الخلق
١ - معنى الخلق في اللغة:
يقول ابن فارس: "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملاسة الشيء. فأما الأول فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته.. وقال زهير١:
ولأنت تفري ماخلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري٢
.. والخَلْق خلق الكذب، وهو اختلاقه واختراعه وتقديره في النفس.. وأما الأصل الثاني: فصخرة خلقاء أي ملساء"٣.
والخليقة الخَلْق، والجمع الخلائق، والخِلقة الفطرة٤. "والخالق الصانع"٥، و"خلقه الله خلقاً أوجده"٦.
والخَلْق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه، والآخر التقدير. وخلق الله الشيء يخلقه خلقا أحدثه بعد أن لم يكن، والخلق يكون المصدر ويكون المخلوق٧.
"والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه"٨.
فالخلق في اللغة يعني التقدير، والإنشاء، والإيجاد، والإبداع، وقد يراد به المخلوق.
стр. 177
٢ - معنى الخلق في الشرع:
الخلق في الشرع هو صفة فعلية قائمة بذات الله - تعالى - متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها. كما قد يطلق الخلق على المخلوق كما في قوله - تعالى -: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان - ١١] .
وقد ورد لفظ الخلق في آيات كثيرة من كتاب الله - تعالى -، فورد بمعنى الإبداع والتقدير١ نحو قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] ، وقوله - تعالى -: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف - ٥١] ، وقوله - تعالى -: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨] ، كما ورد لفظ خلق في السنة بمعنى قضى وقدر، ومنه قوله ﷺ : "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" ٢، وفي رواية "لما قضى الله الخلق" ٣، ومعنى خلق في الرواية الأولى، وقضى في الرواية الثانية، هو: "قدّر"، أي لما فرغ من تقدير الخلق، لأنه قال في رواية أخرى: "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق" ٤.
يقول البخاري ﵀: "باب ماجاء في تخليق السموات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون"٥.وعلق على هذا الكلام ابن القيم ﵀ بقوله: "فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه"٦.
стр. 178
وقال ابن حجر ﵀ معلقاً أيضا على كلام البخاري ﵀: "وسياق المصنف يقتضي التفرقة بين الفعل، وما ينشأ عن الفعل، فالأول من صفة الفاعل، والباري غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة، وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثم عقبه بقوله: وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكون"١.
وقال البخاري ﵀ في كتابه خلق أفعال العباد: "واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، ليست من الله، وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا لـ "كن" مخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة..ففعل الله، صفة الله، والمفعول غيره من الخلق"٢.
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ وهو يبين صفات الله الفعلية: "..وخالقاً بتخليقه والتخليق صفة في الأزل"٣. ويُعرف الإمام ابن مندة ﵀ الخالق بقوله: "والخالق هو المقدر الفاعل الصانع، وهو الباري المصور فهذه صفة قدرته. والخلق منه على ضروب: منه خلق بيده ويخلق إذا شاء فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] ، ومنه ما خلق بمشيئته وكلامه، ويخلق إذا شاء، ولم يزل موصوفاً بالخالق الباري المصور قبل الخلق، بمعنى أنه يخلق ويصور"٤.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ اللفظ المقصود بهذا المبحث فقال: "لفظ الخلق المراد به الفعل الذي يسمى المصدر، كما يقال خلق يخلق خلقاً كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨] ، وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر - ٦] ، وقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف - ٥١] وليس الكلام في لفظ خلق المراد به المخلوق ومنه قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾
стр. 179
[لقمان - ١١] "١. وعرف ﵀ لفظ الخلق بقوله: "الخلق هو إبداع الكائنات من العدم "٢، وقال: "والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير"٣.
وقال ﵀: "ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم٤؛ يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير"٥. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:"إن الخلق هو الإيجاد"٦.
وقال الإمام ابن تيمية مبيناً قيام صفات الفعل في ذات الله: "وإذا كان الخلق فعله والمخلوق مفعوله، وقد خلق الخلق بمشيئته، دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته، ويمتنع قيامه بغيره، فدل على أن أفعاله قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته"٧.
وشرح الإمام ابن القيم قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة - ٢١] بقوله: "ثم قال: الذي خلقكم، فنبه بهذا أيضاً على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم، واخترعهم وحده بلا شريك"٨.
ويتبين مما سبق أن الخلق - كما ذكرت سابقاً - صفة فعلية، قائمة بذات الله - تعالى -، متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها.
стр. 180
٣ - معنى الخلق عند المتكلمين:
يقول الباقلاني١: "حقيقة الخلق والإحداث، هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود"٢، ويقول أبو المعالي: "والخلق قد يراد به الاختراع، وهو أظهر معانيه، وقد يراد به التقدير"٣. وقال الرازي: "الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين، والإخراج من العدم إلى الوجود"٤. وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق هو إحداث الشيء مقدراً "٥، وقال أيضاً: "الخلق هو الإنشاء والإبداع "٦. وقيل: "الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء "٧.
ويلاحظ أن هذه التعريفات موافقة للغة، ولمعنى الخلق عند أهل السنة. ولكن هل هذا الخلق الذي عرفوه سابقاً هو صفة قائمة بذات الله - تعالى -؟ أو أن الخلق هو المخلوق؟. يرى كثير من طوائف المتكلمين أن الخلق هو المخلوق، وبعضهم يرى أنه معنى آخر غير المخلوق كالإرادة مثلاً، وليس الخلق - بزعمهم - صفة قائمة بذات الرب، يقول البيهقي: "ونعتقد في صفات فعله أنها بائنة عنه - سبحانه - "٨. ويقول الجويني: "..ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق، ولذلك قال أئمتنا: لا يتصف الباري - تعالى - في أزله بكونه خالقاً، إذ لا خلق في الأزل، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزاً"٩.
والماتريدية كما سبق بيان مذهبهم في الإحياء والإماتة، وسائر صفات الفعل، فإنهم يجعلون الخلق من متعلقات التكوين، وليس صفة حقيقية تعود على الذات بمعنى١٠.
стр. 181
أما المعتزلة فمذهبهم نفي الصفات ومنها الخلق، وقد اختلفوا في معنى الخلق، وهل هو المخلوق أم لا؟ يقول الأشعري: "واختلف الناس في خلق الشيء، هل هو الشيء أم غيره؟ فقال أبو الهذيل: خلق الشيء، الذي هو تكوينه بعد أن لم يكن، هو غيره، وهو إرادته له وقوله له كن..وقال بشر بن المعتمر: خلق الشيء غيره، والخلق قبل المخلوق، وهو الإرادة من الله للشيء، وقال إبراهيم النظام: الخلق من الله - سبحانه -، الذي هو تكوين، هو المكوَّن، وهو الشيء المخلوق"١.
وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق إنما هو التقدير، والمخلوق هو الفعل المقدر بالغرض والداعي، المطابق له على وجه لايزيد عليه ولاينقص عنه"٢.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ نزاع الطوائف في الخلق هل هو من صفات الله أو لا؟ فقال: "والناس تنازعوا في نفس الخلق، والإحداث، والتكوين، هل هو من صفات الله أم لا؟ وهذا المؤسس٣، وأصحابه، مع المعتزلة، يقولون إن الخلق هو المخلوق، ليس ذلك صفة لله بحال، وأما جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وطوائف من أهل الكلام، فيقولون إن الفعل نفسه، والخلق من صفاته، ولكن المخلوق ليس من صفاته"٤.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ شبهتهم في ذلك، ورد عليهم، مبيناً فساد قولهم، كما ذكر ابن القيم ﵀ شبهاتهم في ذلك، ورد عليها، وقد سبق شيء من هذه الردود عند شرح صفة الإحياء٥.
وعلى هذا فينبغي أن ينتبه إلى حقيقة قول المتكلمين في الخلق، وإن عرفوه بما يوهم أنهم موافقون لأهل السنة في حقيقة الصفة وقيامها بالله - تعالى -.
стр. 182
٤ - معنى الخلق عند الفلاسفة:
يقول ابن سينا: "حد الخلق: هو اسم مشترك، فيقال: خلق لإفادة وجود كيف كان، ويقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان، ويقال خلق لهذا المعنى الثاني، بعد أن يكون لم يتقدمه وجود بالقوة، كتلازم المادة والصورة في الوجود"١.
وذكر هذه المعاني الغزالي، إلا أنه قال في المعنى الثالث: "وقد يقال خلق لهذا المعنى الثاني، لكن بطريق الاختراع، من غير سبق مادة فيها قوة وجوده، وإمكانه"٢.
وبتأمل معاني الخلق التي ذكرها ابن سينا، وذكرها الغزالي على أنها حد للخلق عند الفلاسفة، نجد أنها مبهمة، ليس فيها توضيح لمعنى الخلق، بل فيها أن الخلق يعني إفادة الوجود، دون سبق بالعدم، أو ذكر للخالق، وهذا ظاهر البطلان.
يقول شيخ الإسلام ﵀ عن تعريف الفلاسفة للخلق: "وقد فسروا لفظ الخلق بثلاثة معان، ليس فيها واحد هو المراد في كلام الله - تعالى -، ورسوله، والمؤمنين، فإن ما يذكرونه من إفادة وجود الملائكة بالمعنى الأول، وما يذكرونه في اختراع الأفلاك والعناصر بالمعنى "الثالث"٣، لم يُرد واحداً منها الأنبياءُ، والمؤمنون، وذلك معلوم بالاضطرار والتواتر والإجماع، أما المعنى "الثاني"٤ فكذلك، فليس في كلام الرسل ما يثبت أن الخلق حاصل في أجسام هي مادة وصورة، بل كلامهم ينفي ذلك، وهذا بين"٥.
فهم يريدون بخلق الملائكة وهي التي يسمونها العقول والنفوس، أنها صادرة عن الله ومعلولة له، والمعلول ملازم للعلة غير متأخر عنها، فهي ليست مخلوقة ومسبوقة بالعدم، وهذا مناقض لما ورد عن خلق الملائكة في الكتاب والسنة.
ومن وجوه الرد على الفلاسفة في تحريفهم لمعنى لفظ الخلق ما يلي:
стр. 183
أولاً: أن القرآن والتوراة قد نصا أنه - تعالى - خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتواترت بذلك الأحاديث، ثم اتفق عليه أهل الملل، فكيف يجوز أن يفسر بالاختراع اللازم لذاته من غير سبق مادة؟ كما ذكروه في المعنى الثالث١.
ثانياً: أن لفظ الخلق المذكور في القرآن، يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم، يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير، وعندهم العقول والنفوس ليس لها مقدار، ولا هي أيضاً مبدعة الإبداع المعروف، والسماوات ليست مبدعة الإبداع المعروف، وقد قال - تعالى -: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان - ٢] ، فذكر لفظ الخلق لكل شيء، وذكر أنه قدر كل شيء تقديراً، والملائكة عندهم لم تقدر، بل ولم تخلق الخلق المعروف عند المسلمين، وهذا يدل على مناقضتهم للرسل أيضاً، مع كثرة أدلة ذلك باللغة التي خوطبوا بها٢.
ثالثاً: أن المعنى الثاني وهو قولهم: "يقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان"؛ يشير إلى قولهم بقدم المادة وهو قول باطل، وينفي صفة الخلق عن الله، وهذا تضليل بين، وتحريف ظاهر، يريدون به ستر قولهم بأن العالم قديم، يعني غير مخلوق الخلق المعروف.
فهذا مما يرد به على الفلاسفة في المعاني الفاسدة التي ضمنوها للفظ الخلق، حيث إنه بفهم معنى الخلق في الشرع، يتبين أنه لفظ لا اشتراك فيه، فخلق الملائكة هو نفس معنى خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وهو إنشاؤها من العدم وفق تقدير الله السابق لها.
стр. 184
الإبداع
١ - الإبداع في اللغة:
قال الخليل: "البَدْع إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق، ولا ذكر، ولا معرفة. والله بديع السموات، والأرض، ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئاً يتوهمهما متوهم، وبدع الخلق. والبِدْع الشيء الذي يكون أولاً في كل أمر، كما قال الله : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف - ٩] أي لست بأول مرسل.. والبدعة اسم ما ابتدع من الدين وغيره، ونقول لقد جئت بأمر بديع، أي مبتدع عجيب، وابتدعت جئت بأمر مختلف لم يعرف"١. وقال الجوهري: "أبدعت الشيء، اخترعته لا على مثال"٢.
فالإبداع إحداث الشيء بعد أن لم يكن له خلق ولا ذكر، وعلى نحو غير مسبوق.
٢ - معنى الإبداع عند أهل السنة:
ورد في كتاب الله - تعالى - قوله - سبحانه -: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١١٧، الأنعام - ١٠١] ، والبديع هو المبدع أي المنشيء، والمحدث، مالم يسبقه إلى إنشاء مثله، وإحداثه، أحد. يقول الطبري ﵀:"يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، مبدعها، وإنما هو مفعل صرف إلى فعيل، كما صرف المؤلم إلى أليم، والمسمع إلى سميع، ومعنى المبدع المنشيء، والمحدث، مالم يسبقه إلى إنشاء مثله، وإحداثه، أحد. ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعاً لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلاً أو قولاً لم يتقدمه فيه متقدم فإن العرب تسميه مبتدعا "٣.
ويقول شيخ الإسلام ﵀ مبيناً معنى الإبداع أنه: "خلق الشيء على غير مثال"٤،
стр. 185
وقال ﵀: "والإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته، مع استقلال الخالق به، وعدم شريك له"١.
وقال ابن القيم ﵀:"الإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق"٢. وقد سبق أن ذكرت أن الخلق هو الإبداع بتقدير٣. فالإبداع يفسر بالخلق والخلق يفسر بالإبداع، أي أنه - سبحانه - يخلق بإبداع.
وقال ابن القيم ﵀:"وكذلك مبدع الشيء، وبديعه، لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١١٧، الأنعام - ١٠١] "٤.
فالإبداع من خصائص الربوبية٥، وهو صفة فعلية للرب - تعالى - قائمة بذاته، متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إنشاء الشيء وإحداثه على مثال غير مسبوق.
٣ - معنى الإبداع عند الفلاسفة:
يقول الكندي: "الإبداع هو إظهار الشيء عن ليس"٦.
ويقول ابن سينا: "حد الإبداع هو اسم مشترك لمفهومين؛ أحدهما تأسيس الشيء لا عن شيء ولا بواسطة شيء. والمفهوم الثاني أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب بلا متوسط وله في ذاته أن لا يكون موجوداً وقد أفقد الذي له من ذاته إفقاداً تاماً"٧.
قال الغزالي بعد أن ذكر التعريف السابق:" وبهذا المفهوم العقل الأول مبدع في كل حال، لأنه ليس وجوده من ذاته، فله من ذاته العدم، وقد أفقد ذلك إفقاداً تاماً"٨.
ويقول ابن سينا أيضا في تعريف الإبداع: "الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغيره، متعلق به فقط، دون متوسط من مادة، أو آلة، أو زمان. وما يتقدمه عدم زماني لم يستغن عن متوسط. والإبداع أعلى مرتبة من التكوين والإحداث"٩.
стр. 186
فالإبداع عند الفلاسفة - باختصار - هو إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، وغير مسبوق بمادة أو زمان١.
٤ - نقد تعريف الفلاسفة:
أما تعريف الفلاسفة للإبداع فهو باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنه مخالف لمعنى الإبداع في اللغة والقرآن، إذ معنى الإبداع فيهما الإنشاء من العدم.
الوجه الثاني: أن حاصل تعريفهم أن ما يطلقون عليه أنه مبدَع؛ كالعقول، والنفوس، ليس مخلوقاً الخلق المعروف، بل هي عندهم موجودة منذ الأزل، ولم تسبق بعدم فكيف تكون مبدعه؟.
وما المدح الذي يرجع إلى مبدِعها، وهي مساوقة له في الوجود - كما يقولون -؟.
الوجه الثالث: أن الإبداع من خصائص الربوبية، والفلاسفة يصفونه - تعالى - بأنه مبدع، ولكنهم أيضاً يصفون العقول بأنها مبدعة، فهم يقولون إن كل عقل أبدع ما دونه، والعقل العاشر أبدع ما تحت فلك القمر٢، فالعقول إذاً مشاركة لله في صفة الإبداع - تعالى الله عن قولهم -.
стр. 187
التأثير
١ - معنى التأثير في اللغة:
قال الخليل: "الأثر بقية ما ترى من كل شيء.. وأثر السيف ضربته، وذهبت في إثر فلان أي استقفيته"١.
وفي الصحاح: "والتأثير إبقاء الأثر في الشيء"٢.
وقال في لسان العرب:" والأثر بالتحريك ما بقي من رسم الشيء، والتأثير إبقاء الأثر في الشيء، وأثر في الشيء ترك فيه أثراً، والآثار الأعلام"٣.
فالتأثير في اللغة إبقاء الأثر في الشيء.
٢ - معنى التأثير في الاصطلاح:
لم يرد لفظ التأثير في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، وورد لفظ الآثار نحو قوله - تعالى -: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم - ٥٠] قال الراغب: "أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده"٤.
والتأثير اسم مشترك، قد يراد به الانفراد بالابتداع، والتوحد بالاختراع٥، وهو التأثير الذي يطلق على الرب - سبحانه - من باب الإخبار، وهو كما قال شيخ الإسلام ﵀:"هو إبداع الشيء، وخلقه، وجعله موجوداً"٦.
وهو بهذا المعنى يخبر به عن الله - تعالى - ولكن لا يشتق منه اسم ولا صفة، حيث لم يرد في الكتاب أو السنة.
стр. 188
وتسمية تأثير الرب في مخلوقاته فعلاً، وصنعاً، وإبداعاً، وإبداءً، وخلقاً، وبرءاً، وأمثال
ذلك من العبارات، هو مما تواتر عن الأنبياء، بل ومما اتفق عليه جماهير العقلاء١.
ولا يصح إطلاقه بهذا المعنى على قدرة العبد، وقد قالت المعتزلة بأن العبد يخلق فعل نفسه، فأثبتوا التأثير بهذا المعنى لقدرة العبد٢، وهذا باطل.
وقد يراد بالتأثير نوع معاونة، إما في صفة من صفات الفعل، أو في وجه من وجوهه - كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات -، وهذا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل، إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله - سبحانه - في شيء صغير أو كبير، وهل هو إلا شرك دون شرك.
وقد يراد بالتأثير، أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود، كان بتوسط القدرة المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة، هي سبب، وواسطة، في خلق الله الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق جميع المسببات، والمخلوقات، بوسائط وأسباب وهذا حق٣.
وبهذا يتضح أن التأثير بمعنى الخلق والإبداع ينفرد به الله - تعالى -، وأن لفظ التأثير لفظ مجمل ينبغي الاستفصال عن معناه.
стр. 189
٣ - التأثير التام:
مما يستدل به الفلاسفة على قولهم بقدم العالم، هو أن الله مؤثر تام في الأزل١. والتأثير التام لفظ مجمل، وحينما يقول الفلاسفة عن الله إنه مؤثر تام في الأزل، فلا بد من الاستفصال عن معنى ذلك:
فيقال لهم: قولكم إنه مؤثر تام في الأزل، لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء في الأزل، ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء، ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره.
فإن أردتم الأول، لزم أن لا يحدث في العالم حادث، وهذا خلاف المشاهدة، فهو ممتنع بضرورة الحس، والعقل، لأن الحوادث مشهودة، وأيضاً فكون الشيء مبدَعاً أزلياً ممتنع.
وإن أردتم الثاني، لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقاً، حادثاً، كائناً بعد أن لم يكن، وكان الرب لم يزل متكلماً بمشيئته، فعالاً لما يشاء. وهذا يناقض قولكم، ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق، ويوافق ما أخبرت به الرسل، وعلى هذا يدل العقل الصريح. فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء.
وإن أردتم الثالث، فسد قولكم، لأنه يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلاً لها، من غير تجدد سبب يوجب الإحداث، وهذا يناقض قولكم.
فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثاً لشيء، وإن لم يصح هذا بطل، فقولكم باطل على التقديرين.
وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره، ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في الزمن، وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء، ويلزمكم أن كل ما حدث، حدث بدون مؤثر، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر، وليس لكم أن تقولوا بعض الآثار يقارن المؤثر التام، وبعضها يتراخى عنه٢.
والناس لهم في استلزام المؤثر أثره قولان:
فمن قال إن الحادث يحدث في الفاعل بدون سبب حادث، فإنه يقول المؤثر التام لا يجب أن يكون أثره معه بل يجوز تراخيه، ويقول إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه
стр. 190
بمجرد قدرته التي لم تزل، أو بمجرد مشيئته التي لم تزل، وإن لم يحدث عند وجود الحادث سبب.
والقول الثاني أن المؤثر التام يستلزم أثره، وفي معنى هذا الاستلزام قولان:
أحدهما: أن يكون معه بحيث يكون زمان الأثر المعين زمان المؤثر فهذا هو الذي تقوله المتفلسفة وهو معلوم الفساد بصريح العقل عند جمهور العقلاء.
والثاني: أن يكون الأثر عقب تمام المؤثر، وهذا يقر به جمهور العقلاء وهو يستلزم أن لا يكون في العالم شيء قديم بل كل ما فعله القديم الواجب بنفسه فهو محدث١.
فالمؤثر التام هو الذي يستلزم أثره، بحيث يكون الأثر عقب تمام المؤثر، لا معه.
стр. 191
الإيجاد - الموجود - الوجود
١ - معنى الإيجاد في اللغة:
يقول ابن فارس: "الواو والجيم والدال يدل على أصل واحد، وهو الشيء يُلفيه، ووجدت الضالة وجداناً"١. ووَجَدَ مطلوبه يجِده وُجُوداً، وأوجده الله مطلوبه أي أظفره به، وأوجده الله أي أغناه. وُوجِد الشيء عن عدم فهو موجود وأوجده الله٢.
و"خلقه الله خلقاً أوجده"٣. و"كوّن الله الشيء فكان أي أوجده"٤.
و" الوجود خلاف العدم، وأوجَد الله الشيء من العدم فهو موجود، من النوادر"٥.
و"وجَدْتُ الشيء أي أصبته"٦.
والمعاني السابقة تدل على أن الإيجاد في اللغة يعني خلق الشيء بعد أن كان عدماً، وتكوينه، وأن الموجود خلاف المعدوم، والوجود خلاف العدم، وهو الكون.
стр. 192
٢ - معنى الإيجاد في الاصطلاح:
أ - معنى الإيجاد في اصطلاح أهل السنة:
لم يرد لفظ الإيجاد أو الوجود أو الموجود في كتاب الله، وقد ورد الفعل وجدوما تصرف منه في آيات كثيرة، والمعنى فيها قريب من بعض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من المعلوم أن لفظ الوجود هو في أصل اللغة مصدر وجدت الشيء أجده وجوداً، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء - ٤٣، المائدة - ٦] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور - ٣٩] وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى﴾ [الضحى - ٦ - ٧] وأمثال ذلك، فالموجود هو الذي يجده الواجد كنسبة المعلوم إلى العلم، والمذكور إلى الذكر.."١.
ولا يوجد في كلام رسول الله ﷺ المنقول إلينا لفظ الإيجاد ولا الموجود ولا الوجود٢.
ولم يتحدث أهل السنة كثيراً عن لفظ الإيجاد لأن له مرادفاً شرعياً وارداً في الكتاب والسنة وهو لفظ الخلق، ومما ذكره أهل السنة عن لفظ الإيجاد؛ قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولفظ الوجود قد يعنى به المصدر، إما مصدر وَجَد يَجِد وجوداً، أو مصدر أوجده الله، أو مصدر وجدته أجده وجوداً. لكن ليس المراد في هذا المقام مسمى المصادر فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه لهم، وهذا عند الأكثرين هو فعل غير المخلوقين، وعند كثير من النظار الخلق هو المخلوق"٣.
فالإيجاد هو خلق المخلوقات. وقال ابن القيم ﵀: "فالخلق الإيجاد"٤،
стр. 193
وقال: "وأما الجعل فقد أطلق على الله - سبحانه - بمعنيين أحدهما: الإيجاد والخلق، والثاني التصيير "١. وقد فسر ابن كثير ﵀ قوله - تعالى -: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك - ٢] فقال: "ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم"٢.
ومن خلال النقول السابقة يمكن القول أن معنى الإيجاد هو الخلق، وأنه من الألفاظ التي يخبر بها عن الله - تعالى - ولكن لا يوصف به، لأن الله - تعالى - لم يصف نفسه به ولم يصفه به رسوله ﷺ .
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وأما لفظ الموجد فلم يقع في أسمائه - سبحانه -، وإن كان هو الموجد على الحقيقة، ووقع في أسمائه الواجد وهو بمعنى الغني الذي له الوجد، وأما الموجد فهو مفعل من أوجد وله معنيان: أحدهما أن يجعل الشيء موجوداً وهو تعدية وجده وأوجده.. والمعنى الثاني: أوجده جعل له جدة وغنى"٣.
стр. 194
ب - معنى الإيجاد عند المتكلمين والفلاسفة:
يفسر كثير من المتكلمين الإيجاد بالخلق، والتكوين، والاختراع، وما في معناه، يقول الرازي: "الإيجاد عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود"١.ويقول أيضاً: "أما الخلق بمعنى الإحداث والإيجاد فعندنا أنه - سبحانه - منفرد به"٢. ويقول ابن حزم: "إن الإيجاد هو الخلق نفسه"٣.
ومما قالوا في معنى الإيجاد: "التكوين والاختراع والإيجاد والخلق، ألفاظ تشترك في معنى وتتباين بمعان، والمشترك فيه كون الشيء موجداً من العدم ما لم يكن موجوداً"٤.
وتفسير الإيجاد بالخلق يتفق أهل السنة فيه مع المتكلمين؛ ولكن يعود النقد إلى معنى الخلق عند المتكلمين وموقفهم من صفات الفعل، وقد سبق بيان رد أهل السنة على المتكلمين في قولهم إن الخلق هو المخلوق٥. وأما الماتريدية فيقول البزدوي٦: "إن التكوين والإيجاد صفة لله - تعالى - غير حادث بل هو أزلي"٧. وذلك لأن الماتريدية ترجع جميع صفات الفعل إلى التكوين، وقد سبق الرد على الماتريدية في قولهم بأزلية صفات الفعل، وعدم تعددها، وعدم تعلقها بمشيئة الرب٨.
أما الفلاسفة فيقول ابن رشد في كتاب تفسير ما بعد الطبيعة: "الإيجاد هو إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فإن الكائن بالفعل هو فاسد بالقوة، وكل قوة فإنما تصير إلى الفعل من قِبَل مخرج لها هو بالفعل، فلو لم تكن القوة موجودة لما كان هاهنا فاعل أصلا، ولو لم يكن الفاعل موجوداً لما كان هاهنا شيء هو بالفعل أصلاً"٩، وقال في كتاب تهافت
стр. 195
التهافت: "ليس الإيجاد شيئا إلا قلب عدم الشيء إلى الوجود"١، وهذا يشبه قول من قال إن المعدوم شيء، حيث يرون أن الشيء قبل أن يوجد فيه قوة للوجود، فإن العدم عندهم ذات ما٢، فهم يفرقون بين الوجود والثبوت، وهذا باطل، فالمعدوم ليس بشيء، فضلا عن أن يكون فيه قوة للوجود، بل وجود الشيء هو ثبوته.
وفي كتاب دستور العلماء: "الإيجاد إعطاء الوجود، وفي الإشارات إشارة إلى أنه يرادف الإبداع"٣.
وتعريف الإبداع عند ابن سينا - كما سبق -: "هو اسم مشترك لمفهومين؛ أحدهما تأسيس الشيء لا عن شيء، ولا بواسطة شيء، والمفهوم الثاني أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب بلا متوسط، وله في ذاته أن لا يكون موجودا وقد أفقد الذي له من ذاته إفقادا تاما "٤. والإبداع بهذا المعنى أعلى رتبة عند الفلاسفة من الإحداث والتكوين٥.فالإبداع عند الفلاسفة - باختصار - هو إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، وغير مسبوق بمادة أو زمان، وهذا المعنى الذي ذكره ابن سينا للإبداع باطل، يقول شيخ الإسلام ﵀ معلقا عليه: "ومعلوم أن هذا المعنى ليس هو المعروف من لفظ الإبداع في اللغة التي نزل بها القرآن، كما في قوله - تعالى -: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١١٧، الأنعام - ١٠١] ونحو ذلك، ولفظ الخلق أبعد عن هذا المعنى، فإن هذا المعنى يعلم بالاضطرار أنه ليس هو المراد بلفظ الخلق في القرآن والسنة"٦.
كما يفسر الفلاسفة الإحداث بالإيجاد، وهو أقل رتبة من الإبداع، ويتبين أنواع الإيجاد عندهم إذا نظرنا إلى معنى الإحداث الذي ذكروه، فالإحداث عندهم نوعان٧:
١ - الإحداث الزماني: وهو إيجاد شيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق.
стр. 196
٢ - الإحداث غير الزماني: وهو إفادة الشيء وجوداً، وليس له في ذاته ذلك الوجود لا بحسب زمان دون زمان، بل في كل زمان.
والإحداث بالمعنى الأول هو إيجاد المخلوقات المشاهد حدوثها. ويقصدون بالنوع الثاني العقول فإنها مبدعة عندهم، كما أن العالم مبدع عندهم، وهو يعني قدم العالم، وقدم العقول، وهذا المعنى ظاهر البطلان، فقدم العالم يناقض كون الله أوجده؛ لأن الإيجاد للشيء لابد أن يكون مسبوقا بالعدم.
٣ - معنى الموجود والوجود:
الموجود يطلقه أهل العلم والنظر على ما هو كائن ثابت؛ لكونه يجده الواجد. وتارة يطلقونه من غير أن يستشعر فيه وجود واجد له لا بالفعل ولا بالاستحقاق. والوجود عندهم يراد به الكون والثبوت والحصول، وتارة يراد به الموجود١.
يقول الباقلاني: "والموجود هو الشيء الكائن الثابت "٢. أما الوجود فيعرفه الرازي بأنه: "حصول الشيء وتحققه وثبوته"٣. قال شيخ الإسلام ﵀:" والوجود هو الثبوت"٤.
ويبين شيخ الإسلام ﵀ المراد بهذا اللفظ فيقول: "من المعلوم أن لفظ الوجود هو في أصل اللغة مصدر وجدت الشيء أجده وجودا، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء - ٤٣، المائدة - ٦] ..فالموجود هو الذي يجده الواجد، كنسبة المعلوم إلى العلم، والمذكور إلى الذكر..وهذا الاسم إنما يستحقه من يكون موجودا لواجد يجده؛ لكن هم في مثل هذا قد يقولون مشهود ومرئي وموجود، ونحو ذلك: لما يكون بحيث يشهده الشاهد، ويراه الرائي، ويجده الواجد؛ وإن تكلموا بذلك في الوقت الذي لا يكون فيه يشهده، ويراه، ويجده غيره. وقد لا يقولون هذا إلا في الوقت الذي يشهده الشاهد ويراه الرائي، ويجده الواجد، وكثيراً ما يقصدون به المعنى الأول، فيطلقون الموجود على ما هو كائن ثابت لكونه بحيث يجده الواجد.
стр. 197
وكذلك لفظ الوجود يريدون بها تارة المصدر الذي هو الأصل فيها، ويريدون بها تارة المفعول: أي الموجود، كما في لفظ الخلق ونحوه، وكذلك لفظ الفعل؛ فإنهم يقولون وجد هذا، وهذا صيغة فعل مبني للمفعول، فقد يريدون بذلك أنه وجده واجد، وقد يريدون بذلك أنه كان وحصل حتى صار بحيث يجده الواجد، ثم لما صار هذا المعنى هو الغالب في قصدهم، صار لفظ الموجود عندهم، والوجود، يراد به الثبوت، والكون، والحصول، من غير أن يستشعر فيه وجود واجد له لا بالفعل ولا بالاستحقاق، فهذه ثلاثة معان، لكن غروب هذا المعنى عن الذهن إنما كان لما لم يقصد الناطق إلا نفس الكون والثبوت، وإن كان المعنى الآخر لازم له"١.
فلا يجوز أن يسمى بالموجود ما يكون حيث لا يجده الواجد، ولا يستعمل لفظ موجود ووجدته فيما لا يحس ولا يمكن الإحساس به ألبتة٢.
стр. 198
٤ - الوجود المطلق:
الوجود المطلق الذي قال به الفلاسفة المتأخرون، وملاحدة الصوفية أنواع:
الأول: الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وهو الذي لا يتعين، ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها عن سائر الموجودات، بل حقيقته وجود محض مطلق، بشرط نفي جميع القيود والمعينات والمخصصات١. وذلك كإنسان مطلق بشرط الإطلاق، وحيوان مطلق بشرط الإطلاق، وهذا لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان٢.
الثاني: الوجود المطلق بشرط سلب الأمور الثبوتية، كما هو قول ابن سينا وأتباعه، ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضاً لشيء من الماهيات والحقائق٣.
الثالث: الوجود المطلق لا بشرط الإطلاق، وهو قول ملاحدة الصوفية، حيث جعلوا الله هو الوجود من حيث هو هو، مع قطع النظر عن كونه واجباً وممكناً، وواحداً وكثيراً٤.
٥ - الرد على القائلين بأن الوجود الواجب هو الوجود المطلق:
عندما قسم ابن سينا الوجود إلى واجب وممكن، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فلم يمكنه أن يجعل هذا الوجود المنقسم إلى واجب وممكن، هو الوجود الواجب، فجعل الوجود الواجب، هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، وقوله هذا يعني نفي وجود الله، وبيان ذلك من وجوه:
أولاً: أن يقال الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، أو لا بشرط، مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج، وإنما يوجد في الذهن. وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني، وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق؛ كإنسان مطلق بشرط الإطلاق، وحيوان مطلق بشرط الإطلاق، لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان. ولما أثبت قدماؤهم الكليات المجردة عن الأعيان، التي يسمونها المثل الأفلاطونية، أنكر ذلك حذاقهم، وقالوا هذه لا تكون إلا في الذهن٥.
стр. 199
ثانياً: أن الذين ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة، قالوا إنها مجردة عن الأعيان المحسوسة، ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان، بل يمتنع أن تكون شرطاً في وجود الأعيان، فإنها إما أن تكون صفة للأعيان، أو جزءاً منها، وصفة الشيء لا تكون خالقة للموصوف، وجزء الشيء لا يكون خالقاً للجملة١.
ثالثاً: أنه إذا جعل وجود الرب مطلقاً بشرط الإطلاق، لم يجز أن ينعت بنعت يوجب امتيازه، فلا يقال هو واجب بنفسه، ولا ليس بواجب بنفسه، فلا يوصف بنفي، ولا إثبات، لأن هذا نوع من التمييز والتقييد، وهذا حقيقة قول القرامطة الباطنية الذين يمتنعون عن وصفه بالنفي والإثبات. ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية، دون العدمية، فهو أسوأ حالاً من المقيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، فإنه يشارك غيره في مسمى الوجود، ويمتاز عنه بأمور وجودية، وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، فيكون كل من الموجودات أكمل منه. فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن تقديراً، كما يقدر كون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً. فلزمهم الجمع بين النقيضين والخلو عن النقيضين، وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء٢.
رابعاً: أن المطلق لا بشرط، كالإنسان المطلق لا بشرط، يصدق على هذا الإنسان، وهذا الإنسان، وعلى الذهني والخارجي، فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب والممكن، والواحد والكثير، وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس موجوداً في الخارج مطلقاً بلا ريب٣.
فمن وصف الله بأنه وجود مطلق، فقد جعل الله ممتنع الوجود - تعالى الله عن قولهم -.
стр. 200
الماهية
١ - معنى الماهية في اللغة:
الماهية في تحليلها اللغوي، مأخوذة عن ما هو، بإلحاق ياء النسبة، وحذف إحدى اليائين للتخفيف، ثم التعليل، وإلحاق التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية. وقيل: ألحق ياء النسبة بما هو، وحذف الواو، وألحق تاء التأنيث١.
والماهية من الأسماء المولدة، وهي المقول في جواب ما هو؟ بما يصور الشيء في نفس السائل٢. وفي المعجم الوسيط: "ماهية الشيء كنهه وحقيقته، أخذت من النسبة إلى ما هو أو ما هي "٣.
فالماهية هي ما يصور الشيء في نفس السائل، وهي كنه الشيء وحقيقته.
стр. 201
٢ - معنى الماهية في الاصطلاح:
أ - معنى الماهية عند أهل السنة، وسائر أهل الإثبات:
لم يرد لفظ الماهية في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة، والتابعين، استخدامهم هذا اللفظ.
والماهية - كما يقول شيخ الإسلام - هي: "المقول في جواب ما هو، بما يصور الشئ في نفس السائل، وهو الثبوت الذهني"١، أو "هي ما يرتسم في النفس من الشيء"٢، وهذا هو الغالب على لفظ الماهية، سواء كان ذلك المقول موجوداً في الخارج، أو لم يكن، فصار بحكم الاصطلاح أكثر ما يطلق الماهية على ما في الذهن، ويطلق الوجود على ما في الخارج، وهذا أمر لفظي اصطلاحي.
وقد يراد بالماهية ما هو موجود في الخارج٣، فتكون بمعنى ذات الشيء، ووجوده في الخارج، وحقيقته الثابتة في نفس الأمر٤.
وإذا قيد وقيل الوجود الذهني، كان هو الماهية التي في الذهن. وإذا قيل ماهية الشيء في الخارج، كان هو عين وجوده الذي في الخارج. فوجود الشيء في الخارج، عين ماهيته في الخارج، كما اتفق على ذلك أئمة النظار المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، وسائر أهل الإثبات، من المتكلمة الصفاتية، وغيرهم، كأبي محمد بن كلاب، وأبي الحسن الأشعري، وأبي عبد الله بن كرام، وأتباعهم٥.
فلفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج، ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج. فمتى أريد بهما ما في النفس، فالماهية هي الوجود. وإن أريد بهما ما في الخارج، فالماهية هي الوجود أيضا. وأما إذا أريد بأحدهما ما في النفس، وبالآخر ما في الوجود الخارج، فالماهية غير الوجود٦.
стр. 202
فالماهية إذاً بحكم الاصطلاح الغالب هي الثبوت الذهني، أو ما يرتسم في النفس من الشيء، وقد يراد بها ماهية الشيء في الخارج فتكون عين وجوده، وحقيقته الثابتة في نفس الأمر. وبناء على ذلك لا يوجد ماهية قائمة بنفسها في الخارج، زائدة على وجود الشيء.
ب - معنى الماهية عند الفلاسفة:
الماهية عند الفلاسفة مابه يجاب عن السؤال بما هو، وربما تفسر بما به الشيء هو هو١، وهذا التعريف يتفق جزؤه الأول مع تعريف أهل السنة السابق. قال الغزالي: "والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة للشيء"٢.
والماهية عندهم هي الحقيقة المعراة عن الأوصاف في اعتبار العقل٣. حيث يرى الفلاسفة أن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها٤.
يقول ابن سينا في الإشارات: "قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سبباً لصفة من صفاته، وأن تكون صفة له سبباً لصفة أخرى، مثل الفصل للخاصة، ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء، إنما هي بسبب ماهيته التي ليست هي الوجود، أو بسبب صفة أخرى، لأن السبب متقدم في الوجود، ولا متقدم بالوجود قبل الوجود "٥.
وكلامه هذا مبني على أصل فاسد، وهو الفرق بين الماهية ووجودها. وقولهم إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها، شبيه بقول من يقول المعدوم شيء، وهو من أفسد ما يكون، وأصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد، ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه، ونحو ذلك، فقالوا لو لم يكن ثابتاًً لما كان كذلك. والتحقيق أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن، والمقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان، فالتفريق بين الوجود والثبوت، وكذلك التفريق بين الوجود والماهية، مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم٦.
стр. 203
ومن هنا فرقوا في منطقهم بين الماهية والوجود، وهم لو فسروا الماهية بما يكون في الأذهان، والوجود بما يكون في الأعيان، لكان هذا صحيحاً لا ينازع فيه عاقل، وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل، لكن توهموا أن تلك الماهية التي في الذهن، هي بعينها الموجود الذي في الخارج، فظنوا أن في هذا الإنسان المعين، جواهر عقلية قائمة بأنفسها، مغايرة لهذا المعين، مثل كونه حيواناً، وناطقاً، وحساساً، ومتحركاً بالإرادة، ونحو ذلك. والصواب أن هذه كلها أسماء لهذا المعين، كل اسم يتضمن صفة، ليست هي الصفة التي يتضمنها الاسم الآخر، فالعين واحدة، والأسماء والصفات متعددة. وأما إثباتهم أعياناً قائمة بنفسها، في هذه العين المعينة، فمكابرة للحس والعقل والشرع. فهذا الموجود المعين في الخارج هو هو، ليس هناك جوهران اثنان، حتى يكون أحدهما عارضا للآخر، أو معروضاً، بل هناك ذات وصفات١.
فحقيقة قول الفلاسفة في الماهية هو إثبات حقيقة في الخارج، معراة عن الأوصاف، وهذا ممتنع، إذ أقل ما يوصف به الشيء ليتحقق في الخارج، هو صفة الوجود، وهم يفرقون بين الماهية والوجود مطلقاً، وهذا باطل.
ج - معنى الماهية عند المتكلمين:
يعرف كثير من متأخري المتكلمين ماهية الشيء بأنها "مابه يجاب عن السؤال بما هو، ويفسره بما به الشيء هو هو"٢، وهذا موافق لتعريف الفلاسفة السابق، ويتضح هذا التعريف بقول الرازي عن الماهية: "إعلم أن لكل شيء حقيقة هو بها هو، وتلك الحقيقة مغايرة لجميع صفاتها، لازمة كانت، أو مفارقة..وهي في نفسها لا واحدة ولا كثيرة، ولا موجودة ولا معدومة"٣.
وفي التعريفات: "الماهية تطلق غالبا على الأمر المتعقل، مثل المتعقل من الإنسان، وهو الحيوان الناطق، مع قطع النظر عن الوجود الخارجي"٤.
стр. 204
ويخص المتكلمون الماهية بحقيقة الشيء الكلي، وأما حقيقة الجزئي فتسمى هوية١. والماهية وفقا لهذه التعريفات زائدة على الوجود، ومغايرة له وهو مذهب الفلاسفة. في حين يرى أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري٢ أن الوجود نفس الماهية٣.
يقول شيخ الإسلام ﵀ معلقاً على هذه الأقوال: "فمن قال إن وجود كل شيء عين ماهيته كما يقوله متكلمو أهل الأثبات، فقد أصاب، إذا أراد أن الوجود الثابت في الخارج، هو الماهية الثابتة في الخارج، ومن قال إن وجود كل شيء غير ماهيته، كما يقوله أبو هاشم بن الجبائي وأمثاله، فقد أصابوا إن أرادوا أن الوجود الثابت في الخارج، مغاير للماهية الثابتة في الذهن، وأما إن أرادوا ما هو المعروف من مذهبهم، أن في الخارج ماهيات ثابتة، وهو المعدوم الثابت في حال عدمه، وأن الوجود صفة لتلك الماهية، فهذا خطأ "٤.
٣ - ثبوت الماهية لله:
إن لكل موجود حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه، ويباين بها غيره، وهذه الحقيقة هي حقيقة الربوبية، وبنفيها ضل الجهمية من المعتزلة، والفلاسفة، وأمثالهم، وهي الماهية التي أثبتها ضرار، وأبو حنيفة، وغيرهما من الكوفيين، وخالفهم في ذلك معتزلة البصرة، وعلى إثباتها أئمة السنة والجماعة، من السلف والخلف، ولهذا ينفون العلم بماهيه الله وكيفيته فيقولون لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال.
ومن نفاها من المنتسبين إلى السنة وغيرهم قال ليس له ماهية فتجري في مقال، ولا له كيفيه فتخطر ببال. والأول هو المأثور عن السلف والأئمة، ويدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول٥.
стр. 205
وإذا كان المخلوق المعين، وجوده الذي في الخارج، هو نفس ذاته، وحقيقته، وماهيته، التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان، فالخالق - تعالى - أولى أن تكون حقيقته، هي وجوده الثابت، الذي لا يشركه فيه أحد، وهو نفس ماهيته، التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر١.
وقد ذهب جمهور المتكلمين إلى امتناع إطلاق الماهية على الله - تعالى - لإشعاره بالجنسية٢. كما نفى الفلاسفة الماهية عن الله - تعالى - لاستلزامها التركيب - بزعمهم - ٣، وشبهة الفريقين باطلة، لأن الماهية هي الحقيقة والوجود، فنفيها يستلزم نفي وجود الشيء. وعلى أصل الفلاسفة، وجمهور المتكلمين، فإن إثبات الصفات عموماً، يستلزم التركيب، ولهذا قالوا بنفي الصفات، وهو قول ظاهر الفساد.
стр. 206
القِدَم
١ - معنى القِدَمُ في اللغة:
جاء في العين: "القَدَم ما يطأ عليه الإنسان، من لدن الرسغ فما فوقه، والقُدْمة والقَدَم أيضا السابقة في الأمر.. والقِِدَم مصدر القديم من كل شيء، وتقول قَدُمَ يَقْدُم، وقَدَم فلان قومه، أي يكون أمامهم..والقُدُم المضي أمام أمام، وتقول يمضي قدما أي لا ينثني، والقُدوم الرجوع من السفر "١.
وقال ابن فارس: "القاف والدال والميم، أصل صحيح، يدل على سبق ورعف٢، ثم يفرع منه ما يقاربه، يقولون: القِدم خلاف الحدوث، ويقال: شيء قديم، إذا كان زمانه سالفاً"٣.والمُقَدَّم نقيض المؤخر، وقُدَّام: نقيض وراء٤.
فالقِِدَم، مصدر القديم، وهو يعني السبق، والتقدم على الغير، كما يأتي في مقابل الحدوث.
٢ - معنى القدم في الشرع:
ورد لفظ القديم في القرآن الكريم، والقَدَم، والفعل منه بتصريفات عدة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] ، وقوله - تعالى -: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس - ٢] ، ونحوها. قال الراغب: "وأكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان نحو ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] ، وقوله ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس - ٢] أي سابقة فضيلة "٥. ومن السنة قوله ﷺ : "إن النذر لا يقدم شيئاً، ولا يؤخر، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" ٦.
стр. 207
فالقديم في الكتاب والسنة، يدل على السبق، والتقدم في الزمان، قال شيخ الإسلام عن لفظ القديم: "وأما لفظ القديم فهو في اللغة المشهورة، التي خاطبنا بها الأنبياء، يراد به ما كان متقدماً على غيره تقدماً زمانياً، سواء سبقه عدم، أو لم يسبقه"١.
والأول الذي لم يزل موجوداً هو أحق بلفظ القدم من المسبوق بالعدم٢.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال؛ فقد يراد بالقديم الشيء المعين، الذي ما زال موجوداً ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئاً بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديماً، ولا مجموعه قديم، ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار "٣.
فالقديم إذاً لفظ مجمل، قد يراد به الذي مازال موجوداً ليس لوجوده أول، المتقدم على غيره مطلقاً دون أن يسبقه عدم، وقد يراد به المتقدم على غيره، وإن غيراً آخر متقدم عليه، وهذا يكون مسبوقاً بالعدم. وهو بالمعنى الأول يخبر به عن الله ، ولكن لا يعتبر من أسمائه وصفاته التي يدعى بها، لأن الله لم يسم نفسه به، ولم يصفه به رسوله ﷺ
стр. 208
٣ - معنى القدم في اصطلاح المتكلمين:
القديم في اصطلاح المتكلمين هو الذي لا أول لوجوده، أو الشيء الذي لم يسبق بعدم، وتنازعوا في المتقدم على غيره هل يسمى قديم حقيقةً، أم مجازاً؟ على قولين١.
يقول الباقلاني: "فالقديم هو المتقدم في الوجود على غيره، وقد يكون لم يزل، وقد يكون مستفتح الوجود"٢. وقال الجويني: "ذهب بعض الأئمة إلى أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، وقال شيخنا - رحمة الله عليه - كل موجود استمر وجوده وتقادم زمناً متطاولاً، فإنه يسمى قديماً في إطلاق اللسان، قال الله - تعالى -: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] "٣.
وقال القاضي في معنى القديم: "وأما في اصطلاح المتكلمين: فهو ما لا أول لوجوده "٤.
وقال الرازي: "واعلم أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، وقد يراد به: الذي طالت مدة وجوده"٥.
ويرى كثير من المعتزلة أن القديم هو أخص وصف للإله٦.كما أن كثيراً من المتكلمين أدخلوا لفظ القديم في أسماء الله٧.
أما المتأخرون من المتكلمين أمثال الرازي والآمدي، فقد وافقوا الفلاسفة في تعريف القديم، وسيأتي شرح ذلك عند لفظ قدم العالم.
٤ - نقد تعريف المتكلمين، وموقفهم من لفظ القديم:
يرى بعض المتكلمين أن القديم هو المتقدم الذي لم يسبقه عدم، كما جعله عموم المتكلمين من أسماء الله - تعالى، ويرى المعتزلة أن لفظ القديم أخص صفات الإله، وبنوا
стр. 209
على ذلك شبهتهم في نفي الصفات، حيث قالوا إن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء، وهذا باطل. وقد رد عليهم أهل السنة في ذلك، ومن الوجوه التي ردوا بها عليهم:
أولاً: لقد أخطأ بعض المتكلمين عندما حصروا معنى القدم في الذي لم يسبقه عدم، أو الشيء الذي لا أول له. إذ لفظ القديم في اللغة يراد به المتقدم على غيره، وإن كان مسبوقا بالعدم. يقول شيخ الإسلام ﵀: "والواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته، وعادته التي يخاطب بها، لا يفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب، فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته، كما أصاب كثيرا من الناس في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب، التي نزل بها القرآن، هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين، هو ما لا أول لوجوده وما لم يسبقه عدم، فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث، وكل ما كان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث، ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره، هل يسمى قديماً حقيقةً، أو مجازاً، على قولين لهم. وأما اللغة التي نزل بها القرآن، فالقديم فيها خلاف المحدث، وهما من الأمور النسبية، فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث، والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم، وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما، وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه، ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم مستعملاً إلا فيما يقدم على غيره، وإن كان موجوداً بعد عدمه، لكن ما لم يزل موجوداً هو أحق بالقدم"١. فإطلاق القديم على الأول الذي لم يسبق بعدم إطلاق صحيح، لكن لا يحصر لفظ القديم على هذا المعنى وحده.
ثانياً: يصف كثير من المتكلمين الله بأنه قديم٢، كما أدخل المتكلمون في أسماء الله - تعالى - القديم، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإن القديم في لغة العرب، التي نزل بها القرآن، هو المتقدم على غيره، فيقال هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم. وقد أنكر ذلك على أهل الكلام كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم. ولا ريب أنه إذا كان لفظ القديم مستعملاً في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها، فهو أحق بالتقدم من غيره،
стр. 210
لكن أسماء الله - تعالى - هي الأسماء الحسنى، التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم، والله - تعالى - له الأسماء الحسنى، لا الحسنة١.
ثالثاً: أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات، يقولون كل من أثبت لله صفة قديمة، فهو مشبه ممثل، فمن قال إن لله علماً قديماً، أو قدرةً قديمةً، كان عندهم مشبهاً ممثلاً، لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون أخص وصفه، ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك، ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات أنها قديمة، بل يقول الرب بصفاته قديم، ومنهم من يقول هو قديم، وصفته قديمة، ولا يقول هو وصفاته قديمان، ومنهم من يقول هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضى مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلا عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهاً ولا رباً، كما أن النبي محدث، وصفاته محدثة، وليست صفاته نبياً٢.
وبهذا يتبين ما لدى المتكلمين من أخطاء حول مفهومهم للفظ القديم.
стр. 211
الأبدية
١ - معنى الأبدية في اللغة:
يقول ابن فارس: "الهمزة والباء والدال يدل بناؤها على طول المدة وعلى التوحش، قالوا: الأبد الدهر، وجمعه آباد..والأبْدة الفَعلة تبقى على الأبد"١.
والأبد الدائم، والتأبيد التخليد، وأََبَد بالمكان يأْبِد أي أقام به، وجاء فلان بآبدة، أي بداهية يبقى ذكرها على الأبد ٢.
وقال الخليل: "وآباد الدهر طوال الدهر، والأبيد مثل الآباد"٣.
فالأبد في اللغة هو الدائم، وهو يدل على طول المدة والدوام في المستقبل.
٢ - معنى الأبدية في الشرع:
لقد ورد لفظ الأبد في القرآن الكريم في آيات كثيرة تذكر التخليد في الجنة، والتخليد في النار، ومنها قوله - تعالى -: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء - ٥٧] وآيات أخرى تذكر معنى التأبيد في أمور مختلفة نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة - ٩٥] . يقول الإمام الطبري في معنى الآية الأولى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ : يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها أبداً دائماً، لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول"٤.
وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ "أبداً" كانت تدل على معنى الدوام في المستقبل وطول المدة، وبهذا المعنى جاءت بعض الأحاديث عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك قوله ﷺ في حديث الحوض: "ومن شرب لم يظمأ أبداً" ٥.
стр. 212
٣ - معنى الأبدية في الاصطلاح:
تعريف الأبد في الاصطلاح موافق لمعناه في اللغة والشرع، فيعرف شيخ الإسلام الأبد بقوله: "الأبد هو الدوام في المستقبل..والأبدي هو الذي لا يزال كائناً"١، وقال أيضاً: " الأبد عبارة عن عدم الآخرية"٢.
ويعرفه الجرجاني بتعريف موافق له في المعنى حيث يقول: "الأبد هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل"٣. كما يعرفه أيضاً بقوله: "الأبد هو الشيء الذي لا نهاية له"٤.
ويذكر الرازي لفظ الأبدي على أنه من أسماء الله ويقول: "ومعناه أنه لا آخر له، ولا يصير معدوماً بعد وجوده ألبتة"٥.
وفي معجم ألفاظ الصوفية: "الأبد هو ما لا نهاية له ولا آخر"٦، ويجعله الصوفية اسماً من أسماء الله - تعالى - ٧؛ وهذا ليس بصحيح لأنه لم يرد نص بتسمية الله - تعالى - بهذا الاسم، ولكن يخبر به عن الله، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات٨، ولفظ الأبد يحمل معنى الآخر الذي ليس بعده شيء.
стр. 213
الأزلية
١ - معنى الأزلية في اللغة:
"الأزَل بالتحريك: القدم، يقال أزلي. ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار فقالوا: يزلي، ثم أبدلت الياء ألفاً لأنها أخف فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أزني"١.
فالأزل في اللغة يعني القدم، ولم يرد لفظ الأزل في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ .
٢ - معنى الأزلية في الاصطلاح:
أ - معناه في اصطلاح أهل السنة:
الأزل كما يعرفه شيخ الإسلام ﵀ هو: "الدوام في الماضي الذي لا ابتداء له، الذي لم يسبق بعدم، الذي ما زال"١، وقال عن الأزلي: هو" الذي لم يزل كائناً"٢. وهو بمعنى القدم، قال شيخ الإسلام: "بل معنى الأزل هو معنى القدم، ومعناه ما لا ابتداء لوجوده"٣.
ويطلق أهل السنة لفظ الأزلي على الله - تعالى - من باب الإخبار٥، لأنه يحمل معنى حسن، وهو معنى اسمه الأول، ولا يجعلونه من أسماء الله - تعالى - أو صفاته، لأنه لم يرد بذلك نص عن الله، أو عن رسوله ﷺ .
стр. 214
ب - معنى الأزلية عند الفلاسفة والمتكلمين:
يعرف الفلاسفة والمتكلمون مصطلح الأزل بنفس المعنى الذي عرفه به أهل السنة، مع اختلاف في العبارة، إذ يعرف الكندي الأزلي بقوله: "الأزلي هو الذي لم يكن ليس، وليس بمحتاج في قوامه إلى غيره؛ والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره فلا علة له، وما لا علة له فدائم أبداً"١.
ويقول ابن رشد: "ما ليس له مبدأ أول فهو أزلي ضرورة"٢. إلا أن الفلاسفة يرون أن العالم أزلي لا بداية لوجوده، وأبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده ولا فناؤه٣، وهذا من أصول الضلال الذي ضلت به الفلاسفة، وهو مما كفروا به٤.
أما المتكلمون فيقول الرازي مبيناً معنى الأزل: "هو عبارة عن نفي الأولية"٣، وقال في معنى الأزلي: "إن الأزلي هو الذي لا يكون مسبوقاً بالعدم"٤. ويقول التفتازاني:"معنى الأزلية الاستمرار في الأزمنة المقررة الماضية غير المتناهية"٥.
ويجعل الرازي لفظ الأزلي من أسماء الله، ويدخله ضمن أسماء الذات٨، كما يجعله الصوفية من أسماء الله، ويعرفونه بمثل تعريف أهل السنة والمتكلمين، إذ يقولون في معنى الأزل: "ما لا بداية له ولا أول"٦، وأنه بمعنى القدم أيضاً١٠.
وجَعْلُ لفظ الأزل من أسماء الله ليس بصحيح، إذ لم يرد تسمية الله بالأزلي في شيء من الكتاب أو السنة، ولكن يخبر به عن الله، لأن معناه حسن إذ هو بمعنى الأول الذي ليس قبله شيء.
стр. 215
الواحد بالعين
"الواحد بالعدد"
١ - معنى الواحد بالعين في اللغة:
سبق تعريف الواحد في اللغة١، أما العين فهي في اللغة حاسة الرؤية، والعين عين الماء، وعين الشمس، والعين الدينار، والعين المال الناض، والعين الجاسوس٢.
وعين الشيء خياره، وعين الشيء نفسه، يقال هو هو عيناً، وهو هو بعينه، ولا آخذ إلا درهمي بعينه، والعين حرف من حروف المعجم٣.
وعين القبلة حقيقتها، والعين عند العرب حقيقة الشيء، وعين الشيء نفسه وشخصه٤.
ومن خلال العرض السابق لمعاني العين يتبين أن العين من الألفاظ المجملة، التي تحتمل معان كثيرة متغايرة، وأقرب هذه المعاني للمعنى الاصطلاحي هو المعنى الأخير، وهو أن العين هي حقيقة الشيء، ونفسه، وشخصه.
٢ - معنى العدد في اللغة:
قال الجوهري:" عددت الشيء إذا أحصيته، والاسم العدد والعديد"٥، والعدُّ إحصاء الشيء، والعدد مقدار ما يعد، والعديد الكثرة٦.