← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٤ - الرد على الفلاسفة: لقد اضطرب الفلاسفة في تعريفهم للمكن، حيث جعلوه ممكناً ثم أطلقوا لفظ الواجب عليه، وقالوا إن الممكن ما لوجوده علة، وجعلوه ملازماً لهذه العلة فكان الممكن أزلياً كعلته، وهذا ظاهر البطلان، ويتضح بطلانه من خلال الوجوه الآتية: أولاً: أن الفلاسفة تناقضوا حيث جعلوا العالم ممكن الوجود، مع قولهم بأنه قديم لم يزل، فقول القائل إن الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم، مع قوله بأنه لم يزل موجوداً، جمع بين قولين متناقضين، وإذا قيل هو ممكن باعتبار ذاته كان قوله أيضاً متناقضاً، سواء عنى بذاته الوجود في الخارج، أو شيئاً آخر يقبل الوجود في الخارج، فإن تلك الذات إذا لم تزل موجودة ووجودها واجب، لم تكن قابلة للعدم أصلاً، ولم يكن عدمها ممكن أصلاً١. ثانياً: أن القائلين بأن العالم ممكن وهو قديم كابن سينا، وأمثاله، من متأخري الفلاسفة، قد خالفوا معلمهم أرسطو، كما خالفوا سائر العقلاء، فلم يقل أرسطو أن الفلك قديم، وهو ممكن بذاته، بل كان عندهم ما عند سائر العقلاء، أن الممكن هو الذي يمكن وجوده وعدمه، ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثاً، والفلك عندهم ليس بممكن، بل هو قديم لم يزل، وحقيقة قولهم أنه واجب لم يزل، ولا يزال٢. فالممكن هو المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، والمحدث لا بد له من فاعل وهذا أيضاً معلوم، بين، مسلّم عند عامة العقلاء٣. ثالثاً: أن حقيقة قولهم أنهم قدروا أموراً متسلسلة كل منها واجب الوجود، ضروري يمتنع عدمه، وكل منها معلول وسموه باعتبار ذلك ممكناً، وقالوا إنه يقبل الوجود والعدم، وحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة، فضلاً عن افتقارها كلها، ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه، وهو الضروري الواجب الوجود القديم الأزلي، هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه، وقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل، بل جميع العقلاء يقولون إن هذا لا يفتقر إلى فاعل، ولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على

стр. 282

إثبات هذا الممكن، كما فعله ابن سينا، والرازي، والآمدي، وغيرهم، لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا الممكن بهذا التفسير يفتقر إلى فاعل، وورد على هذا الممكن من الأسئلة ما لم يمكنهم الجواب عنه١. وبهذا يتضح فساد قول الفلاسفة في الممكن، وما ستروه تحت هذا اللفظ من معان باطلة. وخلاصة القول أن تعريف الفلاسفة المتأخرين للممكن متناقض، وغير مقبول عقلاً. بينما يتفق أهل السنة مع المتكلمين في تعريفهم للممكن بأنه الذي يقبل الوجود والعدم، ولا يوجد إلا بموجد يوجده.

стр. 283

واجب الوجود ١ - معنى واجب الوجود في اللغة: سبق بيان معنى الوجود في اللغة١، وأما لفظ واجب فيقول الجوهري: "وجب الشيء أي لزم، يجب وجوباً، وأوجبه الله..ووجب الميت إذا سقط ومات، ويقال للقتيل واجب"٢. وقال ابن فارس: "الواو والجيم والباء أصل واحد، يدل على سقوط الشيء ووقوعه، ثم يتفرع"٣، وفي اللسان: "وجب الشيء يجب وجوباً أي لزم، وأوجبه هو، أو استوجبه أي استحقه"٤. فالوجوب في اللغة هو اللزوم، كما يأتي بمعنى السقوط. ولم يرد لفظ واجب الوجود في القرآن الكريم، ولم يرد في أحاديث الرسول ﷺ . وورد لفظ وجب في القرآن في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج - ٣٦] . وورد لفظ الواجب في السنة نحو قوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" ٥، أي لازم وثابت٦.

стр. 284

٢ - معنى واجب الوجود في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين: قد بينت فيما سبق أن تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن مستحدث من ابن سينا ومن جاء بعده، وفي تعريف الواجب يقول ابن سينا: "إن الواجب الوجود، هو الموجود الذي متى فرض غير موجود، عرض منه محال..والواجب الوجود هو الضروري الوجود"١. ويقسم واجب الوجود إلى قسمين فيقول: "ثم إن الواجب الوجود قد يكون واجباً بذاته، وقد لا يكون بذاته، أما الذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي بذاته، لا لشيء آخر، أي شيء كان يلزم محال من فرض عدمه. وأما الواجب الوجود لا بذاته، فهو الذي لو وضع الشيء مما ليس هو، صار واجب الوجود"٢. وتابعه على هذا التقسيم بعض متأخري المتكلمين كالرازي٣. ويقول الرازي: "..فسرنا واجب الوجود بذاته، بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة"٤. وعرفه الرازي أيضاً بأنه الذي يكون غنياً في وجوده عن السبب٥. وقال التفتازاني: "الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أو استحالته العدم"٦. وفي الصحايف: "الواجب بالذات ما يقتضي لذاته وجوده في الخارج"٧. ٣ - موقف أهل السنة من لفظ واجب الوجود: لفظ واجب الوجود غير وارد في كلام الله - تعالى -، ولا في كلام رسوله ﷺ كما أسلفت، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون، يقول شيخ الإسلام: "وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود، وممكن الوجود، فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول"٨.

стр. 285

فالفلاسفة المتأخرون غالب ما يسمون الرب - تعالى - بواجب الوجود١، وقلدهم في ذلك متأخرو الأشاعرة٢، وهذا غير صحيح؛ لعدم ورود هذا اللفظ، فضلاً عن أن يكون من الأسماء الحسنى. وأهل السنة قد يطلقون واجب الوجود على الله، من باب الإخبار عن الله، وذلك في المناظرات، والمناقشات، مع من يستخدم هذا اللفظ. كما أنهم يرون أن الوجوب الذي دل عليه الدليل هو وجوده - سبحانه - بنفسه، واستغناؤه عن موجد. بينما يضيف الفلاسفة إلى هذا اللفظ معاني أخرى غير صحيحة. يقول شيخ الإسلام عن ابن سينا: "فسلك طريق تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن، كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث٣. وتكلم على خصائص واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل، لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل، إنما هو وجوده بنفسه، واستغناؤه عن موجد، فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه، مثل عدم الصفات، وأشياء غير هذه. وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم، فلما أثبتوا قديماً، وأخذوا يجعلون القدم مستلزماً لما يدعونه من نفي الصفات، جعلوا الوجود٤ الذي ادعاه، كالقدم الذي ادعوه، وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين"٥. ولفظ واجب الوجود فيه إجمال؛ فقد يراد به الموجود بنفسه، الذي لا فاعل له، ولا علة فاعلة له، وذات الرب وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار. ويراد به مع ذلك المستغني عن محل يقوم به، والذات بهذا المعنى واجبة دون الصفات. ويراد به ما لا تعلق له بغيره، أو ما لا يلازم غيره لينفوا بذلك صفاته اللازمة له وهذا باطل٦. ولذلك لابد من الاستفصال عن المراد بهذا اللفظ.

стр. 286

العالَم ١ - معنى العالم في اللغة: جاء التعريف بلفظ العالم في اللغة تحت مادة علم، وفي معنى العالم يقول الخليل: "والعالَم الطّمْش، أي الأنام، يعني الخلق كله، والجمع عالمون "١. والطّمْش الناس٢، والأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق٣. وقال الجوهري: "العالَم: الخلق، والجمع العوالم، والعالمون: أصناف الخلق"٤. ويقول ابن فارس:"وقال قوم: العالم سمِّي لاجتماعه، قال الله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] قالوا الخلائق أجمعون"٥. وقيل: العالم هو ما احتواه بطن الفلك، ولا واحد للعالم من لفظه لأن عالماً جمع أشياء مختلفة٦. وفي المصباح المنير: "العالَم بفتح اللام، الخلق، وقيل مختص بمن يعقل"٧. وعلى هذا فمعنى العالم في اللغة هو الخلق كله، وقيل إنه مختص بمن يعقل.

стр. 287

٢ - معنى العالم في الاصطلاح: أ - معنى العالم عند أهل السنة: لفظ العالم لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا في كلام الصحابة ﵃، والموجود هو لفظ العالمين، قال - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] ، وقال - سبحانه -: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران - ٤٢] وغيرها من الآيات. وورد لفظ العالمين في السنة ومنه قوله ﷺ : "حتى يضع فيها رب العالمين قدمه" ١. ويذكر أهل السنة في معنى العالمين روايتين: الأولى قول ابن عباس ﵁: "رب العالمين: الجن والإنس "٢، وهذا منقول عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وجماعة من المفسرين٣. والرواية الثانية: عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات، والأرض، ومن فيهن، وما بينهن، مما يعلم ولا يعلم"٤. ويرجح الأزهري الرواية الأولى فيقول: "والدليل على صحة قول ابن عباس قول الله - جل وعز -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان - ١] وليس النبي ﷺ نذيراً للبهائم، ولا للملائكة، وهم كلهم خلق الله، وإنما بعث محمد ﷺ نذيراً للجن والإنس"٥. ويقول الطبري ﵀: "والعالمون جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه؛ كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جمع لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن، وذلك الزمان "٦. وقال ابن كثير ﵀: "والعالمين جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله ، والعالم جمع لا واحد له من لفظه،

стр. 288

والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالماً"١. وقال الفراء٢وأبو عبيدة٣: "العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم "٤. وقد جمع شيخ الإسلام ﵀ بين الأقوال السابقة، حيث قال: "ولفظ العالم ليس في القرآن، ولا يوجد في كلام النبي ﷺ ، ولا كلام أحد من الصحابة، والتابعين، وإنما الموجود لفظ العالمين، وفيه عموم كقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] وقد يقال فيه خصوص كقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية - ١٦] وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران - ٤] ..عند من يجعل ذلك المراد به الآدميون، أو أهل عصرهم"٥. لكن عند الإطلاق فإن لفظ العالم عام، قال شيخ الإسلام: "والمراد بالعالم في الاصطلاح هو كل ما سوى الله"٦. فالعالم إذاً هو كل ما سوى الله - تعالى -، وقد يأتي خاصاً فيخص الآدميون، أو من يعقل، أو أهل عصر معين.

стр. 289

ب - معنى العالم عند المتكلمين: يعرف كثير من المتكلمين لفظ العالم، بتعريف موافق لتعريف أهل السنة، فيقول البغدادي: "العالم عند أصحابنا، كل شيء هو غير الله "١، ويقول الرازي: "العالم كل موجود سوى الله"٢، وفي الصحايف الإلهية: "العالم عند المتكلمين كل ما يوجد سوى الله - تعالى - "٣، ويقول الآمدي: "وأما العالم فعبارة عما عدا الباري من الموجودات"٤، وقال الراغب: "والعالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض"٥. إلا أن الجويني قد زاد في تعريفه للعالم حيث قال: "العالم وهو كل موجود سوى الله - تعالى - وصفة ذاته"٦، وفي هذا إشارة إلى أن صفات الفعل ليست قائمة في ذات الله، وأنها مخلوقة، وهو مذهب كثير من المتكلمين، وقد سبق بيان رد أهل السنة عليهم في ذلك، ويتبين هنا مغايرة تعريف بعض المتكلمين، لتعريف أهل السنة في جزء من معناه، حيث يجعلون الصفات الفعلية للرب - تعالى -، جزءاً من هذا العالم المحدث المخلوق. جـ - معنى العالم عند الفلاسفة: يعرف ابن سينا العالم فيقول: "حد العالم مجموع الأجسام الطبيعية البسيطة كلها، ويقال عالم لكل جملة موجودات متجانسة كقولنا عالم الطبيعة"٧. ويذكر التهانوي أن العالم في عرف الحكماء: "اسم لكل ما وجوده ليس من ذاته من حيث هو كل، وينقسم إلى روحاني وجسماني، وقد يقال العالم اسم لجملة الموجودات الجسمانية من حيث هي جملة، وهي ما حواه السطح الظاهر من الفلك الأعلى"٨.

стр. 290

فالعالم عند الفلاسفة يراد به مجموع الأجسام الطبيعية البسيطة، فتخرج العقول والنفوس عن مسمى العالم عندهم، فلا يكون العالم هو كل ما سوى الله. وإذا خصص وقيل عالم الطبيعة أو عالم العقل أو عالم النفس، فإنه يراد به جملة موجودات متجانسة. فتعريفهم مغاير لتعريف أهل السنة وطوائف المتكلمين. بل ومغاير لمعنى العالم في اللغة. د - معنى العالم عند أهل الوحدة: يرى أهل الوحدة أن العالم هو عين وجود الرب - تعالى عن قولهم -، لذا يقولون في تعريف العالم: "العالم هو الظل الثاني، وليس إلا وجود الحق الظاهر بصور الممكنات كلها، فلظهوره بتعيناتها سُمّي باسم السوى، والغير، باعتبار إضافته إلى الممكنات، إذ لا وجود للممكن إلا بمجرد هذه النسبة، وإلا فالوجود عين الحق..فالعالم صورة الحق، والحق هوية العالم وروحه"١. ويذكر هذا المعنى صاحب دستور العلماء فيقول عن العالم عند أهل الوحدة: "هو الحق المتجلي بصفاته، لأنه اسم لما سوى الله - تعالى - وسواه منتف عندهم، فبالضرورة هو الحق المتجلي بصفاته"٢. وقولهم ظاهر الفساد، وحقيقته تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء فلو عدمت السماوات والأرض، لم يكن ثم شيء موجود، وقد صرح بهذا كبار محققيهم، وعارفيهم، كما بين ذلك شيخ الإسلام في ردوده عليهم٣.

стр. 291

العالم حادث "حدوث العالم" ١ - معنى الحدوث في اللغة: يقول الخليل:"والحديث الجديد من الأشياء، ورجل حدث كثير الحديث، والحَدَث الإبْداء"١. وقال ابن فارس: "الحاء والدال والثاء أصل واحد؛ وهو كون الشيء لم يكن، يقال حدث أمر بعد أن لم يكن "٢. وفي الصحاح: "والحدوث كون الشيء لم يكن، وأحدثه الله فحدث، وحدث أمر أي وقع"٣. وحدث الشيء حدوثاً تجدد وجوده فهو حادث وحديث، ومنه يقال حدث به عيب إذا تجدد وكان معدوماً٤. والحديث نقيض القديم، والحديث الخبر، واستحدثت خبراً أي وجدت خبراً جديداً٥. ويتضح مما سبق أن لفظ الحدوث يعني كون الشيء لم يكن، كما يعني تجدد وجود الشيء، والحديث نقيض القديم، والحديث الجديد. ٢ - معنى الحدوث عند أهل السنة: لم يرد لفظ الحدوث أو الحادث في كتاب الله، وإنما ورد لفظ أُحْدِث ويحدث ومحدث وحديث ونحوها، قال - تعالى -: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق - ١] وقال - تعالى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] ومعنى محدث هنا: "أي جديد إنزاله"٦، وأما معنى قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق - ١]

стр. 292

فيقول الطبري: "يقول - جل ثناؤه - لا تدري ما الذي يحدث، لعل الله يحدث بعد طلاقكم إياهن رجعة"١. ولم يرد لفظ الحدوث أو الحادث في السنة٢، ولكن ورد الفعل منه وبعض مشتقاته كمحدث وحديث ونحوها، ومن ذلك قوله ﷺ : "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ٣. وهذا الحديث موافق لقوله - تعالى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] ، قال شيخ الإسلامابن تيمية ﵀: "لما قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء - ٢] علم أن الذكر منه محدث، ومنه ما ليس بمحدث، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتينى من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعاماً حلالاً، ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديداً، فإن الله كان ينزل القرآن شيئاً بعد شيء، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] ، وقال: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف - ٩٥] ، وقال: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف - ١١] "٤. فالمحدث في الشرع جاء بمعنى جديد الإنزال. كما قد يراد بالمحدث المخلوق المسبوق بالعدم.

стр. 293

٣ - معنى حدوث العالم في الاصطلاح: أ - معنى "حدوث العالم" عند أهل السنة: ذكرت فيما سبق أن لفظ العالم لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا في كلام الصحابة، والمعنى الصحيح المفهوم من هذه العبارة "العالم حادث" أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده القديم الأزلي، وهذا المعنى هو المعروف عن الأنبياء، وأتباع الأنبياء، من المسلمين، واليهود، والنصارى، وهو مذهب كثير من الفلاسفة وغيرهم١، يقول ابن تيمية ﵀: "والمشهور من مقالة أساطين الفلاسفة، قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم، وإنما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم"٢. ب - معنى "حدوث العالم" عند المتكلمين: معنى الحدوث عند المتكلمين هو الخروج من العدم إلى الوجود، أو هو حصول الشيء بعد أن لم يكن٣، وفي التعريفات للجرجاني:"الحدوث عبارة عن وجود الشيء بعد عدمه"٤. وعندما يقال: العالم حادث، يُضَمّن المتكلمون معنى غير صحيح لهذا المصطلح؛ فالمعتزلة يرون أن صفات الله مخلوقة، بائنة عنه، وكثير من المتكلمين من الأشاعرة يجعل صفات الله الفعلية، بائنة عن ذات الله، وأنها مخلوقة داخلة في مسمى العالم٥، ومن ضمن ما يعنونه بقولهم "العالم حادث": أن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن الله لم يزل لا يفعل شيئاً، ولا يتكلم بمشيئته، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك، وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها. فهذا المعنى هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشاعرة، بحدوث العالم. وهذا المعنى الذي أضافوه معنى باطل لا يوجد في كتاب الله، ولم يعرف عن الأنبياء، ولا يوجد في حديث عن النبي

стр. 294

- ﷺ ، ولا أثر عن صحابته ﵃ -١. وقد جعلوا حدوث العالم الدليل الأكبر على وجود الله، لكن طريقة تقريرهم لهذا الدليل لم تكن صحيحة، ولذلك رد عليها كثير من النظار من أهل السنة، ومن المتكلمين أنفسهم، ومن الفلاسفة٢. ج - معنى "حدوث العالم" عند الفلاسفة المتأخرين: لقد أحدث الفلاسفة المتأخرون؛ كابن سينا، وأمثاله، لهذه العبارة معنى مبتدعاً باطلاً، حيث قالوا: العالم محدث: أي معلول لعلة قديمة، أزلية، أوجبته فلم يزل معها، وأن العالم معلول، ممكن بنفسه، واجب بغيره، وأن وجوده من غيره، لا من نفسه٣. يقول الآمدي مبيناً معنى حدوث العالم عند الفلاسفة: "وأما الحادث فقد يطلق ويراد به ما يفتقر إلى العلة، وإن كان غير مسبوق بالعدم كالعالم، وعلى ما لوجوده أول وهو مسبوق بالعدم. فعلى هذا العالم إن سمي عندهم قديماً فباعتبار أنه غير مسبوق بالعدم، وإن سمي حادثاً فباعتبار أنه مفتقر إلى العلة في وجوده"٤. وقسموا الحدوث إلى نوعين: ١ - حدوث ذاتي: وهو كون الشيء مفتقراً في وجوده إلى الغير، وهي العلة عندهم٥. ٢ - حدوث زماني: وهو كون الشيء مسبوقاً بالعدم سبقاً زمانياً٦. فحقيقة قولهم هي أن العالم قديم غير مخلوق، وكونه محدثاً يعني افتقاره إلى العلة وإن لم يسبق بالعدم.

стр. 295

يقول شيخ الإسلام ﵀ مبيناً حقيقة مذهبهم: "وحقيقة الخلق منتفية عندهم عن العقل الأول، بل عن العالم وإنما هو عندهم معلول ومبدع، لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون العالم محدث ومخلوق، ويعنون بقولهم محدث أنه معلول ممكن بنفسه واجب بغيره، وأن وجوده من غيره لا من نفسه، وكذلك يعنون بقولهم مخلوق، لكن من المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث، ومخلوق، هذا المعنى المتضمن أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، بل الحدوث عندهم يناقض القدم، وكذلك الخلق، ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق. والمخلوق عندهم أبلغ من المحدث والحادث؛ فكل مخلوق فهو محدث وحادث باتفاق أهل اللغة وأهل الكلام، وأما أن كل حادث ومحدث فهو مخلوق فهذا مما تنازع فيه أهل الكلام، والنظر، واللغة، لا يوجب أن كل ما كان حادثاً يسمى مخلوقاً؛ لأن المخلوق هو الذي خلقه غيره، والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير، وأما لفظ حادث فلا يقتضي أنه مفعول، ولو قيل محدث فمعنى الخلق أخص من معنى الحدوث"١. وقولهم في معنى الحدوث باطل لأمور: أولاً: لمخالفته للغة العرب، فمن المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث، ومخلوق، هذا المعنى، المتضمن أنه قديم أزلي، لم يزل ولا يزال، بل الحدوث عندهم يناقض القدم، وكذلك الخلق، ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق٢. ثانياً: القول بأن العالم محدث بالمعنى الذي ذكروه، ليس قول أحد من الأنبياء، ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة، ولا طائفة من الطوائف المشهورة، التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة على هذا القول، وإنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس، وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليينكابن سينا، وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه ويقولون إنه محدث٣.

стр. 296

ثالثاً: أنهم جعلوا العالم معلول لعلة تامة أزلية، والعلة التامة الأزلية، يلزم مقارنة معلولها لها، وكل ما سواه معلول له، فيلزم أن لا يكون في الوجود حادث، أو أن لا يكون للحوادث محدث، وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة١. هذا مجمل ما يمكن أن يرد به قولهم هذا إذ المقام لا يقتضي تفصيل الرد والمناقشة.

стр. 297

الأفول ١ - معنى الأفول في اللغة: قال الخليل بن أحمد: "أفلت الشمس، تأفل، أفولاً، وكل شيء غاب فقد أفل، وهو آفل، وإذا استقر اللقاح في قرار الرحم قيل قد أفل، والآفل في هذا المعنى هي التي حملت، ويقولون لبوءة آفل، وآفلة، إذا حملت"١. ويقول الأزهري: "وكذلك القمر يأفُِل إذا غاب، قال الله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ، أي غاب وغرب..وفي النوادر: أفِل الرجل، إذا نشط، فهو أَفِل"٢. وفي المصباح المنير: "أَفَل الشيء أَفْلاً وأُفُولاً من بابي ضرب، وقعد، غاب. ومنه قيلأفل فلان عن البلد، إذا غاب عنها"٣. وقد أجمعت كتب اللغة على أن معنى الأفول: الغياب.

стр. 298

٢ - معنى الأفول في الشرع: لقد ورد لفظ أفل، وأفلت، والآفلين، في سورة الأنعام، في ثلاث آيات متتالية، وهي قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨] . قال ابن جرير الطبري: "قال ابن اسحاق: الأفول الذهاب، يقال منه أَفَل النجم، يأفُل، ويأفِل، أفُولاً، وأفْلاً، إذا غاب..ويقال أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا"١.وفي المفردات للراغب: "الأفول: غيبوبة النيرات، كالقمر، والنجوم"٢. وقد أطبقت جميع التفاسير على أن معنى أفل: أي غاب، ويذكرون أن هذا هو معناه في لغة العرب٣، إلا أن بعض المفسرين ممن تأثر بعلم الكلام، يزيد على هذا المعنى تعقيباً من عنده؛ هو أن الغياب يعني التغير والانتقال، وهذه إضافة منهم، ليس لها دليل من لغة العرب، ولا من تفسير الصحابة. فالأفول في الشرع، هو بمعناه الذي ورد في اللغة، وهو المغيب والاحتجاب، وهذا بإجماع أهل اللغة والتفسير٤.

стр. 299

٣ - معنى الأفول في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة: ذهبت الجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشاعرة، والماتريدية، إلى تفسير الأفول بالحركة والانتقال والتغير، وجعلوا ذلك دليلاً على الحدوث، ونفوا صفات الأفعال عن الله بناء على هذه الشبهة، واعتمدوا في بدعتهم هذه، على قول الخليل ﵇: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] ١، يقول شيخ الإسلام ﵀: "ومن عجائب الأمور، أن كثيراً من الجهمية، نفاة الصفات والأفعال، ومن اتبعهم على نفي الأفعال، يستدلون على ذلك بقصة الخليل ﷺ ، كما ذكر ذلك بشراً المريسي، وكثير من المعتزلة، ومن أخذ ذلك عنهم، أو عمن أخذ ذلك عنهم؛ كأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد، والرازي، وغيرهم، وذكروا في كتبهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل عليه - صلوات الله وسلامه -، وهو قوله ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] قالوا فاستدل بالأفول، الذي هو الحركة والانتقال، على حدوث ما قام به ذلك كالكوكب، والقمر، والشمس "٢. قال الرازي في استدلاله على نفي صفات الأفعال: "الثالث قول الخليل: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] يدل على أن المتغير لا يكون إلهاً "٣. ويقول النسفي في تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] : " ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ غاب، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال، لأن ذلك من صفات الأجسام "٤. وقال القرطبي: "فلما أفل النجم، قرر الحجة، وقال ما تغير لا يجوز أن يكون رباً، وكانوا يعظمون النجوم، ويعبدونها، ويحكمون بها"٥. وقال أبو السعود: " ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غرب، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان، المتغيرين من حال إلى حال، المحتجبين بالأستار، فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية"٦.

стр. 300

ويلاحظ أن هؤلاء المفسرين، من متكلمة الصفاتية، يذكرون أن معنى الأفول هو المغيب، ثم يضيفون إليه معنى زائداً، وهو التغير والحركة والانتقال، وهو ما قرره أهل الكلام في كتبهم. أما ابن سينا فإنه يجعل الأفول بمعنى الإمكان، كما قال في إشاراته: "قال قوم إن هذا الشي المحسوس، موجود لذاته، واجب لنفسه، لكنك إذا تذكرت ما قيل لك في شرط واجب الوجود، لم تجد هذا المحسوس واجباً، وتلوت قوله - تعالى -: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام - ٧٦] فإن الهُوِىَّ في حظيرة الإمكان، أفول ما "١. ٤ - نقد معنى الأفول عند المتكلمين والفلاسفة: لقد رد أئمة أهل السنة على من حرف معنى الأفول؛ من المعتزلة، والجهمية، وأتباعهم. حيث زعموا أن معنى الأفول هو الحركة، والانتقال، وأنه يعني التغير، وهو تحريف ظاهر لمعنى الأفول، مخالف لدليل السمع واللغة، ومن وجوه الرد عليهم في ذلك ما يلي: الوجه الأول: أنه من المعلوم باتفاق أهل اللغة والمفسرين، أن الأفول ليس هو الحركة، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك، أو متغير، آفلاً، ولا أنه أفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي، إنه آفل. ولا يقال للتغير الذي هو استحالة؛ كالمرض، واصفرار الشمس، إنه أفول. ولا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت. وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت. وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلاً بمعنى غائب، وقد أفلت الشمس، تأفل، أفولاً، أي غابت٢. الوجه الثاني: أنه لو كان احتجاجه بالحركة، والانتقال، لم ينتظر إلى أن يغيب، بل كان نفس الحركة التي يشاهدها، من حين تطلع، إلى أن تغيب الأفول. وأيضا فحركتها بعد المغيب، والاحتجاب، غير مشهودة، ولا معلومة٣.

стр. 301

الوجه الثالث: أنه قد ظن طائفة من الجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، أن مراد إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام - ٧٦] أن هذا خالق العالم، وأنه استدل بالأفول، وهو الحركة والانتقال، على عدم ربوبيته، وزعموا أن هذه الحجة هي الدالة على حدوث الأجسام، وحدوث العالم، وهذا غلط من وجوه: أحدها: أن هذا القول لم يقله أحد من العقلاء، لا من قوم إبراهيم ولا غيرهم، ولا توهم أحدهم أن كوكباً، أو القمر، أو الشمس، خلق هذا العالم، وإنما كان قوم إبراهيم مشركين، يعبدون هذه الكواكب، زاعمين أن في ذلك جلب منفعة، أو دفع مضرة، ولهذا قال الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام - ٧٨] ، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء - ٧٥ - ٧٧] ، وأمثال ذلك١. الثاني: أنه لو كان قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام - ٧٦] ، هذا رب العالمين، لكانت قصة إبراهيم ﵇ حجة عليهم؛ لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين، وإنما المانع هو الأفول، وقد أخبر الله في كتابه، أنه من حين بزغ الكواكب والقمر والشمس، وإلى حين أفولها، لم يقل الخليل لا أحب البازغين، ولا المتحركين، ولا المتحولين، ولا أحب من تقوم به الحركات، ولا الحوادث. والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب، بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء، فلم يقل إبراهيم لا أحب الآفلين، إلا حين أفل وغاب عن الأبصار، فلم يبق مرئياً ولا مشهوداً، فحينئذ قال لا أحب الآفلين، وهذا يقتضي أن كونه متحركاً منتقلاً تقوم به الحوادث، بل كونه جسماً متحيزاً تقوم به الحوادث، لم يكن دليلاً عند إبراهيم على نفي محبته٢. أما من فسر الأفول بالإمكان من الفلاسفة، فإن قولهم أبعد بكثير عن الصحة، ممن فسر الأفول بالحركة، وأفسد منه، ووجوه الرد عليه كثيرة منها:

стр. 302

أولاً: أنه من المعلوم بالضرورة من لغة العرب، أنهم لا يسمون كل مخلوق، موجود، آفلاً، ولا كل موجود بغيره، آفلاً، ولا كل موجود يجب وجوده بغيره، لا بنفسه، آفلاً، ولا ما كان من هذه المعاني، التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان، بل هذا أعظم افتراء على القرآن، واللغة، من تسمية كل متحرك آفلاً١. ثانياً: لو كان الخليل ﵊ أراد بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب، والشمس، والقمر، ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الاستدلال بالآية، أظهر من فساد قول المتكلمين٢. ثالثاً: أن هؤلاء من أعظم الناس تحريفا للفظ الأفول، ولفظ الإمكان، فإنهم وسائر العقلاء يسلمون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم، لا يكون إلا ما كان معدوماً. فأما القديم الأزلي الذي لم يزل، فيمتنع عندهم، وعند سائر العقلاء، أن يكون ممكناً، يقبل الوجود والعدم. ولكنهم يتناقضون تناقضاً بيناً، فقالوا الفلك ممكن، يقبل الوجود والعدم، وهو مع ذلك قديم أزلي٣. رابعاً: لو كان معنى الأفول هو الإمكان، لما قال الله : ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام - ٧٨] ، لأنها آفلة منذ وجودها، بمعنى ممكنة، لكن لما قال - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام - ٧٨] ، دل على أن هذا شيء يطرأ عليها في وقت دون وقت، وهو المغيب والاحتجاب، فيمتنع كون الأفول بمعنى الإمكان. ومما سبق من الردود - على إيجازها - يتبين مدى تحريف المتكلمين والفلاسفة لمصطلح الأفول، وبعدهم عن معاني اللغة والقرآن.

стр. 303

دليل التغير ١ - معنى التغير في اللغة: يقول ابن فارس: "قولنا هذا غير ذاك، أي هو سواه وخلافه. ومن الباب الاستثناء بغير، تقول: عشرة غير واحد، ليس هو من العشرة"١. وقال الجوهري: "والغير أيضا الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير..وتغايرت الأشياء، اختلفت، والغيار البدال"٢. وفي اللسان: "وتغير الشيء عن حاله تحول. وغَيَّره: حوله وبدله، كأنه جعله غير ما كان، وفي التنزيل العزيز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال - ٥٣] ، قال ثعلب: معناه حتى يبدلوا ما أمرهم الله. والغير: الاسم منالتغير"٣.فالتغير في اللغة هو التحول من شيء إلى آخر. ٢ - معنى التغير في الشرع: ولم يرد دليل التغير في الكتاب أو السنة، وقد ورد في كتاب الله لفظ يغير ومغير ويتغير، قال - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد - ١١] ، قال الطبري: "يقول - تعالى ذكره - إن الله لا يغير ما بقوم من عافية، ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم، حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك، بظلم بعضهم بعضاً، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره"٤. وقال - تعالى -: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد - ١٥] ، ويبين الراغب معنى التغيير فيقول: "والتغيير يقال على وجهين: أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال غيرت

стр. 304

داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غيرت غلامي ودابتي، إذا أبدلتهما بغيرهما. نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد - ١١] "١. ٣ - معنى دليل التغير في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة: يقول الرازي: "وأما الخليل ﷺ ، فقد حكى الله - تعالى - عنه في كتابه، أنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب، على حدوثها"٢. ويستدل كثير من المتكلمين بقصة إبراهيم، ويقولون إن إبراهيم استدل بالأفول على الحدوث. كما أن ابن سينا استدل بالأفول على الإمكان، ويقولون: الحادث والممكن ليس بواجب. يقول شيخ الإسلام مبيناً كلامهم: "ثم إنه لما قال هؤلاء إن الأفول هو الحدوث، والأفول هو التغير، فبنى ابن سينا وأتباعه من الدهرية على هذا، وقالوا: ما سوى الله ممكن، وكل ممكن فهو آفل، فالآفل لا يكون واجب الوجود.. فيستدلون بالتغير على الإمكان، كما استدل الأكثرون من هؤلاء بالتغير على الحدوث، وكل من هؤلاء يقول: هذه طريقة الخليل"٣. ٤ - مناقشة الدليل: أولاً: أن استدلالهم بقصة إبراهيم الخليل ﵇ باطل، فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن الأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية وهي الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلاً، ولا أنه أفل، لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة؛ كالمرض، واصفرار الشمس، إنه أفول، وإنما يقال للشمس أفلت إذا غابت

стр. 305

واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلاً بمعنى غائب، وقد أفلت الشمس، تأفِلُ، وتأفُلُ، أفولاً، أي غابت١. ثانياً: أن قول القائل: "كل متحرك محدث، أو كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم"، فهذه المقدمة ليست ضرورية فطرية باتفاق العقلاء، بل من يدعي صحة ذلك يقول إنها لا تعلم إلا بالنظر الخفي، ومن ينازع في ذلك يقول إنها باطلة عقلاً وسمعاً، ويمثل من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه، وأما قوله: "كل متغير محدث أو ممكن" فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في اللغة، مثل استحالة الصحيح إلى المرض، والعادل إلى الظلم، والصديق إلى العداوة، فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلى دليل، وإن أراد بالتغير معنى الحركة، أو قيام الحوادث مطلقاً، حتى تسمى الكواكب حين بزوغها متغيرة، ويسمى كل متكلم ومتحرك متغيراً، فهذا مما يتعذر عليه إقامة الدليل فيه على دعواه٢. فدليل التغير الذي زعموه دليلاً، فاسد، لأنهم بنوه على أن معنى الأفول هو التغير، وهذا ليس بصحيح، كما بنوه على أن التغير هو التحرك، والتكلم، ونحو ذلك، وهذا ظاهر الفساد؛ بل ويتعذر عليهم إقامة الدليل عليه. ومن لوازمه الفاسدة نفي الصفات الفعلية المتعلقة بالقدرة والمشيئة.

стр. 306

دليل إمكان الذوات "إمكان الأجسام" ١ - معنى إمكان الذوات والأجسام في اللغة: سبق تعريف الممكن في اللغة، وقد بينت أن الإمكان في اللغة القدرة على الشيء١، كما سبق تعريف الجسم٢. أما الذوات في اللغة فهي جمع ذات، وهي تأنيث ذو الذي بمعنى صاحب، قال الجوهري: "وأما ذو الذي بمعنى صاحب فلا يكون إلا مضافاً، فإن وصفت به نكرة، أضفته إلى نكرة، وإن وصفت به معرفة، أضفته إلى الألف واللام"٣. وقال الراغب: "ذو على وجهين: أحدهما: يتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنى ويجمع، ويقال في المؤنث ذات، وفي التثنية ذواتا، وفي الجمع ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافاً، قال - تعالى -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة - ٢٥١] ، وقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم - ٦] " ٤. وقد اختلف بعض العلماء في لفظ ذات هل هو من العربية أم هو لفظ مولد، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما أنه لفظ مولد، قال شيخ الإسلام ﵀: "وفصل الخطاب أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود، ولفظ الماهية، والكيفية، ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات، تضاف الذات إليها، فيقال ذات علم، وذات قدرة، وذات كلام، والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في

стр. 307

الخارج، لا يتصف بصفة ثبوتية أصلاً، بل فرض هذا في الخارج، كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره"١. وقد ورد في السنة عن النبي ﷺ أنه قال: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله ؛ قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات - ٨٩] ، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء - ٦٣] .."٢، ومعنى في ذات الله أي "في جهة الله وناحيته، أي لأجل الله ولابتغاء وجهه، ليس المراد بذلك النفس، ونحوه في القرآن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال - ١] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران - ١١٩] أي الخصلة والجهة التي هي صاحبة بينكم، وعليم بالخواطر، ونحوها، التي هي صاحبة الصدور، فاسم الذات في كلام النبي ﷺ ، والصحابة، والعربية المحضة بهذا المعنى، ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على النفس بالاعتبار الذي تقدم، فإنها صاحبة الصفات، فإذا قالوا الذات فقد قالوا التي لها الصفات"٣. وقال الراغب: "وقد استعار أصحاب المعاني الذات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهراً كان أو عرضاً، واستعملوها مفردة، ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النفس، والخاصة، فقالوا ذاته، ونفسه، وخاصته، وليس ذلك من كلام العرب"٤. فالذوات جمع ذات، وهي تأنيث ذو، فتكون بمعنى صاحبة. ولم يرد دليل إمكان الذوات في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ .

стр. 308

٢ - معنى إمكان الذوات في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين: هذا الدليل هو عمدة الفلاسفة أمثال ابن سينا وأتباعه، وهو من الأدلة التي استدل بها متأخرو المتكلمين في إثبات وجود الله، وقد أخذوا هذا الدليل عن الفلاسفة، وهي طريقة لم يسلكها أرسطو، بل ولا سلكها جماهير الفلاسفة قبل ابن سينا١. يقول الرازي: "الناس قد توصلوا إلى إثبات واجب الوجود بطرق. فمن الناس من توصل بطريقة الإمكان، وهي معتمد الحكماء"١. وقوله الحكماء هنا يحتاج إلى تعقيب، إذ كما أسلفت لم يسلك هذه الطريقة غير ابن سينا ومن جاء بعده. أما تعريف الإمكان فيقول الرازي: "إن مرادنا من لفظ الإمكان، هو كون الشيء بحيث يجوز أن يستمر على ما كان عليه قبل ذلك، ويجوز أن لا يبقى على ما كان عليه قبل ذلك"٣. وهذا الدليل يعتمد على تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن، وفي شرح هذا الدليل يقول الرازي: "نقول لا شك في وجود موجود، وكل موجود فإما أن تكون حقيقته مانعة من قبول العدم، وإما أن لا تكون. فالأول هو الواجب لذاته، والثاني هو الممكن لذاته. فثبت أنه لابد من الاعتراف بوجود موجود، وثبت أن كل موجود، فهو إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته، ينتج أن في الوجود إما موجود واجب الوجود لذاته، وإما موجود لذاته ممكن لذاته، إن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فنقول الممكن لذاته لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته فهو المطلوب. وإن كان ممكناً لذاته عاد التقسيم الأول فيه، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وهما محالان، وإما أن ينتهي إلى أن ينتهي إلى موجود، واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب"٢. ويعلق شيخ الإسلام ﵀ على هذا الدليل فيقول: "وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني على أن الموصوف ممكن، بناء على أن المركب ممكن، وعلى نفي الصفات، وهي

стр. 309

طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله، وركبها من مذهب سلفهم، ومذهب الجهمية "١. فالمعتزلة قسموا الوجود إلى محدث وقديم، وبينوا ثبوت القديم، فأخذ ابن سينا يقسمه إلى واجب وممكن، وغرضه إثبات وجود الواجب، بدون إثبات حدوث العالم، وجعل وجود العالم ممكناً، وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة، فإن الممكن عندهم لا يكون موجوداً٢. ٣ - مناقشة هذا الدليل: دليل إمكان الذوات الذي يعتمده ابن سينا وأتباعه، باطل من وجوه: الوجه الأول: أنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول، والنقل المتواتر، أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله، ولم يدع الناس بهذه الطريق، ولم يدع بها أحد من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، الذين هم خير هذه الأمة، وأفضلها علما وإيمانا. فهي طريق مبتدعة، فكيف يجوز أن يقال: إن تصديق الرسول موقوف عليها٣. الوجه الثاني: أن هذا الدليل مبني على نفي الصفات، ومعلوم أن أكثر العقلاء ينازعونهم في هذا، ويقولون هذا قول باطل، فيمتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفا على طريق فاسد٤. الوجه الثالث: أن جماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى، والفلاسفة القدماء والمتأخرين، يقدحون في موجب هذا الدليل، وليس هو طريقة أرسطو وقدماء الفلاسفة، ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين، بل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فسادا في الشرع والعقل٥، يقول الغزالي: "وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم، ثم أثبتوا له صانعا مع ذلك، وهذا المذهب بوضعه متناقض، لا يحتاج فيه إلى إبطال"٦. فابن سينا في هذا الدليل، قد قسم الوجود إلى واجب وممكن، وأثبت الواجب بهذا الطريق، ولكن هذا بناء على

стр. 310

أن القديم ممكن، وله ماهية تقبل الوجود والعدم، وهذا مما خالفه فيه جمهور العقلاء من الفلاسفة، والمتكلمين وغيرهم، حتى أنه هو تناقض في ذلك فوافق سلفه وجميع العقلاء، وصرح بأن الممكن لا يكون إلا ما يقبل الوجود والعدم، ثم تناقض بقوله أن ذات الممكن قد تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها١. والقدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود، ولا قديما أزليا٢. الوجه الرابع: أن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود، فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا، لأنه مركب، والواجب لا يكون مركبا، هذا عمدتهم وهو قول باطل، وما زال النظار يبينون فساد هذا القول، كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه٣. فهذا الدليل الذي اعتمده الفلاسفة في إثبات وجود الله باطل عقلا وشرعا، وهو غير محصل للمقصود، كما أنهم قد تناقضوا في أهم مصطلحات هذا الدليل وهو لفظ الإمكان، إذ قد جعلوا الممكن قديما أزليا، وهذا يدل بجلاء على تخبط وفساد مذهب الفلاسفة في الإلهيات.

стр. 311

إمكان الصفات "إمكان الأعراض " ١ - معنى إمكان الصفات في اللغة: سبق التعريف بلفظ الإمكان، والعرض١، أما الصفات في اللغة فهي جمع صفة، والصفة الحلية والنعت، قال الخليل: "الوصف وصفك الشيء بحليته، ونعته"٢. وفي الصحاح: "وصفت الشيء وصفاً، وصفةً، والهاء عوض من الواو..والصفة كالعلم والسواد،"٣. وقال ابن فارس: "الواو والصاد والفاء أصل واحد، هو تحلية الشيء، ووصفته أصفه وصفاً. والصفة الأمارة اللازمة للشيء"٤، وقال ابن منظور: "والصفة الحلية"٥. فالصفة هي الحلية والنعت. ولم يرد مصطلح إمكان الصفات في كتاب الله - تعالى -، ولا في سنة رسوله ﷺ

стр. 312

٢ - دليل إمكان الصفات في اصطلاح المتكلمين: دليل إمكان الصفات عند المتكلمين مبني على أن الأجسام متماثلة في الماهية، التي يرون أنها مغايرة لصفات الجسم، وأما صفات الأجسام فمختلفة، وهي ممكنة، وقد استنتج المتكلمون من تخصيص كل جسم بصفته، وجوب المخصص وأنه ليس بجسم. يقول الرازي: "الطريق الثالث الاستدلال بإمكان الصفات، فنقول: قد دللنا على أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية، وإذا كانت كذلك، كان اختصاص جسم الفلك بما به صار فلكاً، واختصاص جسم الأرض بما به صار أرضاً، أمراً جائزاً، فلا بد له من مخصص، وذلك المخصص؛ إن كان جسماً افتقر في تركبه، وتألفه، إلى نفسه، وهو محال، وإن لم يكن جسماً، فهو المطلوب"١. وقال في تتمة شرح هذا الدليل: "ثم قال المتكلمون في هذا المقام: ذلك المؤثر، إما أن يكون موجباً بالذات، أو فاعلاً بالاختيار، والأول باطل، لأن ذلك الموجود لما لم يكن جسماً، ولا جسمانياً، كانت نسبة حقيقته إلى جميع الأجسام نسبة واحدة، ولما كانت الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية، كانت بأسرها متساوية في قبول الأثر عن ذلك المباين، وإذا كان الأمر كذلك، كان قبول كل واحد من تلك الأجسام، لأثر خاص من ذلك المباين، المفارق، رجحاناً لأحد طرفي الممكن، على الآخر، لا لمرجح، وهو محال، ولما بطلت هذه الأقسام، ثبت أن إله العالم موجود، ليس بجسم ولا بجسماني، وأنه فاعل مختار، وليس موجباً بالذات، فهذا تمام تقرير هذه الحجة"٢. ٣ - مناقشة الدليل: أولاً: أن هذا الدليل غير وارد في الكتاب والسنة - كما أسلفت_، والمتكلمون يقولون عنه إنه مقدمة شريفة، يفرع عنها القول في الإله، والقول بالنبوة، والقول بأحوال الآخرة،

стр. 313

والقيامة١، فكيف لا يذكر الرسول شيئاً في غاية الأهمية - كما يزعمون -، بل يكون الرسول لم يبلغ البلاغ الكامل، وهذا أمر بين البطلان. ثانياً: هذا الدليل مبني على القول بتماثل الأجسام، ولا ريب أن قولهم بتماثل الاجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولى والصورة، ونحو ذلك، فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة، فهذا يبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر الفرد، وعلى أنه متماثل، وجمهور العقلاء يخالفونهم فى ذلك٢. وقد أثبت العلم الحديث اختلاف ذرات الأجسام، وأنها غير متماثلة فذرات الماء ليست مماثلة لذرات الحديد، وذرات الحديد لا تماثل ذرات النحاس ولا الذهب وغيرها. فكل جسم له ذراته الخاصة به. ثالثاً: أن هذا الدليل مبني على مقدمتين، إحداهما: أن اختصاص كل جسم بما له من الصفات، لا يكون إلا لسبب منفصل. والثانية: أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصاً، ليس بجسم، وهاتان المقدمتان قد عرف نزاع العقلاء فيهما، وما يرد عليهما من النقض والفساد ومخالفة أكثر الناس لموجبهما٣. وهم لم يقيموا على ذلك دليلاً صحيحاً يؤيد ما ذهبوا إليه. فهذا الدليل فاسد وباطل، ولا أدل على بطلانه من اضطراب منظريه في كثير مما يبنى عليه هذا الدليل كالقول بتماثل الأجسام، وتعريف الممكن، والجسم، كما لم يمكنهم إقامة دليل صحيح على ما ادعوه.

стр. 314

حدوث الذوات "حدوث الأجسام " ١ - معناه في اللغة: سبق بيان معنى الحدوث والذوات والجسم في اللغة١. ولم يرد هذا الدليل في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ . ٢ - معنى هذا الدليل في اصطلاح المتكلمين: هذا الطريق في الاستدلال هو طريق أكثر المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية٢، حيث إن"جمهور المتكلمين لا يعولون إلا على هذا الطريق، وذلك لأنهم يقيمون الدلالة على كون الأجسام محدثة. وحينئذ يقولون: كل جسم محدث، وكل محدث فله علة وصانع، ينتج أن كل جسم فله فاعل وصانع. ثم هذا الدليل إنما يتم إذا قلنا: وذلك الفاعل إن كان محدثاً لزم التسلسل أو الدور، وإن كان قديماً فهو واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب.. وأما الكلام في قولنا: كل محدث فلابد له من فاعل، وصانع، فموضعه ههنا وهو أن يقال: كل محَدث فهو ممكن الوجود لذاته، وكل ما كان ممكن الوجود لذاته، فله فاعل وصانع، ينتج أن كل محدث فله فاعل. وفي هذا الطريق يستدل بحدوث الأجسام على كونها ممكنة الوجود، ثم يستدل بإمكانها هذا، على افتقارهما إلى الفاعل"٣. وقد استدلوا على حدوث الأجسام بحدوث الأعراض٤. يقول الباقلاني في شرح ذلك: "جميع العالم العلوي، والسفلي، لا يخرج عن هذين الجنسين، أعني الجواهر والأعراض، وهو محدث بأسره؛ والدليل على حدثه ما قدمناه من إثبات الأعراض. والأعراض حوادث؛

стр. 315

والدليل على حدوثها بطلان الحركة عند مجيء السكون؛ لأنها لولم تبطل عند مجيء السكون، لكانا موجودين في الجسم معاً، ولوجب لذلك أن يكون متحركاً ساكناً معاً؛ وذلك مما يعلم فساده ضرورة. والدليل على حدوث الأجسام أنها لم تسبق الحوادث، ولم توجد قبلها؛ وما لم يسبق المحدث محدث كهو؛ إذ كان لا يخلو أن يكون موجوداً معه أو بعده؛ وكلا الأمرين يوجب حدوثه. والدليل على أن الجسم لا يجوز أن يسبق الحوادث أنا نعلم باضطرار أنه متى كان موجوداً فلا يخلو أن يكون متماس الأبعاض مجتمعاً، أو متبايناً مفترقاً؛ لأنه ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة، أو متباينة منزلة ثالثة؛ فوجب ألا يصح أن يسبق الحوادث؛ وما لم يسبق الحوادث، فواجب كونه محدثاً؛ إذ كان لا بد أن يكون إنما وجد مع وجودها، أو بعدها؛ فأي الأمرين ثبت، وجب به القضاء على حدوث الأجسام"١. ٣ - مناقشة الدليل: هذا الدليل باطل من عدة أوجه: أولاً: أنهم يقولون إن الإيمان بالرب موقوف على هذا الدليل، مع أنه لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين، ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب والإيمان به موقوفة عليه، للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله، ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين٢. كما أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا أحدا بسلوك هذا السبيل، فلو كانت المعرفة موقوفة عليه، وهي واجبة، لكان واجباً، وإن كانت مستحبة، كان مستحباً، ولو كان واجباً، أو مستحباً، لشرعه رسول الله ﷺ ، ولو كان مشروعاً لنقلته الصحابة٣. ثانياً: أن الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات، المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها؛ على وجود الخالق ، فحدوث الإنسان

стр. 316

يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين، والذي في القرآن هو الأول لا الثاني؛ كما قال - تعالى -: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور - ٣٥] ، فنفس حدوث الحيوان، والنبات، والمعدن، والمطر، والسحاب، ونحو ذلك معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة١. ثالثاً: أنهم بنوا دليلهم على أن أجسام العالم محدثة، وكل محدث فله محدث، أما المقدمة الأولى فقد تبين تناقضهم فيها، وأنهم التزموا لأجلها أما جحد صفات الله، وأفعاله القائمة به، وإما جحد بعض ذلك، وأنهم اشترطوا في خلق الله - تعالى - للعالم، ما ينافي خلق العالم، فسلطوا عليهم أهل الملل، والفلاسفة جميعا٢. فقد سبق خلافهم في تعريف الجسم، وفيما يتركب منه الجسم، وأنهم رتبوا عليه نفي الصفات أو بعضها عن الله - تعالى -. رابعاً: أن المقدمة الثانية في دليلهم "وكل محدث فله محدث" أظهر وأعرف وأبْده في العقول من أن تحتاج إلى بيان، فبنوها على أن كل محدث، فهو ممكن الوجود، وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود، وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها، مع أن القول بافتقار المحَدث، إلى المحِدث أبين وأظهر في العقل، من القول بافتقار الممكن، إلى المؤثر الموجود، فبتقدير بيانهم للمقدمتين، يكونون قد طولوا، وداروا بالعقول، دورة تبعد على العقول معرفة الله - تعالى -، والإقرار بثبوته، وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود٣. خامساً: أن بعض الفلاسفة قد بينوا فساد هذا الدليل، ومنهم ابن رشد، يقول في نقد هذا الدليل: "وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ - وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد -، طريقة معتاصة، تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا

стр. 317

عن الجمهور. ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية، ولا مفضية بيقين، إلى وجود الباري - سبحانه -"١. وبهذا يتبين أن دليل حدوث الأجسام، الذي يعول عليه جمهور المتكلمين في إثبات وجود الله، دليل غير صحيح، وذلك بالنظر في مقدماته، فالمقدمة الأولى قد حوت مصطلحات مجملة لا يمكن تمييز الخالق فيها عن المخلوق، كما تناقضوا فيها، وقد أفضت بهم إلى لوازم فاسدة كنفي الصفات. والثانية مقدمة بديهية لا تحتاج إلى هذا التعقيد، والإطالة، كما فعلوا. وخلاصة دليلهم وهو أن المُحدَث يحتاج إلى مُحدِث أمر معروف بالضرورة، لا يحتاج إلى نظر. وقد سلكوا في إثبات ذلك طريقة لم تأت في الشرع، ومع ذلك جعلوا معرفة الرب والإيمان به موقوفة عليه!.

стр. 318

حدوث الصفات "حدوث الأعراض " ١ - معناه في اللغة: سبق بيان معنى الحدوث، ومعنى الصفات، والأعراض، في اللغة١. ٢ - معنى هذا الدليل في اصطلاح المتكلمين: يقول الرازي في بيان هذا الدليل: "الاستدلال بحدوث الصفات، والأعراض، على وجود الصانع - تعالى -، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضاً حادثة، والعبد غير قادر عليها، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري، ادعى الضرورة هنا، ومن استدل على ذلك بالإمكان، أو بالقياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول أيضاً في حدوث الصفات"٢. فاستدلالهم بهذا الدليل من ثلاثة طرق: ١ - بعضهم يقول الصفات حادثة، والحادث لابد له من محدث ضرورة. ٢ - وبعضهم يقول الصفات حادثة، والحادث ممكن، والممكن لابد له من واجب. ٣ - وبعضهم يقول الصفات حادثة، فلابد لها من محدث قياساً على حدوث الذوات. ٣ - مناقشة الدليل: أولاً: هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن، وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير العقلاء من الآدميين. فإن الله - سبحانه - يذكر في آياته ما يحدثه في العالم؛ من السحاب والمطر والنبات والحيوان، وغير ذلك من الحوادث، ويذكر في آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك، لكن القائلين بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، يسمون هذا استدلالاً

стр. 319

بحدوث الصفات؛ بناء على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها، بل الجواهر، والأجسام، التي كانت موجودة قبل ذلك؛ لم تزل من حين حدوثها، بتقدير حدوثها، ولا تزال موجودة، وإنما تغيرت صفاتها، بتقدير حدوثها، كما تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون، وكما تتغير ألوانه، وكما تتغير أشكاله، وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين، وغيرهم١. ثانياً: أن الاستدلال بحدوث الصفات على طريقتهم، أخفى من الاستدلال بحدوث الأجسام، إذ حدوث الأجسام ظاهر، كما أن الصفة تبع للجسم، فإذا ثبت حدوث الجسم، ثبت حدوث الصفة. ثالثاً: أن حقيقة قول الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، أن الرب لم يزل معطلاً فلا يفعل شيئاً، ولا يتكلم بمشيته وقدرته، ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئاً، بل إنما تحدث صفات تقوم بها، ويدعون أن هذا قول أهل الملل الأنبياء وأتباعهم٢، وهذا باطل. رابعاً: أن من اعتمد في حدوث الصفات، على أن هذا يدل على الإمكان، والممكن لابد له من واجب، فقد أطال الدليل بدون حاجة، واستدل على الأظهر بالأخفى، وهذا بلاشك يبعد عن المقصود. فالصواب إذاً هو الاستدلال بحدوث المخلوقات على الخالق العظيم، وليس الاقتصار على حدوث صفاتها، كما ينبغي أن يكون الدليل خالياً من الألفاظ المجملة؛ لأنها سبب الاضطراب والاختلاف.

стр. 320

الإحكام والإتقان ١ - معنى الإحكام والإتقان في اللغة: قال الخليل: "الحكمة مرجعها إلى العدل والعلم والحلم، ويقال أحكمته التجارب، إذا كان حكيماً، وأحكم فلان عني كذا، أي منعه.. وكل شيء منعته من الفساد فقد حكَمته، وحكَّمته وأحكمته"١. وقال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع. وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم. وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال حكمت الدابة وأحكمتها. ويقال حكمت السفيه، وأحكمته، إذا أخذت على يديه"٢. وقال الجوهري: "والحكم أيضا الحكمة من العلم. والحكيم العالم، وصاحب الحكمة، والحكيم المتقن للأمور..وأحكمت الشيء فاستحكم، أي صار محكماً"٣، والإتقان في اللغة - كما قال الخليل - الإحكام٤، وفي اللسان: "وأتقن الشيء أحكمه، وإتقانه إحكامه، والإتقان الإحكام للأشياء" ٥. ٢ - معنى الإحكام والإتقان في الشرع: فالإحكام والإتقان معناهما واحد، وهو ضبط الشيء ومنع وقوع الفساد والخلل فيه. وقد ورد الفعل من لفظ الإحكام، والإتقان، في كتاب الله - تعالى - ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود - ١] وقوله - سبحانه -: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل - ٨٨] . وهو بمعناها في اللغة.
следующие страницы →