ويقول أبو المعين النسفي١: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل، يوجب تناقضاً فاحشاً في كتاب الله - تعالى -"٢.
ومن الأمثلة لذلك قول الرازي: "لما ثبت بالدليل أنه - سبحانه - منزه عن الجهة والجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحاً، لئلا يصير ذلك سبباً للطعن فيها"٣.
وتأويلهم تحريف للفظ عن معناه الصحيح، وهم يستعينون على ذلك بغرائب المجازات، وبعيد اللغة، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات"١.
ومن مظاهر عدم التزامهم ألفاظ الشرع واستبدالهم غيرها من الألفاظ؛ أن كتب العقائد التي يؤلفونها مليئة بألفاظ لم تجيء في الشرع، ومع ذلك هي عمدة مسائلهم، كحديثهم عن الجوهر والعرض والجسم والواجب والتحيز والجهة والمركب والمنقسمونحوها، فمثل هذه المسائل ليست هي أصول الدين - كما زعموا -، لأن أصول الدين هي ما بينه الرسول ﷺ ٥، أما هذه الألفاظ فلم يذكرها الرسول ﷺ ولا صحابته من بعده في مسائل أصول الدين، مما يدل على أنها محدثة مبتدعة، وكل بدعة ضلالة.
وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك وهم الذين يطرحون النصوص، ولا يرون حجيتها في العقائد، وهم الذين يرون أن الأنبياء قصدوا ظواهر النصوص لإفهام العامة، وإن كان هذا الظاهر باطلاً ولكن للمصلحة فقط، وهؤلاء يسميهم ابن تيمية ﵀ أهل
стр. 107
الوهم والتخييل١، ومنهم ابن سينا فهو يقول: "أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء، يرام بها خطاب الجمهور كافة، ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد؛ من الإقرار بالصانع موحداً، مقدساً عن الكم، والكيف، والأين، والمتى، والوضع، والتغير.. ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور"٢. ويستبعد إرادة المجاز والاستعارة في آيات التوحيد لأنه لا يرى حجيتها مطلقاً، بل يرى أنها جاءت لإفهام الجمهور، وإن كان كذباً، فيقول: "ثم هب الكتاب العربي جائياً على لغة العرب، وعادة لسانهم من الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني كله، وهو من أوله إلى آخره تشبيه صرف...فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون، مقرباً ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه، والتمثيل..فكيف يكون ظاهر الشرع حجة في هذا الباب؟! "١، وهذا كفر بكتاب الله - تعالى -.
وهؤلاء وأولئك جعلوا الألفاظ المبتدعة المجملة هي ألفاظ العقيدة التي لا يعرفها إلا الخواص، وأعرضوا عن ألفاظ الشرع، يقول شيخ الإسلام: "وهؤلاء جعلوا هذه الألفاظ المبتدعة المجملة أصلاً أمروا بها، وجعلوا ما جاء به الرسول من الآيات والأحاديث فرعاً يعرض عنها ولا يتكلم بها فكيف يكون تبديل الدين إلا هكذا! "٤.
فالمتكلمون والفلاسفة لا يلتفتون إلى ألفاظ الشرع، وإن استعملوها أعملوا فيها التأويل والمجاز.
стр. 108
الثانية: عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها
...
٢ - عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها.
لا يلتزم كثير من المتكلمين والفلاسفة معاني اللغة ودلالاتها في أبواب العقائد، وذلك لأن العقل عندهم إذا دل على شيء، وجب تأويل الألفاظ التي في النصوص، وتطويعها لتوافق عقولهم، وإن كان مخالفاً لدلالة اللغة.
يقول ابن عقيل١في بيان مذهبه في قبول أخبار الآحاد: "يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها، وإن كان من بعيد اللغة ونادرها، وهذا هو اعتقادنا "١. فهم يفسرون اللفظ بمعنى بعيد جداً ولا يحتمله اللفظ في ذلك الموضع، بل هو كما قال من بعيد اللغة ونادرها.
وبعض المتكلمين يحمل اللفظ معنى ليس هو من معانيه في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وهم اصطلحوا بتلك العبارات على معان غير معانيها في لغة العرب، فتبقى إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب على باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص على باطل"٣.
ومن الأمثلة على عدم التزامهم معاني اللغة في ألفاظ العقيدة، تفسيرهم الاستواء بالاستيلاء، وقد رد الإمام ابن القيم على هذا التحريف من اثنين وأربعين وجهاً، ومما قال في بيان مخالفتهم للغة: "إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك. وهذا هو من أكابر أئمة اللغة"٢.
ومن الأمثلة كذلك تعريفهم للواحد بأنه الذي لا ينقسم، أو أنه ما ليس بجسم، قال أبو المعالي: "الواحد في اصطلاح الأصوليين الشيء الذي لا ينقسم، ولو قيل الواحد هو
стр. 109
الشيء لوقع الاكتفاء بذلك، والرب موجود، فرد، متقدس عن قبول التبعيض والانقسام"١.
وقد علق شيخ الإسلام ﵀ على تعريفاتهم مبيناً مخالفتها للشرع والعقل واللغة، وقد سبق بيان ذلك، ونوضح هنا مخالفتهم للغة، قال ﵀: "أما في اللغة، فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي، متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب، وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيراً من المخلوقات بأنه واحد، ويكون ذلك جسماً، إذ المخلوقات إما أجسام، وإما أعراض عند من يجعلها غيرها وزائدة عليها. وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحداً، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم، إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء..بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار"٢.
وهكذا هم في أغلب اصطلاحاتهم التي اصطلحوا عليها في العقائد، فهم كما قال شيخ الإسلام ﵀: "عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة من معناها، بل معاني اختصوا هم بالكلام فيها نفياً وإثباتاً، ولهذا قال الإمام أحمد فيهم: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم"٢.
стр. 110
الثالثة: استعمال الألفاظ البدعية
...
٣ - استعمال الألفاظ البدعية.
لما استغنى المتكلمون والفلاسفة عن ألفاظ الشرع وقدحوا في إفادتها القطع في العقائد؛ استحدثوا ألفاظاً ومصطلحات في مسائل العقيدة، وذلك كتسميتهم الصفات أعراضاً، وكاستعمالهم لفظ الجسم، والجهة، والتحيز، والأحوال، والعقل، والنفس، والمادة، والتركيب، والجزء، والعلة، والمعلول، ونحوها، وإطلاقها نفيا أو إثباتا على الله - تعالى -.
ومن ذلك أن المعتزلة جعلوا أصول الدين خمسة وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأرادوا بها معان أخرى غير ما جاء في الشرع١، بل استحدثوا مسألة المنزلة بين المنزلتين، إذ لا وجود لها في كتاب الله ولا سنة رسوله.
كما نجد أن أهم المسائل التي يتحدث عنها المتكلمون هي نفي الجسم عن الله، ونفي الأعراض عنه، وأنه ليس بجوهر، ولا متحيز ولا في جهة٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة، كما لم يثبتوا لفظ التحيز ولا نفوه، ولا لفظ الجهة ولا نفوه، ولكن أثبتوا الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات"١.
ومن المصطلحات التي يهتمون بها ويُعنون بشرحها في كتبهم دليل الحدوث والأعراض٤، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وكذلك الاستدلال على حدوث العالم بطريق الجسم والعرض، إنما ابتدعها في الإسلام هؤلاء، وهذا أصل علم الكلام الذي
стр. 111
أطبق على ذمه أئمة الإسلام الأولين والآخرين، ولما ابتدع هؤلاء القول بأنه ليس بجسم ولا جوهر، عارضهم الطائفة الأخرى من الشيعة وغيرهم فقالوا: بل هو جسم"١.
هذه أهم المسائل التي يبحثها المتكلمون في كتبهم، ويلاحظ أنها مسائل تبحث مصطلحات مبتدعة ليست هي من أصول الدين الذي جاء به الرسول ﷺ ، وهذا غاية بحث المتكلمين، ولذا اعترف كثير منهم في لحظاته الأخيرة بعدم جدوى البحث الذي أضاع عمره فيه٢.
стр. 112
الرابعة: استعمال الألفاظ المجملة
...
٤ - استعمال الألفاظ المجملة.
استعمل المتكلمون والفلاسفة ألفاظاً مبتدعة، حيث وضعوا لها معنى لم يرد في الشرع، وكان من هذه الألفاظ المبتدعة ألفاظ فيها إجمال وإبهام فهي تحتمل معنى حقاً، وتحتمل أيضا معنى باطلاً، وهم يلبسون من خلالها على عوام الناس.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر فيحصل الاشتباه والإجمال"١. ثم بين ﵀ بعض الأمثلة لهذه الألفاظ التي يستخدمون فقال: "كلفظ العقل، والعاقل، والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل على عرض إما مسمى مصدر عقل يعقل عقلاً، وإما قوة يكون بها العقل وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهراً مجرداً قائماً بنفسه.
وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم والتحيز، والجهة والتركيب والجزء، والافتقار والعلة والمعلول، والعاشق والعشق والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث والقدم، بل ولفظ الواجب والممكن، بل ولفظ الوجود والموجود والذات وغير ذلك من الألفاظ"٢.
فهذه الألفاظ بعضها قد ورد في الشرع، ولكنهم وضعوا له معنى يخالف ما ورد في الشرع، وبعضها ألفاظ مجملة مشتبهة، ومع ذلك جعلوها أصول الدين، واعتنوا بها، وتركوا ما جاء به الرسول ﷺ ، وحرفوه عن معناه الصحيح، وهذه سمة ظاهرة لما يستعملونه من ألفاظ ومصطلحات في العقيدة.
стр. 113
الخامسة: التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات
...
٥ - التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
سبق أن ذكرت مصادر المتكلمين والفلاسفة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وأن منها الفلسفة اليونانية، والملل والديانات الأخرى، وهكذا وقعوا في التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات من وجوه:
الأول: أنهم أخذوا بعض المناهج العامة للألفاظ من الأمم الأخرى كأخذهم التأويل عن اليهود والنصارى١.
الوجه الثاني: أنهم أخذوا من ألفاظ الأمم الأخرى، ومصطلحاتهم، بحروفها مع تغيير يسير مثل لفظ الفلسفة والهيولى والأسطقس والسفسطة.
الوجه الثالث: أنهم أخذوا ألفاظ الأمم الأخرى ثم ترجموها إلى ألفاظ عربية وجعلوها ترمز إلى معان باطلة ليست هي معانيها في لغة العرب، كتسمية الملائكة عقول، وتسمية الأفلاك بالنفوس، وكلفظ الجوهر والعرض ونحوها.
هذه مصادر وقواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، ويلاحظ تعارضها مع قواعد ومصادر أهل السنة، وبعدها عن الاعتماد على ألفاظ القرآن والسنة والمعاني الواردةفيها؛ لذلك ضلوا وأضلوا.
стр. 114
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين ونقده عند أهل السنة
المبحث الأول: معنى الحد في اللغة
...
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين ونقده عند أهل السنة.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معنى الحد في اللغة.
المبحث الثاني: معنى الحد عند المنطقيين.
المبحث الثالث: نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين.
стр. 115
المبحث الأول: معنى الحد في اللغة.
للحد في اللغة معان منها:
١- أنه المانع والحاجز بين الشيئين: يقول الخليل بن أحمد: "فصل ما بين كل شيئين حدٌّ بينهما"١، وهذا يعني المنع.
ويقول ابن فارس: "فالحد الحاجز بين الشيئين، وفلان محدود إذا كان ممنوعاً، ويقال للبواب حداد؛ لمنعه الناس من الدخول، وسمي الحديد حديداً لامتناعه وصلابته وشدته، ويقال حدت المرأة على بعلها وأَحدّت، وذلك إذا منعت نفسها الزينة والخضاب"٢. ويرتبط بهذا المعنى" تمييز الشيء عن الشيء"٢، إذ أنه يحصل بالفصل بين الشيئين ووضع الحاجز بينهما.
٢- والحد طرف الشيء ومنتهاه: يقول الخليل: "ومنتهى كل شيء حده..وحدُّ كل شيء طرف شباته كحد السنان والسيف ونحوه"٤.
٣- والحد بأس الرجل ونفاذه في نجدته٥.
٤- والحد الصرف عن الشيء من الخير والشر٦.
والمعنى الأول والثاني هما الأكثر استعمالاً للفظ الحد؛ ولذا جعلهما ابن فارس المعنيين اللذين تدور عليهما هذه الكلمة.
стр. 116
المبحث الثاني: معنى الحد عند المنطقيين .
يعرف أهل المنطق الحد بأنه قولٌ دالٌ على ماهية الشيء١. ويوضح هذا التعريف ابن سينا بقوله عن الحد أنه: "القول الدال على ماهية الشيء؛ أي كمال وجوده الذاتي، وهو ما يتحصل له من جنسه القريب٢وفصله٣"١. ولذلك يعرف بعضهم الحد بأنه ما ألف من جنس وفصل٥.
ويقول ابن سينا:" فالحدود تفيد تصور ما لا يكون بين التصور من موضوعات الصناعة، ومن عوارض الصناعة"٦. والتصور عندهم هو العلم بذوات الأشياء٧.
فالحد عند المنطقيين اسم جامع لكل ما يعرف التصور، وهو القول الشارح٢. فلا بد أن يكون الحد مصوراً لِكُنْه الشيء، ومبيناً لحقيقته من خلال ذاتياته٩، لذا كان من شروط الحد عندهم أن يأتي بالجنس القريب، وجميع الفصول الذاتية. يقول الغزالي: "والمخلصون إنما يطلبون من الحد تصور كنه الشيء، وتمثل حقيقته في نفوسهم، لا لمجرد التمييز"١٠.
وقالوا إن الغرض من الحد "هو الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة، حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخل فيه ما ليس منه"٣.
стр. 117
المبحث الثالث: نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين .
قبل أن نبين نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين، يحسن أن نبين معنى الحد عند جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين.
أولاً - معنى الحد عند جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين:
جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين على خلاف أهل المنطق في تعريفهم للحد وفائدته، فالحد عندهم هو ما يحصل به التمييز للمحدود من غيره١.
وقالوا: "إن حد الشيء وحقيقته خاصته التي تميزه"٢.
وقالوا: الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال٣.
والحد: "ما أحاط بالمحدود بحيث لا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما هو منه"٤.
وقيل: "هو الجامع المانع، ويقال: المطرد المنعكس"٥، وهو يحصل بالخواص اللازمة التي لا تحتاج إلى ذكر الصفات المشتركة بينه وبين غيره٦.
والخلاصة أنهم يرون أن الحد يفيد تمييز المحدود لا تصوير حقيقته، وهذا التعريف واضح الارتباط بالمعنى اللغوي للحد والذي سبق بيانه.
стр. 118
ثانياً - نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين:
لقد أخطأ المنطقيون في دعواهم أن الحدود تفيد تصوير الحقائق، ولم يكن قولهم في ذلك دقيقاً، ولا مطابقاً للواقع، بل غاية الحد أنه يفيد تمييز المحدود عن غيره، وشرح معناه، ومن وجوه الرد عليهم في ذلك ما يلي:
الوجه الأول:
أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه، فإنه إذا قال: حد الإنسان مثلاً: إنه الحيوان الناطق أو الضاحك، فهذه قضية خبرية، ومجرد دعوى خلية عن حجة. فإما أن يكون المستمع لها عالماً بصدقها بدون هذا القول، وإما أن لا يكون. فإن كان عالماً بذلك ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد. وإن لم يكن عالماً، فمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه، لا يفيده العلم. كيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله؟ فقد تبين أنه على التقديرين ليس الحد هو الذي يفيده معرفة المحدود. فإن قيل الحد مفرد، قيل التكلم بالمفرد لا يفيد، ولا يكون جواباً لسائل، ثم إذا قدر أن الحد هو المفرد فالمفردات أسماء، وغاية السائل أن يتصور مسماها، لكن من أين له إذا تصور مسماها أن هذا المسمى هو المسؤول عنه، وأن هذا المسمى هو حقيقة المحدود؟.
فإن قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك أو غير ذلك، قيل فحينئذ يكون هذا كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه، وهو دلالة الاسم على مسماه، وهذا يحقق أن دلالة الحد كدلالة الاسم. وهذا قول أهل الصواب الذين يقولون: "الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال "، وحينئذ فيقال: لا نزاع بين العقلاء أن مجرد الاسم لا يوجب تصوير المسمى لمن لم يتصوره بدون ذلك، وإنما الاسم يفيد الدلالة عليه والإشارة إليه١.
стр. 119
الوجه الثاني:
أن يقال: لو كان الحد مفيداً لتصور المحدود، لم يحصل ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد، فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه، فمن الممتنع أن نعلم صحة المعرَّف المحدود قبل العلم بصحة المعرِّف. والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود، إذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود، فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل تصور المخبَر عنه، من غير تقليد المخبِر وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبَر١.
الوجه الثالث:
أن من المعلوم أن أغلب الحقائق والمعلومات، يستقبلها الناس عن طريق الحواس الخمس، وهي التي تساهم في تشكيل التصورات والخرائط المختلفة للأشياء، ويؤثر على هذا التصور مجموعة من العوامل، منها ثقافة الشخص، وخلفيته المعرفية، وقناعاته الخاصة، وبيئته التي نشأ فيها، كما أن لكل واحد منا حاسته الخاصة التي يعتمد عليها أكثر من غيرها. لذلك فكل شخص له صورته الخاصة لذلك الشيء المحدود، والتي قد تختلف عن الصور التي رسمها الآخرون، فالحد إذاً لا يفيد تصوير حقيقة المحدود كما هي عليه، بل تمييزها عن غيرها.
الوجه الرابع:
أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية، ويسمونها أجزاء الحد، وأجزاء الماهية، والمقوّمة لها، والداخلة فيها، ونحو ذلك من العبارات، فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع أن يتصوره، وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد. فثبت أنه على تقدير النقيضين لا يكون قد تصوره بالحد وأما فائدة الحد فهي من جنس فائدة الاسم، وهو التمييز بين الشيء المحدود وغيره. وأئمة المصنفين
стр. 120
في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون بهذا عند التحقيق كأبي حامد الغزالي١، والفارابي٢ وابن سينا٣.
الوجه الخامس:
أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة، فيمتنع أن تطلب بالحد، وذلك لأن الذهن إما أن يكون شاعراً بها، وإما أن لا يكون شاعراً بها، فإن كان شاعراً بها، امتنع طلب الشعور وحصوله، لأن تحصيل الحاصل ممتنع، وإنما قد يطلب دوام الشعور وتكراره أو قوته. وإن لم يكن شاعراً بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به، فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور.
وإذا لم تكن التصورات المفردة مطلوبة، فإما أن تكون حاصلة للإنسان، فلا تحصل بالحد، فلا يفيد الحد التصوير، وإما أن لا تكون حاصلة، فمجرد حصول الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لا يعرفها، فالحاصل أن فائدة الحد من جنس فائدة الاسم٤.
الوجه السادس:
أن يقال: المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام، وهو الحقيقي المؤلف من الجنس والفصل، ومن الذاتيات المشتركة والمميزة، دون العرضيات التي هي العرض العام٥، والخاصة٦. وهذا الكلام مبني على الفرق بين الذاتي والعرضي.
وقد ذكروا فروقاً ثلاثة بينهما، وقد طعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق، وبينوا أنه لا يحصل بها الفرق بين الذاتي وغيره٧.
стр. 121
الوجه السابع:
أن يقال: قولهم "إن الحد التام يفيد تصوير الحقيقة"، واشتراطهم أن يكون مؤلفاً من الذاتي المميز والذاتي المشترك، إن أريد بالحد التام ما يصور الصفات الذاتية على التفصيل - مشتركها ومميزها -، فالجنس القريب مع الفصل لا يحصل ذلك، وإن أريد بما يدل على الذاتيات ولو بالتضمن أو الالتزام، فالفصل بل الخاصة يدل على ذلك.
وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس، أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم عنه جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم. ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع. فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح، الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف. وهذا عين الضلال والإضلال١.
الوجه الثامن:
هو أن اشتراطهم ذكر الفصول التي هي الذاتيات المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية غير ممكن. إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن شخصاً أن يجعله ذاتياً مميزاً، ويمكن الآخر أن يجعله عرضياً لازماً٢.
الوجه التاسع:
أن يقال: هذا التعليم دوري قبلي، فلا يصح. وذلك أنهم يقولون: إن المحدود لا يتصور أو لا يحد حداً حقيقياً إلا بذكر صفاته الذاتية. ثم يقولون: الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره. فيفرقون بين الذاتي وغير الذاتي أن الذاتي ما يتوقف عليه تصور الماهية، فلابد أن يتصور قبلها.
ويقولون تارة: لابد أن يتصور معها. فلا يمكن عندهم أن يتأخر تصوره عن تصور الماهية، وبذلك يعرف أنه وصف ذاتي.
стр. 122
فحقيقة قولهم أنه لا يعلم الذاتي من غير الذاتي حتى تعلم الماهية، ولا تعلم الماهية حتى تعلم الصفات الذاتية التي منها تؤلف الماهية وهذا دور.
فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية، ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود، فيتوقف معرفتها على معرفتها، فلا يعرف هو ولا يعرف الذاتيات. وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم، ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه، لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق١.
الوجه العاشر:
أن الحدود إنما هي أقوال كلية، كقولنا حيوان ناطق، فتصور معناها لا يمنع من وقوع الشركة فيها، وإن كانت الشركة ممتنعة لسبب آخر، فهي إذن لا تدل على حقيقة معينة بخصوصها، وإنما تدل على معنى كلي. والمعاني الكلية وجودها في الذهن لا في الخارج، فما في الخارج لا يتعين، ولا يعرف بمجرد الحد، وما في الذهن ليس هو حقائق الأشياء، فالحد لا يفيد تصور الحقيقة أصلا٢.
الوجه الحادي عشر:
أن الحد من باب الألفاظ، واللفظ لا يدل المستمع على معناه إن لم يكن قد تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ. لأن اللفظ المفرد لا يدل المستمع على معناه إن لم يعلم أن اللفظ موضوع للمعنى، ولا يعرف ذلك حتى يعرف المعنى. فتصور المعاني المفردة يجب أن يكون سابقاً على فهم المراد بالألفاظ. فلو استفيد تصورها من الألفاظ لزم الدور، وهذا أمر محسوس، فإن المتكلم باللفظ المفرد إن لم يبين للمستمع معناه حتى يدركه بحسه أو بنظره، وإلا لم يتصور إدراكه له بقول مؤلف من جنس وفصل٣.
стр. 123
الوجه الثاني عشر:
أن العلم بوجود صفات مشتركة ومختصة حق، لكن التمييز بين تلك الصفات بجعل بعضها ذاتياً تتقوم منه حقيقة المحدود، وبعضها لازماً لحقيقة المحدود تفريق باطل، بل جميع الصفات الملازمة للمحدود طرداً وعكساً هي جنس واحد؛ فلا فرق بين الفصل والخاصة، ولا بين الجنس والعرض العام.
وذلك أن الحقيقة المركبة من تلك الصفات إما أن يعني بها الخارجة، أو الذهنية، أو شيء ثالث. فإن عنى بها الخارجة فالنطق والضحك في الإنسان حقيقتان لازمتان يختصان به، وإن عنى الحقيقة التي في الذهن؛ فالذهن يعقل اختصاص هاتين الصفتين به دون غيره.
وإن قيل: بل إحدى الصفتين يتوقف عقل الحقيقة عليها، فلا يعقل الإنسان في الذهن حتى يفهم النطق، وأما الضحك فهو تابع لفهم الإنسان. وهذا معنى قولهم: الذاتي ما لا يتصور فهم الحقيقة بدون فهمه، أو ما تقف الحقيقة في الذهن والخارج عليه.
قيل: إدراك الذهن أمر نسبي إضافي. فإن كون الذهن لا يفهم هذا إلا بعد هذا؛ أمر يتعلق بنفس إدراك الذهن، ليس هو شيئاً ثابتاً للموصوف في نفسه. فلا بد أن يكون الفرق بين الذاتي والعرضي بوصف ثابت في نفس الأمر، سواء حصل الإدراك له أو لم يحصل، إن كان أحدهما جزءاً للحقيقة دون الآخر وإلا فلا١.
الوجه الثالث عشر:
أن الحد إذا كان له جزءان فلا بد لجزئيه من تصور كالحيوان والناطق، فإن احتاج كل جزء إلى حد لزم التسلسل أو الدور. فإن كانت الأجزاء متصورة بنفسها بلا حد - وهو تصور الحيوان، أو الحساس، أو المتحرك بالإرادة - فمن المعلوم أن هذه أعم. وإذا كانت أعم يكون إدراك الحس لأفرادها أكثر. فإن كان إدراك الحس لأفرادها كافياً في التصور فالحس قد أدرك أفراد النوع. وإن لم يكن كافياً في ذلك لم تكن الأجزاء معروفة، فيحتاج المعرِّف إلى معرِّف، وأجزاء الحد إلى حد٢.
стр. 124
الوجه الرابع عشر:
أنه لو كان الحد يفيد تصوير حقيقة الشيء، ويدل على كنهه وماهيته، لاتفق الناس في تصورهم للأشياء قبل رؤيتها، ولكن الواقع يثبت خلاف ذلك، فلكل شخص تصوره الخاص عما يُحد له، ويتدخل في ذلك الخلفية المعرفية لكل شخص، ومستوى الفهم، والقدرة على التصور والتخيل. فثبت أن الحد لا يصور المحدود.
هذه بعض الردود التي يمكن الرد بها على المنطقيين في تعريفهم للحد، وتضخيمهم لشأنه، ومن خلال هذه الردود يتبين لنا فساد معنى الحد عند المنطقيين، وبطلانه، وأنه غير ممكن، وقد تعسر عليهم تحصيله وفق شروطهم، مع أنهم واضعوه.
стр. 125
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدة عرض وتقويم
المبحث الأول: كتاب: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين
التعريف بالمؤلف والكتاب
...
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدةعرض وتقويم.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: كتاب: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين.
المبحث الثاني: كتاب: التعريفات.
المبحث الثالث: كتاب: التوقيف على مهمات التعاريف.
стр. 126
المبحث الأول: كتاب: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين.
١ - التعريف بالمؤلف والكتاب:
كتاب المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين لسيف الدين، أبي الحسن علي ابن أبي علي محمد بن سالم الثعلبي، وقيل التغلبي، ثم الحموي، ثم الدمشقي، المعروف بالآمدي، ولد في آمد١سنة ٥٥١هـ، وانتقل منها بعد ذلك إلى بغداد، ثم مصر، ثم حماة ودمشق، وكانت تنقلاته تلك بسبب ما يتعرض له من مضايقات فقهاء عصره؛ لغلوه في الفلسفة.
ألف الآمدي في الأصول والمنطق والجدل، ومن مؤلفاته الإحكام في أصول الأحكام، واختصره في كتابه منتهى السول، وله كتاب أبكار الأفكار ولا يزال مخطوطاً، وقد اختصره في كتابه غاية المرام في علم الكلام، وقد توفي الآمدي سنة ٦٣١ هجرية٢.
ظهر كتاب المبين لأول مرة مطبوعاً عام ١٩٥٤م في مجلة المشرق البيروتية الكاثوليكية، في العدد الثاني من المجلد الثامن والأربعين، بعناية ولهلم كوتش وأغناطيوس عبده خليفة. ولكنه لم يظهر كاملاً، إذ النسخة الخطية المعتمدة ينقصها قرابة نصف الكتاب٣.
ثم طبع ضمن كتاب بعنوان "الفيلسوف الآمدي، مع تحقيق كتاب المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين" للدكتور عبد الأمير الأعسم، وكانت طبعته الأولى عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م. كما طبع بتحقيق الدكتور حسن محمود الشافعي، وكانت طبعته الثانية عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. وطبع مع مجموعة رسائل في الحدود، بتحقيق الدكتور عبد الأمير الأعسم، في كتابه المصطلح الفلسفي عند العرب، وكانت طبعته الثانية عام١٩٩٧م.
стр. 127
٢ - عرض محتوى الكتاب:
ألف الآمدي كتاب المبين بناء على طلب من وسمه بأنه رئيس العلماء، وسيد الفضلاء، حيث ذكر الآمدي أنه أشار عليه بوضع مختصر جامع لشرح الألفاظ المتداولة في اصطلاح الحكماء والمتكلمين. فألف الآمدي كتاب المبين لهذا الغرض١.
وقد عرّف الآمدي في كتابه المبين بكثير من ألفاظ ومصطلحات الفلاسفة والمتكلمين، وغلب على الكتاب مصطلحات الفلاسفة، وهي التي استعملها كثير من المتكلمين المتأخرين حيث امتزجت الفلسفة بعلم الكلام في القرن الذي عاش فيه الآمدي، لذلك نجد أن الألفاظ الفلسفية تغلب على كتابه، بل نجد أن الآمدي في بعض المواضع يعرض المعنى الذي يستخدمه الفلاسفة، ولا يذكر المعنى الذي يستخدمه المتكلمون لذلك اللفظ٢.
وقد سرد المؤلف في بداية كتابه الألفاظ التي عرف بها في كتابه، والتي تصل إلى مايزيد على المئتي مصطلح وجعل ذلك الفصل الأول من كتابه.
وفي الفصل الثاني قام بشرح تلك الألفاظ بإيجاز غير مخل، حيث ركز على الألفاظ الفلسفية والكلامية، وذكر معناها الاصطلاحي، ولم يتعرض لذكر المعنى اللغوي للألفاظ، لذلك استطاع أن يشرح عدداً كبيراً من المصطلحات في مجلد صغير.
وبتصفح كتاب المبين نجد أن الآمدي قد بدأ بشرح المصطلحات المنطقية، ثم انتقل إلى المصطلحات التي يستخدمها الفلاسفة والمتكلمون في العلم الطبيعي، ثم ما يستخدمونه في العلم الإلهي. ويلاحظ قلة المصطلحات المتعلقة بالعلم الإلهي - كما يسمونه - وهو العلم الناظر في ذات الإله - تعالى - وصفاته.
ولم يلتزم الآمدي بترتيب المصطلحات على حروف الهجاء. بل رتبها حسب الترابط الموضوعي.
وكتاب المبين أوسع من الكتب التي تقدمته في الحدود، كالحدود لجابر بن حيان ومثله للكندي وابن سينا والغزالي، من حيث عدد الألفاظ المشروحة. وإن كانت بعض هذه الرسائل أكثر توسعاً من المبين في شرح اللفظ الواحد.
стр. 128
وقد تميزت شخصية الآمدي في هذا الكتاب، حيث نجد أنه عند شرحه للألفاظ التي تكررت عند من سبقه، لم ينقل تعريفاتهم؛ بل غيّر كثيراً منها واختصر بعضها ونقحه.
стр. 129
٣ - المآخذ على الكتاب:
١ - مما يؤخذ على الكتاب أن مؤلفه سرد التعريفات دون تعليق على المعاني التي تحويها بعض تلك التعريفات، مثل تعريف القديم، والنبوات، والحادث١، وذلك لأنه لايرى بطلانها فهي تمثل مذهبه الكلامي الفلسفي.
٢ - أن مؤلف الكتاب متكلم أشعري٢؛ لذا جاءت بعض التعريفات على المذهب الأشعري مثل تعريف الكلام، القدرة، الإرادة، الجوهر الفرد٣، كما أن الكتاب عموما جاء لعرض معاني ألفاظ الفلاسفة والمتكلمين، لذا أغفل معنى تلك المصطلحات عند أهل السنة.
٣ - عدم شمول الكتاب لألفاظ المتكلمين، وغلبة الألفاظ المنطقية عليه، بل إنه عرف بعض الألفاظ بمعناها عند الفلاسفة، ولم يذكر المعنى الذي عند المتكلمين كما في لفظ الاسم، الحد٤. كما أنه لم يتطرق لألفاظ مهمة في العقيدة عند المتكلمين كلفظ الأحد والتوحيد، والخلق، والإيجاد، والرب، والإله، وأبواب العقيدة الأخرى كالقدر والحكمة والتعليل، وألفاظ الأدلة كدليل التمانع ودليل الحدوث ونحوها. وبالجملة فكتاب المبين يشرح المصطلحات الفلسفية والكلامية، من منظور اختلطت فيه الفلسفة بعلم الكلام، ولا يخدم مذهب أهل السنة. وإن كان قد خدم الباحثين بتقديم تلك المصطلحات لهم.
стр. 130
المبحث الثاني: كتاب: التعريفات .
١ - التعريف بالمؤلف والكتاب:
مؤلف كتاب التعريفات هو علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي، المعروف بالسيد الشريف، ولد بجرجان سنة٧٤٠هـ، وهو متكلم مشارك في أنواع من العلوم، ذو فصاحة وطلاقة، ومعرفة بطرق المناظرة، والاحتجاج. من مؤلفاته شرح المواقف في علم الكلام، وحاشية على أنوار التنزيل، وغيرها، توفي بشيراز سنة٨١٦هـ١.
وكتابه التعريفات كتاب مشهور، اعتمد عليه كثير من طلاب العلم، وقد ألفه الجرجاني بطريقة تسهل الرجوع إليه، حيث رتبه على حروف الهجاء.
وقد طبع كتاب التعريفات طبعات كثيرة، فقد طبع في استانبول سنة ١٨٣٧م٢، وطبع في القاهرة سنة١٣٠٦هـ - ١٨٨٨م، كما طبع عام١٣٠٨هـ - ١٨٩٠م، وأعيد طبعه بعد ذلك مرات عديدة، وبتحقيقات مختلفة منها طبعة بتحقيق إبراهيم الأبياري عام ١٤٠٥هـ. وطبعة بتحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة عام ١٤٠٧هـ، وغيرها.
стр. 131
٢ - عرض محتوى الكتاب:
كتاب التعريفات للجرجاني من الكتب الشاملة لمصطلحات كثير من العلوم، فلم يقتصر على مصطلحات فن بعينه، بل تناول مصطلحات اللغة بفنونها من بلاغة ونحو وعروض، ومصطلحات العقيدة والفقه وأصوله، والفلسفة، والكلام، ومصطلحات الصوفية، ومصطلحات الحديث، وعلوم القرآن، كما تعرض لشيء من مصطلحات الحساب والهندسة والفلك، وعرف بكثير من الفرق.
وقد نقل جل تعريفاته من كتب متفرقة، وزاد عليها، وقد جمعها ورتبها ليسهل على طلاب العلم الوصول إلى معاني تلك المصطلحات، فهو يقول: "وبعد فهذه تعريفات
стр. 132
جمعتها، واصطلاحات أخذتها من كتب القوم، ورتبتها على حروف الهجاء، من الألف والباء إلى الياء، تسهيلاً تناولها للطالبين، وتيسيراً تعاطيها للراغبين"١.
وقد أوجز في تعريفاته للمصطلحات، وفصّل في الألفاظ التي تحتاج إلى تفصيل، وكان يذكر المعنى اللغوي ثم المعنى الاصطلاحي لبعض الألفاظ.
كما أن الجرجاني قد رتب الألفاظ في كتابه على ترتيب حروف الهجاء، دون إرجاع الكلمة إلى أصلها، مما يسهل عملية البحث عن لفظ معين فيه، حيث قسم الكتاب إلى أبواب مرتبة على حروف الهجاء، كل باب خاص بالألفاظ التي تبدأ بحرف واحد، ثم قسم كل باب إلى فصول مراعياً في الفصول الحرف الثاني من الكلمة ثم رتب هذه الفصول على حروف الهجاء، فصار الكتاب مرتباً الألفاظ على حروف الهجاء مراعياً الحرف الأول والثاني فقط.
ويلاحظ استشهاد الجرجاني في كتابه بكثير من الآيات والأحاديث مفرقة في كتابه.
стр. 133
٣ - المآخذ على الكتاب:
١ - مما يؤخذ على كتاب التعريفات أن مؤلفه قد أكثر فيه من مصطلحات الصوفية الباطلة، والتي تحوي معاني فاسدة دون تعليق عليها وبيان ما فيها من باطل١، بل في بعضها التصريح بالوحدة٢، كما نقل عن ابن عربي ولم يرد على ما في كلامه من القول بوحدة الوجود٣.
٢ - أن الجرجاني من متكلمي الأشاعرة، لذا فقد عرف كثيراً من المصطلحات وفق تعريف المتكلمين لها، ومن ذلك - على سبيل المثال - تعريفه للسحر٤، وتعريفه للتوحيد٥، والإيمان٦.
стр. 134
٣ - جعل آيات الصفات من قبيل المتشابهات وأن فيها إيهام١!.
٤ - كما يؤخذ على الكتاب أن مؤلفه استشهد بأحاديث ضعيفة وموضوعة٢.
٥ - أتى المؤلف بكلمات ليست من قبيل المصطلح، وليست تحمل مدلولاً له خصوصية معينة - حسب تعريفه الذي ذكره -، بحيث يؤتى بها في كتاب مصطلحي؛ كلفظ التبشير والتبذير والفخر والكرم ونحوها٣، حيث ذكر دلالتها اللغوية.
وبرغم هذه السلبيات إلا أنه قد أفاد الباحثين كثيراً، لاسيما في المصطلحات التي لا تتقيد بمذهب معين.
стр. 135
المبحث الثالث: كتاب: التوقيف على مهمات التعاريف .
١ - التعريف بالمؤلف والكتاب:
مؤلف كتاب التوقيف على مهمات التعاريف هو زين الدين، محمد عبد الرؤوف، بن تاج العارفين، بن علي بن زين العابدين، الحدادي، المناوي، القاهري، الشافعي. الصوفي ولد سنة ٩٥٢هـ، وتوفي سنة ١٠٣١هـ، له مشاركات في عدة علوم، اشتهر بلقب المحقق، ومن مؤلفاته "كنوز الحقائق" في الحديث، و"التيسير" في شرح الجامع الصغير، وشرح قصيدة النفس "العينية" لابن سينا١.
وكتاب التوقيف معجم لغوي مصطلحي، طبع بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، وكانت طبعته الأولى عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
стр. 136
٢ - عرض محتوى الكتاب:
كتاب التوقيف من كتب المصطلحات الشاملة لأكثر من فن، ويغلب عليه التعريف بمصطلحات الصوفية. كما عرف بكثير من مصطلحات الفقه، واللغة، والحديث، وعلوم القرآن، والعقيدة، والمنطق، وببعض الفرق، وبعض ألفاظ الطب.
وقد رتب المصطلحات في كتابه على حروف الهجاء مراعياً الحرف الأول والثاني، وفي بعض المواضع قد يراعي الحرف الثالث والرابع، حيث قسم كتابه إلى أبواب بالنظر إلى الحرف الأول من الكلمة، ثم داخل كل باب رتب الألفاظ على فصول مراعياً الحرف الثاني كترتيب الألفاظ في كتاب التعريفات للجرجاني.
وقد جمع المصنف في كتابه - كما يقول في مقدمته - زُبَدَ ثلاثة كتب: الذريعة إلى معرفة ما أصلت عليه الشريعة ولم يسم مؤلفه، ولم أقف على كتاب بهذا العنوان١،
стр. 137
وتعريفات ابن الكمال١، والمفردات للراغب الأصفهاني. ومن الذين أكثر المناوي النقل عنهم الحرالّي٢.
وقد رجع المؤلف إلى كتب أخرى، نجد الإحالة عليها في ثنايا كتاب التوقيف، كشرح العقائد للتفتازاني، وشرح العقائد العضدية للسيد الشريف الجرجاني، وغيرها.
стр. 138
٣ - المآخذ على الكتاب:
١ - مما يؤخذ على الكتاب إكثاره من مصطلحات الصوفية، التي تحمل معاني باطلة، دون تعليق عليها بما يشعر بفساد المعنى الذي تحويه، ومخالفته للعقيدة١، فهو يعرض المعاني عرضاً مجرداً عن النقد، ومثل ذلك عرضه لألفاظ أهل الوحدة٢.
٢ - كما نجد المؤلف يثني على الصوفية في هذا الكتاب، ويسميهم أهل الحق وأهل الحقيقة، وهذا لا يستغرب من المؤلف لكونه صوفياً.
٣ - يذكر المؤلف بعض التأويلات الباطلة ولا يرد عليها٣، وعند تعريفه لصفة الكلام ذكر مذهب المعتزلة والأشاعرة ولم يذكر مذهب أهل السنة٤.
٤ - منهج العرض المجرد عن النقد وهو منهج الجرجاني والآمدي - كما سبق -، ومنهج غيرهم من المؤلفين في المصطلح؛ وهو منهج سلبياته كثيرة: منها أنه يلبس على القارئ قليل العلم فيعتقد أن هذا المعنى الباطل حق، كما أنه يوهم أن هذا المؤلف يتبنى هذا المصطلح والفكر الذي يحمله ذلك المصطلح؟!.
стр. 139
٥ - ومما يؤخذ على كتاب التوقيف إطالته في عرض المعنى اللغوي للكلمة، مع أن الغاية من هذا الكتاب هو التعريف الاصطلاحي أو الشرعي للكلمة.
٦ - أتى المؤلف بكلمات كثيرة ليست من قبيل المصطلح، وليست تحمل مدلولاً له خصوصية معينة بحيث يؤتى بها في كتاب مصطلحي؛ وذلك مثل كلمة الإخبات، الإدام، الأذى، الأرج، الإزاء، الاستبرق، الجذع، الجذوة، السير، ونحوها.
وهذه الكتب التي عرضتها من أهم كتب المصطلحات المتأخرة، وقد خدمت الباحثين كثيراً، ولكن يلاحظ قصورها عن بيان معاني ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة، وعدم نقد التعريفات التي تحوي معاني باطلة، مما يؤكد ضرورة العمل في هذا المجال، وإيجاد موسوعة مصطلحات لأهل السنة تبين معاني ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، وموقفهم من تحريف المتكلمين لها.
стр. 140
الباب الثاني: دراسة تطبيقية على ألفاظ توحيد الربوبية ومصطلحاته
الفصل الأول: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بخصائص الربوبية
تمهيد
...
الباب الثاني: دراسة تطبيقية على ألفاظ توحيد الربوبية ومصطلحاته.
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بخصائص الربوبية.
الفصل الثاني: ألفاظ أدلة توحيد الربوبية ومصطلحاتها.
الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية.
الفصل الرابع: المصطلحات البدعية المتعلقة بتوحيد الربوبية.
стр. 141
تمهيد:
هذا الباب دراسة تطبيقية على ألفاظ ومصطلحات توحيد الربوبية، وقد قسمته إلى أربعة فصول، معتمدة على الوحدة الموضوعية لكل مجموعة من المصطلحات، وفي كل فصل رتبت المصطلحات وفق التناسب والعلاقة المعنوية بينها، فمثلا لفظ الإحياء يليه لفظ الإماتة، ولفظ الخلق يليه الإبداع ثم التأثير ثم الإيجاد وهكذا، وبدأت كل فصل بأقرب الألفاظ لعنوان الفصل، ففصل خصائص الربوبية بدأته بلفظ الرب، وفصل أدلة الربوبية بدأته بلفظ الدليل، وفصل الشرك في الربوبية بدأته بلفظ الشرك في الربوبية، وهكذا.
وقد حاولت عند وضعي لخطة البحث المبدئية ترتيب المصطلحات وفق حروف الهجاء، لكن هذا الترتيب أخر المهم، وقدم ما دونه، وأبعد المصطلحات المترابطة في المعنى عن بعضها، مع أن بعضها يكمل بعضاً؛ لذا عدلت عنه ورأيت أن الفهارس تغني عن الترتيب وفق حروف الهجاء.
وجمعت في هذه الفصول ما رأيت أهميته من المصطلحات، وما يكثر الحديث عنه في كتب العقائد، وتركت بعض الألفاظ التي يكفي عنها غيرها في المعنى، كلفظ التصرف فهو داخل في معنى الملك، والأمر.
وبدأت كل مصطلح ولفظ ببيان معناه في اللغة، ليتضح أصله اللغوي وما طرأ عليه من التغير في الاصطلاح، وليستخدم كدليل لبيان صحة أو ضعف الاستعمال الاصطلاحي لذلك اللفظ.
ثم بينت إن كان اللفظ قد ورد في الكتاب والسنة، وعقبت ذلك ببيان تعريف أهل السنة له، وذلك غالباً إذا كان اللفظ شرعياً، أما إذا كان المصطلح ليس شرعياً فقد أبدأ بمعناه عند أهل السنة، وتارة بأول من استعمل ذلك اللفظ من الطوائف، مبينة معناه عندهم، ثم عند من أخذه عنهم، ثم أبين موقف أهل السنة من ذلك اللفظ، وما يحويه من باطل.
стр. 142
الرّب
١ - معنى الرّب في اللغة:
الرب في اللغة يراد به المالك، والخالق، والسيد، والمدبر، والمربي، والمصلح، والقيم، والمنعم. يقول ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول. فالأول إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرّب: المالك، والخالق، والصاحب. والرّب: المصلح للشيء. يقال ربَّ فلانٌ ضَيعَته؛ إذا قام على إصلاحها.. والله - جل ثناؤه - الرب لأنه مصلح أحوالِ خلقه"١.
وقال الجوهري٢: "ربُّ كل شيء مالكه، والرّب اسم من أسماء الله ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة..ورَببت القوم سستهم، أي كنت فوقهم..ورَبَّ الضيعة أي أصلحها وأتمها. ورَبَّ فلان ولده يربه ربا، ورببه، وترببه، بمعنىً أي رباه"٣. وقال ابن الأثير٤: "الرّب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم والمنعم "٥.
٢ - معنى الرب في الشرع:
ورد لفظ الرب كثيراً في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وكان المعنى فيها هو معنى الرب الذي ورد في اللغة. ومن تلك الآيات قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] ، وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون - ٨٦] وغيرها. يقول الطبري ﵀: "فربنا - جل ثناؤه - السيد الذي لاشبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر"٦.
стр. 143
ومن السنة قوله ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً" ١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والرب هو الذى يربى عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله، من العبادة وغيرها"٢.
وقال أيضا: "فإن الرب - سبحانه - هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل"٣.
ويقول ابن القيم ﵀: "والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله - تعالى - هو الرب بهذه الاعتبارات كلها"٤.
وقال ابن كثير ﵀: "والرب هو المالك المتصرف"٥.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: "الرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم، وأخص من هذا تربيته لأصفيائه؛ بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم، وأخلاقهم"٦.
وتعريف المتكلمين للرب مماثل لتعريف أهل السنة، فيقول البغدادي: "والرب بمعنى المالك للمملوكات كلها، وقد يكون بمعنى المصلح للشيء"٧، وقال الرازي: "والرب هو المتصرف بالشيء"٨.
فالرب إذاً صفة ذاتية لله - تعالى -، وهي بمعنى السيد والمالك والمتصرف والمنعم والمربي والمصلح.
стр. 144
الإحياء
١ - معنى الإحياء في اللغة:
لفظ إحياء يرجع إلى الكلمة الثلاثية حيى، والحياة في لغة العرب ضد الموت، والإحياء ضد الإماتة، يقول ابن فارس: "الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة.
فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والمَوَتان، ويسمى المطر حياً لأن به حياة الأرض، ويقال ناقة مُحْي ومُحْيِيَة لا يكاد يموت لها ولد"١.
ويقول الخليل: "حيي يحْيا فهو حيٌّ، ويقال للجميع حَيُّوا..والحيوان كل ذي روح.. والحيا مقصور حيا الربيع، وهو ما تحيا به الأرض من الغيث"٢.
والإحياء البعث بعد الموت، والإحياء الإنشار، أنشر الموتى فنشروا إذا حيوا، وأنشرهم الله أي أحياهم٣.
وأحيا الله الأرض أخرج فيها النبات. وإحياء الأرض مباشرتها بتأثير شيء فيها من إحاطة أو زرع أو عمارة ونحو ذلك٤.
وإحياء الليل: السهر فيه بالعبادة وترك النوم٥.
هذه خلاصة أقوال أهل اللغة في معنى كلمة الإحياء. وفي كتب المتأخرين جاء معنى الإحياء في كشاف اصطلاحات الفنون بأنه: "لغة جعل الشيء حياً أي ذا قوة احساسية أو نامئة"٦.
стр. 145
وبتأمل معنى الإحياء في اللغة نجد أنه مصدر للفعل أحيا، وأنه يدور على معنيين: الأول هو إحياء الميت بمعنى بعثه بعد الموت وإرجاع الحياة إليه.
الثاني إحياء معنوي كإحياء الأرض بمعنى إخراج النبات فيها، وإحياء الإنسان للأرض بمعنى التأثير فيها بوضع حائط أو زرع ونحو ذلك، وإحياء الليل بمعنى السهر فيه للعبادة.