الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله - تعالى - لأنه هو الفاعل لها لا الدهر، فهذا وجه الحديث١.
وقال ابن الأثير: "والدهر اسم للزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا"٢.
وقال الراغب: "الدهر في الأصل اسم لمدة العالم، من مبدأ وجوده إلى انقضائه..ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة"٣.
وذكر شيخ الإسلام في معنى الدهر أنه "هو الزمان أو ما يجرى مجرى الزمان"٤. والزمان وما يجري مجراه، هو تقدير الحركة، أو مقارنة حادث لحادث، أو مرور الليل والنهار٥. والزمان المطلق مقدار الحركة المطلقة٦. وجنس الزمان باق عند المسلمين بعد قيام القيامة، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك٧. فالدهر إذاً لا ينحصر في مدة الحياة الدنيا، بل هو اسم للزمان. وهو عرض مخلوق.
٣ - معنى الدهر عند الفلاسفة:
يقول ابن سينا: "حد الدهر يضاهي الصانع، هو المعنى المعقول من إضافة الثبات إلى النفس في الزمان كله"٨.
وفي دستور العلماء: "وقيل: الدهر منشأ الأزل والأبد، لا ابتداء له ولا انتهاء له، كل ذي ابتداء، وذي انتهاء فيه، وليس هو في غيره. وهذا هو ما ذهب إليه الحكماء "٩. وقال ابن سينا عن الزمان:" الزمان يضاهي المصنوع، هو مقدار الحركة من جهة المتقدم
стр. 387
والمتأخر"١. فالزمان عندهم يخص مقدار حركة الفلك فقط، ويستخدم في حق المخلوق، المتحرك - في نظرهم -، فهم يفرقون بين الدهر والزمان. "فالموجود الذي لا يكون حركة ولا في الحركة، فهو لا يكون في الزمان، بل إن اعتبر ثباته مع المتغيرات فتلك المعية هي الدهر، وإن اعتبر ثباته مع الأمور الثابتة، فتلك المعية هي السرمد"٢. أما نسبة المتغير إلى المتغير فهو الزمان٣. فالزمان عند الفلاسفة ممتد مع السفليات، والدهر ممتد مع العلويات٤.
٤ - الرد على الفلاسفة:
أولاً: إن تفريق الفلاسفة بين الدهر والزمان لا دليل عليه.
ثانياً: أن أرسطو ومن تبعه من الفلاسفة، قد ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك، وهذا غلط عظيم، فإن جنس الزمان، إذا قيل الزمان مقدار الحركة، فهو مقدار جنس للحركة، لا حركة معينة، بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة، ولهذا كان جنس الزمانباقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة، وانشقاق السماء، وتكوير الشمس، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك٥. فليس الزمان محصوراً بحركة الفلك.
ثالثاً: أنهم يقولون الحركة موجودة منذ الأزل، وقدرها وهو الزمان، وفاعلها هو الذي يسمونه الجسم، لكن هذا لا يقتضي قدم شيء بعينه، فإذا قيل إن رب العالمين لم يزل متكلماً بمشيئته، فاعلاً لما يشاء، كان نوع الفعل لم يزل موجوداً، وقدره وهو الزمان موجوداً، لكن أرسطو وأتباعه غلطوا حيث ظنوا أنه لا زمان إلا قدر حركة الفلك، وأنه لا حركة فوق الفلك، ولا قبله فتعين أن تكون حركته أزلية، وهذا ضلال منهم عقلاً وشرعاً، فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل الفلك٦.
стр. 388
٥ - معنى الدهرية:
الدهرية هم الذين يقولون بقدم العالم وإنكار الصانع١. وهم الفلاسفة الذين تابعوا أرسطو في القول بقدم العالم، وقدم حركة الأفلاك، ودوامها، ويطلق عليهم الفلاسفة الدهرية.
ويقول ابن القيم عن الدهرية أنهم: "قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها"٢.
وقيل الدهري من يقول بقدم الدهر، واستناد الحوادث إليه، ولكنه يقول بوجود الباري - تعالى -٣.
والدهرية فرقتان:
فرقة قالت: إن الخالق - سبحانه - لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة، دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها، وإمساك حركاتها.
وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء مركباتها، وبسائطها، من ذاتها لا من شيء آخر.
وقالوا إن العالم دائم، لم يزل ولا يزال، لا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلاً يبطل ويضمحل، إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي هي فيه٤.
فبعض الدهرية يقرون بخالق للأفلاك لكنهم يقولون بفنائه، وأن العالم بقي يسير نفسه. وبعضهم يجحد وجود خالق للعالم، ويقول بأن الشيء أوجد نفسه بخروجه من القوة إلى الفعل. فقولهم ظاهر الكفر، وهو خارج عن الفطرة التي خلق البشر عليها.
стр. 389
٦ - حكم تسمية الله بالدهر:
سبب الحديث عن تسمية الله بالدهر، ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" ١، وللناس في هذا الحديث قولان معروفان، لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم، أحدهما وهو قول أبى عبيد وأكثر العلماء أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة، أو منعوا أغراضهم، أخذوا يسبون الدهر والزمان، وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله - تعالى - لأنه هو الذي فعل تلك الأمور.
والقول الثاني قول نعيم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث، والصوفية، أن الدهر من أسماء الله - تعالى - ومعناه القديم الأزلي، وهذا المعنى صحيح لأن الله - سبحانه - هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهراً بكل حال، فقد أجمع المسلمون، وهو مما علم بالعقل الصريح، أن الله ليس هو الدهر، الذي هو الزمان، أو ما يجرى مجرى الزمان٢.
٧ - هل الدهر قائم بنفسه؟
هل الدهر جوهر قائم بنفسه؟ هذا مما تنازع فيه الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج، التي تسمى المثل الأفلاطونية، والمثل المطلقة، وأثبتوا الهيولى التي هي مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهراً قائماً بنفسه، وتابعه على هذا الرازي٣. وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن، ويفرضها، فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان، هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان٤.
стр. 390
فالدهر لفظ كلي، ليس له جوهر قائم بنفسه، إنما له معنى يقدره الذهن.
٨ - حكم سب الدهر:
إن الحديث السابق صريح في النهي عن سب الدهر مطلقاً، سواء اعتقد أنه فاعل، أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيراً ممن يعتقد الإسلام١. وفي سب الدهر ثلاث مفاسد عظيمة؛ إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم.
الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، وفي حقيقة الأمر فرب الدهر - تعالى - هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله ولهذا كانت مؤذية للرب - تعالى -.
فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما؛ إما سبه لله، أو الشرك به. فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله٢.
стр. 391
الصدفة
١ - معنى الصدفة في اللغة:
صادفت فلاناً أي لقيته١، ووجدته٢، والمصادفة الموافقة٣. وصادف فلاناً لقيه ووجده من غير موعد ولا توقع٤. وصادفه مصادفة وجده ولقيه على غير قصد٥.
فالمصادفة في اللغة تدل على وقوع الشيء اتفاقاً، من غير قصد وترتيب مسبق.
٢ - معنى الصدفة في الاصطلاح:
ورد في المعجم الفلسفي أن "الصدفة اتفاق مجهول العلة، أو تزامن لسلسلتين عليتين مستقلتين، أو هي سلب الضرورة"٦.
والمصادفة عند أرسطو هي اللقاء العرضي الشبيه باللقاء القصدي، أو هي العلة العرضية المتبوعة بنتائج غير متوقعة، تحمل طابع الغائية٧.
وقيل إن المصادفة هي الأمر الذي لا يمكن تفسيره بالعلل الفاعلة، ولا بالعلل الغائية٨.
وقيل المصادفة هي "خلو النظام الكوني من الإله"٩، وهو قول بعض الملاحدة أن هذا العالم بكل ما فيه من إتقان وإبداع باهر وجد بطريق الصدفة، وليس له موجد أوجده، ولا يمكن تفسيره بأنه له علة فاعلة، ولا علة غائية.
стр. 392
٣ - الرد على القائلين بالصدفة:
إن القول بأن هذا العالم بما فيه من بديع الصنع، وعجيب الخلق، قد وجد صدفة من تلقاء نفسه، وليس له موجد أوجده، قول مخالف للعقل والفطرة التي فطر الناس عليها؛ فإنها تشهد بضرورة وجود خالق عظيم أبدع هذا الكون، يقول الشهرستاني: "أما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية، أنهم قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة، تتحرك على غير استقامة، فاصطكت اتفاقاً، فحصل منها العالم بشكله الذي تراه عليه، ودارت الأكوار، وكرت الأدوار، وحدثت المركبات، ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق، احترازاً عن التعطيل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها - على صانع حكيم، قادر عليم، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم - ١٠] "١.
ومن الأدلة العقلية التي تبطل القول بالصدفة ما يحكى عن أبى حنيفة ﵀ "أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم: أخبروني - قبل أن نتكلم في هذه المسألة - عن سفينة في دجلة، تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟ فقالوا: هذا محال، لا يمكن أبداً! فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ "٢.
ومثل ذلك ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ في الرد على القائلين بالصدفة، حيث قال: "فسل المعطل الجاحد ما تقول في دولاب دائر على نهر، قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه، بحيث لا يرى الناظر فيه خللاً في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة، فيها من كل أنواع الثمار والزروع، يسقيها
стр. 393
حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها، ويحسن مراعاتها وتعهدها، والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء، ولا تتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج، بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام، أترى هذا اتفاقاً بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟ بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقاً من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر، أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟ "١.
ويقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور جون وليام كلوتس: "إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان، والتعقيد، درجة تجعل من المحال أن يكون نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع، والأمور المعقدة، التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى. ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم، وتقدير، ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله، ومن إيماننا بوجوده"٢.
ويقول الفلكي كريسي موريسون: "ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد، ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل، والنظام مضاد إطلاقاً للمصادفة، أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ "٣.
ويقال للقائلين بالصدفة:" لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة، بها نصف مليون حرف فخلطتها ببعضها، فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكون من اختلاط الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة، فالمسألة تحتمل التصديق وتحتمل النفي، لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة لازدادت درجة النفي، والاستبعاد، لكننا قد لا نجزم بالاستحالة، ولو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كونت كتاباً من مائة صفحة، وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها، وأوزانها، فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهية. والمسألة في الكون وأجزائه، وما فيها من إتقان وإحكام وعناية، أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة،
стр. 394
لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها. إن الصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها فضلاً عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلاً بصدفة واحدة في البداية، فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات؟ "١.
فالقول بالصدفة إذاً ليس مذهبا أقيم عليه شيء من البرهان، بل هو محض افتراض، مرفوض بالعقل والفطرة والحس.
стр. 395
الطبيعة
١ - معنى الطبيعة في اللغة:
قال الخليل: "الطَّبَع الوسخ الشديد على السيف، والرجل إذا لم يكن له نفاذ في مكارم الأمور..وفلان مطبوع على خلق سيء، وعلى خلق كريم..وما جعل في الإنسان من طباع المأكل، والمشرب، وغيره من الأطبعة التي طبع عليها، والطبيعة الاسم، بمنزلة السجية والخليقة ونحوه، والطَّبْع الختم علي الشيء..وطَبَع الله الخلق: خلقهم"١.
وقال ابن منظور: "طبعه الله على الأمر يطبعه طبعاً فطره، وطبع الله الخلق على الطبائع التي خلقها، فأنشأهم عليها..والطباع ما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق، التي لا يكاد يزاولها من الخير والشر، والطبع ابتداء صنعة الشيء، تقول طبعت اللبن طبعاً، وطبع الدرهم والسيف وغيرهما يطبعه طبعاً صاغه"٢.
فالطبيعة في اللغة السجية والخليقة، وما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق.
٢ - معنى الطبيعة في الاصطلاح:
ورد لفظ طبع ويطبع ونحوها في كتاب الله، قال - تعالى -: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون - ٣] ، وقال - سبحانه -: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف - ١٠١] ، ومن السنة قول رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً" ٣. قال الراغب: "الطبع أن تصور الشيء بصورة ما، كطبع السكة، وطبع الدراهم، وهو أعم من الختم، وأخص من النقش..وبه
стр. 396
اعتبر الطبع، والطبيعة، التي هي السجية؛ فإن ذلك هو نقش النفس بصورة ما؛ إما من حيث الخلقة؛ وإما من حيث العادة، وهو فيما ينقش به من حيث الخلقة أغلب"١.
ويقول الإمام ابن القيم: "الطبيعة التي هي بمعنى الجبلة، والخليقة"٢.وقال ﵀: "الطبيعة قوة وصفة، فقيرة إلى محلها، محتاجة إلى حامل لها"٣.
ويقول الجرجاني: "الطبيعة عبارة عن القوة السارية في الأجسام، بها يصل الجسم إلى كماله الطبيعي"٤.
والطبيعة عند جمهور المسلمين صفة قائمة بالأجسام، وهي القوى التي خلقها الله في الأجسام٥، وتجري بها كيفيات الأجسام على ما خلقها الله عليه، مؤثرة وفق تدبير الله لها.
فجمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دل عليه المنقول والمعقول، فيثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب والحِكَم، وما جعله الله في الأجسام من القوى، والطبائع، في الحيوان، وفي الجماد، لكنهم مع إثباتهم للأسباب، والحِكَم، لا يقولون بقول الطبائعية من الفلاسفة وغيرهم، بل يقولون إن الله خالق كل شي وربه ومليكه، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ويعلمون أن الأسباب هي مخلوقة لله، بمشيئته وقدرته، ولا تزال مفتقرة إلى الله، لا يقولون أنها معلولة له، أو متولدة عنه، كما يقوله الفلاسفة، ولا أنها مستغنية عنه بعد الإحداث، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام، بل كل ما سوى الله - تعالى - دائم الفقر والاحتياج إليه٦.
стр. 397
٣ - معنى الطبيعة عند الفلاسفة:
يقول جابر بن حيان في تعريف الطبيعة: "وأما حد الطبيعة، فإنها من حيث الفعل مبدأ حركة وسكون عن حركة "١.
ويقول الخوارزمي: "الطبيعة هي القوة المدبرة لكل شيء مما هو في العالم الطبيعي، والعالم الطبيعي هو كل ما تحت فلك القمر إلى مركز الأرض"٢.
وقال ابن سينا: "الطبيعة مبدأ أول بالذات لحركة ما هي فيه بالذات، وسكونه بالذات، وبالجملة لكل تغير وثبات ذاتي"٣.
ويوضح هذه الأقوال قول ابن رشد: "أكثر ما تطلق الحكماء اسم الطبيعة، على كل قوة تفعل فعلاً عقلياً، أي جارياً مجرى الترتيب والنظام الذي في الأشياء العقلية، لكن نزهوا السماء عن مثل هذه القوة؛ لكونها عندهم هي التي تعطي هذه القوة المدبرة، في جميع الموجودات"٤. ويقول: "إن الطبيعة إذا كانت تفعل فعلاً في غاية النظام، من غير أن تكون عاقلة، إنها ملهمة من قوى فاعلة هي أشرف منها وهي المسمى عقلاً"٥.
فالطبيعة عند الفلاسفة قوة تفعل فعلاً عقلياً، تدبر فيه كل ما تحت فلك القمر إلى الأرض، وهي مبدأ أول لذلك. فهي قوة مستقلة بالتأثير عما فوقها، وإن كانت متولدة عنها.
ومن الطبيعيين من يقول بأن الطبيعة هي التي أوجدت نفسها، وهي التي تخلق بنظام، وبدون نظام، يقول دارون: "إن الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق"، وقال: "إن الطبيعة تخبط خبط عشواء"٦.
وأهل الطبايع هم الذين قالوا بقدم الأرض والماء والنار والهواء٧.
стр. 398
٤ - الرد على الفلاسفة والطبائعيين:
قول الفلاسفة، والطبائعيين، في أن الطبيعة هي المدبرة لما في العالم، قول في غاية الفساد، ولم يقدم الطبائعيون دليلاً على ما صاروا إليه من القول بقدرة الطبيعة على الخلق، بل العلم الحديث يبطل ما قالوه، ومن وجوه بطلان قولهم:
أولاً: أن الفعل المنسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالماً، وليس قادراً؟ فإن قالوا: ولو كان الفاعل حكيماً لم يقع في بنائه خلل، ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة، فعلم أنه بالطبع. قلنا: ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة، التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع، فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء، والردع، والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها١.
ثانياً: أن يقال للطبائعيين: ماذا تعنون بكلمة الطبيعة؟ هل تعنون بها ذات الأشياء، أو صفاتها؟ فإن عنوا بالطبيعة ذات الأشياء فيكون على قولهم كل شيء خلق نفسه، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، فيصبح كل شيء هو الخالق والمخلوق، وبما أن المخلوق مفتقر إلى الخالق، فيكون هذا الشيء مفتقراً لنفسه، وهو موجود، فيجتمع فيه النقيضان، لاستحالة أن يكون موجوداً معدوماً بنفس الوقت، كما يستحيل أن يكون خالقاً ومخلوقاً، وبهذا يظهر بطلان هذا الادعاء وتهافته.
وإن عنوا بكلمة الطبيعة صفات الأشياء وقابلياتها من حرارة وبرودة وملاسة وخشونة، فقولهم هذا أكثر تهافتاً من سابقه، لأن من البديهيات أن الصفات والقابليات لا تقوم إلا بذات الأشياء، فهي مفتقرة للأشياء، فالصفة دائماً مفتقرة إلى الموصوف لأنها لا تظهر إلا به، وإذا كانت الأشياء الموصوفة ذاتها عاجزة عن إيجاد نفسها، فعجز الصفة والقابلية عن إيجاد موصوفاتها من باب أولى، بل إن الصفة نفسها بحاجة إلى موجد يوجدها في موصوفها، لأن الموصوف كما هو عاجز عن إيجاد نفسه، فهو عاجز عن إيجاد صفته٢.
стр. 399
ثالثاً: أن الطبع لا يكون مبدءاً لحركة الجسم، وانتقال أصله، إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه، كما يجمع بين الأجسام بالمزج والخلط، فتنتقل عن مراكزها ومحالها، المخالف لمقتضي طبعها، وعند التحقيق يعود الطبع إلى أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها، فيكون الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة، أو أمراً وجودياً منافياً للحركة، فالحركة الواردة عليها مخالفة له، والطبع جمود، وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات، فكيف بالحوادث الجوهرية. والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم، كما أن الحياة أيضاً مستلزمة للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من أئمة السنة١.
رابعاً: أن يقال: "من أين للطبيعة هذا الاختلاف، والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين صورهم؟ فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب..والحكمة البالغة في ذلك أن الناس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعينهم، وحلاهم، لما يجرى بينهم من المعاملات، فلولا الفرق والاختلاف في الصور، لفسدت أحوالهم، وتشتت نظامهم، ولم يعرف الشاهد من المشهود عليه، ولا المدين من رب الدين، ولا البائع من المشتري..وفي ذلك أعظم الفساد والخلل، فمن الذي ميز بين حلاهم، وصورهم، وأصواتهم، وفرق بينها بفروق لا تنالها العبارة، ولا يدركها الوصف؟ فسل المعطل: أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟ وأين قول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها، لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها! فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج - ٤٦] "٢.
ويقول أحد العلماء الغربيين:"..مما لا يتفق مع العقل والمنطق، أن يكون ذلك التصميم البديع للعالم من حولنا، إلا من إبداع إله أعظم، لا نهاية لتدبيره وإبداعه..حقيقة إن هذه طريقة قديمة من طرق الاستدلال على وجود الله، ولكن العلوم الحديثة قد جعلتها أشد
стр. 400
بياناً، وأقوى حجة منها في أي وقت مضى..إن الطبيعة لا تستطيع أن تصمم أو تبدع نفسها، لأن كل تحول طبيعي، لابد أن يؤدي إلى نوع من أنواع ضياع النظام، أو تصدع البناء العام"١.
ويقول جورج إيل دافز، عالم الطبيعة: "فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك، هو أنه ليس هناك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه"٢.
وبهذا يتبين أن قول الطبائعيين ظاهر الفساد، ومناقض للفطرة والعلم والعقل.
стр. 401
الاتحاد
١ - معنى الاتحاد في اللغة:
جاء في الصحاح "واستأحد الرجل انفرد"١. واستأحد واتحد انفرد٢.
وفي المعجم الوسيط: "اتحد انفرد، واتحد الشيئان، أو الأشياء صارت شيئاً واحداً"٣.
ولم يرد كلام عن لفظ الاتحاد في كتب اللغة المتقدمة٤، والمفهوم مما سبق أن الاتحاد يعني الانفراد، كما يعني كون الأشياء شيئاً واحداً.
كما لم يرد لفظ الاتحاد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ .
٢ - معنى الاتحاد في الاصطلاح:
يقول القاضي عبد الجبار في بيان معنى الاتحاد: "أما الكلام في الاتحاد فالأصل فيه أن نبين حقيقته أولاً. اعلم أن الاتحاد في اللغة افتعال من الوحدة، لأنهم متى اعتقدوا في الشيئين أنهما صارا شيئاً واحداً يقولون إنهما اتحدا، والشيئان وإن استحال أن يصيرا شيئاً واحداً، إلا أنهم إذا اعتقدوا صحته لم يكونوا مخطئين في التسمية، وإنما خطؤهم في المعنى"٥.
ويعرف الغزالي لفظ الاتحاد بشكل عام فيقول: "الاتحاد اسم مشترك، فيقال اتحاد لاشتراك أشياء في محمول واحد ذاتي أو عرضي، مثل اتحاد الكافور والثلج في البياض، والإنسان والثور في الحيوانية. ويقال اتحاد لاشتراك محمولات في موضوع واحد، مثل اتحاد الطعم والرائحة في التفاح. ويقال اتحاد لاجتماع الموضوع والمحمول في ذات واحدة، كجزئي الإنسان من البدن
стр. 402
والنفس. ويقال اتحاد لاجتماع أجسام كثيرة إما بالتتالي كالمائدة، وإما بالجنس كالكرسي والسرير، وإما باتصال أعضاء الحيوان.
وأحق هذا الباب باسم الاتحاد هو حصول جسم واحد بالعدد، من اجتماع أجسام كثيرة، لبطلان خصوصيتها؛ لأجل ارتفاع حدودها المنفردة، وبطلان استقلالاتها بالاتصال"١.
ويقول الجرجاني: "الاتحاد هو تصيير الذاتين واحدة، ولا يكون إلا في العدد من الاثنين فصاعداً "٢.
هذه تعريفات الاتحاد بشكل عام، فالاتحاد هو حصول شيء واحد بالعدد، من اجتماع اثنين أو أجسام كثيرة. والاتحاد هو حقيقة قول أهل وحدة الوجود، كما أن القول بالاتحاد هو من أسس النصرانية المحرفة.
أ - الاتحاد عند أهل وحدة الوجود:
مذهب وحدة الوجود مذهب الذين يوحدون الله والعالم، ويزعمون أن كل شيء هو الله، وأن الله هو الموجود المطلق، والعالم مظهر من مظاهر الذات الإلهية.
وهو مذهب قديم أخذت به الرواقية٣، والأفلاطونية الحديثة٤، والصوفية٥.
يقول شيخ الإسلام ﵀ مبيناً حقيقة مذهب أهل وحدة الوجود، وسبب تسميتهم اتحادية: "حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله - تعالى -، ليس وجودها غيره، ولا شيء سواه ألبتة..وأما وجه تسميتهم اتحادية، ففيه طريقان، أحدهما لا يرضونه، لأن الاتحاد على وزن الاقتران، والاقتران يقتضى شيئين، اتحد أحدهما بالآخر، وهم لا يقرون بوجودين أبداً، والطريق الثاني صحة ذلك، بناء على أن الكثرة صارت وحدة"٦.
стр. 403
فهم ينفون لفظ الاتحاد لأنه يعني أن الإثنينية، أو التعددية، هي الأصل في الوجود، وهم يرون خلاف ذلك.
فالاتحادية هم القائلون إن الوجود بأسره هو الحق، وأن الكثرة وهم، بل جميع الأضداد المتقابلة، والأشياء المتعارضة، الكل شيء واحد، هو معبودهم في زعمهم١.
ويظهر القول بوحدة الوجود، وبصورة جديدة، عند بعض فلاسفة الغرب، فهذا سبينوزا، الفيلسوف اليهودي الأصل، تظهر في فلسفته ملامح وحدة الوجود، حيث يتصور الطبيعة، أو الكون، ذات مظهرين، فهي فعالة حيوية خالقة من جهة، وهي منفعلة مخلوقة من جهة أخرى. وأن هذا الجانب المنفعل، هو المادة، وما تشتمل عليه الطبيعة من غابات وهواء وماء وغير ذلك، وهذه الطبيعة كلها من إنتاج الجانب الفعال وخلقه، وعندئذ يكون في الكون قوة خالقة تخلق الأشياء، وهي التي يسميها جوهر وهي الله - تعالى الله -، وفيه أشياء مخلوقة وهي الأعراض أو العالم، وهو يقول: "إن كل شيء كامن في الله، وكل شيء يحيا ويتحرك في الله". ويقول: "إن أعظم الخير هو معرفة الاتحاد بين العقل والطبيعة".فهو يرى أن الحقيقة هي أن انفصالنا الفردي مجرد وهم، وأننا أجزاء من مجرى القانون والسبب العظيم٢.كما يظهر في فلسفة كل من هيجل "١٧٧٠ - ١٨٣١م"، وشيلنج "١٧٧٥ - ١٨٥٤م"، وغيرهما من المثاليين الألمان، القول بوحدة الوجود، وأن المطلق هو الوجود الحقيقي، وأن الكثرة في حقيقتها واحدة٣.
فمذهب وحدة الوجود هو اعتقادهم بأن الكائنات المشهودة على كثرتها، هي عين وجود الله، وما هي إلا مظاهر لذاته المنبثة في الكون.
стр. 404
ب - معنى الاتحاد عند النصارى:
اختلف النصارى في معنى الاتحاد على عدة أقوال:
منهم من فسر الاتحاد بالاختلاط والامتزاج وهذا مذهب طوائف من اليعقوبية١ والنسطورية٢ والملكانية ٣، قالوا: إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته كما مازج الخمر الماء أو اللبن، فصارت شيئاً واحداً وصارت الكثرة قلة.
وقال بعض النصارى المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت، كظهور الصورة في المرآة، والنقش في الخاتم. وذهب كثير من هذه الطوائف إلى أن المراد بالاتحاد الحلول٤.
وعندهم أن الاتحاد لفظة مشتقة من الواحد٥.
وعلى هذا فالمراد بلفظ الاتحاد عند النصارى هو القول باختلاط وممازجة الكلمة لجسد المسيح، أو اقتران الذات الإلهية بالمسيح، أو حلول الذات الإلهية في المسيح.
٤ - الرد على الاتحادية:
اتفقت طوائف الأمة في الرد على الاتحادية؛ من أهل الوحدة، أو النصارى، وبيان باطلهم. وأدلة إبطال قولهم كثيرة، ومن وجوه الرد عليهم:
أولاً: أن كل آية في القرآن تبين أن لله ما في السماوات والأرض وما بينهما ونحو ذلك؛ فإنها تبطل هذا القول، فإن السماوات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، إذا كان الجميع له
стр. 405
وملكه ومخلوقه، امتنع أن يكون شيء من ذلك ذاته، فإن المملوك ليس هو المالك، والمربوب ليس هو الرب، والمخلوق ليس هو الخالق، ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية أن المخلوق هو الخالق، والمصنوع هو الصانع، حتى إنه يمتنع عندهم أنه يكون الله رب العالمين، كما يمتنع أن يكون رب نفسه، إذ ليس العالمون شيئاً خارجاً عن نفسه عندهم، ومن كلام السلف والأئمة في الرد على هؤلاء، الأثر المشهور عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، لا نقول كما تقول الجهمية أنه ها هنا في الأرض. وقول الإمام أحمد هكذا هو عندنا١.
ثانياً: يقول الرازي: "وأما القول بالاتحاد فهو أيضاً باطل، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد إن كانا باقيين فهما اثنان لا واحد. وإن عدما معا كان الحاصل ثالثاً مغايراً لهما، وإن بقي أحدهما وفني الآخر امتنع الاتحاد أيضاً لأن الموجود لا يكون عين المعدوم، فثبت بما ذكرنا أن القول بالحلول والاتحاد باطل"٢.
ثالثاً: أن الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام، فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال، وليس لها اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى، ولا اسم له. ويقولون إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون ترى الأشياء فيه. وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقاً بلا ريب، فلم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود٣.
رابعاً: مما يرد به على النصارى في الألفاظ التي يحتجون بها على الحلول؛ مثل كون الرب ظهر فيه أو حل أو سكن، فإن هذه الألفاظ موجودة عندهم في حق غير المسيح، بخلاف لفظ
стр. 406
الاتحاد فإنه لا يوجد عندهم عن الأنبياء لا في حق المسيح ولا غيره، كما لا يوجد عندهم عن الأنبياء لفظ الأقانيم١، ولا لفظ التثليث، ولا اللاهوت، والناسوت، فهم ابتدعوا ألفاظاً لم ينطق بها الأنبياء أثبتوا لها معاني، وابتدعوا استعمال ألفاظ الأنبياء في غير مرادهم، وحملوا مرادهم عليها، والألفاظ المتشابهة التي يحتجون بها على اتحاد اللاهوت بالناسوت موجودة عندهم في حق غير المسيح، فليس للمسيح خاصة في كلام الأنبياء توجب أن يكون هو الله، أو ابن الله، وتلك الألفاظ قد عرف باتفاقهم واتفاق المسلمين أن المراد بها حلول الإيمان بالله، ومعرفته وهداه، ونوره، ومثاله العلمي، في قلوب عباده الصالحين٢.
خامساً: أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، ولا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة٣.
فالاتحادية بجميع طوائفها عقيدة فاسدة، تبطل توحيد الربوبية، فضلاً عن توحيد الألوهية.
стр. 407
الحلول
١ - معنى الحلول في اللغة:
قال الخليل: "والحل والحلال والحلول والحلل جماعة الحال النازل"١.
وقال الجوهري: "وحل العذاب يحِل بالكسر، أي وجب، ويحُل بالضم أي نزل"٢.
وحلَّ بالمكان يحُل حلُولاً ومحَلاً وحَلاً، وذلك نزول القوم بمحلة، وهو نقيض الارتحال٣.
فالحلول من يحُل بمعنى النزول نقيض الارتحال، والحلول من يحِل بمعنى الوجوب.
٢ - معنى الحلول في الشرع:
ورد في كتاب الله - تعالى - الفعل يَحِل، وبعض تصريفاته، ومنها قوله - تعالى -: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه - ٨١] قال الراغب: "وحللت نزلت، أصله من حل الأحمال عند النزول، ثم جرد استعماله للنزول، فقيل: حل حلولاً، وأحله غيره"٤.
وورد في السنة أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" ٥. قال النووي في معنى حلت له الشفاعة: "أي وجبت، وقيل نالته"٦.
стр. 408
٣ - معنى الحلول في الاصطلاح:
يقول الجرجاني في تعريف الحلول: "الحلول السرياني عبارة عن اتحاد الجسمين، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، فيسمى الساري حالاً والمسري فيه محلاً، الحلول الجواري عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر، كحلول الماء في الكوز"١.
ويبين شيخ الإسلام أنواع الحلولية فيقول: "الحلولية على وجهين، أحدهما: أهل الحلول الخاص، كالنصارى والغالية من هذه الأمة الذين يقولون بالحلول إما في علي، وإما في غيره، والثاني: القائلون بالحلول العام، الذين يقولون في جميع المخلوقات نحوا مما قالته النصارى في المسيح ﵇، أو ما هو شر منه"٢.
والقائلون بالحلول العام هم الحلولية الذين يزعمون أن معبودهم في كل مكان بذاته، وينزهونه عن استوائه على عرشه، وعلوه على خلقه، ولم يصونوه عن أقبح الأماكن، وأقذرها وهؤلاء هم قدماء الجهمية، الذين تصدى للرد عليهم أئمة الحديث كأحمد بن حنبل وغيره٣.
فالحلول يقارب معنى الاتحاد من صيرورة الشيئين، شيئاً واحداً، لذا يطلق على الاتحادية أهل الوحدة، بأنهم حلولية، كما يطلق على النصارى بأنهم حلولية؛ لأن بعضهم يفسر الاتحاد بالحلول، ولقرب معناهما من بعض.
٤ - الرد على الحلولية:
قول الحلولية باطل من عدة وجوه منها:
أولاً: أن لفظ الحلول لفظ مجمل يراد به معنى باطل، ويراد به معنى حق، وقد جاء في كلام الأنبياء لفظ الحلول بالمعنى الصحيح، فتأوله من في قلبه زيغ كالنصارى، وأشباههم على المعنى الباطل، وقابلهم آخرون أنكروا هذا الاسم بجميع معانيه، وكلا الأمرين باطل،
стр. 409
فالناس يقولون أنت في قلبي، أو ساكن في قلبي، وأنت حال في قلبي، ونحو ذلك، وهم لا يريدون أن ذاته حلت فيه ولكن يريدون أن تصوره وتمثله وحبه وذكره حل في قلبه١.
ثانياً: أن الحلولية من الصوفية والنصارى جعلوا توحيدهم هو القول بالحلول، وقد كان أئمة القوم يحذرون عن مثل هذا، سئل الجنيد عن التوحيد فقال: هو إفراد الحدوث عن القدم، فبين أنه لابد للموحد من التمييز بين القديم الخالق، والمحدث المخلوق، فلا يخلط أحدهما بالآخر. وكثير من الحلولية والإباحية ينكر على الجنيد، وأمثاله، من شيوخ أهل المعرفة، المتبعين للكتاب والسنة، ما قالوه من نفي الحلول، وما قالوه في إثبات الأمر والنهي، ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها هو وأمثاله من الحلولية والإباحية٢.
ثالثاً: أن سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين، أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة، من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أثبتوا أن الله فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضاً مع العباد عموماً بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضاً قريب مجيب٣. وهذا لايستلزم حلوله في خلقه.
وما سبق به الرد على الاتحادية يرد به على الحلولية، لأن فحوى القولين واحد.
стр. 410
التثليث
١ - معنى التثليث في اللغة:
قال الجوهري: "الثلاثة في عدد المذكر، والثلاث في عدد المؤنث..وأثلث القوم صاروا ثلاثة "١.
وثلث الاثنين، يثلثهما، ثلثاً، صار لهما ثالثاً، وثلثت القوم، أثلثهم، إذا كنت ثالثهم، وكملتهم ثلاثة بنفسك٢.
والتثليث أن تسقي الزرع سقية أخرى بعد الثنيا٣. فالتثليث إذاً كون الشيء ثلاثة في العدد.
٢ - معنى التثليث في الشرع:
ورد في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ لفظ ثالث وثلاثة ونحوها، قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة - ٧٣] ، وقال - تعالى -: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ [النساء - ١٧١] ، قال شيخ الإسلام ﵀: "فذكر - سبحانه - في هذه الآية التثليث، والاتحاد، ونهاهم عنهما، وبين أن المسيح إنما هو رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ، ثم قال: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ ولم يذكر هنا أمه "٤. ومن السنة قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى" ٥.
стр. 411
والتثليث هو اعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة، أب وابن وزوجة، أو الأب والابن والروح القدس، يقول ابن عباس ﵁ في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء - ١٧١] " يريد بالتثليث الله - تعالى - وصاحبته وابنه"١. ويقول الطبري إن النصارى قبل افتراقهم: "يقولون الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم، أباً والداً غير مولود، وابناً مولوداً غير والد، وزوجة متتبعة بينهما"٢. كما يذكر القاضي عبد الجبار إن معنى التثليث عند النصارى هو: "إنه - تعالى - جوهر واحد، وثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، يعنون به ذات الباري عز اسمه؛ وأقنوم الابن، أي الكلمة، وأقنوم روح القدس، أي الحياة"٣.
وقال القرطبي: "والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث، ويقولون إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كل أقنوم إلهاً، ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح..ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله على يديه من خوارق العادات"٤.
ويقول الدكتور يوسف بوست، في قاموس الكتاب المقدس: "طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهية على السواء"٥.
وهذا يبين مدى الشرك الذي عليه النصارى، إذ أثبتوا ثلاثة أرباب فاعلين.
стр. 412
٣ - الرد على النصارى:
لقد رد كثير من الأئمة على قول النصارى بالتثليث، وبينوا مدى مخالفته للعقل ولشرائع الأنبياء، ومن وجوه الرد عليهم:
أولاً: أنه لا يوجد في كلام الأنبياء ما يدل على ما ذكروه من التثليث، بل إثبات ما ادعوه من التثليث والتعبير عنه بهذه الألفاظ هو مما ابتدعوه لم يدل عليه لا شرع ولا عقل١، بل التوراة التي يؤمنون بها ليس فيها أي ذكر للتثليث.
ثانياً: يقال لهم: أخالق العالم عندكم خالق واحد، وهو إله واحد، أم للعالم ثلاثة آلهة خالقون؟ فإن قالوا إن الخالق واحد، وهم ثلاثة آلهة خالقون، كما أنهم في كثير من كلامهم يصرحون بثلاثة آلهة، وثلاثة خالقين، ثم يقولون إله واحد، وخالق واحد، فيقال هذا تناقض ظاهر، فإما هذا وإما هذا، وإذا قلتم الخالق واحد له ثلاث صفات، لم ننازعكم في أن الخالق له صفات لكن لا يختص بثلاثة، فإن قالوا بثلاثة آلهة خالقين، كما قد كثر منهم في كثير من كلامهم، بان أن شركهم أعظم من كل شرك في العالم، فغاية المجوس الثنوية إثبات اثنين نور وظلمة، وهؤلاء يثبتون ثلاثة، ثم الأدلة السمعية في التوراة، والإنجيل والزبور وسائر كلام الأنبياء، مع الأدلة العقلية المبينة لكون الخالق واحداً، كثيرة جداً لا يمكن حصرها٢.
ثالثاً: أنهم اضطربوا واختلفوا في معنى أقنوم الابن، تارة يقولون هو علم الله، وتارة يقولون هو حكمة الله، وتارة يقولون هو كلمة الله، وتارة يقولون هو نطق الله. وروح القدس تارة يقولون هو حياة الله، وتارة يقولون هو قدرة الله. والكتب المنقولة عن الأنبياء عندهم، ليس فيها تسمية شيء من صفات الله، لا باسم ابن، ولا باسم روح القدس، فلا يوجد أن أحداً من الأنبياء سمى علم الله، وحكمته، وكلامه، ابناً، ولا سمى حياة الله، أو قدرته، روح القدس٣. فشرك النصارى وكفرهم ظاهر في قولهم بالتثليث، وهو مما حرفوا به دين عيسى ﵇.
стр. 413
الثنوية
١ - معنى الثنوية في اللغة:
قال الخليل: "ثنَّيْتُ الشيء تثنية جعلته اثنين، وثَنَى رجله عن دابته ضم ساقه إلى فخذه فنزل عن دابته، وثنيّت الرجل فأنا ثانيه، وأنت أحد الرجلين لا يتكلم به إلا كذلك.. لا يقال ثنيت فلاناً أي صرت ثانيه كراهية الالتباس، وتقول صرت له ثانياً، أو معه ثانياً"١.
والثني ضم واحد إلى واحد، وكذا التثنية٢. فالتثنية هي ضم واحد لآخر ليكونا اثنين.
وقد ورد في كتاب الله لفظ اثنين واثنتين واثنان ونحوها قال - تعالى -: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة - ٤٠] . وورد في السنة مثل ذلك ومنه قوله ﷺ : "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" ٣.
٢ - معنى الثنوية في الاصطلاح:
الثنوية من المجوس قالوا بإلهين اثنين هما النور والظلمة، وقالوا بأزلية النور واختلفوا في أزلية الظلمة، يقول شيخ الإسلام في تعريف هذه الفرقة: "الثنوية من المجوس ونحوهم يقولون إن العالم صادر عن أصلين؛ النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم"٤.
وقال في تفصيل قولهم: "وأما المجوس الثنوية فهم أشهر الناس قولاً بإلهين، لكن القوم متفقون على أن الإله الخير المحمود هو النور الفاعل للخيرات، وأما الظلمة التي هي فاعل الشرور فلهم
стр. 414
فيها قولان: أحدهما: أنه محدث حدث عن فكرة رديئة من النور، وعلى هذا فتكون الظلمة مفعولاً للنور. لكنهم جهال أرادوا تنزيه الرب عن فعل شر معين فجعلوه فاعلاً لأصل الشر، ووصفوه بالفكرة الرديئة التي هي من أعظم النقائص، وجعلوها سبباً لحدوث أصل الشر. والقول الآخر قولهم إن الظلمة قديمة كالنور، فهؤلاء أثبتوا قديمين، لكن لم يجعلوهما متماثلين ولا مشتركين في الفعل، بل يمدحون أحدهما ويذمون الآخر"١.
ويرى جماعة من النظار كالباقلاني، والجويني، والقاضي عبد الجبار، والشهرستاني، وابن الجوزي؛ أن الثنوية تختلف عن المجوس، لقول الثنوية بقدم الأصلين النور والظلمة، وقول المجوس بقدم النور وحدوث الظلمة. يقول الشهرستاني: "الثنوية هؤلاء هم أصحاب الاثنين الأزليين، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه"٢.
ويقول ابن الجوزي: "الثنوية وهم قوم قالوا صانع العالم اثنان؛ ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين، حساسين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير"٣.
وقد افترقت الثنوية إلى عدة فرق ذكر بعضها الرازي حيث يقول: "الثنوية وهم أربع فرق الفرقة الأولى: المانوية أتباع ماني..قال إن للعالم أصلين نور وظلمة وكلاهما قديمان.
الثانية: الديصانية وهم يقولون بالنور والظلمة أيضاً، والفرق بينهم وبين المانوية أنهم يقولون: إن النور والظلمة حيان والديصانية يقولون إن النور حي والظلمة ميتة.
الثالثة: المرقونية وهم يثبتون متوسطاً بين النور والظلمة، ويسمون ذلك المتوسط المعدل.
الرابعة: المزدكية أتباع مزدك بن نامدان ادعى النبوة وأظهر دين الإباحة"٤.
стр. 415
واعتقاد الثنوية بوجود إلهين للعالم مذهب ظاهر الفساد، ترفضه الفطرة والعقل الصحيح، ولا يستحق صرف الوقت في نقضه. يقول القاضي عبد الجبار: "اعلم أن كثيراً من المذاهب يستغنى بذكر تفصيله عن التشاغل بذكر نقضه وإفساده؛ لتناقضه في نفسه وكونه غير مبني على الأدلة والحجاج وعلى أصول مقررة، ولكون كثير منه غير معقول، ومذاهب الثنوية من هذا القبيل "١.
стр. 416
السحر
١ - معنى السحر في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "السحر كل ما كان من الشيطان فيه معونة، والسحر الأخذة التي تأخذ العين، والسحر البيان في الفطنة، والسَّحْر فعل السِّحْر.. والسَّحْر الغذو كقول امرئ القيس: ونسحر بالطعام وبالشراب١"٢.
وقال الجوهري: "السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر"٣. وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق، وخيل الشيء على غير حقيقته، قد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه، والسحر الخديعة، والسحر الغذاء، وغيث ذو سِحْر إذا كان ماؤه أكثر مما ينبغي٤.
هذه معاني السحر في اللغة، فهو كل ما لطف مأخذه ودق، والعمل الذي فيه معونة من الشيطان، وهو الأخذة، وهو صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وهو الخديعة، والبيان في فطنة، والسحر أيضاً الغذاء.
стр. 417
٢ - معنى السحر في الشرع:
ورد لفظ السحر في آيات كثيرة، ومنها قوله - تعالى -: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة - ١٠٢] وقوله - سبحانه -: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس - ٨١] .
كما ورد لفظ السحر في السنة، ومن ذلك قوله ﷺ : "اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر" ١، وقول رسول الله ﷺ : "إن من البيان لسحرا" ٢. والسحر في الشرع يطلق على عدة معان مختلفة كما هو في اللغة، ولذلك يقول الشافعي ﵀: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة"٣.
وقال الشنقيطي ﵀: "اعلم أن السحر في الاصطلاح، لا يمكن حده بحد جامع، مانع، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها، يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً"٤.
وفيما يلي بعض التعريفات للسحر، وهي تعريفات متباينة - كما قال الشنقيطي ﵀، وذلك لأن كل تعريف منها قد تضمن نوعاً من أنواع السحر.
يقول الطبري ﵀: "معنى السحر تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته"٥.
ويعرف الجصاص٦ ﵀ السحر بأنه: "كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع"٧، وهذا بمعنى تعريف الطبري.
стр. 418
ويقول ابن قدامة١ ﵀: "السحر عزائم ورقى وعقد، تؤثر في الأبدان، والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه"٢. وهذا الذي عرفه ابن قدامه نوع من السحر يختلف عن النوع الذي قبله.
كما عُرف السحر بأنه: "مزاولة النفوس الخبيثة، لأفعال وأقوال، يترتب عليها أمور خارقة للعادة"٣، وهذا نوع آخر.
وقيل إن المراد بالسحر أمر غريب يشبه الخارق، إذ يجري فيه التعلم، ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح قولاً كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك، ومدح الشيطان، وتسخيره، وعملاً كعبادة الكواكب، والتزام الجنابة، وسائر الفسوق، واعتقاداً كاستحسان ما يوجب التقرب إليه، ومحبته إياه٤.
وقد عد بعض العلماء أنواعاً كثيرة للسحر٥، منها ما هو مذكور في التعريفات السابقة.
٣ - معنى السحر عند الفلاسفة والمتكلمين:
السحر عند ابن سينا ومن تابعه، قوى نفسانية، تؤدي إلى أمور غريبة، تنبعث في عالم الطبيعة، مرادها الشر، حيث قال في إشاراته: "الأمور الغريبة تنبعث في عالم الطبيعة من مبادىء ثلاثة: أحدها: الهيئة النفسانية المذكورة، وثانيها: خواص الأجسام العنصرية، مثل جذب المغناطيس الحديد بقوة تخصه، وثالثها: قوى سماوية، بينها وبين أمزجة أجسام أرضية مخصوصة، بهيئات وضعية، أو بينها وبين قوى نفوس أرضية، مخصوصة بأحوال فلكية فعلية، أو انفعالية، تستتبع حدوث آثار غريبة. والسحر من قبيل القسم الأول، بل المعجزات،
والكرامات. والنيرنجيات٦ من قبيل القسم الثاني.
стр. 419
والطلمسات١ من قبيل القسم الثالث"٢.
وأما الرازي فمضطرب في تعريف السحر، ففي كتابه المحصل يخالف تعريف ابن سينا،
بينما يوافقه في المباحث المشرقية، وفي المطالب العالية يجعل تعريف ابن سينا نوعاً من أنواع السحر٣. وقول ابن سينا إن السحر، بل المعجزات، والكرامات، من قبيل القوى النفسانية قول باطل، ومن وجوه بطلانه:
الأول: أن كثيراً من السحر يكون بالشياطين، كما قال - تعالى -: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة - ١٠٢] ، وكتب السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم٤، فدل هذا على أن السحر يكون من الاستعانة بالشياطين، وليس لقوة النفس.
ثانياً: أنهم حصروا الوجود وأسبابه، فيما علموه، ولا علم عندهم بانتفاء ما لم يعلموه، وغاية أحدهم أن ينفي الشيء، لانتفاء دليل معين، وهذا غاية الجهل٥.
ثالثاً: أن قولهم هذا مبني على زعمهم أن النبوة مكتسبة، ولا فرق في حقيقة المعجزة عن السحر والكرامة وهذا باطل، إذ النبوة محض اصطفاء من الله، يخرق العادة للنبي ليعجز الناس عن أن يأتوا بمثله، ولذلك آمن السحرة بموسى لأنه جاء بما لم يستطيعوا من خرق العادة. فالقول بأن السحر والمعجزة والكرامة قوة نفسانية قول غير صحيح ولا دليل عليه.
أما المتكلمون؛ فمختلفون إذ معظم المعتزلة ينكرون وجود الجن، وبنوا على ذلك أن السحر يكون بالتخييل والوهم، وليس بخارق للعادة. فقد أثبتوا نوعاً من أنواع السحر وهو التخييل، ونفوا ما عداه٦.
стр. 420
وكثير من متكلمي الأشاعرة ومن وافقهم لم يعرفوا الفرق بين المعجزة والسحر والكرامة، فجعلوا الخوارق جنساً واحداً، وقالوا كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة، والاستدلال بها والتحدي بمثلها، وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة فلابد أن يسلبه الله ما كان معه من ذلك، وأن يقيض له من يعارضه، ولو عارض واحد من هؤلاء النبي لأعجزه الله١. وقابلهم الفلاسفة فجعلوا الجميع قوة نفسانية، وكلا القولين باطل، وإن كان قول الفلاسفة أكثر بطلاناً لأنه مبني على أن النبوة مكتسبة.
وأما حصر كثير من المعتزلة للسحر في التخييل والوهم ففاسد، مخالف للواقع من حال السحرة وما يحصل منهم، وأبطل منه إنكارهم للجن وهو مخالف لصريح القرآن.
أما الأشاعرة ومن وافقهم فقد وضعوا شروطاً للمعجزة من غير دليل يدل على صحة ما ذهبوا إليه، فهو تحكم ممنوع، بل من الممكن أن يبتلي الله الناس بمدع للنبوة مؤيد بخارق من السحر، ولا يعارضه أحد. لكن المدعي يظهر أن سمته ليس هو سمت الأنبياء، حيث يظهر على المدعي من الفجور واستحواذ الشياطين عليه ما يفضح حاله.
٤ - حكم السحر:
السحر حرام بلا خلاف بين أهل العلم٢، وهل يكفر الساحر أم لا؟ فيه تفصيل، يقول الإمام الشافعي: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة، فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل وأخذ ماله فيئا، وإن كان ما يسحر به كلاماً لا يكون كفراً، وكان غير معروف، ولم يضر به أحداً نهى عنه، فإن عاد عزر، وإن كان يعلم أنه يضر به أحداً من غير قتل فعمد أن يعمله عزر، وإن كان يعمل عملاً إذا عمله قتل المعمول به، وقال عمدت قتله، قتل به قوداً، إلا أن يشاء أولياؤه أن يأخذوا ديته.."٣.
стр. 421
التولة
١ - معنى التولة في اللغة:
قال الخليل: "التِّوَلَة ويقال التُّوَلَة التعاويذ "١.
والتُوَلة هي بضم التاء وفتح الواو الداهية، والتِِولة ضرب من الخرز يوضع للسحر فتحبب بها المرأة إلى زوجها، وقيل: هي معاذة تعلق على الإنسان. وقال ابن الأعرابي: تال يتول إذا عالج التولة، وهي السحر٢.
فالتولة في اللغة نوع من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها، وهي ضرب من الخرز والتعاويذ.
٢ - معنى التولة في الشرع:
ورد لفظ التولة في قوله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ٣، قال ابن الأثير: "التولة بكسر التاء وفتح الواو ما يحبب المرأة إلى زوجها، من السحر وغيره"٤.
وقال ابن حجر ﵀: "التولة بكسر المثناة، وفتح الواو واللام مخففاً، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر"٥.
والرقى والتمائم المذكورة في الحديث المراد بها الرقى والتمائم الشركية، والتولة حكمها حكم السحر لأنها منه، وهي شرك بنص كلام الرسول ﷺ .
стр. 422
التنجيم
١ - معنى التنجيم في اللغة:
يقول الخليل: "النجم اسم يقع على الثريا، وكل منزل من منازل القمر سمي نجماً، وكل كوكب من أعلام الكواكب يسمى نجماً، والنجوم تجمع الكواكب كلها، ويقال لمن تفكر في أمره لينظر كيف يدبره نظر النجوم..والمنجم الذي ينظر في النجوم، والنجوم وظائف الأشياء، وكل وظيفة نجم..والنجم من النبات مالم يقم على ساق، كساق الشجر..ونجم الناب إذا طلع، وأنجمت السماء، بدت نجومها "١.
وفي لسان العرب:" والمنجم والمتنجم الذي ينظر في النجوم، يحسب مواقيتها وسيرها "٢.
فالمنجم هو الذي ينظر في النجوم، يحسب مواقيتها وسيرها، والتنجيم فعل ذلك.
٢ - معنى التنجيم في الشرع:
ورد في كتاب الله لفظ النجوم ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات - ٨٨] ، وورد لفظ النجم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل - ١٦] .
ومن السنة قوله ﷺ : "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"٣، وقوله ﷺ : "من اقتبس علماً من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" ٤.
стр. 423
وعلم النجوم المذكور في هذا الحديث هو التنجيم، وهو الاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية، وهو كما ذكر الرسول ﷺ ضرب من السحر.
قال الخطابي١ ﵀ شارحاً معنى التنجيم: "علم النجوم المنهي عنه، هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن، والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيراً في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها"٢.
ويعرف شيخ الإسلام التنجيم باختصار فيقول: "والتنجيم كالاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية"٣.
وقال ﵀ مبيناً معنى التنجيم: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية، بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية"٤.
أما الأحكام هنا فيراد به الأحوال الغيبية، المستنتجة من مقدمات معلومة، هي الكواكب من جهة حركاتها، ومكانها، وزمانها، وهو الاستدلال بالتشكيلات الفلكية من أوضاعها، وأوضاع الكواكب؛ من المقابلة، والمقارنة وغيرها، على الحوادث الواقعة في عالم الكون، وفي أحوال الجو، والمعادن، والنبات، والحيوان٥. وهذا هو التنجيم.
стр. 424
٣ - حكم التنجيم:
التنجيم وفق التعريف السابق محرم، فإن اعتقد أن الكواكب فاعلة مختارة فهو كفر.
قال شيخ الإسلام: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية، صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل"١.
والتنجيم أنواع:
أحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة، وهذا كفر بالإجماع، وهذا قول مشركي الصابئة٢.
الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، واجتماعها، وافتراقها، ونحو ذلك، ويقول إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، وهذا محرم، ومنه الاستسقاء بالأنواء٣، وسيأتي تفصيله.
الثالث:" ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوما، ويجري على ذلك أسماء الآدميين، والأزمة، والأمكنة، وغيرها، ويجمع جمعاً معروفاً عنده، ويطرح منها طرحاً خاصاً، ويثبت إثباتاً خاصاً، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس، وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان"٤، وهذا محرم، لما فيه من ادعاء علم الغيب.
стр. 425
أما استخدام أهل الحساب والهندسة والمنطق لحروف المعجم، ولفظها أبجد هوز حطي، كعلامات على مراتب العدد، أو علامات على الخطوط المكتوبة، أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة، فهذا ليس داخل في المنهي عنه١.
الرابع: هو تعلم منازل الشمس والقمر، للاستدلال بذلك على القبلة، وأوقات الصلوات، والفصول، وقد اختلف السلف فيه؛ مابين الجواز والكراهية٢. ولعل الأولى جوازه لعدم وجود المحظور فيه، إضافة إلى فائدته في معرفة أوقات الصلاة، والقبلة، ونحوها من الأمور الضرورية شرعاً.