← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذلك وهلم جرا"١. وهو التسلسل في الحوادث، وقد وقع فيه خلاف، والناس فيه على ثلاثة أقوال: الأول: قيل يجوز مطلقاً، وهذا قول أئمة السنة والحديث، وأساطين الفلاسفة، لكن المسلمين، وسائر أهل الملل، وجمهور العقلاء من جميع الطوائف يقولون أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن، بينما قالت الفلاسفة بقدم العالم. الثاني: أنه لا يجوز لا في الماضي ولا في المستقبل. وهو قول الجهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلاف. الثالث: أنه يجوز في المستقبل دون الماضي، وهو قول أكثر أتباع جهم، وأبي الهذيل، من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم٢. وقد منع المتكلمون التسلسل في المفعولات من طرف الأزل، وقالوا باستحالته، وقد اعتقدوا أن القول بجوازه يفضي إلى القول بقدم العالم. وقد اعتُرض عليهم في قولهم بجواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، بأنه لا دليل لهم على التفريق بينهما٣. وأما الفلاسفة فقالوا بجواز تسلسل المفعولات، بل قال بعضهم إن ذلك واجب؛ وأخذوا من ذلك دليلاً للقول بقدم العالم، ولم يفرقوا بين الآحاد والنوع. وكلا القولين باطل، وقد رد عليهم أهل السنة وبينوا أن ذلك لا يعني القول بقدم العالم، فكل ما سوى الله - تعالى - مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وإن تسلسل في الأزل والأبد. ومن هذه الردود: أولاً: أن هؤلاء المتكلمين، والدهرية من الفلاسفة، اشتركوا في أصل فاسد تفرعت عنه مقالاتهم؛ وهو أن تسلسل الحوادث، ودوامها، يستلزم قدم العالم، بل قدم السماوات والأفلاك، والفلاسفة الدهرية أعظم إقراراً ببطلانه من المعتزلة، فإن تسلسل الحوادث ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها، ولا قدم السماوات، والأفلاك، ولا شيء من العالم، والفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لا يقتضي قدم شيء من أعيانها٤. فليس

стр. 247

مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن. ثانياً: يقال للفلاسفة: هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئاً بعد شيء، فمن أين لكم أن الأفلاك قديمة؟ وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها؟ بل يقال هذا يبطل قولكم، فإنها إذا كانت متسلسلة، امتنع أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، والحوادث متأخرة، فيمتنع صدورها عن علة تامة بوسط أو بغير وسط١. النوع الثالث: التسلسل الواجب وهو "ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب - تعالى - في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله - سبحانه - من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر"٢، ولم يكن ربنا - تعالى - قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله، من الكلام والإرادة، والفعل٣. وجمهور أهل السنة يقولون لم يزل الله خالقاً فاعلاً، كما قال الإمام أحمد لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً، بل يقولون لم يزل يفعل إما بناء على أن الفعل قديم، وإن كان المفعول محدثاً، أو بناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل، وإذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة، ويفعلها دائمة متعاقبة، ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة، كان الأول أكمل٤. والمتكلمون من المعتزلة والأشاعرة ينفون أن تقوم صفات الأفعال بالله؛ لتعلقها بقدرته ومشيئته، وهي التي يطلقون عليها نفي حلول الحوادث، كما ينفون تسلسلها، وهذا باطل، فقولهم إن الرب في الأزل لم يكن قادراً ثم صار قادراً، ونحوه، ليس بصحيح، بل هذا فيه سلب للرب صفة الكمال، وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه، وذلك مخالفة لصريح المعقول والمنقول٥.

стр. 248

والذي دفع المتكلمين إلى هذا القول؛ هو خشيتهم أن يفسد عليهم دليل حدوث العالم. فيقال لهم: إن قدم أفعال الرب لا تستلزم قدم شيء من مفعولاته، "فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، لا بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، وإن قدر أنه لم يزل خالقاً فعالاً، وإذا قيل إن الخلق صفة كمال لقوله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل - ١٧] أفلا أمكن أن تكون خالقيته دائمة، وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم، وليس مع الله شيء قديم، وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلاً غير قادر على الفعل، ثم يصير قادراً والفعل ممكناً له بلا سبب، وأما جعل المفعول المعين مقارناً له أزلاً وأبداً، فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارناً لمفعوله أزلاً وأبداً، مخالف لصريح المعقول"١. وأما الفلاسفة فكما سبق في بيان توحيدهم أنهم ينفون عن الله كل صفة، ويثبتونه وجوداً مطلقاً، لا صفة له ولا فعل، وقد أضافوا إلى ذلك قولهم بقدم العالم، وهؤلاء هم أتباع أرسطو من المتقدمين والمتأخرين، وأما أساطين الفلاسفة قبل أرسطو فلم يحفظ عنهم القول بقدم العالم، والمنقول عنهم هو حدوث الأفلاك، ونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله، وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته، وهذا قول من يقرب إلى صريح المعقول، وصحيح المنقول من الأوائل والأواخر منهم٢.

стр. 249

الدور ١ - معنى الدور في اللغة: قال ابن فارس: "الدال والواو والراء أصل واحد، يدل على إحداق الشيء بالشيء من حواليه"١. وقال الخليل: "والدائرة: الحلقة، والشيء المستدير"٢. دار الشيء يدور دوراً ودوراناً، وتدوير الشيء جعله مدوراً٣. ويقال: دار يدور، واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، والدائرة، والدارة، كلاهما: ما أحاط بالشيء٤. "ومنه قولهم دارت المسألة، أي كلما تعلقت بمحل توقف ثبوت الحكم على غيره، فينقل إليه، ثم يتوقف على الأول وهكذا"٥. والدور قد يكون مصدراً في الشعر، ويكون دوراً واحداً من دور العمامة ودور الخيل وغيره٦. وعلى هذا فيغلب على لفظ الدور أنه يحمل معنى الإحداق بالشيء، والاستدارة، والرجوع إلى الموضع الذي ابتدأ منه.

стр. 250

٢ - معنى الدور في الاصطلاح: لم يرد لفظ الدور في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ الدار، والدائرة، والدوائر، ونحوها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب - ١٩] وقال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] وقال - تعالى -: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة - ٩٨] . ولم يرد لفظ الدَوْر بهذا الضبط في السنة، وإنما ورد لفظ الدُور، واستدار ونحوها، قال ﷺ : "ألا أخبركم بخبر دُور الأنصار" ١. قال الراغب: "الدار: المنزل اعتباراً بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة داراً، والصقع داراً، والدنيا كما هي داراً، والدار الدنيا، والدار الآخرة..قال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] أي الجنة، و ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم - ٢٨] أي الجحيم،..والدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار يدور دوراناً..والدورة والدائرة في المكروه، كما يقال دولة في المحبوب، وقوله - تعالى -: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة - ٥٢] "٢. أما الدَوْر في الاصطلاح فيعرفه الرازي بقوله: "الدور هو أن يحتاج الأول إلى الثاني، والثاني إلى الأول، إما بواسطة أو بغير واسطة "٣. ويقول الجرجاني: "الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى الدور المصرح. كما يتوقف أعلى ب، وبالعكس، أو بمراتب ويسمى الدور المضمر كما يتوقف أعلى ب، وب على ج، وج على أ"٤. وفي الكليات: "الدور هو توقف كل واحد من الشيئين على الآخر"٥. ويقسم شيخ الإسلام الدور إلى نوعين، فيقول: "والدور نوعان: أحدهما الدور القبلي السبقي، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، مثل أن يقال لا يكون هذا إلا بعد ذاك، ولا يكون

стр. 251

ذاك إلا بعد هذا، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، ونفس تصوره يكفي في العلم بامتناعه؛ فإن الشيء لا يكون قبل كونه، ولا يتأخر كونه عن كونه.. وأما الدور المعي الاقتراني مثل أن يقال لا يكون هذا إلا مع ذاك، لا قبله ولا بعده، فهذا جائز، كما إذا قيل لا تكون الأبوة إلا مع البنوة "١. فالمحال هو دور التقدم؛ لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، وأما دور المعية فليس بمحال، بل جائز واقع، لأنه لا يقتضي إلا حصولهما معا في الخارج، أو الذهن٢. فالدور الممتنع إذاً هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه.

стр. 252

الجسم ١ - معنى الجسم في اللغة: قال الخليل: "الجسم يجمع البدن، وأعضاءه، من الناس، والإبل، والدواب، ونحوه مما عظم من الخلق الجسيم، والفعل جسم جسامة"١. وفي الصحاح: "الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان..والجثمان: الشخص، قال: وجماعة جسم الإنسان أيضاً يقال له الجسمان"٢. والجسم كل شخص مُدْرَك٣. وعلى هذا فالجسم في اللغة هو البدن والجسد والجثمان والشخص. ٢ - معنى الجسم في الشرع: ورد لفظ الجسم في آيتين من كتاب الله، هما: قوله - تعالى -: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة - ٢٤٧] ، وقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون - ٤] وهو بمعنى الجسم في اللغة، أي بمعنى الجسد والبدن. وورد لفظ جسيم في السنة، في قوله ﷺ : "وأما موسى، فآدم، جسيم، سبط" ٤. وقوله - صلى الله عله وسلم - يصف الدجال: "فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور" ٥، والجسيم هو الضخم العظيم الجسم، قال في اللسان: "وقد جسم الشيء أي عظم، فهو جسيم، وجُسام بالضم"٦.

стр. 253

٣ - معنى الجسم في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين: من المصطلحات التي يكثر ذكرها في كتب الفلاسفة والمتكلمين لفظ الجسم، يقول الخوارزمي في بيان معناه عندهم: "فالجسم مؤلف من الهيولى والصورة"١. ويقول ابن سينا: "الجسم اسم مشترك، يقال على معان: فيقال جسم لكل كم، متصل، محدود، ممسوح، فيه أبعاد ثلاثة بالقوة. ويقال جسم لصورة ما يمكن أن يفرض فيه أبعاد كيف شئت طولاً، وعرضاً، وعمقاً، ذات حدود متعينة. ويقال جسم لجوهر مؤلف من هيولى، وصورة"٢. ويذكر شيخ الإسلام قول الفلاسفة فيقول: "والقول بأن الجسم مركب من المادة والصورة، قول الفلاسفة المشائين"٣. وقد تأثر المتكلمون بالفلاسفة، فأخذوا عنهم مصطلح الجسم، وتأثروا بتعريفهم له، فعند المعتزلة الجسم هو الطويل، العريض، العميق، قال النظام: "الجسم هو الطويل، العريض، العميق"٤، ويقول القاضي عبد الجبار: "الجسم هو ما يكون طويلاً، عريضاً، عميقاً، ولا يحصل فيه الطول، والعرض، والعمق، إلا إذا تركب من ثمانية أجزاء"٥، وهذا أحد التعريفات التي يذكرها الفلاسفة. أما الجسم عند الأشاعرة فيدور تعريفه على أنه المؤلف المركب، فيكون هو الذي يقبل الانقسام، وهذا تأثر منهم بتعريف الفلاسفة. قال الباقلاني: "الجسم هو المؤلف المركب"٤. ويقول التفتازاني في شرح المقاصد: "الجسم عندنا القابل للانقسام، فيتناول المؤلف من الجزئين فصاعداً"٥.

стр. 254

ويقول الرازي: "الجسم ما يكون مؤلفاً من جزئين فصاعداً"١. وفي الصحايف الإلهية: "وقالت الأشاعرة أنه "أي الجسم" متحيز قابل للقسمة، فعلى هذا يكون المركب من جوهرين فردين جسماً عندهم"٢. وبمثل قول الأشاعرة قالت الماتريدية، حيث يقول النسفي في تعريف الجسم أنه: "اسم للمتركب، يقال هذا أجسم من هذا، أي أكثر تركيباً منه"٣. وقال بعض المتكلمين: الجسم ما احتمل الأعراض٤. وانقسم الروافض٥ إلى أقسام: فبعضهم عرف الجسم بتعريف المعتزلة، وبعضهم عرفه بتعريف الأشاعرة٦. وأما الكرامية فقد قال المقاربون منهم: نعني بكونه جسماً أنه قائم بنفسه٧. والنظار كلهم متفقون على أن الجسم يشار إليه، وإن اختلفوا في كونه مركباً من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا٨. وقد قال المتكلمون من الأشاعرة، والمعتزلة، والكلابية، والماتريدية، وبعض الرافضة، والفلاسفة أيضاً، بنفي الجسم عن الله، من باب التنزيه بزعمهم، حتى جعلوا انتفاء الجسمية عن الله، ذريعة لانتفاء الصفات عنه؛ لأنه لو قامت به الصفات لكان جسماً، وهو منزه عن الجسم؛ لأنه يعني المركب، والمؤلف من الجواهر المفردة. كما أن الأجسام

стр. 255

متماثلة، ولو كان جسماً لكان مماثلاً لغيره من الأجسام، وهذا باطل، لذلك فالصفات ممتنعة عليه، لأنها لاتقوم إلا بجسم، وهذا قول المعتزلة والفلاسفة. أما الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، فقد جعلوا هذه الشبهة ذريعة لنفي الصفات باستثناء الصفات السبع، أو الثمان، التي يقولون بإثباتها١. في حين قال بعض الرافضة الأوائل كالهشامية بأن الله جسم ٢، وكذلك قالت الكرامية٣. وخلاصة أقوال الفلاسفة والمتكلمين أن الجسم هو المؤلف المركب، إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المفردة. وقال بعضهم الجسم هو الطويل العريض العميق، وقيل الجسم ما احتمل الأعراض. بينما قالت الكرامية الجسم هو القائم بنفسه. ٤ - نقد معنى الجسم عند الفلاسفة والمتكلمين: يعرف أهل السنة والجماعة لفظ الجسم بمعناه الذي جاء في اللغة، والقرآن الكريم، وكلام الرسول ﷺ ، وهو أن الجسم هو الجسد والبدن، وقد تبين في الصفحات السابقة، أن لفظ الجسم في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يحمل عدة معان، تختلف عن معناه في اللغة. وقد اختلف النظار في الأجسام - كما سبق - هل هي مركبة من الجواهر المفردة، أم من المادة والصورة، أم ليست مركبة منهما، على ثلاثة أقوال أصحها الثالث، أنها ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام؛ كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية، وهو قول جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء٤. وتعريفات المتكلمين، والفلاسفة، للفظ الجسم، باطلة من الوجوه التالية: أولاً: أن تعريفهم الجسم بالمعاني التي ذكروها، غير وارد في كتب اللغة، وليس هو معناه الذي قد ورد في كتاب الله٥. فهم إذا قالوا إن الجسم هو المؤلف، والمركب، لا

стр. 256

يعنون به ما كان مفترقاً فاجتمع، ولا ما يقبل التفريق، بل يعنون به ما تميز منه جانب عن جانب، كالشمس، والقمر، وغيرهما من الأجسام. وأما المتفلسفة فالمؤلف والمركب عندهم أعم من هذا، فهم يدخلون في ذلك تأليفاً عقلياً، لا يوجد في الأعيان، ويدعون أن النوع مؤلف من الجنس، والفصل، فإذا قلت الإنسان حيوان ناطق، قالوا إن الإنسان مؤلف من هذين، وإنما هو موصوف بهما. وأما لفظ الجسم، فإن الجسم عند أهل اللغة كما ذكره الأصمعي، وأبو عبيد، وغيرهما، هو الجسد والبدن، قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون - ٤] ، وقال - تعالى -: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة - ٢٤٧] ، فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة، والغلظ، كغلظ الجسد، ثم يراد به نفس الغليظ، وقد يراد به غلظه، فيقال لهذا الثوب جسم، أي غلظ وكثافة، ويقال هذا أجسم من هذا، أي أغلظ وأكثف. ثم صار لفظ الجسم في اصطلاح أهل الكلام، أعم من ذلك، فيسمون الهواء، وغيره، من الأمور اللطيفة جسماً، وإن كانت العرب لا تسمى هذا جسماً١. وكذلك الذين قالوا إن الجسم هو الموجود، أو القائم بنفسه، أو ما يمكن الإشارة إليه، فإن هذا المعنى غير صحيح، فليس كل شيء موجود، أو قائم بنفسه، أو يمكن الإشارة إليه، يصح أن يسمى جسماً في لغة العرب، فالهواء والنار ليست جسماً، وهي في اصطلاحهم جسم٢. ثانياً: أن قولهم محدث مبتدع لم يرد عن الرسول ﷺ ، ولا عن أحد من صحابته، أو من التابعين لهم. ثالثاً: إذا قيل هو جسم بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، بل هو أيضاً باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق -٣. رابعاً: أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه، كالهشامية، والكرامية، ونحوهم ممن أثبته، وكالجهمية، والمعتزلة، ونحوهم ممن نفاه، قد يدخل كل منهم في ذلك

стр. 257

ما يخالف النصوص، فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه الله عنه من صفات النقص، ومن مماثلته بالمخلوقات، والنفاة يدخلون في ذلك ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال١، وهذا باطل. خامساً: أن القائلين بأن الأجسام مركبة من الجواهر، يقولون: إن الله لا يحدث شيئاً قائماً بنفسه، وإنما يحدث الأعراض، التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون، وغير ذلك من الأعراض. ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة، قال إن الله أحدثها ابتداء، ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها، لا يحدث الله بعد ذلك جواهر، وهذا قول أكثر المعتزلة، والجهمية، والأشعرية، ونحوهم. ومن أكابر هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين، ويذكر إجماع المسلمين عليه، وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة. بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد٢.

стр. 258

٥ - حكم إطلاق لفظ الجسم على الله: لما كان لفظ الجسم في اصطلاح المتكلمين، والفلاسفة، فيه إجمال، وإبهام، امتنع طوائف من أهل الإثبات، عن إطلاق القول بنفيه، أو إثباته، على الله، ولم ينقل عن أحد من السلف، والأئمة، لا إثباته، ولا نفيه، كما لا يوجد مثل ذلك في لفظ المتحيز، والجوهر، ونحوهما، وذلك لأنها ألفاظ مجملة، يراد بها حق وباطل، وعامة من أطلقها في النفي أو الإثبات، أراد بها ما هو باطل لاسيما النفاة؛ فإن نفاة الصفات كلهم، ينفون الجسم والجوهر والمتحيز، ونحو ذلك، ويدخلون في نفي ذلك نفي صفات الله، وحقائق أسمائه، ومباينته لمخلوقاته. بل إذا حقق الأمر عليهم، وجد نفيهم متضمناً لحقيقة نفي ذاته، إذ يعود الأمر إلى وجود مطلق، لا حقيقة له إلا في الذهن والخيال، أو ذات مجردة، لا توجد إلا في الذهن والخيال، أو إلى الجمع بين المتناقضين، بإثبات صفات ونفي لوازمها١. يقول أبو العباس بن سريج ﵀: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتوحيد أهل الباطل، الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك"٢. والخوض في الأعراض والأجسام كما خاض فيه المتكلمون، كقولهم ليس بجسم ولا عرض ونحو ذلك، أول من ابتدعه في الإسلام الجهمية، وأتباعهم من المعتزلة٣، وكذلك بعض قدماء الشيعة٤. والجواب على إطلاق هذه الألفاظ المجملة على الله، يكون بأن يستفصل السائل، ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟ فإن أراد بها حقاً، وباطلاً، قبل الحق، ورد الباطل. فلفظ الجسم فيه إجمال؛ قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت، أو ما يقبل التفريق والانفصال، أو المركب من مادة وصورة، أو المركب من الأجزاء المفردة، التي تسمى الجواهر الفردة، والله - تعالى - منزه عن ذلك كله. وقد يراد بالجسم ما يشار

стр. 259

إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله يرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم، وقلوبهم، ووجوههم، وأعينهم، فإن أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى، قيل له هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ، معنى ثابت بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأنت لم تقم دليلاً على نفيه. وأما اللفظ، فبدعة نفياً، وإثباتاً، فليس في الكتاب، ولا السنة، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، إطلاق لفظ الجسم في صفات الله - تعالى -، لا نفياً، ولا إثباتاً١.

стр. 260

الجوهر ١ - معنى الجوهر في اللغة: جاء في الصحاح: "والجوهر معرب، الواحدة جوهرة"١. و"الخرز فصوص من جيد الجوهر، ورديئه، من الحجارة ونحوها"٢. وفي لسان العرب: "الجوهر معروف، الواحدة جوهرة، والجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به"٣. فالجوهر لفظ معرب، ومعناه هو كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وقد يكون حجراً ثميناً، وقد يكون رديئاً. ولم يرد لفظ الجوهر في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ .

стр. 261

٢ - معنى الجوهر في الاصطلاح: الجوهر من المصطلحات التي يكثر استعمالها في كتب الفلسفة والكلام، ومعناه عند الفلاسفة - كما يقول الكندي -: "الجوهر هو القائم بنفسه، وهو حامل للأعراض لا تتغير ذاتيته؛ موصوف لا واصف، ويقال هو غير قابل للتكوين والفساد"١. ويقول ابن سينا في حد الجوهر: "هو اسم مشترك؛ يقال جوهر لذات كل شيء كان كالإنسان، أو كالبياض. ويقال جوهر لكل موجود لذاته، لا يحتاج في الوجود إلى ذات أخرى يقارنها، حتى يقوم بالفعل؛ وهذا معنى قولنا الجوهر قائم بذاته. ويقال جوهر لما كان بهذه الصفة، وكان من شأنه أن يقبل الأضداد، بتعاقبها عليه. ويقال جوهر لكل ذات وجوده ليس في محل. ويقال جوهر لكل ذات وجوده ليس في موضوع٢، وعليه اصطلح الفلاسفة القدماء منذ عهد أرسطوطاليس، في استعمالهم اسم الجوهر"٣. ويقول الآمدي: "وأما الجوهر فعلى أصول الحكماء ما وجوده لا في موضوع. والمراد بالموضوع: المحل المتقوم بذاته المقوم لما يحل فيه"٤. ويوافق الرازي الفلاسفة في تعريف الجوهر حيث قال في المباحث المشرقية: "الجوهر هو الموجود لا في موضوع"٥. وأما عند المتكلمين فيقول الباقلاني: "والجوهر الذي له حيز، والحيز هو المكان، أو ما يقدر تقدير المكان، عن أنه يوجد فيه غيره"٦. ويقول أبو المعالي: "الجوهر قد ذكرت له حدود شتى، غير أنا نقتصر على ثلاثة منها، فنقول: الجوهر، المتحيز، وقيل: الجوهر ماله حجم، وقيل: الجوهر ما يقبل العرض"٧. ويقول الآمدي: "وأما على أصول المتكلمين، فالجوهر عبارة عن المتحيز، وهو ينقسم إلى

стр. 262

بسيط، ويعبر عنه بالجوهر الفرد، وإلى مركب وهو الجسم"١.وقال الغزالي: "والجوهر على اصطلاح المتكلمين عبارة عما ليس في محل"٢. ويذكر الأشعري عن بعض المعتزلة، تعريفهم الجوهر بأنه ما احتمل الأعراض٣. وقال الجويني: "وقال المعتزلة الجوهر ما تحيز في الوجود"٤. ويعرف النصارى الجوهر بأنه القائم بذاته٥. ويطلق الفلاسفة المتقدمون؛ كأرسطو، وأمثاله، لفظ الجوهر على الله - تعالى -، وعنهم أخذت النصارى هذه التسمية، فإن أرسطو كان قبل المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، كما أن بعض النصارى يحتج على هذا الإطلاق بأنه موجود في كتب الفلسفة٦. وأما المتأخرون من الفلاسفة؛ كابن سينا، فقد منع من إطلاق لفظ الجوهر على الله؛ لأنه يقول الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع، وهذا إنما يكون فيما وجوده زائد على ذاته، وواجب الوجود وجوده عين ذاته، فلا يكون جوهرا، ونفى الجوهر عن الله نفاة الصفات، الذين يقولون إن الجوهر ما شغل الحيز، وحمل الأعراض، قالوا: والله ليس كذلك٧. ٣ - موقف أهل السنة من لفظ الجوهر: لا يختلف موقف أهل السنة من لفظ الجوهر، عن موقفهم من لفظ الجسم، إذ كلها ألفاظ محدثة، مجملة، مغايرة لمعناها في لغة العرب، وعامة من أطلقها في النفي أو الإثبات أراد بها ما هو باطل، فنفاة الصفات كلهم ينفون الجسم، والجوهر، والمركب، ونحوها، ويدخلون في نفي ذلك، نفي صفات الله - تعالى -. ولذلك ينبغي الاستفسار عن المعنى المراد بلفظ الجوهر، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً

стр. 263

على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل، لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى"١. وقول المتكلمين والفلاسفة في معنى الجوهر باطل من عدة وجوه: الأول: أن لفظ الجوهر لفظ محدث، لم يرد في كلام الله، ولا كلام رسوله ﷺ ، ولم ينطق به الصحابة ﵃ لا نفياً ولا إثباتاً، ومثل هذا اللفظ يستحيل أن تبنى عليه المسائل المهمة في أصول الدين. يقول شيخ الإسلام عن لفظ الجوهر: "والشريعة لم تتعرض لهذا الاسم، وأمثاله، لا بنفي ولا بإثبات، فليس له في الشريعة ذكر، حتى يحتاج أن ينظر في معناه، والنظر العقلي إنما يكون في المعاني، لا في مجرد الاصطلاحات، فلم يبق فيه بحث علمي؛ لا شرعي ولا عقلي"٢. الثاني: أن لفظ الجوهر بمعناه الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون، غير وارد في اللغة، فليس في اللغة أن معنى الجوهر؛ المتحيز، أو الموجود لا في موضوع، أو ما يقبل العرض. ولفظ الجوهر من العربية المعربة، لا من العربية العرباء، فهو كلفظ سجيل، واستبرق، وأمثال ذلك من الألفاظ المعربة. ولما عرب كان معناه في اللغة هو الجوهر المعروف، وتسمية القائم بنفسه، أو الشاغل للحيز جوهراً، أمر اصطلاحي، ليس هو من الأسماء اللغوية، ولا العرفية العامة، ولا من الأسماء الشرعية٣. الثالث: أن نفاة الصفات من المتكلمين والفلاسفة كلهم ينفون الجوهر، والجسم، ونحو ذلك. ويدخلون في نفيها نفي صفات الله، وحقائق أسمائه، ومباينته لمخلوقاته، بل قد يتضمن ذلك نفي حقيقة ذاته - سبحانه - كما سبق ذكر ذلك عند لفظ الجسم، وهذا باطل شرعاً وعقلاً. الرابع: أن في بعض تعريفات الفلاسفة للجوهر ما يدل على قولهم بقدمه، وأبديته، وهذا يشبه قول بعض المتأخرين عن المادة إنها لا تفنى ولا تستحدث من العدم. وهو من تفريعات قول الفلاسفة بقدم العالم.

стр. 264

٤ - معنى الجوهر الفرد: يخصص المتكلمون اسم الجوهر، بالجوهر الفرد المتحيز، الذي لا ينقسم، ويسمون المنقسم جسماً لا جوهراً١، فالجوهر عند المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ. وقد قال بإثبات الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ كثير من المتكلمين. وزعم أبو المعالي أن المسلمين متفقون على ذلك، حيث قال: "اتفق الإسلاميون على أن الأجسام تتناهى في تجزيها حتى تصير أفراداً، وكل جزء لا يتجزأ، فليس له طرف واحد شائع لا يتميز "٢. وظنوا أن القول بإثبات الصانع، وبأنه خلق السماوات والأرض، وبأنه يقيم القيامة، ويبعث الناس من القبور، لا يتم إلا بإثبات الجوهر الفرد، فجعلوه أصلاً للإيمان بالله واليوم الآخر٣. ٥ - الرد على مثبتي الجوهر الفرد: إن مصطلح الجوهر الفرد لم يقل به أحد من سلف الأمة، بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام، ينكرون الجوهر الفرد، وينفون تركب الأجسام منه، وابن كلاب إمام أتباعه هو ممن ينكره٤. ونفى الجوهر الفرد كثير من طوائف أهل الكلام، وأهل الفلسفة، كالهشامية٥ والنجارية٦، والضرارية٧، وكثير من الكرامية٨.

стр. 265

وقال النظام، والفلاسفة، بأن الأجزاء تتجزأ إلى ما لا نهاية١. والذين نفوا الجوهر الفرد من الكلابية، والكرامية، وغيرهم، لا يقولون بقول النظّام والفلاسفة٢. والتحقيق كما يقول شيخ الإسلام ﵀: "أن كلا المذهبين باطل، والصواب ما قاله من قاله من الطائفة الثالثة، المخالفة للطائفتين، أن الأجسام إذا تصغرت أجزاؤها، فإنها تستحيل، كما هو موجود في أجزاء الماء، إذا تصغر فإنه يستحيل هواءاً أو تراباً، فلا يبقى موجود ممتنع عن القسمة - كما يقوله المثبتون له - فإن هذا باطل، بما ذكره النفاة من أنه لا بد أن يتميز جانب له عن جانب، ولا يكون قابلاً للقسمة إلى غير نهاية، فإن هذا أبطل من الأول، بل يقبل القسمة إلى حد، ثم يستحيل إذا كان صغيراً، وليس استحالة الأجسام في صغرها محدوداً بحد واحد، بل قد يستحيل الصغير وله قدر يقبل نوعاً من القسمة، وغيره لا يستحيل حتى يكون أصغر منه، وبالجملة فليس في شيء منها قبول القسمة إلى غير نهاية، بل هذا إنما يكون في المقدرات الذهنية، فأما وجود مالا يتناهى بين حدين متناهيين فمكابرة، وسواء كان بالفعل أو بالقوة، ووجود موجود لا يتميز جانب له عن جانب مكابرة، بل الأجسام تستحيل مع قبول الانقسام، فلا يقبل شيء منها انقساماً لا يتناهى، كما أنها إذا كثرت وعظمت تنتهي إلى حد تقف عنده، ولا تذهب إلى أبعاد لا تتناهى"٣. وهذا ما أثبته العلم الحديث، حيث إن الذرة في العلم الحديث تقابل الجوهر الفرد عند المتكلمين، وقد أثبت أن لهذه الذرة نواة أصغر منها بآلاف المرات، وأن هذه النواة تنقسم، ويولد انقسامها طاقة هائلة٤. ومثبتو الجوهر الفرد قولهم باطل من وجوه: الأول: أنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أن الرسول، والصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين، لم يبنوا شيئاً من أمر الدين على ثبوت الجوهر الفرد، ولا انتفائه، وليس المراد

стр. 266

بذلك أنهم لم ينطقوا بهذا اللفظ، فإنه قد تجدد بعدهم ألفاظ اصطلاحية، يعبر بها عما دل عليه كلامهم في الجملة، وذلك بمنزلة تنوع اللغات، وتركيب الألفاظ المفردات، وإنما المقصود أن المعنى الذي يقصده المثبتة، والنفاة، بلفظ الجوهر الفرد، لم يبن عليها أحد من سلف الأمة، وأئمتها، مسألة واحدة من مسائل الدين، ولا ربطوا بذلك حكماً علمياً ولا عملياً. وقد أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض١. الوجه الثاني: أن "هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله، واليوم الآخر، على ثبوته، قد شكوا فيه، وقد نفوه في آخر عمرهم؛ كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي الحسين البصري، وإمام المتأخرين من الأشعرية أبي المعالي الجويني، وإمام المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي، فإنه في كتابه٢بعد أن بين توقف المعاد على ثبوته، وذكر ذلك غير مرة في أثناء مناظرته للفلاسفة، قال في المسألة لما أورد حجج نفاة الجوهر الفرد:..واعلم أنا نميل إلى التوقف في هذه المسألة، بسبب تعارض الأدلة، فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات العقول، وأبو الحسين البصري هو أحذق المعتزلة توقف فيها، فنحن أيضا نختار التوقف"٣. الوجه الثالث: دعواهم أن هذا قول جمهور متكلمي المسلمين غير صحيح، بل هو قول أبي الهذيل العلاف، ومن اتبعه من متكلمي المعتزلة، والذين أخذوا ذلك عنهم. وقد نفى الجوهر الفرد من أئمة المتكلمين من ليسوا دون من أثبته، بل الأئمة فيهم أكثر من الأئمة في أولئك، فنفاه حسين النجار٤وأصحابه، وضرار بن عمرو٥ وأصحابه،

стр. 267

ونفاه أيضا هشام بن الحكم١ وأتباعه، وهو المقابل لأبي الهذيل، فإنهما متقابلان في النفي والإثبات، ونفته الكلابية، ونفاه أيضا طائفة من الكرامية ونفاه ابن الراوندي٢. فهذا يدل بجلاء على بطلان القول بالجوهر الفرد، وبطلان ما بنوا عليه من مسائل في العقيدة.

стр. 268

العرض ١ - معنى العَرَض في اللغة: قال الجوهري: "عَرَض له أمر كذا يعرض؛ أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا، وعرضت له الشيء، أي أظهرته له وأبرزته إليه"١. وعَرَض الدنيا ماكان من مال، قل أو كثر٢. وعرضت الجند عرض العين: أي أمررتهم، لأنظر ما حالهم، ومن غاب منهم، وعرض الفرس في عدوه، إذا مر عارضاً على جنب واحد يعرض عرضاً، وعرض له خير أو شر بدا ٣.والعرض من أحداث الدهر؛ كالمرض ونحوه، سمي عرضاً لأنه يعترض، أي يأخذه فيما عرض من جسده، ورأيت فلاناً عرض العين أي لمحة٤. ويلاحظ أن الفعل "عَرَض" يكون بمعنى ظهر أو بدا أو مر. وأما الاسم "عَرَض" فقد جاء بمعنى المال، أو المرض، ونحوه. ٢ - معنى العرض في الشرع: لقد ورد لفظ العرض في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، أما وروده في كتاب الله؛ فمثل قوله - تعالى -: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء - ٩٤] وقوله - تعالى -: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف - ١٦٩] . وأما في السنة فمنه قوله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" ٥، والعَرَض في هذا الحديث، وفي الآيات السابقة، متاع الدنيا وحطامها٦.

стр. 269

٣ - معنى العرض في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين: إن تقسيم الموجودات إلى عرض، وجوهر، كان من ابتداع أرسطو، وأتباعه من الفلاسفة١، وقد جعلوا للفظ العرض معنى زائداً عما هو معروف في لغة العرب، وعما جاء في الكتاب والسنة، يبين ذلك قول ابن سينا في معنى العرض: "العرض اسم مشترك، يقال عرض لكل موجود في محل، ويقال عرض لكل موجود في موضوع، ويقال عرض للمعنى المفرد الكلي المحمول على كثيرين، حملاً غير مقوم، وهو العرضي، ويقال عرض لكل معنى موجود للشيء، خارج عن طبعه، ويقال عرض لكل معنى يحمل على الشيء، لأجل وجوده في آخر يقارنه. ويقال عرض لكل معنى وجوده في أول الأمر لا يكون"٢. ويقول الفارابي: "والعرض معناه هو الذي في موضوع"٣. ويبين سبب تسميته عرضاً فيقول: "وليس يسمى عرضاً لدوام وجوده، ولا لسرعة زواله، بل معنى أنه عرض هو أنه لا يكون داخلاً في ماهية موضوعه"٤. ويشرح البغدادي، صاحب المعتبر، التعريف المختار عند الفلاسفة، فيقول: "والعرض هو الموجود في موضوع، وفسروا الموجود في موضوع؛ بالموجود في شيء ليس هو جزء منه، أعني من الشيء الذي هو فيه، ولا يصح وجوده دون ماهو فيه، أعني لا يصح وجود الشيء الواحد المعين منه، إلا في الشيء المعين الذي هو موجود فيه"٥. فالعرض عند الفلاسفة هو الذي لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى موضوع يحل فيه. وقد أخذ المتكلمون لفظ العرض عن الفلاسفة، كما أخذوا معناه عنهم، وجعلوا تقسيم الأشياء إلى جوهر وعرض - كما يقول الإمام أبو المظفر السمعاني -، أصل قاعدة علومهم٦.

стр. 270

يقول عبد القاهر البغدادي: "الأعراض هي الصفات القائمة بالجواهر؛ من الحركة والسكون والطعم والرايحة "١. ويقول الباقلاني: "العرض هو الذي يعرض في الجوهر، ولا يصح بقاؤه وقتين"٢. ويقول القاضي عبد الجبار، مبيناً معنى العرض في الاصطلاح: "وأما في الاصطلاح فهو ما يعرض في الوجود، ولا يجب لبثه كلبث الجواهر والأجسام"٣. ويقول الرازي: "العرض هو الموجود في موضوع"٤. وفي التعريفات للجرجاني: "العرض الموجود، الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، أي محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله، ويقوم به"٥. وتقسيم الموجودات إلى جواهر وأعراض قال به النصارى أيضاً، يقول شيخ الإسلام ﵀: "ولفظ العرض في اصطلاح النظار يراد به ما قام بغيره، سواء كان صفة لازمة، أو عارضة، وهذا موجب تقسيم النصارى، كما هو قول الفلاسفة"٦. فمدار لفظ العرض عند الفلاسفة والمتكلمين، هو ما قام بغيره، وقد يكون صفة لازمة أو قد يكون صفة عارضة.

стр. 271

٤ - إطلاق العرض على صفات الله: لقد تبين في الصفحات السابقة المعنى الوارد في الكتاب والسنة للفظ العرض، وتبين مغايرة المعنى الشرعي له عن المعنى الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون بهذا اللفظ. كما اتضح بعد المخالفين عن دلائل اللغة، وتحريفهم لمعاني الألفاظ وتقليد بعضهم بعضاً في ذلك. والسلف والأئمة لم يطلقوا لفظ العرض في حق الله، لا بنفي، ولا بإثبات، بل بدّعوا أهل الكلام بذلك، وذموهم غاية الذم١. بينما يطلق نفاة الصفات لفظ الأعراض على صفات الله، قالوا: والأعراض لا تقوم إلا بجسم، مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص، ولذلك قالوا بنفي الصفات عن الله، اعتماداً على هذه الشبهة، وغيرها من شبهاتهم الباطلة. وللمثبتة للصفات ثلاث طرق في إطلاق لفظ العرض على صفات الله - تعالى -: منهم من يمنع أن تكون أعراضاً، ويقول بل هي صفات، وليست أعراضاً، كما يقول ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء، من أصحاب الإمام أحمد وغيره. ومنهم من يطلق عليها لفظ الأعراض، كهشام، وابن كرام وغيرهما. ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل العلم عرض بدعة، وقوله ليس بعرض بدعة، كما أن قوله الرب جسم بدعة، وقوله ليس بجسم بدعة٢. والجواب لمن يطلق هذا اللفظ، أن يقال: أتعني بقولك أنها أعراض، أنها قائمة بالذات، أو صفة للذات، ونحو ذلك، من المعاني الصحيحة، أم تعني بها أنها آفات ونقائص، أم تعني بها أنها تعرض، وتزول، ولا تبقى زمانين. فإن عنيت الأول فهو صحيح، وإن عنيت الثاني فهو ممنوع، وإن عنيت الثالث فهذا مبني على قول من يقول العرض لا يبقى زمانين، فمن قال ذلك وقال: هي باقية، قال: لا أسميها أعراضاً، ومن قال: بل العرض يبقى زمانين، لم يكن هذا مانعا من تسميتها أعراضاً٣.

стр. 272

ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ أتعني بالجسم المركب، الذي كان مفترقاً فاجتمع، أو ما ركبه مركب، فجمع أجزاءه، أو ما أمكن تفريقه، وتبعيضه، وانفصال بعضه عن بعض، ونحو ذلك، أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه، أو ما كان قائماً بنفسه، أو ما هو موجود، فإن عنيت الأول لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضاً، لا تقوم إلا بجسم، بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني لم نسلم امتناع التلازم فإن الرب - تعالى - موجود، قائم بنفسه، مشار إليه عندنا، فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير١. فالعرض إذاً من الألفاظ المجملة عند أهل الكلام والفلسفة، وهم يريدون من خلاله نفي صفات الله، لذا يجب الاستفصال عن مراد المتكلم بهذا اللفظ نفياً وإثباتاً.

стр. 273

المعدوم ١ - معنى المعدوم في اللغة: قال الخليل: "العَدم فقدان الشيء، وذهابه، والعُدم لغة، إذا أرادوا التثقيل فتحوا العين، وإذا أرادوا التخفيف ضموها. عدمت فلانا أعدمه عدماً أي فقدته، أفقده، فقداً، وفقداناً؛ أي غاب عنك بموت، أو فقد، لا يقدر عليه، وأعدمه الله مني كذا، أي أفاته، ورجل عديم لا مال له، وقد عدم ماله، وفقده، وذهب عنه، والعديم الفقير"١. فالعدم إذاً يدل على الفقدان والانتفاء. ولم يرد لفظ المعدوم في كتاب الله، وورد في كتب السنة قول خديجة لرسول الله ﷺ : "كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"٢. قيل: أرادت تكسب الناس الشيء المعدوم الذي لا يجدونه مما يحتاجون إليه، وقيل: أرادت بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه٣. ٢ - معنى المعدوم في الاصطلاح: يعرف أهل السنة، وكثير من المتكلمين، المعدوم بتعريفات متقاربة، فيقول شيخ الإسلام: "المعدوم الذي لا وجود له"٢. ويقول الباقلاني في تعريف المعدوم: "هو المنتفي الذي ليس بشيء" ٥. ويقول الرازي عن المعدوم أنه: "نفي محض"٣.

стр. 274

ويذكر الباقلاني أنواع المعدوم فيقول: "والمعدوم منتف ليس بشيء، فمنه معلوم معدوم لم يوجد قط، ولا يصح أن يوجد، وهو المحال الممتنع الذي ليس بشيء، وهو القول المتناقض، نحو اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وما جرى مجرى ذلك مما لم يوجد قط ولا يوجد أبداً. ومنه معدوم لم يوجد قط ولا يوجد أبداً، وهو مما يصح ويمكن أن يوجد، نحو ما علم الله أنه لا يكون من مقدوراته..ومعلوم معدوم في وقتنا هذا وسيوجد فيما بعد نحو الحشر والنشر"١. ويرى كثير من المعتزلة، والرافضة، أن المعدوم شيء، يقول ابن رشد: "وهذا المعدوم الممكن، ليس هو ممكناً من جهة ما هو معدوم، ولا من جهة ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن من جهة ماهو بالقوة. ولهذا قالت المعتزلة إن المعدوم هو ذات ما؛ أعني المعدوم في نفسه، من جهة ما هو بالقوة، أعني أنه من جهة القوة، والإمكان، الذي له، يلزم أن يكون ذاتاً ما في نفسه، فإن العدم ذات ما"٢. ويقول الرازي: "المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت، ولا نزاع في أنه نفي محض، وإما أن يكون ممكن الثبوت، وهو عندنا، وعند أبي الهذيل، وأبي الحسين البصري من المعتزلة، نفي محض، خلافاً للباقين من المعتزلة"٣. والقول بأن المعدوم شيء ثابت في العدم، هو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع. فالعدم يضاد الوجود والثبوت، فكيف يكون المعدوم شيء ثابت في العدم؟ فهذا قول ظاهر التناقض. وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب، في اللوح المحفوظ، وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله - تعالى -، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي، وبين الوجود العيني٤. وبفهم ذلك يتضح حقيقة المعدوم، وأنه يعني المنتفي الذي لا وجود له.

стр. 275

الممتنع ١ - معنى الممتنع في اللغة: يقول الخليل بن أحمد: "مَنَعْتُه أَمْنَعُه مَنْعَاً فامتنع، أي حُلتُ بينه وبين إرادته، ورجل منيع لا يخلص إليه، وهو في عز ومَنعَةٍ، ومنعة يخفف ويثقل، وامرأة منيعة، متمنّعة، لا تؤاتى على فاحشة، قد مَنُعَت مناعة، وكذلك الحصن ونحوه، ومَنُعَ مَناعةً إذا لم يُرَمْ"١. وقال ابن فارس: "الميم والنون والعين أصل واحد، هو خلاف الإعطاء"٢. فمادة منع تدل على عدم حصول الشيء، وعدم وقوعه، فمنعت الرجل فلم تحصل إرادته، والمرأة المتمنعة لاتقع منها فاحشة، ولا يحصل منها ذلك، والرجل المتمنع لا يمكن أن يخلص إليه، والحصن المنيع لا يمكن الحصول على من بداخله، والرجل المناع هو الذي لا يحصل منه العطاء. ٢ - معنى الممتنع في الشرع: لم يرد لفظ الممتنع في الكتاب أو السنة، وورد الفعل منع وبعض اشتقاقاته، قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة - ١١٤] ، وقال - تعالى -: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة - ٣٢ - ٣٣] ، ومن السنة قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ٣، وهو على معناه في اللغة.

стр. 276

٣ - معنى الممتنع في الاصطلاح: يتفق أهل السنة، مع الفلاسفة، والمتكلمين، في تعريف الممتنع مع اختلاف في العبارة، فيقول شيخ الإسلام في تعريف الممتنع: "الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن تقديراً"١. وقال: "الممتنع هو ما لا يمكن وجوده في الخارج"٢. ويعرف ابن سينا الممتنع بأنه ضروري العدم ٣. ويقول الرازي: "..ولا استحقاق الوجود يصدق على أمرين أحدهما: الممتنع وهو واجب العدم"٣. يقول الآمدي: "وأما الممتنع فما لو فرض موجوداً، لزم عنه المحال"٤. وفي الصحايف: "والممتنع بالذات ما يقتضي لذاته عدمه"٥. والممتنع نوعان: الأول الممتنع لنفسه مثل كون الشيء موجوداً معدوماً، والثاني: الممتنع لغيره مثل ما علم الله - تعالى - أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون، وكتب أنه لا يكون، فهذا لا يكون، وقد يقال إنه يمتنع أن يكون، لأنه لو كان للزم أن يكون علم الله بخلاف معلومه، وخبره بخلاف مخبره، لكن هذا هو ممكن في نفسه، والله قادر عليه كما قال: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة - ٤] ٧. وعليه فتعريف الممتنع لنفسه هو: ما لا يمكن وجوده في الخارج، لأن ذاته تقتضي العدم.

стр. 277

المستحيل ١ - معنى المستحيل في اللغة: ورد لفظ المستحيل في كتب اللغة ضمن مادة حول، قال في العين: "وكل شيء استحال عن الاستواء إلى العوج يقال له مستحيل"١. وفي الصحاح: "وحال الشيء بيني وبينك أي حجز، وحال إلى مكان آخر أي تحول"٢. ورجل محوال كثير محال الكلام، والمحال من الكلام ما حول عن وجهه، وكلام مستحيل محال٣. فلفظ المستحيل يدل على التغير من الاستواء إلى العوج، والكلام المستحيل هو الذي قد غير عن وجهه. ومن المادة نفسها حال أي حجز ومنع، وهنا تقارب لغوي بين لفظ حال ومنع. ٢ - معنى المستحيل في الشرع: لم يرد لفظ المستحيل في كتاب الله، وقد ورد الفعل حال وبعض تصريفاته، قال - تعالى -: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود - ٤٣] ، وقال - تعالى -: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ - ٥٤] . ومن السنة قوله ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" ٤. وهو على معناه في اللغة. ٣ - معنى المستحيل في الاصطلاح: مصطلح المستحيل مرادف للممتنع٥، فيمكن تعريفه بتعريف الممتنع، حيث يقول الشهرستاني في تعريفه: "المستحيل هو ضروري العدم، بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال"٦.وقال الغزالي: "فكل ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع عليه تقديره سميناه ممكنا، وإن امتنع سميناه مستحيلا "٧. وهذه التعريفات تطابق تعريف الممتنع كما سبق.

стр. 278

الممكن ١ - معنى الممكن في اللغة: قال الخليل: "..المكان في أصل تقدير الفعل مفعل، لأنه موضع للكينونة، غير أنه لما كثر أجروه في التصريف، مجرى الفعال، فقالوا مكنا له، وقد تمكن"١. وقال الجوهري: "مكنه الله من الشيء، وأمكنه منه، بمعنى. واستمكن الرجل من الشيء، وتمكن منه، بمعنى. وفلان لا يمكنه النهوض، أي لا يقدر عليه"٢. وتمكّن من الشيء، واستمكن، ظفر، والاسم من كل ذلك المكانة، ويقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن، ولا يقال أنا أمكنه بمعنى أستطيعه٣. و" مكّنه من الشيء، وأمكنه منه، أقدره عليه"٤. ومكن فلان عند السلطان مكانة، عظم عنده وارتفع فهو مكين، ومكّنته من الشيء تمكيناً، جعلت له عليه سلطاناً، وقدرة، فتمكّن منه، واستمكن قدر عليه، وله مكنة أي قوة وشدة٥. ويتبين مما سبق أن معنى الممكن في اللغة المقدور عليه، والإمكان القدرة على الشيء. والمكان موضع الكينونة. ٢ - معنى الممكن في الشرع: لم يرد لفظ الممكن في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ . وورد الفعل مكّن وأمكن ونحوها، قال - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف - ٢١] وقال - تعالى -: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال - ٧١] .

стр. 279

قال القرطبي: "مكنا له في الأرض أي أقدرناه على ما يريد"١. وورد في السنة لفظ أمكن، قال رسول الله ﷺ : "إن عفريتاً من الجن جعل يفتك علي البارحة، ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه" ٢، أي أقدرني عليه. ٢ - معنى الممكن في اصطلاح الفلاسفة: إن تقسيم الموجودات إلى ممكن وواجب هو مستحدث من ابن سينا، ومن جاء بعده من الفلاسفة المتأخرين٣. ويقول ابن سينا في تعريف الممكن: "الممكن هو الذي ليس يمتنع أن يكون، أو لا يكون، أو الذي ليس بواجب أن يكون، وأن لا يكون"٤. وقال أيضاً: "الممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود، أو موجوداً، لم يعرض منه محال..والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه"٥، ثم تناقض في قوله حيث جعل ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره، مع تناقض معنييهما، حيث قال: "وكل ما هو واجب الوجود بغيره، فإنه ممكن الوجود بذاته"٦، ومثله الفارابي٧. ويقول ابن باجه: "الممكن وجوده صنفان: أحدهما الضروري، وهو ما لا يمكن عدمه، والآخر الموجود المطلق، وهو ما هو موجود وقتاً ما"٨. وقال الغزالي مبيناً ما يعنيه الفلاسفة بممكن الوجود، وواجب الوجود: "لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة له، ويراد بالممكن ما لوجوده علة زائدة على ذاته"٩. وقال: "لا يفهم لفظ واجب الوجود، وممكن الوجود، فكل تلبيساتهم مخبأة في هاتين اللفظتين، فلنعدل إلى المفهوم، وهو نفي العلة وإثباتها"١٠.

стр. 280

٣ - الممكن في اصطلاح المتكلمين، وأهل السنة: يقول الغزالي: "الممكن هو الذات الذي لا يلزم ضرورة وجوده، ولا عدمه"١. وقال الرازي: "الممكن لذاته هو الذي لا يلزم من فرض وجوده، ولا من فرض عدمه، من حيث هو محال"٢. وقال "الممكن هو الذي يقبل الوجود، ويقبل العدم"٣. وقال الشهرستاني: "والممكن معناه أنه جايز الوجود، وجايز العدم"٤. وقال الآمدي: "وأما الممكن فعبارة عن ما لو فرض موجوداً أو معدوماً، لم يلزم عنه لذاته محال، ولا يتم ترجيح أحد الأمرين له إلا بمرجح من خارج. وفي المصطلح العامي عبارة عن ما ليس بممتنع الوجود"٥. وتعريف أهل السنة للممكن موافق للتعريفات السابقة، فيعرف شيخ الإسلام الممكن بقوله: "الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم"٦. وقال: "فإن الممكن هو الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده" ٧. وقال أيضاً: "فإن حقيقة الممكن هو الذي لا يوجد إلا بغيره لا بنفسه"٨. فالتعريف المختار للممكن هو أنه الذي يقبل الوجود والعدم، ولا يوجد إلا بموجد يوجده. إلا أن متأخري المتكلمين كالرازي، والآمدي، وافقوا الفلاسفة في إطلاق الواجب على الممكن، وأن الممكن يتناول ما يكون قديماً أزلياً، وأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، وفي طريقتهم في الاستدلال بتقسيم الوجود إلى ممكن وواجب، لإثبات وجود الله، مع أنه لا يوصل إلى المطلوب٩.

стр. 281

٤ - الرد على الفلاسفة: لقد اضطرب الفلاسفة في تعريفهم للمكن، حيث جعلوه ممكناً ثم أطلقوا لفظ الواجب عليه، وقالوا إن الممكن ما لوجوده علة، وجعلوه ملازماً لهذه العلة فكان الممكن أزلياً كعلته، وهذا ظاهر البطلان، ويتضح بطلانه من خلال الوجوه الآتية: أولاً: أن الفلاسفة تناقضوا حيث جعلوا العالم ممكن الوجود، مع قولهم بأنه قديم لم يزل، فقول القائل إن الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم، مع قوله بأنه لم يزل موجوداً، جمع بين قولين متناقضين، وإذا قيل هو ممكن باعتبار ذاته كان قوله أيضاً متناقضاً، سواء عنى بذاته الوجود في الخارج، أو شيئاً آخر يقبل الوجود في الخارج، فإن تلك الذات إذا لم تزل موجودة ووجودها واجب، لم تكن قابلة للعدم أصلاً، ولم يكن عدمها ممكن أصلاً١. ثانياً: أن القائلين بأن العالم ممكن وهو قديم كابن سينا، وأمثاله، من متأخري الفلاسفة، قد خالفوا معلمهم أرسطو، كما خالفوا سائر العقلاء، فلم يقل أرسطو أن الفلك قديم، وهو ممكن بذاته، بل كان عندهم ما عند سائر العقلاء، أن الممكن هو الذي يمكن وجوده وعدمه، ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثاً، والفلك عندهم ليس بممكن، بل هو قديم لم يزل، وحقيقة قولهم أنه واجب لم يزل، ولا يزال٢. فالممكن هو المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، والمحدث لا بد له من فاعل وهذا أيضاً معلوم، بين، مسلّم عند عامة العقلاء٣. ثالثاً: أن حقيقة قولهم أنهم قدروا أموراً متسلسلة كل منها واجب الوجود، ضروري يمتنع عدمه، وكل منها معلول وسموه باعتبار ذلك ممكناً، وقالوا إنه يقبل الوجود والعدم، وحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة، فضلاً عن افتقارها كلها، ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه، وهو الضروري الواجب الوجود القديم الأزلي، هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه، وقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل، بل جميع العقلاء يقولون إن هذا لا يفتقر إلى فاعل، ولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على

стр. 282

إثبات هذا الممكن، كما فعله ابن سينا، والرازي، والآمدي، وغيرهم، لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا الممكن بهذا التفسير يفتقر إلى فاعل، وورد على هذا الممكن من الأسئلة ما لم يمكنهم الجواب عنه١. وبهذا يتضح فساد قول الفلاسفة في الممكن، وما ستروه تحت هذا اللفظ من معان باطلة. وخلاصة القول أن تعريف الفلاسفة المتأخرين للممكن متناقض، وغير مقبول عقلاً. بينما يتفق أهل السنة مع المتكلمين في تعريفهم للممكن بأنه الذي يقبل الوجود والعدم، ولا يوجد إلا بموجد يوجده.

стр. 283

واجب الوجود ١ - معنى واجب الوجود في اللغة: سبق بيان معنى الوجود في اللغة١، وأما لفظ واجب فيقول الجوهري: "وجب الشيء أي لزم، يجب وجوباً، وأوجبه الله..ووجب الميت إذا سقط ومات، ويقال للقتيل واجب"٢. وقال ابن فارس: "الواو والجيم والباء أصل واحد، يدل على سقوط الشيء ووقوعه، ثم يتفرع"٣، وفي اللسان: "وجب الشيء يجب وجوباً أي لزم، وأوجبه هو، أو استوجبه أي استحقه"٤. فالوجوب في اللغة هو اللزوم، كما يأتي بمعنى السقوط. ولم يرد لفظ واجب الوجود في القرآن الكريم، ولم يرد في أحاديث الرسول ﷺ . وورد لفظ وجب في القرآن في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج - ٣٦] . وورد لفظ الواجب في السنة نحو قوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" ٥، أي لازم وثابت٦.

стр. 284

٢ - معنى واجب الوجود في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين: قد بينت فيما سبق أن تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن مستحدث من ابن سينا ومن جاء بعده، وفي تعريف الواجب يقول ابن سينا: "إن الواجب الوجود، هو الموجود الذي متى فرض غير موجود، عرض منه محال..والواجب الوجود هو الضروري الوجود"١. ويقسم واجب الوجود إلى قسمين فيقول: "ثم إن الواجب الوجود قد يكون واجباً بذاته، وقد لا يكون بذاته، أما الذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي بذاته، لا لشيء آخر، أي شيء كان يلزم محال من فرض عدمه. وأما الواجب الوجود لا بذاته، فهو الذي لو وضع الشيء مما ليس هو، صار واجب الوجود"٢. وتابعه على هذا التقسيم بعض متأخري المتكلمين كالرازي٣. ويقول الرازي: "..فسرنا واجب الوجود بذاته، بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة"٤. وعرفه الرازي أيضاً بأنه الذي يكون غنياً في وجوده عن السبب٥. وقال التفتازاني: "الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أو استحالته العدم"٦. وفي الصحايف: "الواجب بالذات ما يقتضي لذاته وجوده في الخارج"٧. ٣ - موقف أهل السنة من لفظ واجب الوجود: لفظ واجب الوجود غير وارد في كلام الله - تعالى -، ولا في كلام رسوله ﷺ كما أسلفت، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون، يقول شيخ الإسلام: "وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود، وممكن الوجود، فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول"٨.

стр. 285

فالفلاسفة المتأخرون غالب ما يسمون الرب - تعالى - بواجب الوجود١، وقلدهم في ذلك متأخرو الأشاعرة٢، وهذا غير صحيح؛ لعدم ورود هذا اللفظ، فضلاً عن أن يكون من الأسماء الحسنى. وأهل السنة قد يطلقون واجب الوجود على الله، من باب الإخبار عن الله، وذلك في المناظرات، والمناقشات، مع من يستخدم هذا اللفظ. كما أنهم يرون أن الوجوب الذي دل عليه الدليل هو وجوده - سبحانه - بنفسه، واستغناؤه عن موجد. بينما يضيف الفلاسفة إلى هذا اللفظ معاني أخرى غير صحيحة. يقول شيخ الإسلام عن ابن سينا: "فسلك طريق تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن، كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث٣. وتكلم على خصائص واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل، لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل، إنما هو وجوده بنفسه، واستغناؤه عن موجد، فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه، مثل عدم الصفات، وأشياء غير هذه. وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم، فلما أثبتوا قديماً، وأخذوا يجعلون القدم مستلزماً لما يدعونه من نفي الصفات، جعلوا الوجود٤ الذي ادعاه، كالقدم الذي ادعوه، وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين"٥. ولفظ واجب الوجود فيه إجمال؛ فقد يراد به الموجود بنفسه، الذي لا فاعل له، ولا علة فاعلة له، وذات الرب وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار. ويراد به مع ذلك المستغني عن محل يقوم به، والذات بهذا المعنى واجبة دون الصفات. ويراد به ما لا تعلق له بغيره، أو ما لا يلازم غيره لينفوا بذلك صفاته اللازمة له وهذا باطل٦. ولذلك لابد من الاستفصال عن المراد بهذا اللفظ.
следующие страницы →