← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تمهيد: هذا الباب دراسة تطبيقية على ألفاظ ومصطلحات توحيد الربوبية، وقد قسمته إلى أربعة فصول، معتمدة على الوحدة الموضوعية لكل مجموعة من المصطلحات، وفي كل فصل رتبت المصطلحات وفق التناسب والعلاقة المعنوية بينها، فمثلا لفظ الإحياء يليه لفظ الإماتة، ولفظ الخلق يليه الإبداع ثم التأثير ثم الإيجاد وهكذا، وبدأت كل فصل بأقرب الألفاظ لعنوان الفصل، ففصل خصائص الربوبية بدأته بلفظ الرب، وفصل أدلة الربوبية بدأته بلفظ الدليل، وفصل الشرك في الربوبية بدأته بلفظ الشرك في الربوبية، وهكذا. وقد حاولت عند وضعي لخطة البحث المبدئية ترتيب المصطلحات وفق حروف الهجاء، لكن هذا الترتيب أخر المهم، وقدم ما دونه، وأبعد المصطلحات المترابطة في المعنى عن بعضها، مع أن بعضها يكمل بعضاً؛ لذا عدلت عنه ورأيت أن الفهارس تغني عن الترتيب وفق حروف الهجاء. وجمعت في هذه الفصول ما رأيت أهميته من المصطلحات، وما يكثر الحديث عنه في كتب العقائد، وتركت بعض الألفاظ التي يكفي عنها غيرها في المعنى، كلفظ التصرف فهو داخل في معنى الملك، والأمر. وبدأت كل مصطلح ولفظ ببيان معناه في اللغة، ليتضح أصله اللغوي وما طرأ عليه من التغير في الاصطلاح، وليستخدم كدليل لبيان صحة أو ضعف الاستعمال الاصطلاحي لذلك اللفظ. ثم بينت إن كان اللفظ قد ورد في الكتاب والسنة، وعقبت ذلك ببيان تعريف أهل السنة له، وذلك غالباً إذا كان اللفظ شرعياً، أما إذا كان المصطلح ليس شرعياً فقد أبدأ بمعناه عند أهل السنة، وتارة بأول من استعمل ذلك اللفظ من الطوائف، مبينة معناه عندهم، ثم عند من أخذه عنهم، ثم أبين موقف أهل السنة من ذلك اللفظ، وما يحويه من باطل.

стр. 142

الرّب ١ - معنى الرّب في اللغة: الرب في اللغة يراد به المالك، والخالق، والسيد، والمدبر، والمربي، والمصلح، والقيم، والمنعم. يقول ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول. فالأول إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرّب: المالك، والخالق، والصاحب. والرّب: المصلح للشيء. يقال ربَّ فلانٌ ضَيعَته؛ إذا قام على إصلاحها.. والله - جل ثناؤه - الرب لأنه مصلح أحوالِ خلقه"١. وقال الجوهري٢: "ربُّ كل شيء مالكه، والرّب اسم من أسماء الله ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة..ورَببت القوم سستهم، أي كنت فوقهم..ورَبَّ الضيعة أي أصلحها وأتمها. ورَبَّ فلان ولده يربه ربا، ورببه، وترببه، بمعنىً أي رباه"٣. وقال ابن الأثير٤: "الرّب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم والمنعم "٥. ٢ - معنى الرب في الشرع: ورد لفظ الرب كثيراً في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وكان المعنى فيها هو معنى الرب الذي ورد في اللغة. ومن تلك الآيات قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] ، وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون - ٨٦] وغيرها. يقول الطبري ﵀: "فربنا - جل ثناؤه - السيد الذي لاشبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر"٦.

стр. 143

ومن السنة قوله ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً" ١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والرب هو الذى يربى عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله، من العبادة وغيرها"٢. وقال أيضا: "فإن الرب - سبحانه - هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل"٣. ويقول ابن القيم ﵀: "والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله - تعالى - هو الرب بهذه الاعتبارات كلها"٤. وقال ابن كثير ﵀: "والرب هو المالك المتصرف"٥. وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: "الرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم، وأخص من هذا تربيته لأصفيائه؛ بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم، وأخلاقهم"٦. وتعريف المتكلمين للرب مماثل لتعريف أهل السنة، فيقول البغدادي: "والرب بمعنى المالك للمملوكات كلها، وقد يكون بمعنى المصلح للشيء"٧، وقال الرازي: "والرب هو المتصرف بالشيء"٨. فالرب إذاً صفة ذاتية لله - تعالى -، وهي بمعنى السيد والمالك والمتصرف والمنعم والمربي والمصلح.

стр. 144

الإحياء ١ - معنى الإحياء في اللغة: لفظ إحياء يرجع إلى الكلمة الثلاثية حيى، والحياة في لغة العرب ضد الموت، والإحياء ضد الإماتة، يقول ابن فارس: "الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة. فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والمَوَتان، ويسمى المطر حياً لأن به حياة الأرض، ويقال ناقة مُحْي ومُحْيِيَة لا يكاد يموت لها ولد"١. ويقول الخليل: "حيي يحْيا فهو حيٌّ، ويقال للجميع حَيُّوا..والحيوان كل ذي روح.. والحيا مقصور حيا الربيع، وهو ما تحيا به الأرض من الغيث"٢. والإحياء البعث بعد الموت، والإحياء الإنشار، أنشر الموتى فنشروا إذا حيوا، وأنشرهم الله أي أحياهم٣. وأحيا الله الأرض أخرج فيها النبات. وإحياء الأرض مباشرتها بتأثير شيء فيها من إحاطة أو زرع أو عمارة ونحو ذلك٤. وإحياء الليل: السهر فيه بالعبادة وترك النوم٥. هذه خلاصة أقوال أهل اللغة في معنى كلمة الإحياء. وفي كتب المتأخرين جاء معنى الإحياء في كشاف اصطلاحات الفنون بأنه: "لغة جعل الشيء حياً أي ذا قوة احساسية أو نامئة"٦.

стр. 145

وبتأمل معنى الإحياء في اللغة نجد أنه مصدر للفعل أحيا، وأنه يدور على معنيين: الأول هو إحياء الميت بمعنى بعثه بعد الموت وإرجاع الحياة إليه. الثاني إحياء معنوي كإحياء الأرض بمعنى إخراج النبات فيها، وإحياء الإنسان للأرض بمعنى التأثير فيها بوضع حائط أو زرع ونحو ذلك، وإحياء الليل بمعنى السهر فيه للعبادة.

стр. 146

٢ - معنى الإحياء في الشرع: لقد ورد في الكتاب والسنة فعل الإحياء مثل: أحيا ونحيي ويحيي، وجاء اسم الفاعل من ذلك وهو المحيي، ولوضوح معنى الإحياءلم يعرفه أهل السنة في مؤلفاتهم وإنما تحدثوا عن هذا اللفظ بكلام عام يبين معناه عندهم. وقد ورد الإحياء في الشرع بمعنى نفخ الروح في الجسد، وإيجاد الحياة فيه، يقول الإمام الطبري عند تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨] ، وقوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر - ١١] : "..كانوا نطفاً لا أرواح فيها فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها، وإحياؤه إياها - تعالى ذكره - نفخه الأرواح فيها، وإماتته إياهم بعد ذلك قبضه أرواحهم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك نفخ الأرواح في أجسامهم يوم ينفخ في الصور، ويبعث الخلق للموعود"١. ويقول الإمام ابن القيم في معنى الإحياء أنه:" إحياء الميت وإيجاد الحياة فيه"٢.ويقول ابن كثير في معنى قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ﴾ [الحجر - ٢٣] : "إخبار عن قدرته - تعالى - على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع"٢. كما جاء الإحياء في بعض الآيات بمعنى إحياء الأرض بإنبات النبات فيها نحو قوله - تعالى -: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم _٥٠] ، قال الإمام الطبري: " ﴿وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم - ١٩] فينبتها، ويخرج زرعها بعد خرابها وجدوبها"٣. وأما الإحياء في قوله - تعالى -: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال _ ٢٤] فالمراد ما يحييكم من الحق، وقيل الإسلام، وقيل الإيمان٥. والإحياء المضاف إلى الله - تعالى - في الآيات السابقة صفة فعلية من صفات الرب - سبحانه -، يقول ابن تيمية ﵀:" معلوم بالسمع اتصاف الله - تعالى - بالأفعال

стр. 147

الاختيارية القائمة به، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض والطي والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك، بل والخلق والإحياء والإماتة"١، وقد ذكر ﵀ الآيات والأحاديث التي تدل على اتصاف الله بذلك، ثم دلل من طريق العقل فقال: "وأما من جهة العقل فمن جوز أن يقوم بذات الله - تعالى - فعل لازم له كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء"٢. كما بين ﵀ اختصاص الرب - تعالى - بهذه الصفة فقال: "وكذلك المسيح لما خلق من الطين كهيئة الطير إنما مقدوره تصوير الطين، وإنما حصول الحياة فيه فبإذن الله، فإن الله يحيي ويميت، وهذا من خصائصه، ولهذا قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ "٣. ويقول الطبري ﵀: "وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم فيستجيب له"٤. كما أطلق الإحياء على إبقاء النفس المعصومة، وعدم قتلها، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة - ٣٢] فقد قال المفسرون إن المراد بذلك أي: "من حرم قتل من حرم الله - عز ذكره - قتله على نفسه، فلم يتقدم على قتله فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه وذلك إحياؤه إياها"٥. وكذلك جاء في السنة أحيا ويحيي والمحيي، وكان معنى الإحياء في بعض الأحاديث يعني إحياء الموتى نحو قوله ﷺ : "ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وإن الله أحيا أباك فكلمه كفاحاً ٦"٧، وقوله ﷺ : "من قال

стр. 148

لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت.." ١. وقوله ﷺ : "ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل" ٢. وجاء إحياء الأرض بمعنى التأثير فيها بزرع أو حائط ونحوه٣، كقوله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" ٤. وجاء الإحياء بمعنى إعادة اليقظة بعد النوم، ورد القوة والحركة بعدما أزالهما منا بالنوم٥؛ كقوله ﷺ : "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٦، ونحوها من الأحاديث الواردة في دعاء الاستيقاظ من النوم. كما جاء الإحياء بمعنى إعادة إقامة الدين، والشرع، كما في قوله: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" ٧. وجاء بمعنى إحياء الليل بالعبادة والصلاة، قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله"٨، قال ابن حجر: "وأحيا ليله: أي سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه "٩. ومن خلال الآيات، والأحاديث السابقة، وشرح أهل السنة لها، يمكن تعريف الإحياء بأنه: صفة فعلية قائمة بذات الرب، ومتعلقة بقدرته ومشيئته، اختص بها، وهي تعني إعادة الحياة إلى الميت، أو إيجادها ابتداء ً فيه.

стр. 149

٣ - معنى الإحياء عند المتكلمين: يتبين معنى الإحياء عند الأشاعرة من خلال تعريفهم للمحيي، يقول البيهقي١: "المحيي ويختص بخلق الحياة"٢، ويعرف المحيي مرة أخرى فيقول: "المحيي جاعل الخلق حياً بإحداث الحياة فيه"٣، كما يعرف الإحياء بقوله: "الإحياء إنما هو إعادة الحياة إلى من كان حياً فأميت"٤. وقال الرازي في تعريف المحيي: "واعلم أنه - تعالى - يحيي النطفة والعلقة بخلق الحياة فيهما، ويحيي الأرض بإنزال الغيث.. يحيي الأجسام بالأرواح، ويحيي الأرواح بالمعارف والواردات الغيبية"٥. ويلاحظ على التعريفات السابقة أنها تجعل الإحياء بمعنى الخلق، والخلق عندهم هو المخلوق، فهو صفة بائنة عن ذات الرب، كما أن "الإحياء عندهم هو وجود الحياة في الحي من غير فعل يقوم بالرب، فقد جعلوه محيياً بوجود الحياة في غيره، وكذلك جعلوه مميتاً، وهذا مما عارضهم به المعتزلة، ولم يجيبوا عنه بجواب صحيح"٦. يقول عبد القاهر البغدادي وهو يتحدث عن أسماء الله - تعالى -: "أسماء الله - تعالى - على ثلاثة أقسام: قسم منها يستحق لذاته كوصفه بأنه شيء وموجود وذات وغني ونحو ذلك. وقسم منها يستحق لمعنى قام به كالحي والعالم والقادر والمريد والمتكلم والسميع والبصير. وقسم منها يستحقه لفعل من أفعاله كالخالق والغافر ونحو ذلك، وأما ما اشتق منها عن فعله فليس من أسمائه الأزلية"٧. ويقول البيهقي مبيناً أنواع صفات الله: "ثم صفات الله - عز اسمه - قسمان: أحدهما: صفات ذاته، وهي ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال. والآخر: صفات فعله وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل..ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة والقدرة

стр. 150

والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك من صفات ذاته، وكالخلق والرزق والإحياء والإماتة والعفو والعقوبة، ونحو ذلك من صفات فعله، ومنه ما طريق إثباته ورود خبر الصادق به فقط كالوجه واليدين والعين في صفات ذاته، وكالاستواء على العرش والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك من صفات فعله..ونعتقد في صفات ذاته أنها لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال موجودة به، ولا نقول فيها أنها هو ولا غيره، ولا هي هي ولا غيرها.. ونعتقد في صفات فعله أنها بائنة عنه - سبحانه -، ولا يحتاج في فعله إلى مباشرة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس - ٨٢] "١. ويقول الجويني٢: "من أسمائه ما نقول إنه هو هو؛ وهو كل ما دلت التسمية به على وجوده، ومن أسمائه ما نقول إنه غيره؛ وهو كل ما دلت التسمية به على فعل كالخالق والرازق، ومن أسمائه ما لا يقال إنه هو ولا يقال إنه غيره؛ وهو كل ما دلت التسمية به على صفة قديمة كالعالم والقادر"٣. وقال أيضا: "والمرتضى عندنا طريقة شيخنا ﵁، فإن الأسماء تتنزل منزلة الصفات، فإذا أطلقت ولم تقتض نفيا حملت على ثبوت متحقق، فإذا قلنا الله الخالق؛ وجب صرف ذلك إلى ثبوت وهو الخلق، وكان معنى الخالق من له الخلق، ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق، ولذلك قال أئمتنا: لا يتصف الباري - تعالى - في أزله بكونه خالقاً، إذ لا خلق في الأزل، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزاً"٤. وقالوا: "وصفات الأفعال كالإحياء والإماتة فإنها غير أيضاً، بمعنى أنها منفكة، لأنها هي تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة"٥. فالأشاعرة لا يثبتون صفات الأفعال لله - تعالى - ومنها الإحياء، وقد فسروه في التعريفات السابقة بالخلق، والخلق عندهم هو المخلوق، وليس صفة قائمة بذات الله -

стр. 151

تعالى - بل هو من متعلقات القدرة عندهم، فالخلق والإحياء والإماتة، بل وجميع صفات الأفعال يقولون إنها بائنة عنه - سبحانه -، وأنها لا تحقق وصفاً في ذاته. فالخلاصة إذاً هي أن الأشاعرة لا يثبتون صفة الإحياء، وإن كانوا قد عرفوا الإحياء والمحيي بما يوهم أنهم يثبتون هذه الصفة لله. أما الماتريدية١ فإنهم يرجعون صفة الإحياء، بل وجميع صفات الأفعال، إلى صفة التكوين، والتكوين هو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود٢. ويقولون في تعريف التكوين أنه: "صفة معنى قديمة قائمة بالذات العلية تسمى التكوين، زيادة على السبع، فإن تعلقت بالحياة سميت إحياء، وبالموت سميت إماتة وغير ذلك"٣. ويقول ملا علي قاري٤: "فالصفات الأزلية عندنا ثمانية، لا كما زعم الأشعري من أن الصفات الفعلية إضافات، ولا كما تفرد به بعض علماء ما وراء النهر بكون كل من الصفات الفعلية صفة حقيقية أزلية، فإن فيه تكثير القدماء جداً، وإن لم تكن متغايرة فالأولى أن يقال: إن مرجع الكل إلى التكوين، فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياءً، وبالموت إماتةً، وبالصورة تصويراً إلى غير ذلك، فالكل تكوين، وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات"٥. وفي دستور العلماء: "والتكوين عند بعض المتكلمين صفة أزلية لله - تعالى -، وهو المعنى الذي يعبر عنه بالفعل، والتخليق، والإيجاد، والإحداث، والاختراع، ونحو ذلك. ويفسر بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود، والمحققون منهم على أنه من الإضافات والاعتبارات العقلية، وعلى أن الحاصل في الأزلي هو مبدأ التخليق، والترزيق، والإماتة، والإحياء، وغير ذلك، وليس ذلك المبدأ سوى القدرة والإرادة"٦.

стр. 152

ويتضح من خلال النقول السابقة أن الماتريدية لا تثبت صفات الأفعال على أنها أوصاف حقيقية لذات الرب، وتجعلها صفة واحدة أزلية هي التكوين، وهذه الصفة لا تتعلق بمشيئة الرب. وأما المعتزلة فإنهم ينفون جميع صفات الله - تعالى -، وقد تأولوا الإحياء والإماتة على أنها مخلوق منفصل عن الله - تعالى -، يقول معمر١: " ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك - ٢] إنما معناه خلق الإماتة والإحياء "٢، وعلق ابن حزم٣ عليه بقوله: ".. الموت والحياة هما الإحياء والإماتة بلا شك، لأن الإحياء والحياة هو جمع النفس مع الجسد المركب الأرضي، والموت والإماتة شيء واحد وهو التفريق بين الجسد والنفس المذكورة فقط، وإذا كان جمع الجسد والنفس، وتفريقهما، مخلوقين لله ، فقد صح أن الموت والحياة مخلوقان له يقينا"٤. ويتفق المعتزلة، مع الأشاعرة، وطائفة من الفلاسفة المتأخرين، على أن فعل الله هو عين المفعول، وأن التكوين عين المُكَون، وأن الرب - تعالى - لا يقوم به شيء من الأفعال الاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أصل النزاع في الأفعال اللازمة والمتعدية، وأن ذلك ناشىء عن نزاع الناس في أصلين٥: الأصل الأول: هل يقوم بالرب - تعالى - فعل من الأفعال، فيكون خلقه للسموات والأرض فعلاً فعله غير المخلوق، أو أن فعله هو المفعول والخلق هو المخلوق؟ على قولين، والأول هو المأثور عن السلف قاطبة، وهو قول جمهور أصحاب أحمد، متقدميهم كلهم وأكثر المتأخرين منهم، وهو قول أئمة المالكية والشافعية وأهل الحديث، وهو مذهب

стр. 153

الصوفية والحنفية والكرامية١وكثير من الهشامية٢وبعض المعتزلة، وكثير من أساطين الفلاسفة متقدميهم ومتأخريهم. وذهب آخرون من أهل الكلام كالجهمية وأكثر المعتزلة والأشعرية إلى أن الخلق هو نفس المخلوق، وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات أنفسها، وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين كابن سينا وأمثاله. والأصل الثاني: وهو أن الله - سبحانه - هل تقوم به الأمور الاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته أم لا؟ فمذهب السلف وأئمة الحديث، وكثير من طوائف الكلام، والفلسفة، جواز ذلك. وذهب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة، والكلابية٣ من مثبتة الصفات إلى امتناع قيام ذلك به. وهو قول الأشاعرة والماتريدية كما سبق ذكر ذلك. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ شبهتهم في هذين الأصلين ورد عليها. كما ذكر الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على اتصاف الله - تعالى - بالأفعال الاختيارية وبين أنها متعلقة بقدرته ومشيئته، وأن الفعل غير المفعول٤. ومن وجوه الرد على من نفى قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب - سبحانه - ما يلي: أولاً: أن كتاب الله - تعالى - مليء بالآيات التي تدل على أن الله - يفعل متى شاء - سبحانه -، وعلى اتصافه - سبحانه - بالأفعال الاختيارية، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾

стр. 154

[الإسراء - ١٦] ، وقوله - سبحانه -: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل - ٤٠] ، وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن - ٢٩] ، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة - ١] ، إلى غير ذلك من الآيات. كما دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك أيضاً، ومنها ما رواه زيد بن خالد قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف النبي ﷺ أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ١. وقوله - صلى اله عليه وسلم - في حديث الشفاعة: "إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" ٢، ونحوها من الأحاديث. ثانياً: "أن يقال إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم بقدرتها، وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها، ولا تتصرف بنفسها البتة، بل هي بمنزلة الزَّمِن، الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قضى العقل الصريح بأن هذه الذات أكمل، وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمال في اتصافه بهذه الصفات لا في نفى اتصافه بها"٣. ثالثاً: أنهم يبنون نفي قيام الأفعال الاختيارية بالرب - تعالى - على مسألة نفي حلول الحوادث به - سبحانه -، وهو لفظ فيه إجمال، فان أريد بالنفي أنه - سبحانه - لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية؛ من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما

стр. 155

شاء إذا شاء، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان، كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل١. وقد رد عليهم في مسألة نفي حلول الحوادث فحول النظار من الفلاسفة والمتكلمين؛ أمثال ابن رشد، والفخر الرازي، وسيف الدين أبي الحسن الآمدي، فضلاً عن ردود أهل السنة عليهم في ذلك٢. لكن الرازي والآمدي بعد إبطالهما لحجج نفاة حلول الحوادث، لم يقولا بقيام الأفعال الاختيارية في ذات الله، بل احتجا على نفيها بحجة الكمال والنقصان، وهي قولهم: أن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل حدوثه نقصاً، وإن كان نقصاً لزم اتصافه بالنقص، والله منزه عن ذلك٣، قال شيخ الإسلام ﵀:" وهذه الحجة ضعيفة، ولعلها أضعف مما ضعفوه، فإن لقائل أن يبطلها من وجوه كثيرة: أحدها: أن يقال: القول في أفعاله القائمة به، الحادثة بمشيئته وقدرته، كالقول في أفعاله التي هي المفعولات المنفصلة، التي يحدثها بمشيئته وقدرته، فإن القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال، فقالوا: الفعل إن كان صفة كمال، لزم عدم الكمال له في الأزل، وإن كان صفة نقص، لزم اتصافه بالنقائص، فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال"٤. وبهذا يتبين أنه ليس لهم دليل عقلي على نفيهم للصفات الاختيارية، التي يسمونها حلول الحوادث، وأما الكتاب والسنة فيدلان على نقيض قولهم، كما دل العقل على ذلك. أما قول المعتزلة والأشاعرة ومن وافقهم إن الفعل عين المفعول، والخلق عين المخلوق فباطل أيضاً، ومما يرد عليهم في ذلك:

стр. 156

أولاً: يقول أبو المعين النسفي: "وقول أكثر المعتزلة، وجميع النجارية، والأشعرية، أن التكوين والمكون واحد قول محال، وهذا لأن القول باتحاد التكوين والمكون كالقول بأن الضرب عين المضروب، والكسر عين المكسور، والأكل عين المأكول، وفساد هذا ظاهر يعرف بالبديهة، فكذا هذا، ولأن التكوين لو كان هو المكون، وحصول المكون بالتكوين، لكان حصول المكون بنفسه لا بالله - تعالى -، فلم يكن الله - تعالى - خالقاً للعالم، بل كان العالم وكل جزء من أجزائه خالقاً لنفسه، إذ حصوله بالخلق، وخلقه نفسه، وكذا يكون عينه خالقاً وعينه مخلوقاً، فهو الخالق وهو الخلق وهو المخلوق، وهذا مع ما فيه من تعطيل الصانع وإثبات الغنية عنه، وإبطال تعلق المخلوقات به، مع هذا كله هو محال"١. ثانياً: أن من المعقول أن المفعول المنفصل الذي يفعله الفاعل، لا يكون إلا بفعل يقوم بذاته، وأما نفس فعله القائم بذاته، فلا يفتقر إلى فعل آخر، بل يحصل بقدرته ومشيئته٢، وهذا ظاهر، ومخالفه مغالط. هذه بإيجاز بعض وجوه الرد على المخالفين في الصفات الاختيارية، ومنها الإحياء والإماتة، والخلق، والرزق وغيرها.

стр. 157

الإماتة ١ - معنى الإماتة في اللغة: الموت في اللغة ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: "الميم والواو والتاء أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت خلاف الحياة.. والموتان: الأرض لم تحي بعد بزرع، ولا إصلاح "١. والموت ضد الحياة٢. وأماته الله وموّته شدد للمبالغة٣. وأمَاتت الناقة إذا مات ولدها، فهي مُميت ومُميتة، وأمات فلان إذا مات له ابن أو بنون٤. وقبضه الله: أماته٥. وتوفاه الله: أماته٦. والموات بالفتح مالا روح فيه٧. وقول العرب ما أموته إنما يراد به ما أموت قلبه٨. ورجل موتان الفؤاد، وامرأة موتانة الفؤاد٩. والعرب تقول: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأرض والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب١٠. وعلى هذا فالموت في اللغة ضد الحياة، وهو ما لاروح فيه، كما يعني ذهاب القوة من الشيء فتكون الإماتة إذهاب قوة الشيء.

стр. 158

٢ - معنى الإماتة في الشرع: ورد فعل الإماتة في القرآن الكريم "أمات" بتصريفاته، كما جاء لفظ الموت والموتى والميت ونحوها من تفريعات هذه المادة، والذي يهم هنا هو ما كان قريباً من المصدر "الإماتة" وهو فعل الإماتة. وقد جاءت الإماتة بمعنى إخراج الروح من الجسد، أو قبض الأرواح كما في قوله - تعالى -: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة - ٢٥٩] وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس - ٢١] ، يقول الطبري ﵀ عند شرح قوله - تعالى -: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨] الإماتة: "هي خروج الروح من الجسد"١، وقال: "ثم يميتكم بقبض أرواحكم، وإعادتكم كالذي كنتم قبل أن يحييكم؛ من دروس ذكركم، وتعفي آثاركم، وخمول أموركم"١. ويقول ابن القيم ﵀: "موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها"٣. وقوله - تعالى -: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر - ١١] وقوله - تعالى -: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨] ، والإماتة هنا تعني جعلهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، لم يكونوا شيئاً، يقول ابن القيم ﵀: "فكانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور"٤. ويذكر الشوكاني ﵀ قولين في معنى قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر - ١١] فيقول: "والمراد بالإماتتين أنهم كانوا نطفاً لا حياة لهم في أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا..وقيل: معنى الآية أنهم أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم الله في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا ثم أحياهم الله في الآخرة،

стр. 159

ووجه هذا القول أن الموت سلب الحياة، ولا حياة للنطفة، ووجه القول الأول أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، وقد ذهب إلى تفسير الأول جمهور السلف"١. وما ذهب إليه جمهور السلف هو الصحيح، فقد ورد في القرآن إطلاق لفظ الموت على الجماد، كالأصنام التي كان يعبدها المشركون، قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل٢٠ - ٢١] قال المفسرون: "وهي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، أموات لا أرواح فيها "٢.كما وصف الله الأرض بالميتة، قال - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس - ٣٣] . وقد اختلف في الموت هل هو وجودي أو عدمي، قال شيخ الإسلام ﵀: "وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظياً، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزماً لأمر وجودي، مثل الحياة مثلاً فإن عدم حياة البدن مثلاً مستلزم لأعراض وجودية، والناس تنازعوا في الموت هل هو عدمي أو وجودي، ومن قال إنه وجودي احتج بقوله - تعالى - ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك - ٢] ، فأخبر أنه خلق الموت، كما خلق الحياة. ومنازعه يقول العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة وحينئذ فالنزاع لفظي"٣. وفي السنة ورد لفظ أمات ويميت ونحوها، فمن ذلك قوله ﷺ : "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٤، "والمراد بأماتنا: النوم "٥. وقوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت.." ٦، والإماتة هنا تعني قبض الأرواح. وفي الحديث أيضاً قوله: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" ٧، ومعنى الإماتة هنا إبطال العمل بشرع الله.

стр. 160

ومن خلال النقول السابقة يمكن أن نتبين تعريف أهل السنة للإماتة وهو: أن الإماتة صفة فعلية قائمة بذات الرب - تعالى -، متعلقة بقدرته ومشيئته، اختص بها، وتعني إخراج الروح من الجسد، وسلب الحياة منه. ٣ - معنى الإماتة عند المتكلمين: عرف بعض الأشاعرة المميت بأنه: "جاعل الخلق ميتاً بسلب الحياة، وإحداث الموت فيه "١ وهو قول البيهقي، وقال في شعب الإيمان: "المميت ويختص بخلق الموت"٢، وقال أبو السعود٣ في تفسيره: "الإماتة جعل الشيء عادم الحياة"٤. وقد سبق أن ذكرت موقف الأشاعرة من صفات الأفعال للرب - تعالى -، وأنهم لا يقولون بقيامها في ذاته - سبحانه - بل يجعلونها هي المخلوق المنفصل. وكذلك الماتريدية لا يجعلون صفات الأفعال تقوم بمشيئة الرب واختياره، بل يجعلونها أزلية، ويجمعونها كلها في صفة واحدة هي التكوين. وأما المعتزلة فمن يرى الموت عرضاً؛ كالقاضي عبد الجبار، وغيره، عرف الإماتة بأنها: "إبطال الحياة، وإزالتها، وتفريق البنية التي تحتاج هي في الوجود إليها"٥. ومن يرى الموت جسماً قال: "الإماتة هي إدخال الله الجسم المضاد للحياة عليها وحسها قائم"٦. والمعتزلة لا يثبتون صفة الإماتة كصفة فعلية لله - تعالى -، بل يجعلونها مخلوقاً منفصلاً عن الله - تعالى -، كما ينفون غيرها من الصفات. وقد سبق الرد عليهم جميعاً في ذلك٧.

стр. 161

الأمر ١ - معنى الأمر في اللغة: قال الخليل: "الأمر نقيض النهي، والأمر واحد من أمور الناس"١.وقال الجوهري: "وأمرته بكذا أمراً، والجمع الأوامر "٢. والأمر الحادثة، والأمر بمعنى الحال، والجمع أمور٣. "والأمر بمعنى الطلب جمعه أوامر"٤. وأمَّر أَمارة، إذا صَيَّر علماً، وأُمِّر فلان إذا صُيِّر أميراً، وآمرت فلاناً ووامرته، إذا شاورته٥. وقال الراغب: "الأمر الشأن وجمعه أمور، ومصدر أمرته إذا كلفته أن يفعل شيئاً"٦. وفي الكليات: "الأمر هو في اللغة استعمال صيغة دالة على طلب من المخاطب على طريق الاستعلاء"٧. فالأمر في اللغة نقيض النهي، كما يأتي بمعنى الشأن، والحادثة، والحال، ويأتي بمعنى الطلب.

стр. 162

٢ - معنى الأمر في الشرع: ورد لفظ الأمر في كتاب الله في مواضع كثيرة؛ وكان له أكثر من معنى حسب السياق الذي ورد فيه، ومن تلك الآيات قوله - تعالى -: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف - ٥٤] ، والأمر في الآية الكلام، وهو صفة من صفاته - سبحانه -، قال الإمام أحمد: "فأخبر ﵎ بالخلق، ثم قال والأمر، فأخبر أن الأمر غير الخلق"١. وعن سفيان بن عيينة قال: "قد بين الله الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] فالخلق بأمره، كقوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم - ٤] وكقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس - ٨٢] "٢، وفي رواية عنه: "فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام"٢. قال الحافظ في الفتح: "وسبق ابن عيينة إلى ذلك محمد بن كعب القرظي، وتبعه الإمام أحمد بن حنبل، وعبد السلام بن عاصم وطائفة، أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم"٣. كما استدل الإمام البخاري ﵀ بهذه الآية على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومثله الإمام ابن خزيمة ﵀ ٥. ويقول شيخ الإسلام وهو يبين أنواع المضاف إلى الله: "وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها، ولم يذكر لها محل غير الله، كان صفة له؛ فكالقول والعلم والأمر إذا أريد به المصدر كان المصدر من هذا الباب كقوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] ، وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من الأول كقوله - تعالى -: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل - ١] "٤.

стр. 163

كما بين ﵀ أن الأمر والنهي والخبر والاستخبار من أنواع الكلام، والجنس ينقسم إلى أنواعه، واسمه صادق على كل نوع من الأنواع، فيجب أن يكون حد الكلام واسمه صادقا على أنواعه ومنها الأمر١. كما فُسر الأمر بأنه القول، يقول ابن القيم ﵀ في قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] : "فالخلق فعله والأمر قوله"٢. وفُسر الأمر بأنه التصرف، والتدبير، يقول ابن كثير في معنى هذه الآية: "أي له الملك والتصرف"٣. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والأمر هو التدبير"٤. وقد يراد بالأمر المخلوق المكون بالأمر كما في قوله - تعالى -: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل - ١] ٥. وقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء - ٤٧] قال الطبري: "يعني به: ما أمر الله به، وهو المأمور الذي كان عن أمر الله "٦. وقوله - تعالى -: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس - ٣] ، الأمر الشأن وهو أحوال ملكوت السموات والأرض والعرش وسائر الخلق٧، "وقال مجاهد: يقضيه ويقدره وحده، وقال ابن عباس: لا يشركه في تدبير خلقه أحد"٨. وورد لفظ الأمر في السنة كثيراً بالمعاني السابقة، ومنه قوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" ٩.

стр. 164

ومما سبق يتبين أن الأمر في الشرع نوع من أنواع الكلام، وهو صفة من صفات الله الفعلية الذاتية، متعلق بقدرته ومشيئته، ويعني كلامه - سبحانه - في تدبيره لشؤون خلقه وتصرفه - سبحانه - فيهم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] ، وقد يكون بمعنى المخلوق المكون بالأمر، كقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء - ٤٧] . ٣ - معنى الأمر عند المتكلمين: بما أن الأمر هو الكلام - كما ذكرت قبل قليل - سأبين هنا أقوال الطوائف في صفة الكلام ومنه الأمر، وإذا نظرنا إلى الأشاعرة ومن وافقهم نجد أنهم يقولون إن كلام الله معنى واحد قائم بالنفس، وذلك المعنى هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه والنهي عن كل منهي عنه، والأصوات والحروف مخلوقة، وهي عبارة عن الكلام، أو حكاية عنه - كما يقول ابن كلاب - فيكون الأمر عندهم معنى قائم بالنفس، وهوعين النهي والخبر١، قال أبو حامد الإسفراييني٢: "وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر، لا يفارق الذات ولا يزايلها، وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك.. وسواء في هذا أمر الله - تعالى - أو أمر الآدميين، إلا أن أمر الله - تعالى - يختص بكونه قديماً وأمر الآدمي محدث، وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمراً ولا نهياً، وإنما هي عبارة عنه..وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول هي حكاية عن الأمر"٣. ويقرر الرازي أن الأمر مغاير للعبارات والحروف والأصوات، وأن حقيقة الأمر والنهي هي الإخبار! ثم يقول: "فثبت بما ذكرنا أن أمر الله - تعالى - صفة حقيقية قائمة بذاته، وتلك الصفة مدلولة لهذه الحروف والأصوات والعبارات والإطلاقات"٤. وابن كلاب هو أول من ابتدع القول في أن كلام الله معنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت؛ محاولة منه في الرد على المعتزلة، وتبعه على ذلك الأشعري وغيره٥.

стр. 165

وأما المعتزلة فإنهم يقولون بخلق صفة الكلام ومنه الأمر فهو مخلوق، قال القاضي عبد الجبار:" وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله - تعالى - ووحيه، وهو مخلوق محدث "١. ويستدلون بقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء - ٤٧] على أن الأمر الذي هو كلام الله مخلوق٢. وقد رد علماء أهل السنة على المخالفين في صفة الكلام وبينوا مخالفة أقوالهم للكتاب والسنة، وأصول لغة العرب. والذي يهم هنا هو الإشارة إلى ردهم على مخالفتهم في معنى الأمر، فمن ردهم على مذهب الأشاعرة ومن وافقهم: أولاً: أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده، كما اتفق على ذلك سائر العقلاء، فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت لليهود ليس هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم٣. ثانياً: أن من جعل كلام الله بأوامره ونواهيه وأخباره حقيقة واحدة، وجعل الأمر والنهي إنما هي صفات عارضة لتلك الحقيقة العينية، لم يجعل ذلك أقساماً للكلام الكلي، الذي لا يوجد في الخارج كلياً، إذ ليس في الخارج كلام هو أمر بالحج، وهو بعينه خبر عن جهنم، كما ليس في الخارج إنسان هو بعينه فيل، وإن شملهما اسم الحيوان. ومن جعل الحقائق المتنوعة شيئاً واحدا، فهو يشبه من جعل المكانين مكاناً واحداً، حتى يجعل الجسم الواحد يكون في مكانين، ويقول إنما هما مكان واحد، أو لا يجعل الواحد نصف الاثنين، أو يقول الاثنان هما واحد، وهذا كله نمط واحد وهو رفع التعدد في الأشياء المتعددة، وجعلها شيئاً واحداً في الوجود الخارجي بالعين، لا بالنوع٤. ثالثاً: أن يقال إذا جاز لكم أن تجعلوا هذه الحقائق المختلفة حقيقة واحدة، وأن كونها أمراً ونهياً وخبراً إنما هي أمور نسبية لها، فيقال لكم هذا بعينه يلزمكم في الصفات؛ من العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه

стр. 166

الخصائص عوارض نسبية لها، وهم ينفون مثل هذا ويردون عليه، فيلزمهم طرد ذلك في صفة الكلام١. رابعاً: أن جمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل، فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن، ولا معنى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص - ١] هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد - ١] ٢. أما المعتزلة فيقال لهم: أولاً: أن الله فرق بين الخلق والأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام٣. ثانياً: يقال لهم إن الله فرق بين الخلق والأمر، فالخلق يكون بأمره كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس - ٨٢] ، ولو كان الأمر مخلوقاً للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر إلى مالا نهاية له، فيلزم التسلسل وهو باطل٤. ثالثاً: أن طرد باطلهم هو أن تكون جميع صفات الله مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر، حيث يستدلون بقوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر - ٦٢] ، فإن علم الله شيء وقدرته شيء وحياته شيء، فيدخل ذلك في عموم كل فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً٥.

стр. 167

المُلْك ١ - معنى الملك في اللغة: قال ابن فارس: "الميم واللام والكاف، أصل صحيح، يدل على قوة في الشيء وصحة، يقال: أملَكَ عجينه: قوى عجنه وشدَّه، وملكت الشيء: قويته..والأصل هذا، ثم قيل مَلَكَ الإنسان الشيء يملكه ملْكاً، والاسم الملْك، لأن يده فيه قوية صحيحة. فالمِلْك: ما ملك من مال"١. وفي العين: "المُلْكُ لله المالك المليك، والملكوت: ملك الله، وملكوت الله سلطانه. والمَلْك: ما ملكت اليد من مال وخول"٢. والمَلْك والمُلْك والمِلْك احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به٣. فالملك في اللغة احتواء الشيء والقدرة عليه، وكونه تحت تصرفك. ٢ - معنى الملك في الشرع: ورد لفظ المُلْك والمَلِك والمالك ومالك الملك في آيات كثيرة من كتاب الله، منها قوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١٠٧] ، وقوله - تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ﴾ [يوسف - ١٠١] ، وقوله - تعالى -: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه - ١١٤] وغيرها. قال الطبري ﵀ في تفسير قوله - تعالى -: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس - ٢] : "وهو ملك جميع الخلق إنسهم، وجنهم، وغير ذلك، إعلاماً منه بذلك من كان يعظم الناس، تعظيم المؤمنين ربهم؛ أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في ملكه وسلطانه، تجري عليه قدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحق بالتعبد له ممن يعظمه، ويتعبد له، من غيره من الناس"٣.كما ورد لفظ الملك في السنة ومنه قوله ﷺ : "يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا المَلِك أين ملوك الأرض" ٥، ومعنى الملك في الكتاب والسنة، هو المعنى الوارد في اللغة، يقول شيخ

стр. 168

الإسلام ﵀:" والمُلك قد يراد به القدرة على التصرف، والتدبير، ويراد به نفسه التدبير، والتصرف، ويراد به المملوك نفسه، الذي هو محل التدبير، ويراد به ذلك كله"١، فالملك يعني التصرف والتدبير، والقدرة على ذلك. وقال ﵀ في معنى المَلك: "المَلك هو الذي يتصرف بأمر فيطاع"٢، وقال ﵀: "الملَك هو الآمرالناهي المطاع"٣. وقال الإمام ابن القيم ﵀:" والمَلك هو المتصرف بفعله وأمره"٤. وقال ابن كثير في معنى المَلِك: "أي المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة، ولا مدافعة "٥. وقال في معنى قوله - تعالى -: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران - ٢٦] : "أي أنت المتصرف في خلقك الفعال لما تريد"٦. فالمُلك هو صفة ذاتية للرب - تعالى -، وتعني ملكه لجميع الأشياء، وتصرفه وتدبيره في ملكه بلا مدافعة ولا ممانعة، وقدرته على ذلك. والمَلِك من أسماء الله - تعالى -.

стр. 169

٣ - معنى الملك عند المتكلمين: يتأول كثير من متكلمي الأشاعرة، والمعتزلة، الملك بالقدرة، وبعضهم يتأوله بالخلق وبعضهم يقول إنه التصرف. يقول الجويني: "ثم اختلفوا في الملك، فمنهم من فسره بالخلق، فالمَلِك الخالق، وهو من أسماء الأفعال، وقال بعضهم: الملك القدرة على الاختراع"١. وقال الرازي: "اختلفوا في حقيقة الملك فقال بعضهم: إنه عبارة عن التصرف، وعلى هذا يكون الملك من صفات الأفعال. والقول الثاني أنه القدرة على التصرف لولا المانع، وعلى هذا القول يكون الملك من صفات الذات "٢، ثم ذكر الإشكالات على القولين واختار الثاني٣. وقال القاضي عبد الجبار: "المِلْك هو القدرة، وأن المَلِك هو القادر"٤. وتأويلهم صفة الملك بالقدرة على الاختراع، أو الخلق، إنما هو في الحقيقة نفي لصفة الملك، وكذلك قصر بعضهم للملك على القدرة على التصرف، إنقاص لمعنى الملك، فالملك يعني ملكه لجميع الأشياء، وتصرفه وتدبيره في ملكه بلا مدافعة ولا ممانعة، وقدرته على ذلك. فالملك صفة ذاتية تستلزم، وتتضمن، صفات ذاتية وفعلية، مثل علمه، وقدرته، وأنواع تصرفه وتدبيره لملكه - سبحانه -. والأشاعرة لا يثبتون صفات الأفعال قائمة بذات الله، والمعتزلة ينفون معها صفات الذات أيضاً، وقد سبق الرد عليهم في ذلك٥. ٤ - معنى الملك عند الفلاسفة: قال ابن سينا: "الملك الحق هو الغني الحق مطلقاً، ولا يستغني عنه شيء في شيء، وله ذات كل شيء، لأن كل شيء منه أو مما منه ذاته، فكل شيء غيره فهو له مملوك، وليس له إلى شيء فقر"٦.

стр. 170

وهذا الكلام الذي ذكره ابن سينا في معنى الملك، متفق عليه بين المسلمين، وغيرهم من أهل الملل، بل حتى المشركون يقرون بذلك، قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩] . ولكن هذا جزء يسير من معنى الملك، فلفظ الملك يتضمن غناه عن كل شيء، وفقر كل شيء إليه، - وهو ما ذكروه - ولكنه يتضمن أكمل من ذلك، من العلم، والقدرة، والتدبير، على وفق المشيئة، والإرادة، وغير ذلك من المعاني التي تبين أن هؤلاء الفلاسفة لا يجعلونه ملكاً حقاً، وكيف يكون ملكاً عندهم من لا يقدر على إحداث شيء، ولا دفع شيء، ولا له تصرف بنفسه، ولا في غيره بوجه من الوجوه. بل ما يصفونه من غناه، وافتقار ما سواه إليه، يتناقضون فيه، فإنهم يصفونه بما يمتنع معه أن يكون غنياً، وأن يكون شيء ما إليه فقير١.

стр. 171

الرَّزق ١ - معنى الرَّزق في اللغة: قال ابن فارس: "الراء والزاء والقاف، أصيل واحد، يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت، فالرزق عطاء الله - جل ثناؤه -، ويقال رزقه الله رَزْقاً، والاسم الرِّزْق، والرِّزْق بلغة أزد شنوءة الشكر، من قوله - جل ثناؤه -: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة - ٨٢] "١. والرِّزق: ما ينتفع به، والجمع الأرزاق، والرَّزق العطاء٢. قال الخليل: "رَزَق الله يرزق العباد، رِزْقاً اعتمدوا عليه، وهو الاسم أخرج على المصدر، وقيل: رَزْق"٣. فالرَّزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي، والرِّزق الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر٤. فالرَّزق هو المصدر الذي يقع موقع الصفة، والرِّزق هو اسم المفعول ويجوز أن يوضع موضع المصدر، ومدار لفظ الرزق في اللغة على العطاء أو ماينتفع به.

стр. 172

٢ - معنى الرزق في الشرع: ورد لفظ الرزق كثيراً في كتاب الله، كما ورد الفعل منه بتصريفاته، ومنها قوله - تعالى -: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة - ٦٠] ، وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر - ٣] . كما ورد لفظ الرزق في السنة المطهرة، وورد الفعل منه، ومن ذلك قوله ﷺ : "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم هو يعافيهم، ويرزقهم" ١. ومعنى الرزق في الكتاب والسنة هو بمعناه الوارد في اللغة، يقول الحافظ أبو بكر الإسماعيلي ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: "وإن الله يرزق كل حي مخلوق، رزق الغذاء الذي به قوام الحياة، وهو ما يضمن الله لمن أبقاه من خلقه، وهو الذي رزقه من حلال أو حرام"٢. ويقول الإمام أبو حنيفة ﵀ في بيانه لصفات الله: "وأما الفعلية؛ فالتخليق، والترزيق، والإنشاء.."٣. وقال الإمام ابن تيمية ﵀: "وكذلك كونه خالقاً، ورازقاً، ومحسناً، وعادلاً، فإن هذه أفعال فعلها بمشيئته وقدرته"٤. وقال ابن القيم ﵀ في النونية: وكذلك الرزاق من أسمائه ... والرزق من أفعاله نوعان رزق على يد عبده ورسوله ... نوعان أيضا ذان معروفان رزق القلوب العلم والإيمان ... والرزق المعد لهذه الأبدان هذا هو الرزق الحلال وربنا ... رزاقه والفضل للمنان والثاني سوق القوت للأعضاء فـ ... ـي تلك المجاري سوقه بوزان

стр. 173

هذا يكون من الحلال كما ... يكون من الحرام كلاهما رزقان والله رازقه بهذا الاعتبار ... وليس بالإطلاق دون بيان١ ولفظ الرزق يقع على الصفة التي هي المصدر، كما يقع على متعلقها الذي هو مسمى المفعول، وهو الشيء المرزوق، كلفظ الخلق يقع تارة على الفعل، وعلى المخلوق أخرى٢. والرزق من حيث اسم المفعول فيه إجمال: فقد يراد بلفظ الرزق ماينتفع به الحيوان، وإن لم يكن هناك إباحة، ولا تمليك، فيدخل فيه الحرام، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود - ٦] . وقد يراد بالرزق ما أباحه الله أو ملكه، فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً﴾ [النحل - ٧٥] وأمثال ذلك. والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بالاعتبار الأول، لا بالاعتبار الثاني، وما اكتسبه ولم ينتفع به، هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول. ولأجل هذا الإجمال في لفظ الرزق، منع الأئمة من إطلاق ذلك نفياً وإثباتاً٣. فالرزق الذي هو المصدر صفة فعلية من صفات الرب - سبحانه -، قائمة بذاته، متعلقة بقدرته ومشيئته، وهي إعطاء الله - تعالى - خلقه ما ينتفعون به.

стр. 174

٣ - معنى الرزق عند المتكلمين: قال الجويني في بيان معنى الرازق: "خالق الرزق، ومبدع الإمتاع به "١، وفي الأسماء والصفات للبيهقي: "ومعناه - أي الرازق - المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قواما إلا به، والمنعم عليهم بإيصال حاجاتهم من ذلك إليهم "٢. وقال الراغب:" والرزاق يقال لخالق الرزق ومعطيه، والمسبب له، وهو الله - تعالى -"٣، وهو من الصفات الفعلية عند المتكلمين، يقول ابن بطال٤: "فالرزق فعل من أفعاله - تعالى - فهو من صفات فعله، لأن رازقاً يقتضي مرزوقاً، والله كان ولا مرزوق، وكل مالم يكن ثم كان فهو محدث، والله - سبحانه - موصوف بأنه الرازق، ووصف نفسه بذلك قبل خلق الخلق؛ بمعنى أنه سيرزق إذا خلق المرزوقين"٥. فالأشاعرة يجعلون الرزق مخلوقاً منفصلاً غير قائم بذات الرب. ويقول ملا علي قاري: "وأما الترزيق فهو إحداث رزق الشيء، وجعله قوتاً له"٦. والماتريدية كما سبق يحيلون جميع الأفعال إلى صفة التكوين. وما سبق أن ذكرته من مواقف المتكلمين في لفظ الإحياء، والإماتة، ينطبق على لفظ الرزق أيضاً، لأنه من الصفات الفعلية، وقد سبق أن بينت موقف المتكلمين من صفات الفعل، وذكرت الرد عليهم٧. وأما لفظ الرزق من حيث هو مفعول، فقد خالف في ذلك المعتزلة حيث قالوا: إن الحرام ليس برزق٨. ومما يرد به هذا القول أن لفظ الرزق، من حيث اسم المفعول فيه إجمال، فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه الله أو ملكه، فلا يدخل الحرام في مسمى هذا

стр. 175

الرزق كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً﴾ [النحل - ٧٥] وأمثال ذلك، وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان، وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود - ٦] ١.

стр. 176

الخلق ١ - معنى الخلق في اللغة: يقول ابن فارس: "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملاسة الشيء. فأما الأول فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته.. وقال زهير١: ولأنت تفري ماخلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري٢ .. والخَلْق خلق الكذب، وهو اختلاقه واختراعه وتقديره في النفس.. وأما الأصل الثاني: فصخرة خلقاء أي ملساء"٣. والخليقة الخَلْق، والجمع الخلائق، والخِلقة الفطرة٤. "والخالق الصانع"٥، و"خلقه الله خلقاً أوجده"٦. والخَلْق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه، والآخر التقدير. وخلق الله الشيء يخلقه خلقا أحدثه بعد أن لم يكن، والخلق يكون المصدر ويكون المخلوق٧. "والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه"٨. فالخلق في اللغة يعني التقدير، والإنشاء، والإيجاد، والإبداع، وقد يراد به المخلوق.

стр. 177

٢ - معنى الخلق في الشرع: الخلق في الشرع هو صفة فعلية قائمة بذات الله - تعالى - متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها. كما قد يطلق الخلق على المخلوق كما في قوله - تعالى -: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان - ١١] . وقد ورد لفظ الخلق في آيات كثيرة من كتاب الله - تعالى -، فورد بمعنى الإبداع والتقدير١ نحو قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] ، وقوله - تعالى -: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف - ٥١] ، وقوله - تعالى -: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨] ، كما ورد لفظ خلق في السنة بمعنى قضى وقدر، ومنه قوله ﷺ : "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" ٢، وفي رواية "لما قضى الله الخلق" ٣، ومعنى خلق في الرواية الأولى، وقضى في الرواية الثانية، هو: "قدّر"، أي لما فرغ من تقدير الخلق، لأنه قال في رواية أخرى: "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق" ٤. يقول البخاري ﵀: "باب ماجاء في تخليق السموات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون"٥.وعلق على هذا الكلام ابن القيم ﵀ بقوله: "فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه"٦.

стр. 178

وقال ابن حجر ﵀ معلقاً أيضا على كلام البخاري ﵀: "وسياق المصنف يقتضي التفرقة بين الفعل، وما ينشأ عن الفعل، فالأول من صفة الفاعل، والباري غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة، وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثم عقبه بقوله: وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكون"١. وقال البخاري ﵀ في كتابه خلق أفعال العباد: "واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، ليست من الله، وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا لـ "كن" مخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة..ففعل الله، صفة الله، والمفعول غيره من الخلق"٢. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ وهو يبين صفات الله الفعلية: "..وخالقاً بتخليقه والتخليق صفة في الأزل"٣. ويُعرف الإمام ابن مندة ﵀ الخالق بقوله: "والخالق هو المقدر الفاعل الصانع، وهو الباري المصور فهذه صفة قدرته. والخلق منه على ضروب: منه خلق بيده ويخلق إذا شاء فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] ، ومنه ما خلق بمشيئته وكلامه، ويخلق إذا شاء، ولم يزل موصوفاً بالخالق الباري المصور قبل الخلق، بمعنى أنه يخلق ويصور"٤. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ اللفظ المقصود بهذا المبحث فقال: "لفظ الخلق المراد به الفعل الذي يسمى المصدر، كما يقال خلق يخلق خلقاً كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨] ، وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر - ٦] ، وقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف - ٥١] وليس الكلام في لفظ خلق المراد به المخلوق ومنه قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾

стр. 179

[لقمان - ١١] "١. وعرف ﵀ لفظ الخلق بقوله: "الخلق هو إبداع الكائنات من العدم "٢، وقال: "والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير"٣. وقال ﵀: "ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم٤؛ يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير"٥. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:"إن الخلق هو الإيجاد"٦. وقال الإمام ابن تيمية مبيناً قيام صفات الفعل في ذات الله: "وإذا كان الخلق فعله والمخلوق مفعوله، وقد خلق الخلق بمشيئته، دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته، ويمتنع قيامه بغيره، فدل على أن أفعاله قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته"٧. وشرح الإمام ابن القيم قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة - ٢١] بقوله: "ثم قال: الذي خلقكم، فنبه بهذا أيضاً على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم، واخترعهم وحده بلا شريك"٨. ويتبين مما سبق أن الخلق - كما ذكرت سابقاً - صفة فعلية، قائمة بذات الله - تعالى -، متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها.

стр. 180

٣ - معنى الخلق عند المتكلمين: يقول الباقلاني١: "حقيقة الخلق والإحداث، هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود"٢، ويقول أبو المعالي: "والخلق قد يراد به الاختراع، وهو أظهر معانيه، وقد يراد به التقدير"٣. وقال الرازي: "الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين، والإخراج من العدم إلى الوجود"٤. وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق هو إحداث الشيء مقدراً "٥، وقال أيضاً: "الخلق هو الإنشاء والإبداع "٦. وقيل: "الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء "٧. ويلاحظ أن هذه التعريفات موافقة للغة، ولمعنى الخلق عند أهل السنة. ولكن هل هذا الخلق الذي عرفوه سابقاً هو صفة قائمة بذات الله - تعالى -؟ أو أن الخلق هو المخلوق؟. يرى كثير من طوائف المتكلمين أن الخلق هو المخلوق، وبعضهم يرى أنه معنى آخر غير المخلوق كالإرادة مثلاً، وليس الخلق - بزعمهم - صفة قائمة بذات الرب، يقول البيهقي: "ونعتقد في صفات فعله أنها بائنة عنه - سبحانه - "٨. ويقول الجويني: "..ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق، ولذلك قال أئمتنا: لا يتصف الباري - تعالى - في أزله بكونه خالقاً، إذ لا خلق في الأزل، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزاً"٩. والماتريدية كما سبق بيان مذهبهم في الإحياء والإماتة، وسائر صفات الفعل، فإنهم يجعلون الخلق من متعلقات التكوين، وليس صفة حقيقية تعود على الذات بمعنى١٠.
следующие страницы →