التولة
١ - معنى التولة في اللغة:
قال الخليل: "التِّوَلَة ويقال التُّوَلَة التعاويذ "١.
والتُوَلة هي بضم التاء وفتح الواو الداهية، والتِِولة ضرب من الخرز يوضع للسحر فتحبب بها المرأة إلى زوجها، وقيل: هي معاذة تعلق على الإنسان. وقال ابن الأعرابي: تال يتول إذا عالج التولة، وهي السحر٢.
فالتولة في اللغة نوع من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها، وهي ضرب من الخرز والتعاويذ.
٢ - معنى التولة في الشرع:
ورد لفظ التولة في قوله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ٣، قال ابن الأثير: "التولة بكسر التاء وفتح الواو ما يحبب المرأة إلى زوجها، من السحر وغيره"٤.
وقال ابن حجر ﵀: "التولة بكسر المثناة، وفتح الواو واللام مخففاً، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر"٥.
والرقى والتمائم المذكورة في الحديث المراد بها الرقى والتمائم الشركية، والتولة حكمها حكم السحر لأنها منه، وهي شرك بنص كلام الرسول ﷺ .
стр. 422
التنجيم
١ - معنى التنجيم في اللغة:
يقول الخليل: "النجم اسم يقع على الثريا، وكل منزل من منازل القمر سمي نجماً، وكل كوكب من أعلام الكواكب يسمى نجماً، والنجوم تجمع الكواكب كلها، ويقال لمن تفكر في أمره لينظر كيف يدبره نظر النجوم..والمنجم الذي ينظر في النجوم، والنجوم وظائف الأشياء، وكل وظيفة نجم..والنجم من النبات مالم يقم على ساق، كساق الشجر..ونجم الناب إذا طلع، وأنجمت السماء، بدت نجومها "١.
وفي لسان العرب:" والمنجم والمتنجم الذي ينظر في النجوم، يحسب مواقيتها وسيرها "٢.
فالمنجم هو الذي ينظر في النجوم، يحسب مواقيتها وسيرها، والتنجيم فعل ذلك.
٢ - معنى التنجيم في الشرع:
ورد في كتاب الله لفظ النجوم ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات - ٨٨] ، وورد لفظ النجم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل - ١٦] .
ومن السنة قوله ﷺ : "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"٣، وقوله ﷺ : "من اقتبس علماً من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" ٤.
стр. 423
وعلم النجوم المذكور في هذا الحديث هو التنجيم، وهو الاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية، وهو كما ذكر الرسول ﷺ ضرب من السحر.
قال الخطابي١ ﵀ شارحاً معنى التنجيم: "علم النجوم المنهي عنه، هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن، والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيراً في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها"٢.
ويعرف شيخ الإسلام التنجيم باختصار فيقول: "والتنجيم كالاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية"٣.
وقال ﵀ مبيناً معنى التنجيم: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية، بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية"٤.
أما الأحكام هنا فيراد به الأحوال الغيبية، المستنتجة من مقدمات معلومة، هي الكواكب من جهة حركاتها، ومكانها، وزمانها، وهو الاستدلال بالتشكيلات الفلكية من أوضاعها، وأوضاع الكواكب؛ من المقابلة، والمقارنة وغيرها، على الحوادث الواقعة في عالم الكون، وفي أحوال الجو، والمعادن، والنبات، والحيوان٥. وهذا هو التنجيم.
стр. 424
٣ - حكم التنجيم:
التنجيم وفق التعريف السابق محرم، فإن اعتقد أن الكواكب فاعلة مختارة فهو كفر.
قال شيخ الإسلام: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية، صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل"١.
والتنجيم أنواع:
أحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة، وهذا كفر بالإجماع، وهذا قول مشركي الصابئة٢.
الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، واجتماعها، وافتراقها، ونحو ذلك، ويقول إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، وهذا محرم، ومنه الاستسقاء بالأنواء٣، وسيأتي تفصيله.
الثالث:" ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوما، ويجري على ذلك أسماء الآدميين، والأزمة، والأمكنة، وغيرها، ويجمع جمعاً معروفاً عنده، ويطرح منها طرحاً خاصاً، ويثبت إثباتاً خاصاً، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس، وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان"٤، وهذا محرم، لما فيه من ادعاء علم الغيب.
стр. 425
أما استخدام أهل الحساب والهندسة والمنطق لحروف المعجم، ولفظها أبجد هوز حطي، كعلامات على مراتب العدد، أو علامات على الخطوط المكتوبة، أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة، فهذا ليس داخل في المنهي عنه١.
الرابع: هو تعلم منازل الشمس والقمر، للاستدلال بذلك على القبلة، وأوقات الصلوات، والفصول، وقد اختلف السلف فيه؛ مابين الجواز والكراهية٢. ولعل الأولى جوازه لعدم وجود المحظور فيه، إضافة إلى فائدته في معرفة أوقات الصلاة، والقبلة، ونحوها من الأمور الضرورية شرعاً.
стр. 426
الاستسقاء بالأنواء
١ - معنى الاستسقاء بالأنواء في اللغة:
أ - معنى الاستسقاء في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "السقيا اسم السقي، والسقاء القربة للماء واللبن، والسقاية الموضع يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها.. والاستقاء الأخذ من النهر والبئر"١.
وقال الجوهري: "وسقاه الله الغيث وأسقاه..السقي على فعيل السحابة العظيمة القطر، الشديدة الوقع"٢. فالاستسقاء في اللغة طلب السقيا.
ب - معنى الأنواء في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "النوء مهموز من أنواء النجوم، وذلك إذا سقط نجم بالغداة فغاب مع طلوع الفجر، وطلع في حياله نجم في تلك الساعة، على رأس أربعة عشر منزلاً من منازل القمر، سمي بذلك السقوط والطلوع نوءاً من أنواء المطر والحر والبرد، وذلك من قولك ناء ينوء.. والشيء إذا مال إلى السقوط، تقول ناء ينوء نوءاً، بوزن ناع، وإذا نهض في تثاقل يقال ناء ينوء به نوءاً إذا أطاقه"٣.
وقال الجوهري: "قال أبو عبيد: ولم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مطرنا بنوء كذا. والجمع أنواء ونوآن أيضاً"٤.
فالنوء يطلق على النجم وعلى السقوط والنهوض في تثاقل.
والاستسقاء بالأنواء في اللغة يعني طلب أو نسبة السقيا إلى النجوم بسقوطها وطلوعها.
стр. 427
٢ - معنى الاستسقاء بالأنواء في الشرع:
لفظ الاستسقاء بالأنواء بهذا التركيب لم يرد في كتاب الله، ولكن ورد في السنة لفظ الاستسقاء بالنجوم، والاستسقاء بالأنواء، فعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ١، كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة - ونسي الثالثة - قال سفيان: ويقولون إنها الاستسقاء بالأنواء"٢.
قال في تيسير العزيز الحميد في معنى الاستسقاء بالأنواء: "والمراد نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء وهي منازل القمر"٣.
فالاستسقاء بالأنواء هو نسبة السقيا ومجيء المطر إلى أنواء النجوم، وذلك إذا سقط نجم بالغداة فغاب مع طلوع الفجر، وطلع في حياله نجم في تلك الساعة، على رأس أربعة عشر منزلاً من منازل القمر٤.
٣ - حكم الاستسقاء بالأنواء:
الاستسقاء بالأنواء، وهو الاستسقاء بالنجوم، نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت - ٦٣] ، وليس هذا معنى الحديث فالنبي ﷺ أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر فهو كافر.
стр. 428
الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم مع اعتقاده أن الله - تعالى - هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، وفيه خلاف في مذهب الإمام أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه، والصحيح أنه محرم لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده النبي ﷺ وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجوداً في هذه الأمة إلى اليوم١.
ويدل على ذلك ما ورد في الصحيحين عن زيد بن خالد قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف النبي ﷺ أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ٢. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا", وفي رواية: "بكوكب كذا وكذا" ٣.
стр. 429
الطِّلسم
١ - معنى الطلسم في اللغة:
قال الجوهري: "طرسم الرجل: أطرق. وطَلْسم مثله"١.
وفي لسان العرب: "طَلْسَم الرجل كره وجهه وقطبه"٢.
فقد ذكروا معنى طَلسم في اللغة، وهو الإطراق وتقطيب الوجه، ولم يذكروا الطِّلسم بكسر الطاء وتشديدها، وهو المطلوب.
وفي كشف الظنون:"ومعنى الطِّلسم عقد لا ينحل، وقيل مقلوب اسمه أي المسلط، لأنه من القهر والتسلط"٣. ونقض هذا الكلام شهاب الدين الخفاجي٤ في شفاء الغليل حيث قال:"طلسم لفظ يوناني، لم يعربه من يوثق به، وكونه مقلوباً من مسلط وهم لا يعتد به"٥.
والطلسم لفظ يوناني لكل ما هو غامض مبهم، كالألغاز والأحاجي٦.
٢ - معنى الطلسم في الاصطلاح:
يعرف ابن سينا الطلسمات بأنها: "تمزيج القوى الفعالة السماوية، بالقوى المنفعلة الأرضية"٧.
وقال الرازي: "الطلسم عبارة عن تمزيج القوى الفعالة السماوية، بالقوى المنفعلة الأرضية، لإحداث ما يخالف العادة، أو للمنع مما يوافق العادة"٨.
стр. 430
وعرف الطلسم في كشف الظنون بأنه: "علم باحث عن كيفية تركيب القوى السماوية الفعالة، مع القوى الأرضية المنفعلة، في الأزمنة المناسبة للفعل والتأثير المقصود، مع بخورات مقوية، جالبة لروحانية الطلسم، ليظهر من تلك الأمور في عالم الكون والفساد أفعال غريبة، وهو قريب المأخذ بالنسبة إلى السحر"١.
فالطلسمات داخلة في علم النجوم والسحر، وذلك أن النجوم التي من السحر نوعان:
أحدهما: علمي وهو الاستدلال بحركات النجوم، على الحوادث.
والثاني: عملي، وهو الذي يقولون إنه تمزيج القوى السماوية، بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم ونحوها، وهذا من أرفع أنواع السحر٢.
فالطلاسم ضرب من السحر والتنجيم، تتشكل فيه الشياطين على هيئة روحانيات الكواكب، لتؤثر في الحوادث الأرضية.
والطلاسم تحوي تعظيماً وعبادة للجن به يستجلبون معاونته، ويعتقدون مع ذلك أن الفاعل والمؤثر هو الكوكب، إذ إن ما يظهر لهم من الجن ويخاطبهم، يعتقدون أنها أرواح الكواكب تخاطبهم، وهم بهذا جهال ومشركون، والشرك فيها ظاهر.
стр. 431
الكهانة
١ - معنى الكهانة في اللغة:
الكاهن معروف كَهَنَ له يَكْهُنُ كِهَانة١، وتَكَهن تَكُهنا، قضى له بالغيب، والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. والكاهن أيضاً في كلام العرب الذي يقوم بأمر الرجل، ويسعى في حاجته، والقيام بأسبابه وأمر حُزانته. والعرب تسمي كل من يتعاطى علماً دقيقاً كاهناً، ومنهم من كان يسمي المنجم، والطبيب، كاهناً٢.
٢ - معنى الكهانة في الشرع:
ورد في القرآن الكريم قوله - تعالى -: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور - ٢٩] ، وورد في السنة قوله ﷺ : "من أتى عرافاً، أو كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ٣.
وفي معنى الكاهن يقول إبراهيم الحربي٤ ﵀: "الكاهن الذي يخبر بما يكون برأيه وظنه"٥.
وقال الخطابي ﵀: "الكاهِنُ هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن"٦.
стр. 432
وقال ابن الأثير: "الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار"١. وقال ابن قدامة: "الكاهن الذي له رئي من الجن تأتيه بالأخبار"٢.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في معنى الكهانة أنها: "الإخبار ببعض الغائبات عن الجن"٣.
وقال ابن حجر ﵀: "والكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها، ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن. والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه"٤.
ويقول القاضي عياض ﵀ مبيناً أنواع الكهانة: "كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها: يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السماء، وهذا القسم باطل من حين بعث النبي ﷺ .
الثاني: أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض، وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده..
الثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله - تعالى - فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفته بها، وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة، وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم والله أعلم "٥. والطرق الذي هو من أضرب الكهانة هو الضرب بالحصا، وقيل هو الخط في الرمل٦.
стр. 433
فالكاهن إذاً لفظ عام، يدخل فيه كل من يدعي علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن في مستقبل الزمان، من طريق الجن أو غيرهم، ويدخل في ذلك العراف، والمنجم، والذي يضرب بالحصى أو يخط في الأرض، وقد يختص العراف بمن يدعي معرفة الأمور الماضية، والكاهن من يدعي علم الغيب من حيث معرفة الكوائن في مستقبل الزمان.
٣ - حكم الكهانة:
سبق ذكر قوله ﷺ : "من أتى عرافاً أو كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ١، وهذا الحديث يبين بجلاء حكم الكهانة وأنها محرمة، فإذا كان قد أطلق الكفر على من يأتي الكاهن ويصدقه، فالكاهن نفسه أولى بذلك الحكم. وقد اختلف الفقهاء في الكاهن، والعراف، هل يلحقون بالسحرة الذين يقتلون أم يعزرون فقط، على قولين: أحدهما أنه لا يكفر بذلك، ولا يقتل بل يعزر، وهو الصحيح من المذهب - كما يقول ابن قدامة -، والوجه الثاني أن حكمهم حكم السحرة الذين يقتلون٢.
стр. 434
الطِّيَرة
١ - معنى الطيرة في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "الطِّيَرة مصدر قولك اطَّيَّرْتُ أي تَطَيَّرْتُ، والطِّيرة لغة، ولم أسمع في مصادر افتعل على فعلة غير الطِّيرة، والخِيرة، كقولك اخْتَرْتُه خِيرةً نادرتان..وطائر الإنسان، عمله الذي قلده في قوله - تعالى -: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء - ١٣] ، والطائر من الزجر في التشؤم، والتسعد، وزجر فلان الطير فقال كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، جامع لكل ما يسنح لك من الطير وغيره"١.
وقال الجوهري: "وتطيرت من الشيء وبالشيء، والاسم منه الطِيَرة، مثال العِنبَة، وهو مايتشاءم به من الفأل الرديء"٢.
وقال ابن منظور: "والطائر ما تيمنت به أو تشاءمت، وأصله في ذي الجناح..وقالأبو عبيد: الطائر عند لعرب الحظ، وهو الذي تسميه العرب البخت..وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة؛ لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطير ببارحها، ونعيق غرابها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيراً وطائراً وطيرة؛ لتشاؤمهم بها"٣.
فأصل الطِّيرة التشاؤم أو التيمن بحركات الطير وأصواتها، ثم صار لفظ عام لكل ما تشاءمت به من طائر أو إنسان أو غير ذلك.
стр. 435
٢ - معنى الطيرة في الشرع:
ورد في كتاب الله لفظ الطير، والطائر، وفعل التطير، بتصريفاته، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف - ١٣١] . وورد لفظ الطيرة في السنة، ومن ذلك قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد" ١.
قال ابن الأثير: "الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، هي التشاؤم بالشيء"٢.
وقال النووي: "والتطير التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول، أو فعل، أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوانح، والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به، ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم، وتشاءموا بها، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله ونهى عنه"٣.
وقال شيخ الإسلام: "الطيرة بأن يكون قد فعل أمراً متوكلاً على الله، أو يعزم عليه، فيسمع كلمة مكروهة مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك فيتطير، ويترك الأمر فهذا منهي عنه"٤.
وقيل: الطيرة "ترك الإنسان حاجته واعتقاده عدم نجاحها، تشاؤماً بسماع بعض الكليمات القبيحة، كيا هالك أو يا ممحوق ونحوها، وكذا التشاؤم ببعض الطيور كالبومة وما شاكلها، إذا صاحت قالوا إنها ناعبة أو مخبرة بشر، وكذا التشاؤم بملاقاة الأعور أو الأعرج.."٥. فالطيرة في الشرع هي التشاؤم بما يُكره من قول أو فعل أو هيئة، وترك ما توجهت إليه لأجل ذلك، واعتقاد عدم نجاحه.
стр. 436
٣ - حكم الطيرة:
لما كانت الطيرة باباً من الشرك، منافياً للتوحيد، أو لكماله، لأنها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، نها عنها الرسول ﷺ وأرشد إلى كمال التوحيد بالتوكل على الله، وإنما جعل التطير شركاً؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً، أو يدفع ضراً، فكأنهم أشركوه مع الله - تعالى - ١.
فقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الطيرة شرك" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة"٣. لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه، والطيرة معارضة لذلك. واختلف في حكم الطيرة هل هو التحريم أم الكراهة؟ وقوله ﷺ : "الطيرة شرك" دليل على التحريم، ولعل مراد من قال بالكراهة كراهة التحريم٤.
стр. 437
العرافة
١ - معنى العرافة في اللغة:
قال الجوهري: "والعراف الكاهن والطبيب"١. وقال الخليل: "والعريف القيم بأمر قوم عرف عليهم، سمي به لأنه عرف بذلك الاسم"٢.
والتعريفُ الإِعْلامُ، والتَّعريف أَيضاً إِنشاد الضالة. واعترَفَ القومَ، سأَلهم وعَرِيفُ القوم سيّدهم. والعَرِيفُ القيّم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، وقد عَرُفَ عليهم يَعْرُف عِرافة، والعَرِيفُ النَّقِيب وهو دون الرئيس، ويقال للحازي عراف، وللطبيب عراف لمعرفة كل منهم بعلمه، والعراف الكاهن٣.
فالعراف في اللغة اسم للحازي والكاهن، كما يطلق على الطبيب.
٢ - معنى العرافة في الشرع:
ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٤. وقال ﷺ : "من أتى عرافاً، أو كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ٥.
وقد عرف الخطابي ﵀ العراف بأنه: "الذي يزعم أنه يعرف الأمور، بمقدمات أسباب، يستدل بها على مواقعها، كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة"٦.
стр. 438
وقال القاضي عياض: "والعراف هو الحازر، والمنجم، الذي يدعى علم الغيب، وهي من العرافة، وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب، ومقدمات، يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك، بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء. وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة"١.
وقال شيخ الإسلام: "العراف قد قيل إنه اسم عام للكاهن، والمنجم، والرمال، ونحوهم، ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع، فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي، كما قيل في اسم الخمر والميسر ونحوهما"٢.
وقال ﵀: "والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه"٣.
وقال النووي: "والفرق بين العراف والكاهن، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدعى معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما"٤. وقال ابن قدامة: "والعراف الذي يحدس ويتخرص"٥.
وقيل: "والكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل، بخلاف العراف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة، كعين السارق، ومكان المسروق، والضالة"٦.
فالعراف إذاً اسم عام لمن يدعي علم الغيب، ويحدس ويتخرص، كالكاهن، والمنجم، والرمال، ونحوهم. وفرق بعض العلماء بينهما بأن الكاهن هو الذي يدعي معرفة الغيب في المستقبل، أما العراف فهو الذي يدعي معرفة الأمور الماضية، كمعرفة مكان الضالة والشيء المسروق، وكلاهما يشمله أنه يدعي معرفة الغيب، ويحدس ويتخرص.
стр. 439
٣ - حكم العراف:
سبق أن العراف اسم عام للكاهن، والمنجم، عند بعض العلماء، وعند بعضهم أنه الذي يتعاطى المغيبات في الماضي، ففيه ادعاء علم الغيب، فيكون حكمه إذاً حكم الكاهن والمنجم١. وإذا كان الوعيد الشديد لمن أتى عرافاً، أنه لم تقبل صلاته أربعين ليلة، وقد أطلق الكفر على من أتى عرافاً فصدقه، فالوعيد أشد للعراف نفسه.
стр. 440
العيافة
١ - معنى العيافة في اللغة:
قال الخليل: "عاف الشيء يعافه عيافة، إذا كرهه من طعام، أو شراب..والعيافة زجر الطير، وهو أن ترى طيراً أو غراباً فتتطير، تقول ينبغي أن يكون كذا، فإن لم تر شيئاً قلت بالحدس فهو عيافة، ورجل عائف يتكهن"١.
وقال الجوهري: "وعفت الطير أعيفها عيافة، أي زجرتها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها وأصواتها "٢.
فالعيافة في اللغة تعني كراهية الشيء، والتطير، والقول بالحدس والظن، فهو لفظ أعم من الطيرة.
٢ - معنى العيافة في الشرع:
روى أبو داود في سننه، بإسناد حسن، عن قبيصة بن مخارق، عن النبي ﷺ قال: "العيافة، والطرق، والطيرة، من الجبت ٣"٤، قال عوف راوي الحديث: "العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في الأرض"، وقيل بالعكس٥.
وقال ابن الأثير: "العيافة زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيراً، وهو كثير في أشعارهم، يقال عاف يعيف عيفاً، إذا زجر وحدس وظن"٦.
стр. 441
وقيل: "العيافة بكسر العين وهي زجر الطير، والتفاؤل، والاعتبار في ذلك بأسمائها كما يتفاءل بالعقاب على العقاب، وبالغراب على الغربة، وبالهدهد على الهدى، والفرق بينها وبين الطيرة، أن الطيرة هي التشاؤم بها، وقد تستعمل في التشاؤم بغير الطير، من حيوان، وغيره"١.
وقد سبق قول القاضي عياض بعد أن عرف العرافة: "وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك، بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء. وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة"٢.
فالعيافة إذاً تعني زجر الطير، والتشاؤم أو التفاؤل بأسمائها، وأصواتها، وممرها، كما تعني الحدس والتخرص، فتكون بمعنى العراف والكاهن في المعنى العام، وحكمها يدور على المعنى، فتأخذ حكم الطيرة، إذا كانت بمعنى الطيرة، وتأخذ حكم الكاهن والعراف إذا كانت بمعناهما.
стр. 442
الفصل الرابع: المصطلحات البدعية في توحيد الربوبية
الأبدال
...
الفصل الرابع: المصطلحات البدعية في توحيد الربوبية.
стр. 443
الأبدال
١ - معنى الأبدال في اللغة:
قال الخليل: "البَدَلُ خَلَفٌ من الشيء، والتبديل التغيير، واستبدلت ثوباً مكان ثوب، وأخاً مكان أخ، ونحو ذلك المبادلة، والأبدال قوم يقيم الله بهم الدين، وينزل الرزق، أربعون بالشام، وثلاثون في سائر البلدان، إذا مات واحد منهم يقوم مقامه مثله، ولا يؤبه لهم"١.
وتحديد لفظ الأبدال بهذا العدد، وتقسيمه على البلدان، قد اعتمدوا فيه على حديث ضعيف، سيأتي بيانه.
وبَدَلُ الشيء غَيْرُه، وبِدْل الشيء وبَدَله وبَدِيله، الخَلَف منه، والجمع أبدال٢.
فالبدل في اللغة الذي يخلف الشيء، ويتغير مكانه.
٢ - معنى الأبدال في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "البدلاء هم سبعة رجال، يسافر أحدهم عن موضع ويترك جسداً على صورته فيه، بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، وذلك معنى البدل لا غير"٣.
وقال المناوي: "الأبدال جمع بدل وهم طائفة من الأولياء، قال أبو البقاء: كأنهم أرادوا أنهم أبدال الأنبياء وخلفاؤهم، وهم عند القوم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون، يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بلد إقليم فيه ولايته منهم واحد على قدم الخليل، وله الإقليم الأول، والثاني على قدم الكليم، والثالث على قدم هارون، والرابع على قدم إدريس، والخامس على قدم يوسف، والسادس على قدم عيسى، والسابع على قدم آدم، على ترتيب الأقاليم. وهم عارفون بما أودع الله في الكواكب السيارة من الأسرار، والحركات، والمنازل وغيرها،
стр. 444
ولهم من الأسماء أسماء الصفات، وكل واحد بحسب ما يعطيه حقيقة ذلك الاسم الإلهي من الشمول والإحاطة"١.
وفي معجم ألفاظ الصوفية: "الأبدال جمع بدل، إحدى المراتب في الترتيب الطبقي للأولياء عند الصوفية، لا يعرفهم عامة الناس - أهل الغيب -، وهم يشاركون بما لهم من اقتدار، له أثره في حفظ نظام الكون"٢.
٣ - الأبدال عند أهل السنة:
لم يرد لفظ الأبدال في كتاب الله - تعالى -، ولم يرد عن رسول الله ﷺ بإسناد صحيح، ولكن ورد هذا اللفظ في حديث منقطع الإسناد عن علي بن أبى طالب ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: "الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب" ٣.
والأبدال كما سبق إحدى المراتب في الترتيب الطبقي للأولياء عند الصوفية، حيث أعطوا الأبدال قدرة على التصرف، وحفظ نظام الكون، مما هو ليس في مقدور البشر، وهذا من الشرك في الربوبية، وهو لفظ بدعي مرفوض بهذا المعنى.
ولكن يكثر في كتب رجال الحديث قولهم فلان من الأبدال، فما مرادهم بهذا اللفظ؟.
قال شيخ الإسلام ﵀: "كذلك لفظ البدل جاء في كلام كثير منهم، فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي..والذين تكلموا باسم البدل فسروه بمعان منها: أنهم أبدال الأنبياء، ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله - تعالى - مكانه رجلاً،
стр. 445
ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض"١.
وقال ﵀: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون هم٢ الأبدال؛ لأنهم أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعا"٣. فهذه المعاني صحيحة وهي لا تختص بعدد معين، وهي التي يريدها بعض المترجمين لرجال الحديث.
أما من فسر الأربعين الأبدال بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم، فذلك باطل، بل النصر والرزق يحصل بأسباب من آكدها دعاء المؤمنين، وصلاتهم، وإخلاصهم، ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر٤. وكذا من قال بالأبدال السبعة وقدرتهم على حفظ نظام الكون فهذا - كما سبق - من الشرك في الربوبية.
فالأبدال لفظ مجمل قد يحوي معنى صحيحاً وقد يحوي معنى باطلاً.
стр. 446
الأوتاد
١ - معنى الأوتاد في اللغة:
الوتِدُ بالكسر، والوَتْد والوَدُّ، ما رز في الحائط، أو الأرض، من الخشب، والجمعأوتاد، قال الله - تعالى -: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ - ٧] ، وقوله : ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ [الفجر - ١٠] ، وَتَد الوَتِد وَتْداً وَتِدَة وَتَّد كلاهما ثبت١.
فالأوتاد جمع وتد، وهو الشيء المثبت، الذي به يثبت شيء آخر.
٢ - معنى الأوتاد في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "الأوتاد هم الرجال الأربعة، الذين على منازل الجهات الأربع من العالم أي الشرق والغرب والشمال والجنوب، بهم يحفظ الله - تعالى - تلك الجهات، لكونهم محل نظره - تعالى -"٢.
فالأوتاد إحدى المراتب في الترتيب الطبقي للأولياء عند الصوفية."والأوتاد قد بلغوا ووصلوا، وثبتت أقدامهم، وأركانهم، أما الأبدال فإنهم يتقلبون من حال إلى حال"٣.
٣ - معنى الأوتاد عند أهل السنة:
ورد لفظ الأوتاد في القرآن الكريم، حيث أطلقه الله على الجبال التي تثبت الأرض، قال - تعالى -: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ - ٧] .
стр. 447
ولم يرد عن السلف إطلاق هذا اللفظ على بعضهم. وتحديده - كما يقول الصوفية - بأربعة أشخاص لا يزيدون، ولا ينقصون، وبهم يحفظ الله جهات العالم الأربع، هو أمر مبتدع وباطل، إذ لم يرد بهذا المعنى شيء في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، وفيه شرك بالربوبية؛ إذ أسندوا لبعض الخلق التكفل بحفظ العالم.
وأما قول فلان من الأوتاد "يعنى بذلك أن الله - تعالى - يثبت به الإيمان، والدين، في قلوب من يهديهم الله به، كما يثبت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس، كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان بدونه كان بحسبه، وليس ذلك محصوراً في أربعة ولا أقل ولا أكثر، بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة لقول المنجمين في أوتاد الأرض"١.
إذاً فلفظ الأوتاد فيه إجمال، قد يحمل معنى باطلاً، وهو المعنى الذي يخصصه الصوفية، وغيرهم، بأربعة أشخاص يحفظ الله بهم العالم. وقد يحمل معنى صحيحاً، بأن يعني أن العلماء كالأوتاد بهم يثبت الله العلم، والإيمان في جمهور الناس.
стр. 448
القطب والغوث
١ - معنى القطب في اللغة:
قال الخليل: "القُطْبُ نباتٌ.. والقُطْبُ كوكب بين الجدي والفرقدين، صغير أبيض، لا يبرح موضعه، شبه بقطب الرحى، وقطب الرحى، الحديدة التي في الطبق الأسفل من الرحيين، يدور عليها الطبق الأعلى، وتدور الكواكب على هذا الكوكب"١.
وقال ابن فارس: "القاف والطاء والباء أصل صحيح يدل على الجمع، يقال جاءت العرب قاطبة، إذا جاءت بأجمعها"٢. وقطب القوم سيدهم، وفلان قطب بني فلان، أي سيدهم الذي يدور عليه أمرهم٣.
فالقطب في اللغة هو الذي يدور عليه الأمر، لأهميته، وقطب القوم سيدهم.
٢ - معنى القطب في اصطلاح الصوفية:
القطب عند الصوفية عبارة عن "الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان، وهو على قلب إسرافيل ﵇ "٤.
وقال الجرجاني: "القطب، وقد يسمى غوثاً باعتبار التجاء الملهوف إليه، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضوع نظر الله في كل زمان، أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة، والظاهرة، سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، وزنه يتبع علمه، وعلمه يتبع علم الحق، وعلم الحق يتبع الماهيات غير المجعولة فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل.."٥.
стр. 449
ويقول المناوي: "الأقطاب هم الجامعون للأحوال، والمقامات، وقد يتوسع فيسمى كل من دار عليه مقام من المقامات، وانفرد به في زمانه، قطباً، لكن حيث أطلق القطب لا يكون في الزمان إلا واحداً وهو الغوث، وهو سيد أهل زمنه وإمامهم، وقد يحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الباطنة"١.
٣ - معنى الغوث في اللغة:
الغوث الإعانة والنصرة عند الشدة، يقول ابن فارس: "الغين والواو والثاء كلمة واحدة، وهي الغوث من الإغاثة، وهي الإعانة والنصرة عند الشدة. وغَوْثٌ: قبيلة "٢. ويقول الخليل: "ضُرب فلانٌ فغَوَّث تغويثاً أي قال: واغَوْثاه، أي من يغيثني. والغَوْث الاسم من ذلك" ٣.
٤ - معنى الغوث في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "الغوث هو القطب حين يلتجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثاً"٤. فالغوث إذاً هو القطب في حالة الالتجاء إليه.
٥ - معنى القطب والغوث عند أهل السنة:
لفظ القطب ولفظ الغوث لم يردا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ولم ينطق بها السلف ﵏، فهي ألفاظ محدثة، ومع ذلك يجعلها الصوفية من أعلى الرتب الدينية، قال شيخ الإسلام ﵀: "أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة، مثل الغوث الذي بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله - تعالى - ولا هي أيضا مأثورة عن النبي، بإسناد صحيح، ولا ضعيف يحمل عليه"٥.
стр. 450
وأما من حيث معناها فهي ألفاظ مجملة قد يراد بها معنى صحيح وقد يراد بها معنى باطل، وقد سئل شيخ الإسلام ﵀ عن لفظ القطب الغوث فأجاب بقوله: "وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع؛ فهذا قد يقوله طوائف من الناس ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام، مثل تفسير بعضهم أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى يقول إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته، فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ﵇، والغالية في علي ﵁، وهذا كفر صريح يستتاب منه صاحبه فإن تاب وإلا قتل..وأما إن قصد القائل بقوله القطب الغوث الفرد الجامع، أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه، فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضاً أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل، وثلاثة، وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحداً، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية، ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته بالقطب الغوث الجامع، بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها"١.
ومن المحاذير في لفظ القطب أنهم يدخلون في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه يعطي الولاية من يشاء، ويصرفها عن من يشاء، والله يقول لسيد ولد آدم: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص - ٥٦] وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران - ١٢٨] ٢.
وبعضهم يطلق لفظ القطب على كل من دار عليه أمر من أمور الدين، أو الدنيا باطناً أو ظاهراً، فهو قطب ذلك الأمر ومداره، سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر دينها أو دنياها، باطناً أو ظاهراً ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة، ولا أقل، ولا أكثر، لكن الممدوح من ذلك من كان مداراً لصلاح الدنيا والدين، دون مجرد صلاح الدنيا، فقد يتفق في بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره، وقد يتفق في عصر
стр. 451
آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله سواء، ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقاً١.
وأما لفظ الغوث فيقول شيخ الإسلام ﵀: "فأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله، فهو غياث المستغيثين، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، لا بملك مقرب، ولا نبي مرسل"٢.
فإطلاق لفظ الغوث على غير الله باطل مطلقاً٣. وأما لفظ القطب فقد يراد به معنى صحيح، وقد يراد به معنى باطل كما سبق.
стр. 452
النجباء والنقباء
١ - معنى النجباء في اللغة:
قال الخليل: "انتجبته أي استخلصته، واصطفيته، اختياراً على غيره"١. "ورجل نجيب، أي كريم بيّن النجابة"٢.
وفي النهاية: "النجيب الفاضل من كل حيوان، وقد نجب ينجب نجابة إذا كان فاضلاً نفيساً في نوعه"٣.
فالنجباء جمع نجيب، وهو الفاضل النفيس.
٢ - معنى النجباء في الاصطلاح:
"النجباء هم الأربعون القائمون بإصلاح أمور الناس، وحمل أثقالهم، المتصرفون في حقوق الخلق لا غير"٤. والعدد المذكور هنا تختلف الكتب في تحديده.
٣ - معنى النقباء في اللغة:
قال الخليل: "النَّقْب في الحائط ونحوه يخلص فيه إلى ما وراءه، وفي الجسد يخلص فيه إلى ما تحته من قلب أو كبد..والنقيب شاهد القوم يكون مع عريفهم، أو قبيلهم يسمع قوله ويصَدِّق عليه وعليهم..والنُّقَباء الذين ينقبون الأخبار والأمور للقوم فيصدقون بها.. والنَّقْاب الحبر العالم"٥. فالنقباء جمع نقيب، والنقيب الباحث عن القوم، وعن أحوالهم.
стр. 453
٤ - معنى النقباء في الاصطلاح:
جاء في معجم اصطلاحات الصوفية: "النقباء هم الذين تحققوا باسم الباطن، فأشرفوا على بواطن الناس، واستخرجوا خفايا الضمائر، لانكشاف الستائر لهم عن وجوه السرائر، وهم ثلاثمائة"١. وهذا العدد المذكور للنقباء تختلف الكتب في تحديده.
٥ - موقف أهل السنة من لفظي النقباء والنجباء:
سبق بيان المعنى اللغوي لهذين اللفظين، فالنقباء جمع نقيب، والنقيب الباحث عن القوم، وعن أحوالهم٢، أما النجباء فجمع نجيب والنجيب في اللغة الفاضل. ولم يرد هذان اللفظان في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وورد لفظ النقيب قال - تعالى -: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة - ١٢] ، وهو على معناه في اللغة. فإطلاق لفظ النقباء أو النجباء على المعاني اللغوية السابقة صحيح، وهذه الصفات كلها لا تختص بعدد معين.
أما المعنى الذي يذكره الصوفية للنقباء فهو معنى باطل، وظاهر الفساد، إذ لا يعلم بواطن النفوس إلا الله، وقد تمدح - سبحانه - بذلك فقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر - ١٩] ، وكذلك المعنى الذي ذكروه للنجباء هو باطل أيضاً، إذ فيه إشراك بعض الخلق مع الله في التصرف.
стр. 454
العارف
١ - معنى العارف في اللغة:
قال الأزهري: "عرف يعرف عرفاناً ومعرفة، وأمر عارف معروف عريف. قلت: لم أسمع أمر عارف أي معروف لغير الليث، والذي حصلناه للأئمة: رجل عارف أي صبور، قال أبو عبيد وغيره: يقال نزلت به مصيبة فوجد صبوراً عارفاً..ونفس عروف صبور إذا حُمِلت على أمر احتملته..والعرف والعارفة والمعروف واحد، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير، وتَبْسأ به، وتطمئن إليه"١. ورجل عروفة بالأمور أي عارف بها، والهاء للمبالغة٢. والعرفان العلم٣.
٢ - معنى العارف في اصطلاح الصوفية:
جاء في معجم الكلمات الصوفية: "العارف هو من أشهده الله ذاته، وصفاته، وأسماءه، وأفعاله، فالمعرفة حال تحدث من شهوده"٤.
وفي الكليات: "والعارف هو المستغرق في معرفة الله، ومحبته"٥.
ومنهم من يفرق بين المعرفة والعلم فيقول:" المعرفة ما شاهدته حساً، والعلم ما شاهدته خبراً، أي بخبر الأنبياء ﵈"٦.
وبناء على قول الصوفية وأهل الوحدة بالفناء، صار العارف عندهم "الفاني عن حظوظه
стр. 455
في شهود قيوميته، لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة"١.
وقد آل بهم استغراقهم في توحيد الربوبية، والوقوف عند المشيئة العامة الشاملة إلى اطراح الأسباب، حتى قال قائلهم: العارف لايعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً؛ لاستبصاره بسر الله في القدر٢.
٣ - موقف أهل السنة من لفظ العارف:
لم يرد العارف بهذا اللفظ في كتاب الله، وورد الفعل عرف بتصريفاته وبعض اشتقاقاته، نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد - ٣٠] ، وقوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة - ١٤٦] ، وورد الفعل عرف بتصريفاته في السنة، ومنه قوله ﷺ : "تطعم الطعام، وتقرأ السلام، على من عرفت، وعلى من لم تعرف" ٣. واختار الله لنفسه لفظ العلم، ولم يصف نفسه بالمعرفة. وليس للفظ العارف مكانة دينية، أو أهمية خاصة، بل الذي يتردد عند أهل السنة هو لفظ العلم والعالم.
والصوفية يرجحون لفظ العارف على العالم، وكثير منهم - كما يقول ابن القيم٤ - لا يرفع بالعلم رأساً، ويعده قاطعاً وحجاباً دون المعرفة. وهذا باطل، فالله امتدح أهل العلم، في أكثر من آية، ومنه قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر - ٩] ، والآيات والأحاديث في فضل العلم والعلماء كثيرة، ليس هذا محل التفصيل فيها.
وأما العارف في اصطلاح الصوفية فهو في الحقيقة ضلال وانحراف، إذ ليس بعارف من آل به الأمر إلى ترك الأسباب، وعدم التمييز بين المعروف والمنكر، والحق والباطل، بل هو خروج عن العلم والدين.
стр. 456
رجال الغيب
١ - معنى رجال الغيب في اللغة:
قال الخليل: "هذا رَجُل أي ليس بأنثى، وهذا رجل أي كامل"١.
وقال الجوهري: "والرَجُل خلاف المرأة، والجمع رِجَال ورِجَالات، مثل جمال وجمالات، وأَرَاجِل"٢. فالرجال في اللغة جمع رجل وهو خلاف المرأة، أي ليس بأنثى.
وأما الغيب، فيقول ابن فارس: "الغين والياء والباء أصل صحيح يدل على تستر الشيء عن العيون، ثم يقاس. من ذلك الغيب ما غاب، مما لايعلمه إلا الله. ويقال غابت الشمس تغيب غيبة وغيوباً وغيباً"٣.
فرجال الغيب في اللغة هم الرجال المستترون عن العيون.
٢ - معنى رجال الغيب في الاصطلاح:
يعتقد بعض العوام والصوفية أن رجال الغيب أولياء الله من الإنس، وهم غائبون عن أبصار الناس، وكلهم الله بتصريف الأمر٤.
والحقيقة أن ما يسمونه رجال الغيب هم جن تمثلت بصور الإنس، أو رؤيت في غير صور الإنس، والجن يسمون رجالاً، قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن - ٦] ٥.
والجن تفعل ذلك كي تلبس على الإنس، ليعظموهم. قال شيخ الإسلام ﵀: "ورجال الغيب هم الجن، وهو يحسب أنه أنسي، وقد يقول له أنا الخضر، أو إلياس، بل أنا
стр. 457
محمد، أو إبراهيم الخليل، أو المسيح، أو أبو بكر، أو عمر، أو أنا الشيخ فلان، أو الشيخ فلان، ممن يحسن بهم الظن. وقد يطير به في الهواء، أو يأتيه بطعام أو شراب أو نفقة، فيظن هذا كرامة، بل آية ومعجزة، تدل على أن هذا من رجال الغيب، أو من الملائكة، ويكون ذلك شيطاناً لبس عليه"١.
وليس في أولياء الله المتقين، ولا عباد الله المخلصين الصالحين، ولا أنبيائه المرسلين، من كان غائب الجسد دائماً عن أبصار الناس٢.
والناس في رجال الغيب أحزاب مختلفة٣:
حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم، أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم قد يخضعون لهم.
وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء. وهؤلاء ضُلال.
وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول، فقالوا يكون الرسول هو ممداً للطائفتين. فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه.
والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين وأن رجال الغيب هم الجن، وإلا فالإنس يؤنسون أي يشهدون، ويرون، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله، وسبب الضلال فيهم وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة، عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن.
فرجال الغيب إذاً ليسوا من الأنس بل هم جن يلبسون على الجهال والعوام، فيحسبونهم من أولياء الله وليسوا كذلك.
стр. 458
الفناء
١ - معنى الفناء في اللغة:
قال الخليل: "الفَناء نقيض البقاء، والفعل فني يفنى فناء فهو فان، والفِناء سعة أمام الدار"١.
" وتفانى القوم قتلاً، أفنى بعضهم بعضاً، وتفانوا أي أفنى بعضهم بعضاً في الحرب، وفني يفنى فناء هرم وأشرف على الموت هرماً"٢.
فالفناء هو الاضمحلال والتلاشي والعدم، وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كما يقال شيخ فان٣.
٢ - معنى الفناء في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "الفناء بزوال الرسوم جميعاً بالكلية، في عين الذات الأحدية، مع ارتفاع الإثنينية، وهو مقام المحبوبية"٤.
وفي المعجم الصوفي: "وقيل الفناء هو الغيبة عن الأشياء..وقيل الفناء أن لا ترى شيئاً إلا الله، ولا تعلم إلا الله، وتكون ناسياً لنفسك ولكل الأشياء سوى الله"٥.
ويقول شيخ الإسلام ﵀ مبيناً المعنى العام للفناء عند الصوفية: "ما يسميه بعض الصوفية الفناء، وهو استغراق القلب في الحق حتى لا يشعر بغيره"٦.
стр. 459
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات"١. وسيأتي تفصيل أقسامه عند بيان موقف أهل السنة منه.
٣ - موقف أهل السنة من مصطلح الفناء:
لم يرد مصطلح الفناء في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، وقد ورد الفعل فنى في قوله - تعالى -: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن - ٢٦] أي هالك وذاهب٢. والفناء المذكور في الآية، ليس هو الفناء الذي تشير إليه الصوفية، فإن الفناء في الآية الهلاك والعدم، حيث أخبر - سبحانه - أن كل من على الأرض يعدم ويموت، ويبقى وجهه - سبحانه - ٣.
كما لم يرد في كلام الصحابة والتابعين، مدح لفظ الفناء، ولا ذمه، ولا استعملوا لفظه في المعنى الذي يشير إليه الصوفية البتة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون، ولا جعلوه غاية. فهذا اللفظ لا ينكر مطلقاً، ولا يقبل مطلقاً، بل لا بد فيه من التفصيل، وبيان صحيحه من معلوله، ووسيلته من غايته٤.
والفناء مصطلح يحتمل عدة معان؛ منها ما هو صحيح، ومنها ما هو نقص، ومنها ما هو كفر.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "والمعنى الذي يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن وجود السوى.
فالأول: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه. وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو تحقيق
стр. 460
لا إله إلا الله. فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله، ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل عند الله.
والثاني أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه المعبود لا إله إلا هو، الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بطاعته، وطاعة رسله، ونهى عن معصيته، ومعصية رسله، فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقاً وأمراً، كان أتم معرفة وشهوداً وإيماناً وتحقيقاً، من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا كان معذوراً للعجز، لا محموداً على النقص والجهل.
والثالث الفناء عن وجود السوى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة، كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثم غير ولا سوى في نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفراً من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام"١.
والمعنى الأول للفناء مطلوب. أما الفناء بالمعنى الثاني فهو الذي يظنه الصوفية غاية السالكين، مع أنه ليس غاية محمودة بل هو فناء الناقصين٢، وهو الفناء في شهود الربوبية، وهؤلاء"ليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه، لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبه،