الأمة بعد نبيها، وكذلك سائر الصحابة رضوان الله عليهم ١ وما هذه الرواية التي أوردها الرافضة في ذلك إلا كذباً وبهتاناً وافتراء على آل البيت وهم جميعاً أبرياء من ذلك كله.
ومما يدل على بطلانه وكذب الرافضة في ذلك هو أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن استشهاده في التاسع من ربيع الأول كما تزعم الرافضة، بل كان في ذي الحجة من عام ٢٣ من الهجرة ٢.
وهذا يدل على كذب الرافضة وجهلهم وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: " أنهم أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات " ٣.
وبهذا يتبين بطلان ذلك العيد وأنه لا أصل له في دين الله وإنما ابتدعته الرافضة كيداً للإسلام وأهله وحقداً على الفاروق الذي قضى على مملكة المجوس وأعياد النيران.
ذلك الحقد الذي يتغلغل في أعماقهم، ويطفو على سطح ممارساتهم وعباداتهم بمناسبة أو غير مناسبة، وفيه يتجلى معتقد الرافضة والأساس الذي قام عليه، وإن الإسلام برئ من أولئك ومن فعل فعلهم.
стр. 352
الفصل الرابع: الأعياد المكانية المبتدعة
لقد فتن كثير من المسلمين فابتدعوا أعياداً مكانية، كما ابتدعوا أعياداً زمانية وضاهوا بها الأعياد الشرعية الكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر، وأصبحوا يعظمونها ويشدون الرحال إليها، ويذبحون عندها، ويوفون بالنذور لها، بل وصل بالبعض أن يطوف عليها أو يفعل عندها ما يفعل عند البيت الحرام، فسلكوا بذلك مسلك المشركين الذين عظموا الأوثان والأنصاب، حيث خصصوا لذلك وقتاً معلوماً يقصدون تلك الأمكنة ويجتمعون عندها وينتابونها من وقت لآخر.
وهذه الأعياد لا تخرج عن ثلاثة أنواع: إما أن تكون قبوراً، أو آثاراً أو أحجاراً أو أشجاراً أو أمكنة لا خصيصة لها.
стр. 353
المبحث الأول: اتخاذ القبور أعيادا
المطلب الأول: زيارة القبور
...
المطلب الأول: زيارة القبور:
تنقسم زيارة القبور إلى قسمين: زيارة مشروعة وأخرى ممنوعة:
- أولاً: الزيارة المشروعة:
لقد نهى النبي ﷺ في أول الأمر عن زيارة القبور؛ لأن الناس حديثو عهد بكفر؛ ولأن الوثنية كان منشؤها القبور، إذ نصبت الأصنام والأوثان تعظيماً لبعض أصحاب القبور، فعكفوا على تلك التماثيل وتعهدوها بالزيارة، ومع مرور الزمن وطول الأمد عبدوها من دون الله، فلما تأصل الإيمان بالله في نفوسهم، وتمكنت العقيدة من قلوبهم، وأخلصوا العبادة له جل وعلا، وافردوه بالوحدانية، أذن ﷺ في زيارتها، حيث قال: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" ١.
فشرعت هذه الزيارة لأمرين:
١ - تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ لقوله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة" ٢.
стр. 354
ويستوي في هذا الأمر - أعني التذكر والاتعاظ - قبر المسلم والكافر، حيث هما سيان في ذلك لما ثبت عنه ﷺ في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
وفي رواية عنه أيضاً قال: "زار النبي ﷺ قبر أمه فبكي وأبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور ٢ - الدعاء للميت والإحسان إليه. فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ٢" ٣.
وعن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" ٤.
стр. 355
فهذه الزيارة الشرعية للقبور تذكر الموت والآخرة والدعاء للميت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية " فقد أذن النبي ﷺ في زيارتها بعد النهي وعلل ذلك بأنها تذكر الموت والدار الآخرة وأذن إذناً عاماً في زيارة قبر المسلم والكافر؛ والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة وهي تذكر الموت والآخرة موجود في ذلك كله. وقد كان ﷺ يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين، فهذه الزيارة وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم، هو الذي جاءت به السنة " ١.
وهذه الزيارة الشرعية التي سنها النبي ﷺ لابد لها من شرطين:
الأول: أن تكون الزيارة بدون شد رحل. لما جاء عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" ٢.
وجه الدلالة: أن هذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب، فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير الثلاثة لا يجوز مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى. وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى فالسفر إذاً إلى مجرد القبور أولى بالمنع " ٣.
стр. 356
الثاني: التزام أدب الزيارة. لما جاء عنه ﷺ في الأمر بزيارة القبور " فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً " ١.
والهجر: بالضم هو الكلام الفاحش والباطل ٢ ومن أعظمه الطواف حولها أو دعاء أصحابها والتقرب إليهم.
قال النووي: وكان النهي أولاً لقرب عهدهم من الجاهلية، فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل، فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه، واشتهرت معالمه أبيح لهم الزيارة، واحتاط ﷺ بقوله: "ولا تقولوا هجراً" ٣.
- ثانياً: الزيارة الممنوعة:
وهي التي لم تتوفر فيها الشروط السابقة أو اختل شرط منها. قال الصنعاني عقب أحاديث الزيارة: " الكل دال على مشروعية زيارة القبور والحكمة فيها، وأنها للاعتبار فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعاً ٤.
قلت: وذلك مثل اتخاذها أعياداً أو الطواف بها أو طلب الدعاء من أصحابها أو الصلاة عندها والعكوف عليها.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٥.
стр. 357
وقوله ﷺ : "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
فقد نهى ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم أنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك " ٢.
وقد بدل أهل البدع والشرك قولاً غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء للميت بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسوله ﷺ إحساناً إلى الميت وإحساناً إلى الزائر، وتذكيراً بالآخرة: سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم مشروعاً وعملاً صالحاً ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون ٣.
وبهذا تبين الفرق بين الزيارة المشروعة والممنوعة.
стр. 358
المطلب الثاني: النهي عن اتخاذ القبور أعياداً:
لقد نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور أعياداً والاجتماع عندها، كما نهى عن ذلك سلف هذه الأمة.
١ - فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنت" ١.
٢ - وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيدعو، فدعاه فقال ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" ٢.
٣ - عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند
стр. 359
القبر؟ قلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" ١. فهذه الأحاديث تدل على النهي عن اتخاذ القبور أعياداً.
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً، فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان، ثم أنه قرن ذلك بقوله ﷺ : "لا تتخذوا بيوتكم قبوراً" أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت , ونهى عن تحريها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم، كما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً" ٢.
ثم انه أعقب النهي عن اتخاذه عيداً بقوله: "صلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم".
стр. 360
وفي الحديث الآخر: "فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم". يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل من قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً ١.
ولكن من أخذ شبهاً من النصارى بالشرك وشبهاً من اليهود بالتحريف، حرف الأحاديث، فقال: هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه ونهى أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه بمنزلة العيد الذي يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت.
وقد أجاب على ذلك الإمام ابن القيم بقوله: "وهذا مراغمة ومحادة لله ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ ، وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس والتلبيس، بعد التناقص فقاتل الله أهل الباطل أني يؤفكون، ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته، وكثرة انتيابه بقوله: "لا تجعلوه عيداً" فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان، فإن لم يكن هذا تنقيصاً فليس للتنقيص حقيقة فينا.
ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها وانتيابها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟ وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً
стр. 361
يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك، ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجداً ١.
وكيف يقول: "لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليّ حيثما كنتم" وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء الضلال، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف ٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ثم أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵁، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيره. فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيداً.
وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً.
فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط ٣.
стр. 362
من هنا يتبين أن من افتتنوا بالقبور والعكوف عندها والتمسح بها والالتجاء إلى أصحابها، أبوا إلا مخالفته ﷺ ومشاقته، فعمدوا إلى التحريف في الأحاديث وحملها على خلاف الحق لتأييد باطلهم، فكانوا أعلم من صحابته ﷺ بزعمهم - فوقعوا في الشرك المحبط للعمل زاعمين أن ذلك تعظيم لساكني هذه القبور فجعلوا لكل قبر موسماً وموعداً يجتمعون فيه وينتابونه من وقت لآخر.
فأشبهوا اليهود والنصارى وشاركوا أهل الجاهلية في ذلك فاتخاذ القبور أعياداً من مسائل الجاهلية، وعمل من أعمالها ١.
стр. 363
المطلب الثالث: أمثلة لاتخاذ القبور أعياداً:
كما تقدم أن العيد المكاني هو أن تقصد مكاناً ما للاجتماع فيه والإتيان إليه من وقت لآخر للعبادة أو لغيرها.
فمن قصد قبراً في وقت مخصوص ومعلوم وجعل له موسماً ينتابه من وقت لآخر فقد اتخذه عيداً؛ وذلك أن القبوريين يقصدونها ويجتمعون عندها في مواسم معينة، ولا سيما الأيام الفاضلة، أو التي يزعمون فضلها وهذا هو بعينه الذي نهى عنه ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيداً". وهو داخل تحت قوله أيضاً: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبورهم أنبيائهم مساجد".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وذلك أن بعض القبور يجتمع عندها في يوم من السنة ويسافر إليها أما في المحرم، أو رجب أو شعبان أو ذي الحجة أو غيرها. وبعضها يجتمع عنده في يوم عاشوراء، وبعضها في يوم عرفة وبعضها في النصف من شعبان، وبعضها في وقت آخر، بحيث يكون لها يوم من السنة، تقصد فيه ويجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة أو مزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة، وكما يقصد المصلي المصر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد ١.
стр. 364
قلت: وفي الغالب أن هذه الزيارة وتلك الاجتماعات المحددة والمعنية في السنة تكون يوم ولادة صاحب القبر أو وفاته، حيث يذهب في هذا التاريخ إلى مرقده فيجتمع عنده، وتقام المراسم الخاصة بذلك الاحتفال وهو ما يعرف بالموالد والأعراس.
وذلك أن أرباب القبور يزعمون أن زيارة الولي أو الصالح والاحتفال به هو الدليل الأكبر والشاهد الملموس على أن هذا الولي "صاحب القبر" مازال يعيش في قلوب الناس، يكرمونه ويدعونه، ويلتمسون لديه العون على حل مشاكلهم وأن هذا العمل طاعة وقربة يثاب فاعلها، كما يحصل لهم في هذا الاحتفال اللهو والمجون والفسحة والتسلية بحجة أنه يوم عيد لصاحب القبر.
وإليك مثالاً لتلك الموالد وطريقة إحيائها، وما يفعل فيها وليكن هذا المثال الاحتفال بمولد البدوي ١ الذي يعد من أعظم الأولياء عند زواره والاحتفال به من أكبر المواسم التي تشد إليها الرحال، ليتضح فيه جلياً كيف اتخذ قبره عيداً ووثناً، يعبد من دون الله والعياذ بالله.
وذلك أن مراسم الاحتفال تكون في ساحة المسجد وحوله ويقصده الناس من جميع الجهات فتقدم فيه النذور والقربات وتقام فيه الصلوات، وتعقد المجالس والحلقات، فتزدحم مدينة طنطا بالزائرين بهذه المناسبة، وتضرب
стр. 365
الصواني والخيام حول هذا المشهد ويشارك في هذا الاحتفال أصحاب الشعوذة والراقصات والعازفون لعرض أعمالهم على الجماهير الحاضرة. وتقوم الدولة بتنظيم هذا الاحتفال، وحفظ الأمن، والنظام فيصدر تصريح بإقامته من وزارة الأوقاف من كل عام، ويستمر لمدة سبعة أيام.
وإليك وصفاً لهذا الاحتفال وما يقع فيه كما يحكيه محمد فهمي عبد اللطيف حيث قال: إذا ما صدر التصريح بإقامة المولد الأحمدي وأعلن ذلك في كآفة البلاد، توافد الناس من شتى الجهات في الموعد المحدد، فيقيمون الخيام ويضربون السرادقات في ساحة المولد، ويرضى أصحاب العوائد بدفع أي أجر يطلبه منهم المالكون للأرض لإقامة خيامهم عليها، وتقام الخيام والسرادقات الخاصة، بأهل الريف حول ساحة المولد والضواحي المجاورة لها، أما الخيام والسرادقات الخاصة بالحكومة وشيوخ الطرق وأرباب العوائد فإنها تقام في الساحة، وتسمى هذه البقعة بالسحابة
وبالقرب من الساحة تقام سارية خشبية عالية تسمى بالصاري ويقدر متوسط ما يقام من الخيام عادة في هذا المولد بنحو خمسة آلاف خيمة.
وفي اليوم الأول للمولد يطوف مأمور البوليس بطنطا في موكب من الجنود معلناً افتتاح المولد، ويسمى هذا الموكب بركبة الحاكم.
ومن أول ليلة للمولد تقام حلقات الذكر حول الصاري، ويعتبر هذا الصاري جامعة المناكر والمفاسد، وللناس فيه عقائد عجيبة مريبة، فبينما يعتقد بعضهم أن زيارة هذه الخشبة تعادل زيارة السيد البدوي نفسه إذ يعتقد آخرون
стр. 366
أن السيد يجلس فوقها أيام المولد ليشرف على زواره ويتعرف عليهم. ويجزم الكثيرون بأن النبي ﷺ يزور هذه الخشبة فجر يوم الاثنين قياماً بواجب السيد البدوي عليه.
ولن يروعك في حياتك أسوأ مما تشهد من هول حول هذا الصاري، إذ يتراكم حوله خليط من الكتل البشرية على حال لا ترضي عاقلاً من العقلاء ولا متديناً بأي دين، فيختلط الرجال بالنساء والكبار بالصغار، ويتحلق حول الصاري كثير من المساليب والحمقى ورواد الفسوق، وكبار العصاة المجرمين المدمنين للحشيش وما إليه من الكيوف، ويسمي العامة هؤلاء بالمجاذيب، ويعتقدون أن لهم عند ربهم ما يشاءون، وينخرط هؤلاء كل ليلة في مجالس الذكر التي يقيمونها حول هذا الصاري وهي أشبه ما تكون بحفلات الرقص الخليع..
وقبل هذا يعمدون حال وصولهم إلى ضريح البدوي، فيطوفون به طواف القدوم على نحو ما يفعل القاصدون لحج بيت الله الحرام ويقولون أن هذه كانت سنة الشيخ عبد العال خليفة السيد، ولهم في هذا الاحتفال بدع شتى ١.
من هذا العرض لصورة الاحتفال بمولد البدوي يتضح لنا كيف اتخذ قبره عيداً ووثناً حيث جعلوا له وقتاً معيناً وموسماً محدداً ينتابونه فيه.
стр. 367
وهذا الفعل محاكاة لليهود والنصارى باتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، حيث يقصدون العبادة عندها، وهو بعينه ما نهى عنه ﷺ ، فأرباب الموالد لا يقصدون المشاهد والقبور إلا طلباً للبركة أو الاستغاثة أو الدعاء، فيذبحون لها ويطوفون بها ويمرغون الخدود على أعتابها، وهذا الفعل محادة لله ولرسوله ﷺ مناف لكلمة التوحيد؛ لأن العبادة لا تكون إلا لله ، ومن صرف نوعاً من أنواعها فقد وقع فيما يناقض "لا إله إلا الله".
وما يفعله أولئك نابع من عقيدة أن الأولياء لهم التأثير في الكون "كما يزعم الصوفية"، وأن الاحتفال بموالد الأولياء والعكوف على قبورهم من الدين وأنه قربة، فالذين لا يحتفلون بالأولياء ولا يزورون قبورهم ولا يقدمون النذور لها محجوبون من رحمة الله وبركته، بل من لم يفعل هذه الموالد قد يسلب منه الإيمان وتصيبه الأمراض والأسقام؛ بسبب امتناعه أو اعتراضه على حد زعمهم.
ولا تظن أن هذا القول تجن على أصحاب الموالد، أو هو من نسج الخيال، بل هذه هي حقيقة تلك الاحتفالات ولنسمع ما يرويه الشعراني ١ في طبقاته معللاً سبب حضوره لمولد سيده البدوي في كل عام، حيث قال: " وسبب حضوري مولده كل سنة أن شيخي العارف بالله تعالى محمد الشناوي ٢ رضي
стр. 368
الله عنه أحد أعيان بيته ﵀، قد كان أخذ عليّ العهد عند القبة تجاه وجه سيدي أحمد ﵁ وسلمني إليه بيده فخرجت اليد الشريفة من الضريح، وقبضت على يدي وقال سيدي يكون خاطرك عليه وأجعله تحت نظرك فسمعت سيدي أحمد ﵁ من القبر يقول: نعم ثم أني رأيته بمصر مرة أخرى هو وسيدي عبد العال، وهو يقول: زرناً بطنطا ونحن نطبخ لك ملوخية ضيافتك ١.
هذه بعض الأسرار التي جعلت عبد الوهاب الشعراني يهتم بمولد سيده ويمضى أيضاً في تخريفاته وتعليلاته لحضور المولد، ولا تستغرب فهذا حال من استحوذ عليه الشيطان واتبع الهوى، حيث قال: "تخلفت عن ميعاد حضوري للمولد سنة ٩٤٨، وكان هناك بعض الأولياء، فأخبرني أن سيدي أحمد ﵁، كان ذلك اليوم يكشف الستر عن الضريح ويقول أبطأ عبد الوهاب ما جاء" ٢.
ولم يكتف الشعراني بذلك حتى زعم أن الأحياء والأموات يحضرون الاحتفال بمولد سيده عند ضريحه، بل ويحضره النبي ﷺ وسائر الأنبياء والأولياء ٣.
وقد استطرد الشعراني في سرد هذا الهراء وهذه الحكايات الخرافية في الدعوة إلى حضور مولد سيده البدوي ولننظر في حال من ينكر المولد،
стр. 369
أو حضوره عند الشعراني حيث قال: أخبرني شيخنا الشيخ محمد الشناوي ﵁ أن شخصاً أنكر حضور مولده فسلب الإيمان فلم يكن فيه شعره تحن إلى دين الإسلام فاستغاث بسيدي أحمد ﵁. فقال: بشرط ألا تعود فقال: نعم فرد عليه ثوب إيمانه.
فهذه نتيجة من ينكر مولد البدوي، أو يمتنع عن حضوره كما يزعم الشعراني أما من يحضره فالبدوي يحفظه ويرعاه ويشمله بشفاعته ويغفر خطيئته حيث قال: وعزّة ربي ما عصى أحد في مولدي إلا تاب وحسنت توبته ١.
بمثل هذا الهراء والكذب الصراح انتشر صيت البدوي، وهذا هو أسلوب كآفة الصوفية الدراويش في إثبات كرامات من يزعمون له الولاية وبهذه الدعايات الخرافية الأسطورية استطاعوا أن يجعلوا لمولد البدوي قداسة في النفوس المريضة كأنها قداسة الحج إلى بيت الله الحرام بل أشد.
" ومن الذي لا يتلهف على حضور مولد البدوي بعد أن يعلم أنه كما يزعم الشعراني وأضرابه يكون مجمعاً للنبي ﷺ والأنبياء والصالحين من مشارق الأرض ومغاربها ومن وراء البحار والجبال، ومن الذي يجرؤ على أن يتطاول فينكر ما يقع في هذا المولد من المآثم والمناكر أو يجحد النفحات والبركات بعد أن يسمع قصة " السبعين الأسودين " ٢. وحكاية: الشوكة التي اعترضت في
стр. 370
حلق العالم تسعة أشهر " ١. وأسطورة " الفقيه الذي سلب العلم والإيمان " إلى آخر ما يهرف به الشعراني وأمثاله ٢
ويتجلى من كلام الشعراني عقيدة تفضيل الولي على النبي، وذلك أن الأنبياء يحجون إلى البدوي في مولده، ولا يستغرب مثل هذا من الصوفية فقد ادعوا ما هو أعظم من ذلك من الألوهية والربوبية.
وبتلك الدعاوى أصبح مئات الألوف من أتباع السيد يرهبون التخلف عن مولده، ويخشون إن هم قصروا في عادة من عاداتهم نحوه، أو أبطأوا في النذور والقرابين أن يبطش بهم حتى استدعى الأمر من بعض الذين لا يملكون الأموال التي تفي بمتطلبات ذلك الاحتفال أن يقترضوا بالربا للقيام بالزيارة وحضور المولد.
فالفقراء يستدينون للإيفاء بتلك النذور والقربات والعمال يكدحون فيضيقون على أنفسهم، مع وجود الحاجة إلى ذلك المال من أجل الإيفاء بلوازمها.
مثل هذا العمل هو الذي أثار مشاعر حافظ إبراهيم حتى قال أبياته المشهورة التي ينتقد فيها تلك الحال:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحضرة ... قامت على أرجائها الصلوات
стр. 371
يسعى الإمام لها ويجري حولها ... بحر النذور وتقرأ الآيات
ويقال هذا القطب باب المصطفى ... ووسيلة تقضي به الحاجات ١
وبهذا العمل أصبح مشهد البدوي تشد إليه الرحال ويفعل عنده ما يفعل عند المشاعر من أعمال الحج من طواف وذبح وغيره، بل أصبح البعض يطلق عليه الكعبة مضاهاة للبيت الحرام، بل قد يفضله البعض الآخر كما يدل عليه قوله قائلهم:
هو الجوهر المكنون في معدن الرضا ... بأسراره حلت شموس الحقيقة
هو الكعبة الفراء إذ الغراء بالتياذه ... تحط الخطايا عن أناس وجنة ٢
وحتى يقتنع الزوار بأن ضريح البدوي كالكعبة تماماً رصع أرباب الموالد ودعاة الوثنية مقامه بحجر أسود يتمسح ويتبرك به.
وفي ذلك يقول صاحب الجواهر السنية ومن كراماته، أي البدوي أن حجراً أسود مثبتاً في ركن قبته تجاه وجه الداخل من الجهة اليمنى، وفيه موضع قدمين شاع بين الناس وذاع واستفاض وملأ البقاع والأسماع أنه أثر قدم رسول الله ﷺ وكل من زار الأستاذ يتبرك بمحل القدمين ٣.
قلت: فصاروا يتمسحون به كما كانت العرب في الجاهلية تفعل بالأحجار والأوثان والأصنام التي كانوا ينصبونها.
стр. 372
أما النذور فهي الهدف الأسمى لسدنة الضريح والدعاة إليه سواءً كانت تلك النذور عيناً أو نقداً. وقل أن يخلو ضريح من صندوق للنذور وذلك أن المناسك والمشاعر حوله لا تنتهي إلا بإيداع بعض الأموال فيه.
وعجل البدوي الذي يجهز ويطاف به حول الضريح في موكب معروف ومشهور ١.
وقد بلغت قيمة ما أودع من الحصيلة النقدية في صندوق ضريح البدوي في عام ١٩٨٤م مليوناً، و ٢٠٠ ألف جنيه، والنذور العينية في حدود هذا المبلغ، فضلاً على ما يحصل من اختلاس أو تلاعب في الأموال قبل إيداعها ٢.
من أجل هذه السيولة المالية جاءت المحافظة على مثل هذه الأضرحة وتلك المشاهد والدعوة إلى أحياء الموالد لها، إضافة إلى ما يزعمون أن فيها رواجاً للتجارة الاقتصاد.
فعلم أن النظرة مادية صرفة من بعض القائمين على هذه الأضرحة وتلك الموالد، ولم يلتفتوا إلى الجانب الديني أو المحافظة على العقيدة السليمة ونبذ
стр. 373
الشرك، فضلاً عن علمهم بأن هذه الموالد مبدءة للمفاسد الأخلاقية ومجمع لكل رذيلة، وجلب المصالح للمجتمع كما يزعمون أو لبعض الأفراد لا يبرر مثل هذا العمل المنافي للدين الحنيف والأخلاق المستقيمة، فيتحتم إبطال هذه الموالد وهدم تلك الأضرحة والمشاهد، والقاعدة الشرعية تنص على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فمما تقدم من هذا العرض لمولد البدوي وما يفعل عند ضريحه يتضح كيف اتخذ وثناً يعبد من دون الله، وأصبح يحج إليه كما يحج إلى الكعبة المشرفة والمشاعر المقدسة، حيث جعلوه متصفاً بصفات المشاعر التي تؤدى فيها أعمال الحج فوصفوه بالكعبة الغراء، وأنه يقصد للزيارة وتقام فيه الشعائر كما تقدم فيه النذور والقربات والتي تكون بمقابل الهدي، وبتلك الدعاوى والصفات اكتسب هذه المشابهة، بل قد يكون أعظم عند أربابه
مما حدا بالسخاوي وهو في القرن التاسع أن يذكر قول الغوغاء ١ " جاء الحجاج السنة لسيدي أحمد من الشام وحلب ومكة.. أكثر من حجاج الحرمين " ٢.
وما يفعل عند قبر البدوي يفعل عند قبر غيره من الأولياء المزعومين من حيث الطواف، والتمسح بأعتابها، والنذر، وغير ذلك من أمور العبادات التي لا تصرف إلا لله، وقد وقفت على ذلك وليس من رأى كمن سمع، وقلّ أن
стр. 374
تجد بلداً إسلامياً إلا وله أولياءه المزعومون الذين تشد إليهم الرحال ويطاف على مشاهدهم وتقدم إليهم النذور والقربات وتجعل لهم الموالد والأعياد.
" بل إن لغالب الأضرحة مواسم وأعياداً أسبوعية خلاف الموالد تسمى بالحضرة كليلة الثلاثاء ويومه للإمام الحسين ﵁، وليلة السبت ويومه للإمام الشافعي ﵀، وهكذا لكل ولي عندهم وقت معلوم تجتمع فيه العامة والخاصة من الرجال والنساء ومعهم الأطفال لزيارته على الوجه المعروف ١.
والقبور التي أفتتن بها الضلال واتخذوها أعياداً أكثر من أن تحضر ٢ وما أوردته هنا ما هو إلا غيض من فيض، والله المستعان.
стр. 375
المبحث الثاني: اتخاذ الآثار أعياداً
والمراد بالآثار مقامات الأنبياء والصالحين وهي: الأمكنة التي قاموا فيها أو أقاموا أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد. فمن تتبع تلك الآثار وشد إليها الرحال للعبادة فقد اتخذها عيداً.
وذلك أنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﷺ قصدها للعبادة، كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما يقصد المساجد للصلاة ويقصد الصف الأول ونحوه ذلك ١.
وقد عمت البلوى وطمت ولاسيما في هذا العصر، حيث التشبث بأي أثر يزعم أنه للنبي ﷺ ، أو لأحد الصحابة، أو الصالحين فشدوا الرحال إليها وتبركوا بها وجعلوا لها أعياداً في أوقات معلومة يرتادونها فيه، وذلك مثل ما يفعله بعض الناس من الذهاب إلى غار حراء أو موضع مولده ﷺ أو غار ثور أو بيعة الرضوان، أو أن يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغيرها التي يقال فيها مقامات للأنبياء أو الصالحين. وهذا الفعل بين البطلان وقد أنكره الصحابة.
١ - فعن معرور بن سويد قال كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٢.
стр. 376
و ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ١. ثم رأى أقواماً ينزلون فيصلون في مسجد فسأل عنهم فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم، أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من مر بشيء من المساجد فحضرته الصلاة فليصل وإلا فليمض" ٢.
فكره عمر ﵁ اتخاذ مصلى النبي ﷺ عيداً وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل ذلك ٣.
٢ - أمره ﵁ بقطع شجرة الرضوان ٤ لما رأى الناس يذهبون إليها مخافة الفتنة والوقوع في الشرك.
فقد روى ابن سعد بسنده عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها الرضوان، فيصلون عندها، قال: فبلغ عمر بن الخطاب فأوعدهم
стр. 377
فيها وأمر بها فقطعت ١. وقد علل ابن وضاح سبب قطع عمر ﵁ لها مخافة الفتنة عليهم ٢.
وفي ذلك يقول السفاريني ٣: "ولما كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن ناساً يذهبون إلى الشجرة فيصلون تحتها ويتبركون بها فأمر ﵁ بها فقطعت وأخفى مكانها خشية الافتتان بها، ولما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن من تعظيم أهل الجهل لها حتى ربما أفضى بهم جهلهم إلى أن بها قوة نفع وضر كما هو مشاهد من شأن الناس في هذه الأزمان، ومذ أزمان من تعظيم ما هو دونها من الشجر والبقاع ٤.
فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله في كتابه عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ٥.
فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان التي عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بها ٦.
стр. 378
٣ - أما ما روي عن ابن عمر ﵄ في هذا الشأن ١ فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم، من المهاجرين والأنصارأنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ . والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون من فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد.
وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
فلو كان هذا الفعل عند الصحابة ﵃ مستحباً لكانوا إليه أسبق، فانهم اعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم، وقد قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢.
وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع. وقول الصحابي إذا خالفه نظيره، ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ ٣.
стр. 379
ولم يكن من مذهب السلف تتبع الآثار والإتيان إليها، وفي ذلك يقول ابن وضاح: "كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ماعدا قباء واحداً" أهـ.
وقال أيضاً: "دخل سفيان مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضاً ممن يقتدى به" ١ أهـ.
فهذا هو مذهب السلف تجاه الآثار؛ لأن تتبعها وشد الرحال للعبادة إليها بدعة في الدين وأحداث فيه ومحاكاة لأهل الكتاب، مما يكون وسيلة إلى الشرك وذريعة إليه.
وما يدعوا إليه البعض في زماننا هذا من الاعتناء بتلك الآثار وتعظيمها خشية أن تندثر ويجهلها الناس ولاسيما في مكة والمدينة. مثل: غار حراء وجبل ثور ودار مولده ﷺ وبيعة الرضوان وصلح الحديبية وأشباهها؛ وذلك بتعمير ما تهدم منها، والدعوة إلى تعبيد الطرق إليها واتخاذها مزارات ووضع لوحات إرشادية لتعريف الزائرين بها، ويضرب المثل باعتناء دول أوروبا بآثارهم ومشاهدهم.
ويجاب على ذلك بأن هذه الدعوى بينة البطلان لكل من كان عالماً بحال رسول الله ﷺ وحال أصحابه من بعده، وذلك أنهم لم يكونوا يقصدون شيئاً من هذه الأمكنة.
стр. 380
فقد مكث ﷺ بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، فلم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء، ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر وحج حجة الوداع ومعه جماهير المسلمين، وهو في ذلك كله لا هو ولا أحد من الصحابة يأتي غار حراء، ولا يزوره ولا شيئاً من البقاع التي حول مكة ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة وعرفات.
كما أنه لم يشرع لأمته زيارة موضع مولده ولا زيارة موضع بيعة العقبة ولا زيارة الغار الذي بجبل ثور ولا غيرها من الآثار. ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعاً ومستحباً يثيب الله عليه، لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة، فقد اتبع غير سبيلهم وشرع من الدين ما لم يأذن به الله ١.
فتعظيم هذه الآثار بتلك الوسائل مخالفة صريحة لسلف هذه الأمة كما يترتب عليه مشابهة الكفار في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد ومزارات.
فإذا عظمت مثل هذه الآثار المذكورة وعبدت طرقها وعملت لها المصاعد واللوحات لا تزار كما تزار آثار عظماء الكفار وإنما تزار للتعبد والتقرب إلى
стр. 381
الله بذلك، فنكون بهذه الإجراءات قد أحدثنا في الدين ما ليس فيه وشرعنا للناس ما لم يأذن به الله وهذا هو نفس المنكر الذي حذر الله منه في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١. وحذر منه ﷺ بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢.
وتعظيم الآثار لا يكون بالأبنية والكتابات والتأسي بالكفرة، وإنما يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة وأخلاقهم الحميدة وجهادهم الصالح قولاً وعملاً، هكذا كان السلف يعظمون آثار سلفهم الصالح. أما تعظيمها بالأبنية والزخارف ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سنة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم؛ وبهذا يتبين بطلان تلك الدعوى وما شاكلها وأنها مخالفة للشريعة التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وسد ذرائع الشرك والبدع وحسم الوسائل المفضية إليه ٣.
وبهذا يتضح لمن أراد الحق أن تتبع الآثار وشد الرحال إليها للعبادة من اتخاذها أعياداً وهو بدعة في الدين، فضلاً عن كونه مشابهة لأهل الكتاب الذين حرفوا دينهم وتلاعبوا به، فحذار أخي المسلم أن تكون أسير التقليد والتشبه بهم فتقع في براثن الشرك والرذيلة، فالدين الإسلامي حرص على أن تظهر
стр. 382
بالمظهر السوي الذي اختاره لك رب العزة والجلال، ولا يكون ذلك إلا بتحقيق ما أمر به واجتناب ما نهى عنه فاحرص على ذلك تنل الكرامة والسعادة.
ومن أعظم من أفتتن باتخاذ الآثار أعياداً وأوثاناً الرافضة ولاسيما الآثار التي يزعمون لآل البيت فوضعوا الأحاديث المكذوبة في ذلك، واختلقوا القصص والأساطير على آل البيت ونسبوها إليهم؛ ترويجاً لبدعتهم، ونشراً لشركهم ورتبوا الثواب الجزيل لمن زارها أو تقرب إليها، كل ذلك لإوراء شهوات نفوسهم وملذاتها.
فمما أوردوه في تفضيل الكوفة ما رواه الكليني عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: " مكة حرم الله وحرم رسول الله وحرم أمير المؤمنين ﵈ الصلاة فيها بمائة ألف صلاة والدرهم فيها بمائة ألف درهم، والمدينة حرم الله وحرم أمير رسوله وحرم أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة والدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم المؤمنين ﵉ الصلاة فيها بألف صلاة والدرهم فيها بألف درهم" ١ أهـ.
ولم يكتفوا بذلك بل تطاولوا على الكعبة المسجد الحرام فجعلوا كربلاء أفضل منها. فعليهم من الله ما يستحقون.
كما جاء ذلك عن المفضل في ذكر الكوفة وقيام مهديهم المزعوم فيها، حيث قال له أبو عبد الله على حد زعمه: " يا مفضل إن البقاع تفاخرت ففخرت
стр. 383
كعبة البيت الحرام على بقعة كربلاء فأوحى الله إليها أن أسكتي كعبة البيت الحرام ولا تفتخري على كربلاء فإنها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة وأنها الربوة التي آوت إليها مريم والمسيح ﵉.. ثم أخذ يسرد الخصائص والفضائل التي تميزت إلى أن قال: وأنها خير بقعة ١.
في ذلك يقول قائلهم:
ومن حديث كربلاء والكعبة ... لكربلاء بان علو الرتبة
وغيرها من سائر المشاهد ... أمثالها بالنقل ذي الشواهد ٢
من هنا جاء حجهم إلى كربلاء والنجف لاعتقادهم انهما أفضل بقاع الأرض، وهذا بعض معتقدهم في الأماكن والآثار وما هو إلاّ مثال من ظلمات بعضها فوق بعض، ومن أطلع على كتبهم أدرك ذلك ٣. فالقوم من أكذب الناس وأعظمهم شركاً وأبعدهم عن التوحيد؛ وذلك أن مبنى الشرك والبدع على الكذب والافتراء، والرافضة الكذب دينهم والافتراء ديدنهم ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مبنياً حكم من شد الرحال إلى مثل هذه الآثار: فمن سافر إلى بقعة غير بيوت الله التي يشرع السفر إليها ودعا غير الله فقد جعل نسكه وصلاته لغير الله ، وإذا كان السفر إلى بيوت الله غير
стр. 384
الثلاثة المساجد ليس بمشروع باتفاق الأئمة الأربعة، بل قد نهى عنه الرسول ﷺ فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتخذ قبورهم مساجد، وأوثاناً وأعياداً ويشرك بها، وتدعى من دون الله ١.
قلت: فكيف بالسفر إلى مثل هذه الآثار التي لم تثبت ولم يعلم صحتها. ومن فعل مثل هذا فقد ابتدع في الإسلام ولم يعرف شريعة الإسلام وما بعث به محمد ﷺ من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله وسد أبواب الشرك.
стр. 385
المبحث الثالث: اتخاذ الأحجار والأشجار ونحوها أعياداً ١.
وذلك مثل أن يقصد شجرة أو حجراً أو بقعة ويخصها بالعبادة وهي لا فضل لها في الشريعة أصلاً ولا فيه ما يوجب تفضيلها، بل هي كسائر الأمكنة أو دونها.
فقصد تلك الأمكنة أو قصد الاجتماع عندها لصلاة أو دعاء أو ذكر ونحوه ضلال بين البطلان ٢.
وذلك أنه نظير ما كان يتخذه المشركون من الأصنام والأوثان التي كانوا يقصدونها للتقرب إلى الله عندها، حيث كان لكل قوم صنم أو وثن أو تمثال في بقعة معينة يقصدونه ويخصونه بالزيارة في مواسم معينة من السنة كما ذكر الله ذلك في كتابه حيث قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٣.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " يقول الله مقرعاً للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان واتخاذهم لها بيوتاً مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇ ٤.
стр. 386
فكانت هذه الأصنام اللات والعزى ومناة أشهر الطواغيت عند العرب، حيث اتخذوها أعياداً يقصدونها في وقت محدد من العام. وقد نهينا عن مشابهة الكفار كيف والعيد من أهم خصائص الدين؟.
ومن اتخذ شيئاً في ذلك فقد اتخذ له ذات أنواط لما جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ١. لتركبن سنن من كان قبلكم﴾ ٢.
وذات أنواط كما ذكر الأزرقي ٣ شجرة عظيمة يعظمها أهل الجاهلية ويذبحون لها ويعكفون عندها يوماً وكان من حج منهم وضع زاده عندها ويدخل بغير زاد تعظيماً لها ٤.
стр. 387
فالنبي ﷺ أنكر مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو الشرك بعينه ١.
وفي ذلك يقول الطرطوشي: انظروا - رحمكم الله تعالى - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها ٢.
وقال الحافظ أبو شامة: عند ذكره للبدع: ومنها ما قد عم به البلاء، من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد يحكى لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحد ممن اشتهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائص الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي بين عيون وشجر وحائط ٣.
وبهذا يتضح أن الاعتقاد بمثل هذه الأشياء من الأنصاب التي هي من عمل الشيطان وقد أمر الله باجتناب ذلك وعلق الفلاح بهذا الاجتناب. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ
стр. 388
وَالْمَيْسِرُ١ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ٢ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣
قال ابن القيم: فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين من شجرة أو عمود أو وثن أو قبر أو خشبة أو عين ونحو ذلك.
والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره، كما أمر النبي ﷺ علياً ﵁ بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ٤ " ٥.
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواءً كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية، أو جبلاً أو مغارة، وسواءً قصدها ليصلي عندها أو ليدعوا عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك عندها بحيث
стр. 389
يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عيناً ولا نوعاً ١.
وذلك أن التفضيل، والتخصيص من حكم الشارع ولا يجوز التعبد إلا بما جاء به الشرع فمن خصص مكاناً للتعبد عنده فقد اتخذه عيداً وخالف شريعة سيد المرسلين التي جاءت بإخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك ومظاهرة، وما يكون وسيلة إليه.
стр. 390
المبحث الرابع: المفاسد الناتجة عن تلك الأعياد
إن للأعياد المكانية المحدثة الأثر السيئ على الأمة الإسلامية لاشتمالها على مفاسد عظيمة تسخط الرب وتحبط العمل من صرف أنواع العبادة لغير الله ذلك الفعل الذي يندى له الجبين ويغضب لأجله كل من في قبله ذرة إيمان، وغيرة على التوحيد، وذم وتقبيح للشرك وأهله، حيث نفت تلك الأعياد توحيد العبادة الذي من أجله خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب.
ومع كون أرباب تلك الأعياد وقعوا في أعظم ذنب عصي الله به وهو الشرك نجدهم قد وقعوا في سفاف الرذائل من انحلال الأخلاق ونبذ المكارم والمحاسن، كل ذلك حصل بفساد العقيدة؛ لأن بفسادها تفسد الأخلاق، وقمة الأخلاق تتمثل في التطبيق الحق للإسلام وأوله إصلاح العقيدة فبصلاحها يصلح الفرد والمجتمع وبفسادها يقع الانحلال والاختلال، وبما أن أصحاب هذه الأمكنة شرعوا طبق أهوائهم أعياداً ومواسم يحتفلون بها فأطلقوا العنان لأنفسهم في تلك المواسم فوقعوا في الإثم والفجور والمفاسد العظيمة التي أجملها فيما يلي:
١ - الصلاة إليها سواءً كانت قبوراً أو شجاراً، أو آثاراً والطواف بها وتقبيلها واعتقاد النفع والضر فيها وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم والتي لا تطلب إلا من رب العالمين .
٢ - الافتتان بها والسفر إليها.