يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين، والذي في القرآن هو الأول لا الثاني؛ كما قال - تعالى -: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور - ٣٥] ، فنفس حدوث الحيوان، والنبات، والمعدن، والمطر، والسحاب، ونحو ذلك معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة١.
ثالثاً: أنهم بنوا دليلهم على أن أجسام العالم محدثة، وكل محدث فله محدث، أما المقدمة الأولى فقد تبين تناقضهم فيها، وأنهم التزموا لأجلها أما جحد صفات الله، وأفعاله القائمة به، وإما جحد بعض ذلك، وأنهم اشترطوا في خلق الله - تعالى - للعالم، ما ينافي خلق العالم، فسلطوا عليهم أهل الملل، والفلاسفة جميعا٢. فقد سبق خلافهم في تعريف الجسم، وفيما يتركب منه الجسم، وأنهم رتبوا عليه نفي الصفات أو بعضها عن الله - تعالى -.
رابعاً: أن المقدمة الثانية في دليلهم "وكل محدث فله محدث" أظهر وأعرف وأبْده في العقول من أن تحتاج إلى بيان، فبنوها على أن كل محدث، فهو ممكن الوجود، وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود، وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها، مع أن القول بافتقار المحَدث، إلى المحِدث أبين وأظهر في العقل، من القول بافتقار الممكن، إلى المؤثر الموجود، فبتقدير بيانهم للمقدمتين، يكونون قد طولوا، وداروا بالعقول، دورة تبعد على العقول معرفة الله - تعالى -، والإقرار بثبوته، وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود٣.
خامساً: أن بعض الفلاسفة قد بينوا فساد هذا الدليل، ومنهم ابن رشد، يقول في نقد هذا الدليل: "وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ - وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد -، طريقة معتاصة، تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا
стр. 317
عن الجمهور. ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية، ولا مفضية بيقين، إلى وجود الباري - سبحانه -"١.
وبهذا يتبين أن دليل حدوث الأجسام، الذي يعول عليه جمهور المتكلمين في إثبات وجود الله، دليل غير صحيح، وذلك بالنظر في مقدماته، فالمقدمة الأولى قد حوت مصطلحات مجملة لا يمكن تمييز الخالق فيها عن المخلوق، كما تناقضوا فيها، وقد أفضت بهم إلى لوازم فاسدة كنفي الصفات. والثانية مقدمة بديهية لا تحتاج إلى هذا التعقيد، والإطالة، كما فعلوا. وخلاصة دليلهم وهو أن المُحدَث يحتاج إلى مُحدِث أمر معروف بالضرورة، لا يحتاج إلى نظر. وقد سلكوا في إثبات ذلك طريقة لم تأت في الشرع، ومع ذلك جعلوا معرفة الرب والإيمان به موقوفة عليه!.
стр. 318
حدوث الصفات
"حدوث الأعراض "
١ - معناه في اللغة:
سبق بيان معنى الحدوث، ومعنى الصفات، والأعراض، في اللغة١.
٢ - معنى هذا الدليل في اصطلاح المتكلمين:
يقول الرازي في بيان هذا الدليل: "الاستدلال بحدوث الصفات، والأعراض، على وجود الصانع - تعالى -، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنساناً، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضاً حادثة، والعبد غير قادر عليها، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري، ادعى الضرورة هنا، ومن استدل على ذلك بالإمكان، أو بالقياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول أيضاً في حدوث الصفات"٢. فاستدلالهم بهذا الدليل من ثلاثة طرق:
١ - بعضهم يقول الصفات حادثة، والحادث لابد له من محدث ضرورة.
٢ - وبعضهم يقول الصفات حادثة، والحادث ممكن، والممكن لابد له من واجب.
٣ - وبعضهم يقول الصفات حادثة، فلابد لها من محدث قياساً على حدوث الذوات.
٣ - مناقشة الدليل:
أولاً: هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن، وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير العقلاء من الآدميين. فإن الله - سبحانه - يذكر في آياته ما يحدثه في العالم؛ من السحاب والمطر والنبات والحيوان، وغير ذلك من الحوادث، ويذكر في آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك، لكن القائلين بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، يسمون هذا استدلالاً
стр. 319
بحدوث الصفات؛ بناء على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها، بل الجواهر، والأجسام، التي كانت موجودة قبل ذلك؛ لم تزل من حين حدوثها، بتقدير حدوثها، ولا تزال موجودة، وإنما تغيرت صفاتها، بتقدير حدوثها، كما تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون، وكما تتغير ألوانه، وكما تتغير أشكاله، وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين، وغيرهم١.
ثانياً: أن الاستدلال بحدوث الصفات على طريقتهم، أخفى من الاستدلال بحدوث الأجسام، إذ حدوث الأجسام ظاهر، كما أن الصفة تبع للجسم، فإذا ثبت حدوث الجسم، ثبت حدوث الصفة.
ثالثاً: أن حقيقة قول الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، أن الرب لم يزل معطلاً فلا يفعل شيئاً، ولا يتكلم بمشيته وقدرته، ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئاً، بل إنما تحدث صفات تقوم بها، ويدعون أن هذا قول أهل الملل الأنبياء وأتباعهم٢، وهذا باطل.
رابعاً: أن من اعتمد في حدوث الصفات، على أن هذا يدل على الإمكان، والممكن لابد له من واجب، فقد أطال الدليل بدون حاجة، واستدل على الأظهر بالأخفى، وهذا بلاشك يبعد عن المقصود.
فالصواب إذاً هو الاستدلال بحدوث المخلوقات على الخالق العظيم، وليس الاقتصار على حدوث صفاتها، كما ينبغي أن يكون الدليل خالياً من الألفاظ المجملة؛ لأنها سبب الاضطراب والاختلاف.
стр. 320
الإحكام والإتقان
١ - معنى الإحكام والإتقان في اللغة:
قال الخليل: "الحكمة مرجعها إلى العدل والعلم والحلم، ويقال أحكمته التجارب، إذا كان حكيماً، وأحكم فلان عني كذا، أي منعه.. وكل شيء منعته من الفساد فقد حكَمته، وحكَّمته وأحكمته"١.
وقال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع. وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم. وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال حكمت الدابة وأحكمتها. ويقال حكمت السفيه، وأحكمته، إذا أخذت على يديه"٢.
وقال الجوهري: "والحكم أيضا الحكمة من العلم. والحكيم العالم، وصاحب الحكمة، والحكيم المتقن للأمور..وأحكمت الشيء فاستحكم، أي صار محكماً"٣، والإتقان في اللغة - كما قال الخليل - الإحكام٤، وفي اللسان: "وأتقن الشيء أحكمه، وإتقانه إحكامه، والإتقان الإحكام للأشياء" ٥.
٢ - معنى الإحكام والإتقان في الشرع:
فالإحكام والإتقان معناهما واحد، وهو ضبط الشيء ومنع وقوع الفساد والخلل فيه. وقد ورد الفعل من لفظ الإحكام، والإتقان، في كتاب الله - تعالى - ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود - ١] وقوله - سبحانه -: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل - ٨٨] . وهو بمعناها في اللغة.
стр. 321
٣ - معنى هذا الدليل في الاصطلاح:
من الآيات الواضحة التي جعلها الله دليلاً لعباده على معرفة وحدانيته، انتظام صنعته، وبدائع حكمته في خلق السماوات والأرض، وما أحكم فيها، وخلق الإنسان، والأرواح، وما ركب فيها، قال - تعالى -: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور﴾ [الملك - ٣] ١.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "أفعاله المحكمة المتقنة دلت على علمه، وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء، فإنهم يسلمون أن الإحكام والإتقان يدل على علم الفاعل، وهذا أمر ضروري عندهم وعند غيرهم، وهو من أعظم الأدلة العقلية التي يجب ثبوت مدلولها، والإحكام والإتقان إنما هو أن يضع كل شيء في محله المناسب، لتحصل به الحكمة المقصودة منه..وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة، قد بهرت العقلاء، واعترف بها جميع الطوائف، والفلاسفة من أعظم الناس إثباتاً لها، وهم يثبتون العناية والحكمة الغائية، وإن كان فيهم من قصر في أمر الإرادة والعلم، وكذلك المتكلمون كلهم متفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته، وإن كانوا في الإرادة وفعله لغاية متنازعين"٢.
ويقول الرازي في شرح هذا الدليل: "وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى"٣.
فإتقان الخلق وإحكامه من أعظم الأدلة على وجود الله، يتفق في هذا الدليل أهل السنة والفلاسفة والمتكلمون، وهو يدل على علم الفاعل وحكمته، والفلاسفة والمتكلمون يلزمهم الإقرار بثبوت ذلك لله من غير تقصير في مدلول العلم والحكمة، لأنه من لوازم هذا الدليل.
стр. 322
دليل التمانع
١ - معنى التمانع في اللغة:
سبق التعريف بلفظ الممتنع في اللغة، وقد بينت أن مادة منع تدل على عدم حصول الشيء وعدم وقوعه١.
ولم يرد مصطلح دليل التمانع في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، وورد معناه في قوله - تعالى -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون - ٩١] . كما سيأتي بيانه.
٢ - معنى دليل التمانع في الاصطلاح:
يستدل المتكلمون بدليل التمانع على وحدانية الله، يقول الرازي: "اعلم أنهم ذكروا أنواعاً من الدلائل، أقواها دليل التمانع "٢.
ويقول الباقلاني شارحاً دليل التمانع: "وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين، ولا أكثر من ذلك، والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا، ويوجِد أحدهما ضد مراد الآخر؛ فلو اختلفا، وأراد أحدهما إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، لوجب أن يلحقهما العجز، أو واحداً منهما؛ لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعاً لتضاد مراديهما. فوجب أن لا يتما، أو يتم مراد أحدهما، فيلحق من لم يتم مراده العجز. أو لا يتم مرادهما، فيلحقهما العجز. والعجز من سمات الحدث، والقديم الإله لا يجوز أن يكون عاجزاً"٣.
стр. 323
وقد ورد معنى هذا الدليل في كتاب الله قال - تعالى -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون - ٩١] .
قال ابن القيم ﵀: "فتأمل هذا البرهان الباهر، بهذا اللفظ الوجيز البين، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً، يوصل إلى عابده النفع، ويدفع عنه الضر، فلو كان معه - سبحانه - إله، لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره، وتفرده بالإلهية دونه فعل. وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه، وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضاً بممالكهم.
وإذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر، والعلو عليه فلا بد من أحد أمور ثلاثة:
إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض،
وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد، وملك واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم عليه، ولا يمتنعون من حكمه عليهم، فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون"١.
ودليل التمانع برهان تام على مقصود المتكلمين، وهو امتناع صدور العالم عن اثنين، وهذا هو توحيد الربوبية، وقد اعترض بعض النظار على هذا الدليل٢، وليس الأمر كما ظنه هؤلاء بل هو برهان صحيح عقلي، كما قدره فحول النظار٣.
ولكن من وجوه غلط المتكلمين في ذلك أنهم يدللون على التمانع بقوله - تعالى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء - ٢٢] ، بينما الآية التي تدل على التمانع هي قوله - تعالى -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون - ٩١] كما سبق بيان ذلك.
стр. 324
الفطرة
١ - معنى الفطرة في اللغة:
قال الخليل:" وفطر الله الخلق، أي خلقهم، وابتدأ صنعة الأشياء، وهو فاطر السماوات والأرض، والفطرة التي طبعت عليها الخليقة من الدين، فطرهم الله على معرفته بربوبيته..وانفطر الثوب وتفطر أيانشق، وتفطرت الجبال والأرضانصدعت"١.
وقال الجوهري: "والفِطْرة بالكسر الخلقة، وقد فطره يفْطُرُه بالضم فطراً، أي خلقه. والفَطْر أيضا الشق، يقال فطرته فانفطر.. وتفَطَّر الشيء تشقق..والفَطْر الابتداء والاختراع، قال ابن عباس ﵁: كنت لا أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها"٢.
وعلى هذا فلفظ فطر يدور معناه على الشق والابتداء والخلق.
٢ - معنى الفطرة في الشرع:
لقد ورد لفظ الفطرة في كتاب الله، في آية واحدة، هي قوله - تعالى -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم - ٣٠] ، كما ورد الفعل منه وهو فطر، ولفظ فاطر، وفطور، ومنفطر، في آيات كثيرة يدور معنى الفطر فيها على الخلق، والابتداء، والانشقاق.
وفي سنة الرسول ﷺ ورد لفظ الفطرة في أحاديث كثيرة، يهمنا منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة
стр. 325
جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم - ٣٠] "١.
وقد اختلف العلماء في معنى الفطرة في حديث أبي هريرة، وهي المذكورة في الآية السابقة على عدة أقوال منها:
القول الأول: أن الفطرة هي الإقرار بمعرفة الله - تعالى -، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعاً ومدبراً وإن سماه بغير اسمه، قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف - ٨٧] فكل مولود يولد على ذلك الإقرار٢.
القول الثاني: أن معنى كل مولود يولد على الفطرة، أي أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان٣.
القول الثالث: أن الفطرة هي الإسلام لكنها خاصة بالمؤمنين؛ لأنه لو فطر الناس جميعاً على الإسلام لما كفر أحد منهم، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص من أنه - تعالى - خلق أقواماً للنار، وأن غلام الخضر طبع كافراً٤.
القول الرابع: أن الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود، من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، ومثل هذا القول من قال: المراد بالفطرة، أن كل مولود يولد على السلامة خلقة، وطبعا، وبنية، ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ٥.
стр. 326
القول الخامس: الفطرة يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم. قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبدئ والمبتدىء١.
القول السادس: أن الفطرة ها هنا الإسلام، قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] على أن قالوا فطرة الله، دين الله الإسلام٢. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة منها٣:
١ - قول أبي هريرة في هذا الحديث: "اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] "، وذكروا عن عكرمة، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة، في قول الله : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] ، قالوا: فطرة الله، دين الله الإسلام.
٢ - ومما احتج به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام، قوله ﷺ : "خمس من الفطرة" ٤، يعني فطرة الإسلام.
٣ - والدلائل الدالة على أنه أراد على فطرة الإسلام كثيرة، كألفاظ الحديث التي في الصحيح مثل قوله "على الملة"، و "على هذه الملة" ٥.
٤ - ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: "خلقت عبادي حنفاء كلهم" ٦، ومثل تفسيرأبي هريرة، وغيره، من رواة الحديث، ذلك، وهم أعلم بما سمعوا.
стр. 327
وأيضا فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام؛ لما سألوا عقب ذلك: أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوا، والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.
وهذا القول هو الراجح في تفسير معنى الفطرة والله - تعالى - أعلم، وذلك لصراحة الأدلة التي استدلوا بها. والفطرة بهذا المعنى هي دليل من أدلة الربوبية التي غرسها الله في بني آدم وخلقهم عليها، وهي توحيده - سبحانه - وعدم الشرك به، ثم تتغير هذه الفطرة بما يجتالها من شياطين الجن، والأهواء والشهوات.
وفي نهاية هذا الفصل أرجو أن أكون قد رسمت صورة واضحة عن أدلة توحيد الربوبية، من خلال شرح المصطلحات المتعلقة بها، والتي بفهمها يمكن فهم تلك الأدلة والحكم عليها.
стр. 328
الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة ب الشرك في الربوبية
الشرك في الربوبية
...
الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية.
стр. 329
الشرك في الربوبية
١ - معنى الشرك في اللغة:
يقول ابن فارس: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة.
فالأول الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما."١
وفي الصحاح: "..وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم الشرك..والشرك أيضاً الكفر. وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركي"٢.
فالشرك لفظ يدل على اقتسام الشيء بين اثنين فأكثر، دون أن ينفرد به واحد.
وقد سبق بيان معنى الرب في اللغة وهو المالك والمصلح والمربي٣.
٢ - معنى الشرك في الشرع:
ورد لفظ الشرك في كتاب الله، وفي كلام رسوله ﷺ في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان - ١٣] وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [الجن - ٢٠] ، وغيرها كثير، ومن السنة مارواه أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين.." ٤، إلى غير ذلك من الأحاديث.
стр. 330
يقول شيخ الإسلام ﵀: "وأصل الشرك أن تعدل بالله - تعالى - مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده"١. وهذا التعريف شامل لأنواع الشرك، فمن عدل بالله غيره في بعض ما يستحقه وحده بأن اعتقد شريكاً لله في التصرف، أو الخلق، أو نحوه من صفات الربوبية، فهو مشرك، ومن عدل بالله غيره في بعض أنواع العبادة فهو مشرك، ومن عدل بالله غيره في بعض ما يستحقه وحده من الصفات فهو مشرك. فالشرك نوعان شرك في الربوبية وشرك في الألوهية.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀ معرفا الشرك بتعريف جامع: "بأن يجعل لله عدلاً بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد"٢.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "الشرك وهو اتخاذ إله مع الله"٣، سواء في الاعتقاد أو الفعل. وقال: "الشرك عبادة غير الله"٤. وهذا نوع من أنواع الشرك وهو الشرك في الألوهية، كما ذكر الشرك في بعض أضرب العبادة في موضع آخر، حيث يقول: "الشرك بالله وهو أن يدعو مع الله إلها آخر إما الشمس، وإما القمر، أو الكواكب..أو غير ذلك مما يدعى من دون الله - تعالى -، أو يستغاث به، أو يسجد له"٥.
فالشرك ينقسم إلى قسمين:
الأول: شرك بتعلق بذات المعبود، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وهذا هو الشرك في الربوبية.
الثاني: شرك في عبادته، ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٦.وهذا هو الشرك في العبادة والألوهية.
стр. 331
٣ - معنى الشرك في الربوبية في الشرع:
يقول شيخ الإسلام ﵀ أن معنى الشرك في الربوبية هو:" إثبات فاعل مستقل غير الله"١، ويمثل لذلك بقوله: "كمن يجعل الحيوان مستقلاً بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول، أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلاً بشيء من الإحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل"٢. كما عرف الشرك في الربوبية بقوله: "بأن يجعل لغيره معه تدبيراً ما"٣.
والشرك في الربوبية نوعان٤:
الأول: شرك التعطيل.
الثاني: شرك من جعل مع الله إلهاً آخر، ولم يعطل أسماءه، وربوبيته، وصفاته.
ومثال النوع الأول شرك أهل وحدة الوجود، وشرك القائلين بقدم العالم، وشرك المعطلة من الجهمية وأمثالهم.
ومثال النوع الثاني شرك النصارى القائلين بالتثليث، وشرك المجوس الثنوية، وشرك الصابئة٥، وعباد الشمس والنار ونحوها.
فالشرك في الربوبية هو أن تجعل لغير الله قدرة على الخلق، أو التصرف، والتدبير في الكون مع الله.
стр. 332
التعطيل
١ - معنى التعطيل في اللغة:
قال الخليل: "العطل فقدان القلادة، عطلت تعطل عطلاً وعطولاً، فهي عاطل وهن عواطل"١.
وجاء في الصحاح:" والعطل أيضاً، مصدر عطلت المرأة، وتعطلت، إذا خلا جيدها من القلائد..وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء، وإن كان أصله في الحلي"٢.
وقال ابن فارس: "العين والطاء واللام أصل صحيح واحد، يدل على خلو وفراغ. تقول: عطلت الدار، ودار معطلة. ومتى تركت الإبل بلا راع، فقد عطلت"٣. وجاء في القرآن الكريم قوله - تعالى -: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج - ٤٥] .
فالتعطيل يدل على خلو الشيء وفراغه مما ينبغي له.
٢ - معنى التعطيل في الشرع:
أصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام - كما يقول الإمام ابن القيم -: "تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع - سبحانه - عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد"٤. والنوع الأول والثاني من أنواع التعطيل هي من الشرك في الربوبية، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب - تعالى - وأوصافه، وأفعاله، من غلاة الجهمية والقرامطة.
стр. 333
يقول شيخ الإسلام ﵀: "فمن نفى ما لا بد منه كان معطلاً"١.
وقيل: "المعطلة الذين يزعمون أن الأشياء كائنة من غير تكوين، وأنه ليس لها مكون ولا مدبر"٢.
وفي مفاتيح العلوم: "المعطلة: الذين لا يثبتون الباري "٣.
فالتعطيل هو نفي وإنكار الخالق، أو نفي شيء من صفات الربوبية، أو عدم القيام بما يجب له من العبادة.
стр. 334
الزندقة
١ - معنى الزندقة في اللغة:
قال الخليل: "الزنديق ألاّ يؤمن بالآخرة وبالربوبية"١.
وقال الجوهري:" الزنديق من الثنوية، وهو معرب، والجمع الزنادقة، والهاء عوض من الياء المحذوفة، وأصله الزناديق، وقد تزندق والاسم الزندقة"٢.
وفي لسان العرب: "الزنديق القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية زند كراي، يقول بدوام بقاء الدهر، والزندقة الضيق وقيل الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه"٣.
فلفظ الزندقة إذاً فارسي معرب، وهو يعني إنكار الربوبية، والقول ببقاء الدهر.
٢ - معنى الزندقة في الاصطلاح:
لفظ الزندقة لا يوجد في القرآن، كما لا يوجد في كلام النبي ﷺ ، وهو لفظ أعجمي معرب أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام، وعرب، وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك، فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر٤، وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً أو وثنياً، وسواء كان معطلاً للصانع وللنبوة أو للنبوة فقط أو لنبوة نبينا فقط، فهذا زنديق وهو منافق٥.
стр. 335
وسئل مالك ﵀ عن الزندقة فقال: ما كان عليه المنافقون على عهد رسول الله ﷺ من إظهار الإيمان وكتمان الكفر هو الزندقة عندنا اليوم١.
وذكر الخوارزمي في مفاتيح العلوم أن الزنادقة هم المانوية، وكانت المزدكية يسمون بذلك، ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ، وكان قاضي قضاة المجوس، وزعم أن الأموال والحرم مشتركة، وأظهر كتاباً سماه زند، وهو كتاب المجوس الذي جاء به زرادشت، الذي يزعمون أنه نبيهم، فنسب أصحاب مزدك إلى زند، فقيل زندي، وأعربت الكلمة فقيل للواحد زنديق، وللجماعة زنادقة٢.
وقيل: "الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر"٣.
ويقسم الغزالي الزندقة إلى قسمين:
زندقة مطلقة: وهو أن ينكر أصل المعاد عقلياً وحسياً وينكر الصانع للعالم أصلاً.
زندقة مقيدة: وهي إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية، وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور. فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء.
واستدل على هذا التقسيم بحديث موضوع وهو "ستفترق أمتي نيفاً وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة"٤.وجعل الزندقة المقيدة هي معنى زنادقة هذه الأمة٥.
قال شيخ الإسلام: "أما هذا الحديث فلا أصل له، بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ"٦.
وتقسيمه المذكور غير صحيح، والتحقيق أن أصل الزنادقة هم من الفرس الثنوية، وظهر الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل،
стр. 336
ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر١.
فلفظ الزنديق في الاصطلاح يعني المنافق الذي يبطن الكفر، ويظهر الإسلام.
стр. 337
الإلحاد
١ - معنى الإلحاد في اللغة:
قال الخليل: "..والرجل يلتحد إلى الشيء: يلجأ إليه ويميل، يقال: ألحد إليه ولحد إليه بلسانه أي مال، ويُقرأ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ [النحل - ١٠٣] و ﴿يَلْحَدون﴾ . وألحد في الحرم، ولا يقال لحد إذا ترك القصد ومال إلى الظلم"١.
وقال الجوهري: "ألحد في دين الله، أي حاد عنه وعدل، ولحد لغة فيه. وقريء ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل - ١٠٣] ، والتحد مثله. وألحد الرجل أي ظلم في الحرم، وأصله من قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج - ٢٥] "٢.
وقال ابن فارس: "اللام والحاء والدال أصل يدل على ميل عن استقامة، يقال: ألحد الرجل، إذا مال عن طريقة الحق والإيمان"٣، واللحد الشق الذي يكون في جانب القبر موضع الميت، لأنه قد أميل عن وسط إلى جانبه٤.
وعلى هذا فلفظ الإلحاد في اللغة يعني الميل، والظلم، والعدول عن الاستقامة أو الدين أو الحق، وهو معناه في كتاب الله - تعالى -.
стр. 338
٢ - معنى الإلحاد في الشرع:
ورد لفظ الإلحاد في كتاب الله - تعالى -، قال : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج - ٢٥] كما ورد الفعل منه في قوله - تعالى -: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل - ١٠٣] . ومعنىالإلحاد هو الشرك والميل والتكذيب، يقول الطبري ﵀: "عن ابن عباس في قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف - ١٨٠] قال: الإلحاد التكذيب، وقال آخرون: معنى ذلك يشركون"١.
ويذكر الطبري ﵀ معنى الإلحاد فيقول: "الإلحاد في الدين وهو المعاندة بالعدول عنه والترك له"٢.
وقال الراغب: "وألحد فلان مال عن الحق، والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني: يوهن عراه ولا يبطله"٣.
فلفظ الإلحاد يقتضى ميلاً عن شيء إلى شيء بباطل٤.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀ في تعريف الإلحاد في أسماء الله: "والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها"٥، وقال أيضاً في بيان معنى هذا اللفظ: "الإلحاد في أسماء الله تارة يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارة يكون بإنكار المسمى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها"٦.
وشرح هذا التعريف يكون ببيان أنواع الإلحاد في أسماء الله، فالإلحاد في أسمائه - تعالى - أنواع:
أحدها: أن تسمى الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهاً، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم، وآلهتهم الباطلة.
стр. 339
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية الفلاسفة له موجباً بذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود إنه فقير، وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه.
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني.
وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه - تعالى الله عما يقول المشبهون علواً كبيراً - ١.فهذا كله من الإلحاد في أسمائه - سبحانه -.
٣ - الإلحاد المعاصر:
الإلحاد المصطلح عليه في هذا العصر يعني إنكار وجود الله، والقول بأن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة، وما تستتبع من شعور وفكر عند الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة٢.
ولم يكن الإلحاد في التاريخ الإنساني ظاهرة بارزة، ذات تجمع بشري، أو مذهباً مدعماً بمنظمات ودول، وإنما كان ظاهرة فردية شاذة، وربما اجتمع عليه فئات قليلة، وانتشر الإلحاد منذ القرن التاسع عشر، حيث صيغت العلوم الإنسانية، وجذور العلوم البحتة، على أسس الإلحاد بالله، والتفسيرات المادية٣، وانتشر انتشاراً لا سابق له في الجاهليات القديمة.
إلا أنه في أواخر القرن العشرين، وبداية الحادي والعشرين، عمت موجة من التدين في الأوساط الغربية الملحدة، وشهد العالم سقوط الشيوعية، ثم بدأنا نشاهد عودة مايسمى باليمين المسيحي المتطرف، كل ذلك بعد أن ذاقوا ويلات البعد عن الدين، والعيش في ظلمة
стр. 340
الإلحاد. إلا أن هذا لم يعني نهاية الإلحاد، بل قد بقي الإلحاد متغلغلاً في تلك الأوساط، مرتدياً عباءة العلم، والحضارة.
٤ - أئمة ومذاهب فكرية إلحادية:
أئمة الإلحاد من الفلاسفة كثيرون، منذ عهد الإغريق، حتى عصرنا الحاضر، وهم الذين كانت لهم آراء ظاهرة، حاولوا فيها تفسير الوجود، والكون، وظاهراته، والتغيرات التي تجري فيه، تفسيرات تستبعد استبعاداً كلياً فكرة وجود خالق، ومن هؤلاء:
١ - ديموقريطس، وهو فيلسوف إغريقي "٤٧٠ - ٣٦١ق. م".
٢ - أبيقور، وهو فيلسوف إغريقي "٣٤١ - ٢٧٠ق. م".
٣ - توماس هوبز، فيلسوف إنجليزي، وهو أول الماديين المحدثين "١٥٨٨ - ١٦٧٩م".
٤ - دافيد هيوم، فيلسوف اسكتلندي "١٧١١ - ١٧٧٦م".
٥ - شوبنهور، فيلسوف ألماني "١٧٨٨ - ١٨٦٠م".
٦ - كارل ماركس، يهودي ألماني مؤسس الشيوعية "١٨١٨ - ١٨٨٣م".
٧ - بخنر، فيلسوف ألماني "١٨٢٤ - ١٨٩٩م".
٨ - نيتشة، فيلسوف ألماني "١٨٤٤ - ١٩٠٠م".
٩ - سبنسر، فيلسوف إنجليزي "١٨٢٠ - ١٩٠٣م".
١٠ - برتراند رسل، فيلسوف إنجليزي "١٨٧٣ - ١٩٧٠م"١.
أما المذاهب التي بنيت على الإلحاد فمنها:
أولاً: الشيوعية:
الشيوعية مذهب اقتصادي اجتماعي، وضع له أساس اعتقادي فكري، قائم على إنكار وجود رب خالق لهذا الكون، وأن المادة هي كل الوجود، وأن أحداثها، وتغيراتها، مع أحداث التاريخ الإنساني، تخضع لقانون جبري مزعوم في المادة، على أنها صفة من صفاته الذاتية، أساسه فكرة فلسفية عنوانها "المادية الجدلية". والمذهب الاقتصادي وهو الاشتراكية
стр. 341
العلمية، أو الشيوعية، يقوم على إلغاء الملكية الفردية إلغاءً كاملاً، وتطبيق القاعدة "من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته"١٠
- المادية الجدلية:
الجدلية، أو "الديالكتيك"، مأخوذة من الكلمة اليونانية "دياليغو"، ومعناها المجادلة والمناظرة. ثم صارت مصطلحاً علمياً عند فلاسفة الإغريق، يدل على حركة التغير والتطور الملاحظة في أشياء هذا الكون، وكأن عناصر الكون تتجادل فيما بينها في حركة دائمة٢.
ويضيف الفيلسوف الألماني هيجل على ذلك تصوراً خاصاً لهذه الحركة الدائمة في الكون، حتى ظن هذا التصور قانوناً ثابتاً، تخضع له العمليات المنطقية الفكرية، وعمليات الكون، وحركة التاريخ الإنساني، لكنه اعتبر هذا القانون نظاماً للقوة الغيبية، المهيمنة على الكون والمتصرفة فيه.
أما التصور الذي رآه هيجل فهو أن الحركة الجدلية تكون في المطلق تصوره، وهو الذات الكلية التي تنتظم كل شيء، وكل الأشياء إنما هي تطور ونمو جدلي لهذه الذات الكلية، وأن حركة التغير تكون وفق دورات لولبية صاعدة، كل دورة على ثلاث مراحل، هي الوضع الأول، ثم انقلابه إلى نقيضه، ثم مركب الوضع ونقيضه بعد توحدهما بسقوط التناقض بينهما، وارتفاعهما بهذا التوحد إلى ما هو أسمى من الوضع ونقيضه.
وهكذا دواليك تتكرر حركة الجدلية، فيكون في الأشياء كلها تطور. وهيجل من فئة المثاليين الذين يؤمنون بالغيبي المجرد من الحسيات، لا من فئة الماديين، إلا أن كارل ماركس حذف من جدلية هيجل نظرتها المثالية المرتبطة بالله، وأضاف إليها نظرته المادية ليصبح مذهبه الفلسفي "المادية الجدلية"٣.
стр. 342
ثانياً: الداروينية:
الداروينية نسبة إلى تشارلز داروين "١٨٠٨ - ١٨٨٢م" الباحث الإنجليزي، مؤلف كتاب أصل الأنواع. وهو مذهب التحول أو التبدل، ويتلخص في أن الكائنات الحية في تطور دائم على أساس من الانتخاب الطبيعي، وبقاء الأصلح، فتنشأ الأنواع بعضها من بعض، ولاسيما النوع الإنساني الذي انحدر عن أنواع حيوانية١.
وهو ينفي يد الله من عملية الخلق كله، ويقرر أن الحياة وجدت على الأرض بالصدفة، في ظروف معينة. ومن مقولات داروين:"إن الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق"، كما قال: "إن الطبيعة تخبط خبط عشواء"٢.
ثالثاً: الوجودية:
مذهب يقوم على إبراز قيمة الوجود الفردي، وخصائصه وجعله سابقاً على الماهية، فهو ينظر إلى الإنسان على أنه وجود لا ماهية، وأن الإنسان مطلق الحرية في الاختيار، يصنع نفسه بنفسه، ويملأ الوجود على النحو الذي يلائمه٣.
ويرى سارتر - وهو من رواد الوجودية الإلحادية - أن قوله: "الإنسان حر" مرادف لقوله: "إن الله غير موجود"، لأن وجود الإنسان لا يخضع لماهية، أو طبيعة محددة، بل هو إمكان مستمر على الإنسان أن يحققه، فليس هناك طبيعة بشرية فرضت من الأزل، وليس الإنسان إلا ما يختاره لنفسه٤.
رابعاً - المذهب العقلي:
العقلانية أو المذهب العقلي هو القول إن المعرفة تنشأ عن المباديء العقلية القبلية والضرورية، لا عن التجارب الحسية، لأن هذه التجارب لا تفيد علماً كلياً.
стр. 343
كما يطلق على الإيمان بالعقل وبقدرته على إدراك الحقيقة، وذلك لأن قوانين العقل مطابقة لقوانين الأشياء الخارجية، وأن كل موجود معقول، وكل معقول موجود، والعقل قادر على الإحاطة بكل شيء دون عون خارجي يأتيه من القلب أو الغريزة أو الدين١.
فهو منهج فكري يعتمد أحكام العقل، من غير الاستناد إلى الدين أو التجربة، فكل ما يحيط بنا مردود إلى مبادىء عقلية.
خامساً - العلمانية:
بعد تيار العقلانية، جاءت النهضة العلمية الغربية المعاصرة، حيث ساد المذهب الحسي التجريبي، وكشفت التجارب التطبيقية كثيراً من الأغاليط التي كانت في المرحلة السابقة من ثمرات المذهب العقلي. فكانت العلمانية هي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل، ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين٢.
ولفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Secularism في الإنجليزية، وهي كلمة لاصلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق، والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية، أو الدنيوية، وهو ما لا صلة له بالدين، أو ماكانت علاقته بالدين علاقة تضاد٣.
ويبين معجم أكسفورد معنى كلمة " Secularism " فيقول: " Secularism الاعتقاد بأن القوانين، والتعليم، وغيرها من الأنظمة، يجب أن تبنى على الحقائق والعلم بدلاً عن الدين.
Secular ١ - ليس مهتماً بالشؤون لا الروحية ولا الدينية لهذا العالم، التعليم اللاديني، الفن والموسيقى اللاديني، القوى اللادينية للدولة.
٢ - لا ينتمي إلى مجتمع العُباَّد."٤.
فالعلمانية منهج للحياة لا يعترف بالدين، ولا يؤمن بما وراء الحياة الدنيا.
стр. 344
العلة
١ - معنى العلة في اللغة:
قال الخليل:"العَلَلُ الشربة الثانية.. والعِلَّة المرض، وصاحبها معتل، والعلة حدثٌ يشغل صاحبه عن وجهه"١.
وقال ابن فارس: "العين واللام أصول ثلاثة صحيحة، أحدها تكرر أو تكرير، والآخر عائق يعوق، والثالث ضعف في الشيء"٢. وهذا علة لهذا، أي سبب٣.
فالعلة في اللغة هي المرض، والحدث الذي يشغل صاحبه عن حاجته، وذكر ابن منظور اطلاق العلة على السبب.
٢ - معنى العلة في الشرع:
لم يرد لفظ العلة في كتاب الله، وورد لفظ العلة بمعنى المرض في السنة، ومنه قوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطب، ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة، فأحرقها عليهم" ٤.
وقد استخدم الأصوليون لفظ العلة وهي عندهم: ما يجب به الحكم٥.
ويقول شيخ الإسلام ﵀:"لفظ العلة يعبر به عن العلة التامة، وهو مجموع ما يستلزم الحكم.. ويعبر به عن المقتضي للحكم، الذى يتوقف اقتضاؤه على ثبوت الشروط وانتفاء
стр. 345
الموانع"١. فالعلة التامة يجب ثبوت الحكم بها، أما العلة بالمعنى الثاني فيتوقف ثبوت الحكم على وجود الشروط وانتفاء الموانع. وهذا المعنى الثاني قد يعبر عنه بلفظ السبب٢. فالعلة قد ترادف السبب، إلا أنها قد تغايره، فيراد بالعلة المؤثر، وبالسبب ما يفضي إلى الشيء في الجملة، أو ما يكون باعثاً عليه، وقيل السبب ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، أما العلة فهي ما يثبت به الحكم٣.
٣ - معنى العلة في اصطلاح الفلاسفة:
العلة مصطلح فلسفي، ذكره الفلاسفة المتقدمون أمثال أرسطو، وقد تلقف هذا المصطلح الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام، كابن سينا، والفارابي، وغيرهم، وتناولوه بالشرح والإضافة.
يقول ابن سينا: "حد العلة هي كل ذات وجود ذات آخر بالفعل، من وجود هذا بالفعل، ووجود هذا بالفعل، ليس من وجود ذلك بالفعل"٤.
ودخلت تعريفات أهل الفلسفة للعلة إلى كتب المتأخرين من المتكلمين، فنجد الرازي يحد العلة بحد يجمع أنواعها فيقول: "العلة ما يحتاج إليه الشيء في حقيقته، أو وجوده"٥.
وينتقد الرازي تعريف ابن سينا بأنه لا يتناول إلا العلة الفاعلية، قال: "فإن تكلفنا حتى أدخلنا العلة الغائية والصورية، فالعلة المادية على كل حال خارجة عنه"٦.
ويقول التفتازاني: "العلة ما يحتاج إليه الشيء، وإن كان إطلاقها ينصرف إلى ما يصدر عنه الشيء"٧.
ومعظم الفلاسفة المنتسبين للإسلام كالكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد يفضلون استعمال لفظ العلة على لفظ السبب، أما الغزالي وعلماء الكلام فإنهم يستعملون لفظ السبب
стр. 346
للدلالة على العلة١. بينما نجد المتأخرين من المتكلمين كالرازي، والتفتازاني، ونحوهم قد تابعوا الفلاسفة في استخدام لفظ العلة.
٤ - أقسام العلة:
العلة عند أرسطو أربعة أقسام: العلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية٢. وهناك من قسم العلة إلى تامة، وناقصة. والعلة الناقصة إلى علة الماهية وعلة الوجود. والعلة الماهية تنقسم إلى العلة المادية، والعلة الصورية. وعلة الوجود تنقسم إلى العلة الفاعلية والعلة الغائية٣. وفيما يلي التعريف بهذه الأنواع:
"١" - العلة التامة:
العلة التامة جميع ما يحتاج إليه الشيء، سواء كان هو الفاعل وحده، أو مع الغاية، أو مع غيرها٤.
"٢" - العلة الناقصة:
العلة غير التامة أو الناقصة هي بعض ما يحتاج إليه الشيء٥، وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - علة الماهية: وهي جزء لذلك الشيء، وهي ما يكون بها الشيء بالقوة أو الفعل، وتنقسم إلى العلة المادية، والعلة الصورية٦.
أ - العلة المادية:
العلة المادية هي ما به الشيء بالقوة كالخشب للسرير٧. وقال الرازي: "وعلة مادية وهي الجزء الذي لا يجب عند حصوله الشيء، بل إمكان حصوله"٨. وقد يسمى العلة القابلية٩.
стр. 347
ب - العلة الصورية:
العلة الصورية هي جزء يصير الكل به بالفعل؛ كالصورة السريرية للسرير١. وقال الرازي: "علة صورية وهي جزء الشيء الذي يجب عند حصوله الشيء"٢.
٢ - علة الوجود: وهي ليست جزءاً من الشيء، بل خارجة عنه، وتنقسم إلى العلة الفاعلية، والعلة الغائية٣.
أ - العلة الفاعلية:
العلة الفاعلية هي ما به وجود الشيء٤. وقال الرازي:"وعلة فاعلية وهي التي تكون سببا لحصول شيء آخر"٥. وقال الآمدي: "فأما العلة الفاعلية فعبارة عما وجود غيره مستفاد من وجوده، ووجوده غير مستفاد من وجود ذلك الغير؛ كالنجار بالنسبة إلى السرير"٦.
ب - العلة الغائية:
العلة الغائية هي ما لأجله الإيجاد، وهي علة بماهيتها إذ تقدمها إنما يكون في العقل، ومعلولة بوجودها؛ إذ وجودها يتوقف على تحقق المعلول٧.
"٣" - العلة الأولى:
العلة الأولى هي العلة التي لا علة لها، أو علة العلل، أو العلة النهائية، أو علة لكل وجود، ولعلة حقيقة كل وجود في الوجود٨. وهي المبدأ الأول عندهم، وهو الله - سبحانه -، والعلة الأولى عند ابن سينا وأتباعه هي علة فاعلية، أما أرسطو فقد أثبت العلة الأولى كعلة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، فلم يثبت علة فاعلية٩.
стр. 348
وحيث يذكر لفظ العلة مطلقاً يراد به الفاعلية، ويذكر البواقي بأوصافها١.
٥ - معنى المعلول عند الفلاسفة والمتكلمين:
المعلول هو كل ذات وجوده بالفعل من وجود غيره، ووجود ذلك الغير ليس من وجوده٢. وقيل: المعلول ما يحتاج إلى الشيء٣.
٦ - نقد أهل السنة لعقيدة الفلاسفة في العلة:
يتركز موقف أهل السنة في الإنكار على الفلاسفة في معنى العلة عندهم، وقولهم بأن الله هو العلة الأولى، وأن العالم معلول لعلة أزلية تامة، ومن الوجوه التي رد بها أهل السنة على الفلاسفة ما يلي:
أولاً: أن قولهم بالعلة التامة القديمة باطل، لأن العلة التامة القديمة يمتنع أن يحدث عنها شيء، فإنه يجب مقارنة معلولها لها في الأزل، والحادث ليس بمقارن لها في الأزل، وإذا قيل حدث عنها بحدوث الاستعداد والشرائط، قيل الكلام في كل ما يقدر حدوثه عن علة تامة مستلزمة لمعلولها، فإن حدوث حادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها محال، وهذا الإلزام صحيح لا محيد للفلاسفة عنه. وإذا قالوا حدث عنها أمور متسلسلة، واحد بعد واحد، قيل لهم الأمور المتسلسلة يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة؛ لأن العلة التامة القديمة، تستلزم معلولها، فيكون معها في الأزل، والحوادث المتسلسلة ليست معها في الأزل٤.
ثانياً: أن العلة الأولى التي يثبتها أرسطو لهذا العالم، إنما هي علة غائية، يتحرك الفلك للتشبه بها، وتحريكها للفلك من جنس تحريك الإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي، ولفظ الإله في لغتهم يراد به المتبوع، والإمام الذي يتشبه به، فالفلك عندهم يتحرك للتشبه بالإله، ولهذا جعلوا الفلسفة العليا، والحكمة الأولى، إنما هي التشبه بالإله على قدر الطاقة. وهذا القول من أعظم
стр. 349
الأقوال كفراً، وضلالاً، ومخالفةً لما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، ولهذا عدل متأخرو الفلاسفة عنه، وادعوا موجِباً، وموجَباً، كما زعمه ابن سينا وأمثاله١.
ثالثاً: إذا كان الصانع قديماً، وعلة تامة أزلية، لزم ألا يتأخر عنه شيء من معلوله، كما ذكروا، لأن المتأخر إن كان قد وجدت علته التامة في الأزل؛ لزم أن يكون أزلياً لا يتأخر، وإن لم يوجد فقد وجدت علته التامة بعد أن لم تكن. ثم القول في علة تلك العلة، كالقول في العلة التي هي معلول هذه، فيلزم ألا يكون لشيء من الحوادث علة تامة في الأزل، وهذا لازم لقولهم لا محيد عنه، فلا يكون لشيء من الحوادث فاعل، ولا محدث، وهذا غاية الجهل، والتعطيل، والسفسطة، وهم يعترفون بفساده. وإن كان المبدع، العلة التامة الأزلية، قد صدرت عنه الحوادث المتعاقبة، فهذا جمع بين النقيضين، إذ العلة التامة يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها٢.
رابعاً: قول الفلاسفة أن النفوس والعقول معلولة له، ومتولدة عنه، أعظم كفراً من قول من قال من مشركي العرب أن الملائكة بنات الله، قال الله - تعالى -: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام - ١٠٠] وهؤلاء المتفلسفة يقولون العقل بمنزلة الذكر، والنفس بمنزلة الأنثى، وكلاهما متولد عن الله - تعالى -، وأولئك كانوا يقولون إنه خلق الملائكة بمشيئته وقدرته، وأنه هو رب السماوات والأرض، وأما هؤلاء فيقولون إن العقول التي يسميها من يتظاهر بالإسلام منهم ملائكة، يقولون إنها معلولة متولدة عن الله، لم يخلقها بمشيئته وقدرته، ويقولون إنها هي رب العالم، فالعقل الأول أبدع كل ما سوى الله عندهم، والثاني أبدع ما سوى الله وسوى العقل الأول، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الفعال، المتعلق بفلك القمر، فيقولون إنه أبدع ما تحت الفلك، فهو عندهم المبدع لما تحت السماء، من هواء وسحاب وجبال وحيوان ونبات ومعدن، ومنه يفيض الوحي والعلم على الأنبياء وغيرهم٣.
стр. 350
خامساً: أن الذي أخبرت به الرسل، ودلت عليه العقول، واتفق عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، أن الله خالق كل شيء، وأن كل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث مسبوق بالعدم، وأما تغيير هولاء للفظ المحدث، وقولهم إنا نقول إنه محدث حدوثاً ذاتياً، بمعنى أنه معلول، فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، فإن المحدث معلوم أنه قد كان بعد أن لم يكن، وأنه مفعول أحدثه محدث إحداثاً. وما لم يزل ولا يزال فلا يسميه أحد من العقلاء في لغة من اللغات محدثاً١.
سادساً: أن ما يذكرونه من اقتران المعلول بعلته، فإذا أريد بالعلة ما يكون مبدعاً للمعلول، فهذا باطل بصريح العقل، وبهذا تقر جميع الفطر السليمة، فالإقرار بأنه خالق كل شيء يوجب أن يكون كل ما سواه محدثاً مسبوقاً بالعدم. وإن قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق، فهذا لا ينافي أن يكون خالقاً لكل شيء، وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم. وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليد، وحصول الشعاع عن الشمس، فليس هذا من باب الفاعل في شيء، بل هو من باب المشروط، والشرط قد يقارن المشروط، وأما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين، وإن لم يمتنع أن يكون فاعلاً لشيء بعد شيء٢.
سابعاً: أن العلة أصلها التغيير كالمرض الذي يحيل البدن عن صحته، والعليل ضد الصحيح، وقد قيل إنه لا يقال معلول إلا في الشرب، يقال شرب الماء علاً بعد نهل، وعللته إذا سقيته مرة ثانية، ولم يرد في لغة العرب المعنى الذي يذكره الفلاسفة للعلة والمعلول٣.
وبهذا يتبين ما يعنيه الفلاسفة بلفظ العلة والمعلول، ومقارنة المعلول لعلته، وأنهم يريدون بذلك أن العالم قديم أزلي، وهذا ينفي الخالق، والردود السابقة تبين شيئاً من ضلالهم، وباطلهم.
стр. 351
العقل
١ - معنى العقل في اللغة:
يقول الخليل في معنى العقل: "العقل نقيض الجهل، عقل يعقل عقلاً فهو عاقل، والمعقول ما تعقله في فؤادك.. وعقل بطن المريض بعدما استطلق، استمسك، وعقل المعتوه ونحوه، والصبي، إذا أدرك وزكا، وعقلت البعير عقلاً، شددت يده بالعقال أي الرباط.. وعقلت القتيل عقلاً، أي وديت ديته من القرابة لا من القاتل..والعقل في الرجل اصطكاك الركبتين، وقيل التواء في الرجل، والعقل ثوب تتخذه نساء الأعراب.. ويقال هي ضربان من البرود.. والعقل الحصن وجمعه العقول"١.
وقال ابن فارس عن العقل:" وهو الحابس عن ذميم القول والفعل"٢.
وقال الجوهري: "العقل الحجر والنهى ضد الحمق..رجل عاقل وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل العاقل الذي يحبس نفسه، ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتقل لسانه، إذا حبس ومنع الكلام..والعقل التثبت في الأمور، والعقل القلب..وعقل الشيء يعقله عقلاً فهمه..والعقل ضرب من المشط، يقال عقلت المرأة شعرها عقلاً"٣.
فالعقل إذاً يدل على الحبس والمنع والإمساك.
стр. 352
٢ - معنى العقل في الشرع:
لم يرد لفظ العقل في القرآن، وإنما ورد الفعل منه نحو يعقلون، وتعقلون، قال - تعالى -: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت - ٤٣] ، وفي القرآن الأسماء المتضمنة له كاسم الحجر والنهى والألباب ونحو ذلك. وكذلك في الحديث لا يكاد يوجد لفظ المصدر في كلام النبي، في حديث صحيح، إلا الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: "خرج رسول الله في أضحى، أو فطر، إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ فقال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل، ودين، أذهب للب الرجل الحازم، من إحداكن" ١.
وورد العقل في السنة بمعنى الدية، وبمعنى الإمساك، والربط، وهذا ليس هو محل البحث، بل محل البحث هو لفظ العقل الوارد في الحديث السابق.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض التعريفات للعقل ثم بين القول الصواب حيث يقول: "من الناس من يقول العقل هو علوم ضرورية، ومنهم من يقول العقل هو العمل بموجب تلك العلوم، والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا، وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان، التي بها يعلم، ويميز، ويقصد المنافع دون المضار"٢.
وعلى هذا فتعريف لفظ العقل هو أنه لفظ يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد به أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم.
стр. 353
٣ - معنى العقل في اصطلاح المتكلمين:
يقتصر المتكلمون في تعريفهم للعقل على أحد معانيه، فيقول الجويني: "العقل علوم ضرورية"١، وقال القاضي عبد الجبار: "العقل هو عبارة عن علوم مخصوصة"٢، وقال الرازي عن العقل أنه: "عبارة عن علوم كلية بديهية"٣. وقال أيضا: "العقل هو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة"٤، وهذا بمعنى التعريف السابق إلا أنه بألفاظ الفلاسفة. وقد وافق الرازي الفلاسفة في شرحه لأنواع العقول وتعدادها بل ورد على من يخالف ذلك، مخالفاً بذلك أئمة المتكلمين قبله. وهو كما قال شيخ الإسلام: "وكثير من الناس تجده تارة مع أهل الكلام، وتارة مع أهل الفلسفة؛ كالرازي، والآمدي، وغيرهما"٥.
وتعريف المتكلمين للعقل فيه نقص، فهو يقتصر على تعريف العقل بأنه علوم ضرورية، والعقل كما سبق غريزة بها يعلم، كما أنه العمل بالعلم، بالإضافة إلى كونه علوم ضرورية.
٤ - العقل في اصطلاح الفلاسفة:
اسم العقل عند الفلاسفة يطلق على ثمانية معان مختلفة:
أحدها: العقل الذي هو التصورات، والتصديقات، الحاصلة للنفس بالفطرة. وهذا المعنى هو الذي حد المتكلمون العقل به.
الثاني: العقل النظري، وهو قوة للنفس تقبل ماهيات الأمور الكلية، من جهة ما هي كلية.
الثالث: العقل العملي، وهو قوة للنفس هي مبدأ لتحريك القوة الشوقية، إلى ما يختار من الجزئيات، من أجل غاية معلومة، أو مظنونة.
وهذه قوة محركة، وليست من جنس العلوم، وإنما سميت عقلية لأنها مؤتمرة للعقل، مطيعة لإشاراته بالطبع.
стр. 354
ثم يقال لقوى كثيرة من العقل النظري عقل؛ فمن ذلك العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقول الفعالة.
الرابع: العقل الهيولاني، وهو قوة للنفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء، مجردة عن المواد، وبها يفارق الصبي الفرس وسائر الحيوانات، لا بعلم حاصر، ولا بقوة قريبة من العلم. وهي المرتبة الأولى للنفس الإنسانية، التي يسمونها الناطقة.
الخامس: العقل بالملكة، وهو استكمال العقل الهيولاني، حتى يصير بالقوة القريبة من الفعل، كما في الصبي عندما ينتهي إلى حد التمييز. وهي المرتبة الثانية للنفس الناطقة.
السادس: العقل بالفعل، وهو استكمال للنفس بصورة ما، أي صورة معقولة، حتى متى شاء عقلها، أو أحضرها بالفعل. وهي المرتبة الثالثة للنفس الناطقة.
السابع: العقل المستفاد، وهو ماهية مجردة عن المادة، مرتسمة في النفس على سبيل الحصول من خارج. وذلك بأن تكون المعلومات حاضرة في ذهنه، وهو يطالعها ويلابس التأمل فيها، وهو العلم الموجود بالفعل، الحاضر، وهي المرتبة الرابعة للنفس الناطقة١.
فالعقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، هي مراحل العقل للنفس الإنسانية التي يسمونها الناطقة، وهي عبارة عن قوة للنفس وقدرة على تصور الأشياء تبدأ من مجرد مفارقة الإنسان للحيوان، ثم تترقى إلى أن تصل إلى وجود المعلومات في الذهن والقدرة على تأملها ومطالعتها. وأما العقل العملي فهو القوة التي تحرك نحو الاختيار والعمل بأمر العقل النظري.
الثامن: العقل الفعال، وهو نمط آخر، وهو كل ماهية مجردة عن المادة أصلاً. وحده من جهة ما هو عقل أنه جوهر صوري، ذاته ماهية مجردة في ذاتها - لا بتجريد غيرها لها - عن المادة، وعن علائق المادة، بل هي ماهية كلية موجودة.
стр. 355
وحده من جهة ما هو فعال أنه جوهر بالصفة المذكورة، من شأنه أن يخرج العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل، بإشرافه عليه١. والعقول الفعالة هي العقول المفارقة.
والموجودات عند الفلاسفة ثلاثة أقسام:
أجسام وهي أخسها، وعقول فعالة وهي أشرفها؛ لبراءتها عن المادة وعلاقة المادة، حتى إنها لا تحرك المواد أيضاً إلا بالشوق، وأوسطها النفوس وهي تنفعل من العقل، وتفعل في الأجسام، وهي واسطة، ويعنون بالملائكة السماوية نفوس الأفلاك؛ فإنها حية عندهم، وبالملائكة المقربين، العقول الفعالة٢، وهي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها، لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام، والصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها٣.
العقل الكلي: هو المعنى المعقول، المقول على كثيرين مختلفين بالعدد، من العقول التي لأشخاص الناس، فلا وجود له في القوام، بل في التصور.
عقل الكل: يقال لمعنيين، لأجل أن الكل يقال لمعنيين: أحدهما: جملة العالم، والثاني: الجرم الأقصى، أي الفلك التاسع الذي يدور في اليوم والليلة، فيتحرك كل ما هو حشوه من السماوات كلها، فيقال لجرمه جرم الكل، ولحركته حركة الكل، وهو المراد بالعرش عندهم.
فعقل الكل باعتبار المعنى الأول، هو جملة الذوات المجردة عن المادة من جميع الجهات، التي لا تتحرك لا بالذات، ولا بالعرض، ولا تحرك إلا بالشوق. وآخر رتبة هذه الجملة، هو العقل الفعال، المخرج للنفس الإنسانية، في العلوم العقلية، من القوة إلى الفعل٤. وهم يقولون إن المبدأ لجميع الحوادث في هذا العالم إنما هو العقل الفعال٥.