← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الأبدية ١ - معنى الأبدية في اللغة: يقول ابن فارس: "الهمزة والباء والدال يدل بناؤها على طول المدة وعلى التوحش، قالوا: الأبد الدهر، وجمعه آباد..والأبْدة الفَعلة تبقى على الأبد"١. والأبد الدائم، والتأبيد التخليد، وأََبَد بالمكان يأْبِد أي أقام به، وجاء فلان بآبدة، أي بداهية يبقى ذكرها على الأبد ٢. وقال الخليل: "وآباد الدهر طوال الدهر، والأبيد مثل الآباد"٣. فالأبد في اللغة هو الدائم، وهو يدل على طول المدة والدوام في المستقبل. ٢ - معنى الأبدية في الشرع: لقد ورد لفظ الأبد في القرآن الكريم في آيات كثيرة تذكر التخليد في الجنة، والتخليد في النار، ومنها قوله - تعالى -: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء - ٥٧] وآيات أخرى تذكر معنى التأبيد في أمور مختلفة نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة - ٩٥] . يقول الإمام الطبري في معنى الآية الأولى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ : يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها أبداً دائماً، لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول"٤. وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ "أبداً" كانت تدل على معنى الدوام في المستقبل وطول المدة، وبهذا المعنى جاءت بعض الأحاديث عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك قوله ﷺ في حديث الحوض: "ومن شرب لم يظمأ أبداً" ٥.

стр. 212

٣ - معنى الأبدية في الاصطلاح: تعريف الأبد في الاصطلاح موافق لمعناه في اللغة والشرع، فيعرف شيخ الإسلام الأبد بقوله: "الأبد هو الدوام في المستقبل..والأبدي هو الذي لا يزال كائناً"١، وقال أيضاً: " الأبد عبارة عن عدم الآخرية"٢. ويعرفه الجرجاني بتعريف موافق له في المعنى حيث يقول: "الأبد هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل"٣. كما يعرفه أيضاً بقوله: "الأبد هو الشيء الذي لا نهاية له"٤. ويذكر الرازي لفظ الأبدي على أنه من أسماء الله ويقول: "ومعناه أنه لا آخر له، ولا يصير معدوماً بعد وجوده ألبتة"٥. وفي معجم ألفاظ الصوفية: "الأبد هو ما لا نهاية له ولا آخر"٦، ويجعله الصوفية اسماً من أسماء الله - تعالى - ٧؛ وهذا ليس بصحيح لأنه لم يرد نص بتسمية الله - تعالى - بهذا الاسم، ولكن يخبر به عن الله، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات٨، ولفظ الأبد يحمل معنى الآخر الذي ليس بعده شيء.

стр. 213

الأزلية ١ - معنى الأزلية في اللغة: "الأزَل بالتحريك: القدم، يقال أزلي. ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار فقالوا: يزلي، ثم أبدلت الياء ألفاً لأنها أخف فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أزني"١. فالأزل في اللغة يعني القدم، ولم يرد لفظ الأزل في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ . ٢ - معنى الأزلية في الاصطلاح: أ - معناه في اصطلاح أهل السنة: الأزل كما يعرفه شيخ الإسلام ﵀ هو: "الدوام في الماضي الذي لا ابتداء له، الذي لم يسبق بعدم، الذي ما زال"١، وقال عن الأزلي: هو" الذي لم يزل كائناً"٢. وهو بمعنى القدم، قال شيخ الإسلام: "بل معنى الأزل هو معنى القدم، ومعناه ما لا ابتداء لوجوده"٣. ويطلق أهل السنة لفظ الأزلي على الله - تعالى - من باب الإخبار٥، لأنه يحمل معنى حسن، وهو معنى اسمه الأول، ولا يجعلونه من أسماء الله - تعالى - أو صفاته، لأنه لم يرد بذلك نص عن الله، أو عن رسوله ﷺ .

стр. 214

ب - معنى الأزلية عند الفلاسفة والمتكلمين: يعرف الفلاسفة والمتكلمون مصطلح الأزل بنفس المعنى الذي عرفه به أهل السنة، مع اختلاف في العبارة، إذ يعرف الكندي الأزلي بقوله: "الأزلي هو الذي لم يكن ليس، وليس بمحتاج في قوامه إلى غيره؛ والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره فلا علة له، وما لا علة له فدائم أبداً"١. ويقول ابن رشد: "ما ليس له مبدأ أول فهو أزلي ضرورة"٢. إلا أن الفلاسفة يرون أن العالم أزلي لا بداية لوجوده، وأبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده ولا فناؤه٣، وهذا من أصول الضلال الذي ضلت به الفلاسفة، وهو مما كفروا به٤. أما المتكلمون فيقول الرازي مبيناً معنى الأزل: "هو عبارة عن نفي الأولية"٣، وقال في معنى الأزلي: "إن الأزلي هو الذي لا يكون مسبوقاً بالعدم"٤. ويقول التفتازاني:"معنى الأزلية الاستمرار في الأزمنة المقررة الماضية غير المتناهية"٥. ويجعل الرازي لفظ الأزلي من أسماء الله، ويدخله ضمن أسماء الذات٨، كما يجعله الصوفية من أسماء الله، ويعرفونه بمثل تعريف أهل السنة والمتكلمين، إذ يقولون في معنى الأزل: "ما لا بداية له ولا أول"٦، وأنه بمعنى القدم أيضاً١٠. وجَعْلُ لفظ الأزل من أسماء الله ليس بصحيح، إذ لم يرد تسمية الله بالأزلي في شيء من الكتاب أو السنة، ولكن يخبر به عن الله، لأن معناه حسن إذ هو بمعنى الأول الذي ليس قبله شيء.

стр. 215

الواحد بالعين "الواحد بالعدد" ١ - معنى الواحد بالعين في اللغة: سبق تعريف الواحد في اللغة١، أما العين فهي في اللغة حاسة الرؤية، والعين عين الماء، وعين الشمس، والعين الدينار، والعين المال الناض، والعين الجاسوس٢. وعين الشيء خياره، وعين الشيء نفسه، يقال هو هو عيناً، وهو هو بعينه، ولا آخذ إلا درهمي بعينه، والعين حرف من حروف المعجم٣. وعين القبلة حقيقتها، والعين عند العرب حقيقة الشيء، وعين الشيء نفسه وشخصه٤. ومن خلال العرض السابق لمعاني العين يتبين أن العين من الألفاظ المجملة، التي تحتمل معان كثيرة متغايرة، وأقرب هذه المعاني للمعنى الاصطلاحي هو المعنى الأخير، وهو أن العين هي حقيقة الشيء، ونفسه، وشخصه. ٢ - معنى العدد في اللغة: قال الجوهري:" عددت الشيء إذا أحصيته، والاسم العدد والعديد"٥، والعدُّ إحصاء الشيء، والعدد مقدار ما يعد، والعديد الكثرة٦.

стр. 216

٣ - الواحد بالعدد في الاصطلاح: مصطلح الواحد بالعدد، أو الواحد بالعين، مصطلح مركب، وهو بهذا التركيب لم يرد في الكتاب، أو السنة، أو كلام الصحابة، وهو مصطلح حادث من قِبَل الفلاسفة، وذلك عند حديثهم عن الكثرة والوحدة، ثم استخدمه بعدهم المتكلمون، ونجد لفظ الواحد بالعدد هو المستعمل كثيراً عند الفلاسفة والمتكلمين، بينما يعبر عنه شيخ الإسلام ﵀ بلفظ أكثر دقة وهو الواحد بالعين. يعرف ابن سينا الواحد بالعدد بأنه الذي لا ينقسم إلى أعداد لها معانيه١. أما ابن رشد فيقول: "وبالجملة فإنما يقال الواحد بالعدد على كل ما انحاز بذاته، وانفرد عن غيره، إما بالحس، وإما بالوهم، وإما بذاته"١. ويقول الآمدي: "فأما الواحد بالعدد مطلقاً، ويسمى الواحد بالذات، فعبارة عما لايقبل الانقسام والتجزئة في نفسه"٢. كما يعرف هذا المصطلح بالواحد بالشخص؛ وعرفوه بأنه الذي يكون تصوره مانعاً من وقوع الشركة فيه كزيد٤.

стр. 217

الواحد بالنوع ١ - معنى النوع في اللغة: يقول الخليل بن أحمد: "النوع والأنواع جماعة كل ضرب، وصنف، من الثياب، والثمار، والأشياء، حتى الكلام"١. والنوع كلمة تدل على طائفة من الشيء، مماثلة له، والنوع من الشيء، الضرب منه٢. والنوع أخص من الجنس، وقد تنوع الشيء أنواعاً ٣. أما الجنس فيقول الخليل: "الجنس كل ضرب من الشيء، والناس، والطير، وحدود النحو، والعروض، والأشياء، ويجمع على أجناس"٢. فالنوع كلمة تدل على طائفة من الشيء مماثلة له، والنوع أخص من الجنس.

стр. 218

٢ - تعريف الواحد بالنوع في الاصطلاح: مصطلح الواحد بالنوع لم يرد في الكتاب أو السنة، وأول من استخدمه الفلاسفة، عند شرحهم لمعنى الوحدة والكثرة، واستخدمه المتكلمون من بعدهم، كما استخدمه أهل السنة للرد عليهم فيما وقعوا فيه من شبهات. ويعرف ابن سينا الواحد بالنوع: بأنه الذي لا ينقسم في النوع١. ويقول ابن رشد: "إن ما هو واحد بالنوع فليس هو واحد بالعدد أصلا، لأن الواحد بالنوع مما يصدق أقل ذلك على اثنين بالعدد"١. وقال الآمدي: "وأما الواحد بالنوع، فقد يقال على ما كان تحت كلي هو نوع له؛ كما يقال على زيد وعمرو هما واحد بالنوع"٢. ويسمى الواحد لا بالشخص، ويعرف بأنه من حيث مفهومه واحد، ولكنه كثير من جهة الانطباق على الأفراد؛ كإنسان٤. وقد اضطرب مفهوم الواحد بالنوع، والواحد بالعدد، على بعض الطوائف، مما أدى إلى أقوال فاسدة في توحيد الربوبية، وقد رد أهل السنة من خلال التفريق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع على هؤلاء، ومن هذه الطوائف: ١ - أصحاب القول بوحدة الوجود، حيث اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوق حتى ظنوا وجودها وجوده، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحداً بالعين، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع ٥. ٢ - الأشاعرة والكلابية ومن وافقهم في قولهم إن الأمر هو عين الخبر والنهي، حيث اشتبه عليهم الكلام فظنوه واحداً لا أنواع له، وأن الأمر والنهي والخبر صفات له. واعتقدوا أن الكلام واحد بالعين لا بالنوع، مما أفضى بهم إلى هذا القول الفاسد٦.

стр. 219

الوحدة في الأفعال ١ - معنى الأفعال في اللغة: الفَعْلُ بالفتح مصدر فعل يفعل، والفِعْل بالكسر الاسم، والجمع الفِعَال١. ويقول ابن فارس: "الفاء والعين واللام، أصل صحيح، يدل على إحداث شيء من عمل وغيره؛ من ذلك فعلت كذا أفعله فَعْلا "٢. وقال الأزهري: "والفَعَال فعل الواحد خاصة في الخير والشر..فإذا كان من فاعلين فهو فِعَال"٣. فالفعل إحداث الشيء من عمل ونحوه. ٢ - معنى توحيد الأفعال عند المتكلمين: لم يرد مصطلح توحيد الأفعال في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، وعامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر، يذكرون هذا المصطلح كنوع من أنواع التوحيد، فهم يقولون إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وهذا الأخير هو توحيد الأفعال وهو أشهر الأنواع عندهم، وهو الذي يطيلون في تقريره، وقد تابعهم في ذلك طوائف من المتصوفة وأهل الوحدة. ويشرح الرازي معنى "أنه واحد في أفعاله" فيقول: "وأما أنه واحد في أفعاله، فهو أنه ليس في الوجود موجود، يكون مبدءاً لجميع الممكنات، إما بغير واسطة، وإما بواسطة، إلا هو"٤. وفي موضع آخر يقول الرازي: "وأما أنه واحد في أفعاله، فالأمر ظاهر، لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، فالواجب هو هو، والممكن ما عداه، وكل ما

стр. 220

كان ممكناًًًً فإنه يجوز ألا يوجد، ما لم يتصل بالواجب، ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات..فثبت أن كل ما عداه فهو مُلْكه ومَلكه، وتحت تصرفه، وقهره، وقدرته، واستيلائه"١. ويبين هذا المعنى الثاني أبو البقاء في كلياته، حيث يقول: "ومرتبة توحيد الأفعال، وهو أن يتحقق ويعلم بعلم اليقين، أو بعين اليقين، أو بحق اليقين، أن لا مؤثر في الوجود إلا الله، وقد انكشف ذلك على الأشعري، وتحقيق مذهب الحكماء أيضا هو هذا، فالسالك بهذه المرتبة يكل أموره كلها إلى الفاعل الحقيقي"٢. وينتقد أهل السنة منهج المتكلمين في توحيد الأفعال من جانبين: الأول: إطالتهم في تقرير هذا التوحيد، والاستدلال له، مع أن الخلق مفطورون على الإقرار بوحدانية الله وربوبيته؛ مؤمنهم وكافرهم. بل ويظن المتكلمون" أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب، الذين بعث إليهم محمد ﷺ أولاً، لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون"٣. ومع اهتمام المتكلمين بتوحيد الأفعال، أهملوا تماماً توحيد الألوهية، والعبادة، مع أنه المقصود الأعظم للرسالة. الثاني: اعتقاد متكلمي الأشاعرة والصوفية، أن تحقيق توحيد الأفعال يكون بنفي الأسباب، والقول بالجبر، "وأصل هذه البدعة من قول جهم، فإنه كان غالياً في نفي الصفات، وفي الجبر، فجعل من تمام توحيد الذات نفي الصفات، ومن تمام توحيد الأفعال نفي الأسباب، حتى أنكر تأثير قدرة العبد، بل نفى كونه قادراً، وأنكر الحكمة والرحمة"٤.

стр. 221

الفصل الثاني: ألفاظ أدلة توحيد الربوبية ومصطلحاتها مقدمة: لما كانت طرق معرفة الله، والإقرار به، كثيرة متنوعة، صار كل طائفة من النظار تسلك طريقاً إلى إثبات معرفة الله، وقد تنوعت هذه الطرق؛ تارة بتنوع أصل الدليل، وتارة بزيادة مقدمات فيه يستغني عنها آخرون. فهذا يستدل بالإمكان، وهذا بالحدوث، وهذا بالآيات، وهذا يستدل بحدوث الذوات، وهذا بحدوث الصفات، وهذا بحدوث المعين كالإنسان، إلى غير ذلك من الطرق١. وبعض تلك الطرق موافق لطريقة القرآن. وبعضها محدث، مبتدع، أحدثها الفلاسفة، والمعتزلة، والجهمية، وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، وقد طعن فيها جمهور العقلاء٢، وبينوا فسادها، وعدم إيصالها للمطلوب، وأن الأدلة الواردة في القرآن العزيز فيها غنية عن تلك الطرق. وفي هذا الفصل سأتناول الألفاظ، والمصطلحات التي ترد في هذه الأدلة والطرق.

стр. 222

الدليل ١ - معنى الدليل في اللغة: قال ابن فارس: "الدال واللام أصلان: أحدهما إبانة الشيء بأمارة تتعلمها، والآخر اضطراب في الشيء، فالأول قولهم: دللت فلاناً على الطريق، والدليل: الأمارة في الشيء"١. وقال الجوهري: "الدليل ما يستدل به، والدليل: الدال. وقد دله على الطريق، يدله، دَلالة، ودِلالة، ودُلولة، والفتح أعلى"١. فالدليل في اللغة بمعنى المرشد، والموضح، والمبين. ٢ - معنى الدليل في الشرع: لقد ورد لفظ الدليل في القرآن الكريم، كما ورد الفعل منه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ [سبأ - ١٤] ، وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ [الفرقان - ٤٥] ، قال الطبري ﵀: "ثم دللناكم أيها الناس، بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه، أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد"٣. وقال القرطبي: "فالشمس دليل، أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه"٤. وهذا يبين أن الدليل في القرآن، بمعنى الدليل في اللغة. وورد الفعل منه في السنة كثيراً، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" ٥.

стр. 223

٣ - معنى الدليل في الاصطلاح: يعرف المتكلمون الدليل بعدة تعريفات، لكنها تدور بمجملها على أن الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة المطلوب، أو أنه ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر. يقول الباقلاني في تعريف الدليل أنه: "المرشد إلى معرفة الغائب عن الحواس، وما لا يعرف باضطرار، وهو الذي ينصب من الأمارات، ويورد من الإيماء والإشارات، مما يمكن التوصل به إلى معرفة ما غاب عن الضرورة والحس"١. وقال في الإنصاف: "الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطراره"٢. وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم، ويسمى ما يوصل إلى الظن أمارة، وهذا اصطلاح بعض المعتزلة ومن تلقاه عنهم٣. يقول الرازي: "الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول، والأمارة هو الذي يلزم من العلم بها ظن وجود المدلول"٣. ويقول القاضي عبد الجبار: "الدليل هو ما إذا نظر الناظر فيه أوصله إلى العلم بالغير"٥. أما عند الفلاسفة والمنطقيين فيطلق الدليل مرادفاً للبرهان، فهو القياس المركب من مقدمتين يقينيتين، فالبرهان قياس يقيني المادة. وقد يطلق مرادفاً للقياس، فهو حجة مؤلفة من قضيتين، يلزم عنها لذاتها مطلوب نظري. وقد يطلق الدليل مرادفاً للحجة فهو معلوم تصديقي موصل إلى مجهول تصديقي٦؛ والحجة تنقسم إلى قياس واستقراء وتمثيل، يقول الغزالي في تعريف الحجة: "والحجة هي التي يؤتى بها في إثبات ما تمس الحاجة إلى إثباته، من العلوم التصديقية؛ وهي ثلاثة أقسام: قياس واستقراء وتمثيل"٤.

стр. 224

وعرف القياس فقال: "وحد القياس أنه قول مؤلف، إذا سلم ما أورد فيه من القضايا لزم عنه لذاته قول آخر اضطراراً"١، أما الاستقراء فيعرفه بقوله: "هو أن تتصفح جزئيات كثيرة، داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكماً في تلك الجزئيات، حكم على ذلك الكلي به"٢، وأما التمثيل فهو: "أن يوجد حكم في جزئي معين واحد، فينقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما"٣. ويعرف ابن سينا الدليل بأنه: "قياس إضماري، حده الأوسط شيء واحد، إذا وجد للأصغر، تبعه وجود شيء آخر للأصغر دائماً كيف كان ذلك التبع"٤، ثم مثل له فقال: "ومثاله قولك: هذه المرأة ذات لبن، وكل ذات لبن قد ولدت، فهي إذاً قد ولدت"٥. ويقول الآمدي وهو يشرح مصطلحات الحكماء والمتكلمين: "وأما الدليل فعبارة عن قياس كبراه مقدمة محمودة، يميل إليها السامعون كقولنا: فلان منعم، وكل منعم محبوب"٦. والخلاصة أن الفلاسفة يحصرون الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل. يقول شيخ الإسلام عن أقوال المنطقيين في الدليل، والقياس: "وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس، والاستقراء، والتمثيل"٧، وقالوا: إن الاستدلال لابد فيه من مقدمتين، بلا زيادة ولا نقصان٨. ويتفق أهل السنة مع المتكلمين في تعريف الدليل، حيث يقول شيخ الإسلام ﵀: "الدليل هو المرشد إلى المطلوب؛ وهو الموصل إلى المقصود؛ وهو ما يكون العلم به مستلزماً للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلاً إلى المطلوب؛ وهو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلاً إلى علم، أو إلى اعتقاد راجح"٩.

стр. 225

- وكما سبق - فهناك نزاع اصطلاحي بين النظار، فيما يوصل النظر فيه إلى الاعتقاد الراجح، هل يسمى دليلاً؟ أو يخص باسم الأمارة؟. والجمهور يسمون الجميع دليلاً، ومن أهل الكلام من لا يسمي بالدليل إلا ما أوصل إلى العلم بوجود المدلول١. ٤ - الرد على الفلاسفة: يحصر الفلاسفة الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل. كما يقول بعضهم إن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين، لا يزيد ولا ينقص. وقد رد شيخ الإسلام على الفلاسفة في معنى الدليل عندهم، مبيناً بطلانه، ومن وجوه الرد عليهم: أولاً: أن هذا الذي قالوه إما أن يكون باطلاً، وإما أن يكون تطويلاً يبعد الطريق على الطالب المستدل، فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق، أو طريق طويل يتعب صاحبه، حتى يصل إلى الحق، مع إمكان وصوله بطريق قريب٢. ثانياً: بطلان حصر الأدلة في القياس، والاستقراء، والتمثيل، وبيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل، حصر لا دليل عليه، بل هو باطل. واستدلالهم على الحصر بقولهم إما أن يستدل بالكلي على الجزئي، أو بالجزئي على الكلي، أو بأحد الجزأين على الآخر؛ والأول هو القياس، والثاني هو الاستقراء، والثالث هو التمثيل، يقال لم تقيموا دليلاً على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة، فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصراً. وقد بقي الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ومن عدمه عدمه، فإن هذا ليس مما سميتموه قياساً، ولا استقراءً، ولا تمثيلاً، وهذه هي الآيات٣. ثالثاً: قولهم إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين، لا يزيد ولا ينقص، قول لا دليل عليه، بل هو باطل، فإن كان الدليل مقدمة واحدة، قالوا الأخرى محذوفة، وسموه قياس الضمير. وإن كان مقدمات، قالوا هي أقيسة مركبة، ليس هو قياساً واحداً، فهذا قول

стр. 226

باطل طرداً وعكساً. وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس، فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة، لعلمه بما سوى ذلك، كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال، بل قد يعلمه بالضرورة، ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين، ومنهم من يحتاج إلى ثلاث، ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر١. رابعاً: أن الضابط في الدليل أن يكون مستلزماً للمدلول، فكل ما كان مستلزماً لغيره، أمكن أن يستدل به عليه، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، فيستدل المستدل مما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه. ثم إن كان اللزوم قطعياً، كان الدليل قطعياً، وإن كان ظاهراً وقد يتخلف، كان الدليل ظنياً٢. خامساً: أن لفظ البرهان لفظ شرعي، ورد في آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [انساء - ١٧٤] ، وقوله - تعالى - في أكثر من آية: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة - ١١١] وهو الدليل القطعي، ولكن تخصيصه - كما يقول الفلاسفة - بمقدمتين غير صحيح كما سبق. كما قد يطلق البرهان على ما يفيد العلم اليقيني، وإن لم يكن قياساً، حيث إن" لفظالبرهان في اللغة أعم من ذلك، كما سمى الله آيتي موسى برهانين ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص - ٣٢] "٣.

стр. 227

العلم الضروري ١ - معنى العلم في اللغة: قال الخليل: "علم يعلم علماً نقيض جهل، ورجل علامة وعلام وعليم..وما علمت بخبرك، أي ما شعرت به، وأعلمته بكذا، أي أشعرته، وعلمته تعليماً "١. وقال الجوهري: "وعلمت الشيء أعلمه علماً: عرفته "٢. وفي اللسان: "وعلم بالشيء شعر، يقال: ما علمت بخبر قدومه، أي ما شعرت..وعلم الأمر وتعلمه أتقنه،.. ويجوز أن تقول علمت الشيء بمعنى عرفته وخبرته"٣. فالعلم هو نقيض الجهل، والعلم بالشيء الشعور به، ومعرفته. ٢ - معنى الضروري في اللغة: قال الخليل: "الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول حملتني الضرورة على كذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا "٤. والاضطرار الاحتياج إلى الشيء، وقد اضطره إليه أمر، والاسم الضرة، والضرورة كالضرة٥. والضرورة اسم من الاضطرار٦. فالضرورة تعني الاحتياج والاضطرار. ولم يرد مصطلح العلم الضروري بهذا التركيب في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ . ٣ - معنى العلم الضروري في الاصطلاح: ينقسم علم الخلق إلى قسمين: علم ضروري، وعلم نظري، أما تعريف العلم الضروري فيقول الباقلاني في تعريفه: "فالضروري ما لزم أنفس الخلق، لزوماً لا يمكنهم دفعه، والشك في معلومه"٧.

стр. 228

ويذكر القاضي عبد الجبار بعض تعريفات المعتزلة للعلم الضروري، ومنها حده بأنه: "العلم الذي يحصل فينا، لا من قبلنا، ولا يمكننا نفيه عن النفس بوجه من الوجوه"١، وقال أيضا: "وقد حد العلم الضروري بأنه العلم الذي لا يمكن العالم نفيه عن نفسه بشك، ولا شبهة، وإن انفرد"٢. ويقول شيخ الإسلام: "حد العلم الضروري، وهو الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكنه معه دفعه عن نفسه"٣. ويذكر التفتازاني أن العلوم الضرورية تنحصر في ست: بديهيات يحكم العقل بها بمجرد تصور الطرفين وتسمى الأوليات، ومشاهدات يحكم بها بواسطة حس ظاهر، وتسمى الحسيات، أو باطن وتسمى الوجدانيات، وفطريات ويحكم بها بواسطة لا تغرب عن الذهن، ومجربات يحكم بها بواسطة تكرر المشاهدة، ومتواترات يحكم بها بمجرد خبر جماعة يمتنع تواطؤها على الكذب، وحدسيات يحكم بها بواسطة حدس من النفس٤. ويرجع بعض المتكلمين هذه الأنواع إلى قسمين: البديهيات والحسيات٥. وقال شيخ الإسلام: "البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به"٦. والقضايا البديهية قد تتفاوت فالبديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به، والمتصوران قد يكونان خفيين، فالقضايا تتفاوت في الجلاء، والخفاء، لتفاوت تصورها، كما تتفاوت لتفاوت الأذهان، وذلك لا يقدح في كونها ضرورية٧.

стр. 229

العلم النظري ١ - معنى العلم والنظر في اللغة: سبق التعريف بلفظ العلم، فهو في اللغة نقيض الجهل، وهو المعرفة١، أما النظر فيقول ابن فارس: "النون والظاء والراء أصل صحيح، يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء، ومعاينته"٢. وقال الخليل بن أحمد: "نظر إليه ينظر نظراً..وتقول نظرت إلى كذا، وكذا، من نظر العين، ونظر القلب"٣. والنظر حس العين٤. وقال الجوهري: "النظر تأمل الشيء بالعين، وكذلك النظران بالتحريك، وقد نظرت إلى الشيء. والنظر الانتظار"٥. والنظر الفكر في الشيء تقدره وتقيسه٦. فالنظر في اللغة، هو تأمل الشيء بالعين، ومعاينته، وقد يكون بالقلب، بمعنى التفكر في الشيء، كما يعني الانتظار. ولم يرد مصطلح العلم النظري بهذا التركيب في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ . ٢ - معنى العلم النظري في الاصطلاح: يقول الباقلاني في تعريف العلم النظري أنه: "ما احتيج في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر والحجة، ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه"٧. وقال

стр. 230

شيخ الإسلام: "العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر"١. والعلم النظري يعتمد على العلم الضروري، فالبرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم، لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضروية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبتت بمقدمات نظرية دائماً، لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء، وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن العلم النظري الكسبي، هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة، بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضاً نظرية؛ لتوقف على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله؛ للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها٢.

стр. 231

الشك ١ - معنى الشك في اللغة: قال الخليل بن أحمد: "الشك نقيض اليقين"١. والشك: اللزوم واللصوق٢. والشك الارتياب. وقول أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أو رجح أحدهما على الآخر٣. "ويقال: أصل الشك اضطراب القلب والنفس "٤. فالشك في لغة العرب هو نقيض اليقين، وهو الارتياب، كما يعني اللزوم واللصوق. ٢ - معنى الشك في الشرع: لقد ورد لفظ الشك في كتاب الله، في خمس عشرة آية، منها قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ [النساء - ١٥٧] وقوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود - ١١٠] ، والآيات توضح المعنى المقصود بالشك، فهو يعني كما في اللغة؛ الارتياب، وعدم اليقين، والاضطراب، والبعد عن العلم. قال الراغب: "الشك اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما..والشك ضرب من الجهل "٥. وورد لفظ الشك في السنة، ومنه قوله ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن.، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.." ٦.

стр. 232

وقد اختلفوا في معنى قوله ﷺ "نحن أحق بالشك" فقيل: معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنه لم يشك. وإنما قال ذلك تواضعاً منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم١. وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالشك في الحديث السابق الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفي عن الخليل قطعاً؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة٢. وقال القاضي عياض٣: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيى الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شك، لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها، فأراد الترقي من علم اليقين، إلى عين اليقين، والله أعلم٤. وقال شيخ الإسلام: "لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين، وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه، حتى قد قيل في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أنه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكاً، وإن كان إبراهيم موقناً ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولهذا لما قال له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ "٥. فالشك المراد في الحديث هو ما دون طمأنينة القلب، فإن ذلك قد يسمى شكاً. وقيل الحديث مبني على نفي الشك، فيكون الشك هو الخواطر التي لا تثبت.

стр. 233

٣ - معنى الشك في الاصطلاح: تعريف الشك في الاصطلاح موافق لمعناه في اللغة، والقرآن، وإن اختلفت العبارات مابين زيادة ونقص. ومن هذه التعريفات قول أبي المعالي: "الشك وهو الاسترابة في معتقدين فصاعداً، من غير ترجيح أحدهما على الثاني"١. وقال الكندي: "الشك هو الوقوف على حد الطرفين من الظن، مع تهمة ذلك الظن"٢. وقال الجرجاني: "الشك هو التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين، لا يميل القلب إلى أحدهما"٣، هذا هو الشك في الاصطلاح وقد يطلق على ما دون ذلك، يقول شيخ الإسلام: "لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه"٤، فقد يطلق الشك إذا على التردد بين أمرين وإن كان لأحدهما دلائل وشواهد تؤيده، فالشك يطلق على "مطلق التردد"٥.كما قد يطلق الشك على ما دون طمأنينة القلب٦. وقد يطلق على الخواطر التي لا تثبت٧. فالشك إذاً درجات مختلفة. ويرد لفظ الشك في كتب أهل الكلام عند الحديث عن أول واجب على المكلف، وهم متنازعون في أن أول الواجبات معرفة الله، أو النظر المفضي إلى العلم بحدوث العالم، أو القصد إلى النظر، أو الشك السابق على القصد٨. وباستثناء القول بالشك، فإن النزاع هنا لفظي، فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، والمعرفة واجبة وجوب المقاصد. فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول

стр. 234

واجب وجوب المقاصد هو المعرفة. ومن هؤلاء من يقول أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضا نزاع لفظي، فإن العمل الاختياري مطلقاً مشروط بالإرادة١. أما القول بأن أول الواجبات هو الشك، وهو منسوب إلى أبي هاشم٢، فهو قول باطل لفظاً ومعنى؛ قال أبو المعالي بعد ذكره لقول أبي هاشم: "وهذا خروج منه من قول الأمة وتوصل منه إلى هدم أصله، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض إذ يثبت العلم بالأمر، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكك فيه متناقضان"٣. ومن لم يوجب الشك من المعتزلة قال إنه لا بد من حصوله وإن لم يؤمر به٤. والقول بالشك قبل الاعتقاد باطل، ومن وجوه بطلانه أن هذا القول مبني على أصلين: أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم. والثاني: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالماً. وكلا الأصلين باطل٥. فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق. والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلاً عن الشيء ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب، وقد يكون عالماً به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور، لأنهم إنما أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالماً بالمدلول، لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالباً للعلم، فيلزم أن يكون شاكاً، فصاروا يوجبون على كل مسلم أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله، ورسوله، بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا هو من لوازم الواجب٦. فالقول بوجوب الشك قبل الاعتقاد قول ظاهر الفساد.

стр. 235

المعرفة ١ - معنى المعرفة في اللغة: قال الخليل: "عرفت الشيء معرفة وعرفاناً، وأمر عارف، معروف، عريف.. والتعريف أن تصيب شيئاً فتعرفه، إذا ناديت من يعرف هذا، والاعتراف الإقرار بالذنب والذل والمهانة والرضى به"١. وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء، متصلاً بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة، فالأول العرف: عرف الفرس، وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه، ويقال جاءت القطا عُرْفا عُرْفا، أي بعضها خلف بعض..والأصل الآخر المعرفة والعرفان، تقول عرف فلان فلاناً، عِرفاناً، ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه، لأن من أنكر شيئاً، توحش منه، ونبا عنه"٢. "والعرف والعارفة والمعروف واحد؛ وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتَبْسأ به٣ وتطمئن إليه"٤. وقال الجوهري: "والتعريف الإعلام، والتعريف أيضا إنشاد الضالة. والتعريف: التطييب من العرف..واعترفت القوم، إذا سألتهم عن خبر لتعرفه"٥. وفي القاموس: "عرفه يعرفه معرفة وعرفاناً وعِرفة بالكسر، وعِرِفّاناً بكسرتين مشددة الفاء: علمه"٦. فالمعرفة في اللغة تدل على السكون إلى الشيء، والطمأنينة إليه.

стр. 236

٢ - معنى المعرفة في الشرع: لم يرد مصطلح المعرفة بهذا اللفظ في كتاب الله، وورد الفعل عرف بتصريفاته وبعض اشتقاقاته، نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد - ٣٠] ، وقوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة - ١٤٦] ، وورد الفعل عرف بتصريفاته في السنة، ومنه قوله ﷺ : "تطعم الطعام، وتقرأ السلام، على من عرفت، وعلى من لم تعرف" ١. أما في حقه - سبحانه - فقد وصف نفسه بالعلم، ولم يصف نفسه بالمعرفة، وأمر عباده أن يعلموا أنه إله واحد، كما أمرهم بالعلم في صفاته، وليس مجرد المعرفة. قال ابن القيم ﵀: "واختار - سبحانه - لنفسه اسم العلم، وما تصرف منه، فوصف نفسه بأنه عالم، وعليم، وعلام، وعَلِمَ، ويعلم. وأخبر أن له علماً، دون لفظ المعرفة في القرآن. ومعلوم أن الاسم الذي اختاره الله لنفسه، أكمل نوعه المشارك له في معناه. وإنما جاء لفظ المعرفة في القرآن، في مؤمني أهل الكتاب خاصة، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٢ - ٨٣] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة - ١٤٦] "٢. وأما الفرق المعنوي بين لفظ المعرفة والعلم فمن وجوه٣: أحدها: أن المعرفة تتعلق بذات الشيء، والعلم يتعلق بأحواله، فتقول عرفت أباك، وعلمته صالحاً عالماً، ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة، كقوله - تعالى -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد - ١٩] وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة - ٩٨] ، فالمعرفة حضور صورة الشيء، ومثاله العلمي في النفس، والعلم حضور أحواله، وصفاته، ونسبتها إليه. فالمعرفة تشبه التصور، والعلم يشبه التصديق. الثاني: أن المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه، فإذا أدركه قيل عرفه، أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه، فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها

стр. 237

قيل عرفه. قال الله - تعالى -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس - ٤٥] ، وقال - تعالى -: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف - ٥٨] فالمعرفة تشبه الذكر للشيء، وهو حضور ما كان غائباً عن الذكر. الفرق الثالث: أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره. فإذا قلت علمت زيداً، لم يفد المخاطب شيئاً، لأنه ينتظر بعد أن تخبره على أي حال علمته، فإذا قلت كريماً أو شجاعاً، حصلت له الفائدة، وإذا قلت عرفت زيداً، استفاد المخاطب أنك أثبته، وميزته عن غيره، ولم يبق منتظراً لشيء آخر. وهذا الوجه قريب من الفرق الأول. الفرق الرابع: قيل: إن المعرفة علم بعين الشيء مفصلاً عما سواه، بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجملاً. وعلى هذا الحد فلا يتصور أن يعرف الله ألبتة. بل حقيقة هذا الحد انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات، حتى بأظهرها وهو الشمس، والقمر، بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه، وذاته، ألبتة. أما الصوفية فعندهم أن المعرفة أرفع من العلم، فلا تجدهم يتحدثون عن العلم بل عن المعرفة والعارف. يقول الإمام ابن القيم عنهم: "وهذه الطائفة ترجح المعرفة على العلم جداً، وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأساً. ويعده قاطعاً وحجاباً دون المعرفة. وأهل الاستقامة منهم أشد الناس وصية للمريدين بالعلم"١. فالمعرفة تتعلق بصورة الشيء وشكله، بينما العلم أعمق من ذلك فهو معرفة الصفات والأحوال. فالعالم عارف لكن العارف قد لا يكون عالماً. ٣ - معنى المعرفة عند المتكلمين: يذكر كثير من المتكلمين المعرفة كمرادف للعلم، فالباقلاني يعرف العلم ويقول: "..حده أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فكل علم معرفة، وكل معرفة علم"٢، وقال: "وقد ثبت أن كل علم تعلق بمعلوم، فإنه معرفة له؛ وكل معرفة لمعلوم فإنها علم به"٣.

стр. 238

وقال القاضي عبد الجبار: "..المعرفة والدراية والعلم نظائر، ومعناها: ما يقتضي سكون النفس، وثلج الصدر، وطمأنينة القلب"١، وقال في تعريف المعرفة أنها: "الاعتقاد الذي تسكن به النفس، إلى أن معتقده على ما اعتقده عليه"٢. ويرى الراغب أن المعرفة أخص من العلم فيقول: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وهو أخص من العلم، ويضاده الإنكار "٣. وقال الجرجاني: "والمعرفة أيضاً إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، بخلاف العلم "٤. وقد اختلف أهل الكلام في أول واجب على المكلف، هل هو المعرفة، أو النظر، أو الشك؟ فقال بعضهم: إن أول واجب هو المعرفة٥، وقال بعضهم المعرفة لا تحصل إلا بالنظر فيكون النظر أول واجب. فقد أعطوا المعرفة هذه المكانة، رغم أنها بهذا اللفظ لم ترد في الكتاب أو السنة. ومن وجوه ضعف قولهم: أولاً: أنه لم يرد مصطلح المعرفة، بهذا اللفظ، في الكتاب أو السنة، ولم يرد الأمر بها. ثانياً: أن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمناً، بل ولا يصير مؤمناً بأن يعلم أنه رب كل شيء، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله٦. ثالثاً: أن القول بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر في طريقة الأعراض، والتركيب، ونحو ذلك من الطرق المبتدعة قول باطل، فالرسول ﷺ لم يأمر أحداً بهذه الطرق، ولا علق إيمانه، ومعرفته بالله، بهذه الطرق، بل القرآن وصف بالعلم، والإيمان، من لم يسلك هذه الطرق، ولما ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها، أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ووسموا هؤلاء بالبدعة والضلالة٧. فالمعرفة إذاً ليست أول واجب على المكلف، بل أول واجب هو الشهادتان.

стр. 239

النظر ١ - معنى النظر في اللغة: سبق تعريف النظر في اللغة وأنه تأمل الشيء بالعين، ومعاينته، وقد يكون بالقلب، بمعنى التفكر في الشيء، كما يعني الانتظار١. ٢ - معنى النظر في الشرع: لقد جاء الفعل نظر بتصريفاته في القرآن الكريم، وكان على عدة معان، فمن ذلك نظر العين، قال - تعالى -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف - ١٤٣] وهو صريح في نظر العين، حيث قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف - ١٤٣] ، وقوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف - ١٨٥] ، قال الطبري ﵀: "يقول - تعالى ذكره - أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله في ملك الله، وسلطانه، في السماوات، وفي الأرض، وفيما خلق - جل ثناؤه - من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك ممن لا نظير له ولا شبيه "٢. وجاء النظر بمعنى الانتظار، قال - تعالى -: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد - ١٣] قال الطبري: "واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿انْظُرُونَا﴾ ، فقرأت ذلك عامة قراء المدينة، والبصرة، وبعض أهل الكوفة ﴿انْظُرُونَا﴾ ، موصولة بمعنى انتظرونا"٣. وهذه المعاني التي وردت في القرآن الكريم قد وردت في اللغة. كما ورد لفظ النظر، والفعل منه، في السنة كثيراً، ومنه قوله ﷺ : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا

стр. 240

اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" ١. فالنظر في الشرع جاء بمعاني النظر في اللغة. ٣ - معنى النظر في الاصطلاح: يقول الجويني: "النظر في اصطلاح الموحدين، هو الفكر الذي يطلب به من قام به، علماً، أو غلبة ظن، ثم ينقسم النظر قسمين؛ إلى الصحيح، وإلى الفاسد، والصحيح منه كل ما يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل، والفاسد ما عداه"٢. ويقول الرازي: "النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية، أو ظنية، ليتوصل بها إلى تحصيل علم، أو ظن"٣، وقال: "النظر ترتيب تصديقات، ليتوصل بها إلى تصديقات أخر"٤. ويقسم القاضي عبد الجبار النظر في أمور الدين إلى قسمين: "أحدها النظر في الشبه لتحل، والثاني النظر في الأدلة ليتوصل بها إلى المعرفة"٥. فالنظر إذاً عند المتكلمين هو التفكر، والانتقال من المقدمات العلمية، أو الظنية، إلى ما يترتب عليها من نتيجة علمية أو ظنية. ويرى كثير من المتكلمين أن النظر في طريق معرفة الله أول واجب على العبد. يقول الباقلاني: "وأن يعلم أن أول ما فرض الله على جميع العباد، النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته"٦. ويقول الجويني: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ، أو الحلم، شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح، المفضي إلى العلم بحدث العالم"٧، فهم يقيدون النظر بدليل حدوث العالم كما هو ظاهر من كلام الجويني.

стр. 241

وقد خالف أهل السنة المتكلمين في إيجابهم النظر، وجعله أول واجب، ودللوا على بطلان مذهب المتكلمين من وجوه عدة منها: أولاً: أن النبي ﷺ لم يدع أحداً من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل ﵁، لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" ١. والقرآن ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس. وهذا موافق لقول من يقول إنه واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به، بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجباً إلا به وهذا أصح الأقوال٢. كما أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ، لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ. والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع - تعالى - وبرسوله٣. ثانياً: أن هؤلاء المتكلمين بنوا دينهم على النظر، وهو لفظ مجمل، يدخل فيه الحق والباطل، فالحق هو النظر الشرعي، والنظر الشرعي هو النظر فيما بعث به الرسول من الآيات، والهدى كما قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة - ١٨٥] ، ولكن لما ظهرت البدع والتبس الحق بالباطل، صار اسم النظر يطلق على ثلاثة أمور: النظر البدعي؛ فيريدون بالدليل ما ابتدعوه من الأدلة الفاسدة والنظر فيها. ومنهم من يريد مطلق الدليل والنظر من غير تقييدها، لا بشرعي، ولا ببدعي، وهؤلاء أوسطهم، وهم أحسن حالاً من الذين قيدوا ذلك بالبدعي. وأما القسم الثالث فهم صفوة الأمة، وخيارها، المتبعون للرسول علماً وعملاً،

стр. 242

يدعون إلى النظر، والاستدلال، والاعتبار بالآيات، والأدلة، والبراهين التي بعث الله بها رسوله، وتدبر القرآن، وما فيه من البيان١. ثالثاً: أنه قد تنازع النظار في مسألة وجوب النظر، المفضي إلى معرفة الله - تعالى - على ثلاثة أقوال؛ فقالت طائفة من الناس إنه يجب على كل أحد، وقالت طائفة لا يجب على أحد، وقال الجمهور إنه يجب على بعض الناس دون بعض، فمن حصلت له المعرفة أو الإيمان - عند من يقول إنه يحصل بدون المعرفة - بغير النظر، لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة، ولا الإيمان، إلا به وجب عليه٢. رابعاً: أنه لما كان في لفظ النظر إجمال كثر اضطراب الناس في هذا المقام، وتناقض من تناقض منهم، فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم، ثم يقولون النظر يضاد العلم؛ فكيف يكون ما يتضمن العلم مضاداً له لا يجتمعان؟ فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق. والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلاً عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب. وقد يكون عالماً به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور؛ لأنهم إنما أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالماً بالمدلول لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالباً للعلم، فيلزم أن يكون شاكاً، فصاروا يوجبون على كل مسلم، أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله، ورسوله بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا هو من لوازم الواجب٣. خامساً: أن إيجاب النظر مطلقاً، غير إيجاب النظر في الطريق المعين؛ كطريقة حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد من الأئمة الذين يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ ويتبعونه، إذ كان معلوماً بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول ﷺ لم يوجب النظر في

стр. 243

هذه الطريقة، بل ولا دل على صحتها، بل ما أخبر به يناقض موجبها١. فقول هؤلاء مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين، ولما تواتر عن الرسول ﷺ . سادساً: أن كثيراً من المتكلمين قد تراجعوا في نهاية الأمر عن إيجاب النظر٢، وهذا من أدلة بطلانه أيضاً، إذ تراجعهم عن إيجابه، يدل على أنه لم يحصل المقصود. فما أوجبوه من النظر على الجميع غير صحيح، وكذلك حصرهم النظر في طريق معين غير صحيح أيضاً.

стр. 244

التسلسل ١ - معنى التسلسل في اللغة: التسلسل مصدر من الفعل تسلسل، يقول الجوهري: "وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسَلْسَلتُه أنا صببته فيه، وماء سَلْسَلٌ وسَلْسال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه.. ويقال معنى يتسَلْسل أنه إذا جرى، أو ضربته الريح، يصير كالسلسلة"١. وقال ابن فارس: "قال بعض أهل اللغة: السَّلسلة اتصال الشيء بالشيء، وبذلك سميت سلسلة الحديد"٢. فالسلسلة سميت بذلك لأنها ممتدة في اتصال٣. وفي العين: "وبرق ذو سلاسل، ورمل مثله، وهو تسلسله الذي يرى في التوائه"٤. ويظهر مما سبق أن معنى التسلسل في اللغة يعني التتابع والاتصال والامتداد.

стр. 245

٢ - معنى التسلسل في الاصطلاح: لفظ التسلسل من الألفاظ الاصطلاحية التي لم ترد في القرآن الكريم أو السنة النبوية، إذ ورد فيهما لفظ السلسلة والسلاسل فقط، قال - تعالى -: ﴿إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر - ٧١] ، وقال - سبحانه -: ﴿سَلاسِلاْ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً﴾ [الإنسان - ٤] وقال - تعالى -: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة - ٣٢] .ومن السنة قوله ﷺ : "عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" ١، والسلاسل جمع سلسلة، والسلسة سبق بيان معناها في اللغة، وهو المراد في القرآن والسنة. ولفظ التسلسل من الألفاظ المجملة، التي أحدثها المتكلمون ويراد به عند الإطلاق: "ترتيب أمور غير متناهية"٢، مع أن معناه اللغوي لا يدل على عدم الانتهاء، بل ما ورد من الأمثلة في اللغة هو مما ينتهي. ويختلف أهل السنة، والمتكلمون، والفلاسفة، في نظرتهم إلى أنواع التسلسل وما يجوز منه وما يمتنع، فعند التقييد ينقسم لفظ التسلسل إلى ثلاثة أنواع: واجب وممتنع وممكن، وتفصيلها كما يلي: النوع الأول: التسلسل الممتنع، وهو التسلسل في المؤثرات، والفاعلين، والعلل، "بأن يكون للفاعل فاعل، وللفاعل فاعل إلى ما لا نهاية له"٣، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، ومنه التسلسل في تمام كون المؤثر مؤثراً؛ كأن يقال الحادث لابد له من سبب حادث، وذلك السبب لابد له من سبب حادث٤. النوع الثاني: التسلسل الممكن وهو التسلسل في المفعولات، والآثار المتعاقبة، "بأن يكون الحادث الثاني موقوفاً على حادث قبله، وذلك الحادث موقوف على حادث قبل

стр. 246

ذلك وهلم جرا"١. وهو التسلسل في الحوادث، وقد وقع فيه خلاف، والناس فيه على ثلاثة أقوال: الأول: قيل يجوز مطلقاً، وهذا قول أئمة السنة والحديث، وأساطين الفلاسفة، لكن المسلمين، وسائر أهل الملل، وجمهور العقلاء من جميع الطوائف يقولون أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن، بينما قالت الفلاسفة بقدم العالم. الثاني: أنه لا يجوز لا في الماضي ولا في المستقبل. وهو قول الجهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلاف. الثالث: أنه يجوز في المستقبل دون الماضي، وهو قول أكثر أتباع جهم، وأبي الهذيل، من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم٢. وقد منع المتكلمون التسلسل في المفعولات من طرف الأزل، وقالوا باستحالته، وقد اعتقدوا أن القول بجوازه يفضي إلى القول بقدم العالم. وقد اعتُرض عليهم في قولهم بجواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، بأنه لا دليل لهم على التفريق بينهما٣. وأما الفلاسفة فقالوا بجواز تسلسل المفعولات، بل قال بعضهم إن ذلك واجب؛ وأخذوا من ذلك دليلاً للقول بقدم العالم، ولم يفرقوا بين الآحاد والنوع. وكلا القولين باطل، وقد رد عليهم أهل السنة وبينوا أن ذلك لا يعني القول بقدم العالم، فكل ما سوى الله - تعالى - مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وإن تسلسل في الأزل والأبد. ومن هذه الردود: أولاً: أن هؤلاء المتكلمين، والدهرية من الفلاسفة، اشتركوا في أصل فاسد تفرعت عنه مقالاتهم؛ وهو أن تسلسل الحوادث، ودوامها، يستلزم قدم العالم، بل قدم السماوات والأفلاك، والفلاسفة الدهرية أعظم إقراراً ببطلانه من المعتزلة، فإن تسلسل الحوادث ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها، ولا قدم السماوات، والأفلاك، ولا شيء من العالم، والفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لا يقتضي قدم شيء من أعيانها٤. فليس

стр. 247

مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن. ثانياً: يقال للفلاسفة: هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئاً بعد شيء، فمن أين لكم أن الأفلاك قديمة؟ وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها؟ بل يقال هذا يبطل قولكم، فإنها إذا كانت متسلسلة، امتنع أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، والحوادث متأخرة، فيمتنع صدورها عن علة تامة بوسط أو بغير وسط١. النوع الثالث: التسلسل الواجب وهو "ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب - تعالى - في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله - سبحانه - من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر"٢، ولم يكن ربنا - تعالى - قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله، من الكلام والإرادة، والفعل٣. وجمهور أهل السنة يقولون لم يزل الله خالقاً فاعلاً، كما قال الإمام أحمد لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً، بل يقولون لم يزل يفعل إما بناء على أن الفعل قديم، وإن كان المفعول محدثاً، أو بناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل، وإذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة، ويفعلها دائمة متعاقبة، ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة، كان الأول أكمل٤. والمتكلمون من المعتزلة والأشاعرة ينفون أن تقوم صفات الأفعال بالله؛ لتعلقها بقدرته ومشيئته، وهي التي يطلقون عليها نفي حلول الحوادث، كما ينفون تسلسلها، وهذا باطل، فقولهم إن الرب في الأزل لم يكن قادراً ثم صار قادراً، ونحوه، ليس بصحيح، بل هذا فيه سلب للرب صفة الكمال، وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه، وذلك مخالفة لصريح المعقول والمنقول٥.

стр. 248

والذي دفع المتكلمين إلى هذا القول؛ هو خشيتهم أن يفسد عليهم دليل حدوث العالم. فيقال لهم: إن قدم أفعال الرب لا تستلزم قدم شيء من مفعولاته، "فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، لا بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، وإن قدر أنه لم يزل خالقاً فعالاً، وإذا قيل إن الخلق صفة كمال لقوله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل - ١٧] أفلا أمكن أن تكون خالقيته دائمة، وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم، وليس مع الله شيء قديم، وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلاً غير قادر على الفعل، ثم يصير قادراً والفعل ممكناً له بلا سبب، وأما جعل المفعول المعين مقارناً له أزلاً وأبداً، فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارناً لمفعوله أزلاً وأبداً، مخالف لصريح المعقول"١. وأما الفلاسفة فكما سبق في بيان توحيدهم أنهم ينفون عن الله كل صفة، ويثبتونه وجوداً مطلقاً، لا صفة له ولا فعل، وقد أضافوا إلى ذلك قولهم بقدم العالم، وهؤلاء هم أتباع أرسطو من المتقدمين والمتأخرين، وأما أساطين الفلاسفة قبل أرسطو فلم يحفظ عنهم القول بقدم العالم، والمنقول عنهم هو حدوث الأفلاك، ونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله، وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته، وهذا قول من يقرب إلى صريح المعقول، وصحيح المنقول من الأوائل والأواخر منهم٢.

стр. 249

الدور ١ - معنى الدور في اللغة: قال ابن فارس: "الدال والواو والراء أصل واحد، يدل على إحداق الشيء بالشيء من حواليه"١. وقال الخليل: "والدائرة: الحلقة، والشيء المستدير"٢. دار الشيء يدور دوراً ودوراناً، وتدوير الشيء جعله مدوراً٣. ويقال: دار يدور، واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، والدائرة، والدارة، كلاهما: ما أحاط بالشيء٤. "ومنه قولهم دارت المسألة، أي كلما تعلقت بمحل توقف ثبوت الحكم على غيره، فينقل إليه، ثم يتوقف على الأول وهكذا"٥. والدور قد يكون مصدراً في الشعر، ويكون دوراً واحداً من دور العمامة ودور الخيل وغيره٦. وعلى هذا فيغلب على لفظ الدور أنه يحمل معنى الإحداق بالشيء، والاستدارة، والرجوع إلى الموضع الذي ابتدأ منه.

стр. 250

٢ - معنى الدور في الاصطلاح: لم يرد لفظ الدور في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ الدار، والدائرة، والدوائر، ونحوها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب - ١٩] وقال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] وقال - تعالى -: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة - ٩٨] . ولم يرد لفظ الدَوْر بهذا الضبط في السنة، وإنما ورد لفظ الدُور، واستدار ونحوها، قال ﷺ : "ألا أخبركم بخبر دُور الأنصار" ١. قال الراغب: "الدار: المنزل اعتباراً بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة داراً، والصقع داراً، والدنيا كما هي داراً، والدار الدنيا، والدار الآخرة..قال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] أي الجنة، و ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم - ٢٨] أي الجحيم،..والدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار يدور دوراناً..والدورة والدائرة في المكروه، كما يقال دولة في المحبوب، وقوله - تعالى -: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة - ٥٢] "٢. أما الدَوْر في الاصطلاح فيعرفه الرازي بقوله: "الدور هو أن يحتاج الأول إلى الثاني، والثاني إلى الأول، إما بواسطة أو بغير واسطة "٣. ويقول الجرجاني: "الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى الدور المصرح. كما يتوقف أعلى ب، وبالعكس، أو بمراتب ويسمى الدور المضمر كما يتوقف أعلى ب، وب على ج، وج على أ"٤. وفي الكليات: "الدور هو توقف كل واحد من الشيئين على الآخر"٥. ويقسم شيخ الإسلام الدور إلى نوعين، فيقول: "والدور نوعان: أحدهما الدور القبلي السبقي، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، مثل أن يقال لا يكون هذا إلا بعد ذاك، ولا يكون
следующие страницы →