← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المصدر الرابع: آثار السلف يعتمد أهل السنة على الآثار المنقولة عن السلف؛ من الصحابة والتابعين، في بيان كلام الله ورسوله ﷺ ، فهم الأعلم بها من غيرهم، وهكذا فألفاظهم في العقيدة مأخوذة من كلام الله ورسوله، أو مبينة لها بعبارات صحيحة، بناءً على لغتهم العربية الفصيحة، وصحة فهمهم للألفاظ الشرعية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"١. ويقول أيضاً: "إن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع، وفي بيان معناها إلى من نقل عنه القرآن والحديث لفظه ومعناه، وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إليه، أو أخذ ذلك هو بلغته التي كان يخاطب بها"٢. وهكذا كان السلف المتقدمون، يأخذون عن سلفهم من الصحابة والتابعين ألفاظهم في العقيدة، يقول الإمام أحمد ﵀: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ أو عن الصحابة أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"٣. ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه، لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل

стр. 72

ألفاظه سواء، ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه، كما وقع من تنازعهم في بعض حروفه، وتنازعهم في بعض السنة لخفاء ذلك على بعضهم"١. ويقول شيخ الإسلام ﵀: "إن ما نطق به الكتاب وبينه، أو ثبت بالسنة الصحيحة، أو اتفق عليه السلف الصالح، فليس لأحد أن يعارضه معقولاً ونظراً أو كلاماً وبرهاناً وقياساً عقلياً أصلاً، بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علماً كلياً عاماً"٢. وهو يقول عن نفسه في التزامه ذلك: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة"٣. والسلف الصالح يعلمون من مراد الله ورسوله مالا يعلمه غيرهم، وهم الذين نقلوا ألفاظ الرسول، ومعاني ألفاظه، فكانوا أحرى بالاتباع. يقول شيخ الإسلام ﵀: "إن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه، أعظم مما يعلمه الأطباء عن كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه.. وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول ﷺ شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس"٤. فآثار السلف الصالح هي المصدر الرابع لألفاظ العقيدة عند أهل السنة، وانطلاقاً من هذه المصادر بنى أهل السنة قواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وهي ما سأبينه في المبحث التالي - إن شاء الله -.

стр. 73

المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها . - القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع . - القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها. - القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية. - القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها. - القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.

стр. 74

تمهيد: لما كانت مصادر أهل السنة والجماعة هي الكتاب والسنة ولغة العرب وآثار السلف، فإن المتأمل في كتب أهل السنة والجماعة وأقوالهم يتبين له قواعد عامة لألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، معتمدين في ذلك على طريقة القرآن والسنة في انتقاء الألفاظ ومنهج التعبير عن المعاني وكانت قواعدهم العامة كالآتي: - القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع. - القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها. - القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية. - القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها. - القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.

стр. 75

القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع. ١ - صورة القاعدة: النصوص الإلهية من الكتاب والسنة فرقان فرق الله به بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله وينفون ما نفاه الله ورسوله١، وأن هذه النصوص حق يجب قبولها وإن لم يفهم معناها٢. ٢ - فقه القاعدة: لقد سبق وأن ذكرت أن أهل السنة يجعلون مصدرهم لألفاظ العقيدة كتاب الله وسنة رسوله، ثم آثار السلف، ويستعينون بفهمهم للغة العرب، وقد التزموا ذلك وصار قاعدة لهم في ألفاظ العقيدة بشكل عام، فأما باب الأسماء والصفات فهو توقيفي، وأما سائر المسائل العقدية فإن أهل السنة يستعملون الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، أو ما ورد عن سلف الأمة، ويفضلونها على ما وافق معناها من ألفاظ أخرى، وقد يعبرون عن بعض المعاني بألفاظ أخرى موافقة للمعنى الشرعي، ولدلالات لغة العرب. فهذا الإمام الأوزاعي٣ ﵀ عندما سئل عن الجبر قال: "ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر، والخلق والجبل، فهذا يعرف

стр. 76

في القرآن والحديث عن رسول الله ﷺ "١. وأنكر سفيان الثوري ﵀ لفظ الجبر وقال: الله جبل العباد٢. وقيل لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل –٩٣] ٣. وأهل السنة لا يرفضون الألفاظ غير الشرعية التي قد تحمل معنى صحيحاً، ولا يثبتونها، ويحاولون استبدال الألفاظ الشرعية بدلاً عنها، فالإمام الأوزاعي والإمام أحمد قالوا في لفظ الجبر؛ من قال إنه جبر فقد أخطأ، ومن قال لم يجبر فقد أخطأ بل يقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك. وقالوا: ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا الجبر٤. وكذلك لما سئل الأوزاعي ﵀ عن حديث النزول قال: يفعل الله ما يشاء، وقال حماد بن زيد٥: يدنو من خلقه كيف شاء٦. ويقول شيخ الإسلام ﵀: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص: فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفى ما نفاه الله ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفي المثل والسمي والكفؤ والند"٧. ولذلك يقسم أهل السنة الألفاظ إلى نوعين:

стр. 77

١ - نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحاً استحق صاحبه المدح وإن كان ذماً استحق صاحبه الذم، وإن أثبت شيئاً وجب إثباته، وإن نفى شيئاً وجب نفيه. ٢ - الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع، فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم، والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع١. فالقاعدة الأولى عند أهل السنة في ألفاظ العقيدة هي التزام ألفاظ الشرع.

стр. 78

القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها . ١ - صورة القاعدة: "إن الله أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب"١، ولن يعلم تفسير كتاب الله من جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها٢. لذا يهتم أهل السنة بمعرفة معاني اللغة، ودلالاتها، في ألفاظ العقيدة، ويلتزمونها. ٢ - فقه القاعدة: يلتزم أهل السنة والجماعة معاني اللغة ودلالاتها؛ لأنهم يلتزمون ألفاظ الكتاب والسنة وقد جاءت تلك على لسان العرب. فهم عندما يريدون أن يبينوا معاني ألفاظ كتاب الله وسنة رسوله يعتمدون على معرفتهم بلغة العرب، وسعة معانيها، وتعدد ألفاظها، وجعلوا ذلك من شرائط الإمامة في الدين." قال علماء السلف: لا يكون الرجل إماماً في الدين حتى يكون جامعاً لهذه الخصال: يكون حافظاً للغات العرب، واختلافها، ومعاني أشعارها، حافظاً لاختلاف الفقهاء والعلماء، ويكون عالماً فقيهاً حافظاً للإعراب والاختلاف فيه.."٣. ويقول الإمام الشاطبي٤ ﵀: "..فعلى الناظر في الشريعة، والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً، أمران: أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربياً، أو كالعربي، في كونه عارفاً بلسان العرب، بالغاً فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين.. وليس المراد أن يكون حافظاً كحفظهم، وجامعاً كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربياً في الجملة..والأمر الثاني: أنه إذا أشكل عليه في الكتاب، أو في السنة، لفظ أو معنى فلا يقدم

стр. 79

على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية، فقد يكون إماماً فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات"١. ومن الأمثلة على التزام أهل السنة معاني اللغة، ودلالاتها، أثناء تقريرهم للعقيدة؛ قول الإمام ابن خزيمة ﵀ في تقرير صفة اليد لله - تعالى - والرد على من حرف معناها: ".. فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضاً وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد في لغة العرب لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة"٢. ويقول شيخ الإسلام ﵀ في بيان معنى الأفول: "والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء"١. وفي بيان معنى اليد في قوله - تعالى -: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] والرد على من تأولها بالنعمة يقول الإمام ابن القيم ﵀: "ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد، وقال عروة بن مسعود للصديق: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف - سبحانه - فيه الفعل إلى نفسه، ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم، وهي اليد، وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر...فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة، وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك، فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب، صلاحيته له في كل تركيب"٢.

стр. 80

وأهل السنة والجماعة يجعلون التأويل قسمين: الأول: التأويل الصحيح، وهو حقيقة المعنى وما يؤول إليه في الخارج، أو تفسيره وبيان معناه، وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة، ويطابقها، هو التأويل الصحيح١. ولا يقبل التأويل الذي فيه صرف للفظ عن ظاهره إلا إذا توفرت فيه أمور٢: ١ - بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه. ٢ - تعيين ذلك المعنى إذا كان محتملاً لعدة معان. فلا بد من دليل على تعيينه. ٣ - إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره. ٤ - الجواب عن المعارض. الثاني: التأويل الفاسد هو الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة، ومنه ما كان صرف للفظ عن ظاهره مع فقده للشروط السابقة أو بعضها٣. كما ذكر أهل السنة أنواعاً للتأويل الباطل مما يكون فيه مخالفة للمعروف في لغة العرب، من حيث دلالة التركيب والسياق، فذكروا من التأويل الباطل٤: ١ - مالم يحتمله اللفظ بوضعه، ومثاله قوله ﷺ : "حتى يضع رجله فتقول قط قط قط" ٥، بأن الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا يعرف في لغة العرب. ٢ - مالم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفرداً كتأويل قوله - تعالى -: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] بالقدرة. ٣ - مالم يحتمله سياقه وتركيبه، وإن احتمله في غير ذلك السياق، كتأويل قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام - ١٥٨] بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته.

стр. 81

٤ - التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف، ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة، مثل تأويل الجهمية قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام - ١٨] ونظائرها بأنها فوقية الشرف، كقولهم الدينار فوق الدرهم. والتأويلات التي هي من جنس الأمثلة السابقة واضحة الفساد والبطلان، وذلك لمخالفتها قواعد لغة العرب من حيث احتمال التركيب والسياق للمعنى. وتنبيه أهل السنة على أنواع التأويل الباطل يبين مدى التزامهم معاني اللغة ودلالاتها.

стр. 82

القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية . ١ - صورة القاعدة: طريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فلا يعبرون في أبواب العقيدة بألفاظ مجملة مبتدعة، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة١. ٢ - فقه القاعدة: إن من منهج أهل السنة والجماعة في ألفاظ أصول الاعتقاد الاتباع لا الابتداع، والابتداع المقصود هنا هو مخالفة الأدلة السمعية. وأصل كلمة البدعة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احتذي، ولا ألف مثله، وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح٢. ويقول الإمام الشاطبي في تعريف البدعة: "فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله - سبحانه -"٣. وقيل في تعريف البدعة إنها: "ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله ﷺ من علم أو عمل أو حال، بنوع شبهة أو استحسان، وجعل ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً"٤. فأصول الدين قد جاءت موضحة في الكتاب والسنة وكلام السلف، فما كان فيه مخالفة لها فهو من الابتداع في أصول الاعتقاد. يقول شيخ الإسلام: "وكل قول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا يدخل في الأدلة السمعية، ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته..

стр. 83

وإنما السنة موافقة الأدلة الشرعية، والبدعة مخالفتها. وقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف: إنه بدعة، إذ الأصل أنه ما لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة ودينا، فمن عمل عملاً لم يعلم أنه مشروع فقد تذرع إلى البدعة، وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع، وكذلك من قال في الدين قولاً بلا دليل شرعي، فإنه تذرع إلى البدعة، وإن تبين له فيما بعد موافقته للسنة"١. ويذكر الإمام الإسماعيلي في عقيدة أهل السنة أنهم "يرون مجانبة البدعة والآثام"٢. والإمام أحمد يقول: "كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها"٣، وقال: "يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة"٤، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذ لم يكن له فيه إمام تقدم٥. وعندما قيل لأبي حنيفة: "ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام والأعراض والأجسام؟ قال: مقالات الفلاسفة، عليك بالآية وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"٦. ويفصل ابن تيمية موقف أهل السنة من الألفاظ المحدثة في النفي والإثبات فيقول: "وأهل السنة وإن كانوا يعرفون بعقولهم من المعاني الصحيحة نقيض ما يقوله النفاة، فلا يعبرون عن صفات الله بعبارات مجملة مبتدعة، ولا يطلقون القول بأن الله جسم، وأنه تحله الحوادث، وأنه مركب، ولا نحو ذلك، ولا يطلقون من نفي ذلك ما يتناول نفي ما أثبته الرسول، ودلت العقول عليه. بل يفسرون المجملات، ويوضحون المشكلات، ويبينون المحتملات، ويتبعون الآيات البينات، ويعلمون موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح"٧.

стр. 84

وقد يكون المحدث هو اللفظ ودلالته، كلفظ الهيولى، أو يكون المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، كلفظ أصول الدين، حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه١. وأما التعبير بعبارات صحيحة، وإن لم تكن في الكتاب والسنة، فلا يكره إذا احتيج إليه، فالإمام أحمد لا يكره إذا عرف معاني الكتاب والسنة أن يعبر عنها بعبارات أخرى، إذا احتيج إلى ذلك، بل هو قد فعل ذلك، بل يكره المعاني المبتدعة، مما خاض الناس فيه من الكلام في القرآن، والرؤية، والقدر، والصفات، إلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين٢. أما الجواب على من يطلق ألفاظاً محدثة مجملة، تحتمل حقاً وباطلاً، فيختلف الموقف باختلاف الشخص الذي تناظره على ثلاثة أقسام: أولاً: إذا كان الشخص ممن يتقيد بالشريعة، فيقول شيخ الإسلام ﵀: "وأما إذا كان الكلام مع من يتقيد بالشريعة، فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً بدعة، وفي كل منهما تلبيس وإيهام، فلا بد من الاستفسار والاستفصال، أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات"٣. ثانياً: إذا كان المناظر في مقام دعوة الناس إلى قوله، وإلزامهم به، أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق. ومثال ذلك ما أجاب به الإمام أحمد ﵀ مناظره أبا عيسى محمد بن عيسى برغوث٤حين ألزم الإمام بالتجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلاماً غير مخلوق لزم أن يكون

стр. 85

جسماً. فأجاب الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، ولا بمدلوله، بل هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد؛ فلا أقول هو جسم وليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه، وإجابة من دعاهم إلى ما دعاهم الرسول ﷺ إليه، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها١. ثالثاً: إذا كان المناظر معارضاً للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسناً، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم فبيان ضلالهم، ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. فيقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته، وإن كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام٢. فهذا هو الجواب على من يطلق ألفاظاً، أو معان محدثة، حيث يختلف الرد باختلاف حال الشخص.

стр. 86

القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها . ١ - صورة القاعدة: أن أهل السنة والجماعة يمنعون إطلاق العبارات المحدثة، المجملة، المتشابهة، نفياً وإثباتاً، فلا يثبتون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعنى أثبت حقه، ونفي باطله١. فيوقف اللفظ ويفسر المعنى٢. ٢ - فقه القاعدة: لما كان أهل السنة يحرصون على الألفاظ الشرعية في مسائل العقيدة، جاءت ألفاظهم خالية من الإيهام والإجمال، ولما بدأ المبتدعة يظهرون ألفاظاً مشتبهة يلتبس فيها الحق بالباطل بسبب ما فيها من الإجمال، كان موقف أهل السنة حازماً جداً، حيث امتنعوا عن إطلاق تلك الألفاظ نفياً وإثباتاً، إلا بعد الاستفسار والتفصيل، لكي يثبت المعنى الحق وينفى المعنى الباطل، يقول شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة، المتشابهة، المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنعمن كلا الإطلاقين"١. ويقول ﵀: "وما تنازع فيه الأمة من الألفاظ المجملة كلفظ المتحيز والجهة والجسم والجوهر والعرض وأمثال ذلك، فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء، لا في النفي ولا في الإثبات، حتى يتبين له معناه، فإن كان المتكلم بذلك أراد معنى صحيحاً، موافقاً لقول المعصوم كان ما أراده حقاً، وإن كان أراد به معنى مخالفاً لقول المعصوم كان ما أراده باطلاً.

стр. 87

ثم يبقى النظر في إطلاق ذلك اللفظ ونفيه، وهي مسألة فقهية، فقد يكون المعنى صحيحاً ويمتنع من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة، وقد يكون اللفظ مشروعاً ولكن المعنى الذي أراده المتكلم باطل"١. وهذه قاعدة متبعة عند سلف الأمة، قال شيخ الإسلام ﵀: "والمقصود هنا أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره، كانوا إذا ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز ونحوها؛ لم يوافقوهم لا على إطلاق الإثبات، ولا على إطلاق النفي"١، ويقول عن نفسه: "وما يذكر من الألفاظ المجملة فإني أبينه وأفصله"٢. وهذه الألفاظ المجملة التي تلبس على الناس في عقيدتهم، كانت سبب ذم السلف لعلم الكلام، إذ لم يذموه لمجرد الاصطلاحات المولدة فيه، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه الألفاظ والعبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، فهي مشتملة على معانٍ مجملة في النفي والإثبات٤. وهذا يؤدي إلى الالتباس وعدم بيان الحق، فأكثر اختلاف الناس سببه هذه الألفاظ المجملة، والمعاني المشتبهة.

стр. 88

القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات . ١ - صورة القاعدة: يقول الإمام الشافعي ﵀: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس١"٢. ومن منهج أهل السنة تجنب التشبه بغير المسلمين، ومن ذلك التشبه بهم في الألفاظ والمصطلحات العقدية. ٢ - فقه القاعدة: إن الله بين للناس في كتابه وسنة رسوله تفاصيل دينهم، وخاطبهم بما يفهمونه من الألفاظ العربية، فالعدول عنها إلى لغات الأمم يسبب الالتباس والاشتباه على الناس في أمور عقيدتهم، لاسيما إذا كانت تلك الألفاظ من الألفاظ المجملة المشتبهة، كما أن النبي ﷺ حذر أمته من التشبه بغير المسلمين فقال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه". قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " ٣. ولذا كان من منهج أهل السنة في ألفاظ العقيدة عدم التشبه بالأمم الأخرى في ألفاظها، ومصطلحاتها العقدية، وهو أمر تميزوا به عن سائر الطوائف. يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم؛ منها ما كان أعجمياً فعربت، كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس وغيرهم، وقد يكون المترجم عنهم صحيح الترجمة، وقد لا يكون صحيح الترجمة، ومنها ما هو عربي. ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية"١.

стр. 89

ثم يبين ﵀ الموقف من هذه الألفاظ التي تنقل من اللغات الأخرى فيقول: "فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى، والصورة، والمادة، والعقل، والنفس، والصفات الذاتية، والعرضية، والمجرد، والتركيب والتأليف، والجسم، والجوهر، والعرض، والماهية، والجزء، ونحو ذلك، بُيِّن ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني"١. فأهل السنة لا يقبلون الألفاظ المنقولة عن الأمم الأخرى، بل يتوقفون فيها حتى يتبين اللفظ وما يحتمله من معان، فهم يعاملونها معاملة الألفاظ المبتدعة. ومن خلال هذه المصادر والقواعد التي اعتمدها أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، تميزوا عن سائر الفرق الأخرى، ومن خلالها حفظوا العقيدة التي جاء بها الرسول ﷺ عن التحريف والابتداع.

стр. 90

الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها المصدر الأول: العقل ... الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها. وفيه مبحثان: المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها. المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.

стр. 91

المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها: المصدر الأول: العقل. المصدر الثاني: الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي. المصدر الثالث: الملل والديانات الأخرى. المصدر الرابع: الكشف.

стр. 92

المصدر الأول: العقل. يعتمد المخالفون من المتكلمين والفلاسفة على العقل مصدراً رئيساً لمسائل العقيدة، بما في ذلك ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، ويقدمونه على الأدلة السمعية؛ لأنها _في نظرهم _دلائل لفظية، والدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، وهذه هي الشبهة الأولى، والشبهة الثانية هي قولهم: إن العقل أصل السمع فيجب تقديمه عليه١. ومن ذلك أنهم زعموا أن معرفة الله لا تنال إلا بالعقل، يقول القاضي عبد الجبار: "أما الثاني وهو الكلام في أن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل، فلأن ما عداها فرع على معرفة الله - تعالى - بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله والحال هذه، كنا مستدلين بفرع للشيء على أصله، وذلك لا يجوز"٢. ويقول الغزالي: "كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواتراً فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواتراً، فيكون مؤولاً، ولا يكون متعارضاً، وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل وهو على خلاف دليل العقل، فذلك محال، لأن دليل العقل لا يقبل الفسخ والبطلان"١. ثم وضع الرازي تقديم العقل على النقل في قانون كلي اعتمده المتكلمون، وهو قوله: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضينوهو محال. وإما أن نبطلهما، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال. وإما أن تكذب الظواهر النقلية وتصدق الظواهر العقلية.

стр. 93

وإما أن تصدق الظواهرالنقلية وتكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية: إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول ﷺ ، وظهور المعجزات على يد محمد ﷺ . ولو صار القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهماً، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول، خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة. فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية، القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها، ثم إن جوزنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم تجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله - تعالى -. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق"١. وعلى هذا اعتمد المتكلمون في ألفاظهم ومصطلحاتهم في العقيدة، يقول شيخ الإسلام ﵀ عن الطوائف المخالفة لأهل السنة في مسائل العقيدة ومصطلحاتها: "ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء، يضع كل فريق لأنفسهم قانوناً فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعاً له، فما وافق قانونهمقبلوه، وما خالفه لم يتبعوه"٢. ويقول عن اعتمادهم العقل في إثبات الألفاظ ونفيها: "..فإنكم تدعون أن هذه الأمور معلومة بالعقل لا بالسمع، وإطلاق الألفاظ ونفيها لا تقفون أنتم فيه عند الشرع، فالواجب على أصولكم أن ما علم بالعقل ثبوته، أو انتفاؤه، اتبع من غير مراعاة للفظ"٣. ويقول الإمام أبو القاسم التيمي٤: "فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقلفإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول، وأما أهل السنة؛

стр. 94

قالوا: الأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئاً حتى يعقلوا"١. وقد انتقد أهل السنة قانون تقديم العقل، وألفوا المصنفات في إبطاله، ومن ذلك كتاب درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والصواعق المرسلة للإمام ابن القيم ﵀، وغيرها، وبيّنوا أنه يستحيل تعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح.

стр. 95

المصدر الثاني: الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي . لقد أثرت الفلسفة اليونانية على كثير من المتكلمين فأدخلوا بعض المصطلحات التي عربوها من الألفاظ اليونانية في العقيدة، وأبقوها على مدلولها المخالف للعقيدة الصحيحة، وقد عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية، حيث إنه لما عربت الكتب اليونانية في حدود المئة الثانية وقبل ذلك، أخذها أهل الكلام وأدخلوا فيها من أنواع الباطل في الأمور الإلهية ما ضل به كثير منهم١. فأبو الحسن الأشعري٢ يقرر أن مذهب أبي الهذيل العلاف٣ في الصفات أخذه عن أرسطاطاليس، والشهرستاني٤ يصل مذهب العلاف بالفلسفة اليونانية، وأنه وافق الفلاسفة في أن الباري - تعالى - عالم بعلم وعلمه ذاته٥. وأبو الهذيل أول من وضع مذهب الجزء الذي لا يتجزأ في الإسلام، وهو مذهب فلسفي اختلف في مصدره٦. وأما النظام٧ فيقول الشهرستاني عنه إنه "طالع كثيراً من كتب الفلاسفة، وخلط

стр. 96

كلامهم بكلام المعتزلة"١، ويقرر الشهرستاني أن النظاّم أخذ القول بالكمون والظهور٢ عن أصحاب هذا المذهب من الفلاسفة وخاصة الطبيعيين لا الإلهيين٣. كما وافق الفلاسفة في القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ٤. وعموم نظار المسلمين المتقدمين من المعتزلة، والأشعرية، وغيرهم، لم يلتفتوا كثيراً إلى الفلسفة اليونانية، ومنطق أرسطو، إلى أن جاء أبو حامد الغزالي فخلط منطق اليونان بأصول المسلمين٥، حيث ألف كتابه معيار العلم في المنطق، وقال في مقدمته: "رتبنا هذا الكتاب معياراً للنظر والاعتبار، وميزاناً للبحث والافتكار، وصيقلاً للذهن، ومشحذاً لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول، كالعروض بالنسبة إلى الشعر..فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان، ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار، غير مأمون الغوائل والأغوار"٦. وألف المستصفى في أصول الفقه، ووضع في أوله مقدمة منطقية، وزعم أن من لم يحط بها علماً فلا ثقة بعلومه٧. كما صنف في ذلك محك النظر، والقسطاس المستقيم، وقد تأثر به من جاء بعده من المتكلمين، فتكلموا في الأصول بطريقة أهل المنطق اليوناني٨. مع أن الغزالي قد رجع عن طريقة الفلاسفة ورد عليهم في الإلهيات كما في كتابه تهافت الفلاسفة.

стр. 97

ومن المتكلمين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية الفخر الرازي، والآمدي، والإيجي١ وغيرهم، يقول مقدم كتاب المحصل: الدكتور حسين آتاي عن الرازي: "إنه استوعب فلسفة أرسطو التقليدية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام. ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن أن نقول بعبارة أخرى إنه جعل تلك الفلسفة كلاماً. وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة"٢. فالرازي يعرض أصول الاعتقاد ممزوجة بالفكر الفلسفي اليوناني، الذي روج له ابن سينا وأتباعه. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن الرازي: "أبو عبد الله الرازي فيه تجهم قوي، ولهذا يوجد ميله إلى الدهرية أكثر من ميله إلى السلفية، الذين يقولون إنه فوق العرش..يقرر ذلك أنه احتج في مقدمة هذا العلم الشريف بكلام أرسطو معلم المشائين من الدهرية. ولم يكن عنده من أثارة الأنبياء والمرسلين ما يقدمه على كلام الدهرية"٣. ومع تأثر الرازي والآمدي بمصطلحات الفلاسفة، إلا أنهم كانوا يخالفونهم ويعترضون عليهم في كثير مما يذكرونه عنهم بحسب ما يسنح لهم٤. أما الفلاسفة المنتسبون للإسلام أمثال الكندي٥، والفارابي٦، وابن سينا، فقد كان لهم السبق في نقل فلسفة أرسطو وأتباعه، وشرحها، وتأييدها. يقول شيخ الإسلام ﵀:"والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين، أتباع أرسطو صاحب التعاليم"٧.

стр. 98

كما كان إعجابهم بمنطق أرسطو كبيراً، ولهذا ألف كل واحد منهم رسالة في الحدود على قواعد منطق أرسطو ومصطلحاته، وبدءاً من جابر بن حيان المتوفى سنة١٦٠هجرية، يتبين لنا تدرج دخول المصطلحات الفلسفية إلى العرب، بما فيها من مصطلحات تخص العلم الإلهي - كما يسمونه -، ورسالته في الحدود تبين انتساب جابر إلى الفلاسفة، حيث يؤيد ذلك النصوص الفلسفية التي تألفت منها تلك الرسالة، وهي تدل دلالة أكيدة على أن معرفة جابر بالفلسفة اليونانية وثيقة وأكيدة١. ثم ننتقل إلى رسالة الحدود والرسوم للكندي المتوفى سنة٢٦٠ هجرية، ونجد أن كثيراً من التعريفات التي ضمنها رسالته يرجع إلى الفلسفة اليونانية٢. أما الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩ هجرية فقد امتلأت رسائله الصغيرة، وكتبه المطولة، على السواء بعدد ضخم من الحدود والرسوم للمصطلحات الفلسفية٣. كما نجد الخوارزمي الكاتب المتوفى سنة ٣٨٧ هجرية قد ألف كتاب مفاتيح العلوم، وأفرد فيه باباً للألفاظ الفلسفية، وباباً للمنطق. وابن سينا ألف رسالة في الحدود والرسوم على نسق رسالة الكندي في الحدود والرسوم، فهي مأخوذة من الفلسفة الأرسطية٤، كما ألف الشفا والنجاة في المنطق والإلهيات وهي مليئة بالمصطلحات الفلسفية. يقول ابن سينا في مقدمة كتابه النجاة: "فبدأت بإيراد الكفاية من صناعة المنطق لأنه الآلة العاصمة للذهن عن الخطأ فيما نتصوره ونصدق به، والموصلة إلى الاعتقاد الحق بإعطاء أسبابه ونهج سبله"١. فهؤلاء الفلاسفة خلطوا علوم المسلمين بعلوم اليونان، وجعلوا فلسفة اليونان هي الأصل الذي تبنى عليه العلوم، فأفسدوا بذلك، وحرفوا كثيراً من الألفاظ والمصطلحات في أصول الدين وعلوم الشريعة.

стр. 99

المصدر الثالث: الملل والديانات الأخرى . كما أخذ بعض المتكلمين عن الفلسفة اليونانية؛ فقد أخذوا أيضاً من فلسفات الأمم الأخرى. ويذكر البغدادي١أن النظّام كان يغشى في حداثته مجالس أصحاب التثنية٢من الفرس، والسوفسطائية٣ الذين كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة، ثم تردد في شبابه على مجالس الفلاسفة الملحدين، وأخذ عن الثنوية قوله بأن فاعل العدل لا يقدر على الجور والكذب. ومن تأثرهم بالأديان الأخرى تأثر فرقة الخابطية والحدثية٤من المعتزلة بالنصرانية؛ حيث أثبتوا بعض أحكام الألوهية للمسيح ﵇. يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم؛ منها ما كان أعجمياً فعربت، كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس،

стр. 100

وغيرهم، وقد يكون المترجم عنهم صحيح الترجمة، وقد لا يكون صحيح الترجمة، ومنها ما هو عربي"١. وكان الفخر الرازي ينقل عن بعض أتباع الصابئة المشركين؛ أمثال أبي معشر البلخي المنجم٢، وأكثر نقله عن الصابئة، والمجوس، ومشركي الهند، وبابل، عند كلامه عن السحر والكواكب٣. يقول شيخ الإسلام ﵀ عن تقليد هؤلاء المتكلمين للأمم السابقة: "وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة، من الجهمية، وغيرهم، اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم، فغيروا فطرة الله - تعالى -، وبدلوا كتاب الله"٤.

стр. 101

المصدر الرابع: الكشف . يعد الكشف المصدر الرئيس للمعرفة عند الصوفية، ومن دخل في التصوف من فلاسفة ومتكلمين، وما وافق الكشف عندهم من الكتاب والسنة أقروه، وما خالف كشفهم تأولوه!!. والكشف عند الصوفية: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب، من المعاني الغيبية والأمور الخفية الحقيقية وجوداً أو شهوداً١. وكما نصب المتكلمون العقل حاكماً على النقل، ينصب هؤلاء الصوفية الكشف حاكماً على النقل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على من قدم العقل على النقل: "وهذا الذي ذكره هذا في العقل، ذكره طائفة أخرى في الكشف، كما ذكرهأبو حامد في كتابه الإحياء، في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، وذكر أنه لا يستدل بالسمع على شيء من العلم الخبري، وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في قلبه، ثم يعرض الوارد في السمع عليه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه"٢. قال أبو حامد في بيان الكشف الذي يحصل لبعض الخواص: "القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضاً، لأن فيه صورة كل موجود؛ وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلت صور ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغاً من شهوات الدنيا، فإن كان مشغولاً بها كان عالم الملكوت محجوباً عنه، وإن كان في حال النوم فارغاً من علائق الحواس طالع جواهر عالم الملكوت، فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ، وإذا أغلق باب الحواس كان بعده الخيال، لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر القشر، وليس كالحق الصريح مكشوفاً، فإذا مات أي

стр. 102

القلب بموت صاحبه، لم يبق خيال ولا حواس، وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال، ويقال له: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق - ٢٢] "١. ويبين أنه عن طريق الرياضة والمجاهدة ينفتح له ذلك وأنه يبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجميلة الجليلة، وينكشف له ملكوت السموات والأرض، ويرى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه - كما يقول -٢. وهذا الذي يقع في قلوب الأولياء هنا يقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق - تعالى - كما يقول الغزالي - فهم مثل علم الأنبياء٣. وهو هنا يقترب من الفلاسفة في تعريفهم للنبوة؛ وهو مما أغلظ فيه كثير من العلماء على الغزالي٤. وهذا الكشف هو الحاكم على السمع، فما وافق الكشف أخذوه، وما خالف الكشف أولوه، يقول الغزالي: "وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض، لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه، نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه. فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد، فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف"٥. ويقول الرازي في بيان الطريق للكشف وأنه من الطرق الموصلة إلى المعارف المقدسة: "اعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الطريق إليه من وجهين: أحدهما: طريق أصحاب النظر والاستدلال. والثاني: طريق أصحاب الرياضة والمجاهدة"٦. وقال في الطريق الثاني: "وأما الطريق الثاني، وهو طريق أصحاب الرياضة فهو طريق عجيب أكيد قاهر، فإن الإنسان إذا اشتغل بتصفية قلبه عن ذكر غير الله، وداوم بلسان جسده، ولسان روحه على ذكر الله، وقع في قلبه نور وضوء وحالة قاهرة وقوة عالية،

стр. 103

ويتجلى لجوهر النفس أنوار عالية علوية، وأسرار إلهية، وهي مقامات ما لم يصل الإنسان إليها، لا يمكنه الوقوف عليها على سبيل التفصيل"١. وقال أيضاً: "عند الرياضة الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة، وتلوح لها الأنوار وتتكشف لها المغيبات"٢. والنفس قد يحصل لها نوع من الكشف، بالزهد والعبادة والرياضة والتصفية والخلوة، وغير ذلك٣، لكن ينبغي أن يربط بالكتاب والسنة، وأن يعلم أن المعارف التي تحصل بالكشف متى خالفت الكتاب والسنة، أو خالفت العقل الصريح، فهي باطلة. فالكشف إذاً من مصادر المعرفة عند الصوفية، وقد سلطوه على ألفاظ الشرع، فما خالف كشفهم تأولوه وحرفوه عن معناه الصحيح إلى ما يوافق كشفهم.

стр. 104

المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها الأولى: عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها ... المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها: ١ - عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها. ٢ - عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها. ٣ - استعمال الألفاظ البدعية. ٤ - استعمال الألفاظ المجملة. ٥ - التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.

стр. 105

١ - عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها. يتخذ المتكلمون والفلاسفة العقل مصدراً رئيساً لمسائل العقيدة؛ بما في ذلك ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وهم يقصون السمع بعيداً في أمور العقيدة؛ لأنهم يزعمون أن الدلائل اللفظية - وهي السمع - لا تفيد اليقين، يقول الفخر الرازي في تقرير ذلك: "إن التمسك بالدلائل اللفظية، موقوف على أمور عشرة، وكل واحد منها ظني، والموقوف على الظني: ظني، ينتج أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد إلا الظن"١. ثم بين تلك الأمور العشرة وهي: نقل مفردات اللغة، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك، وعدم إرادة المجاز، وعدم الإضمار والحذف، وعدم التقديم والتأخير، وعدم المخصص، وعدم المعارض النقلي، وعدم المعارض العقلي، وأن يكون الدليل النقلي قطعي الدلالة والمتن، وأن تكون دلالته مانعة من النقيض٢. وبهذا طرحوا دلالة السمع لأنها في نظرهم ظنية. وإذا تعارض العقل والنقل - في نظرهم - قدموا العقل لأنه قطعي الدلالة، وأما النقل فإما أن يرفضوه لأنه غير صحيح - بزعمهم - أو يشتغلوا بتأويله لأن ظاهره غير مراد! ٣. يقول الغزالي: "كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري - تعالى - يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نظر: إن تطرق إليه التأويل قبل وأول، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل"١.

стр. 106

ويقول أبو المعين النسفي١: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل، يوجب تناقضاً فاحشاً في كتاب الله - تعالى -"٢. ومن الأمثلة لذلك قول الرازي: "لما ثبت بالدليل أنه - سبحانه - منزه عن الجهة والجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحاً، لئلا يصير ذلك سبباً للطعن فيها"٣. وتأويلهم تحريف للفظ عن معناه الصحيح، وهم يستعينون على ذلك بغرائب المجازات، وبعيد اللغة، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات"١. ومن مظاهر عدم التزامهم ألفاظ الشرع واستبدالهم غيرها من الألفاظ؛ أن كتب العقائد التي يؤلفونها مليئة بألفاظ لم تجيء في الشرع، ومع ذلك هي عمدة مسائلهم، كحديثهم عن الجوهر والعرض والجسم والواجب والتحيز والجهة والمركب والمنقسمونحوها، فمثل هذه المسائل ليست هي أصول الدين - كما زعموا -، لأن أصول الدين هي ما بينه الرسول ﷺ ٥، أما هذه الألفاظ فلم يذكرها الرسول ﷺ ولا صحابته من بعده في مسائل أصول الدين، مما يدل على أنها محدثة مبتدعة، وكل بدعة ضلالة. وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك وهم الذين يطرحون النصوص، ولا يرون حجيتها في العقائد، وهم الذين يرون أن الأنبياء قصدوا ظواهر النصوص لإفهام العامة، وإن كان هذا الظاهر باطلاً ولكن للمصلحة فقط، وهؤلاء يسميهم ابن تيمية ﵀ أهل

стр. 107

الوهم والتخييل١، ومنهم ابن سينا فهو يقول: "أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء، يرام بها خطاب الجمهور كافة، ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد؛ من الإقرار بالصانع موحداً، مقدساً عن الكم، والكيف، والأين، والمتى، والوضع، والتغير.. ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور"٢. ويستبعد إرادة المجاز والاستعارة في آيات التوحيد لأنه لا يرى حجيتها مطلقاً، بل يرى أنها جاءت لإفهام الجمهور، وإن كان كذباً، فيقول: "ثم هب الكتاب العربي جائياً على لغة العرب، وعادة لسانهم من الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني كله، وهو من أوله إلى آخره تشبيه صرف...فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون، مقرباً ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه، والتمثيل..فكيف يكون ظاهر الشرع حجة في هذا الباب؟! "١، وهذا كفر بكتاب الله - تعالى -. وهؤلاء وأولئك جعلوا الألفاظ المبتدعة المجملة هي ألفاظ العقيدة التي لا يعرفها إلا الخواص، وأعرضوا عن ألفاظ الشرع، يقول شيخ الإسلام: "وهؤلاء جعلوا هذه الألفاظ المبتدعة المجملة أصلاً أمروا بها، وجعلوا ما جاء به الرسول من الآيات والأحاديث فرعاً يعرض عنها ولا يتكلم بها فكيف يكون تبديل الدين إلا هكذا! "٤. فالمتكلمون والفلاسفة لا يلتفتون إلى ألفاظ الشرع، وإن استعملوها أعملوا فيها التأويل والمجاز.

стр. 108

الثانية: عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها ... ٢ - عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها. لا يلتزم كثير من المتكلمين والفلاسفة معاني اللغة ودلالاتها في أبواب العقائد، وذلك لأن العقل عندهم إذا دل على شيء، وجب تأويل الألفاظ التي في النصوص، وتطويعها لتوافق عقولهم، وإن كان مخالفاً لدلالة اللغة. يقول ابن عقيل١في بيان مذهبه في قبول أخبار الآحاد: "يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها، وإن كان من بعيد اللغة ونادرها، وهذا هو اعتقادنا "١. فهم يفسرون اللفظ بمعنى بعيد جداً ولا يحتمله اللفظ في ذلك الموضع، بل هو كما قال من بعيد اللغة ونادرها. وبعض المتكلمين يحمل اللفظ معنى ليس هو من معانيه في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وهم اصطلحوا بتلك العبارات على معان غير معانيها في لغة العرب، فتبقى إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب على باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص على باطل"٣. ومن الأمثلة على عدم التزامهم معاني اللغة في ألفاظ العقيدة، تفسيرهم الاستواء بالاستيلاء، وقد رد الإمام ابن القيم على هذا التحريف من اثنين وأربعين وجهاً، ومما قال في بيان مخالفتهم للغة: "إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك. وهذا هو من أكابر أئمة اللغة"٢. ومن الأمثلة كذلك تعريفهم للواحد بأنه الذي لا ينقسم، أو أنه ما ليس بجسم، قال أبو المعالي: "الواحد في اصطلاح الأصوليين الشيء الذي لا ينقسم، ولو قيل الواحد هو

стр. 109

الشيء لوقع الاكتفاء بذلك، والرب موجود، فرد، متقدس عن قبول التبعيض والانقسام"١. وقد علق شيخ الإسلام ﵀ على تعريفاتهم مبيناً مخالفتها للشرع والعقل واللغة، وقد سبق بيان ذلك، ونوضح هنا مخالفتهم للغة، قال ﵀: "أما في اللغة، فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي، متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب، وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيراً من المخلوقات بأنه واحد، ويكون ذلك جسماً، إذ المخلوقات إما أجسام، وإما أعراض عند من يجعلها غيرها وزائدة عليها. وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحداً، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم، إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء..بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار"٢. وهكذا هم في أغلب اصطلاحاتهم التي اصطلحوا عليها في العقائد، فهم كما قال شيخ الإسلام ﵀: "عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة من معناها، بل معاني اختصوا هم بالكلام فيها نفياً وإثباتاً، ولهذا قال الإمام أحمد فيهم: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم"٢.

стр. 110

الثالثة: استعمال الألفاظ البدعية ... ٣ - استعمال الألفاظ البدعية. لما استغنى المتكلمون والفلاسفة عن ألفاظ الشرع وقدحوا في إفادتها القطع في العقائد؛ استحدثوا ألفاظاً ومصطلحات في مسائل العقيدة، وذلك كتسميتهم الصفات أعراضاً، وكاستعمالهم لفظ الجسم، والجهة، والتحيز، والأحوال، والعقل، والنفس، والمادة، والتركيب، والجزء، والعلة، والمعلول، ونحوها، وإطلاقها نفيا أو إثباتا على الله - تعالى -. ومن ذلك أن المعتزلة جعلوا أصول الدين خمسة وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأرادوا بها معان أخرى غير ما جاء في الشرع١، بل استحدثوا مسألة المنزلة بين المنزلتين، إذ لا وجود لها في كتاب الله ولا سنة رسوله. كما نجد أن أهم المسائل التي يتحدث عنها المتكلمون هي نفي الجسم عن الله، ونفي الأعراض عنه، وأنه ليس بجوهر، ولا متحيز ولا في جهة٢. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة، كما لم يثبتوا لفظ التحيز ولا نفوه، ولا لفظ الجهة ولا نفوه، ولكن أثبتوا الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات"١. ومن المصطلحات التي يهتمون بها ويُعنون بشرحها في كتبهم دليل الحدوث والأعراض٤، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وكذلك الاستدلال على حدوث العالم بطريق الجسم والعرض، إنما ابتدعها في الإسلام هؤلاء، وهذا أصل علم الكلام الذي
следующие страницы →