؤوسهم الطواقي الاسطوانية الطويلة المضحكة فيرقصون بشكل دوري احتفالاً بهذه المناسبة ٢.
إلى هذا الحد وصل الاستهزاء بدين الله ، حتى أصبح مناسبة للهو واللعب، ومع هذا يعدون ذلك من المواسم الشرعية، وأن هذا من دين الله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ ٣.
فهذه صورة من مظاهر الاحتفال بليلة القدر كما يزعمون في بعض البلاد الإسلامية.
стр. 323
المطلب الثاني: الأدلة على بدعيته:
لا شك في أفضلية ليلة القدر وشرفها فهي ليلة جليلة عظيمة قال تعال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ١.
وقال ﷺ : "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" ٢.
وهي تقع في شهر فاضل كريم قد حث الله على قيامه والعمل فيه، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" ٣.
وقد حث ﷺ على التماسها في العشر الأواخر من رمضان كما صحت الأحاديث في ذلك.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "أريت ليلة القدر، ثم أيقظني أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر" ٤.
стр. 324
وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ "إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر" ١.
كما حث على تحريها في أوتار تلك العشر. فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر في رمضان" ٢.
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى٣.
فالله أبهم هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعاً في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس واسمه الأعظم في الأسماء ورضاه بالطاعات ليرغبوا في جمعيها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذراً من قيامها ٤.
وهذا يفيد أن إحياء هذه الليلة بخصوصها وجعلها موسماً كل عام وتخصيصها بصلاة معينة تسمى باسمها كل هذا ليس من الدين.
стр. 325
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن حكم تلك الصلاة التي تسمى بصلاة القدر وهل الصواب مع من يفعلها أو مع من يتركها وهل هي مستحبة، أو مكروهة؟ فأجاب.
الحمد لله، بل المصيب هذا الممتنع من فعلها، والذي تركها فإن هذه الصلاة لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، بل هي بدعة مكروهة باتفاق الأئمة، ولا فعل هذا الصلاة لا رسول ﷺ ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا يستحبها أحد من أئمة المسلمين والذي ينبغي أن تترك وينهى عنها ١.
بالإضافة إلى أحيائها بغيرها ما رغب الشارع فيه من كثرة إيقاد المصابيح وغيرها وما يحدث في مثل هذه الاجتماعات من الاختلاط المؤدي إلى المفسدة ٢.
وفي ذلك يقول محمد عبده: فهي ليلة عبادة وخشوع وتذكر لنعمة الحق والدين فلا تكون ليلة زهو ولهو تتخذ فيها مساجد الله مضامير للرياء يتسابق إليها المنافقون ويحدث أنفسهم بالبعد عنها المخلصون، كما جرى عليه عمل المسلمين في هذه الأيام فإن كل ما حفظوه من ليلة القدر هو أن يكون لهم فيها ساعة سمر يتحدثون فيها بما لا ينظر الله إليه ويسمعون شيئاً من كتاب الله لا ينظرون فيه ولا يعتبرون بمعانية، بل إن أصغوا إليه فإنما يصغون لنغمة تالية
стр. 326
ثم يسمعون من الأقوال ما لم يصح خبره ولا يحمد في الآخرين، ولا الأولين أثره، لهم خيالات في ليلة القدر لا تليق بعقول الأطفال فضلاً على الراشدين من الرجال ١.
فهل الذين يحتفلون بهذه الليلة على هذا النحو قد عظموها كما جاء عنه ﷺ هل أدوا العبادة التي طلبها الله من قيام وخشوع والتجاء وتضرع وطلب للمغفرة والنجاة من النار واتباع ما شرع الله والابتعاد عما نهى عنه وزجر.
بل إن كثيراً ممن يحتفلون بتلك الليلة لا يقيمون لشعائر الدين أي منزلة، وإنما ظنوا أن التعظيم وإحياء مثل هذه المواسم يكون بإنارة المساجد وكثرة الاجتماعات والخطب وأنه يوم فرح ولهو وإظهار زينة متناسين قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢. نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 327
المبحث السابع: الاحتفال بعيد الأبرار
ويكون في اليوم الثامن من شهر شوال وذلك بعد الانتهاء من عيد الفطر المبارك، يبدأ في صيام الستة الأيام الأول من شهر شوال واليوم الثامن يجعلونه عيداً ويسمونه بعيد الأبرار.
والاحتفال بهذا العيد يكون غالباً في أحد المساجد فيختلطون رجالاً ونساءً ويتصافحون ويتلفظون عند المصافحة بألفاظ جاهلية، ثم يذهبون بعد ذلك إلى تناول ما أعدوه من الأطعمة بهذه المناسبة ١.
ويتفاوت المحتفلون في الاستعداد لهذه المناسبة.
ولا شك أن هذا العيد من البدع المنكرة والمواسم المحدثة التي ابتدعها الجهلة وخالفوا بها السنة المطهرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد.. أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها ٢.
стр. 328
وقال أيضاً: وأما ثامن شوال فليس عيداً لا للأبرار ولا للفجار، ولا يجوز لأحد أن يعتقده عيداً ولا يحدث فيه شيئاً من شعائر الأعياد ١.
فإن المسلمين متفقون على أنه ليس بعيد، وكره بعضهم صوم الست من شوال عقب العيد مباشرة؛ لئلا يكون فطره يوم الثامن كأنه العيد، فينشأ عن ذلك أن يعده عوام الناس عيداً آخر ٢. وبهذا يتبين بطلان اتخاذ هذا اليوم عيداً.
стр. 329
المبحث الثامن: الاحتفال بالهجرة
المطلب الأول: صفة الاحتفال به
...
المبحث الثامن: الاحتفال بالهجرة
وهو في آخر يوم من السنة الماضية وأول يوم في السنة الجديدة.
المطلب الأول: صفة الاحتفال به:
ويكون بإقامة الخطب والمحاضرات وعقد الندوات والتحدث عن هجرته ﷺ ، وما لاقاه من قريش في أثناء الهجرة، واتخاذه يوم إجازة في بعض البلدان الإسلامية، كما ترسل التهاني والتبريكات بهذه المناسبة.
ولم يقتصر الاحتفال به على هذا الحد، بل اخترع المبتدعة لتعظيمه دعاءاً يعرف بدعاء ليلتي أول العام وآخره١ ورتبوا على ذلك عظيم الأجر والحفظ من الشيطان.
فمما جاء في دعاء أول السنة قولهم: " اللهم أنت الأبدي القديم الأول وعلى فضلك القديم وجودك المعول، وهذا عام جديد فد أقبل نسألك العصمة من الشيطان وأوليائه، والعون على هذه النفس الإمارة بالسوء، والاشتغال بما يقربني إليك زلفى يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين ". يقول ذلك "ثلاثاً"
стр. 330
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. ويزعمون " أن من دعا بهذا الدعاء أول يوم من المحرم فإن الشيطان يقول: استأمن على نفسه فيما بقي من عمره؛ لأن الله يوكل به ملكين يحرسانه من الشيطان ١.
أما دعاء آخر السنة فهو: اللهم ما عملت في هذه السنة مما نهيتني عنه فلم أتب ولم ترضه ولم تنسه وحلمت عليّ بعد قدرتك على عقوبتي ودعوتني إلى التوبة منه بعد جرأتي على معصيتك فإني استغفرك فأغفر لي.. الخ.
ويقولون بزعمهم أن من قرأ هذا الدعاء ثلاث مرات فإن الشيطان يقول تعبنا معه طول السنة فأفسد علينا تعبنا في ساعة واحدة ٢.
كما استندوا في تعظيم هذين اليومين إلى حديث موضوع لا يصح عن رسول الله ﷺ وهو " من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم فقد ختم السنة الماضية، وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعله الله كفارة خمسين سنة " ٣.
стр. 331
المطلب الثاني: الأدلة على بدعيته:
لا شك في أن هذا الاحتفال أمر محدث مبتدع لم يؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ولا سلف الأمة، ولم يكن من السُّنَّة اتخاذ أيام الحوادث أعياداً وأفراحاً.
وإنما كان أول من احتفل به ـ فيما اطلعت عليه ـ ناصرو البدعة من ملوك الدولة الفاطمية، حيث كان أحد أعيادهم كما تقدم ١ اتخذوه محاكاة لليهود والنصارى في اتخاذ رأس السنة عيداً لهم. فمن ذلك الوقت حتى يومنا هذا نجد أن كثيراً من المسلمين اهتموا بهذا المناسبة وأولوها عناية فائقة وأضفوا عليها طابع القدسية والجلال حتى أصبحت كأنها شرعية.
ومما يدل على بطلانه ما اخترعوا له من الأدعية المكذوبة التي رتبوا عليها الفضل العظيم مما جعل بعض الجهلة يترك الفرائض طوال السنة حتى إذا جاء هذا اليوم دعا بذلك الدعاء، فكان تكفيراً لجميع الخطايا التي ارتكبها في السنة، وهذا بين البطلان، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 332
الميحث التاسع: الاحتفال بعيد الغدير
المطلب الأول: متى احتفل به
...
المبحث التاسع: الاحتفال بعيد الغدير ١
ويكون الاحتفال في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو أحد أعياد الرافضة التي تحتفل بها ويزعمون أن فيه حدثت الوصية بالولاية لعلي ﵁.
المطلب الأول: متى احتفل به:
أول من احتفل بعيد الغدير هو: معز الدولة بن بويه في سنة ٣٥٢هـ ببغداد.
قال الذهبي ٢: في حوادث سنة ٣٥٢هـ في ثامن عشر ذي الحجة عملت الرافضة عيد الغدير ـ خم - ودقت الكُوسات ٣ وصلوا بالصحراء صلاة العيد ٤.
وقال المقريزي: اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بويه، فإنه أحدثه في سنة (٣٥٢هـ) ، فاتخذه الشيعة من حينئذٍ عيداً٥.
قلت: ولا يزال الرافضة يحتفلون بهذا العيد إلى يومنا هذا.
стр. 333
المطلب الثاني: منزلته عند الرافضة والأدلة على ذلك:
يعتبر عيد الغدير أعظم الأعياد عند الرافضة، بل هو عيد الله الأكبر ١ ولا يكاد يخلو مؤلف من مؤلفاتهم إلا وللغدير فيه ذكر لاعتقاد هم وزعمهم أن الإمامة حصلت فيه، بل وقد أفرد بأكثر من مؤلف ٢. ومن هنا جاء تعظيمه والاحتفال به.
وملخص واقعة الغدير كما ترويها كتب الشيعة أن النبي ﷺ عزم على الحج في سنة عشرة من الهجرة، وأعلن ذلك على الناس فتوافدوا إليه زرافات ووحدانا، وقاد النبي ﷺ قافلة الحجيج إلى مكة آمين البيت الحرام مصطحباً معه نساءه وسائر أهل بيته، ثم بعد أن قضى مناسكه قفل آيباً إلى المدينة وسار حتى وصل غدير خم من الجحفة، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، ويومها نزل عليه جبريل من الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٣.
وأمره أن ينصب علياً إماماً يبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد فحشر الناس في ذلك الموضع، وأوقف سيرهم ورد مقدمتهم
стр. 334
على مؤخرتهم، ثم وقف عليهم خطيباً إلى أن قال: " أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله اعلم. قال: إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلى مولاه، يقولها ثلاث مرات. ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب، ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ١. فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضي الرب برسالتي وولاية علي من بعدي ٢. فيزعمون أن ذلك دليل على الاحتفال بهذا العيد.
ـ ومن الأحاديث التي أوردوها في تفضيله:
١ ـ ما نسبوه إلى النبي ﷺ "يوم الغدير أفضل أعياد أمتي وهو اليوم الذي أولى الله تعالى ذكره بنصب أخي علي بن أبي طالب علماً لأمتي يهتدون به من بعدي وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة ورضي لهم الإسلام ديناً" ٣.
стр. 335
٢ ـ عن فرات بن أحنف قال: قلت للإمام الصادق ﵇ جعلت فداك للمسلمين عيد أفضل من عيد الفطر والأضحى ويوم الجمعة ويوم عرفة؟ قال ﵇: نعم أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم الذي أكمل فيه الدين وأنزل على نبيه محمد ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ قلت وأي يوم قال: إن بني إسرائيل كانوا إذا أراد أحدهم أن يعقد الوصية والإمامة من؟ بعده ففعل ذلك جعلوا ذلك اليوم عيداً، وأنه اليوم الذي نصب رسول الله ﷺ علياً للناس علماً وأنزل فيه ما أكمل الدين وتمت النعمة ١.
قلت: وهذا الرواية تبين الصلة الوثيقة بين الرافضة واليهود وذلك تبعاً لمؤسس مذهب الرافضة عبد الله بن سبأ اليهودي، وإن عقيدة الوصية والإمامة مأخوذة من اليهود ـ فاتخاذ هذا اليوم عيداً على زعمهم محاكاة لليهود في كيفية اتخاذ أعيادهم.
٣ ـ عن عبد الرحمن بن سالم عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله ﵇ هل للمسلمين عيد غير الجمعة والأضحى والفطر قال: نعم أعظمها حرمة. قلت: وأي عيد جعلت فداك. قال: اليوم الذي نصب فيه رسول الله ﷺ أمير المؤمنين ﵇. وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. قلت: وأي يوم؟ قال: وما تصنع باليوم؟ إن السنة
стр. 336
تدور، ولكن يوم ثمانية عشر من ذي الحجة، فقلت: وما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم؟ قال: تذكرون الله عز ذكره فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمد وآل محمد فإن رسول الله ﷺ أوصى أمير المؤمنين ﵇ أن يتخذ ذلك اليوم عيداً، وكذلك الأنبياء ﵈ تفعل كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتخذونه عيداً ١.
وبهذه النصوص تتبين منزلة هذا العيد عند الرافضة وأنه أهم من عيد الفطر والأضحى وأعظم منهما وفي ذلك يقول محمد إبراهيم الموحد عند شرحه لبعض الأحاديث الواردة في ذلك، أن النبي ﷺ يعتبر يوم الغدير عيداً إسلامياً خالداً في عداد الأعياد الإسلامية، كما يعتبره أفضل من الأعياد الإسلامية الأخرى على الإطلاق ٢.
стр. 337
المطلب الثالث: مظاهر الاحتفال به:
يكون الاحتفال بهذا العيد بالصلاة والدعاء والتزوار فيما بينهم وإظهار الفرح والسرور بهذه المناسبة، كما يعمدون إلى زيارة النجف الأشرف وإلى القبور والمشاهد التي جعلوها مرقداً لآل البيت في زعمهم ليمارسوا هناك طقوساً معينة من طواف وتبرك حولها وغير ذلك من أنواع الشرك.
وفي ذلك يقول الأميني ١: للإمامية مجتمع باهر يوم الغدير عند المرقد العلوي الأقدس يضم إليه رجالات القبائل، ووجوه البلاد من الدانين والقاصين إشادة إلى هذا الذكر الكريم ٢.
وإليك وصف الاحتفال بهذا العيد في هذا العصر كما يرويه محمد إبراهيم الموحد حيث يقول: ترى المسلمين الشيعة في جميع البلاد منذ زمن الأئمة الأطهار إلى زماننا هذا يتخذون الغدير عيداً لهم في كل عام.. وتتوافد جماهير الشيعة في هذا العيد السعيد من كل سنة إلى النجف الأشرف، حيث مرقد الإمام العظيم أمير المؤمنين ﵇، ولا يقل المجتمعون عند قبره المقدس لزيارته عن نصف مليون، يأتون من كل فج عميق، ليؤكدوا لأنفسهم شرف الحضور عند مقامة المبارك، ولا ينفضون ولا ينصرفون حتى يحدقوا بالضريح
стр. 338
المقدس، ويزوروا إمامهم ويسلموا عليه ويهنئوه كما لو كان حاضراً أمامهم، ويلقوا في زيارته خطاباً مأثوراً عن بعض الأئمة الطاهرين، يشتمل على الشهادة لأمير المؤمنين بسبقه إلى الإسلام ومواقفه المشرفة الكريمة، وسوابقه العظيمة وجهاده الأكبر وعنائه في تأسيس قواعد الدين ١ فهذا هو دأب الرافضة في الاحتفال بهذا العيد.
стр. 339
المطلب الرابع: الأد على بدعته
...
المطلب الرابع: الأدلة على بدعيته:
قبل بيان بطلان هذا العيد لابد من الوقوف على الأصل في حادثة الغدير التي بنى الرافضة عليها ذلك الاحتفال.
فالأصل في غدير خم ما جاء عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعي خماً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: " أما بعد: ألا أيها الناس فإنما بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " الحديث ١.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح ٢ لرسول ﷺ تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيده علي ﵁ فقال: " ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: بلى. قال ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي
стр. 340
مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة " ١.
فهذا هو الأصل في غدير خم وما حصل فيه، ولكن الرافضة زادوا فيه وبدلوا لتحقيق مطلبهم وغايتهم التي يزعمون وأكثروا الروايات المكذوبة في ذلك خلفاً عن سلف، وفي ذلك يقول الألوسي ٢: " فهو من عمدة أدلتهم على خلافة الأمير كرم الله وجهه، وقد زادوا فيه إتماماً لغرضهم زيادات منكرة وصنعوا في خلالها كلمات مزورة " ٣.
وبهذا يعلم أن جعل اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عيداً وموسماً من المواسم التي يحتفل بها، ويفرح بقدومها، بدعة باطلة، وعيد محدث، لا أصل له في دين الله، إنما هو من وضع الرافضة للاستدلال به على إثبات الوصية والإمامة لعلي ﵁ والأئمة من بعده، كما في زعمهم. ولا يستغرب من الرافضة أن يأتوا بمثل هذا العيد فالكذب سجية لهم ودين يعتقدونه.
стр. 341
ولقد بين سلفنا الصالح بطلان ذلك العيد وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عند ذكره للنوع الثاني من أنواع الأعياد الزمانية وهو ما جرى فيه حادثة كما يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً كثامن عشر من ذي الحجة الذي خطب رسول الله فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه ووصى فيه باتباع كتابه ووصى فيه بأهل بيته فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجلي بعد أن فرش له وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار انه لم يكن في ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالوا على كتمان النص وغصبوا الوصي حقه وفسقوا وكفروا إلا نفراً قليلاً.
والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع.
وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة ١ وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم عيداً محدثاً لا أصل له، فلم يكن من السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم،
стр. 342
من اتخذ ذلك اليوم عيداً، حتى يحدث فيه أعمالاً، إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع، وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين وغيرها، وخطب متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعياداً أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرع الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه ١.
قلت: ويتضح ذلك جلياً من الروايات المتقدمة التي أوردها الرافضة في أفضلية هذا العيد وهو أن بني إسرائيل إذا عقدوا الوصية والإمامة لأحدهم اتخذوا ذلك اليوم عيداً، وهو ما فعلته الرافضة في هذا العيد " ومن تشبه بقوم فهو منهم" ٢.
وبهذا يتبين بطلان ذلك العيد، وما اتخذته الرافضة إلا لبغض الصحابة، والنيل منهم، واتهامهم بالجور والظلم، فجعلوا ذلك اليوم محفلاً لهم لإظهار ما انطوت عليه نفوسهم من الخبث والخيانة والكيد للإسلام وأهله، وعدالة
стр. 343
الصحابة أشهر من أن تعرف، وقد أثنى الله عليهم في عدة آي من القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢.
وأثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٣.
فالطعن فيهم ﵃ أجمعين طعن في الدين وهدم له وفي ذلك يقول الإمام مالك ﵀: " إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقد حوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين " ٤.
стр. 344
وقال أحمد ﵀: " إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله بسوء فاتهمه على الإسلام " ١.
وقال أبو زرعة الرازي ٢: ﵀ إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول الله ﷺ حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة ٣.
ويقول ابن كثير: " وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابياً فهو من الهذيان بلا دليل إلا مجرد الرأي الفاسد عن ذهن بارد، وهو أقل من أن يرد، والبرهان على خلافه أظهر " ٤ وبهذا يتبين بطلان ذلك العيد وبطلان تلك الدعوى التي قام عليها والله أعلم.
стр. 345
المبحث العاشر: الاحتفال بمقتل عمر بن الخطاب ﵁
المطلب الأول: منزلته عند الراف١ضة وصورة الاحتفال به
...
المبحث العاشر: الاحتفال بمقتل عمر بن الخطاب ﵁
لم تقتصر الرافضة على ابتداع عيد الغدير فحسب، بل ابتدعوا أعياداً أخرى، تنبع من أساس معتقدهم وحقيقة مذهبهم، ومن أشهر تلك الأعياد يوم استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁.
وهو المعروف عندهم بعيد " بابا شجاع " ويعنون بهذا الاسم " أبا لؤلؤة المجوسي " لعنه الله، قاتل عمر ﵁، ويرونه من أفضل خلق الله وأنه نال المنزلة العالية بذلك الفعل.
ويكون الاحتفال بهذا العيد في اليوم التاسع من ربيع الأول، الذي يزعمون فيه قتل عمر ﵁.
المطلب الأول:منزلته عند الرافضة وصورة الاحتفال به:
يعد هذا الاحتفال من أعظم أعياد الرافضة فيسمونه بالعيد الأكبر ويوم المفاخرة، ويوم التبجيل، ويوم الزكاة العظمى، ويوم البركة والتسلية ١. ويزعمون أن النبي ﷺ أخبر بذلك وأنه يوم لآل البيت فيستحب فيه إطعام
стр. 346
الطعام، ومصافحة الإخوان، وإفراحهم، والتوسعة في النفقة على العيال، ولبس الجديد، والتزاور بين الناس بعضهم بعضاً وإظهار السرور والفرح. ومن فعل ذلك زيد في ماله وعمره وأعتق من النار وجعل سعيه مشكوراً وذنبه مغفوراً ١ ويزعمون أن الله يرفع فيه القلم ثلاثة أيام ليفعلوا ما يشاؤا
قال شاعرهم:
ونستعيد التهاني في الربيع لنا ... بما تقدم من حفلاتها الأدبا
فبعضهم حفلات الرقص يعقدها ... للحاضرين بها الأفراح فد نصباً
يقول هذا ربيع ما به غير ... حول الجد فيه في السما لعبا
وان فيه حبا المهدي شيعته ... كل الصغائر ما ذنب لهم كتبا ٢
يوضح ذلك ما قاله نعمة الله الجزائري ٣ صاحب كتاب الأنوار النعمانية تحت عنوان نور سماوي: يكشف عن ثواب يوم قتل عمر بن الخطاب، حيث ذكر فضيلة هذا اليوم.
ثم ساق رواية عن الإمام الحسن العسكري، قال حدثني أبي ﵇ أن حذيفة دخل في مثل هذا اليوم التاسع من شهر ربيع الأول على رسول الله. قال حذيفة: فرأيت أمير المؤمنين ﵇ مع ولده الحسن والحسين عليهما
стр. 347
السلام مع رسول ﷺ وآله يأكلون والرسول ﷺ يتبسم في وجوههما ويقول كلا هنيئاً مرئياً لكما ببركة هذا اليوم وسعادته فإنه اليوم الذي يقبض الله فيه عدوه وعدو جدكما ويستجيب دعاء أمكما، فانه اليوم الذي يكسر فيه شوكة مبغض جدكما وناصر عدوكما، كلا فإنه اليوم الذي يفقد فيه فرعون أهل بيتي وهامانهم وظالمهم وغاصب حقهما، كلا فانه اليوم الذي يفرح الله فيه قلبكما وقلب أمكما.
قال حذيفة قلت: يا رسول الله في أمتك وأصحابك من يهتك هذا الحرم قال رسول الله ﷺ وعلى آله، جبت من المنافقين يظلم أهل بيتي ويستعمل في أمتي الرياء، ويدعوهم إلى نفسه، ويتطاول على الأمة من بعدي، ويستجلب أموال الله من غير حلها وينفقها في غير طاعة ويحمل على كتفه درة الخزي، ويضل الناس عن سبيل الله، ويحرف كتابه، ويغير سنتي، ويغصب إرث ولدي وينصب نفسه علَماً، ويكذبني ويكذب أخي ووزيري ووصيي وزوج ابنتي، ويتغلب على ابنتي، ويمنعها حقها وتدعو فيستجاب لها الدعاء في مثل هذا اليوم.
قال حذيفة: قلت يا رسول الله ادع الله ليهلكه في حياتك قال يا حذيفة لا أحب أن اجترئ على الله لما قد سبق في علمه لكني سألت الله أن يجعل لليوم الذي يقبضه فيه إليه فضيلة على سائر الأيام، ويكون ذلك سنة يستن بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبوهم.
فأوصى الله إليّ فقال يا محمد انه قد سبق في علمي أن يمسك وأهل بيتك محن الدنيا، وبلاؤها، وظلم المنافقين والمعاندين من عبادي، ممن نصحتهم
стр. 348
وخانوك.. يا محمد أنا أنتقم من الذي يجترئ علي، ويستترك كلامي ويشرك بي ويبعد الناس عن سبيلي وينصب نفسه عجلاً لأمتك، ويكفر بي إني قد أمرت سكان سبع سموات من شيعتكم ومحبيكم أن يتعيدوا في هذا اليوم الذي أقبضه إليّ فيه، وأمرتهم أن ينصبوا كراسي كرامتي بازاء بيت المعمور، ويثنوا على ويستغفروا لشيعتكم من ولد آدم، يا محمد وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق ثلاثة أيام من أجل ذلك اليوم ولا اكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامة لك ولوصيك.
يا محمد إني جعلت ذلك عيداً لك ولأهل بيتك وللمؤمنين من شيعتك وآليت على نفسي بعزتي وجلالي وعلوي في رفيع مكاني أن من وسع في ذلك اليوم على أهله وأقاربه لأزيدنّ في ماله وعمره، ولأعتقنه من النار ولأجعلنّ سعيه مشكوراً، وذنبه مغفوراً، وأعماله مقبولة.
ثم قام رسول الله ﷺ وآله فدخل بيت أم سلمة فرجعت عنه وأنا غير شاك في أمر الشيخ الثاني حتى رأيته بعد رسول الله ﷺ وآله وقد فتح الشر، وأعاد الكفر والارتداد عن الدين وحرف القرآن " ١.
فمن خلال هذه الرواية تتبين منزلة هذا العيد عند الرافضة كما تتضح عقيدتهم ورأيهم في الفاروق ﵁، وفي هذا الكفاية لمعرفة حقيقة المذهب الرافضي.
стр. 349
المطلب الثاني: الأدلة على بطلان هذا العيد:
لا يستغرب من الرافضة مثل هذا الفعل فقد كفروا الصحابة إلا النفر اليسير وزعموا أنهم منافقون قد ارتدوا عن الإسلام ١ ولا سيما خليفتي رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر ﵄ بل لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا لعنهما قربة وعبادة يتقربون بها في كل صباح ومساء ٢.
فهل يستغرب من قوم هذا حالهم وهذه عقيدتهم في أفضل خلق الله بعد نبيه ﷺ ومن اختارهم لصحبة نبيه أن يحتفلوا بمثل هذا الاحتفال. ولست في مجال بيان بطلان معتقد الرافضة في صحابة رسول الله ﷺ ، فعدالتهم أشهر من أن تعرف ولا ينكرها إلا جاحد زنديق ولقد بيّن سلفنا الصالح بطلان هذا المعتقد ٣ والذي تقدم جزء منه لذا سأقتصر على بيان أن هذا العيد باطل ومحدث ولا أصل له وذلك من وجوه.
١ ـ يتضح من خلال الرواية الواردة في هذا العيد اتهام النبي ﷺ بالتقية والجبن، حيث لم يستطع التصريح باسم من ظلم آل البيت، أو الذي أجرم في حقهم ذلك الذي يحتفل بهلاكه ولم يفهم ذلك إلا من راوي
стр. 350
هذه الرواية حذيفة بن اليمان وصاحب الأنوار أنه قال كل هذا في حق عمر بن الخطاب ﵁؛ والسبب في عدم ذكره ﷺ لذلك خوفه من عمر بن الخطاب، فقد يرتكب عمر عملاً ضده فلم يصرح باسمه مخافة ذلك.
وهذا يشير إلى أن الرسول ﷺ ابتداء من دور النبوة وحتى الوفاة قد اتخذ في حق عمر مذهب التقية وجعل هذا العمل سنة لأمته من بعده ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ ١.
٢ ـ قضية رفع القلم عمّن يحتفل بذلك ثلاثة أيام ابتداء من اليوم التاسع من ربيع الأول واعتباره يوم فرح وسرور ولك أن تفعل ما تشاء فيا ترى ما هو الدين الذي يسمح لاتباعه بارتكاب الفواحش من الزنا وسفك الدماء والسرقة والنهب وغير ذلك من الفواحش في فترة من الزمن؟ كل هذا ممكن في معتقد الرافضة بل خاصية لهم في هذه المناسبة.
إضافة إلى إعطاء الأجر والثواب والعتق من النار جزاء ذلك العمل، كل هذا بين البطلان فيالها من وقاحة وسخافة ٢.
٣ ـ أنه لم ينقل عن أحد من آل البيت أنه احتفل بذلك اليوم كما تزعمه الرافضة وليس من دين الله اتخاذ موت الأنبياء والخلفاء مأتماً ولا أفراحاً بل كان آل البيت يكنون المحبة لأبي بكر وعمر ويرون أنهما أفضل هذه
стр. 351
الأمة بعد نبيها، وكذلك سائر الصحابة رضوان الله عليهم ١ وما هذه الرواية التي أوردها الرافضة في ذلك إلا كذباً وبهتاناً وافتراء على آل البيت وهم جميعاً أبرياء من ذلك كله.
ومما يدل على بطلانه وكذب الرافضة في ذلك هو أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن استشهاده في التاسع من ربيع الأول كما تزعم الرافضة، بل كان في ذي الحجة من عام ٢٣ من الهجرة ٢.
وهذا يدل على كذب الرافضة وجهلهم وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: " أنهم أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات " ٣.
وبهذا يتبين بطلان ذلك العيد وأنه لا أصل له في دين الله وإنما ابتدعته الرافضة كيداً للإسلام وأهله وحقداً على الفاروق الذي قضى على مملكة المجوس وأعياد النيران.
ذلك الحقد الذي يتغلغل في أعماقهم، ويطفو على سطح ممارساتهم وعباداتهم بمناسبة أو غير مناسبة، وفيه يتجلى معتقد الرافضة والأساس الذي قام عليه، وإن الإسلام برئ من أولئك ومن فعل فعلهم.
стр. 352
الفصل الرابع: الأعياد المكانية المبتدعة
لقد فتن كثير من المسلمين فابتدعوا أعياداً مكانية، كما ابتدعوا أعياداً زمانية وضاهوا بها الأعياد الشرعية الكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر، وأصبحوا يعظمونها ويشدون الرحال إليها، ويذبحون عندها، ويوفون بالنذور لها، بل وصل بالبعض أن يطوف عليها أو يفعل عندها ما يفعل عند البيت الحرام، فسلكوا بذلك مسلك المشركين الذين عظموا الأوثان والأنصاب، حيث خصصوا لذلك وقتاً معلوماً يقصدون تلك الأمكنة ويجتمعون عندها وينتابونها من وقت لآخر.
وهذه الأعياد لا تخرج عن ثلاثة أنواع: إما أن تكون قبوراً، أو آثاراً أو أحجاراً أو أشجاراً أو أمكنة لا خصيصة لها.
стр. 353
المبحث الأول: اتخاذ القبور أعيادا
المطلب الأول: زيارة القبور
...
المطلب الأول: زيارة القبور:
تنقسم زيارة القبور إلى قسمين: زيارة مشروعة وأخرى ممنوعة:
- أولاً: الزيارة المشروعة:
لقد نهى النبي ﷺ في أول الأمر عن زيارة القبور؛ لأن الناس حديثو عهد بكفر؛ ولأن الوثنية كان منشؤها القبور، إذ نصبت الأصنام والأوثان تعظيماً لبعض أصحاب القبور، فعكفوا على تلك التماثيل وتعهدوها بالزيارة، ومع مرور الزمن وطول الأمد عبدوها من دون الله، فلما تأصل الإيمان بالله في نفوسهم، وتمكنت العقيدة من قلوبهم، وأخلصوا العبادة له جل وعلا، وافردوه بالوحدانية، أذن ﷺ في زيارتها، حيث قال: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" ١.
فشرعت هذه الزيارة لأمرين:
١ - تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ لقوله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة" ٢.
стр. 354
ويستوي في هذا الأمر - أعني التذكر والاتعاظ - قبر المسلم والكافر، حيث هما سيان في ذلك لما ثبت عنه ﷺ في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
وفي رواية عنه أيضاً قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه فبكي وأبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور ٢ - الدعاء للميت والإحسان إليه. فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ٢" ٣.
وعن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" ٤.
стр. 355
فهذه الزيارة الشرعية للقبور تذكر الموت والآخرة والدعاء للميت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية " فقد أذن النبي ﷺ في زيارتها بعد النهي وعلل ذلك بأنها تذكر الموت والدار الآخرة وأذن إذناً عاماً في زيارة قبر المسلم والكافر؛ والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة وهي تذكر الموت والآخرة موجود في ذلك كله. وقد كان ﷺ يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين، فهذه الزيارة وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم، هو الذي جاءت به السنة " ١.
وهذه الزيارة الشرعية التي سنها النبي ﷺ لابد لها من شرطين:
الأول: أن تكون الزيارة بدون شد رحل. لما جاء عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" ٢.
وجه الدلالة: أن هذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب، فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير الثلاثة لا يجوز مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى. وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى فالسفر إذاً إلى مجرد القبور أولى بالمنع " ٣.