← Акыда

Акыда · id 7547

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية

آمال بنت عبد العزيز العمرو

Полный текст (497 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

العقل ١ - معنى العقل في اللغة: يقول الخليل في معنى العقل: "العقل نقيض الجهل، عقل يعقل عقلاً فهو عاقل، والمعقول ما تعقله في فؤادك.. وعقل بطن المريض بعدما استطلق، استمسك، وعقل المعتوه ونحوه، والصبي، إذا أدرك وزكا، وعقلت البعير عقلاً، شددت يده بالعقال أي الرباط.. وعقلت القتيل عقلاً، أي وديت ديته من القرابة لا من القاتل..والعقل في الرجل اصطكاك الركبتين، وقيل التواء في الرجل، والعقل ثوب تتخذه نساء الأعراب.. ويقال هي ضربان من البرود.. والعقل الحصن وجمعه العقول"١. وقال ابن فارس عن العقل:" وهو الحابس عن ذميم القول والفعل"٢. وقال الجوهري: "العقل الحجر والنهى ضد الحمق..رجل عاقل وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل العاقل الذي يحبس نفسه، ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتقل لسانه، إذا حبس ومنع الكلام..والعقل التثبت في الأمور، والعقل القلب..وعقل الشيء يعقله عقلاً فهمه..والعقل ضرب من المشط، يقال عقلت المرأة شعرها عقلاً"٣. فالعقل إذاً يدل على الحبس والمنع والإمساك.

стр. 352

٢ - معنى العقل في الشرع: لم يرد لفظ العقل في القرآن، وإنما ورد الفعل منه نحو يعقلون، وتعقلون، قال - تعالى -: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت - ٤٣] ، وفي القرآن الأسماء المتضمنة له كاسم الحجر والنهى والألباب ونحو ذلك. وكذلك في الحديث لا يكاد يوجد لفظ المصدر في كلام النبي، في حديث صحيح، إلا الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: "خرج رسول الله في أضحى، أو فطر، إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ فقال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل، ودين، أذهب للب الرجل الحازم، من إحداكن" ١. وورد العقل في السنة بمعنى الدية، وبمعنى الإمساك، والربط، وهذا ليس هو محل البحث، بل محل البحث هو لفظ العقل الوارد في الحديث السابق. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض التعريفات للعقل ثم بين القول الصواب حيث يقول: "من الناس من يقول العقل هو علوم ضرورية، ومنهم من يقول العقل هو العمل بموجب تلك العلوم، والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا، وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان، التي بها يعلم، ويميز، ويقصد المنافع دون المضار"٢. وعلى هذا فتعريف لفظ العقل هو أنه لفظ يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد به أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم.

стр. 353

٣ - معنى العقل في اصطلاح المتكلمين: يقتصر المتكلمون في تعريفهم للعقل على أحد معانيه، فيقول الجويني: "العقل علوم ضرورية"١، وقال القاضي عبد الجبار: "العقل هو عبارة عن علوم مخصوصة"٢، وقال الرازي عن العقل أنه: "عبارة عن علوم كلية بديهية"٣. وقال أيضا: "العقل هو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة"٤، وهذا بمعنى التعريف السابق إلا أنه بألفاظ الفلاسفة. وقد وافق الرازي الفلاسفة في شرحه لأنواع العقول وتعدادها بل ورد على من يخالف ذلك، مخالفاً بذلك أئمة المتكلمين قبله. وهو كما قال شيخ الإسلام: "وكثير من الناس تجده تارة مع أهل الكلام، وتارة مع أهل الفلسفة؛ كالرازي، والآمدي، وغيرهما"٥. وتعريف المتكلمين للعقل فيه نقص، فهو يقتصر على تعريف العقل بأنه علوم ضرورية، والعقل كما سبق غريزة بها يعلم، كما أنه العمل بالعلم، بالإضافة إلى كونه علوم ضرورية. ٤ - العقل في اصطلاح الفلاسفة: اسم العقل عند الفلاسفة يطلق على ثمانية معان مختلفة: أحدها: العقل الذي هو التصورات، والتصديقات، الحاصلة للنفس بالفطرة. وهذا المعنى هو الذي حد المتكلمون العقل به. الثاني: العقل النظري، وهو قوة للنفس تقبل ماهيات الأمور الكلية، من جهة ما هي كلية. الثالث: العقل العملي، وهو قوة للنفس هي مبدأ لتحريك القوة الشوقية، إلى ما يختار من الجزئيات، من أجل غاية معلومة، أو مظنونة. وهذه قوة محركة، وليست من جنس العلوم، وإنما سميت عقلية لأنها مؤتمرة للعقل، مطيعة لإشاراته بالطبع.

стр. 354

ثم يقال لقوى كثيرة من العقل النظري عقل؛ فمن ذلك العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقول الفعالة. الرابع: العقل الهيولاني، وهو قوة للنفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء، مجردة عن المواد، وبها يفارق الصبي الفرس وسائر الحيوانات، لا بعلم حاصر، ولا بقوة قريبة من العلم. وهي المرتبة الأولى للنفس الإنسانية، التي يسمونها الناطقة. الخامس: العقل بالملكة، وهو استكمال العقل الهيولاني، حتى يصير بالقوة القريبة من الفعل، كما في الصبي عندما ينتهي إلى حد التمييز. وهي المرتبة الثانية للنفس الناطقة. السادس: العقل بالفعل، وهو استكمال للنفس بصورة ما، أي صورة معقولة، حتى متى شاء عقلها، أو أحضرها بالفعل. وهي المرتبة الثالثة للنفس الناطقة. السابع: العقل المستفاد، وهو ماهية مجردة عن المادة، مرتسمة في النفس على سبيل الحصول من خارج. وذلك بأن تكون المعلومات حاضرة في ذهنه، وهو يطالعها ويلابس التأمل فيها، وهو العلم الموجود بالفعل، الحاضر، وهي المرتبة الرابعة للنفس الناطقة١. فالعقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، هي مراحل العقل للنفس الإنسانية التي يسمونها الناطقة، وهي عبارة عن قوة للنفس وقدرة على تصور الأشياء تبدأ من مجرد مفارقة الإنسان للحيوان، ثم تترقى إلى أن تصل إلى وجود المعلومات في الذهن والقدرة على تأملها ومطالعتها. وأما العقل العملي فهو القوة التي تحرك نحو الاختيار والعمل بأمر العقل النظري. الثامن: العقل الفعال، وهو نمط آخر، وهو كل ماهية مجردة عن المادة أصلاً. وحده من جهة ما هو عقل أنه جوهر صوري، ذاته ماهية مجردة في ذاتها - لا بتجريد غيرها لها - عن المادة، وعن علائق المادة، بل هي ماهية كلية موجودة.

стр. 355

وحده من جهة ما هو فعال أنه جوهر بالصفة المذكورة، من شأنه أن يخرج العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل، بإشرافه عليه١. والعقول الفعالة هي العقول المفارقة. والموجودات عند الفلاسفة ثلاثة أقسام: أجسام وهي أخسها، وعقول فعالة وهي أشرفها؛ لبراءتها عن المادة وعلاقة المادة، حتى إنها لا تحرك المواد أيضاً إلا بالشوق، وأوسطها النفوس وهي تنفعل من العقل، وتفعل في الأجسام، وهي واسطة، ويعنون بالملائكة السماوية نفوس الأفلاك؛ فإنها حية عندهم، وبالملائكة المقربين، العقول الفعالة٢، وهي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها، لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام، والصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها٣. العقل الكلي: هو المعنى المعقول، المقول على كثيرين مختلفين بالعدد، من العقول التي لأشخاص الناس، فلا وجود له في القوام، بل في التصور. عقل الكل: يقال لمعنيين، لأجل أن الكل يقال لمعنيين: أحدهما: جملة العالم، والثاني: الجرم الأقصى، أي الفلك التاسع الذي يدور في اليوم والليلة، فيتحرك كل ما هو حشوه من السماوات كلها، فيقال لجرمه جرم الكل، ولحركته حركة الكل، وهو المراد بالعرش عندهم. فعقل الكل باعتبار المعنى الأول، هو جملة الذوات المجردة عن المادة من جميع الجهات، التي لا تتحرك لا بالذات، ولا بالعرض، ولا تحرك إلا بالشوق. وآخر رتبة هذه الجملة، هو العقل الفعال، المخرج للنفس الإنسانية، في العلوم العقلية، من القوة إلى الفعل٤. وهم يقولون إن المبدأ لجميع الحوادث في هذا العالم إنما هو العقل الفعال٥.

стр. 356

وعقل الكل باعتبار المعنى الثاني، فهو العقل الذي هو جوهر، مجرد عن المادة من كل الجهات، وهو المحرك بحركة الكل على سبيل التشويق لنفسه، ووجوده أول وجود مستفاد عن الموجود الأول١. وهم يقولون عن الله بأنه عقل وعاقل ومعقول، فهو عقل لأنه واجب الوجود، مجرد عن المادة، وعوارض المادة. وبما يعتبر له من أن هويته المجردة لذاته، فهو معقول لذاته، وبما يعتبر له من أن ذاته لها هوية مجردة، هو عاقل ذاته٢. فالله - عند الفلاسفة - عقل، صدر عنه عقل الكل وهو العقل الأول، وهو جوهر مجرد عن المادة، وهو المحرك بالحركة الشوقية. وهناك عقول أخرى تسمى عقل الكل، وهي العقول الفعالة، وهي الملائكة المقربون، وهي جواهر مجردة عن المادة، وهي تتحرك بالشوق. وعدد العقول بعد المبدأ الأول عشرة، وهو المشهور، وقيل أحد عشر، وذهب المعلم الأول إلى أنها خمسون٣. ٥ - الرد على الفلاسفة: تقسيم الفلاسفة للعقول بهذه الطريقة هو اصطلاح لهم بعباراتهم وهو غير ملزم، وإنما نناقشهم فيما اخطأوا فيه، أما تعريف العقل بأنه التصورات والتصديقات، فكما سلف هذا تعريف ناقص، فالعقل غريزة بها يعلم، وهي كذلك العلوم الضرورية، كما أنه العمل بالعلم. وأما قول الفلاسفة في العقول الفعالة المفارقة، وإطلاقهم لفظ العقل على الله - تعالى -، وتسمية النفس البشرية عقلاً، فباطل من وجوه: الأول: أن العقل في الكتاب، والسنة، وكلام الصحابة، والأئمة، ليس ملكاً من الملائكة، ولا جوهراً قائماً بنفسه بل هو العقل الذي في الإنسان. ولم يسم أحد من المسلمين قط

стр. 357

أحداً من الملائكة عقلاً، ولا نفس الإنسان الناطقة عقلاً بل هذه من لغة اليونان، ومن المعلوم أن حمل كلام رسول الله، أو كلام الله - تعالى - على ما لا يوجد في لغته التي خاطب بها أمته، ولا في لغة أمته، وإنما يوجد في لغة أمة لم يخاطبهم بلغتهم١، أمر باطل. الثاني: أن هؤلاء المتفلسفة يقولون إن العقول، التي يسميها من يتظاهر بالإسلام منهم ملائكة، يقولون إنها معلولة، متولدة، عن الله، لم يخلقها بمشيئته وقدرته، ويقولون إنها هي رب العالم، فالعقل الأول أبدع كل ما سوى الله عندهم، والثاني أبدع ما سوى الله وسوى العقل الأول، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الفعال، المتعلق بفلك القمر، فيقولون إنه أبدع ما تحت الفلك، فهو عندهم المبدع لما تحت السماء من هواء، وسحاب، وجبال، وحيوان، ونبات، ومعدن، ومنه يفيض الوحي، والعلم، على الأنبياء وغيرهم، وهذا من أعظم الأقوال منافاة لأقوال الرسل، وهو من أعظم الكفر في دين الله٢. الثالث: أن ما يدعونه من المجردات، والمفارقات؛ كالعقول، والنفوس، إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان٣. فما تدعي الفلاسفة إثباته من الجواهر العقلية، لا حقيقة لها في الخارج، وإنما هي أمور معقولة في الذهن، يجردها العقل من الأمور المعينة، كما يجرد العقل الكليات المشتركة بين الأصناف، كالحيوانية الكلية، والإنسانية الكلية، والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان٤. وهذا يفضي إلى إنكار وجود الملائكة. الرابع: أن إطلاقهم على الله لفظ العقل، إطلاق مبتدع، وهو يحمل معنى باطل، لأنه يتضمن نفي صفات الله - تعالى -، بل نفي وجوده.

стр. 358

النفس ١ - معنى النفس في اللغة: قال الخليل: "النَّفْس وجمعها النفوس لها معان: النفس الروح الذي به حياة الجسد، وكل إنسان نفس، حتى آدم ﵇، الذكر والأنثى سواء. وكل شيء بعينه نفس، ورجل له نفْس أي خلق وجلادة وسخاء، والنَّفَس التنفس أي خروج النسيم من الجوف، وشربت الماء بنفس وثلاثة أنفاس، وكل مستراح منه نفَس، وشيء نفيس متنافس فيه، ونفست به علي نفساً، ونفاسة، ضننت، ونَفُس الشيء نفاسة أي صار نفيساً"١. فالنفس في اللغة الروح، والنفس الدم، والجسد، والعين، ونفس الشيء عينه، وذاته، يؤكد به، يقال رأيت فلاناً نفسه، وجاءني بنفسه٢. ٢ - معنى النفس في الشرع: ورد لفظ النفس في كتاب الله - تعالى - في عدة مواضع، فورد بمعنى الروح كما في قوله - تعالى -: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام - ٩٣] ، فالنفس هنا بمعنى الروح٣، كما جاءت النفس بمعنى الذات، قال - تعالى -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة - ٢٣٥] ، وقال - تعالى -: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة - ١١٦] ، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران - ٢٨] ، فالنفس هنا بمعنى الذات٤، قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن نفس الله، التي هي ذاته المقدسة، الموصوفة بصفات الكمال، ليست مثل نفس أحد من المخلوقين، وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الحديث، وغيرهم، وفيهم طائفة من أصحاب الشافعي،

стр. 359

وأحمد، وغيرهما، إلى أن النفس صفة من الصفات، والصواب أنها ليست صفة، بل نفس الله هي ذاته - سبحانه -، الموصوفة بصفاته - سبحانه -"١. وفي السنة ورد لفظ النفس كثيراً بمعنى الذات، ومن ذلك قوله ﷺ : "من حلف على يمين الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه" ٢. كما ورد لفظ النفس بمعنى الروح٣، ومنه قوله ﷺ : "ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟ " قالوا: بلى، قال: "فذلك حين يتبع بصره نفسه" ٤. كما جاءت النفس بمعنى العين، ففي الحديث أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: "يا محمد اشتكيت فقال: "نعم"، قال: "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك" ٥، قال النووي ﵀: "وقوله: "من شر كل نفس"، قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي، وقيل يحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق على العين، ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى "من شر كل ذي عين" ٦، ويكون قوله "أو عين حاسد" من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شك من الراوي في لفظه والله أعلم"٧. فالنفس في الشرع جاءت بمعانيها في اللغة.

стр. 360

٣ - معنى النفس في اصطلاح الفلاسفة: يقول ابن سينا: "النفس اسم مشترك، يقع على معنى يشترك فيه الإنسان، والحيوان، والنبات، وعلى معنى يشترك فيه الإنسان، والملائكة. فحد المعنى الأول أنه كمال جسم طبيعي، آلي، ذي حياة بالقوة. وحد النفس بالمعنى الآخر أنه جوهر غير جسم هو كمال محرك له بالاختيار، عن مبدأ نطقي - أي عقلي - بالفعل، أو بالقوة، والذي بالقوة هو فصل النفس الإنسانية، والذي بالفعل هو فصل، أو خاصة، للنفس الملاكية"١. ومن خلال هذا التعريف يتضح أن النفس عند الفلاسفة تطلق على أمرين: "الجوهر المفارق عن المادة في ذاته دون فعله، وهو على قسمين: نفس فلكية، ونفس إنسانية. وعلى ما ليس بمجرد بل قوة مادية، وهو على قسمين أيضاً: نفس نباتية، ونفس حيوانية"٢. والنفس الكلية هي المعنى المقول على كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو، التي كل واحد منها نفس خاصة لشخص. ونفس الكل هي جملة الجواهر غير الجسمانية، التي هي كمالات مدبرة للأجسام السماوية، المحركة لها على سبيل الاختيار العقلي. ونفس الكل هو مبدأ قريب لوجود الأجسام الطبيعية، ومرتبته في نيل الوجود بعد مرتبة عقل الكل، ووجوده فائض عنه٣، وهي الملائكة السماوية٤. ويوضح ذلك أن النفس الإنسانية، وهي التي يسمونها النفس الناطقة، مقارنة للمادة في أفعالها، يعني لا تفعل إلا إذا كانت في المادة، ولكنها مجردة عنها في ذاتها - كما يرون -٥. وكذلك النفس الفلكية عندهم أنها مجردة عن المادة في ذاتها، ولكن لا تفعل إلا بواسطة

стр. 361

أجسامها من الأفلاك، قالوا: كل نفس فإنما جعلت خاصة بجسم، بسبب أن فعلها بذلك الجسم وفيه١. فالنفوس عند من يثبتها من المتفلسفة لا تفارق الأجسام، بل النفس عندهملا بد أن تكون متعلقة بالجسم، تعلق التدبير والتصريف، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه، سموها نفساً، فإذا فارقت سموها عقلاً؛ لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادة، وعن علائق المادة، وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن، تعلق التدبير والتصريف، وقد تنازعوا في النفس الفلكية، هل هي جوهر، أو عرض؟ على قولين أحدهما: أنها أعراض قائمة بالفلك، كالقوة الشهوية، والغضبية، وهذا قول أكثر أتباع أرسطو، والثاني: أنها جواهر قائمة بأنفسها كالنفس الناطقة، وإليه يميل ابن سينا وغيره٢. والمشهور عندهم أن النفوس الفلكية بعدد الأفلاك، فهي تسعة٣. ٤ - الرد على الفلاسفة: الحق أن تلك الآراء التي قال بها الفلاسفة، في العقول، والنفوس، ما هي إلا امتداد للوثنية القديمة عند اليونان، والتي ترى أن الكواكب أجسام سماوية، وأن لها نفوساً تحركها، وأن لحركاتها تأثيراً في نفوسنا، وأجسامنا، وكل كوكب يعتبر إلهاً عندهم٤. ففلاسفة اليونان شرحوا تلك الوثنيات بطريقة فلسفية، تلقفها من بعدهم بعض المنتسبين للإسلام كابن سينا والفارابي وأمثالهم. وقول الفلاسفة في النفوس باطل من وجوه عدة منها: أولاً: أن هذا التفسير للفظ النفس لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا في كلام الصحابة والتابعين، بل جاء لفظ النفس في الشرع بمعنى الروح، وبمعنى العين، والذات، ولم يرد إطلاق النفس على الملائكة فضلاً عن المعنى الذي ذكروه.

стр. 362

ثانياً: قولهم بأن النفوس الفلكية هي التي تدبر الأجسام السماوية، وأنها مبدأ قريب للأجسام الطبيعية، قول فاسد، وهو من الشرك في الربوبية، إذ المتفرد بتدبير الخلق، وإيجادهم هو الله وحده. ثالثاً: أنهم يقولون إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية، ويقولون إنالنفس الفلكية تعلم جزئيات حركات الفلك، بل ادعى ابن سينا ومن اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث؛ لعلمها بأسبابها؛ لأن سببها هو الحركة الفلكية١. واعتقادهم أن النفوس الفلكية عالمة بما يجري من حوادث قول باطل، فالنفوس الفلكية عندهم هي الملائكة، ولا تفعل إلا من خلال حلولها في الأفلاك السماوية، ومعلوم أن الملائكة خلق مسخر من خلق الله، وكل منهم موكل بعمل من الأعمال، وهي لا تعلم جميع ما يقع من حوادث بل لا تعلم إلا ما وكلت به. رابعاً: قولهم في النفس الإنسانية أنها جوهر، غير جسم، وأنها مفارقة للمادة في ذاتها، وأن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال، لا علوم ولا تصورات ولا سمع ولا بصر ولا إرادات ولا فرح وسرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد، ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلاً وأبداً، غير صحيح٢، وهو قول بغير علم، بل قد دلت الأدلة على أن النفس، وهي الروح، جسم حي خفيف متحرك يصعد وينزل ويُرى ويشار إليه، وأنها بعد مفارقتها البدن تكون إما معذبة، وإما منعمة، فهي تحس وتشعر بما يحدث لها بعد مفارقتها البدن. خامساً: أن قولهم بتولد النفوس عن الله شبيه بقول المشركين إن الملائكة بنات الله٣. فقول الفلاسفة في النفوس مكمل لقولهم في العقول، وهو ظاهر البطلان، ومصدره وثني بعيد عن الإسلام.

стр. 363

الصدور والفيض ١ - معنى الصدور في اللغة: إذا رجعنا إلى مادة صدر نجد أن الصَّدْرَ أعلى مُقَدَّمِ كل شيء وأوله، حتى إنهم ليقولون صدر النهار، والليل، وصدر الشتاء، والصيف١. وقال الخليل: "والصَّدْرُ: الانصراف عن الورد، وعن كل أمر، ويقال صَدروا، وأصدرناهم..والمصدر أصل الكلمة الذي تصدر عنه الأفعال، وتفسيره أن المصادر كانت أول الكلام كقولك الذهاب والسمع والحفظ، وإنما صدرت الأفعال عنه، فيقال ذهب ذهاباً، وسمع سمعاً"٢. والصَّدَرُ رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد، يقال صدر يصدر صُدُوراً وصَدَراً٣. فالصدور يعني الانصراف والرجوع. ٢ - معنى الصدور في الشرع: لقد ورد الفعل يَصْدُرُ، والفعل يُصْدِرَ ولفظ الصدر، مفرداً وجمعاً، بإضافات متنوعة في كتاب الله - تعالى -؛ ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة - ٦] وقوله - تعالى -: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص - ٢٣] ، قال الراغب: "وإذا عدي صدر بعن اقتضى الانصراف، تقول صدرت الإبل عن الماء صدرا، وقيل الصَّدْرُ، قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة - ٦] "٤. وورد في السنة قوله ﷺ في حديث أمارات الساعة: "والرجل يَلِطُ ٥ في حوضه فما يصدر حتى تقوم" ٦. والصدر هنا يعني الانصراف والرجوع، فهو على معناه في اللغة.

стр. 364

٣ - معنى الفيض في اللغة: قال الخليل: "فاض الماء والدمع والمطر والخير، يفيض فيضاً، أي كثر، وفاضت عينه، تفيض فيضاً أي سالت..وفاض صدر فلان بسره، إذا امتلأ فأظهره، والحوض فائض، أي ممتلىء فيضاً، وفيضوضة..وأفاض القوم من عرفات، أي رجعوا ودفعوا، وكل دفعة إفاضة"١. وقال ابن فارس: "الفاء والياء والضاد أصل صحيح واحد، يدل على جريان الشيء بسهولة، ثم يقاس عليه، من ذلك فاض الماء يفيض"١. فالفيض لفظ يدل على كثرة الشيء، وجريانه بسهولة. ٤ - معنى الفيض في الشرع: لم يرد مصطلح الفيض في كتاب الله، وورد الفعل منه، نحو قوله - تعالى -: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ﴾ [المائدة - ٨٣] أي تسيل، وقوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة - ١٩٨] قال الراغب: "أي دفعتم منها بكثرة، تشبيهاً بفيض الماء"٣. ومن السنة قوله ﷺ في حديث نزول عيسى ابن مريم: "فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" ٤، يفيض أي يكثر. فمعنى الفيض في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، هو المعنى الوارد في اللغة.

стр. 365

٥ - معنى الصدور والفيض في اصطلاح الفلاسفة: الصدور من مصطلحات الفلاسفة، وهو مرادف للفيض. ويعرف الصدور بأنه" فيض الكائنات على مراتب متدرجة من مبدأ واحد، ومنها يتألف العالم جميعه"١. ويطلق الفيض في اصطلاح الفلاسفة على فعل فاعل يفعل دائماً لا لعوض، ولا لغرض، وذلك الفاعل لا يكون إلا دائم الوجود، لأن دوام صدور الفعل عنه، تابع لدوام وجوده، وهو المبدأ الفياض، والواجب الوجود، الذي يفيض عنه كل شيء، فيضاً ضرورياً معقولاً٢. يقول ابن سينا: "وهو عقل محض يعقل ذاته، فيجب أن يعقل أنه يلزم وجود الكل عنه، لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلاً محضاً، ومبدأً أولَ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه. وليس في ذاته مانع، أو كاره، لصدور الكل عنه، وذاته عالمة بأن كماله، وعلوه، بحيث يفيض عنه الخير"٣، وقال: "وهو فاعل الكل، بمعنى أنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود، فيضاً تاماً مبايناًلذاته"٤. فنظرية الصدور والفيض تقابل الخلق، فهم يفسرون وجود العالم والكون عن طريق الصدور والفيض لا عن طريق الخلق. ٦ - الرد على الفلاسفة: إن مصطلح الصدور والفيض، الذي يستعمله الفلاسفة، ينطوي على عدة عقائد فاسدة، وقد تحدثوا عنه في مقام كلامهم عن صدور الكثير من الواحد، حيث إن الفلاسفة قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهذا بناء على المعنى الذي يريدونه بلفظ الواحد، المطلق على الله ، وهم يريدون بلفظ الصدور نفي الخلق، وجعل العالم لازم لذات الرب

стр. 366

أزلاً وأبداً، لذا رد عليهم أهل السنة، وبينوا الباطل الذي يعنونه بهذا المصطلح، ومن وجوه الرد عليهم: أولاً: أن معنى الصدور والفيض عند الفلاسفة، معنى مبتدع، ليس وارداً في لغة العرب، ولا في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، وإنما هو اصطلاح اصطلحوا عليه. ثانياً: معنى الواحد عندهم قد سبق بيانه١؛ وهو أن الله وجود مطلق لا صفة له، وقولهم إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، إنما يتم إذا أثبت موجوداً مجرداً لا صفة له، ولا نعت، وإلا فإذا كان الخالق موصوفاً بصفات متنوعة كالعلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، والرحمة، وبأفعال متنوعة كالخلق، والاستواء، ونحو ذلك، لم يكن واحداً عندهم بل كان مركباً وجسماً، وحينئذ فيقال لهم هذا الذي تسمونه واحداً لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو أمر يقدر في الأذهان، لا يوجد في الأعيان، وهو نظير الواحد البسيط الذي يقولون بتركب الأنواع منه، فإن هذا الواحد الذي يثبتونه في الكليات، ويقولون إنه منه تتركب الأنواع الموجودة، هو نظير الواحد الذي يثبتونه في الإلهيات ويقولون هو مبدأ الوجود، وكلاهما لا حقيقة له في الخارج وإنما هو يقدره الذهن، كما يقدر الكليات المجردة، ومتى بطل واحدهم هذا، بطل توحيدهم، فبطل نفيهم للصفات، وبطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد٢. ثالثاً: إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في الخارج، قيل لمن قال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ ما معنى الصدور؟ أنت لا تعني به حدوثه عنه، ولا فعله له بمشيئته وقدرته، فعلاً يسبق به الفاعل مفعوله، وإنما تعني به لزومه له ووجوبه به، ونحن لا نتصور في الموجودات شيئاً صدر عنه وحده شيء منفصل عنه، كان لازماً له قبل هذا الوجه، بل ما لزمه وحده كان صفة له، فإذا لم يتصور هذا الصدور، ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية، فمن أين تعلم هذه القضية الكلية؟ وإذا استدلوا على ذلك بالنار التي لا يصدر عنها إلا الإحراق، وبسائر الأجسام البسيطة كالماء، أو بالشمس التي يصدر

стр. 367

عنها الشعاع، لم يكن شيء من هذه المعينات داخلاً في قضيتهم الكلية، فإن الإحراق لا يصدر عن النار وحدها، بل لا بد من محل قابل للإحراق، ثم إن الإحراق له موانع تمنعه فهو موقوف على ثبوت شروط وانتفاء موانع، غير النار، فلم يصر صادراً عن النار بالمعنى الذي أرادوه بالحجة، وهو لزومه لذات النار بحيث لا ينفك عنها، وإنما يعقل هذا اللزوم في صفات الملزوم كاستدارة الشمس والضوء القائم بها ونحو ذلك، فإن هذا لازم لا يفارق ذاتها، بخلاف الضوء القائم بما يقابلها من الأجسام، وهو الشعاع المنعكس على الأجسام المسطحة كالأرض، والقائمة كأشخاص الجبال، والحيوان، فإن هذا ليس لازماً لذات الشمس، بل هو موقوف على وجود هذه الحال التي يقوم بها هذا العرض، وهو أيضاً ممنوع عنها بالحجب كالسحاب الكثيف، والكسوف وغير ذلك، فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه أمر لا يعقل في الخارج أصلاً، فضلاً عن أن يكون قضية كلية عامة١. رابعاً: أن صدور المختلفات عن ما لا يصدر عنه إلا واحد، بلا واسطة، جمع بين النقيضين، وقول متناقض. وأما الصدور بواسطة، فتلك الواسطة يجب أن لا تكون إلا واحداً عن واحد، إذا قدر أن الأول واحد بسيط، لا يصدر عنه إلا واحد، وإلا كان قولاً متناقضاً، فإنه إذا صدر عنه ما فيه كثرة، فقد صدر عنه أكثر من واحد. وإن لم يكن في الصادر كثرة، وجب أن لا يصدر عن الصادر الأول إلا واحد، وهلم جرا وهذا خلاف المشهود٢. خامساً: أن هذا الصدور، والتولد، والمعلولية، التي يدعونها في العقول، والنفوس، والأفلاك، حيث يقولون إنها جواهر قائمة بأنفسها، صدرت عن جوهر واحد بسيط، فهذا أبطل قول قيل في الصدور والتولد، لأن فيه صدور جواهر، عن جوهر واحد، وهذا لا يعقل. وفيه صدوره عنه من غير جزء منفصل من الأصل، وهذا لا يعقل. وهم غاية ما عندهم أن يشبهوا هذا بحدوث بعض الأعراض، كالشعاع عن الشمس، وحركة الخاتم عن حركة اليد، وهذا تمثيل باطل، لأن تلك ليست علة فاعلة، وإنما هي شرط فقط، والصادر هناك لم يكن

стр. 368

عن أصل واحد، بل عن أصلين، والصادر عرض لا جوهر قائم بنفسه، فتبين أن ما ذكره هؤلاء من الصدور والتولد العقلي باطل١. سادساً: أن قولهم مبني على أصول فاسدة كثيرة: الأول: إنه لا سبب للحوادث إلا الحركة الفلكية وهذا من أبطل الأصول. الثاني: إثبات العقول والنفوس التي يقولون بها وهو باطل. الثالث: إثبات كون الفيض يحصل من النفس الفلكية. فإنهم لو سلم لهم ما يذكرونه من أصولهم، فعندهم أن ما يفيض على النفوس، إنما هو من العقل الفعال، المدبر لكل ما تحت فلك القمر، ومنه تفيض العلوم عندهم على نفوس البشر الأنبياء وغيرهم، والعقل الفعال لا يتمثل فيه شيء من الجزئيات المتغيرة، بل إنما فيه أمر كلي، لكنه بزعمهم دائم الفيض، فإذا استعدت النفس لأن يفيض عليها منه شيء فاض، وذلك الفيض لا يكون بجزئي، فإنه لا جزئي فيه، فكيف يقولون هنا إن الفيض على النفوس هو من النفس الفلكية؟ ٢. فتبين أن قولهم بالصدور والفيض يعني القول بقدم العقول والنفوس وقدم العالم، ونفي أن يكون الله خالقاً مبدعاً لما سواه.

стр. 369

التولد ١ - معنى التولد في اللغة: قال الخليل: "الولد اسم يجمع الواحد، والكثير، والذكر، والأنثى سواء، والوليد الصبي، والوليدة الأمة..ويقال ماله وولده أي ورهطه..والولادة وضع الوالدة ولدها، وجارية مولدة: ولدت بين العرب، ونشأت مع أولادهم، ويغذونها غذاء الولد، ويعلمونها من الأدب مثل ما يعلمون أولادهم، وكذلك المولد من العبيد، وكلام مولد مستحدث لم يكن من كلام العرب"١. وقال الجوهري: "وتوالدوا أي كثروا، وولد بعضهم بعضاً..ويقال ولَّد الرجل غنمه توليداً، كما يقال نتج إبله نتجاً"٢. ويقول ابن فارس: "وتولَّد الشيء عن الشيء: حصل عنه"٣. فالتوالد والتوليد هو التكاثر والإنتاج، وحصول الشيء عن الشيء. ٢ - معنى التولد في الاصطلاح: التولد بمعناه اللغوي موجود عند الفلاسفة في حق الله - تعالى -، وإن لم يعبروا عنه بلفظ التولد. فالفلاسفة يرون بأن العقول والنفوس متولدة عن الله، تولداً أزلياً لازماً لذاته، والعالم متولد عن ذلك، فالعالم كله متولد عندهم عن الله تولداً أزلياً لازماً لذاته، وإن كانوا قد لا يعبرون بلفظ الولد، فهم يعبرون بلفظ المعلول والعلة، وهو أخص أنواع التولد، ويعبرون بلفظ الموجِب والموجَب٤.

стр. 370

كما يعبرون عنه بلفظ الصدور. كما يرد لفظ التولد والتوليد عند المعتزلة، فالمتولد عندهم هو الفعل الذي يكون بسبب مني ويحل في غيري. وقيل: هو الفعل الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه، وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري. وقال بعضهم: كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ، دون القصد إليه، أو الإرادة له فهو متولد١. وقال الجرجاني: "التوليد هو أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسط فعل آخر، كحركة المفتاح بحركة اليد"٢. وقد اختلف المتكلمون في الأفعال المتولدة عن الإنسان؛ فمنهم من قال ليست مفعولة له بحال، بل هي مفعولة لله - تعالى -، كما يقول ذلك كثير من متكلمي المثبتين للقدر، ومنهم من يقول بل هو مفعول له على طريق التولد كما هو قول بعض المعتزلة، ويحكى عن بعضهم أنه قال لا فاعل لها بحال٣. فالمتكلمون على طرفي نقيض في الأفعال المتولدة عن الإنسان حيث يجعلها الأشاعرة والماتريدية مخلوقة لله وليس للإنسان دور فيها وأبطلوا بذلك ربط الأسباب بمسبباتها. بينما يجعلها المعتزلة مخلوقة للإنسان وناتجة عن فعله وحده، دون تدخل لأسباب أخرى. ٣ - معنى التولد في الشرع، والرد على المخالفين: لم يرد لفظ التولد أو التوليد في القرآن والسنة، ولكن ورد لفظ الولد في القرآن الكريم بتصريفات عدة، كما ورد في السنة، حيث نفى الله - تعالى - عن نفسه الولد في أكثر من آية، قال - تعالى -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام - ١٠١] ، وقال - سبحانه -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون - ٩١] ، ومن السنة قوله ﷺ : "لا أحد أصبر على أذى

стр. 371

يسمعه من الله ، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم هو يعافيهم، ويرزقهم" ١. وما ذكره الله في كتابه من إبطال التولد، وهو حصول الولد، يبطل قول الفلاسفة عقلاً وسمعاً، قال - تعالى -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام - ١٠١] ، وذلك أن التولد لا يكون إلا عن أصلين، فيمتنع أن يكون له ولد من غير صاحبة، وهو - سبحانه - لم يكن له كفواً أحد، والفلاسفة جعلوه واحداً، وجعلوا العالم معلولاً عنه، وقالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا باطل، فإن الواحد البسيط لا يصدر عنه وحده شيء، بل الواحد الذي قدروه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان، ولا يصدر في العالم العلوي والسفلي أثر إلا عن سببين فأكثر، فالنار إذا أحرقت إنما تحرق بشرط قبول المحل لإحراقها، وكذلك جميع الأمور، قال الله - تعالى -: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات - ٤٩] ، فلو كان العالم معلولاً متولداً عن الله، لكان له مقارناً، يصدر التولد عنهما جميعاً، فإن التولد لا يكون إلا عن أصلين، فإثبات التعليل والتولد، يقتضي إثبات شريك في إبداع العالم، وهذا لازم لهم لا محيد عنه٢. وفي قوله - تعالى -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام - ١٠١] ، ثلاث أدلة على نفي الولد والتولد عنه: أحدها: كونه ليس له صاحبة فهذا نفي الولادة المعهودة. وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ نفي للولادة العقلية وهي التولد، لأن خلق كل شيء ينافي تولدها عنه. وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يشبه - والله أعلم - أن يكون لما ادعت النصارى أن المتحد به هو الكلمة، التي يفسرونها بالعلم، والصابئة القائلون بالتولد، والعلة، لا يجعلونه عالماً بكل شيء، ذكر أنه بكل شيء عليم لإثبات هذه الصفة له رداً على الصابئة، ونفيها عن غيره ردا على النصارى٣.

стр. 372

وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين يقولون بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة، شر من النصارى، وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقاً لله١. وأما التولد عند المتكلمين، وهو الأمور المنفصلة عن الإنسان، التي يقال إنها متولدة عن فعله، فحقيقة الأمر أن تلك قد اشترك فيها الإنسان والسبب المنفصل عنه، فإنه إذا ضرب بحجر فقد فعل الحذف، ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا السبب، وبسبب آخر من الحجر والهواء٢، وهي من خلق الله، فلا يكون الإنسان مستقلاً بإحداث هذه الأفعال المتولدة.

стр. 373

الموجب بالذات ١ - الموجب بالذات في اللغة: سبق تعريف الوجوب والذات في اللغة١. ٢ - الموجب بالذات في الاصطلاح: الموجب بالذات من مصطلحات الفلاسفة، والموجب هو اسم الفاعل من الإيجاب، ضد المختار الذي إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، فهو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل من غير قصد وإرادة٢. ويعرف الجرجاني الموجب بالذات بقوله: "الموجب بالذات هو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل، إن كان علة تامة له، من غير قصد وإرادة، كوجوب صدور الإشراق عن الشمس والإحراق عن النار"٣. ويجري الحديث عن الموجب بالذات في كتب المتكلمين عند بحثهم صفة القدرة والاختيار٤، حيث يردون على الفلاسفة لقولهم بأن الله موجب بالذات، فالذي يراه الفلاسفة هو أن وجود العالم عن الله - تعالى - إنما هو على سبيل اللزوم لذاته، من غير قصد واختيار، كما شرحوا ذلك من خلال نظرية الفيض والصدور، فيكون - تعالى - موجباً بالذات؛ لأنه يصدر عنه الفعل من غير قصد وإرادة، لأنه لو كان هناك قصد وإرادة؛ لأحدث ذلك تكثر في ذاته، وهو منزه عن ذلك - كما يقولون -٥.

стр. 374

٣ - موقف أهل السنة: رد أهل السنة على قول الفلاسفة بأن الله موجب بالذات من وجوه: الوجه الأول: مناقشة لفظ الموجب بالذات؛ لأنه لفظ مجمل، يقول شيخ الإسلام ﵀: "لفظ الموجب بالذات فيه إجمال؛ فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته، فلا منافاة بين كونه فاعلاً بالقدرة والاختيار، وبين كونه موجباً بالذات بهذا التفسير. وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئاً من الأشياء، بذات مجردة عن القدرة والاختيار، فهذا باطل ممتنع. وإن أريد أنه علة تامة أزلية، تستلزم معلولها الأزلي، بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه، لازم لذاته أزلاً، وأبداً..فهذا أيضا باطل. فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله، أو فسر بما يقتضى سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل، وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو حق، فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده، بقدرته ومشيئته"١. الوجه الثاني: أن يقال إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله؛ فالتغيرات التي في العالم تبطل كونه موجباً بهذا الإعتبار. وإن أردتم بالموجب بالذات ما قد تكون مفعولاته أمراً لا يلزمه، بل يحدث شيئاً بعد شيء، فحينئذ إذا وافقكم المنازعون على تسميته موجباً بالذات، لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون مفعولاته تحدث شيئاً بعد شيء، ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث المتأخرة، فبطل قولكم٢. الوجه الثالث: مما يبين فساد قول الفلاسفة، القائلين بقدم العالم عن الموجب بالذات، أن يقال إما أن يكون مجرد ذاته هي الموجب للعالم، أو هي متوقفة على أمر آخر، فإن كان الأول لزم قدم كل شيء في العالم، ودوامه، بقدم الموجب، ودوامه، فإنه إذا لم يكن هنا إلا مؤثر تام قديم مستلزم لأثره، لزم أن يكون أثره قديماً معه بقدمه، وهو مكابرة للحس. وإن كان تأثيره موقوفاً على غيره، كان هذا مع بطلانه بالاتفاق، مبطلاً لقولهم بقدم العالم. وأن يقال ذلك الغير إن كان قديماً واجباً معه، ومجموعهما هو العلة التامة، لزم قدم الآثار

стр. 375

بقدمهما، فسواء فرض المؤثر القديم الموجب واحداً، أو عدداً، متى قيل إنه موجب بذاته في الأزل، لزم حصول جميع موجبه في الأزل، فيلزم ألا يحدث شيء وهو مخالف للعيان. وإن قيل إن تأثيره موقوف على حادث غيره، كان القول في حدوث ذلك الحادث، كالقول في غيره، فيمتنع صدوره عنه، فتبين أنه يلزمهم كون الحوادث لا محدث لها كيفما داروا، ويلزمهم أيضا ألا يكون واجباً بذاته؛ لأن الواجب بذاته لا بد أن يكون غنياً عن غيره من كل وجه١. وبهذا يتبين بطلان قول الفلاسفة بأن الله - تعالى - موجب بالذات، كما يتبين اللوازم الفاسدة لهذا القول.

стр. 376

قدم العالم ١ - معنى قدم العالم في اللغة: سبق التعريف بلفظ القدم، ولفظ العالم، حيث ذكرت أن القِِدَم، مصدر القديم، وهو يعني السبق، والتقدم على الغير، كما يأتي في مقابل الحدوث١. وأما معنى العالم في اللغة فهو الخلق كله، وقيل إنه مختص بمن يعقل٢. وقد سبق بيان معنى القديم في الشرع، ومعناه عند المتكلمين، وهنا نبين قول الفلاسفة في قدم العالم. ٢ - معنى قدم العالم في اصطلاح الفلاسفة: يفصل الفلاسفة في معنى القدم، حيث يقول ابن سينا: "حد القدم هو أن يقال على وجوه: فيقال قديم بالقياس، وقديم مطلقاً. والقديم بالقياس هو شيء زمانه في الماضي، أكثر من زمان شيء آخر، هو قديم بالقياس إليه. وأما القديم المطلق فهو أيضاً يقال على وجهين: بحسب الزمان وبحسب الذات، أما الذي بحسب الزمان، فهو الشيء الذي وجد في زمان ماض غير متناه. وأما القديم بحسب الذات، فهو الشيء الذي ليس له مبدأ لوجود ذاته مبدأ أوجبه. فالقديم بحسب الزمان هو الذي له مبدأ زماني، والقديم بحسب الذات هو الذي ليس له مبدأ يتعلق به، وهو الواحد الحق، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً"٣.

стр. 377

فالقديم بالذات هو الله، وأما القديم بحسب الزمان فهو وجود الملائكة، والسماوات، وجملة أصول العالم عندهم١. والقديم بالذات والقديم بالزمان يتفقان في القدم المطلق، وعدم السبق بالعدم. ويدل على ذلك معنى الحادث عندهم، فالحادث يطلق ويراد به ما يفتقر إلى العلة، وإن كان غير مسبوق بالعدم كالعالم، وعلى ما لوجوده أول وهو مسبوق بالعدم. فعلى هذا العالم إن سمي عندهم قديماً فباعتبار أنه غير مسبوق بالعدم، وإن سمي حادثاً فباعتبار أنه مفتقر إلى العلة في وجوده٢. وبعض المتكلمين المتأخرين أمثال الرازي، والتفتازاني، والآمدي، والجرجاني، يعرفون القديم بمثل تعريف ابن سينا؛ حيث يقسمونه إلى القديم بالذات، والقديم بالزمان٣. يقول الجرجاني: "القديم يطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره، وهو القديم بالذات، ويطلق القديم على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقاً بالعدم، وهو القديم بالزمان.. وقيل القديم ما لا ابتداء لوجوده الحادث، والمحدث مالم يكن كذلك، فكأن الموجود هو الكائن الثابت والمعدوم ضده، وقيل القديم هو الذي لا أول ولا آخر له"٤. وقال التفتازاني: "لا قديم بالذات سوى الله - تعالى -، وأما بالزمان فزادت الفلاسفة كثيرا من الممكنات، والمتكلمون صفات الله - تعالى -"٥. وقال الآمدي: "وأما القديم فقد يطلق على مالا علة لوجوده، كالباري - تعالى -، وعلى مالا أول لوجوده، وإن كان مفتقرا إلى علة، كالعالم على أصل الحكيم"٦. ٣ - نقد قول الفلاسفة بقدم العالم: اختلف الفلاسفة في قدم العالم، فالذي استقر عليه رأي جماهيرهم المتقدمين والمتأخرين القول بقدمه، وأنه لم يزل موجوداً مع الله - تعالى -، ومعلولاً له، ومساوقاً له، غير متأخر عنه

стр. 378

بالزمان، مساوقة المعلول للعلة، ومساوقة النور للشمس، وأن تقدم الباري - تعالى - عليه كتقدم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان١. ويقول ابن تيمية إن المشهور من مقالة أساطين الفلاسفة، قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم، وإنما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم٢. وهذا جلي من خلال تعريفهم للفظ القديم، وقولهم بأن الله علة العالم، وأن العالم معلول له. وقد رد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم كثير من نظار أهل السنة والمتكلمين؛ وتتركز وجوه الرد على بيان فساد تعريفهم للقدم، وعلى بطلان القول بقدم العالم وفق المعنى الذي يريدون، ومن وجوه الرد عليهم: أولاً: أن لفظ القديم في اللغة المشهورة التي خاطبنا بها الأنبياء، يراد به ما كان متقدماً على غيره تقدماً زمانياً، سواء سبقه عدم أولم يسبقه، كما قال - تعالى -: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] ، وقال - تعالى -: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف - ٩٥] ، فلهذا كان القديم الأزلي، الذي لم يزل موجوداً، ولم يسبقه عدم أحق باسم القديم من غيره، وليس لأحد أن يجعل القديم، والمتقدم، اسماً لما قارن غيره في الزمان، لزعمه أنه متقدم عليه بالعلة، ويقول إنه متقدم على غيره، وسابق له بهذا الاعتبار، وإن ذلك المعلول متأخر عنه بهذا الاعتبار، ثم يحمل ماجاء من كلام الأنبياء، وأتباع الأنبياء، وعموم الخلق على هذا الاصطلاح لو كان حقاً، فكيف إذا كان باطلاً! ٣. ثانياً: أن ابن سينا وأتباعه قد ناقضوا أنفسهم حين زعموا أن القديم الموجود بغيره يوصف بالإمكان؛ وإن كان قديماً أزلياً لم يزل واجباً بغيره. فالممكن لا يكون واجباً أزلياً، وقد صرح هو وأصحابه في غير موضع بنقيض ذلك، وأصحابه الفلاسفة المتبعون لأرسطو أنكروا ذلك

стр. 379

عليه، وقالوا إنه خالف به سلفهم، كما خالف به جمهور النظار، وخالف به ما ذكره هو مصرحاً به في غير موضع١. ثالثاً: أن قولهم بقدم العالم يستلزم امتناع حدوث حادث، فإن القديم إما واجب بنفسه، أو لازم للواجب بنفسه، ولوازم الواجب لا تكون محدثة، ولا مستلزمة لمحدث، فالحوادث ليست من لوازمه، وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده على حدوث سبب حادث، فإذا كان القديم الواجب بنفسه، أو اللازم للواجب لا يصدر عنه حادث؛ امتنع حدوث الحوادث٢. رابعاً: أن لفظ القديم والأزلي فيه إجمال، فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما زال موجوداً ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئاً بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديماً، ولا مجموعه قديم، فإذا كان المفعول مستلزماً للحوادث، لم يفعل إلا والحوادث مفعولة معه، وهي وإن كانت مفعولة فيه شيئاً بعد شيء، فالمحدث لها شيئاً بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت بعينه، لزم أن يكون محدثاً من جملتها، وهو المطلوب، وإن قيل هو مقارن له، قديم معه، بحيث يوجد معه كل وقت. قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له، لا محدثاً له، ولا بد أن يكون علة تامة، فيكون في الأزل مؤثراً تام التأثير، مستجمعاً لشروط التأثير لشيء معين، وإذا كان مؤثراً قديماً دائماً لشيء معين، كانت لوازم ذلك المعين معه، لا يمكن تأخر شيء منها عنه، لامتناع وجود الملزوم، بدون اللازم فيلزم وجود الحوادث كلها في الأزل٣، وهذا باطل. خامساً: أن هؤلاء الفلاسفة يقولون العالم قديم أزلي، ومحدث، مخلوق. فيقال لهم: لم يستعمل أحد من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، بل ولا أحد من سائر الأمم، لفظ الخلق إلا فيما كان بعد عدمه، وهو ما كان مسبوقاً بعدمه ووجود غيره، ومعنى هذا اللفظ معلوم بالاضطرار في جميع لغات الأمم. وأيضاً فاللفظ المستعمل في لغة العامة، والخاصة، لا يجوز أن يكون معناه ما لا يعرفه إلا بعض الناس. وهذا المعنى الذي يدعونه لو كان حقاً لم

стр. 380

يتصوره إلا بعض الناس، فلا يجوز أن يكون اللفظ العام الذي تداوله العامة والخاصة موضوعاً له، إذا كان هذا يبطل مقصود اللغات، ويبطل تعريف الأنبياء للناس، فكيف وهو باطل في صريح المعقول، كما هو باطل في صحيح المنقول، فإنه لم يعرف أن أحدا ًقط عبر عن القديم الأزلي، الذي لم يزل موجوداً، ولا يزال، بأنه محدث، أو مخلوق، أو مصنوع، أو مفعول. والكتب الإلهية كالتوراة والقرآن مصرحة بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون مخلوقاً في ستة أيام١. هذه بعض الردود على القائلين بقدم العالم من الفلاسفة، وبهذا يتضح حقيقة قولهم، وكيف حاولوا إخفاء المعنى الذي يريدون بإطلاقهم لفظ الحدوث عليه، فالعالم عندهم غير مسبوق بالعدم، وهذا يعني أنه غير مخلوق، وهذا مما كُفِّر به الفلاسفة المنتسبون للإسلام.

стр. 381

الهيولى ١ - الهيولى في اللغة: في القاموس المحيط:" والهَيُولى وتشدد الياء مضمومة، عن ابن القطاع: القطن، وشبهالأوائل طينة العالم به"١. ويقول الجرجاني: "الهيولى لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادة "٢. وقال شيخ الإسلام: "والهيولى في لغتهم٣ بمعنى المحل، يقال الفضة هيولى الخاتم، والدرهم والخشب هيولى الكرسي، أي هذا المحل الذي تصنع فيه هذه الصورة"٤. وفي المعتبر للبغدادي: "إن الهيولى ليست من الألفاظ العربية..لكن معناها فيما قالوا يقارب معنى المحل، والموضوع، والمادة. وقد عرّفتُ المحل أنه شبيه في العبارة بالمكان الذي يتمكن فيه المتمكن، ويحل فيه الحال في ظاهر العرف"٥. وفي المعجم الوسيط: "الهيولى بضم الياء مخففة أو مشددة: مادة الشيء التي يصنع منها، كالخشب للكرسي، والحديد للمسمار، والقطن للملابس القطنية، والهيولى عند القدماء: مادة ليس لها شكل ولا صورة معينة، قابلة للتشكيل والتصوير في شتى الصور، وهي التي صنع الله - تعالى - منها أجزاء العالم المادية. والهيولى التخطيط المبدئي للصورة أو التمثال. والهيولى القطن "٦، هذا معنى الهيولى عند قدماء فلاسفة اليونان. فالهيولى لفظ يوناني معرب بمعنى المحل، والمادة، والأصل.

стр. 382

٢ - الهيولى في اصطلاح الفلاسفة: تعتبر الهيولى والصورة المقولتين الرئيسيتين في فلسفة أرسطو، وبهما يفسر الكون بأكمله١. وعنه أخذ الفلاسفة المنتسبون للإسلام مصطلح الهيولى. يقول الكندي: "الهيولى هي قوة موضوعة لحمل الصور، منفعلة"٢. ويقول الخوارزمي: "هيولى كل جسم هي الحامل لصورته؛ فإذا أطلقت فإنها تعني طينة العالم؛ أعني جسم الفلك الأعلى وما يحويه من الأفلاك والكواكب، ثم العناصر الأربعة وما يتركب منها"٣. ويقول ابن سينا: "الهيولى المطلقة هي جوهر، وجوده بالفعل إنما يحصل بقبوله الصورة الجسمية، لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلا معنى القوة"٤. ويشرح هذا الكلام فيقول: "ومعنى قولي لها جوهر، هو أن وجودها حاصل لها بالفعل لذاتها. ويقال هيولى لكل شيء من شأنه أن يقبل كمالاً ما، وأمراً ليس فيه، فيكون بالقياس إلى ما ليس فيه هيولى، وبالقياس إلى ما فيه موضوعاً"٥. ويقول الجرجاني: "الهيولى لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح هي جوهر في الجسم، قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، محل للصورتين الجسمية والنوعية"٦. وفي الكليات: "الهيولى هو جوهر بسيط، لا يتم وجوده بالفعل، دون وجود ما حل فيه"٧. والهيولى عند قدماء الفلاسفة على أربعة أقسام هي:

стр. 383

١ - الهيولى الأولى: وهي جوهر غير جسم، قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، محل للصورة الجسمية. ٢ - الهيولى الثانية: وهي جسم قام به صورة، كالأجسام بالنسبة إلى صورها النوعية. ٣ - الهيولى الثالثة: وهي الأجسام مع الصورة النوعية التي صارت محلاً لصور أخرى، كالخشب لصورة السرير. ٤ - الهيولى الرابعة: وهي أن يكون الجسم مع الصورتين محلاً للصورة؛ كالأعضاء لصورة البدن١. والهيولى عند الإطلاق هي الهيولى الأولى، وهي التي دارت عليها التعريفات السابقة، والتي تتفق على أنها جوهر، وجوده بالفعل إنما يحصل بقبوله الصورة الجسمية، لقوة فيه قابلة للصور، وإطلاقها على باقي الأقسام بالتقييد بالثانية والثالثة والرابعة. ٣ - موقف أهل السنة: لقد أدخل الفلاسفة تحت لفظ الهيولى معان باطلة، ومن ذلك: أولاً: أنهم أثبتوا مادة أزلية، مجردة عن الصور، ثابتة في الخارج، وهي الهيولى الأولية، التي بنوا عليها قدم العالم وغلطهم فيها جمهور العقلاء٢. حيث ادعوا أن بين أجسام العالم جوهراً قائماً بنفسه تشترك فيه الأجسام، ومن تصور الأمور، وعرف ما يقول، علم أنه ليس بين هذا الجسم المعين، وهذا الجسم المعين، قدر مشترك موجود في الخارج أصلاً، بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه، المتناولة لذاته وصفاته، ولكن يشتركان في المقدارية وغيرها من الأحكام اللازمة للأجسام٣. ثانياً: أن ما أثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات ممكنة، ليست أجساماً، ولا أعراضاً قائمة بالأجسام، كالهيولى والصورة والعقل والنفس، التي يدعون أنها جواهر عقلية، موجودة

стр. 384

خارج الذهن، ليست أجساماً، ولا أعرضاً لأجسام، فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة، كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني، وأمثاله من أئمة النظر والكلام١. ثالثاً: أن الهيولى الثالثة، وهي الصناعية، كالدرهم الذي له مادة وهي الفضة، وصورة وهي الشكل المعين، وكذلك الدينار والخاتم والسرير والكرسي ونحو ذلك، وهذا القسم لا نزاع فيه بين العقلاء، ولكن هذه الصورة عرض من أعراض هذا الجسم، وصفة له، ليست جوهراً قائماً بنفسه، وهذا أمر معلوم بالضرورة حساً وعقلاً. وأما الهيولى الطباعية - وهي الثانية - فكصور الحيوان والنبات والمعدن، فإنه أيضاً مخلوق من مادة؛ كالهواء والماء والتراب، وهذا لا نزاع فيه، لكن هذه الصورة جوهر قائم بنفسه، مستحيل عن تلك المواد، ليست هي صفة له كالأول٢. وبهذا يتبين أن قول الفلاسفة بالهيولى يتضمن معان فاسدة، وهي مرتبطة في قولهم بقدم العالم.

стр. 385

الدهر ١ - تعريف الدهر في اللغة: قال الخليل بن أحمد: "الدهر الأبد الممدود، ورجل دهري قديم، والدهري الذي يقول ببقاء الدهر ولا يؤمن بالآخرة.. والدهر النازلة، دهرهم أمر أي نزل بهم مكروه"١. وقال الجوهري: "الدهر الزمان..ويجمع على دهور. ويقال: الدهر: الأبد"٢. وفي اللسان:"الدهر الأمد الممدود..قال الأزهري: الدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول، ويقع على مدة الدنيا كلها، وقد سمعت غير واحد من العرب يقول أقمنا على ماء كذا وكذا دهراً، ودارنا التي حللنا بها تحملنا دهراً، وإذا كان هذا هكذا جاز أن يقال الزمان والدهر واحد في معنى دون معنى"٣. فالدهر في اللغة يقع على الزمان، ومدة الدنيا كلها، أو على الأبد. ٢ - معنى الدهر في الشرع: ورد لفظ الدهر في آيتين من كتاب الله - تعالى - وهي قوله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية - ٢٤] ، وقوله - تعالى -: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان - ١] . وورد في السنة قوله ﷺ : "قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" ٤، أي لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه

стр. 386

الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله - تعالى - لأنه هو الفاعل لها لا الدهر، فهذا وجه الحديث١. وقال ابن الأثير: "والدهر اسم للزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا"٢. وقال الراغب: "الدهر في الأصل اسم لمدة العالم، من مبدأ وجوده إلى انقضائه..ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة"٣. وذكر شيخ الإسلام في معنى الدهر أنه "هو الزمان أو ما يجرى مجرى الزمان"٤. والزمان وما يجري مجراه، هو تقدير الحركة، أو مقارنة حادث لحادث، أو مرور الليل والنهار٥. والزمان المطلق مقدار الحركة المطلقة٦. وجنس الزمان باق عند المسلمين بعد قيام القيامة، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك٧. فالدهر إذاً لا ينحصر في مدة الحياة الدنيا، بل هو اسم للزمان. وهو عرض مخلوق. ٣ - معنى الدهر عند الفلاسفة: يقول ابن سينا: "حد الدهر يضاهي الصانع، هو المعنى المعقول من إضافة الثبات إلى النفس في الزمان كله"٨. وفي دستور العلماء: "وقيل: الدهر منشأ الأزل والأبد، لا ابتداء له ولا انتهاء له، كل ذي ابتداء، وذي انتهاء فيه، وليس هو في غيره. وهذا هو ما ذهب إليه الحكماء "٩. وقال ابن سينا عن الزمان:" الزمان يضاهي المصنوع، هو مقدار الحركة من جهة المتقدم

стр. 387

والمتأخر"١. فالزمان عندهم يخص مقدار حركة الفلك فقط، ويستخدم في حق المخلوق، المتحرك - في نظرهم -، فهم يفرقون بين الدهر والزمان. "فالموجود الذي لا يكون حركة ولا في الحركة، فهو لا يكون في الزمان، بل إن اعتبر ثباته مع المتغيرات فتلك المعية هي الدهر، وإن اعتبر ثباته مع الأمور الثابتة، فتلك المعية هي السرمد"٢. أما نسبة المتغير إلى المتغير فهو الزمان٣. فالزمان عند الفلاسفة ممتد مع السفليات، والدهر ممتد مع العلويات٤. ٤ - الرد على الفلاسفة: أولاً: إن تفريق الفلاسفة بين الدهر والزمان لا دليل عليه. ثانياً: أن أرسطو ومن تبعه من الفلاسفة، قد ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك، وهذا غلط عظيم، فإن جنس الزمان، إذا قيل الزمان مقدار الحركة، فهو مقدار جنس للحركة، لا حركة معينة، بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة، ولهذا كان جنس الزمانباقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة، وانشقاق السماء، وتكوير الشمس، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك٥. فليس الزمان محصوراً بحركة الفلك. ثالثاً: أنهم يقولون الحركة موجودة منذ الأزل، وقدرها وهو الزمان، وفاعلها هو الذي يسمونه الجسم، لكن هذا لا يقتضي قدم شيء بعينه، فإذا قيل إن رب العالمين لم يزل متكلماً بمشيئته، فاعلاً لما يشاء، كان نوع الفعل لم يزل موجوداً، وقدره وهو الزمان موجوداً، لكن أرسطو وأتباعه غلطوا حيث ظنوا أنه لا زمان إلا قدر حركة الفلك، وأنه لا حركة فوق الفلك، ولا قبله فتعين أن تكون حركته أزلية، وهذا ضلال منهم عقلاً وشرعاً، فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل الفلك٦.

стр. 388

٥ - معنى الدهرية: الدهرية هم الذين يقولون بقدم العالم وإنكار الصانع١. وهم الفلاسفة الذين تابعوا أرسطو في القول بقدم العالم، وقدم حركة الأفلاك، ودوامها، ويطلق عليهم الفلاسفة الدهرية. ويقول ابن القيم عن الدهرية أنهم: "قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها"٢. وقيل الدهري من يقول بقدم الدهر، واستناد الحوادث إليه، ولكنه يقول بوجود الباري - تعالى -٣. والدهرية فرقتان: فرقة قالت: إن الخالق - سبحانه - لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة، دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها، وإمساك حركاتها. وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء مركباتها، وبسائطها، من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا إن العالم دائم، لم يزل ولا يزال، لا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلاً يبطل ويضمحل، إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي هي فيه٤. فبعض الدهرية يقرون بخالق للأفلاك لكنهم يقولون بفنائه، وأن العالم بقي يسير نفسه. وبعضهم يجحد وجود خالق للعالم، ويقول بأن الشيء أوجد نفسه بخروجه من القوة إلى الفعل. فقولهم ظاهر الكفر، وهو خارج عن الفطرة التي خلق البشر عليها.

стр. 389

٦ - حكم تسمية الله بالدهر: سبب الحديث عن تسمية الله بالدهر، ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" ١، وللناس في هذا الحديث قولان معروفان، لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم، أحدهما وهو قول أبى عبيد وأكثر العلماء أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة، أو منعوا أغراضهم، أخذوا يسبون الدهر والزمان، وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله - تعالى - لأنه هو الذي فعل تلك الأمور. والقول الثاني قول نعيم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث، والصوفية، أن الدهر من أسماء الله - تعالى - ومعناه القديم الأزلي، وهذا المعنى صحيح لأن الله - سبحانه - هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهراً بكل حال، فقد أجمع المسلمون، وهو مما علم بالعقل الصريح، أن الله ليس هو الدهر، الذي هو الزمان، أو ما يجرى مجرى الزمان٢. ٧ - هل الدهر قائم بنفسه؟ هل الدهر جوهر قائم بنفسه؟ هذا مما تنازع فيه الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج، التي تسمى المثل الأفلاطونية، والمثل المطلقة، وأثبتوا الهيولى التي هي مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهراً قائماً بنفسه، وتابعه على هذا الرازي٣. وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن، ويفرضها، فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان، هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان٤.

стр. 390

فالدهر لفظ كلي، ليس له جوهر قائم بنفسه، إنما له معنى يقدره الذهن. ٨ - حكم سب الدهر: إن الحديث السابق صريح في النهي عن سب الدهر مطلقاً، سواء اعتقد أنه فاعل، أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيراً ممن يعتقد الإسلام١. وفي سب الدهر ثلاث مفاسد عظيمة؛ إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم. الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، وفي حقيقة الأمر فرب الدهر - تعالى - هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله ولهذا كانت مؤذية للرب - تعالى -. فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما؛ إما سبه لله، أو الشرك به. فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله٢.
следующие страницы →