Полный текст (401 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أي لا يحب نشر فضائله فكأن له قلبا يحسده فلا يحب اظهار فضله ومناقبه كما قال، أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه، تأتي الندى ويذاع عنك فتكره، وقد قال أبو تمام، وكأنما نافست قدرك حظه، وحسدت نفسك حين أن لم تحسد، معناه أنك نافست قدرك وحسدت نفسك فطفقت تباهي في الشرف وتزيد على كل غاية تصل إليها وإن كنت منقطع القرين وأبو الطيب يقول كأن قلبك بجسدك على فضائلك فهو يكره أن تستقل بذكرها وهذا نوع آخر من المديح لكنهما قد اجتمعا في حسد النفس والقلب
ويقدم إلا على أن يفر ... ويقدر إلا على أن يزيدا
يقول هو يقدم على كل عظيم إلا على الفرار فإنه أهول عنده من كل هول ويقدر على كل صعب إلا على أن يزيد على ما هو عليه من جلال القدر والمحل فإنه لا نهاية له وراءه
كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه نجده جدودا
يقول إذا وصلت أحدا ببر سعد ببرك وتشرف بعطيتك فصارت جدا له ويجوز أن يكون المعنى أن القضاء نحس وسعد ونوالك سعد كله فهو أحد شقي القضاء وروى ابن دوست فما تعط منه بفتح الطاء وتجده بالتاء على المخاطبة وقال في تفسيره كأن عطاءك للناس قضاء يقضي الله بذلك وما أعطاك منه فهو عندك بمنزلة بخت تعطاه وترزقه وهذا تفسير باطل ورواية باطلة وهو من كلام من لم يقرأ هذا الديوان
وربتما حملة في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سوادا
التاء في ربتما للتأنيث وما صلة يقول رب حملة لك على اعدائك في الحرب صرفت بها رماحك السمر سودا أي لطختها بالدماء حتى اسودت عليها لما جفت
وهول كشفت ونصل قصفت ... ورمح تركت مبادا مبيدا
يقول رب هول كشفته عن أوليائك وحزبك ورب سيف كسرته بقوة ضربك ورب رمح تركته مهلكا باستعمالك إياه في الطعن ومبيدا حال من الممدوح أي تركته مهلكا في حال إبادتك به وطعنك العدو ولا يجوز أن يكون نصبه كنصب مبادا لأنه بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا وجميع من فسر هذا الديوان جعلوا المباد والمبيد للرمح وقالوا تركته مبادا وكان مبيدا وإضمار كان لا يجوز في هذا الموضع لأنه لا دليل عليه ومثل هذا المعنى في السيف قول البعيث، وإنا لنعطى المشرفية حقها، فتقطع في أيماننا فتقطع، وقال أيضا أبو تمام، وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةً، فقطعها ثم انثنى فتقطعا، وكرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، قتلت نفوس العدى بالحديد، البيت وقال ألقاتل السيف في جسم القتيل به، البيت
ومال وهبت بلا موعدٍ ... وقرن سبقت إليه الوعيدا
هذا كقوله، لقد حال بالسيف دون الوعيد، وحالت عطاياه دون الوعود،
بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلا أن تكون الغمودا
يقول سيوفك قد هجرت أغمادها لأنها أبدا يضرب بها ولا ترجع إلى أغمادها فاعناق اعدائك تتمنى أن تكون أعمادا لها فلا تجتمع معها أبدا وغلط ابن دوست في هذا البيت مع وضوحه غلطة فاحشة فقال يقول يقول سلك السيوف وتفريقك بينها وبين أغمادها تتمنى اعناق الناس أن تكون غمودا لها فتغمدها فيها حتى يقل الضرب والقتل بها يريد شدة حبهم لاغمادها ولو كان ذلك في اعناقهم هذا كلامه وكنت أربأ به عن مثل هذا الغلط مع تصدره في هذا الشأن ونعوذ بالله من الفضيحة أما علم أن الغمود في القافية هي الإغماد المذكورة في البيت وكيف يفسر قوله بهجر سيوفك بقوله عند سلك السيوف ومتى تكون الباء بمعنى عند
إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدراً عن ورودٍ ورودا
هذا البيت متصل بالذي قبله وهو مؤكد لمعناه وإلى من صلة الهجر أي بهجر سيوفك اغمادها إلى الهام كقوله قالوا هجرت إليه الغيث وتصدر معناه الحال أي صادرة عن مثل ما هجرت إليه أي تأتي الرؤوس وهي صادرة عن رؤوس قوم آخرين وصدرها عما وردت عليه ورودها على مثل ما صدرت عنه فهي أبدا صادرة عن هام إلى هام وصدرها أبدا ورودها إلى هام أخرى لذلك لا تعود إلى أغمادها ولم يفسر هذا البيت أحد كما فسرته
قتلت نفوس العدى بالحدي ... د حتى قتلت بهن الحديدا
هذا مثل قول أبي تمام، وما مات حتى مات مضرب سيفه، من الضرب واعتلت عليه القنا السمر، ومعنى قتل الحديد بهن كسره في نفوسهم
فأنفدت من عيشهن البقا ... وأبقيت مما ملكت النفودا
стр. 107
يقول أفنيت بقاء نفوس الاعداء أي اهلكتهم وأبقيت فناء الماء الذي كنت تملكه والمعنى انك اهلكت اعداءك وفرقت اموالك وقال ابن دوست من عيشهن يعني عيش السيوف لأنك كسرتها في الرؤوس حتى كأنك قتلتها فماتت وغلط في هذا أيضا لأن الكناية في عيشهن تعود إلى نفوس العدى لا إلى السيوف ولم يتقدم لفظ السيوف إنما تقدم ذكر الحديد في البيت السابق
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبقي الخلودا
يقول لإفراط سرورك ببذل المال كأنك تبغي بذلك الغنا لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه فكان عندك أن الفقر هو الغني وكأنك إذا مت في الحرب ترى أنك مخلد
خلائق تهدى إلى ربها ... وآية مجدٍ أراها العبيدا
أي للممدوح خلائق تدل عليه من الكرم والفضل ومحاسن الشيم وتدل على معرفته وله آية مجد أراها الناس وهم عبيده وهذا معنى قول أبي الفتح واحسن من هذا أن يقال خلائق خبر مبتداء محذوف أي هذه خلائق يعني ما ذكر قبل هذا البيت يستدل بها على قدرة خالقها لأنها أخلاق عجيبة لا يقدر عليها إلا الله الواحد القادر وهي آية مجد أراها الله عباده حتى يستدلوا بها على المجد والشرف
مهذبة حلوة مرة ... حقرنا البحار بها والأسودا
مهذبة لا عيب فيها حلوة لاوليائك مرة على اعدائك ويجوز أن يقال حلوة لأن كل أحد يحبها ويعشقها ويستحليها مرة لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس حقرنا البحار بها والأسود لزيادتك عليهما بالجود والشجاعة
بعيد على قربها وصفها ... تغول الظنون وتنضى القصيدا
يقول وصف اخلاقك بعيد مع قرب اخلاقك منا لانا نراها ولكن لا نقدر على وصفها لأنها تهلك الظن فلا ندركها بالظن وتهزل القصائد فلا يبلغ الشعر غاية مدحك
فأنت وحيد بنى آدمٍ ... ولست لفقد نظير وحيدا
يقول له لم تصر وحيدا لأنك فقدت نظيرا كان لك بل كنت وحيدا لم تزل والوحدة صفة لك لازمة وقال يمدح بدر بن عمار بن اسماعيل وكان قد وجد علة ففصده الطبيب فغرق المبضع فوق حقه فأضر به
أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل
يقول ابعد بعد المليحة بخلها إذ لا يمكن قطع مسافة البخل ثم قال في البعد أي في جملة البعد وانواعه ما لا تكلف الإبل قطعه وهو البعد بالبخل فإن الإبل لا تقرب هذا البعد ومثل هذا يقول الطاءي، لا أظلم النأي قد كانت خلائقها، من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا، وقوله أيضا، ففراقٍ جرعته من فراق جرعته من صدود، وقال أيضا البحتري، على أن هجران الحبيب هو النوى، لدي وعرفان المسيء هو العدل، وقال إبراهيم بن العباس، وإن مقيمات بمنقطع اللوى، لأقرب من ميٍّ وهاتيك دارها،
ملولة ما يدوم ليس لها ... من مللٍ دائم بها ملل
يقال رجل ملول وامرأة ملول فتدخل فيهما للمبالغة يقول تمل كل شيء دام إلا مللها الدائم فإنه لا تمل ذلك ولو ملته لتركته وعادت إلى الوصل ومن روى تدوم بالتاء كانت ما للنفي أي ليست تدوم على حالٍ
كانما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل
يعني أنها تتمايل في مشيها تمايل سكران نظر إلى طرفها فسكر من خمر عينيها
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل
стр. 108
يريد أن عجزها ثقيل بكثرة اللحم وهو يجذبها إذا همت بالنهوض هذا معنى قوله يجذبها تحت خصرها عجز وقوله كأنه من فراقها وجل اخطأ في تفسير هذا المصراع ابن جنى وابن دوست فقال ابن جنى كأن عجزها وجل من فراقها فهو متساقط متجدل قد ذهبت منته وتماسكه هذا كلامه ولم يعرف وجه تشبيه العجز بالوجل من فراقها ففسره بهذا التفسير وإنما يصير العجز بالصفة التي وصفها عند الموت وما دامت الحياة باقية لا يصير العجز متساقط ذاهب المنة وقال ابن دوست عجزها يجذبها إلى القعود لأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض وهذا أفسد مما قاله ابن جنى ومتى وصف العجز بالخوف من فراق صاحبه وأين رأى ذلك ولكنه أراد وصف عجزها بكثرة اللحم وتحرك اللحم عليه لكثرته فشبهه بارتعاده واضطرابه بخائف من فراقها والخائف يوصف بالارتعاد وكذلك العجز إذا كثر لحمه كما قال، إذا ماست رأيت لها ارتجاجا، فهما يتشابهان من هذا الوجه والتقدير كأنه انسان وجل أو شيء وجل من فراقها وأراد كان العجز في اضطراب لحمه خائف من فراقها فلذلك ارتعد والوجل على هذا هو العجز لا غيره وليس الجذب سبب الوجل كما ذكره ابن دوست والمعنى أن عجزها بثقله وكثرة لحمه يجذبها إلى القعود كأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض إذا همت بالنهوض
بي حر شوقٍ إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل
يريد ترشف فمها وهو مص ريقها يقول إذا اتصل بي ذلك الشوق انفصل الصبر
الثغر والنحر والمخلخل والم ... عصم دائي والفاحم الرجل
يعني أنه يحب هذه الأشياء وهذه المواضع من بدنها فهي داؤه والمعصم من اليد موضع السوار
ومهمةٍ جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
يصف شدة سيره وأنه يجوب الفلاة التي تعجز عنها النوق الصلاب المذللة بالعمل المروضة للسير العرامس جمع عرمس وهو الصخرة والناقة الشديدة
بصارمي مرتدٍ بمخبرتي ... مجتزىء بالظلام مشتمل
أراد فأنا مرتد بصارمي فحذف المبتدأ والمعنى متقلد بسيفي مكتفٍ بعلمي وخبرتي فلم احتج إلى دليل يهديني الطريق لابس ثوب الظلام كما يشتمل الرجل بثوب أو كساء
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل
يقول إذا تغير صديقي وحال عن مودته فانكرت جانبه لم تعجزني الحيلة في فراقه أي فارقته ولم أقم عليه
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
الخافقان فطرا الهواء وهما المشرق والمغرب والمضطرب موضع الاضطراب وهو الذهاب والمجيء يقول الأرض واسعة والبلاد كثيرة فإذا لم يوافقني مكان فلي عنه بدل كما قال البحتري، فإذا ما تنكرت لي بلاد، أو صديق فإنني بالخيار، وقال عبد الصمد بن المعذل، إذا وطن رابني، فكل بلاد وطن، وقال أيضا الآخر، إذا تنكر خل فاتخذ بدلا، فالأرض من تربةٍ والناس من رجل،
وفي اعتمار الأمير بدر بن عم ... ار عن الشغل بالورى شغل
الاعتمار الزيارة ومنه قول الأعشى، وراكبٍ جاء من تثليث معتمرا، وقال العجاج، لقد سما ابن معمر حين اعتمر، مغزى بعيداً من بعيد وصبر، يقول قصدي إياه يشغلني عن قصد غيره ويروي اعتماد بالدال ومعناه الاعتماد بالسير إليه وتعليق الرجاء به
أصبح مالا كماله لذوي ال ... حاجة لا يبتدي ولا يسل
أي يغنيهم بنفسه وماله وهو لهم مال وكما أن ماله يؤخذ بلا إذن كذلك لا يستأذن في الدخول عليه فكل من ورد عليه أخذ ماله بلا ابتداء من بدر ولا مسألة من الوراد
هان على قلبه الزمان فما ... يبين فيه غم ولا جذل
هذا صفة الكامل العقل الذي يستخف بالنوائب والحوادث لعلمه أنها لا تبقى لا الغم ولا السرور فلا يكون لهما فيه أثر فلا يبطر عند السرور ولا يجزع عند ما يجزئه
يكاد من طاعة الحمام له ... يقتل من ما دنا له الأجل
يكاد من صحة العزيمة ما ... يفعل قبل الفعال ينفعل
يكاد فعله يسابقه لصحة تقديره ونفاذ عزيمته فما يفعل ينفعل قبل فعله
تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل
يقول حقائق الخصال والمعاني التي خلقها الله فيه تعرف بالنظر إلى عينه فكأن ذكاءه وحدة ذهنه وفطنته موجود في عينه كالكحل
أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل
стр. 109
يقول إذا اضطرمت فكرته واحتد ذهنه اشفقت عليه أن يشتعل بنار فكرته فيصير نارا متوقدا كما قال ابن الرومي، أخشى عليك اضطرام الذهن لا حذرا،
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكبروا الذي فعلوا
يقبلهم وجه كل سابحةٍ ... أربعها قبل طرفها تصل
أي يجعل إليهم وجه كل فرس سابحة تقول اقبلته وجهي أي حولته وجهي وهذا من قول أبي نواس، يسبق طرف العين في التهابه، أي في شدة عدوه
جرداء ملإ الحزام مجفرةٍ ... تكون مثلي عسيبها الخصل
يقول أنها تملأ الحزام بسعة جنبيها وعظم بطنها والمجفرة الواسعة الجنبين والجفرة سعتهما والخصل جمع خصلة يريد أن شعر ذنبها أطول من عسيبها وهو عظم الذنب ويستحب قصره وطول شعره
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
التليل العنق والكفل الردف ويستحب فيهما الأشراف أي من حيث تأملتها وجدتها مشرفة عند اقبالها بعنقها وعند ادبارها بعجزها كما قال عليّ بن جبلة، تحسبه أقعد في استقباله، حتى إذا استدبرته قلت أكب،
والطعن شزر والأرض واجفة ... كأنما في فؤادها وهل
أصل الشزر في الفتل وهو ما أدير به عن الصدر ثم يستعمل في الطعن فيقال شزرا إذا فتل يده عن يمين أو شمال وذلك أشد الطعن وواجفة مضطربة لشدة الحرب ترى أن الأرض تتحرك كان في قلب الأرض فزعا فهي ترتعد من الخوف ولما وصف الأرض بالحركة من الخوف استعار لها قلبا والواو واو الحال لأن المعنى يقبلهم وجه كل سابحة في هذه الحال
قد صبغت خدها الدماء كما ... يصبغ خد الخريدة الخجل
شبه وجه الأرض متلطخا بالدماء بخد الجارية الحيية إذا خجلت فاحمر لونها
والخيل تبكي جلودها عرقا ... بأدمع ما تسحها مقل
سار ولا قفر من مواكبه ... كأنما كل سبسبٍ جبل
يريد أنه عم القفار والأماكن الخالية بجيوشه فملأها حتى لم يبق قفر والسبسب المتسع من الأرض وشبهه بالجبل لكثافة جيوشه وارتفاعها بالخيل والأسلحة والرماح الا ترى أنه قال
يمنها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسلُ
فجعل فيها من الرماح ما يمنعها المطر من تضايقها بكثرتها وأصل هذا المعنى لقيس بن الحطيم، لو أنك تلقى حنظلاً فوق هامنا، تدحرج عن ذي سامة المتقارب، ثم قال ابن الرومي، فلو حصبتهم بالفضاء سحابة، لظلت على هاماتهم تتدحرج، فنزل عن الحنظل إلى البرد وبالغ في ذلك ثم نزل المتنبي عن البرد إلى المطر وهو الطف منه ثم أخذ السري هذا المعنى فقال، تضايق حتى لو جرى الماء فوقه، حماه ازدحام البيض أن يتسريا،
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل
يقول أنت بدر في الحسن بحر في الجود سحاب في كثرة العطاء ليث في الشجاعة موت للعدو ورجل في الحقيقة يعني جمعت هذه الأوصاف وأنت رجل
إن البنان الذي تقلبه ... عندك في كل موضع مثل
أي يضرب بها المثل في الجود
إنك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا
أي بخلوا عند أنفسهم ولم يفعلوا الواجب عليهم بحكم جودهم حيث لم يهبوا الأعمار
قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
الامتشاق الافتعال من المشق وهو سرعة الطعن والضرب والاعتقال امساك الرمح بين الساق والركاب يقول قلوبهم في مضاء سيوفهم وقدودهم في طول رماحهم والعائد إلى الموصول محذوف من البيت وتقديره ما امتشقوا به واعتقلوه
أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل
يقول أنت رجل نقيض اسمه إذا جاءت الرماح وذهبت وتفسير هذا البيت فيما بعده
أنت لعمري البدر المنير ولك ... نك في حومة الوغى زحلُ
القمر سعد وزحل نحس يريد أنك في الحرب نحس على اعدائك
كتيبة لست ربها نفلٌ ... وبلدة لست حليها عطل
النفل الغنيمة والعطل التي لا حلي لها يقول كل كتيبة لست صاحبها فهي نفل للعدو وكل بلدة لست حليها فهي عطل عن الحلي
قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل
стр. 110
يقول قصدك الناس من شرق الأرض وغربها طمعا في عطائك وحرصا على لقائك حتى اشتكتك الإبل لكثرة ما امتطيت إليك والطرق بكثرة ما وطئت وذللت بالخفاف والحوافر والأقدام وقال ابن دوست لأنها ضاقت بكثرة القاصدين والسالكين وليس بشيء وشكوى الإبل كثيرة في الشعر كقول أبي العتاية، إن المطايا تشتكيك لأنها، قطعت إليك سباسبها ورمالا، وكقول البحتري، يشتكي الوجى والليل ملتبس الدجى، غريرية الأنساب مرت بقيعها، ومثله كثير وأما اشتكاء السبل فهو من اختراعات المتنبي وكنى عن الأرض في شرقها وغربها قبل الذكر
لم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل
هذا كقوله أيضا، وبذلت ما ملكته نفسك كله، حتى بذلت لهذه صحاتها،
عذر الملومين فيك أنهما ... آسٍ جبان ومبضع بطل
كان الفصاد قد فصده واخطأ في فصده ونفذت حديدته في يده واصابه لذلك مرض وجعلهما ملومين في ذلك الخطأ الحاصل منهما ثم قال عذرهما فيك أن الطبيب كان جبانا فارتعدت يده والمبضع كان شجاعا لحدته ونفاذه فتولدت العلة من هذين ثم ذكر للطبيب عذرا آخر فقال
مددت في راحة الطبيب يدا ... وما دري كيف يقطع الأمل
أي إنما وقع له الخطأ لأن يدك أمل كل أحد منها يرجون العطاء والإحسان ولم يدر الطبيب كيف يقطع الأمل لأنه إنما تعود قطع العروق لا قطع الآمال وقال ابن جنى أي أن عروق كفك تتصل بها اتصال الآمال فكأنها آمال وهذا خطأ فاسد وكلام من لم يعرف المعنى
إن يكن النفع ضر باطنها ... فربما ضر ظهرها القبل
عني بالنفع الفصد ويروي البعض وهو اظهر وأراد بضر القبل كثرة تقبيل الناس ظهر كفه حتى أثرت فيه وضرته وقد اكثر الشعراء في ذكر تقبيل اليد ولم يذكر أحد أنها استضرت بالقبل غير أبي الطيب وهو من مبالغاته قال ابن الرومي، فامدد إلى يداً تعود بطنها، بذل النوال وظهرها التقبيلا، وقال إبراهيم بن العباس، لفضل بن سهل يد، تقاصر عنها المثل، فباطنها للندى، وظاهرها للقبل، وقال أبو الضياء الحمصي، ما خلقت كفاك إلا لأربع، وما في عباد الله مثلك ثاني، لتجريد هندي وإسداء نائل، وتقبيل أفواه وأخذ عنان، وقد ملح من قال، يد تراها أبداً، فوق يد وتحت فم، ما خلقت بنانها، إلا لسيف أو قلم،
يشق في عرقها الفصاد ولا ... يشق في عرق جودها العذل
الفصاد هو الفصد وأراد بالشق التأثير والنفاذ لذلك عداه بفي واستعار لجوده عرقا لما ذكر عرق يده يقول الفصد يشق عرق يدرك والعذل لا يشق عرق جودها أي لا ينجع قول العاذل فيك
خامره إذ مددتها جزع ... كأنه من حذاقة عجل
يقول خالط الطبيب لما مددت يدك إليه للفصد جزع من هيبتك فعجل في الفصد ولم يتأن كأنه عجل من حذقه ومن روى عجل على المصدر أراد كأنه ذو عجل من حذاقة فحذف المضاف
جاز حدود اجتهاده فأتى ... غير اجتهاد لأمه الهبل
يقول بالغ في الاجتهاد حتى جاوز حد الاجتهاد ففعل ما هو غير اجتهاد لأن الخطأ من فعل المقصرين ثم دعا عليه فقال لأمه الهبل وهو الثكل
أبلغ ما يطلب النجاح به ال ... طبع وعند التعمق الزلل
التعمق بلوغ عمق الشيء وهو اقصاه يريد به المبالغة ومجاوزة الحد يقول النجاح في الأمور مقرون بما يفعله الإنسان بطبعه فإذا تكلف وبالغ زل فأخطأ
إرث لها إنها لما ملكت ... وبالذي قد أسلت تنهمل
مثلك يا بدر لا يكون ولا ... تصلح إلا لمثلك الدول
يقول لا يخلق الله مثلك ولا تصلح الدولات إلا لك في جودك وكرمك واحسانك إلى الناس وصاحب الدولة يجب أن يكون كريما سخيا لينتفع الناس بدولته والمثل الثاني صلة يريد إلا لك وقال أيضا يمدحه
بقاءي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا
يقول لما ارتحلوا عني ارتحل بقاءي شاء ارتحالا لا هم شاءوا ذلك وكأنهم زموا صبري للمسير لا جمالهم لأني فقدت الصبر بعدهم وإنما نفى الارتحال عنهم لأن ارتحال بقائه أهم وأعظم شأنا فكأن ارتحالهم ليس ارتحالا عند ارتحال بقائه ولأنهم ربما يعودون والبقاء إذا ارتحل لم يعد وكذلك مسير صبره أعظم من مسير الجمال فلم يعتد بسير جمالهم مع سير صبره عنه
تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا
стр. 111
الاغتيال الاهلاك يقال غاله واغتاله إذا اهلكه يقول كأن الفراق هابني ففاجأني باغتياله والمعنى فاغتالني اغتيالا مفاجأةً
فكان مسير عيسهم ذميلاً ... وسير الدمع إثرهم انهمالا
قال أبو الفتح أي سبقت دموعي عيرهم والذميل سير متوسط وقال ابن فورجة ظن أبو الفتح أنه يريد دمعي كان اسرع من سير العيس وليس كما ظن ولكن جمع ذكر سيرهم وسيلان دمعه على أثرهم في بيت واحد توجعا وتحسرا وليس يريد السبق والتأخر ومثله لابن رومي، لهم على العيس إمعان يشط بهم، وللدموع على الخدين إمعان،
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخاتٍ فلما ثرن سالا
يقول كنت لا أبكي قبل فراقم فكأن ابلهم كانت تمسك دمعي عن السيلان ببروكها فوق جفني فلما فارقوني سال دمعي فكأنها ثارت من فوق جفني فسال ما كانت تمسك من دموعي قال ابن جنى وما قيل في سبب بكاء أظرف من هذا
وحجبت النوى الظبيات عني ... وساعدت البراقع والحجالا
لبسن الوشى لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا
يقول لا حاجة لهن إلى التجميل بلبس الديباج ولكن يلبسنه لصون جمالهن به وقيل للصاحب اغرت على ابن الطيب في قولك، لبسن برود الوشي لا لتجمل، ولكن لصون الحسن بين برود، فقال نعم كما اغار هو في قوله، ما بال هذي النجوم حائرة، كأنها العمى ما لها قائد، على بشار في قوله، والشمس في كبد السماء كأنها، أعمى تحير ما لديه قائد،
وضفرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا
التضفير فتل الذوابة والغدائر الذوائب يقول لم ينسجن ذوائبهن لتحسين ولكن خفن ضلالهن في الشعور لو أرسلنها وقد زاد في هذا على أمرء القيس في قوله، تضل العقاص في مثنى ومرسل، لأنه جعلهن يضللن
بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا
يقول افدي بجسمي من هزلته حتى لو جعلت قلادتي ثقب درة لجال في يصف دقته ونحوله
ولولا أنني في غير نوم ... لبت أظنني مني خيالا
يقول لولا أنني يقظان لكنت أظن نفسي خيالا يعني أنه كالخيال في الدقة إلا أن الخيال لا يرى في اليقظة وقوله مني أي من دقتي ويبعد أن يقال عن نفسي لأنه قد قال اظنني ومعناه اظن نفسي ولا يقال اظن نفسي من نفسي خيالا
بدت قمراً ومالت خوط بانٍ ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
هذه اسماء وضعت موضع الحال والمعنى بدت مشبهة قمرا في حسنها ومالت مشبهة غصن بان في تثنيها وحسن مشيها وفاحت شبهة عنبرا في طيب رائحتها ورنت مشبهة غزالا في سواد مقلتها وهذا يسمى التدبيج في الشعر ومثله، سفرن بدورا وانتقبن أهلةً، ومسن غصونا والتفتن جآذرا،
كأن الحزن مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا
المشغوف الذي قد شغف الحب قلبه أي أحرقه ومنه قول امرء القيس، أيقتلني وقد شغفت فؤادها، كما شعف المهنوءة الرجل الطال، يقول كان الحزن يعشق قلبي وأنما يجد الوصال إذا هجرتني أي كلما تهجرني واصل الحزن قلبي
كذا الدنيا على من كان قبلي ... صروف لم يدمن عليه حالا
يقول الدنيا كانت على من كان قبلي كما اراها الآن ثم بين ذلك فقال صروف لا تدوم على حالة واحدة ويروى لا يدمن
أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
يقول السرور الذي تيقن صاحبه الانتقال عنه فهو عندي أشد الغم لأنه يراعي وقت زواله فلا يطيب له ذلك السرور
الفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا
يقول تعودت الارتحال فصار مألوفا لي وصار ارضي رحالي لأني أبدا على الرحل فهو لي كالأرض للمقيم والغريري منسوب إلى غرير فحل للعرب معروف والجلال كالجليل كما يقال طوال وطويل
فما حاولت في أرضٍ مقاما ... ولا أزمعت عن أرض زوالا
قال ابن جنى يقول إذا كان ظهره كالوطن لي فأنا وإن جئت البلاد كالقاطن في داره هذا قوله ويجوز أن يكون المعنى ما طلبت الاقامة في أرض لاني أبدا على السفر ولا عزمت على الزوال عنها إذ العزم على الزوال تأنى الاقامة وليست أقيم حتى أزول ويدل على صحة ما ذكرنا قوله
على قلقٍ كأن الريح تحتي ... أوجهها جنوبا أو شمالا
стр. 112
ويروي على قلق بكسر اللام أي على بعير قلق كأنه ريح تحتي لسرعة مروره أوجهها مرة إلى جانب الجنوب ومرة إلى جانب الشمال فعبر بالرحين عن الجابني ويروي يمينا أو شمالا
الى البدر بن عمار الذي لم ... يكن في غرة الشهر الهلالا
ويروي إلى بدر بن عمار بغير لام التعريف لأنه علم ومن روى البدر فلأنه أراد بدر السماء لا لأسم العلم يعني إلى الرجل الذي هو كالبدر ثم نسبه إلى أبيه لأنه ليس بدراً في الحقيقة وأن أشبه ألا ترى أنه قال لم يكن في غرة الشهر الهلال ولا بدر إلا وكان هلال أولا وهذا الذي عناه لم يكن هلالا قط وقد فسره بقوله
ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا
بلا مثل وإن أبصرت فيه ... لكل مغيب حسن مثالا
يقول لا مثل له وإن كان الناظر إليه يرى فيه مثالا لكل شيء حسن غاب عنه والمعنى لم يجتمع في أحد ما اجتماع فيه وإن كانت أشباهه متفرقة في اشياء كثيرة فكفه كالبحر وقلبه وعضده كالأسد ووجهه كالبدر
حسان لابن رائق المرجى ... حسام المتقي أيام صالا
يقول هو حسام لأبي بكر ابن رائق الذي كان حسام الخليفة أيام صال على اليزيدي وذلك أن المتقي حاربهم بابن رائق
سنان في قناة بني معد ... بني أسد إذا دعوا النزالا
بنو معد هم العرب لأن نسبهم يعود إلى معد بن عدنان واختلفوا في بني أسد ههنا وروي قوم بني أسد على أنها جمع أسد وقالوا يعني أن بني معد هم بنو أسد يصفهم بالشجاعة وذكر ابن جنى وجهين آخرين فقال بني أسد منصوب لأنه منادي مضاف ومعناه أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان مركب في قناتهم لأنهم إذا دعوهم اغنوا عنهم هذا كلامه في أحد الوجهين ومعناه على ما قال أن قول بني معد عند نزال الأقران يا بني أسد كالسنان في قناتهم قال ويجوز أن يكون بدلا من قناة بني معد كأنه قال سنان في قناة بني أسد الذين هم قناة بني معدٍ يريد نصرتهم أياهم وهذا كله تكلف وتمحل وكلام من لم يعرف وجه المعنى والمتنبي يقول الممدوح سنان في قناة العرب الذين هم بنو معد ثم خصص بعض التخصيص وابدل من بني معد بني أسد فكأنه قال هو سنان قناة بني أسد عند الحرب وبنو أسد أيضا هم من ولد معد فلهذا جاز أبدالهم من بني معد لاشتمالهم عليهم كما تقول هذا من قريش بني هاشم وهذا من بني هاشم بني أبي طالب والممدوح كان أسديا لذلك خص بني أسد والنزال منازلة الأقران بعضهم إلى بعض من الخيل عند شدة القتال يقول هو رئيسهم وصدرهم الذي به يقاتلون واختار ابن فورجة الوجه الثاني من الوجهين الذين ذكرهما ابن جنى قال وقد قصر أبو الطيب في هذا البيت عن النامي حيث قال، إذا فاخرت بالمكرمات قبيلة، فتغلب أبناء العلي بك تغلب، قناة من العلياء أنت سنانها، وتلك أنابيب إليك وأكعب،
أعز مغالب كفا وسيفا ... ومقدرة ومحميةً وآلا
يريد بالهز ههنا الغلبى والامتناع يقول هو أعز من يغالب الأقران كفا فإن يده فوق كل يد وسيفه أغلب السيوف وقدرته فوق قدرة الناس وحمايته للبحار والحليف ومن يجب عليه الذب عنه زائدة على حماية غيره والآل الأهل يعني آل واصحابه اغلب واعز من آل غيره
وأشرف فاخر نفسا وقوما ... وأكرم منتم عماً وخالا
يكون أخف إثناء عليه على الدنيا وأهليها محالا
يقول المدح الذي يستعظم للدنيا وأهلها حتى يكون لافراطه محالا إذا أطلق عليه كما خفا لاستحقاقه غاية الثناء يعني أن الناس كلهم لا يستحقون ادنى ما يستحقه ن الثناء
ويبقى ضعف ما قد قيل فيه ... إذا لم يترك أحد مقالا
يقول إذا مدحه الناس غاية ما قدروا عليه حتى لم يترك أحد مقالا بقي ضعف ما قالواه يعني أن المادح والمثنى لا يبلغ ما يستحقه كما قالت الخنساء، وما بلغ المهدون نحوك مدحة، وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل، وقال أبو نواس، إذا نحن أثنينا عليك بصالح، فأنت كما نثني وفوق الذي نثني،
فيا ابن الطاعنين بكل لدن ... مواضع يشتكي البطل السعالا
أراد يا ابن الطاعنين صدور الأبطال بكل رمح لين المهز
ويا ابن الضاربين بكل عضب ... من العرب الأسافل والقلالا
يريد بالأسافل الأرجل وبالقلال أعالي البدن من الرؤوس وهي جمع قلة وهي رأس الجبل فجعلها رؤوس الرجال
стр. 113
أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمد الداء العضالا
يقال غري بالشيء إذا ولع به والداء العضال الذي لا دواء له يعني أنه لهم كالداء الذي لا يجدون له دواء لذلك يذمونه ويحسدونه
ومن يكن ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
هذا مثل ضربه يقول مثلهم معي كمثل المريض مع الماء الزلال يجده مرا لمرارة فمه كذلك هؤلاء إنما يذمونني لنقصانهم وقلة معرفتهم بفضلي وشعري بالنقص فيهم لا فيّ ولو صحت حواسهم لعرفوا فضلي والزلال الماء الذي يزل في الحلق لعذوبته مثل السلسال وقد مرّ
وقالوا هل يبلغك الثريا ... فقلت نعم إذا شئت استفالا
أي قالوا لي حسدا له عليّ ولي عليه هل يرفعك إلى الثريا أنكارا لأن يبلغني بخدمته منزلة رفيعة فقلت نعم يبلغنيها أن نحططت عن درجتي يعني أنه رفعه فوق الثريا فإن استفل وانحط رجع إلى موضع الثريا وإلا فهو أعلى منها درجة بخدمة المدوح
هو المفني والمذاكي والأعادي ... وبيض الهند والسمر الطوالا
المذاكي الخيل المسنة جمع المذكي يقول هو الذي يفنى هذه الأشياء بكثرة حروبه
وقائدها مسومة خفافاً ... على حيٍّ تصبح ثقالا
المسومة المعلمة يقول هو قائدها خفافا في العدو وثقالا على الحي الذي يأتي صباحا للغارة
جوائل بالقنى مثقفاتٍ ... كأن على عواملها الذبالا
القنى جمع القنا والجوائل انلخيل تجول بأرماح فرسانها وهي مثقفة أي مقومة بالثقاف وهو الحديدي الذي يسوى به الرمح وشبه اسنتها في اللمعان بالفتائل التي في السرج
إذا وطئت بأيديها صخورا ... يفئن لوطيء أرجلها رمالا
يفئن يعدن ويرجعن كما قال ابن المعز، كأن حصى الصمان من وقعها رمل، ويري بقين
جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا
أي إذا سألني سائل فقال هل له نظير فجوابه لا ولا لك أيضا وأخر المعطوف عليه لضرورة الشعر كما قال، ألا يا نخلة من ذات عرق، عليك ورحمة الله السلام، وكرر النفي بقوله إلا لا إشارة إلى أن جهل هذا السائل يوجب إعادة الجواب عليه
لقد أمنت بك الإعدام نفسٌ ... تعد رجاءها إياك مالا
يقول كل نفس رجتك وأملت عطاءك فعدت ذلك مالا لها فقد أمنت الأعدام لأنك تبلغها آمالها
وقد وجلت قلوب منك حتى ... غدت أوجالها فيها وجالا
وجال جمع وجل مثل وجع ووجاع يقول خافتك قلوب اعدائك حتى خاف خوفهم ووجلت أوجالهم وهذا كما يقال جن جنونه وشعر شاعر وموت مائت
سرورك أن تسر الناس طرا ... تعلمهم عليك به الدلالا
يقول إنما يحصل لك السرور بأن تسر جميع الناس وما بقي واحد منهم لم تسره لم يحصل لك السرور فأنت تعلمهم الدلال عليك بهذا لأنه لو قال واحد أنا غير مسرور اجتهدت حتى تسره وترضيه فهم يدلون عليك إذا عرفوا منك هذا
إذا سألوا شكرتهم عليه ... وإن سكتوا سألتهم السؤالا
وأسعد من رأينا مستميح ... ينيل المستماح بأن ينالا
يقول أسعد الناس سائل يعطي مسئولة بأن ينال منه شيئا يعني أن مسؤولة يفرح بأخذ عطائه حتى كأنه ينيله شيئا والاستماحة طلب العطاء
يفارق سهمك الرجل الملاقى ... فراق القوس ما لاقى الرجالا
يصفه بشدة نزع القوس وقوة الرمي يقول يفارق سهمك من يلقاه من الرجال وقد نفذ فيه كما يفارق القوس ولم يلق الرجال أي فيه من القوة بعد النفاذ في المرمى والمروق منه ما كان فيه حين فارق القوس وما على هذا للنفي ويجوز أن يكون ما ظرفا كأنه قال يكون الأمر كذلك مدة ملاقاته الرجال كما تقول لا اكلمك ما طار طائر
فما تقف السهام على قرار ... كأن الريش يطلب النصالا
يقول سهامك إذا رميتها لم تقف كأن ريشها يطلب نصالها فهي تمضي أبدا لأن الريش لا يدرك النصل لتقدم النصل عليه وهذا منقول من قول الخنساء، ولما أن رأيت الخيل قبلاً، تبارى بالخدود شبا العوالي، فنقل المعنى عن الخيل والخدود والعوالي إلى السهام والريش والنصال
سبقت السابقين فما تجارى ... وجاوزت العلو فما تعالا
وأقسم لو صلحت يمين شيء ... لما صلح العباد له شمالا
يفضله على الناس كلهم ويذكر أنه لو كان يمين شيء لم يصلح عباد الله كلهم أن يكونوا شمال ذلك الشيء
стр. 114
أقلب منك طرفي في سماء ... وإن طلعت كواكبها خصالا
يقول أنت في الرفعة سماء وإن كانت كواكب تلك السماء خصالا جعله كالسماء وخصاله في الشهرة نجومها كما قال البحتري، وبلوت منك خلائقا محمودة لو كن في فلك لكن نجوما،
وأعجب منك كيف قدرت تنشا ... وقد أعطيت في المهد الكمالا
يقول ولدت كاملا فكيف أزددت بعد الكمال وقال فيه ارتجالا وهو على الشراب وقد صفت الفاكهة والنرجس
إنما بدر بن عمار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب
هذه القطعة مضطربة الوزن وهي من الرمل وذلك لأنه جعل العروض فاعلاتن وهو الأصل في الدائرة ولكن لم يستعمل العروض ههنا إلا محذوفة السبب على وزن فاعلن كقول عبيد، مثل سحق البرد عفى بعدك القطر مغناه وتأديب الشمال، غير أن هذا البيت الأول صحيح الوزن لأنه مصرح فتبعت عروضه ضربة والمعنى أن السحاب فيه صواعق ورعد وبرق وماء كذلك هذا الممدوح فيه ثواب لأوليائه عقاب لاعدائه
إنما بدر رزايا وعطايا ... ومنايا وطعان وضراب
جعله هذه الأشياء لكثرة وجودها منه كما تقول العرب الشعر زهير والسخاء حاتم وكما قالت الخنساء، ترتع ما رتعت حتى إذا أذكرت، فإنما هي إقبال وإدبار، تذكر وحشية تطلب ولدها مقبلة ومدبرة فجلتها إقبالا وإدبار لكثرتهما منها
ما يجيل الطرف إلا حمدته ... جهدها الأيدي وذمته الرقاب
يقول لا يجيل طرفه إلا على إحسان واساءة فله في كل طرفة ونظرة إحسان تحمد الأيدي جهدها لأنه يملأها بالعطاء واساءة تذمها الرقاب لأنه يوسعها قطعا
ما به قتل أعادية ولكن ... يتقي أخلاف ما ترجو الذئاب
يقول ليس له مراد في قتل الأعداء لأنه قد أمنهم بقصورهم عنه لكنه يحذر أن يخالف رجاء الذئاب وما عودها من اطعامه أياها لحوم القتلى أي فلذلك يقتلهم
فله هيبة من لا يترجى ... وله جود مرجى لا يهاب
يعني أنه يهاب هيبة من لا يرجى العفو عنه ويجود جود من يرجى ولا يهاب يقول أنه مهيب شديد الهيبة وجواد في غاية الجود
طاعن الفرسان في الأحداق شزراً ... وعجاجُ الحرب للشمس نقابُ
يقول هو يطعن في الأحداق إذا أظلم المكان وصار الغبار للشمس كالنقاب يصف حذقه بالطعن وهذا كقوله، يضع السنان بحيث شاء مجاولا،
باعث النفس على الهول الذي ... ما لنفس وقعت فيه إيابُ
يحمل نفسه على ركوب الأمر العظيم الذي لا يتخلص من وقع فيه
بأبي ريحك لا نرجسنا ذا ... وأحاديثك لا هذا الشراب
يريد أن ريحه أطيب من ريح النرجس وحديثه ألذ من الشراب وهذا ليس مما يمدح به الرجال وهذا البيت من الأبيات التي قبله بعيد البون كبعد ما بين الثريا والثرى
ليس بالمنكر إن برزت سبقا ... غير مدفوع عن السبق العراب
وقال يذكر منازلة الأسد
في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا
يقول في الخد لأن عزم ولأجل أ، عزم الخليط وهو الحبيب الذي يخالطك مطر يعني الدمع تزيد الخدود به محولا والخدود شحوبها وتخدد لحمها وذهاب نضارتها والمطر من شأنه أن تخصب به البلاد ويخضر العشب والجمع مطر بخلاف هذا صنيعا
يا نظرة نفت الرقاد وغادرت ... في حد قلبي ما حييت فلولا
يعني نظرة إلى الحبيب عند افراق يقول نفت تلك النظرة رقادي وأذهبت حدة قلبي يعني اثرت في عقلي
كانت من الكحلاء سؤلي إنما ... أجلى تمثل في فؤادي سولا
يقول كانت هذه النظرة مرادي ومطلوبي من هذه المرأة وكانت في الحقيقة أجلي تصور مرادا في قلبي يعني أن نظرة إليها في حال التوديع أذهب روحه
أجد الجفاء على سواك مروة ... والصبر إلا في نواك جميلا
أراد بالجفاء النبو والامتناع ولذلك وصله بعلي يقول الامتناع من النساء مروة عندي إلا منك والصبر جميل إلا في بعدك كما قال البحتري، ما أحسن الصبر إلا عند فرقة من، ببينه صرت بين البث والحزن،
وارى تدللك الكثير محببا ... وأرى قليل تدلل مملولا
يقول أمل دلال غيرك وإن قل واحب دلالك وإن كثر كما قال جرير، إن كان شأنكم الدلال فإنه، حسن دلالك يا أميم جميل،
تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
стр. 115
لو أمكنه لقال شكوى الذي وجد فيكون المعنى ثقل هواك عليّ ثقل روادفك على المطية إلا أنه اتبع التأنيث ليصح الوزن ويعذب الكلام ولنه أراد أن يتبعه قوله ويغيرني جذب الزمام البيت والتي في قوله شكوى التي يعني مطية وجدت هواها دخيلا وبنى البيتين على أن المطية من شكواها روادفها وقلبها فمها إليها في أوصاف المحب العاشق هذا الذي ذكرت هو ما قيل في تفسير هذا البيت وأحسن من هذا أن يقال شكوى النفس التي وجدت هواك دخيلا يعني العاشق لها ثم يجوز أن يعني نفسه أو نفس عاشق سواه والروادف الكفل وما حوله جمع رادفة لأنها تردف الإنسان أي تكون خلفه كالرديف الذي يكون خلف الراكب
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
يقول يحملني على الغيرة جذبك زمامها إليك تقلب فمها إليك كأنها تطلب قبلة كما قال مسلم، والعيس عاطفة الرؤوس كأنما، يطلبن سر محدث في الأحلس،
حدق الحسان من الغواني هجن لي ... يوم الفراق صبابة وغليلا
حدق يذم من القواتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا
يذم يجير ويعطى الذمام يقول يجير بدر من كل ما يقتل سوى هذه الأحداق أي أنه لا يقدر على الأجازة منها كما قال، وقي الأمير هوى العيون فإنه، ما لا يزول ببأسه وسخائه، فأما قوله، فلو طرحت قلوب العشق فيها، لما خافت من الحدق الحسان، فقد أثبت في هذا ما استثني في مدح بدر
الفارج الكرب العظام بمثلها ... والتارك الملك العزيز ذليلا
يقال فرج عنه يفرج وأفرج وفرج تفريجا أي كشف الغم عنه يغني أنه يفرج الكرب عن اوليائه بمثل ما ينزله بأعدائه يعني أنه يقتل الأعداء ليدفعهم عن اوليائه ويفقرهم ليغني اولياءه فيزيل عنهم الفقر
محك إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا
المحك اللجوج وسمع الأصمعي أعرابية ترقص ابنها وهي تقول، إذا الخصوم اجتمعت جثيا، وجتد ألوي محكا أبيا، يقول يلج فيما يطلب ولا يتوانى فإذا مطل الغريم ولم يقص دينه طالب سيفه بذلك مطالبة الكفيل يعني أنه يقتضي الدين بالسيف وإذا كان السيف متقضيا صار الغريم قاضيا
نطق إذا حط الكلام لثامه ... أعطى بمنطقة القلوب عقولا
النطق الجيد الكلام ومثله المنطيق وكانت العرب تتلثم بعمائمها فإذا أرادوا أن يتكلموا كشفوا اللثام عن افواههم يقول إذا وضع الكلام لثامه عن فمه عند النطق افاد منطقة قلوب السامعين عقولا يعني أنه يتكلم بالحكمة وبما يستفاد منه العقل
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
قال ابن جنى أي تعلم الزمان من سخائه وسخا به وأخرجه من العدم إلى الوجود ولولا سخاؤه الذي افاد منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه قال ابن فورجة هذا تأويل فاسد وعرض بعيد وسخاء غير موجود لا يوصف بالعدوى وإنما يعني سخا به عليّ وكان بخيلا به فلما اعداه سخاؤه اسغدني الزمان بضمي إليه وهدايتي نحوه هذا كلامه والمصراع الأول منقول من قول ابن الخياط، لمست بكفي كفه أبتغي الغنى، ولم أدر أن الجود من كفه يعدى، فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى، أفدت وأعادني فأتلفت ما عندي، وقال الطاءي أيضا، علمني جودك السماح فما، أبقيت شيئا لدي من صلتك، وقال أيضا، لست يحيى مصافحا بسلام، أنني أن فعلت أتلفت مالي، وأبو الطيب نقل المعنى إلى الزمان والمصراع الثاني من قول أبي تمام، هيهات لا يأتي الزمان بمثله، إن الزمان بمثله لبخيل،
وكأن برقا في متون غمامة ... هندية في كفه مسلولا
هذا يسمى العكس لأن السيف يشبه البرق وهو شبه البرق بالسيف
ومحل قائمه يسيل مواهبا ... لو كن سيلا ما وجدن مسيلا
رقت مضاربه فهن كأنما ... بيدين من عشق الرقاب نحولا
أراد أن سيوفه تلازم الرقاب فوصفها بالعشق لأنه ادعى الأشياء إلى اللزوم والدقة
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن أدخرت الصارم المصقولا
إنما قال هذا لأنه هاج أسدا عن بقرة قد افترسها فوثب على كفل فرسه أعجله عن سل السيف فضربه بسوطه ودار الجيش به فقتله
وقعت على الأردن منه بلية ... نضدت بها هام الرفاق تلولا
стр. 116
الأردن نهر بالشام ونضدت وضعت بعضه على بعض يقول كان هذا الأسد بليةً وقعت على أهل هذا النهر فأكثر قتل الرفاق في السفر وهي جمع رفقة حتى ترك رؤوسهم كالتلول المجتمعة من التراب وأسند الفعل إلى البلية والبلية هي الأسد
ورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
الأسد يسمى الورد لأن لونه يضرب إلى الحمرة
متخضب بدم الفوارس لابسٌ ... في غيله من لبدتيه غيلا
يقول لكثرة ما قتل من الفوارس قد تلطخ بدمائهم والغيل الأجمة يقول هو في غيله كأنه لبس غيلا من شعر جانبي عنقه لكثافته على كتفيه
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلول
عين الأسد وعين السنور وعين الحية تتراءى في ظلمة الليل بارقة يوقل ما استقبلت عين هذا الأسد في الدجى إلا ظنت نار اوقدت لجماعة نزلوا موضعا
في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
يقول هو في غيله منفرد انفراد الرهبان في متعبداتهم غير أنه لا يعرف حراما ولا حلالا والأسد إذا كان قويا لم يسكن معه في غيله غيره من الأسود
يطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آسٍ يجس عليلا
الأسد لعزته في نفسه وقوته لا يسرع المشي لأنه لا يخاف شيئا شبهه في لين مشيه بالطبيب الذي يمس العليل فإنه يرفق به ولا يعجل
ويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا
الغفرة الشعر المجتمع على قفاه يقول يرد ذلك الشعر إلى هامته حتى يجتمع عليها فيصير ذلك لرأسه كالاكليل وإنما يفعل ذلك غضبا وتغيظا يجمع قوته في أعالي بدنه وابن دوست يقول الغفرة شعر الناصية يعني إن هذا الأس يرفع رأسه في مشيته حتى يرتد شعر ناصيته إلى رأسه والقول هو الأول لنه بعد هذا وصف غيظ الأسد فقال
وتظنه مما تزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا
الزمجة ترديد الصوت أنشد الأصمعي، إذا استهل رنة وزمجرة، يقول تظنه مشغولا عن نفسه لشدة تغيظه وزمجرته ومن روى يزمجر بالياء قال تظنه نفسه مشغولا عنها مما يزمجر أي من زمجرته وصياحه وهو رواية ابن جنى
قصرت مخافته الخطا فكأنهما ... ركب الكمى جواده مشكولا
القصر ههنا ضد التطويل ومنه قصر الصلاة من قوله تعالى أن تقصروا من الصلوة والمخافة مصدر مضاف إلى المفعول وذو الحافر إذا رأى الأسد وقف وفحج وبال يقول كأن الشجاع ركب فرسه بشكاله حتى لا يخطو ولا يتحرك خوفا منه هذا تفسير الناس لهذا البيت وقال ابن فورجة معناه لما خاف منك الأسد تقاصرت خطاه هيبةً ونازعته نفسه إليك جراءة فخلط إقداما بإحجام فكأنه فارس كمى ركب فرسه مشكولا فهو يهيجه للأقدام جراءة والفرس يحجم عجزا عما يسومه لمكان شكاله
ألقى فريسته وبربر دونها ... وقربت قرباً خاله تطفيلا
الفريسة صيد الأسد وهو ما يفترسه يريد البقرة التي هاجه عنها والبربرة الصياح يقول لما قصدته ألقى الفريسة وصاح دونها يعني دفعا عنها لنه ظن أنك تتطفل على صيده لتأكل منه قال الليث التطفيل من كلام أهل العراق ويقال هو يتطفل في الأعراس
فتشابه الخلقان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا
يقول تشابهتما مقدمين وتخالفتما شحيحا على الطعام وباذلا له كما قال البحتري، شاركته في البأس ثم فضلته، بالجود محقوقا بذاك زعيما،
أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعداً مفتولا
الأزل القليل اللحم والمفتول القوي الشديد خلقة كأنه فتل أي لي يقول اشبهه منك هذان العضوان
في سرج ظامية الفصوص طمرةٍ ... يأبى تفردها لها التمثيلا
يعني فرسا دقيقة المفاصل ليست برهلة يقال خيل ظماء الفصوص وكذا تكون خيل العرب والطمرة الوثابة يريد أنه كان راكبا في سرج فرس بهذه الصفة وتفردها بالكمال يأبى أن يكون لها مثلٌ
نيالة الطلبات لولا أنها ... تعطى مكان لجامها ما نيلا
يقول هذه الفرس تدرك ما تطلبه بشدة حضرها وهي طويلة العنق لولا أنها تحط رأسها للجام ما نيل رأسها لطول عنقها كما قال زهير، وملجمنا ما أن ينال قذاله، ولا قدماه الأرض إلا أنامله
تندى سوالفها إذا استحضرتها ... ويظن عقد عنانها محلولا
стр. 117
يقول تعرق عنقها وما حولها إذا طلبت حضرها أي إذا ركضتها وإذا جذبت عنانها طاوعت ولانت عنقها حتى تظن العنان محلول العقد لأنها لا تجاذبك العنان لمطاوعتها ويجوز أن يكون هذا وصفا بطول العنق يعني أنها إذا رفعت رأسها استرخى العنان وطال لأنه على قدر طول عنقها فيصير العنان كأنه محلول ويقول أبنه دوسته أنها تمد عنقها ورأسها كيف شاءت وتغلب فارسها فلا يقدر على رد رأسها بالعنان فكأن عقد عنانها غير مشدود لأنه لو كان مشدودا لقدر الفارس على ضبطها وما أبعد ما وقع إذ فسر بضد المراد ووصف الفرس بالجماح
ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا
عاد إلى وصف الأسد فقال ما زال يجمع قوى نفسه في صدره حتى صار عريضا في قدر طوله وكذلك يفعل الأسد إذا أراد الوثوب على الصيد
ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
يقال حجر واحجار لم تصدقه النظر إليك ولو صدقته لما دنا منك هيبةً لك وأدنى افتعل من الدنو وعني بالخطب الجليل مقاتلة الممدوح
أنف الكريم من الدنية تارك ... في عينه العدد الكثير قليلا
يقول الكريم يأنف من الدنية فلا يهرب بل يقدم على العدد الكثير حتى كأنه قليل في عينه
والعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا
مضاض محرق يقال مضنى الأمر وامضني والمعنى أن من أنف من الدنية لم يحجم عن المنية
سبق التقاءكه بوثبة هاجمٍ ... لو لم تصادمه لجازك ميلا
يعني عجل الأسد بوثبته على ردف فرسك قبل التقائك معه فهجم عليك بوثبةٍ لو لم تصطكه لجاوزك بمقدار ميل وهو ثلث فرسخ والمصادمة مفاعلة من الصدم وهي الصك
خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا
يقول ذهبت قوته لما قاتلته فكأنه طلب النصر من التسليم وهو الانقياد وترك الخصومة والتجديل من قولهم جدله إذا صرعه والتجديل كل من جهة الممدوح وهو جدله والأسد مال إلى ذلك وانجدل فكأنه رأي النصر في ذلك
قبضت منيته يديه وعنقه ... فكأنما صادفته مغلولا
اساء أبو الطيب في هذا حين لم يجعل أثرا للممدوح ولاغناء في قتل الأسد وقال كأنه كان مغلول اليد والعنق بقبض المنية عليه
سمع ابن عمته به وبحاله ... فنجا يهرول أمس منك مهولا
يريد أسدا كان قد هرب منه أي لما سمع بقتلك الأسد الأول هرب ونجا برأسه خائفا منك ولم يرد بقوله ابن عمته تحقيق النسب إنما أراد أسدا آخر من جنسه
وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله أن لايموت قتيلا
يقول فراره أمر من هلاكه الذي فر منه وكقتله إذ لم يقتل لأن المقتول بالسيف خير من المقتول بالذم والعيب وهذا من قول أبي تمام، ألفوا المنايا فالقتيل لديهم، من لم يخل العيش وهو قتيل
تلف الذي اتخذ الجراءة خلةً ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
يقول تلف الأسد الذي اجترأ عليك وعظ هذا الذي فر وحبب إليه الفرار
لو كان علمك بالإله مقسماً ... في الناس ما بعث الإله رسولا
يقول لو عرف الناس ربهم معرفتك به لم يبعث الله تعالى رسولا يدعوهم إليه ويعلمهم دينه
لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... قرآن والتوراة والأنجيلا
اساء في هذين البيتين وافرط وتجاوز الحد نعوذ بالله من ذلك
لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
يقول لو وصل إلى الناس عطاؤك قبل اعطائك أياهم لكانوا لا يعرفون الأمل لأن الموجود لا يؤمل أي فكانوا يستغنون بما نالوا منك لأنك تعطى فوق الأمل فلا يحتاجون إلى تأميل بعد ذلك
فلقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا
أي لم يعرفوك حق معرفتك لأنهم لا يبلغون كنة قدرك فإذا لم يعرفوك حق المعرفة فقد جهلوك
نطقت بسوددك الحمام تغنياً ... وبما تجشمها الجياد صهيلا
يقول إذا غنت الحمام غنت بذكر سيادتك وكذلك الخيل إذا صهلت يعني أن البهائم الذي لا تعقل عقلت سيادتك فنطقت بها
ما كل من طلب المعالي نافذاً ... فيها ولا كل الرجال فحولا
ورد كتاب من ابن رائق على بدر بإضافة الساحل إلى عمله فقال
تهني بصورٍ أم نهنئها بكا ... وقل الذي صور فأنت له لكا
стр. 118
صور بلدة معروفة بالساحل يقول أتهني بولاية صور أم تهنىء صورا بك ثم قال وقل لك صاحبا صور الذي له هذه البلدة وأنت له أي أنت أحد أصحابه يعني ابن رائق وهذا كقول اشجع، إن خراسان وإن أصبحت، ترفع من ذي الهمة الشأنا، لم يحب هرون به جعفرا، لكنه حابا خراسانا، يعني الرشيد حين وليّ جعفر بن يحيى إمارة خراسان يقول تفضل بجعفر على خراسان لا بخراسان على جعفرٍ
وما صغر الأردن والساحل الذي ... حبيت به إلا إلى جنب قدركا
يعني أن هذه الولاية إنما تصغر بالأضافة إليك وإلا فالشأن فيها كبير
تحاسدت البلدان حتى لو أنها ... نفوس لسار الشرق والغرب نحوكا
مثل هذا كثير في الشعر قال أبو تمام، لو سمعت بلدةٌ لإعظام نعمى، لسعي نحوها المكان الجديب، يصف ديمة وقال البحتري، فلو أن مشتاقاً فوق ما، في وسعه لمشى إليك المنبر، وفي مثل هذا يقول الخوارزمي، تغايرت البلاد على يديه، وزاحمت الجروم به الصدور،
وأصبح مصر لا تكون أميره ... ولو أنه ذو مقلةٍ وفم بكى
ودخل عليه فرأى خلعا بين يديه مطوية وكانت عليه فطواها وتأخر أبو الطيب لعلة عرضت له فقال
أرى حللا مطواة حساناً ... عداني أن أراك بها اعتلالي
إنما قال هذا لأنه رأى الخلع مطوية إلى جانبه ولم يره فيها لأنه كان ذلك اليوم الذي لبس فيه الخلعة عليلا ومعنى أراك بها أراك وهي عليك ومعك كما يقال ركب بسلاحه وخرج بثيابه
وهبك طويتها وخرجت منها ... أتطوي ما عليك من الجمال
يعني أنه لا يتجمل بالثياب فإن له جمالا لا ينطوي عنه
لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال
يعني أعالى الثياب وهو ما ظهر منها للأعين تحسد الأقرب إليك وهو ما يباشر جسده فبينهما قتال
تلاحظك العيون وأنت فيها ... كأن عليك أفئدة الرجال
قال ابن جنى أي فهم يحبونك كما يحب الإنسان فؤاده وقال ابن فورجة يعني استحسان القلوب لها وتعلقها به وبها من حيث الاستحسان وقال غيرهما أي يديمون النظر إليك فإن العين تبع القلب تنظر إلى حيث يميل إليه القلب فالعيون إنما تنظر إليك لأن القلوب تحبك كما قال ابن جنى أو تستحسن الخلع كما قال ابن فورجة
متى أحصيت فضلك في كلام ... فقد أحصيت حبات الرمال
وقال يمدحه وكان سار إلى الساحل ثم عاد إلى طبرية
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
روى الالسنا بفتح السين ويكون ما على هذه الرواية بمعنى الذي يقول غاية الحب ما منع لسان صاحبه من الكلام فلم يقدر على وصف ما في قلبه منه كما قال المجنون ولما شكوت الحب قالت كذبتني، فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا، فما الحب حتى يلصق الجلد بالحشا، وتخرس حتى لا تجيب المناديا، وكما قال قيس بن دريج، وما هو إلا أن أراها فجاءة، فأبهت حتى ما أكاد أجيب، ويجوز أيضا أن يكون ما بمعنى الذي على رواية من روى الالسنا بضم السين والظاهر أن ما نفى لأن المصراع الثاني حث على إعلان العشق وإما يعلن من قدر على الكلام وهو معنى قول أبي نواس، فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى، فلا خير في اللذات من دونها ستر، ويقول علي بن الجهم، وقل ما يطيب الهوى، إلا لمنهتك الستر، وقول الموصلي، ظهر الهوى وتهتك أستاره، والحب خير سبيله إظهاره، أعصى العواذل في هواه جهارةً، فألذ عيش المستهام جهاره،
ليست الحبيب الهاجري هجر الكرى ... من غير جرم واصلي صلة الضنا
بنا فلو حليتنا لم تدر ما ... ألواننا مما امتقعن تلونا
يقول فارقنا احبابنا ولو أردت أن تثبت حليتنا لم تدر الواننا لتغيرها عند الفراقفكنت لاتدري بأي لون تصفنا
وتوقدت أنفاسنا حتى لقد ... أشفقت تحترق العواذل بيننا
أي لشدة حرارة الوجد صارت أنفاسنا كالنار المتوقدة حتى خفت على العواذل أن يحترقن فيما بيننا وإنما خاف ذلك لأنه كان ينم على ما في قلوبهم من حرارة الهوى
أفدى المودعة التي أتبعتها ... نظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا
أي كلما نظرت إليها واحدة زفرت زفرتين وثناء ممدودة قصره ضرورة
أنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
стр. 119
أنكرتها أول ما طرقتنين وقلت ليست تقصدني وإنما اخطأت في قصدي ثم لما كثرت أقررت بها وعرفت أنها تأتيني فصارت عادة لي لا تفارقني ولا أنفك منها والديدن العادة ورواه الخوارزمي بكسر الدال الأولى كأنه أراد معرب ديدن وليس في كلام العرب فيعل بكسرة الفاء
وقطعت في الدنيا الفلا وركائبي ... فيها ووقتي الضحى والموهنا
يصف كثرة اسفاره وتردده في الدنيا حتى قطع الفلوات وقطع المركوب أيضا بكثرة الإنعاب وقطع الليل والنهار والمعنى أنه قطع المكان والزمان والمركوب يعني أفنيت كلا منها هذا هو الصحيح في معنى البيت وما سوى هذا فهو تخليط وعدول عن الصواب
فوقفت منها حيث أوقفني الندا ... وبلغت من بدر بن عمار المنى
منها أي من الدنيا ويروي فيها وأوقفه لغة عند بعضهم وقال ابو عمرو بن العلا لو قال رجل فلان أوقفني أي عرضني للوقوف لم أر بذلك بأسا وكذلك ههنا اوقفني الندى عرضني للوقوف يقول وقفت من الدنيا حيث حبسني الجود وأدركت من الممدوح ما كنت أتمنى
لأبي الحسين جدى يضيق وعاءه ... عنه ولو كان الوعاء الأزمنا
يقول عطاؤه يضيق عنه الوعاء ولو كان الزمان مع سعته العالم بما فيه وإذا ضاق الزمان عن شيء فحسبك به عظما
وشجاعة أغناه عنها ذكرها ... ونهى الجبان حديثها أن يجبنا
ذكر شجاعته واشتهارها في الناس اغناه عن اظهارها واستعمالها فكل أحد يهابه لما سمع من شجاعته وذلك أيضا يشجع الجبان لأنه يسمع ما يتكرر من الثناء عليه فيتمنى ذلك فيترك الجبن
نيطت حمائله بعاتق محرب ... ما كر قط وهل يكر وما أنثنى
المحرب صاحب الحرب يقول ما عاد ولا رجع إلى الحرب لأن الكر يكون بعد الفر وهو لم ينثن ولم يول العدو ظهره فكيف يكر وهذا منقول من قول الآخر، الله يعلم أني لست أذكره، أو كيف أذكره إذ لست أنساه، والشعراء يصفون بالكر والانحياز والطراد في الحرب والمتنبي بالغ وجعل الممدوح لا ينثني البتة
فكأنه والطعن من قدامه ... متخوف من خلفه أن يطعنا
يقول لشدة إقدامه وتقدمه في الحرب كان الخوف وراءه فهو يتقدم خوفا مما وراءه كما قال بكر ابن النطاح، كأنك عند الطعن في حومة الوغى، تفر من الصف الذي من ورائكا،
نفت التوهم عنه دحة ذهنه ... فقضى على غيب الأمور تيقنا
هذا كأنه اعتذار له مما ذكر من إقدامه وذكر أن فطنته تقفه على عواقب الأمور حتى يعرفها يقينا لا وهما
يتفزع الجبار من بغتاته ... فيظل في خلواته متكفنا
يقول الرجل الجبار يخاف أن يأخذ بغتة ويهجم عليه من حيث لا يدري فيظل لابس كفنه وتوقعا لوقعته ويروي متكتنا وهو المتندم يعني أنه يندم على معاداته
أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فثم له هنا
سوف للاستقبال وقد لما مضى ومقاربة الحال يقول هو ماضي الإرادة فما يقال فيه سوف يكون يقال هو قد كان والبعيد عنده قريب لقوة عزمه فما يقال فيه ثم وهو للمكان المتراخي قال هو هنا وهو يستعمل فيما دنا وجعل قد اسما فأعربه ونونه
يجد الحديد على بضاضة جلده ... ثوباً أخف من الحرير وألينا
البضاضة مثل الغضاضة يقال غض بض أي طري لين وهذا من قول البحتري، ملوك يعدون الرماح مخاصرا، إذا زعزعوها والدروع غلائلا، ومثله لأبي الطيب، متعوداً لبس الدروع، البيت
وأمر من فقد الأحبة عنده ... فقد السيوف الفاقدات الأجفنا
يعني أن الحرب أحب إليه من الغزل فإذا فقد سيوفه كان ذلك أشد عليه من فقد أحبته ثم وصف سيوفه بإنها فاقدة لجفونها لأنه أبدا يستعملها في الحرب
لا يستكن الرعب بين ضلوعه ... يوماً ولا الإحسان أن لا يحسنا
стр. 120
الإحسان الأول مصدر أحسنت الشيء إذا حذقته وعلمته والإحسان الثاني هو ضد الاساءة يقول هو لا يحسن أن لا يحسن أي لا يعرف ترك الإحسان حتى إذا رام أن لا يحسن لم يعرف ذلك ولم يمكنه وهذا من قول الآخر، يحسن أن يحسن حتى إذا، رام سوى الإحسان لم يحسن، ون لا يحسن في محل النصب لأنه مفعول المصدر الذي هو الإحسان ولو قال ولا إحسان أن لا يحسن كان أقرب إلى الفهم من إستعماله بالألف واللام وإن كان المعنى سواء فإن قولك اعجبني ضرب زيدٍ أقرب إلى الفهم من قولك أعجبني الضرب زيدا ومعنى البيت لا يستكن الرعب ضلوعه ولا علم أن يترك الإحسان وقال ابن فورجة الإحسان ضد الإساءة يقول لا يستكن الإحسان حتى يحسن أي لا يثبت حتى يفعله وعلى هذا الإحسان الهم به يقول إذا هم بالإحسان لم يصبر عليه حتى يفعله
مستنبط من علمه ما في غدٍ ... فكأن ما سيكون منه دونا
يقول يعرف بعلمه ما يقع فيما يستقبل فكان ما سيكون قد كتب في علمه والمعنى أن علمه صحيفة الكائنات ويروى من يومه والمعنى أنه يستدل بما في يومه على ما سيقع في غد فيعرفه
تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدني
الدني جمع الدنيا مثل الكبر والصغر في جمع الكبرى والصغرى يقول إفهام الناس قصيرة عن إدراك هذا الممدوح كما تقاصرت عن علم الشيء المحيط بالأفلاك وبالدني فإن أحدا لا يعرف ما وراء الأفلاك وإن العالم إلى ما ينتهي من الأعلى والأسفل والتقدير تتقاصر الإفهام مثل تقاصرها عن إدراك الذي فيه الافلاك لكنه حذف لدلالة ما تقدم على ما حذف
من ليس من قتلاه من طلقائه ... من ليس ممن دان ممن حينا
يقول من أفلت من سيفه فلم يقتله فهو ممن اطلقه وعفا عن ومن لم يطعه وليس من أهل طاعته فهو ممن يهلكه ويقتله وذكر لفظ الماضي لتحقق وجود الهلاك ومن روى بضم الحاء فالمعنى فهو ممن هلك
لما قفلت من السواحل نحونا ... قفلت إليها وحشة من عندنا
أي كنا في وحشة من غيبتك فلما رجعت إلينا عادت الوحشة من عندنا إلى حيث انصرفت منه إلينا
ارج الطريق فما مررت بموضع ... إلا أقام به الشذا مستوطنا
الشذا شدة الرائحة يقول طاب الطريق الذي سلكته ففاحت رائحته وما مررت بطريق إلا صارت الرائحة الطيبة مقيمة هناك
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا
سلكت تماثيل القباب الجن من ... شوقٍ بها فأدرن فيك الأعينا
يقول اشتاقت الجن إليك فتوارت بتماثيل القباب للنظر إليك وتماثيل القباب هي القباب ويجوز أن يريد بتماثيلها الصور المنقوشة عليها أي أنها تضمنت من الجن أرواحا وهذا معنى قول ابن جنى لأنه قال ما أعلم أنه وصفت صورة بأنها تكاد تنطق باحسن من هذا
طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
أي لسرورها بقدومك طربت حتى ظننا أنها لولا الحياء لرقصت بنا والمعنى أن سرور قدومك غلب حتى ظهر في البهيمة التي لا تعقل
أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا
تبسم معناه باسما أريد به الحال والجياد يعني جياد الممدوح عابسة لطول سيرها ويريد بالحلق المضاعف الدروع
عقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه أمكنا
العثير الغبار يقول عقدت سنابك الجياد فوقها غبارا كثيفا لو تطلب السير عليه أمكن كما قال، كأن الجو وعثا أو خبار، وهذا منقول من قول البحتري، لما أتاك جيشا أرعنا، يمشي عليه كثافة وجموعاً، فنقله أبو الطيب إلى الرهج
والأمر أمرك والقلوب خوافق ... في موقف بين المنية والمنى
يقول أمرك مطاع والحال ما ذكر وهو اضطراب القلوب في الحرب بين القتل وبين ادراك المطلوب
فعجبت حتى ما عجبت من الظبي ... ورأيت حتى ما رأيت من السنا
يقول عجبت من كثرة السيوف حتى زال تعجبي لما كثرت ورأيت من الضوء وتألق الحديد ما خطف بصري يعني يوم قدومه رأى السيوف والأسلحة مع عسكره
إني أراك من المكارم عسكرا ... في عسكرٍ ومن المعالي معدنا
تقديره أني أراك عسكرا في عسكر من المكارم أي أنت في نفسك عسكر وحولك عسكر آخر من المكارم وأراك معدنا من المعالي أي أصلا لها فهي تؤخذ منك
стр. 121
فطن الفؤاد لما أتيت على النوى ... ولما تركت مخافة أن تفطنا
يقول قلبك يعرف ما فعلته في حال بعدك وما تركته فلم أفعله خوفا من أن تعلم فتعاتبني عليه وكان قد وشى به إليه وكأنه قد اعترف بتقصير منه لأن سياق الأبيات يدل عليه
أضحى فراقك لي عليه عقوبةً ... ليس الذي قاسيت فيه هينا
عليه أي على ما فعلته يقول صار فراقك عقوبةً لي على ما فعلته مما كرهته
فاغفر فدى لك واحبني من بعدها ... لتخصني بعطيةٍ منها أنا
أراد فأغفر لي أي ذنبي الذي جنيته فدى لك نفسي وأعطني بعد المغفرة لأكون مخصوصا بعطية منها نفسي يعني إذا عفوت عني واعطيتني كنت قد خصصتني بعطاء أنا من جملته
وأنه المشير عليك في بضلةٍ ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا
كان الأعور بن كروس قد وشى به إلى بدر بن عمار لما سار وتأخر عنه المتنبي وجعل قبوله منه ضلةً أي أن اطعته فيّ ضللت يهدده بالهجاء ويجوز أن يريد بالضلال ما يؤمر به من هجران المتنبي وحرمانه وهذا أولى مما ذكر ابن جنى من التهديد وعنى بالحر نفسه وبأولاد الزنا الوشاة ومثله للطاءي، وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع، وهذا من قول مروان ابن أبي حفصة، ما ضرني حسد اللئام ولم يزل، ذو الفضل يحسده ذون التقصير،
وإذا الفتى طرح الكلام معرضا ... في مجلس أخذ الكلام اللذ عني
يعني أنه قد عرض بذكر أولاد الزمنا وقد فهمه من عناه بهذا الكلام
ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
يعني السعاة والوشاة الذين وشوا به يقول كيدهم يعود عليهم بالشر
لعنت مقارنة اللئام فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفنا
يقول مخالطة اللئيم مذمومة ملعونة لأن عاقبتها الندامة فهي كضيف معه ضيف من الندامة
غضب الحسود إذا لقيتك راضيا ... رزء أخف على من أن يوزنا
أمسى الذي بربك كافرا ... من غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
أى أمسى من يكفر بالله من غيرنا مؤمنا بفضلك معنا يعني أن من يخالفنا في الأيمان يوافقنا في الإقرار بفضلك
خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لاتحزنا
الغزالة اسم الشمس يقول جعلك الله عوضا من الشمس للبلاد وأهلها عند فقد الشمس بالليل كي لا يحزنوا وسيبويه لا يجيز تقديم ضمير الغائب المتصل على الحاضر في مثل قولك ما فعل الرجل الذي أعطاهوك زيد على معنى الذي أعطاه إياك فتأتي بالضمير المنفصل وتدع المتصل وأبو العباس يجيزه والصواب عند سيبويه فأعاضها أياك والشعر موقف ضرورة فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره ويقال عاضه وأعاضه وعوضه بمعنى وأمر بدر أن يحجب الناس عنه
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ ... هيهات لست على الحجاب بقادر
من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
أما ضوء الحبين فمن قول قيس ابن الخطيم، قضى لها الله حين يخلقها الخالق أن لايكنها سدف، وأما ذكر الجود فمن قول أبي تمام، يا أيها الملك الناءي برؤيته، وجوده لمراعي جوده كثب، وقد قال أبو نواس، ترى ضوءها من ظاهر الكأس ساطعاً، عليك لو غطيتها بغطاء،
فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
هذا من قول الطاءي، فنعمت من شمس إذا حجبت بدت، من خدرها فكأنها لم تحجب وسقاه بدر ولم يكن له رغبة في الشراب فقال
لم تر من نادمت الأكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا
من هاهنا نكرة بمنزلة أحد والاك فيه قبح والوجه إلا أياك لأن إلا ليست لها قوة الفعل ولا هي أيضا عاملة وهو يجوز في الضرورة كقوله، فما نبالي إذا ما كنت جارتنا، ألا يجاورنا إلاك ديار، يقول لم ترك أحدا نادمته غيرك وليس ذلك لشيء سوى ودك لي أي إنما أنادمك لأنك تودني لا لمعنى آخر
ولا لحبيها ولكنني ... أمسيت أرجوك وأخشاكا
كنى عن الخمر ولم يجر لها ذكر يقول لست أنادمك لحب الخمر ولكن لأنك مرجو مهيب وقال أيضا
عذلت منادمة الأمير عواذلي ... في شربها وكفت جواب السائل
يقول من عذلني في شرب الخمر عذلته منادمتين الأمير لأن منادمته شرف والشرف مطلوب وليس للعاذل أن يعذل فيما يورث الشرف وكفت جواب سائل يسأل فيقول لم تشرب الخمر ولم تنادمه بما حصلت لي من الشرف
стр. 122
مطرت سحاب يديك ريَّ جوانحي ... وحملت شكرك واصطناعك حاملي
يقول أرواني سحاب جودك وحملت شكرك على انعامك واحسانك حملني لأنه كفى مؤني وتحمل اثقالي
فمتى أقوم بشكر ما أوليتني ... والقول فيك علو قدر القائل
متى سؤال عن الزمان كأنه قال منكرا أي زمان أقوم بشكر ما أعطيتني أي لا أقوم به لأني كلما اثنيت عليك وشكرتك حصلت عليّ نعمةٌ لك جديدة وهو أن ذلك يكسبني علوا ورفعة وتاب بدر من الشراب فرآه يشرب فقال
يا أيها الملك الذي ندماؤه ... شركاؤه في ملكه لا ملكه
في كل يوم بيننا دم كرمةٍ ... لك توبة من توبةٍ من سفكهِ
جعل الخمر دم الكرم وجعل شربها واستهلاكها سفكا لذلك الدم يقول كل يوم تتوب من توبتك من شرب الخمر والتوبة من التوبة ترك التوبة
والصدق من شيم الكرام فنبئنا ... أمن المدام تتوب أم من تركه
قال له بدر بل من تركه قال ابن جنى وكان الوجه أن يقول فنبيئنا ولكنه أبدل الهمزة ياء ثم حذفها وقال ابن فورجة هذا تصحيف والصحيح فنبئن فكتبت بالألف فصحفت إلى نبنا وقال أيضا فيه
بدر فتى لو كان من سؤاله ... يوماً توفر حظه من ماله
أي لأن حظ السؤال أكثر من حظه
تخير الأفعال في أفعاله ... ويقل ما يأتيه في إقباله
أي افعال الناس وصنائعهم تخير فيما يفعله هو لقصورها عن فعله وزيادة ما يفعله على فعلهم ثم يقل ذلك في دولته لاقتضائها الزيادة على ما فعل
قمراً ترى وسحابتين بموضع ... من وجهه ويمينه وشماله
فسر المصراع بالمصراع الثاني وقال ابن جنى أي يمينه تسح العطاء وشماله الدماء قال ابن فورجة الرجل لايقاتل بشماله والفعل يكون لليمين في كل شيء وإنما يكون عمل الشمال كالمعاونة لليمين وإنما يعني أن يديه جيمعا كالسحابتين عطاء وسح دماء
سفك الدماء بجوده لا بأسه ... كرما لأن الطير بعض عياله
هذا كقوله، ما به قتل اعادي، البيت زاد بذكر الجود والعيال على ما قاله الشعراء من اطعام الطير لحوم الاعداء
إن يفن ما يحوي فقد أبقى به ... ذكرا يزول الدهر قبل زواله
هذا منقول من قول الشاعر، بقلبي غرام لست أبلغ وصفه، على أنه ما كان فهو شديد، ترم به الأيام تسحب ذيلها، وتبلى به الأيام وهو جديد وقد سأله حاجة فقضاها فنهض فقال
قد أبت بالحاجة مقضية ... وعفت في الجلسة تطويلها
أنت الذي طول بقائي به ... خير لنفسي من بقائي لها
وسأله بدر الجلوس فقال
يا بدر إنك والحديث شجون ... من لم يكن لمثاله تكوين
قوله الحديث شجون مثل والمعنى أنه ذو شجون أي ذو طريق مشتبكة مختلطة وفصل بهذا المثل بين أسم إن وخبرها كما يفصل بالقسم فيقال أنك والله عاقل يقول أنك من لم يكون الله مثله ولم يخلقه واشار بقوله والحديث شجون إلى أن تحت قوله لا مثل لك معان كثيرة لا تحصى
لعظمت حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتمنا بها جبرين
جبرين لغة في جبريل بكسر الجيم وحذف الهمزة وتبدل اللام نونا وكذاك يقال اسماعيل واسمعين واسرائيل واسرائين يقول لو كنت أمانة لكنت عظيما لا يؤتمن بها جبريل الأمين على وحي الله وكتبه إلى انبيائه وهذا إفراط وتجاوز حد يدل على قلة دين وسخافة عقل
بعض البرية فوق بعض خاليا ... فإذا حضرت فكل فوق دون
يقول إذا خلا الناس منك اختلفوا وتباينوا فإذا حضرت استووا كلهم في التقصير عنك وصار اعلاهم دونك واخلص فوقا ودونا اسمين وقال فيه أيضا
فدتك الخيل وهي مسومات ... وبيض الهند وهي مجردات
المسومات المعلمات بعلامات تعرف بها يقول فدتك الخيل والسيوف في الحرب حتى تفنى هي وتبقى أنت
وصفتك في قوافٍ سائرات ... وقد بقيت وإن كثرت صفات
أي بقيت صفات وإن كثرت القوافي لأنها لا تحيط بصفاتك
أفاعيل الورى من قبل دهم ... وفعلك في فعالهم شيات
الشية من اللون ما خالف معظمه كالغرة والتحجيل يقول أفعال الناس من قبلك سود بالقياس إلى فعلك وفعلك يتميز من أفعالهم تميز الشية من لون الأدهم أو تتزين أفعالهم بفعلك تزين الأدهم بالغرة والتحجيل كقول الطاءي، قوم إذا اسود الزمان توضحوا، فيه وغودر وهو منهم أبلق وقام منصرفا بالليل وقال
стр. 123
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
ويروى في الجفون وكان يجب أن يقول ولقياك لأن الرؤيا تستعمل في المنام خاصةً لكنه ذهب بالرؤيا إلى الرؤية لأنه كان بالليل كقوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس لم يرد رؤيا المنام إنما أراد رؤيا اليقظة ولكنه كان بالليل
على أنني طوقت منك بنعمةٍ ... شهيد بها بعضي لغيري على بعضي
يريد انصرف عنك مع أنك قلدتني نعمةً يشهد بها بعضي على بعضٍ أي من نصر إليّ استدل بنعمتك عليّ والمعنى أن القلب أن أنكر نعمتك شهد الجلد بما عليه من الخلعة
سلام الذي فوق السموات عرشه ... تخص به يا خير ماشٍ على الأرض
وقال أيضا وهو يلعب بالشطرنج وقد كثر المطر فقال
ألم تر أيها الملك المرجى ... عجائب ما رأيت من السحاب
تشكي الأرض غيبته إليه ... وترشف ماءه رشف الرضاب
هذا البيت تفسير ما ذكره من العجائب يقول الأرض بعطشها تشكو إلى السحاب غيبته عنها وتمص ماءه كما يمص العاشق ريق المحبوب
وأوهم أن في الشطرنج همي ... وفيك تأملي ولك انتصابي
الشطرنج معرب والأحسن كسر الشين ليكون على وزن فعلل كجردحل وقرطعب يقال ما له قرطعبة أي شيء والجردحل من الأبل الضخم وليس في كلام العرب فعلل وقيل أنه معرب من سدرنج يعني أن من اشتغل به ذهب غناؤه باطلا يقول إنما اتأمل في محاسنك لا في الشطرنج وانتصب جالسا لأراك لا للعب
سأمضي والسلام عليك مني ... مغيبي ليلتي وغداً إيابي
وأخذ الشراب من أبي الطيب وأراد الانصراف فلم يقدر على الكلام فقال هذين البيتين وهو لا يدري
نال الذي نلت منه مني ... لله ما تصنع الخمور
وذا انصرافي إلى محلي ... أآذن أيها الأمير
يقول الذي نلت منه بشربه نال مني بتغيير اعضائي والأخذ من عقلي ثم تعجب مما تفعله الخمر وهذا كما قال الطائي، وكأس كمعسول الأماني شربتها، ولكنها أجلت وقد شربت عقلي، إذا اليد نالتها بوتر توترت، على ضغنها ثم استقادت من الرجل، وكما قال ايضا، أفيكم فتًى حيٌّ فيخبرني عني، بما شربت مشروبة الراح من ذهني وعرض عليه الصحبة في غد فقال
وجدت المدامة غلابةً ... تهيج للقلب أشواقه
غلابة تغلب العقل والحزن وتحرك الشوق كما قال البحتري، من قهوةٍ تنسى الهموم وتبعث، الشوق الذي قد ضل في الأحشاء،
تسيء من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه
أراد بسوء الأدب حركاته المفرطة وقول الخنا والعربدة وبحسن الخلق السماحة
وأنفس ما للفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه
اعز ما للانسان عقله والعاقل يكره اخراج العقل من نفسه
وقد مت أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت من ذاقه
جعل غلبة السكر عقله كالموت ثم قال ومات مرة لا يشتهي العود إليه وقال يصف لعبة أحضرت المجلس على صورة جارية
وجارية شعرها شطرها ... محكمةٍ نافذ أمرها
يعني أن شعر رأسها طويل قد بلغ نصف بدنها حكمها أهل المجلس واطاعوها فيما تأمرهم لأنها كانت تدور فإذا وقفت بحذاء واحد منهم شرب فأمرها نافذ عليهم
تدور وفي يدها طاقة ... تضمنها مكرهاً شبرها
كانت قد وضعت في كفها طاقة ريحان أو نرجس كرها لأنها لم تأخذها طوعا
فإن أسكرتنا ففي جهلها ... بما فعلته بنا عذرها
أي أن اسكرتنا بوقوفها حذاءنا فجهلها ما فعلت عذر لها لأنها لا تعلم ما فعلت واديرت فوقفت حذاء أبي الطيب فقال
جارية ما لجسمها روح ... بالقلب من حبها تباريح
يعني أن القلوب تحبها للطف صورتها والتباريح الشدائد
في يدها طاقة تشير بها ... لكل طيب من طيبها ريح
أي كل طيب يستفيد طيب الرائحة منها لأنها أطيب الأشياء ريحا
سأشرب الكاس عن إشارتها ... ودمع عيني في الخد مسفوح
أي إنما يبكي لكراهية الشرب ولكنه لا يمكنه مخالفة اشارتها واديرت فوقفت حذاء بدر رافعةً رجلها فقال
يا ذا المعالي ومعدن الأدب ... سيدنا وابن سيد العرب
أنت عليم بكل معجزةٍ ... ولو سألنا سواك لم يجب
أي بكل مسألة معجزة الناس عن بيانها والجواب فيها
أهذه قابلتك راقصة ... أم رفعت رجلها من التعب
стр. 124
وقال أيضا فيها:
أن الأمير أدام الله دولته ... لفاخر كسيت فخراً به مضر
يعني أن العرب كلها قد لبست فخرا به ويروى كسبت
في الشرب جارية من تحتها خشب ... ما كان والدها جن ولابشر
قامت على فرد رجلٍ من مهابته ... وليس تعقل ما تأتي وما تدر
وأديرت فسقطت فقال بديها
ما نقلت في مشيئة قدما ... ولا اشتكت من دوارها ألما
يقول هي لا تنقل القدم في مشيتها وأرادتها يعني لا قصد لها ولا إرادة ويروي في مشية تصغير مشية
لم أر شخصا من قبل رؤيتها ... يفعل أفعالها وما عزما
فلا تلمها على تواقعها ... أطربها أن رأتك مبتسما
وقال لبدر ما حملك على احضار اللعبة فقال أردت نفي الظنة عن أدبك فقال أبو الطيب
زعمت أنك تنفى الظن عن أدبي ... وأنت أعظم أهل العصر مقدارا
كان المتنبي يتهم بأنه لا يقدر على ارتجال الشعر فاراد بدر أن يفنى عنه هذه التهمة
أني أنا الذهب المعروف مخبره ... يزيد في السبك للدينار دينارا
يقول أنا كالذهب الذي يخبر للناس جوهره بالسبك فتزيد قيمته على ما كانت قبل السبك فقال بدر بل والله للدينار قنطار فقال أبو الطيب
برجاء جودك يطرد الفقر ... وبأن تعادي ينفد العمر
فخر الزجاج بأن شربت به ... وزرت على من عافها الخمر
وسلمت منها وهي تسكرنا ... حتى كأنك هابك السكر
ما يرتجي أحد لمكرمة ... إلا الإله وأنت يا بدر
وقال يمدح أبا الحسن عليّ بن أحمد المري الخراساني
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محاربٍ لا ينام
كان الوجه أن يقول لا افتخار بالفتح كما يقال لا رجل في الدار وإنما يجوز الرفع مع النفي بلا إذا عطف عليه فيرفع وينون فيقال لا رجل في الدار ولا امرأة ولكنه اجازه بغير عطف لضرورة الشعر وجعل من نكرةً وجر مدرك أو محارب لأنهما وصف له كما يقال مررت بمن عاقل أي بإنسان عاقل يقول لافخر إلا لمن لا يظلم بامتناعه عن الظلم بقوته وهو إما مدرك ما طلب أو محارب لا ينام ولا يغفل حتى يدرك ما يطلبه
ليس عزماً ما مرض المرء فيه ... ليس هما ما عاق عنه الظلام
يقول العازم على الشيء لا يقصر فيه وما قصر الإنسان فيه لم يكن ذلك عزما وما منعك الظلام عن طلبه ليس ذلك عمة لأن العازم إذا هم بأمرٍ لم يعقه دون ادراكه شيءٍ
ذل من يغبط الذليل بعيشٍ ... رب عيشٍ أخف منه الحمامُ
يقول من عاش بذل فليس له عيش يغبط به ومن غبطه بذلك العيش فهو ذليل لأن الموت في العز أخف من العيش من الذل
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حجة لاجيء إليها اللئام
يقول الحلم إذا لم يكن عن قدرة على العدو كان عجزا وهو حجة اللئام يسمون عجزهم عن مكافأة العدو حلما كما قال الآخر، إن من الحلم ذلا أنت عارفه، والحلم عن قدرةٍ فضل على الكرم،
من يهن يسهل الهوان عليه ... لم لجرح بميتٍ إيلام
يقول إذا كان الإنسان هينا في نفسه سهل عليه احتمال الهوان كالميت الذي لا يتألم بالجراحة
ضاق ذرعاً بأن أضيق به ذر ... عاً زماني واستكمرتني الكرام
يقال ضاق ذرعا بكذا إذا لم يطقه إذا لم يطقه وهو من الذراع وأصله أن يمد الرجل ذراعه إلى شيء فلا يصل إليه فيقال ضاق ذرعا بكذا كما يقال حسن وجها يقول عجز الزمان عن أن يدخل على أمرا لا احتمله ولا أطيقه أي لست أضيق بالزمان ذرعا وأن كثرت ذنوبه واساءته إليّ ثم قال استكرمتني الكرام أي وجدوني كريما صبورا على نوائب الزمان غير جزوع يقال استكرمت فاربط أي وجدت كريما فتمسك به
واقفاً تحت أخمصي قدر نفسي ... واقفاً تحت أخمصي الأنام
يقول إذا علوت الأنام ووقفوا تحت أخمصي كنت في تلك الحال واقفا تحت أخمص همتي أي لم أبلغ مع بلغته همتي وأن كنت فوق جميع الأنام
أقراراً ألذ فوق شرارٍ ... ومراماً أبغي وظلمي يرام
يقول لا أستلذ القرار فوق شرار النار أي لا اصبر على مقاساة الذل ولا أبغي مطلبا ما دام ظلمي يرام ويطلب كأنه قال لا أبغي مرام دون دفع الضيم عن نفسي وهو قوله
دون أن يشرق الحجاز ونجدٌ ... والعراقان بالقنا والشام
стр. 125
أي قبل أن تغص وتضيق هذه البلاد بالرماح أي املأها بالخيل والشام إنما يزاد فيها الألف عند النسبة إليها فيحذف التشديد من ياء النسبة وتجعل الألف بدلا من التشديد كما يقال يمنى ويمانٍ
شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر على بن أحمد القمقام
الأديب المهذب الأصيد الضر ... بالذكي الجعد السري الهمام
والذي ريب دهره من أسارا ... هـ ومن حاسدي يديه الغمام
ريب الزمان صروفه ونوائبه يعني أنه اسر ريب الدهر وحبسه عن الناس
يتداوى من كثرة المال والإق ... لالِ جوداً كأن هالاً سقام
يقول كأن المال سقام وكأن الأقلال برء ذلك السقام فهو يتداوى من كثرة المال بالاقلال أي يبذله ليصير مقلا فيصير ذلك دواء له من الداء الذي هو الإكثار
حسن في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام
يقول هو حسن وتم الكلام ثم قال في عيون اعدائه أقبح من ضيفه في عين المال الراعي لأنه ينحر إبله للأضياف فهي تكرههم كما قال الآخر يصف الضيف، حبيب إلى كلب الكريم مناخه، بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر، وقوله في عيون أعدائه ظرف للقبح لا للحسن وقدمه عليه كما تقول في الدار زيد
لو حمى سيداً من الموت حامٍ ... لحماك الإجلال والإعظام
يقول لو كان سيد محمياً من الموت لحماك وحفظك لا تموت وقال ابن دوست لأنهم يهابونك فلا يقدمون عليك وليس المعنى في اجلال الناس إياه من ذكره لأنه ليس كل الموت القتل حتى يصح ما ذكر
وعوار لوامعٌ دينها الح ... لُّ ولكن زيها الإحرام
أي وسيوف عوار من الغمود دينها استحلال قتل النفوس ولكن زيها زي محرم لأن المحرم عارٍ من الثياب
كتبت في صحائف المجد بسم ... ثم قيس وبعد قيس السلام
من قال بسم اجري الباء كبعض حروفها لطول صحبتها الإسم كما أنشده الفراء، فلا والله لا يلفي لما بي، ولا للما بهم أبداً دواء، وانشد الاخر، وكاتبٍ قطط اٌلاما، وخط بسما ألفا ولاما، ومن قال بسم خفضه بالباء وأراد بسم الله وهذا قبيح جداً أن يجعل ما ليس من نفس الكلمة كالجزء منه وقوله وبعد قيس من كسر السين حذف التنوين لاجتماع الساكنين ومثله كثير ومن نصب قيس ذهب إلى القبيلة فلم يصرفها للتعريف والتأنيث ومعنى البيت أن غير قيس لا يسمى عند التسمية أهل المجد فيكتب بإسم الله ثم أسم هذه القبيلة ثم يكتب السلام الذي يكتب في أواخر الكتب
إنما مرة بن عوف بن سعدٍ ... جمرات لا تشتهيها النعام
جمرات العرب بنو عبس وبنو ضبةَ وبنو ذبيان سموا جمرات لشوكتهم وشدتهم وما أحسن ما فضل هذه القبيلة الملقبة بالجمرة على سائر الجمرات جعلها لا تشتهيها النعام لأنها قبيلة ذات بأس وشدة لا ذات جمر في الحقيقة فهم جمرات الحرب لا جمرات اللهب والنعام تشتهي جمرة النار لفرط برودة في طبعها
ليلها صبحها من النار والأص ... باح ليل من الدخان تمام
يعني أنهم مضاييف بالليل والنهار فليلها كالصبح لضوء النار التي أوقدوها للضيغان ونهارهم كالليل من الدخان وقوله تمام أتى به لإتمام القافية فقط وتم المعنى دونه ومعناه تام في الطول
همم بلغتكم رتباتٍ ... قصرت عن بلوغها الأوهام
ونفوس إذا ايرت لقتالٍ ... نفدت قبل ينفذ الإقدام
الانبراء التعرض للشيء والمعنى أنها تقبل مقدمة فتنفد والاقدام باق بحاله لأنها لم تتأخر فنفادها قبل نفاد اقدامها ويجوز أن يكون المعنى أنهم يعلمون الناس الأقدام فيفنون وأقدامهم باقٍ ويجوز أيضا أن يريد أنهم متجسمون من الأقدام فإذا فنيت الروح فالجسم الباقي هو الإقدام
وقلوب موطنات على الرو ... ع كأن اقتحامها استسلام
الموطنات المسكنات وأراد بالروع الحرب لا الفزع والاقتحام الدخول في الحرب والاستسلام طلب السلم والصلح يقول كان دخولهم في الحرب طلب للسلم لاسترسالهم وانبساطهم
قائدو كل شطبةٍ وحصانٍ ... قد براها الإسراج والإلجامُ
يتعثران بالرؤوس كما م ... ر بتاءات نطقه التمام
التمام الذي يتردد لسانه بالتاء يعني أن خيلهم تعثر برؤوس القتلى من الاعداء كما يعثر التمتام بالتاء ويقال تمتا وتاتاء
طال غشيانك الكرائه حتى ... قال فيك الذي أقول الحسامُ
стр. 126
يقول طال اتيانك الحروب حتى أن السيف يشهد بما أقوله بانفلاله فجعل ذلك كالقول من السيف ولم يعرف ابن دوست المعنى فقال السيف قال فيك ما أقوله من المدح والشجاعة
وكفتك الصفائح الناس حتى ... قد كفتك الصفائح الأقلام
قال ابن جنى أي استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس لك وليس المعنى على ما ذكر يقول هاب الناس سيوفك فكفوا عنك ولم تحتج إلى قتالهم ثم صرت إلى أن كفتك الأقلام السيوف لما استقر لك من الهيبة في القلوب وقال ابن دوست كفتك سيوفك الناس من العساكر وغيرها حتى استغنيت عنهم ولم تحتج إليهم وهذا أيضا ضعيف لن السيوف تحتاج إلى من يحملها ليحصل له الهيبة وهي بمجردها لا تكفيه الناس والمعنى ما ذكرنا ومن روى البأس أراد كفتك سيوفك الحرب فتكون هذه الرواية تأكيدا للمعنى الذي ذكرنا
وكفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام
التجارب جمع التجربة وهي التجريب يقول قد جربت الأمور وعرفتها حتى لا تحتاج إلى التفكر فيها ثم صرت ملهما يلهمك الله الصواب حتى كفاك الهام الله تعالى التجارب
فارس يشتري برازك للفخ ... ر بقتلٍ معجلٍ لا يلام
يقول من اشترى نفاسة ما يكتسبه من الفخر بكونه قرنا لك بأن تعجل قتله لم يلم على ذلك لأنك وإن قتلته فقد استحق الفخر بأن يقال قدر على مبارزته
نائل منك نظرةً ساقه الفق ... ر عليه لفقره إنعامُ
أي لما كان فقره سبب نظره إليك بقصده إياك كان فقره منعما عليه يعني لو لم ينل غير النظر إليك لكان لفقره أنعام عليه
خير أعضائنا الرؤس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
يقول خير اعضاء الإنسان الرأس لأنه مجمع الحواس وفيه الدماغ الذي هو محل العقل ولكن الأقدام صارت أفضل منها بقصدها إياك وهذا كما قال ايضا، وإن القيام التي حوله، لتحسد أقدامها الأروس،
قد لعمري أقصرت عنك وللوف ... د ازدحام وللعطايا ازدحام
يقول لم آتك حين ازدحمت عليك الوفود وازدحمت عليهم عطاياك
خفت إن صرت في يمينك أن تأ ... خذني في هباتك الأقوامُ
ذكر علة تأخره عنه وهي خوفه أن يؤخذ في جملة ما كان يهبها وهذا اغراق في وصف كثرة عطاياه حتى خاف شاعره وزائره أن يوخذ فيما يوخذ عنه من الهبة وهذا كقول البحتري، ومن لو ترى في ملكه عدت نائلا، لأول عافٍ من مرجيه مقتر،
ومن الرشد لم أزرك على القر ... ب على البعد يعرف الإلمام
يقول من اصابة الرشد لم أزرك وأنا على القرب منك لأن حق الزيارة إنما يعرف إذا كان من بعد قال أبو الطيب كنت بالقرب منه ولم أزره فلما بعدت عنه زرته
ومن الخير بطؤ سيبك عنى ... أسرع السحب في المسير الجهام
البطؤ اسم من الإبطاء وهو التأخر يقول تأخر عطائك عني يدل على كثرته كالسحاب إنما يسرع منها ما كان جهاما لا ماء فيه وما يكون فيه الماء يكون ثقيل المشي
قل فكم من جواهر بنظامٍ ... ودها أنها بفيك كلام
يقول للممدوح قل وتكلم فإن الجوهر المنظوم يتمنى أن يكون كلاما لك لحسن نطقك وانتظام كلماتك
حسبك الله ما تضل عن الح ... ق ولا يهتدي إليك أثام
يقول كافيك الله أي هو الذي يكفيك كل شر وغائلة وأنت مع الحق لا تضل عنه ولا تهتدي إليك الإثم لأنك لا تأتي بما تأثم فيه
لم لا تحذر العواقب في غي ... رِ الدنايا أو ما عليك حرامُ
يعني أنه يقدم على المهالك وكل شيء ولا يتفكر في عقابة شيء إلا ما كان من دنية أو شيء حرام فإنه لا يقدم عليه فيقول لم تفعل ذلك وروى أما بالإستفهام وهو رواية ابن جنى وقال في تفسيره يقول لافراطك في توقي الدنايا صار كأنه حرام عليك غيرها هذا كلامه والمعنى أنه لا يتفكر في عاقبة شيء سوى الدنايا فكأنه لم يحرم عليه شيء والأول أمدح
كم حبيبٍ لا عذر في اللوم فيه ... لك فيه من التقي لوام
يقول كم حبيب يستحق المواصلة بتمام حسنه ولا تلام لو واصلته وتقاك يمنعك عنه حني كأن التقوى لوام يلومونك في وصله يصفه بتقوى الله وخشيته ثم أكد هذا فقال
كم حبيب لا عذر في اللوم فيه ... لك فيه من التقى لوام
يقول نزاهتك وتباعدك عن الآثام رفعت قدرك عن مواصلته وصرفت قلبك عنه الأمور العظيمة التي تسعى فيها
إن بعضا من القريض هذاء ... ليس شيئا وبعضه أحكام
стр. 127
الهذاء الذيان والأحكام جمع الحكم بمعنى الحكمة كما روى في الحديث إن من الشعر لحكما أي حكمةً والبيت مآخوذ من هذا الحديث
منه ما يجلب البراعة والفض ... ل ومنه ما يجلب البرسام
هذا البيت تفسير لما قبله وقال أيضا وأراد الأرتحال
لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍ ... فإنني لرحيلي غير مختارِ
وربما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغى غير قالٍ خشية العارِ
شبه فراقه الممدوح بفراق الإنسان روحه يقول قد يعرض للمرء ما يوجب له فراق روحه من غير بغض للروح كذلك أنا أفارقك كارها لذلك مضطرا
وقد منيت بحساد أحاربهم ... فاجعل نداك عليهم بعض انصاري
يقول أنا مبتلي بحساد أعاديهم فانصرني عليهم بجودك يعني لأفتخر عليهم بما وهبت لي وقال يصف سيره في البوادي وهجا فيها ابن كروس الأعور
عذيري من عذاري من أمور ... سكن جوانحي بدل الخدور
قولهم عذيري من فلان يستعملونه عند الشكاية من الشيء والمعنى من يعذرني أن أوقعت به وأسات إليه فقد استحق ذلك ويريد بالأمور العذارى همما لم يسبق إليها أو خطوبا عظيمة لا عهد بمثلها يقول هذه الأمور اتخذت اضلاعي وقلبي مسكنا كما تسكن العذارى خدورهن
ومبتسمات هيجاوات عصرٍ ... عن الأسياف ليس عن الثغور
الهيجاوات جمع الهيجاء وهي الحرب أي من حروب تبتسم هبواتها عن بريق السيوف لا عن الثغور
ركبت مشمراً قدمي إليها ... وكل عذافر قلق الضفور
مشمرا رافعا ذيلي للسرعة والعذافر القوي من الإبل والناقة عذافرة والضفور جمع ضفر وهو الحبل والنسع يقول قصدتها راجلا وراكبا وإنما تقلق الضفور لشدة السير والهزال
أوانا في بيوت البدو رحلي ... وآونةً على قتد البعير
الآونة جمع أوانٍ مثل زمان وأزمنة يقول ارتحالي أكثر من نزولي لذلك قال في النزول أوانا وفي الأرتحال آونة
أعرض للرماح الصم نحري ... وأنصب حر وجهي للهجير
وأسرى في ظلام الليل وحدي ... كأني منه في قمرٍ منيرِ
يقول كأني في الظلام في قمر لمعرفتي بالطرق واهتداءي فيها
فقل في حاجةٍ لم أقض منها ... على تعبي بها شروي نقير
النقير النقرة تكون في ظهر النواة يضرب مثلا للشيء الحقير شروي الشيء مثله ومعنى قل فيها أي أكثر القول وقل ما شئت فإن فيه مقالاتٍ يذكر كثرة تعبه وقلة نيله يقول كم من حاجة تعبت فيها أو شغفت بها ثم لم أقض منها شيئاً قليلا ولم يفسر أحد معنى قل ههنا
ونفس لا نجيب إلى خسيس ... وعين لا تدار على نظيرٍ
أي وقل ما شئت في نفس يعني لا تجيب إلى أمر خسيس وعينٍ لا تفتح ولا تدار في النظر على نظير لي
وكفٍ لا تنازع من أتاني ... ينازعني سوى شرفي وخيري
يعني وكف جوادٍ لا تمسك الأشياء ولا تنازع المنازع في غير الشرف والكرم يعني أنه يجود بالماد وكل شيء سوى الشرف
وقلة ناصرٍ جوزيت عني ... بشرٍّ منك يا شر الدهور
أي وقل في قلة من ينصرني على ما اطلبه ثم خاطب الدهر فقال جوزيت عني بدهر شر منك أي ابتلاك الله بدهر شر منك كما ابتلاني بك وأنت شر الدهور
عدوي كل شيء فيك حتى ... لنحلت الأكم موغرة الصدور
قال ابن جنى هذا يحتمل أمرين أحدهما أن يريد أن الأكم تنبو به ولا تطمئن فكأن ذلك لعداوة بينهما والآخر وهو الوجه أن يكون إراد شدة ما يقاسي فيها من الحر فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها قال ابن فورجة أما المعنى الأول فيقال لم يريد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئسما يختار لداره ومقامه وأما المعنى الآخر فيقال كيف خص الأكم بشدة الحر والمكان الضاحي للشمس أولى أن يكون أحر والأكمة ظل وهو أبرد من المكان الذي لا ظل فيه وهذا أيضا خطأ والذي يعني أبو الطيب أنه كل شيء يعاديه حتى خشي أن يكون الأكمة التي هي شخص بلا عقل معاديةً له وإن لم يكن ظهر منها ما يوجب ذلك كما يقول الرجل الخائف أخاف الجدار وأخاف كل شخص ماثل وإن لم يكن ظهر من الحائط ما يستريب به وإنما يريد بذلك المبالغة في الخوف
فلو أني حسدت على نفيسٍ ... لجدت به لذا الجد العثورِ
يقول لو حسدني الأعداء على شيء نفيس يرغب فيه لتركته لما أنا فيه من الجد العاثر ويروى لذي الجد أي لجدت به لاخس الناس
стр. 128
ولكني حسدت على حيوتي ... وما خير الحيوى بلا سرور
كنى بالحيوة عن السرور لأن الحيوة إذا خلت عن السرور لم تكن حيوةً والمعنى أنهم حسدوني على سروري وأنسي وأرادوا أن أكون محزونا أبداً وإذا أرادوا فكأنهم قد أرادوا موتي لأن حيوة المحزون لا خير فيها هذا ما يفسر به البيت وليس بظاهر وأظهر من هذا أنه ذكر في البيت قبله أنه لو حسد على نفيس لجاد به ثم قال إنما أحسد على حيوتي وهي حيوة بلا سرور يدل على هذا قوله وما خير الحيوة بلا سرور أي فلا خير في حيوتي لأنها بغير سرور ولو كان فيها خير وسرور لجدت بها ولكن لا يرغب أحد في حيوة لا سرور فيها فجعل الحيوة كالشيء الذي يجاد به على الحاسد للنجاة من شره وحسده ثم ذكر أنها خالية من السرور فلا يرغب فيها راغب
فيا ابن كروسٍ يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيها نصف البصير
هذا الأعور كان يعاديه لذلك سماه نصف الأعمى ونصف البصير والمعنى أن فخرت ببصرك فأنت ذو بصر واحد
تعادينا لأنا غير لكن ... وتبغضنا لأنا غير عور
يقول تعادينا لما بيننا من المضادة لأنك الكن وأنا فصيح وأنت أعور وأنا بصير
فلو كنت امرءً يهجا هجونا ... ولكن ضاق فتر عن مسير
يقول لخستك لا مجال للشعر فيك فإن الهجاء يرتفع عن قدرك والفتر يضيق مقداره عن المسير فيه كذلك أنت ليس لك عرض يهجي كما قال، بما أهجوك لا أدري، لساني فيك لا يجري، إذا فكرت في عرضك أشفقت على شعري، وقال يمدح محمد بن عبيد الله بن محمد بن الخطيب القاضي الخصيبي
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
يقول الافضلون كالأغراض للزمان يرميهم بنوائبه ويقصدهم بالمحن وإنما يخلو من الحزن من كان خاليا من الفطنة والبصيرة يعني أن الزمان إنما يقصد بشره الأفضل كما قال ذو الإصبع، أطاف بنا ريب الزمان فداسنا، له طائف بالصالحين بصير، وقال البحتري، ألم تر للنوائب كيف تسمو، إلى أهل النوافل والفضول،
وإنما نحن في جيل سواسية ... شرٍ على الحر من سقمٍ على بدن
الجيل الضرب من الناس وسواسية متساوون في الشر ولا يقال في الخير
حولي بكل مكانٍ منهم خلق ... تخطى إذا جئت في استفهامها بمن
خلق جمع خلقة وهي الصورة ويروي خلق جمع خلقة من الناس والمعنى أن من يستفهم بها عن من يعقل وهؤلاء كالبهائم وإذا استفهمت عنهم فقل ما أنتم ولا تقل من أنتم
لا أقتري بلداً إلا على غررٍ ... ولا أمر بخلقٍ غير مضطغنِ
تقول قزوت البلاد واستقريتها واقتريتها إذا تتبعتها تخرج من بلد إلى بلد ومضطغن ذو ضغن وحقد يقول لا أسافر على خطر وخوف على نفسي من الحساد والاعداء ولا أمر بأحد لا يكون له عليّ حقد يعني أنهم جهال اعداء لذوي الفضل والعلم فلجهلهم وفضلي يعادونني
ولا أعاشر من أملاكهم أحدا ... لا أحق بضرب الرأس من وثنِ
يقول لا اخالط أحدا من ملوكهم إلا وهو يستحق القتل كالصنم الذي يستق أن يكسر ويفصل بين رأسه وبدنه حتى لا يكون على خلقة الإنسان ويجوز أن يكون ضرب الرأس كناية عن الاذلال يقول هو أحق بالإذلال من الوثن وإنما خص الوثن لأنه أراد أنه صورة لا معنى وراءه كالوثن الذي يفتن به قوم يعبدونه وهو تمثال لا معنى وراءه
إني لأعذرهم مما أعنفهم ... حتى أعنف نفسي فيهم وأني
يقول أجعل لهم عذرا فيما الومهم به من الغفلة واللؤم حتى اعود على نفسي باللوم واقصر في لومهم وعذرهم أنهم جهال والجاهل لا يلام على ترك المكارم والرغبة عن المعالي وقد ذكر هذا فقال
فقر الجهول بلا قلبٍ إلى أدب ... فقرالحمارِ بلا رأسٍ إلى رسنِ
أول ما يحتاج إليه الإنسان العقل والقلب الذي به يعقل ثم يتأدب بعد ذلك فإذا لم يكن عاقلا لم يحتج إلى أدب كالحمار إذا لم يكن له رأس لم يحتج إلى الرسن
ومدقعين مسبورتٍ صحبتهم ... عارين من حللٍ كاسين من درنِ
يريد الصعاليك الذين يجلسون على الدقعاء بالمفازة التي لا نبت فيها ومنه قيل للفقير سبروت
خراب بادية غرثى بطونهم ... مكن الضباب لهم زاد بلا ثمن
الخراب جمع خراب وهو الذي يسرق الإبل خاصة ثم سميّ به كل لص والمكن بيض الضب يقول هم سراق فلاة وليس لهم زاد إلا بيض الضب يأخذونه بلا ثمن
стр. 129
يستخبرون فلا أعطيهم خبري ... وما يطيش لهم سهم من الظنن
وخلةٍ في جليسٍ أتقيه بها ... كيما يرى أننا مثلان في الوهن
يقول رب خصلة في جليس لي استقبله بمثلها من نفسي أي اتخلق بمثلها كي يظنني مثله في ضعف الرأي كما قال الآخر، أحامقه حتى يقال سجيةٌ، ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله، وإنما يفعل ذلك لكي يستر نفسه وفضله فلا يحسده ويؤكد هذا قوله
وكلمةٍ في طريق خفتأعربها ... فيهتدي لي فلم أقدر على اللحن
أصل معنى اللحن العدول عن الظاهر إما خطأ وإما إلغازا وفطنة ويسمى الفطن لحنا ومنه الحديث ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته أي افطن لها يقول رب كلامٍ أردت ترك الإعراب فيه لئلا يهتدي إليّ ولا يطلع على أنني المتنبي فلم أقدر على ذلك يعني أنه مطبوع على الفصاحة لا يقدر أن يخالفها إلى الخطأ
قد هون الصبر عندي كل نازلةٍ ... ولين العزم حد المركب الخشن
يقول صبري جعل كل حادثة تنزل بي سهلة هينةً وعزمي ألان لي المركب الخشن يعني لا أشتكي النوازل بل أصبر عليها ولا استخشن الخطوب الصعبة لقوة عزمي إذا عزمت
كمن مخلصٍ على في خوض مهلكةٍ ... وقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن
يقول كم خلاص وعلو لمن خاض المهالك وكم من قتل مع الذم للجبان يعني كثيرا ما يتخلص خائض المهالك مع ما يكسب من الرفعة وكثيرا ما يقتل الجبان مذموما
لايعجبن مضيماً حسن بزته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن
المضيم المظلوم والبزة اللباس يقول لا ينبغي للمظلوم ان يعجب بحسن لباسه فإن الميت لا يعجب بحسن كفنه شبه المظلوم الذي لا يدفع الظلم عن نفسه بالميت وجعل ثوبه كالكفن
لله حالٌ أرجيها وتخلفني ... وأقتضي كونها دهري فيمطلني
يقال عند التعجب من الشيء لله هو والمعنى ههنا إن القادر على تمكيني من هذه الحال التي أرجوا بلوغها وهي تخلفني أي لا تصل إليّ ولا تنجز عدتي وأسال دهري وهو يمطلني هو الله تعالى
مدحت قوما وإن عشنا نظمت لهم ... قصائداً من إناثِ الخيلِ والحصن
مدح قوما بخلاء لا يستحقون المدح يقول ن عشت غزوتهم بخيل إناث وذكور والحصن جمع حصان وهو الفحل من الخيل وجعلها كالقصائد المؤلفة بدل القصائد التي ألفها في مدهم
تحت العجاحِ قوافيها مضمرةً ... إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
يقول قوافي هذه القصائد خيل مضمرة تحت العجاج وليست مما ينشد فيدخل الآذان
فلا أحارب مدفوعا على جدرٍ ... ولا أصالح مغروراً على دخن
مدفوعا حال له وكذلك مغرورا أي لست ممن يعتصم في الحرب بالأبنية والجدر وروى ابن جنى مرفوعا أي يرفع إلى الجدر فيحارب عليها أي لا أصالح إلا على بذل الرضاء والدخن الفساد والعداوة في القلب ومنه الحديث هدنة على دخن والمعنى لا أصالح أعداءي إذا غروني ونافقوني
مخيم الجمع بالبيداء يصهره ... حر الهواجر في صمٍ من الفتن
يقول إنا مخيم الجمع بالبيداء يعني عسكره قد نصبوا الخيام بالصراء يذيبهم حر الهواجر في فتن صم شديدة أو فتن لا يهتدي فيها كالحية الصماء التي لا تجيب الرافي
ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسننِ
يقول الكرام الذين هلكوا ورثوه مكارمهم فهو يستعملها عند ما يلزمه كالفريضة وعند ما لا يلزمه كالسنة
فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامى بدا بالمجد والمنن
يقول فالمكارم في حجره يريبها ولكما عرضت له الإيتام بدا باستعمال المجد فمن عليهم واحسن إليهم وإنما ذكر اليتامى لأنه يمدح قاضيا والقضاة يتكلفون أمر الأيتام وأطال ابن فورجة الكلام في معنى البيتين وذلك أ، هـ قال يعني أن المكارم فقد راغبوها وكان لها منالكرام اباء فلما هلكوا اكفلوها هذا الممدوح لنه قاض والقضاة تكفل اليتامى فجعلوه كفيلها فهو يربيها مع سائر الأيتام غير أنه يؤثر المكارم بحسن التربية على سائر الأيتام وهذا معنى قوله كلما عرضت له اليتامى بدا بالمجد والمنن أراد بدا بالمكارم فأقام المجد والمنن مقامهما لأنها في معناها هذا كلامه وهو تكلف من لم يعرف المعنى
قاضٍ إذا التبس الأمران عنَّ له ... رأيٌ يخلص بين الماء واللبنِ
стр. 130
يقول إذا اختلط الأمران فاشتبها ظهر له رأيٌ يفصل بين ما لا يمكن الفصل بينهما وهو الماء واللبن
غض الشباب بعيدٌ فجر ليلته ... مجانب العين للفحشاء والوسن
في بعيد فجر ليلته وجهان احدهما أنه يسهر فيما يكسبه العلم والدين وليس ممن يقصر ليلته باللذات والثاني أنه أراد بالفجر بياض الشيب وبالليالي سواد الشباب والمعنى أن بياض الشيب بعيد منه لأنه شابٌّ طريٌّ الشباب وقوله مجانب العين للفحشاء والوسن أي عينه بعيدة عن النظر إلى ما لا يحل وعن النوم أيضا لطول سهره
شرابه النشح لا للري يطلبه ... وطعمه لقوام الجسم لا السمن
النشح الشرب القليل ومنه قول ذي الرمة، وقد نشحن فلا ريٌّ ولا هيم، والطعم الطعام يقول يشرب ويطعم القدر الذي يقيم به جسمه ليس يشرب للري ولا يأكل للسمن
القائل الصدق فيه ما يضر به ... والواحد الحالتين السر والعلن
أي يقول الحق والصدق وإن كان فيه ضرر عليه ولا يضر خلاف ما يظهر ريآءٌ
يقول عيي بالأمر إذا عجز عنه والساهي الغافل والذهن الفطن الذي يقول يفصل برأيه وعلمه الحكم الذي عجز عنه السابقون ويظهر حق الخصم الغافل من الخصم الذكيّ
أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
أي يعرف أنه من ولد الخصيب بما ظهر من افعاله حتى لو لم ينتسب إليه عرفنا ذلك كما يستدل بالغصن على الأصل والمعنى من قول بعضهم، وإذا جهلت من امرء أعراقه، وأصوله فانظر إلى ما يصنع، ومثله قول الطاءي، فروعٌ لا ترف عليك إلا، شهدت بها على طيب الأروم،
العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارضِ الهتنِ
العارض السحاب يعرض في جانب الهواء والهتن الكثير الصب مثل الهطل يقول هو ابن آباء اجواد كالسحاب
قد صرت أول الدنيا وآخرها ... آباؤه من مغار العلم في قرنِ
المغار الحبل الشديد الفتل والقرن الحبل قال ابن جنى هذا مثل ضربه أي قد ضبطوا العلم وقيدوا به الأحكام والشرائع ويكون التقدير على ما قال أول أحكام الدنيا أي الأحكام التي تكون في الدنيا وتجري فيها والمعنى أن آباءه كانوا علماء وقال ابن فورجة مدحهم برواية الحديث يعني أنهم ضابطون الأيام عارفون بالأخبار واظهر من القولين أنه مدحهم بكثرة التجارب والعلم بالدنيا يقول احاطوا علما باحوال الدنيا من أولها إلى آخرها ويدل على صحة هذا قوله
كأنهم ولدوا من قبل أن ولدوا ... وكان فهمهم أيام لم يكن
أي لعلمهم بالأمور وأحوال الدنيا كأنهم قد شاهدوا أولها فكانوا قبل أن كانوا لأنهم إذا علموا احوال الماضين فكأنهم كانوا معهم في عصرهم وكأن فهمهم كان موجودا في الأيام التي لم يكن فيها موجودا لأنهم فهموا ما كان في تلك الأيام
الخاطرين على أعدائهم أبداً ... من المحامد في أوقى من الجننِ
يقال خطر يخطر إذا مشى متبخترا خطرانا يقول يمرون على اعدائهم متبخترين وعليهم من المحاميد ما يقي اعراضهم الذم أكثر ما تقي الجنة السلاح
للناظرين إلى إقباله فرح ... يزيل ما بجباه القوم من غضن
الغضن واحد الغضون وهو تكسر الجلد يعني أنه يقبل على الزائرين اقبالا يفرحون به فيزول بذلك حزنهم وتشنج وجوههم والمسرور يكون بشا طلقا والمحزون يكون متزوي جلدة الوجه
كأن مال ابن عبد الله مغتر ... من راحتيه بأرض الروم واليمن
يريد أن عطاءه يوجد في كل موضع ويسافر إلى كل أحد وإن بعد عنه حتى كأنه يؤخذ من يده في أرض الروم واليمن أي عطاؤه بالأقاصي كعطائه بحيث هو والمعنى أن ماله يقرب من القاصي قربه من الداني
لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريح والسفنِ
يقول لم نفقد بوجودك من السحاب سوى الوحل الذي يكون من مائه ولا من البحر غير الريح والسفن التي لا يمكن عبور البحر إلا بهما والمعنى أنه سحاب وبحر
ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسنِ
يقول وجدنا بك كل شيء إلا ما كان قبيحا يعني أن جميع محاسن الدنيا مجتمعة فيه وجميع المقابح منفية عنه
منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلت ... حتى كأن ذوي الأوتار في هدنِ
стр. 131
يقول منذ جلست محتبيا للحكم بهذه البلدة استوى أمرها واستقام حتى كأن اصحاب الأحقاد قد تصالحوا وهادنوا فزال الشر والظلم والخلاف
ومذ مررت على أطوادها قرعت ... من السجود فلا نبت على القنن
أراد أنها على بعدها من التمييز عرفت أنك فوقها وأفضل منها حلما فخضعت لك ومن شعار الخضوع السجود فجعل الخضوع سجودا والمبالغة في السجود أن يتعدى الجبين إلى الرأس والمبالغة فيه أن يتوالى السجود عليه حتى يقرع والقنن جمع قنة وهي أعلى موضع في الجبل
أخلت مواهبك الأسواق من صنعٍ ... أغنى نداك عن الأعمال والمهن
الصنع الصانع الحاذق بيده ومنه قول ابي ذويبٍ، أو صنع السوابغ تبع، والمهن جمع المهنة وهي الخدمة يقول أهل الأسواق من الصنائع قد عطلوها استغناء بعطائك عما كانوا يعملون حتى خلت منهم الأسواق والمعنى أن مواهبك قد انتشرت وفشت بين الناس حتى اصاب منها أهل الأسواق ما استغنوا به عن الأعمال
ذا جود من ليس من دهرٍ على ثقةٍ ... وزهد من ليس من دنياه في وطن
يقول هذا الجود الذي نشاهده منك جودُ من لا يأمن الدهر ويعلم أن المال للحادثات فهو يجود به ليحرز به الحمد والأجر وزهدك زهد من علم أن الدنيا دار قلعة ومحل نقلة فلا تشتغل بعماراتها وجمع المال لها
وهذه هيبةٌ لم يؤتها بشرٌ ... وذا اقتدار لسانٍ ليس في المننِ
فمر وأوم تطع قدست من جبلٍ ... تبارك الله مجرى الروح في حضنِ
حضن جبلٌ بأعلى نجد ومنه المثل أنجد من رأي حضناً جعله كجبل ذي روح في ثباته ووقاره ورزانته وقال يرثي جدته لأمه
ألا لا أري الأحداث حمداً ولا ذما ... فما بطشها جهلا وما كفها حلما
يقول لا أحمد الحوادث السارة ولا أذم الضارة فإنها إذا بطشت بنا أو ضت لم يكن ذلك جهلا منها وإذا كفت عن الضرر لم يكن ذلك حلما يعني أن الفعل في جميع ذلك لله لا لها وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكرى كما أرمي
يقول كل واحد يرجع إلى ما كان عليه من العدم ويعود إلى حالته الأولى كما أبدى وينقص كما زاد يقال بدا الشيء وأبدى وبدأ الله الخلق وأبدأهم والإكراء النقص والإرماء الزيادة
لك الله من مفجوعةٍ بحبيبها ... قتيلة شوقٍ غير ملحقها وصما
معنى لك الله دعاء لها وعني بالحبيب نفسه وشوقها لم يلحقها عيبا لأنها اشتاقت إلى ولدها
أحن إلى الكأس التي شربت بها ... وأهوى لمثواها التراب وما ضما
يعني كاس الموت يقول لا أحب البقاء بعدها وأحب لأجل مقامها في التراب التراب وما ضمه التراب يعني شخصها أو كل مدفون في التراب وحبه التراب يجوز أن يكون حبا للدفن فيه ويجوز أن يحب التراب لأنها فيه
بكيت عليها خيفة في حيوتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
يقول كنت أبكي عليها في حياتها خوفا من فقدها وتغربت عنها فثكلتها وثكلتني قبل الموت
ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلد باقٍ أجدت له صرما
يقول لو كان الهجر يقتل كل محب لقتل بلدها واجد بمعنى جدد يعني أن البلد كان يحبها لافتخاره بها ولكن الهجر إنما يقتل بعض المحبين دون بعض
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
يقول كنت عالما بالليالي وتفريقها بين الاحبة قبل ان صنعت بنا هذا التفريق فلما دهتني هذه المصيبة لم تزدني بها علما وهذا منقول من قول الطائي، حلمتني وأراني، قبل هذا التحليم كنت حليما،
منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن نجوع وأن تظما
стр. 132
قال ابن جنى أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ وهذا ضار لغيرها ومعنى جوعها أو ظمئها أن تهلك الناس فتخلى عنهم الدنيا قال ابن فورجة الضمير في منافعها للجدة المرثية يعني أنها قتين قليلة الطعم تؤثر بالطعام على نفسها فتجوع وتظمأ لتنفع غيرها وتم الكلام ثم جعل المصراع الثاني تفسيرا للمصراع الأول فقال غذاؤها وريها في أ، تجوع وتظمأ لأن سرورها بإطعام غيرها يقوم مقام تغذيها وترويها أما قول ابن جنى فليس بالوجه فليس بالوجه ولا وجه لجوع الاحداث وظمئها على ما ذكر فأما قول ابن فورجة فيصبح على تقدير منافعها ما ضرها في نفع غيرها وهي الجوع والعطش بائثار غيرها بالطعام والشراب وذلك ضر ينفع غيرها وهذا صحيح من هذا الوجه غير أن الأولى ردّ الكناية إلى الأحداث والليالي لا إلى الجدّة والمعنى منافع الليالي في مضرة غيرها من الناس ثم ذكر ذلك وفسر فقال غذاؤها وريها في أن تجوع أيها المخاطب وتظمأ لولوعها بالإساءة بنا كأن ريها وشعبها في جوعنا وظمئنا ويروى نجوع ونظمأ بالنون على ما ذكرنا من التفسير ويجوز أن يكون تجوع وتظمأ بالتاء خبرا عن الليالي والمعنى غذاؤها وريها جوعها وعطشها أي لا ريَّ لها ولا شبع لأنها لا تروى ولا تشبع من أهلاك الأنفس وازهاق الأرواح وتقدير ما ضر في نفع غيرها ما أثر في نفع غيرها بالضرر كأنه قال منافعها في ضر غيرها
أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍ ... فماتت سروراً بي فمت بها هما
حرام على قلبي السرور فإنني ... أعد الذي ماتت به بعدها سما
أي كثر حزني بفقدها حتى كأني ميت حزنا
تعجب من خطي ولفظي كأنها ... ترى بحروف السطر أغربةً عصما
إنما تعجبت لأنه سافر عنها حتى يئست منه فلما وصل إليها كتابه تعجبت من ذلك حتى كأنها رأت غرابا اعصم وهو قليل الوجود في الغربان أو تعجبت منه لفصاحته وحسنه الأعصم الغراب الذي في جناحه بياض
وتلثمه حتى أصار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما
يقول تقبل الكتاب وتضعه على عينيها حتى صارت أنيابها وما حول عينيها سودا بمداده
رقا دمعها البحارى وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعد ما أدمى
يعني لما ماتت انقطع ما كان يجري من دمعها على فراقي ويبست جفونها عن الدمع وسليت عني بعد ما ادمي حنّي قلبها في حياتها.
ولم يسلها إلا المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما
لم يسلها عني إلا الموت والموت الذي أذهب سقمها بالحزن لأجلي كان اشد من السقم كما قال الطاءي، أقول وقد قالوا استراحت بموتها، من الكرب روح الموت شر من الكرب،
طلبت لها حظا ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما
يقول إنما سافرت لأطلب لها حظا من الدنيا ففاتني بموتها ولم أحد ذلك الحظ الذي طلبته وكانت قد رضيت بي حظا من الدنيا لو كنت أرضى أنا بها.
فأصبحت استسقي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
يقول بعد أن كنت استسقي الحرب والرماح دماء الأعداء صرت استسقي السحاب لقبرها فأقول سقى الله قبرها على عادة العرب في الدعاء للقبور بسقيا السماء يعني تركت الحرب وجدا بها اشتغلت بالدعاء لها.
وكنت قبيل الموت استعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
أي كنت قبل موتها استعظم فراقها وقد صارت حادثة الفراق صغيرة بموتها وكانت عظيمة يعني أن موتها أعظم من فراقها.
هبيني أخذت الثار فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى
يقول اجعليني بمنزلة من أخذ ثارك من الأعداء لو قتلوك فكيف آخذ ثارك من العلة التي قتلتك ولا سبيل إلى ذلك
وما انسدت الدنيا عليّ لضيقها ... ولكن ظرفا لا أراك به أعمى
يقول لم تسند عليّ الدنيا لأنها ضيقة بل هي واسعة ولكنني كالأعمى لفقدك والأعمى تنسد عليه المسالك
فوا أسفاً ألا أكب مقبلا ... لرأسك والصدر الذي مليأَ حزما
اللذ لغة في الذي وتثنيته اللذا ومنه قول الأخطل، أبني كليبٍ إن عمى اللذا، والمتنبي قال بهذه اللغة ويجوز أن يكون أراد اللذين فحذف النون لطول الأسم بالصلة ويقال أكب على الشيء مثل انكب يقول ما أشد حظني أن لا أنكب عليك مقبلا رأسك وصدرك اللذين ملئا حزامة وعقلا
стр. 133
وألا ألاقى روحك الطيب الذي ... كأن ذكي المسك كان له جسما
يقول ووا أسفي أني لا ألقى روحك الطاهر الذي كان جسم ذلك الروح من المسك الذكي الشديد الرائحة
ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍ ... لكان أباك الضخم كونك لي أما
يقول لو لم يكن أبوك أكرم والد لكانت ولادتك أياي بمنزلة أبٍ عظيمٍ تنسبين إليه أي إذا قيل لك أم أبي الطيب قام ذلك مقام نسبٍ عظيمٍ لو لم يكن لك نسب
لئن لذ يوم الشامتين بموتها ... لقد ولدت مني لأنفهم رغما
تغرب لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلا إلا لخالقه حكما
يقول خرج عن بلده إلى الغربة يعني نفسه لأنه لم يستعظم غير نفسه فأراد أن يفارق الذين كانوا يتعظمون عليه بغير استحقاق ولم يقبل حكم أحد عليه إلا حكم الله الذي خلقه.
يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ ... وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى
أل الناس يقولون لي لما يرون من كثرة أسفاري أي شيء أنت فأنا نراك في كل بلدة وما الذي تطلبه فأقول ما اطلبه أجل من أن يذكر باسمه يعني قتل الملوك والاستيلاء على ملكهم
كأن بنيهم عالمون بأنني ... جلوبٌ إليهم من معادنه اليتما
يقول أبناء هؤلاء الذين يسألون عن حالي وسفري كأنهم يعلمون أنى أؤممهم واجلب إليهم اليتم بقتل آبائهم أي فهم يبغضونني.
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
الجد البخت والحظ من الدنيا والمعنى أن الفهم في الأمور والعلوم والعقل في التدبير لا يجتمع مع البخت في الدنيا وليس الجمع بين الضدين بأصعب من الجمع بينهما أي فهما لا يجتمعان كما لا يجتمع الضدان وهذا البيت تفسير قول الحمدوني، إن المقدم في حذقٍ بصنعته، أني توجه فيها فهو محروم،
ولكنني مستنصر بذبابه ... ومرتكب في كل حالٍ به الغشا
يقول لكني أن لم أقدر على الجمع بين الجد والفهم اطلب النصرة بذباب السيف وأركب الظلم في كلّ حال يعني اظلم اعداءي بسيفي.
وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما
يقول أحيي أعداءي يوم الحرب بسيفي أي أجعله بدل التحية كما قال عمرو بن معدي كرب، وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ، تحية بينهم ضرب وجيع،
إذا فل عزمي عن مدى خوف بعده ... فأبعد شيءٍ ممكن لم يجد عزما
يقول إذا منع عزمي عن بلوغ غايةٍ خوف بعد تلك الغاية فإن الممكن وجوده لا يدرك أيضا إذا لم يكن عزم يعني لا يوصل إلى شيءٍٍِ البتة إلا بالعزم عليه وإذا كنت تحتاج إلى لاعز لنيل القريب وتدركه بالعزم فأعزم أيضا على البعيد لنناله ولا يمنعك منه خوف بعده فإنه يقرب بالعزم ويمكن
وإني لمن قومٍ كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
أي إنا نتعرض أبدا للحرب لنقتل فكأن نفوسنا تأنف أن تسكن أجسادا هي لحم وعظم فهي تتطلع لسكنى غيرها أي تختار القتل على الحياة ولو قال كأن نفوسهم كان أوجه لاعادة الضمير على لفظ الغيبة لكنه قال نفوسنا لأنهم هم القوم الذين عناهم ولأن هذا امدح
كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي ... ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
يقول للدنيا أنا كما وصفت نفسي لا أقبل ضيما ولا آسف لدنية فاذهبي عني إن شئت فلست أبالي بك ويا نفس زيدي تقدما فيما تكرهه الدنيا من التعزز والتعظم عليها وترك الانقياد لها وإن شئت قلت في كرائه أهلها يعني في الحروب وهي مكروهة عند أهل الدنيا ولذلك تسمى الحرب الكريهة فيكون الكلام من باب حذف المضاف.
فلا عبرت بي ساعة لا تعرني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
وجعل قوم يستعظمون ما قال في آخر هذه القصيدة فقال
يستعظمون أبياتاً نأمت بها ... لاتحسدن على أن ينئم الأسدا
أبيات تصغير أبيات وإنما صغرها تحقيرا لها يعني أنهم يستعظمونها وأنا أحقرها وجعل صوته نئيما إلى أنه أسد في شجاعته
لو أن ثم قلوبا يعقلون بها ... أنساهم الذعر مما تحتها الحسدا
يقول لو أنها لهم عقولا لأنستهم ما تضمنته أبياتي من الوعيد الحسد وثم اشارةٌ إلى حيث هم والمعنى لو أن لهم أو معهم.
قال يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منعك أواهل
стр. 134
يقول لمنازل الاحبة لكن في قلبي منازل أنت خالية ومنازلك في القلب ذات أهل عامرة أي لم تدرس منازلك في القلوب وأن اقفرت أنت يعني تجدد ذكرها في قلبه وهذا من قول أبي تمام، وقفت وأحشاءي منازل للأسى، به وهو قفر قد تعفت منازله،
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولا كما ببكى عليه العاقل
ذاك خطاب للمنازل وإشارة إلى ما ذكر من الإقفار يقول منازلك في القلب يعلمن اقفارك وخلوك عن الأحبة وأنت لا تعلمين والأولى منكما بالبكاء عليه العاقل يعني القلب أي قلبي أولى بأن أبكى عليه منك لأنك جماد لا تعلمين ما حل بك ويروي يبكي عليه قال ابن جنى أي منازل الحزن بقلبي تعلم ما يرم بها من ألم الهوى وأنت تجهلين ذلك.
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
يقول طرفي جلب إليّ المنية بالنظر فمن أطالب بدمي وأنا قتلت نفسي وهذا كما قال قيس بن ذريج، وما كنت أخشى أ، تكون منيتي، بكفي إلا أن من حان حائن، وقال دعبل، لا تأخذا بظلامتي أحداً، قلبي وطرفي في دمي اشتركا،
تخلو الديار من الظباء وعنده ... من كل تابعةٍ خيال خاذل
وعنده الضمير فيه للذي وعني به نفسه والخاذل المتاخر يقال ظبية خاذل وخذول إذا تأخرت في المرعى عن صواحبها يقول تخلو الديار من النساء الحسان وعندي من كل صغيرة منهن خيال يأتيني كأنه تأخر عنهن وجلعها تابعة يريد بذلك صغر سنها كما تتبع الظبية أمها
أللاء افتكها الجبان بمهجتي ... وأحبها قربا إلى الباخلُ
يريد بالجبان النفارة من الرجال لأنها تخافهم والمعنى أن النفور منهن افتك بمهجتي من الإنسان والبخيل ممنهن بالوصل أحبهن قربا
الراميات لنا وهن نوافرٌ ... والخاتلات لنا وهن غوافلُ
يقول يرميننا بسهام لحاظهن وهن عنا نافرات يعني لا يقصدن ذلك وكذلك يختلننا بحسنهن ولم يعلمن ذلك.
كافأننا عن شبههن من المها ... فلهن في غير التراب حبائل
يقول هؤلاء يشبهن بقر الوحش في سواد احداقهن وسعة عيونهن ونحن نصيد البقر الوحشية فكافأننا عنهن وصدننا بحبائل في غير التراب أي بأعينهنّ.
من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل
يريد بالجآذر نساءَ والمعنى أنهن يفعلن بحسنهن ما يفعل الطاعن بالرمح يعني يقتلن بهواهن وحليهن تفعل ما تفعل الرماح كما قال الآخر، سلاحه يوم الوغى مكاحله، وقال أيضا مسلم، بارزته وسلاحه خلخاله، حتى فضضت بكفي الخلخالا،
ولذا أسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
يقول إنما سمي غطاء العين جفنا لأنه تضمن مقلة تعمل ما يعمله السيف فسمي باسم غطاء السيف وهو الجفن
كم وقفةٍ سجرتك شوقا بعد ما ... غرى الرقيب بنا ولج العاذل
سجرتك ملأتك من قوله تعالى والبحر المسجور ويجوز أن يكون بمعنى أوقدتك فقد قيل في الآية أنه بمعنى الموقد ويروي شجرتك من قولهم شجرت الدابة إذا أصبت شجرها باللجام لتكفها والمعنى أن الوقفة حبستك عن الكلام بما شغلتك به من الشوق ويروي سحرتك أي جعلتك مسحوراً بالشوق حتى صرت كالمجنون الواله وأصابت وغري بالشيء إذا ولع به وتمام الكلام فيما بعده من قوله:
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصبٍ أدقهما وضم الشاكل
أي كم وقفنا ناحلين دون التعانق أي قرب بعضنا من بعض ولم نتعانق ثم شبههما واقفين متدانيين ناحلين بشكلتي فتحتين دقيقتين قد ضم الشاكل بينهما فقرب أحداهما من الأخرى وليس يريد الضم الذي يسمى رفعا والشاكل الذي يشكل الكتاب أي يعجمه وهذا منقول من قول الآخر، إني رأيتك في نوميتعانقني، كما تعانق لام الكاتب الألفا، ومثله لأبي اسحاق الفارسي، ضممتها ضمة عدنا بها جسداً، فلو رأتنا عيون ما خشيناها.
إنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبداً إذا كانت لهن أوائل
يقول تمتع بالنعمة واللذة ما بقي لك شبابك فله آخر من حيث كان له أول يعني أنه يفنى ولايبقى.
ما دمت من أرب الحسان فإنما ... ظل الشباب عليك ظلٌ زائلُ
أي ما دام للحسان فيك أرب يعني ما دمت شاباً فإن روق الشباب وهو أوله ظل يزول ولا يبقى
للهو آونة تمر كأ، ها ... قبل يزودها حبيب راحل
стр. 135
آونة جمع أوان يريد أنها سريعة المرور كتزويد الحبيب الراحل من عندك قبلا فهي لذيذة ولكنها وشيكة الانقضاء كذلك ساعات اللو
جمع الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ ... يتهُ المنى وهي المقام الهائل
يقول منى كل أحد رؤيته وهي مقام هائل لهيبته فهذه المنية لم تخلص للناس من شائب
ممطورة طرقي إليه دونه ... من جوده في كل قج وابل
يعني أن طريقه إلى الممدوح مملوءة بآثار يديه ويروى إليها ودونها ورواه ابن جنى والضمير للرؤية والمعنى يصل إلى احسانه قبل الوصول إليه.
محجوبةٌ بسرادقٍ من هيبةٍ ... تثني الأزمة والمطي ذواملُ
أي الطرق إليه محجوبة والبيت يدل على أنه يتعذر الوصول إليه لهيبته وإن هيبته ترد عنه المطي الذوامل إليه وهذا إلى الهجاء أقرب منه إلى الممدح وابن جنى عدل عن ظاهر الكلام فقال كان على الطرق إليه سرادقا يمنع من العدول عنه إلى غيره والناس أبدا ينحون نحوه قال ابن فورجة ألا يعلم أبو الفتح أن الهيبة تثني الزائر عن الالتقاء به لا تثني زائر غيره إليه وما قبل هذا البيت يدل على هذا أي رؤيته محجوبةٌ بالهيبة التي لو أن مطيا ذملت في سيرها واعترضتها هذه الهيبة لانثنت وعدلت ولم تقدم إشفاقا من الإقدام واستعظاما للانهجام.
للشمس فيه وللسحاب وللجا ... ر وللرياح وللأسود شمائلُ
يريد عموما نفعه وعموم تصرفه وإسراعه في العطاء يريد فيه إضاءة الشمس ومنفعتها وبهاؤها وعموم الرياح وجود السحاب والبحار وإقدام الأسود
ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وما الحيوة وما الممات مناهلُ
أراد من العقيان وهو الذهب فحذف النون لالتقاء الساكنين وخصت النون بالحذف لمناسبتها حروف العلة بالغنة والمعنى أن الناس يردون منه على هذه الأشياء كما يردون المناهل وقوله من الحياة أي لأوليائه ومن الممات أي لاعدائه وقد زاد على أبي تمام في قوله، ترمي باشباحنا إلى ملك، نأخذ من ماله ومن أدبه، لأنه ذكر الموت والحياة.
لو لم يهب لجب الوفود حواله ... لسرى إليه قطا الفلاة الناهل
يقول لو لم يخف القطا أصوات الوفود ببابه لسرى إليها ليشرب منه قاله ابن جنى وقال ابن فورجة يعني أ، القطا يراه ماء معيناً فيهم بوروده وتشفق من لجب وفوده على عادة الطير هذا كلامه والمعنى أنه لعموم نفعه تهم الطير بالورود عليه لتنقع غلتها ليس أنه ماء يشرب منه أو تراه الطير ماء كما ذكر الشيخان.
يدري بما بك قبل تظهره له ... من ذهنه ويجيب قبل تسائل
وتراه معترضا لها وموليا ... أحداقنا وتحار حين يقابل
أي تراه أحداقنا إذا اعترض لها أو تولى يعني أن الأبصار إذا واجهته تحيرت ولم تستوف النظر إليه من الهيبة وإنما تراه في حال اعتراضه وتوليه لأنحرافه عنها
كلماته قضب وهن فواصل ... كل الضرائب تحتهن مفاصل
يقول كلماته سيوف فواصل أينما أصابت فصلت كالسيوف التي تطبق المفاصل يعني أنها تفصل بين الخصوم والأحكام كما تفصل السيوف إذا ضربت على المفاصل.
هزمت مكارمه المكارم كلها ... حتى كأن المكرمات قبائل
يقول غلبت مكارمه مكارم الناس حتى كأنها جيوش يعني أنه يغلب كل جيشٍ كذلك مكارمه غلبت أيضا مكارم غيره والقبيلة الجماعة.
وقتلن دفراً والدهيم فما ترى ... أم الدهيم وأم دفرٍ هابل
الدفر معناه النتن ثم سميت به الداهية لخبثها والدهيم اسم لناقةٍ حمل عليها رؤس قومس قتلوا فسميت بها الداهية يقول مكارمه أفنت واذهبت الأمور الشديدة حتى فقدت فكأن أمها صارت ثاكلةً ولدها قال ابن فورجة أراد فما تريان فاكتفى بضمير الواحد من الاثنين قال وأراد أم الدهيم ودفر هابل فراد أما توكيدا ولذلك قال هابلٌ ولم يقل هابلتان هذا كلامه واحسن مما ذكر أن يقال أم الدهيم مفعول ترى إراد فما ترى أم الدهيم أي أنها قد فقدت وليس ترى ثم ابتدأ فقال أم دفر هابل وقد استغنينا عن تكلفه في الموضعين.
علامة العلماء واللج الذي ... لا ينتهي ولكل لج ساحل
لو طاب مولد كل حيٍّ مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل
стр. 136
أراد مثل مولده في الطيب والطهارة والمعنى أنه خرج من بطن أمه طيبا طاهرا ولو ولدت النساء أولادهن كما ولدته أمه لما احتجن إلى من يشارفن في تلك الحال
لو بان بالكرم الجنين بيانه ... لدرت به ذكر أم أنثى الحامل
يقول لو بان الجنين بيانه بالكرم أي كما بان كرمه حين كان جنينا لما التبس على الحامل الذكر بالأنثى والمعنى أنه حين كان جنينا كان ظاهر الكرم يعرف أنه مولود كريم فلو بان حال كل جنين بيان كرمه لعرف الذكر من الأنثى والتقدير أذكر أم أنثى فحذف همزة الاستفهام.
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل
يأمرهم أن يزيدوا تواضعا فإن فضائلهم لا تنكتم بالتواضع وقد ضرب لذلك المثل بكتمان المشاعل في الظلام فإنها لا تخفى ومتى كان الظلام أشد كانت اظهر كذلك متى كان تواضعهم أكثر كانت فضائلهم أكثر.
ستروا الندى ستر الغراب سفاده ... فبدا وهل يخفى الرباب الهاطل
يريد أنهم يكتمون معروفهم كما يكتم الغراب سفاده ثم ذلك لا ينكتم كما لا يخفى السحاب الهاطل.
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأعز دلائل
الجفخ الكبر والفخر يقول جفخت بهم شيم وفخرت وهم لا يفخرون بها ثم ذكر أن شيمهم دلائل حسبهم الظاهر والحسب ما يعد من مآثر الآباء.
متشابهي ورع النفوس كبيرهم ... وصغيرهم عف الإزار حلال
يقول كبارهم ورعون يشبه ورع بعضهم ورع الآخرين وشابهم عفيف الازار والحلاحل السيد الذي ويقال عف وعفيف مثل طب وطبيب.
يا أفخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل
أراد يا هذا افخر فحذف المنادى كقراءة من قرأ ألا يا اسجدوا على معنى ألا يا هؤلاء اسجدوا ومنه قول ذي الرمة، ألا يا اسلمني يا دار ميَّ على البلا، ولا زال منهلا بجرعائك القطر، يقول الناس فيك ثلاثة أقسام أما متستعظم يستعظمك لما يرى من عظمك أو حاسد يحسد فضلك أو جاهل يجهل قدرك
ولقد علوت فما تبالي بعد ما ... عرفوا أيحمد أم يذم القائل
يقول بعد أن ظهر علوك وعرفه الناس لا تبالي يذم الحاسد لأنه لا ينقص محلك ولا بحمد الحامد لأنه لا يزيدك علوا.
أثنى عليك ولو تشاء لقلت لي ... قصرت بالإمساك عني نمائل
أي أمساك عن إسكاتي نائل منك عندي بعد ما عرفت تقصيري
لا تجسر الفصحاء تنشد هاهنا ... بيتاً ولكني الهزبرُ الباسلُ
يقول لهيبتك وعلمك بالشعر لا يحسنون إن ينشدون أو لا يجسرون وقول أبي نصر بن نباتة في هذا المعنى أحسن وأجود حيث يقول، ويلمها عند السرادق هيبةً، لو سابقت قصب العظام خصائلي، نفضت عليّ من القبول محبةً، قامت بصبغي في المقام الهائل،
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني فاضلُ
يقول إذا ذمني ناقص كان ذمه دليل فضلي لأن الناقص لا يحب الفاضل لما بينها من التنافر وهذا من قول أبي تمام، وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع، وأخذه هو من قول مروان بن أبي حفصة، ما ضرني حسد اللئام ولم يزل، ذو الفضل يحسده ذوو التقصير، وأصل هذا من قول الأول، وقد زادني نحبا لنفسي أنني، بغيض إلى كل أمرء غير طائل، وأني شقيٌّ باللئام ولا ترى، شقيا بهم إلا كريم الشمائل،
من لي بفهم أهيل عصرٍ يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقلُ
باقل اسم رجل كان يوصف بالعيّ وفيه جرى المثل أعيى من باقل ويقال أنه كان اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فقيل له بكم اشتريت فعيّ عن الجواب بلسانه ففتح يديه وفرق اصابعهما واخرج لسانه يريد أحد عشر درهما فافلت الظبي وقال ابن جنى وباقل هذا لم يؤت من سوء حسابه وإنما أتى من سوء عبارته ولو قال أني فحم الخطباء فيهم باقل أو نحو هذا لكان اسوغ وليس كما قال فإن باقلا كما أتى من البيان أُتي من البنان فإنه لو بنى من سبابته وإبهامه دائرة ومن خنصره عقدة لم يفلت منه الظبي فصحّ قوله في نسبه إلى جهل الحساب ومعنى البيت يقول من يكفل لي بفهم أهل عصر يدعون أن باقلا كان يعلم حساب الهند مع سوء علمه بالحساب يعني أنهم جهالا لا يعرفون الجاهل من العالم ولا الناقص من الفاضل وصغر الأهل تحقيرا لهم وقال يدعى لأن لفظ الأهل واحد والشائع الذائع عن باقل عيه وفهاهته.
стр. 137
وأما وحقلك وهو غايرة مقسمٍ ... للحق أنت وما سواك الباطل
الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
تقدير البيت الطيب أنت طيبه إذا أصابك والماء أنت الغاسل له إذا اغتسلت والمعنى أنت أطيب من الطيب واطهر من الماء كما قال الآخر، وإذا الدر زان حسن وجوهٍ، كان للدر حسن وجهك زينا، وتزيدين أطيب الطيب طيباً، إن تمسيه أين مثلك أينا، ونحوه قول ابن الجويرية، تزين الحليَ أن لبست سليمى، وتحسن حين تلبسها الثياب، وروى ابن جنى والماء أنت نصبا قال وتقديره وتغسل أنت الماء ودل على هذا المضمر قوله الغاسل قال ولا يجوز انتصابه بالغاسل لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ألا ترى أنه لا يجوز زيداً أنت الضارب.
ما دار في الحنك اللسان وقلبت ... قلماً بأحسن من نثاك أناملُ
يقول ما دار اللسان في الحنك وما قلبت أنامل قلما بأحسن من اخبارك كأنه قال ما قيل ولا كتب أحسم من أخبار كرمك والنثا الخبر من نثوت الحديث أي نشرته.
وقال يمدح أخاه أبا سهلٍ سعيد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي الحمصي.
قد علم البين منا البيت أجفانا ... تدمي وألف في ذا القلب أحزانا
يقول قد علم البين اجفانا منا أي اجفاننا البين فما تلتقي سهرا كما قال، وفرق الهجر بين الجفن والوسن، وقوله تجمي من صفة الاجفان كأنه قال اجفانا دامية وجعل البين يؤلف الحزن إغراباً في الصنعة.
أملت ساعة ساروا كشف معصمها ... ليلبث الحي دون السير حيرانا
يقول رجوت حين ساروا أن تكشف معصمها أي تظهره عند ركوب الهودج ليراه الحي فيتحيروا عن السير ويقفوا.
ولو بدت لأتاهتهم فحجبها ... صون عقولهم من لحظها صانا
يقول لو ظهرت لهم هذه المرأة لحيرتهم ولكن حجبها صون صان عقولهم عن لحظها يعني أنها صانت نفسها عن البروز والظهور وذاك الصون صان عقولهم عن لحظها واللحظ مصدر يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل ويجوز أن يكون مضافا إلى المفعول أي لو لحظوها لطارت عقولهم ولو لحظتهم لأخذت عقولهم.
بالواخدات وحاديها وبي قمر ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا
ياقل حشى الرجل يحشى حشى فهو حشيان إذا أخذه الربو يقول يفدي بالإبل الواخدة والذي يجدوها وبي قمر يظل من وخد الواخدات حشيان قد علاه البهر ويروي بالخاء أي أنها تخشى سرعة سير الإبل لم تسافر قط.
أما الثياب فتعرى من محاسنه ... إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
يقول إذا خلع الثياب عريت من محاسنه لأنه يزين الثياب بحسنه وإذا عرى عن الثوب كان مكسوا بالحسن يقال كسوته ثوبا أكسوه وكسى يكسي فهو كاسٍ إذا اكتسى قال، يكسي ولا يغرب مملوكها، إذا تهرت عبدها الهاريه،
يضمه المسك ضم المستهام به ... حتى يصير على الأعكان أعكانا
يقول إن المسك يحبه كالمستهام به ويلتف عليه حتى يصير المسك اعكانا على اعكان بطنها والإعكان الأطواء في بطن الجارية يقال عكنة وعكن واعكان وتعكن بطن الجارية.
قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيزٍ بعدكم هانا
أي أنه يهون عليه فقد البصر في البكاء على فراقهم.
تهدي البوارق أخلاف المياه لكم ... وللمحب من التذكار نيرانا
البوارق السحاب ذات البرق والأخلاق الضروع واستعار للمياه اخلافا لأنها تغذو النبات كما تغذو الأم بالإرضاع الولد يقول هذه البوارق تهدي لكم المياه وتذكي نيران شوقي لأنها تلمع من جانبكم الذي ارتحلتهم إليه فيتجددبها شوقي وذكري.
إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلب إذا شئت إن يسلاكم خانا
يقول قلبي يشيعني ويطيعني في كل شيء إلا على السلو وقدمتمعناه تقدمت وقدمت وردت.
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحاً وإهوانا
يقول من يذكرني بالسوء في غيبتي إذا ظهرت له عظمني وخضع لي وأنا أعرض عن عتباه اهانةً له وإنما قال أهوانا لأنه أخرجه على الأصل ضرورةً كما قال الآخر، صددت فأطولت الصدود وقلما، وصال على طول الصدود يدوم، يريد فأطلت فجاء به على الأصل.
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس غريب حيثما كانا
стр. 138
يقول كنت وأنا في وطني وفيما بين أهلي غريبا قليل الموافق والمساعد ثم قال وكذلك الرجل النفيس العزيز غريبٌ حيث كان كما قال أبو تمام، غربته العلي على كثرة الأهل فأضحى في الأقربين جنيبا، فليطل عمره فلو مات في مرو مقيماً بها لمات غريبا،
محسد الفضل مكذوب على أثري ... ألقى الكمي ويلقاني إذا حانا
قوله مكذوب على أثري من قول البرح التغلبي، يغتاب عرضي خاليا، وإذا يلاقينا اقشعر، ومن قول سويد بن أبي كاهل، ويحييني إذا لاقيته، وغذا يخلوا له لحمي رتع، وتقدير الكلام مكذوب عليّ على أثري أي يكذب عليّ إذا قمت وخرجت من مشهد ومجمع والشجاع إذا حان حينه لقيني في المعركة.
لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاً ... ولا أبيت على ما فات حسرانا
يقال اشرأب إلى الشيء إذا تطلع نحوه والحسران فعلان من الحسرة.
ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلى الجهر ملآنا
يقول لا أسر بما آخذه من غيري لأنه المحمود على إعطائه ولو ملأت إليّ الدهر عطايا.
لايجذبن ركابي نحوه أحد ... ما جمت حيا وما قلقن كيرانا
أي لا أقصد أحدا ما حييت وما حركت ركابي اكوارها يعني لا يستحق أحد أن أقصده.
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
يقول لو قدرت لأظهرت ما وراء ظواهرهم من المعاني البهيمية وإظهار ذلك بأجرائهم مجرى سائر الحيوان بالركوب وإنما كنت أفعل ذلك لأنه لو عقل لم وبعرانا حال للناس وقال ابن عباد في هذا البيت أراد أن يزيد على الشعراء في ذكر المطايا فأتى باخرى الحزايا قال ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها وللممدوح أيضا عصبةٌ لا يحب أن يركبوا إليه وليس الأمر على ما قال لأن الشاعر إذا ذكر الناس فقد يخرج من جملتهم كثير من الناس كما قال، ألا إن خير الناس حيا وميتاً، أسير ثقيفٍ عندهم في السلاسل، لم يفضل السريّ على رسول الله ﷺ وأصحابه بهذا البيت وإن كان قد أكد بقوله حيا وميتا على أنه خصص في البيت الثاني وهو قوله:
فالعيس أعقل من قومٍ رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا
قد ظهر في هذا البيت أنه إنما يمتطي من الناس اللئام الذين عموا عن طريق الإحسان فلم يروا منه ما رآه الممدوح
ذاك الجواد وإن قل الجواد له ... ذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا
يعني ليس يمكننا أن نصفه في جوده بصفةٍ فوق الجواد وإن قل له هذا الإسم وهذه الصفة وهو الشجاع وإن لم يرض قرنا من الناس يعني أنه فوق كل شجاع وإن كان يوصف بهذا الوصف.
ذاك المعد الذي تقنوا يداه لنا ... فلو أصيب بشيءٍ منه عزانا
أي ما يجمعه من المال ويقتنيه إنما يقتنيه للشعراء والزائرين فلو أصيب بشيء من ذلك المال عزانا لأن ذلك المال لنا وإن كان في يده ويقال قنوت الشيء أقنوه قنوا.
خف الزمان على أطراف أنمله ... حتى توهمن للأزمان أزمانا
يعني أن الزمان في يده وتحت تصرفه فهو يصرفه على إرادته فكأن أنامله أزمان للأزمان لتقليبها أياها والزمان يقلب الأحوال وأنامله تقلب الزمان فكأنها زمان للزمان.
يلقى الوغى والقنا والنازلات به ... والسيف والضيف رحب الباع جذلانا
تخاله من ذكاء القلب محتمياً ... ومن تكرمه والبشر نشوانا
متحتميا متوقدا شديد الحرارة أي لحدة قلبه كأنه متوقد ومن كرمه وظهور بشره كأنه سكران.
وتسحب الحبر القينات رافلةً ... في جوده وتجر الخيل أرسانا
يريد أن جميع ما ينفقه من ماله فما يلبسه الجواري وترفل فيه من ثياب الحسن فهو من جوده وكذلك ما تجر خيلنا من الأرسان.
يعطى المبشر بالقصاد قبلهم ... كمن يبشره بالماء عطشانا
من بشره بالزوار والعفاة قبل اتيانهم يعطيه لبشارته كما يعطى من يبشره بالماء إذا كان عطشان يعني أنه يسر بالزائرين كما يسر بالماء عند العطش كما قال أبو تمام، يبشره خدامه بعفاته، كما بشر الظمآن بالماء واشله،
جزت بني الحسن الحسنى فإنهم ... في قومهم مثلهم في الغر عدنانا
أي كانت الحسنى لهم جزاء فإنهم في قومهم مثل قومهم في عدنان الغر وعدنان بدل من الغر يعني أنهم خير قومهم وقومهم خير عدنان الغر وهذا من قوله تعالى فله جزاء الحسنى
стр. 139
ما شيد الله من مجد لسالفهم ... إلا ونحن نراه فيهم الآنا
يعني أنهم حماة المجد حاموا على شرف آبائهم وأحسابهم فلم يهدموه ولم يضيعوه حتى بقي فيهم.
إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا
هذا تفصيل ما اجمله في البيت الذي قبله يعين أنهم كتاب فضلاء شجعان كآبائهم فهم فرسان الكتابة والبلاغة والحرب وليس يريد بقوله لقوا ملاقاة الأقران في القتال لأنه ذكر الحرب بعده إنما يريد ملاقاة الأقران في الخطابة والمكالمة وقد فسر في المصراع الثاني.
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا
الخرصان جمع خرصٍ وهو حلقة السنان ويريد بها الأسنة هاهنا يريد أن أسنتهم ماضية نافذة فكأنها السنهم في النطق وهذا منقول من قول البحتري، وإذا تالق في الندى كلامه المصقولخلت لسانه من عضبه.
كأنهم يردون الموت من ظمإٍ ... أو نشقون من الخطى ريحانا
أي لحرصهم على الموت وسهولة أمر الحرب عليهم صار الموت عندهم كالماء للظمآن وصارت الرماح كالريحان الذي يشم.
الكائنين لمن أبغى عداوته ... أعدى العدى ولمن آخيت إخوانا
نصب الكائنين على المدح كأنه قال أعني الكائنين فهو مثل قول البحتري، أخ لي لا يدني الذي أنا مبعدٌ، لشيء ولا يرضى الذي أنا ساخطه.
خلائق لو حواها الزنج لانقلبوا ... ظمى الشفاه جعاد الشعر غرانا
يريد بالخلائق الخلق جمع الخلقة وهي الخلق وليس يريد السجايا لأن السجايا الحسان قد تكون في الصور القبيحة والزنج لا يجتمع فيهم بياض الوجه مع جعودة الشعر ودقة الشفاه لن شفاههم غليظة وهم سود الألوان ومعنى ظمى الشفاه دقاق الشفاه كأنها لم ترتو فتغلظ والمعنى لو أن خلقهم للزنج لحسنوا مع جعودة شعورهم فكانوا احسن خلق الله تعالى هذا معنى قد ذكرناه إلا أن الخليقة بمعنى الخلقة لا تصح وإذا حملنا الخلائق على السجايا فسد معنى البيت لأن الخلقة لا تتغير بالسجية.
وأنفس يلمعيات تحبهم ... لها اضطراراً ولو أقصوك شنآنا
اليلمعي والألمعي الحاد الفطنة يقول لهم أنفس زكية وتحبهم لأجل أنفسهم ضرورة ولو أبعدوك بغضا لك يعني أن من عادوه يحبهم لما فيهم من الفطانة فحبهم ضرورة
الواضحين أبواتٍ وأجبنةً ... ووالداتٍ وألباناً وأذهانا
يريد بالأبوات الآباء يعني أن آباءهم معروفون وأنسابهم ظاهرة ويقال فلان واضح الجبين إذا كان حسن المنظر بهيا كما قال ابن غنمة، كأن جبينه سيف صقيل،
يا صائد الجحفل المرهوب جانبه ... إن الليوث تصيد الناس أحدانا
أحدان جمع واحد وأصله وحدان يقول أنت تصيد الجيش كله والليث يصيد واحداً فواحداً
وواهباً كل وقتس وقتُ نائلهِ ... وإنما يهب الوهاب أحيانا
أنت الذي سبك الأموال مكرمةً ... ثم اتخذت لها السؤال خزانا
سبك الأموال إي جمعها وصفاها واستخلصها ثم أتخذ السؤال خزانا مكرمةً أي سلمها إليهم كما يسلم المال إلى الخازن وهو من قول البحتري، جمل من لهى يشككن في القوم أهم مجتدوه أو خزانه،
عليك منك إذا أخليت مرتقب ... لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا
أخليت وجدت خاليا ويروى خليت أي صادفت مكانا خاليا أي كانك رقيب نفسك فلست تفعل في الخلا ما لا تفعله في الملا كما قال، والواحد الحالتين السر والعلن،
لا أستزيدك فيما فيك من كرمٍ ... أنا الذي نام إن نبهت يقظانا
يقول أن استزيدك كرما كنت كمن نبه يقظان واليقظان لا ينبه كذالك أنت لا تستزاد كرما.
فإن مثلك باهيت الكرام به ... ورد سخطا على الأيام رضوانا
أي بمثلك أباهي الكرام وارضى به عن الأيام والمعنى أنك ترد الساخط على الأيام راضيا بإحسانك وانعامك.
وأنت أبعدهم ذكرا وأكبرهم ... قدراً وأرفعهم في المجد بنيانا
قد شرف الله أرضاً أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنسانا
стр. 140
قال ابن جنى لا يعجبني قوله سواك لأنه لا يليق بشرف الفاظه ولو قال انشأك أو نحوه كان اليق قال أبو الفضل العروضي فيما املاه عليّ سبحان الله أتليق هذه اللفظة بشرف القرآن ولا تليق بلفظ المتنبي يقول الله تعالى الذي خلق فسوى وقال بشرا سوياً ثم قال فسواك فعدلك وقال ثم سواك رجلا وقال ابن فورجة نهاية ما يقدر عليه الفصيح أن يأتي بألفاظ القرآن والفاظ الرسول أن ألفاظ الصحابة بعده ثم عدّ الأيات التي ذكرناها قال وعند أبي الفتح أنه يقدر على تبديل الفاظ هذا الشعر بما هو خير منه وقرأت على أبي العلاء المعري ومنزلته في الشعر ما قد علمه من كان ذا أدب فقلت له يوما في كلمةٍ ما ضر أبا الطيب لو قال مكان هذه الكلمة كلمة أخرى أوردتها فأبان لي عوار الكلمة التي ظننتها ثم قال لي لا تظنن أنك تقدر على إبدال كلمةٍ واحدةٍ من شعره بما هو خير منها فجرب إن كنت مرتابا وها أنا أجرب ذلك منذ العهد فلم أعثر بكلمة لو ابدلتها بأخرى كان اليق بمكانها وليجرب من لم يصدق يجد الأمر على ما أقول.
وقال يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران
سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها
يريد بالسرب جماعة النساء يقول هو أي سربٌ حرمت ذوات محاسنه وذوات محاسن السرب هن السرب وكأنه قال هو أي سرب حرمته أي حيل بيني وبينه وهو داني الصفات لأن الوصف قول وهو قادر عليه متى أراده إلا أن الموصوف بهذه الصفة وهو السرب بعيد فكأنه يقول هذا السرب بعيد مني وذكره حاضر واضاف ذوات إلى المضمر ولا يجوز ذلك عند سيبويه البتة وأصحابه لا يجيزون أن تقول هذا رجل ضربت ذاه أي صاحبه وأجاز ذلك أبو العباس المبرد.
أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراً رأيت ارق من عبراتها
أي اشرف السرب على مكان عالٍ لما سرن ويجوز أن يريد علون في هوادجهن للمسير والبشر جمع البشرة وهي ظاهر الجلد أي إذا وقع بصري على بشرتها رأيت ارق والطف من عبرات المقلة ويجوز أن يكون الضمير للبشر وأراد بالعبرات عرقهن الذي يسيل منها ويكون فيها اشارة إلى انهن قد عرقن من الإعياء وروى الخوارزمي نشزاً وهو ما ارتفع من الأرض يقول إذا نظرت إلى النشر الذي أوفى عليه السرب رأيته لطول البعد في صورة السراب والسراب أرق من العبرات والضمير للمقلة.
يستاق عيسهم أنيني خلفهم ... تتوهم الزفرات زجر حداتها
يقال ساقه واستقاه والمعنى أن الإبل تظن زفراتي لشدتها أصوات الحداة فسائها أنيني وزفرتي.
وكأنها شجر بدا لكنها ... شجر جنيت الموت من ثمراتها
العرب تشبه الأبل المرحولة عليها هوادجها بالنخل والشجر والسفن كل ذلك قد جاء في اشعارهم وروى ابن جنى بلوت المر من ثمراتها قال وهو من قول أبي نواس، لا أذود الطير عن شجرٍ، قد بلوت من ثمره، واراد أنها سارت بالأحبة وكانت سبب فراقن وهو المر الذي جناه منها.
لا سرت من إبلٍ لو أني فوقها ... لمحت حرارة مدمعي سماتها
يريد حرارة عينيه في البكاء وجمع الحزن يكون سخينا حارا ولهذا يقال في الدعاء على الإنسان اسخن الله عينيه أي أبكاه وجدا وحزنا حتى تسخن عينه وقال ابن جنى أراد حرارة ذي مدمعي يعني الدمع فحذف المضاف لأن المدمع مجرى الدمع من العين دعا على تلك الإبل بأن لا تسير ثم ذكر أنه لو كان فوقها لمحت سماتها حرارة دموعه ومعنى لمحت محت اللام الذي فيه لمكان لو
وحملت ما حملت من هذي المها ... وحملت ما حملت من حسراتها
هذا دعاء يقول كنت حامل ما حملته من هؤلاء النسوة وكنت حاملة ما حملته من حسرات فراقهن.
إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها
قال ابن عباد كانت الشعراء تصف المآزر تنزيها لالفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطا هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح وكثير من العهر احسن من هذا العفاف وسمعت أبا الفضل العروضي يقول سمعت أبا بكر الشعراني يقول هذا ما غير عليه الصاحب وكان المتنبي قد قال لأعف عما في سرابيلاتها جمع سربال وهو القميص وكذا رواه الخوارزمي يقول أنا مع حبي لوجوههن أعف عن أبدانهن.
وترى المروة والفتوة والأب ... وة في كل مليحةٍ ضراتها
стр. 141
يقول هن يرين هذه الأشياء والخصال مني ضراتهن لأنها تمنعني الخلوة بهن ويروي وترى المروة بالرفع وكذلك ما عطف عليها وكل بالنصب على اسناد الفعل إلى المروة وقد فسر هذا البيت بما قال:
هن الثلاث المانعاني لذتي ... في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
يقول هذه الأشياء تمنعني اللذة بهن في الخلوة لا ما يتخوف من تبعات اللذة.
ومطالبٍ فيها الهلاك اتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها
ثبت الجنان ثابت القلب قال العجاج، ثبت ما صيح بالقوم وقره، يقول قلبي وأنا قد أتيتها كهو وأنا لم آتها يصف قوة قلبه وأنه لا يفزع من شيء.
ومقانبٍ بمقانب غادرتها ... أقوات وحشٍ كن من أقواتها
المقانب جمع المقنب وهو الجماعة من الخيل يقول رب جيش قد تركتهم بجيش آخر أقوات وحوشٍ كانت تلك الوحوش من أقواتها أي كانوا يصيدون الوحوش فيتقوتونها فلما قتلتهم صاروا قوتا للوحوش وهذا على مذهب العرب في أكلهم كل ما دب ودرج لأنه لا يتقوت في الشرع من الوحوش ما يتقوت الناس.
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها
اقبلتها ألهاء للمقانب التي اهلكها ويقال اقبلته الشيء أي وجهته إليه وجعلته قبالته مما يليه وعني بالأيدي النعم وجرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي وفي يد العضو بالأيدي واستعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك في الموضعين جميعا أحدهما هذا البيت والثاني قوله فتل الأيادي وبياض يد النعمة مجاز والشاعر يورد المجاز موارد الحقيقة.
الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها
إذا رفعت الطعن فالواو للحال ومعناه ان الطعن ينزف الخيل وهم يثبتون في تلك الحال فإذا خفضت فمعناه يثبتون في ظهورها ثبات الطعن في صدورها.
العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أماتها
كان الوجه أن يقول والراكب جدودهم لأنه في معنى الذين ركب جدودهم كما يقال مررت بقالوم القائم أخوهم أي الذين قام أخوهم إلا أن هذا على قول من يقول ذهبوا اخوتك، وقاما أخواك والذي يذكره الناس في معنى هذا البيت أن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونهم لأنها من نتائجهم تناسلت عندهم فجدود الممدوحين كانت تركب أمات هذه الخيل وسياق الأبيات قبله يدل على أنه يصف خيل نفسه لا خيل الممدوحين وهو قوله أقبلتها غرر الجياد وإذا كان كذلك لم يستقم هذا المعنى إلا أن يدعى مدعٍ أنه قاتل على خيل الممدوحين وأنهم يقودون الخيل إلى الشعراء قال ابن فورجة والذي عندي أنه يصف معرفتهم بالخيل ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها والخيل تعرفهم أيضا لأنهم فرسان هذا كلامه ولم يوضح أيضا ما وقع به الإشكال وإنما يزول الإشكال بأن يقال الجياد أسم الجنس ففي قوله غرر الجياد أراد جياد نفسه وفيما بعده أراد خيل الممدوحين والجياد تعم الخيلين جميعا وقوله والراكبين جدودهم أماتها يريد أن جدودهم كانوا من ركاب الخيل أي أنهم عريفون في الفروسية طالما ركبوا الخيل فهذه الخيل مما ركب جدودهم أماتها ويشبه هذا في المعنى قول أبي العلاء المعري، يا ابن الأولى غير زجر الخيل ما عرفوا، إذ تعرف العرب زجر الشاء والعكر، ويقال الأمات فيما لا يعقل والأمهات يطلق على من يعقل هذا هو الغالب في الاستعمال ويجوزعلى العكس من هذا.
فكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها
الصهوة مقعدة الفارس يقول لشدة إلفهم الفروسية وطول مراسهم ركوب الخيل كأنها ولدت تحتهم وكأنهم ولدوا عليها.
إن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها
يعني أنهم خلص الكرام فهم بمنزلة السويداء من القلب.
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها
أي يغلبون الناس على العلا ويغلبهم المجد فيحول بينهم وبين شهواتهم التي جعلت في بنى آدم مما يغر ويشين.
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها
стр. 142
جعل اجوادهم وآباءهم منابت لنفوسهم لما أراد أن يدعو لها بالسقي إذ كانت المنابت محتاجة إلى السقي ولما جعلهم منابت جعل أبا أيوب أكرم نبات تلك المنابت يقول سقى الله منابت هذه النفوس بيدي أبي أيوب الذي هو خير نباتها أي نفسه اشرف هذه النفوس المذكورة وجعل النبات يسقى المنابت إغرابا في الصنعة قال ابن جنى أي لا أزال الله ظله وعرفه عن أهله وذويه قال ابن فورجة ليس الغرض أن يدعو لقوم أبي ايوب بأفضاله عليهم ولكن الغرض تعظيم شأن عطائه كأنه لو دعا بأن يسقيهم الغيث كان دون سقيا ندى أبي أيوب
ليس التعجب من مواهب مالهِ ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
يقول لسنا نتعجب من كثرة مواهبه وعطاياه وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأنه ليس من عادته الإمساك ومعنى إلى أوقاتها إلى أوقات بذلها.
عجباً له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
لو مر يركض في سطور كتابةٍ ... أحصى بحافر مهره ميماتها
يصفه بالفروسية فإن فرسه يطاوعه على ما كلفه وخص الميم لأنه اشبه بالحافر من جميع حروف المعجم.
يضع السنان بحيث شاء مجاولا ... حتى من الآذان في أخراتها
مجاولا مفاعلا من الجولان وبالحاء من المحاولة يعني الطلب يصفه بالحذق والثقافة في الطعان يقول يقدر أن يضع سنانه في ثقب الأذنين.
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرح ... ليست قوائمهن من آلاتها
القرح جمع قارح من الخيل وهو الذي أتى عليه خمس سنين واستكمل قوته أي قوائمهن لا تصلح لاتباعك في طريقك والهاء من آلاتها تعود إلى وراء وهي مؤنثة وتصغيرها ورية بالتاء ويجوز أن تعود ألى القرح أي أنها إذا اتبعتك لم تعنها قوائمها فليست من آلاتها وهذا مثل يريد أن الكبار والفحول إذا راموا لحاقك في مدى الكرم كبوا ولم يلحقوك والمعنى أن سبيلك في العلى تخفى وعورته على من تبعك فيعثر وأن كان قوياً كالقارح من الخيل.
رعد القوارس منك في أبدانها ... أجرى من العسلان في قنواتها
الرعد جمع رعدة وعسلان الرمح اضطرابه يقول الارتعاد في ابدان الفوارس من خوفك اظهر وأجرى من الاهتزاز في رماحهم.
لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك رآء نفسك لم يقل لك هاتها
راء مقلوب من رأى كما قالوا نآء ونأي يقول لا أحد اسمح منك إلا إنسان رآك فعرفك فلم يسألك أن تهب له نفسك وهذا من قول الآخر، ولو لم يكن في كفه غير روحه، لجاد بها فليتق الله سائله،
غلت الذي حسب العشور بآيةٍ ... ترتيلك السوراتِ من آياتها
الغلت مثل الغلط والعشور اعشار القرآن والترتيل التبيين في القراءة يقول الذي يحسب العشور يعني القرآن والقرآن كله عشور وهي معجزة واحدة وترتيلك في حسن قراءتك وبيانك معجزة أيضا فمن سمع ترتيلك فلم يعده آيةً فهو غالط بآية لأن ترتيلك في الإعجاز مثلها فوجب الحاقه بها حتى يقال القرآن معجزة وترتيلك معجزة فهما معجزتان.
كرم تبين في كلامك ماثلاً ... ويبين عتق الخيل في أصواتها
الماثل الظاهر إذا سمع إنسان كلامك عرف كرمك كما أن الفرس الكريم إذا صهل عرف عتقه بصهيله والمعنى أن كلامك أمر بالعطاء ووعد بالإحسان وما أشبه ذلك مما يدل على كرمك.
أعيا زوالك عن محلٍّ نلتهُ ... لا تخرج الأقمار عن هالاتها
شبهه في علو محله بالقمر لذلك ضرب له المثل في أنه لا يزول عن شرف محله كالقمر الذي لا يخرج من هالته وهي الدائرة حوله.
لا نعذل المرض الذي بك شائق ... أنت الرجال وشائق علاتها
يقال شاقه إذا حمله على الشوق يقول المرض الذي أصابك غير ملومٍ في إصبته إياك لأنك تشوق كل شيء إلى زيارتك لما يسمع من اعاجيب اخبارك فتشوق الرجال إلى قصدك وتشوق علات الرجال أيضا ومن علاتها مرض الشوق إلى الممدوح يقول فأنت تشوقها وتنتقل إليك عنهم.
فإذا نوت سفراً إليك سبقتها ... فأضفت قبل مضافها حالاتها
стр. 143
لمضاف ههنا مصدر بمعنى الإضافة يقول إذا أرادت الرجال السفر إليك سبقتها بإضافة أحوالها قبل إضافتك أياها وإنما يريد إقامة العذر للمرض الذي به وجميع الناس رووا سبقتها بالتاء قال ابن فورجة والصواب عندي سبقنها بالنون لن المعنى إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت العلات الرجال فجاءتك قبلها ويصح سبقتها بالتاء على تمحل وهو إن يقال سبقت إضافتها أي إضافة حالاتها فيكون من باب حذف المضاف ويريد بالحالات حالات المرض الذي ذكر
ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها
يقول لا عذر للحمى في تركها جسمك إذا كان أفضل الجسوم ويقال حمى وحمة قال الشاعر، لعمري لقد بر الضباب بنوئه، وبعض البنين حمةٌ وسعال،
أعجبتها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لآذاتها
يقول أعجبت الحمى بما رأت فيك من خصال الكرم والشرف فاقامت في بدنك لتتأمل اعضاءك المشتملة على تلك الخصال لا لتؤذيك والأذاة مصدر أذى يأذي أذى وأذاةً.
وبذلت ما عشقته نفسك كله ... حتى بذلت لهذه صحاتها
يقول كل ما احبته نفسك قد بذلته حتى بذلت لهذه العلة صحتك يريد أنه بذول يبذل كل شيء يحبه.
حق الكواكب أن تزورك من علو ... وتعودك الآساد من غاباتها
من علو من فوق يقول حقها أن تأتيك عائدةً لك لأنها شريكتك في العلو وكذلك الآساد لأنها تشبهك في الشجاعة.
والجن من ستراتها والوحش من ... فلواتها والطير من وكناتها
يريد أن جميع الأجناس من الحيوان تتألم لعلتك لعموم نفعك فلو قدرت على عيادتك لأتتك والوكنة اسم لكل وكر وعش وهي مواقع الطير.
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها
في الناس أمثلة تدور حيوتها ... كمماتها ومماتها كحيوتها
أمثلة جمع مثال يعني أنهم أشباه الناس وليسوا بناس ولا فصل بين حيوتهم وموتهم لأنه لا خير فيهم وتدور صفة الأمثلة ومعناه تنتقل من حالٍ إلى حالٍ.
هبت النكاح حذار نسلٍ مثلها ... حتى وفرت على النساء بناتها
خفت إن تزوجت أن يكون لي ولد مثل هؤلاء فتركت البنات موفورةً على الأمهات لم أتزوج واحدة منهنّ.
فاليوم صرت إلى الذي لو أنه ... ملك البرية لأستقل هباتها
أي لو كانوا مملوكين له ثم وهبهم لاستقل ذلك ومن روى وهب كان المعنى أنه لو عم البرايا بالعطاء لاستقلها.
مسترخصٌ نظرٌ إليه بما به ... نظرت وعثرة رجله بدياتها
يقول لو اشترت البرية نظرا إليها باعينها لكان رخيصا ولو فديت عثرة رجله بديات البرية لكان الفداء رخيصا أيضا يعني أن دية عثرته أكثر من ديات البرية ويروى وعثير رجله يعني أن غبار رجله لو اشترى بديات الورى لكان رخيصا.
وقال يمدح عليّ بن أحمد بن عامر الأنطاكي.
أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر
أراد بالخيل الحوادث يقول أقاتل عسكرا الدهر أحد فوارسه والمعنى أني أقاتل الدهر واحداثه وحيدا لا ناصر لي ثم رجع عن هذا وقال لم أقول أني وحيد والصبر معي يريد مقاساته شدائد الدهر ونوائبه وصبره على ذلك.
وأشجع مني كل يومٍ سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمرُ
يقول سلامتي في بقائها معي في هذه المطاعته أشجع مني وهذا مجاز والمعنى أني أسلم من هذه الحوادث فلا تصيب بدني ولا مهجتي بضرب ثم قال وما بقيت سلامتي معي إلا لأمم عظيم يظهر علي بدني.
تمرست بالآفات حتى تركتها ... تقول أمات الموت أم ذعر الذعرُ
يقول تحككت بالآفات من الأسفار والحروب حتى قالت الآفات أمات الموت حيث لا يصيب هذا المتمرس بي أم ذعر الذعر فلا يذعره وهذا مجاز والمعنى أن الآفات لو قدرت على النطق لقلت هذا القول لكثرة ما تراني أمارسها من غير خوفٍ يلحقني ولا هلاكٍ يصيبني.
وأقدمت أقدام الأتي كأن لي ... سوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ
يقول أقدمت على الشدائد والأهوال إقدام السيل الذي لا يرده شيء كأن لي سوى مهجتي مهجة أخرى أن فاتتني مهجتي كانت لي بدلا أو كأن لي حقدا عند مهدتي فأنا أريد إهلاكها.
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جارانِ دارهما العمر
стр. 144
جعل الجسم والروح جارين والعمر دارهما وصحبتهما تكون مدة العمر فإذا فنى العمر افترقا يقول دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذةٍ أو مال أو حرب فإنها غير باقيةٍ مع الجسم.
ولا تحسبن أن كمال الشرف أن تشتغل بشرب الخمر سماع القيان فليس المجد إلا ضرب السيف وقتل الأعداء اغتيالا والبكر من كل شيء الذي لم يكن له مثل سبقه ويعني بالفتكة البكر التي لم يفتك مثلها.
وتضريب أعناق الرجال وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
الهبوات الغبرات والمجر الجيش العظيم.
وتركك في الدنيا دويًّا كأنما ... تداول سمع المرء أنملهُ العشرُ
الدوي الصوت العظيم يسمع من الريح وحفيف الشجر يقول وأن تترك في الدنيا جلبة وصياحا عظيما كأن المرء سدّ مسامعه بأنامله على وجه التداول إذا انأى واحدةً أدنى أخرى وذلك أن الإنسان إذا سد أذنه سمع ضجيجا وجلبة ونقل بعضهم هذا المعنى وجعل ذلك خرير دموعه فقال، فأحش صماخيك بسبابتي، كفيك تسمع لدموعي خرير، ويجوز أن يريد أنه لا يسمع إلا الضجة حتى كأنه سد مسامعه عن غيرها.
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر
يقول إذا لم يرفعك فضلك عن الأنبساط إلى اللئيم فقد الزمك الأخذ منه شكره وإذا صار مشكوراً فإن الفضل له وقال ابن جنى أي إذا اضطرتك الحال إلى الشكر اصاغر النار على ما تتبلغ به فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور وقال أبو الفضل العروضي يقول أبو الطيب بالفضل فيمن له الشكر ويقول أبو الفتح بالفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى والذي أراد أبو الطيب أن الفضل والأدب إذا لم يرفعاك عن شكر الناقص على هبته فتمدحه طمعا وتشكره على هبته فالناقص هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج هو الفاضل لا أنت يشير إلى الترفع عن هبة الناقص والتنزه عن الأخذ منه حتى لا يحتاج إلى شكره وقال ابن فورجة الذي أراد أبو الطيب أنه إذا كان فضلك لا يرفعك عن شكر ناقصٍ على إحسانٍ منه إليك فإن الفضل لمن شكرته لا لك لأنك محتاج إليه يعني أن الغنى خير من الأدب إذا كان الأدب محتاجا إلى الغنى هذا كلامه وليس في البيت ذكر الغنى ولا الحاجة وجملته أنه يحث على ترك الإنبساط إلى اللئيم الناقص حتى لا تحتاج إلى أن تشكره فيكون له الفضل بشكر الفاضل إياه والأخذ منه كما قال العروضي والذي أدخل الشبهة على أبي الفتح حتى قال فالفضل فيك ولك أنه تاول في قوله فالفضل فيمن له الشكر أنه يريد الشاكر والشاكر له الشكر من حيث أنه يشكر إلى هذا ذهب فأفسد المعنى وإنما أراد أبو الطيب بقوله له الشكر المشكور الذي يشكر على إحسانه.
ومن ينفق الساعات في جمع مالهِ ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
يقول من جمع المال خوف الفقر كان ذلك هو الفقر لأنه إذا جمع منع والمنع فقر وهذا كما قيل قديما الناس في الفقر مخافة الفقر.
عليّ لأهل الجور كل طمرةٍ ... عليها غلامٌ مل حيزومهِ غمرُ
الطمرة الفرس الوثابة نشاطا والحيزوم الصدر والغمر الحقد يقول أنا كفيل لهم بخيل فرسانها هؤلاء.
يدير بأطراف الرماح عليهم ... كؤوس المنايا حيث لا تشتهي الخمر
وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني ال ... جبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
يريد أن الجبال تشهد لي بالوقار والحلم والبحار بالجود وسعة القلب.
وخرقٍ مكان العيس منه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكورِ والظهرُ
قال ابن جنى معنى البيت أن الإبل كأنها واقفةٌ في هذا الخرق وليست تذهب فيه ولا تجيء وذلك لسعته فكأنها ليست تبرح منه أي فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل لا نبرح منها في أواسط اكوارها فكذلك هنّ كأن لها من أرض هذا الخرق كوار وظهرا فقد أقامت به لا تبرحه هذا كلامه وقد خلط فيما ذكر إنما يصف مفازةً قد توسطها وهو على ظهر البعير في جوزه فمكانه من ظهر الناقة مكانها من الخرق والمعنى أنا في وسط ظهور الأبل والإبل في وسط ظهر الخرق ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها ثم ذكر سيرها في البيت الثاني فقال:
يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرةٍ أو أرضه معنا سفرُ
стр. 145
كيف يتجه قول أبي الفتح مع قوله يخدن بنا وهذا يحتمل معنيين أحدهما أنا وإن كنا نسير فكأننا لا نسير لطول المفازة وأنه ليس لها طرف والكرة لا يكون لها طرف والكرة لا يكون لها طرف ينتهي إليه السير لذلك قال كأننا على كرة أو كان أرض الخرق تسير معنا حيث كانت لا تنقطع كما قال السريّ، وخرقٍ طال فيه السير حتى، حسبناه يسير مع الركابِ، والثاني أنه يصف شدة سيرهم والكرة توصف بكثرة الحركة والتنزي كما قال بشار، كان فؤاده كرة تنزى، حذار البين لو نفع الحذار، والإنسان إذا اسرع في السير أو في الركض رأى الأرض كأنها تسير معه من الجانبين لذلك قال أو أرضه معنا سفر.
ويوم وصلناه بليلٍ كأنما ... على أفقه من برقهِ حلل حمرُ
يصف إدآبهم للسير ووصلهم فيه اليوم بالليل والضمير في أفقه يعود إلى الليل ولا يكون لليل أفق إنما أراد أفق السماء في ذلك الليل
وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دجنه حلل خضر
أي كأن على متن ذلك اليوم من ظلمة السحاب حللا سودا والسواد يسمى خضرة ومنه، في ظل أخضر يدعو هامه البوم، أو يريد أنه سافر في أيام الربيع
وغيث ظننا تحته أن عامرا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر
عامر جد الممدوح يقول كأنه في السحاب قد ارتفع إليه ولم يمت فهو يصب المطر علينا صبا أو قبره في السحاب فقد اعداه بجوده
أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمد ... يجود به لم أجز ويدي صفر
يقال صفرت اليد تصفر صفرا فهي صفر ولا يقال صفرة يقول لو لم اجز هذا الغيث ويدي خالية لقلت أن الممدوح كان في السحاب ولما جزت ويدي صفر علمت أنه جود لاجود
وأن سحابا جوده مثل جوده ... سحاب على كل السحاب له فخر
يعني أن تشبيه جود ذلك السحاب بجود مدح للسحاب وفخر له
فتى لا يضم القلب همات قلبه ... ولو ضمها قلب لما ضمه صدر
يقولما تجمع في قلبه من الهمم لا يجمعه قلب غيره ولو ضمها قلب لكان عظيما مثلها ولو كان كذلك لما وسعه الصدر لعظم القلب وهذا مما أجرى فيه المجاز مجرى الحقيقة لأن عظم الهمة ليس من كثرة الأجزاء حتى يكون محلها واسعا لسعتها ألا ترى أن قلب الممدوح قد وسعها وصدره قد وسع قلبه وليس بأعظم من صدر غيره وقد قال ابن الرومي، كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ويحويه دفتا حيزوم، فبين أن الفؤاد يستغرق الدنيا بالعلم والفهم ثم يحويه جانيا الصدر
ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤه ... وهل نافع لولا الأكف القنا السمر
يقول لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه وغناه لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع والمعنى أن الوجود لا ينفع بلا جود كالرماح لا تعمل ولاتنفع بلا راح
قران تلاقي الصلت فيه وعامر ... كما يتلاقى الهنداوي والنصر
القران اسم لمقارنة الكوكبين جعل اجتماع جديه من الطرفين في المصاهرة ونسب الممدوح كقران الكواكب تعظميا له ثم شبه إجتماعهما بإجتماع السيف الهندي مع النصر فإذا إجتمعا حسن أثرهما وعلا أمرهما ثم ذكر تمام المعنى فيما بعد فقال:
فجاءا به صلت الجبين معظما ... ترى الناس قلا حوله وهم كثر
صلت الجبين واضح الجبين وقد مر تفسيره يقول ترى الناس حوله وهم كثيرون بالعدد قليلون بالإضافة إليه والقياس به والقل والكثر الكثرة والتقدير ذو قل أي في المعنى وهم ذو كثر في العدد ثم حذف المضاف
مفدى بآبآء الرجال سميدعا ... هو الكرم المد الذي ما له جزر
أي يقول له الرجال فديناك بآبائنا والسميدع السيد الكريم وجمعه سمادع والمد زيادة الماء والجزر نقصانه وجعله كرما لكثرة وجوده منه يقول هو كرم زائد لا نقصان له.
وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركبٍ له ذكر
أي ما زلت يسايرني في كل ركب ذكره حتى قادني الشوق إليه أي قبل أن أتيته كنت أسمع ذكره وما صاحبت أحدا إلا وهو يذكره بمدح وثناء.
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر
يعني بالأخبار ما يسمعه من حديثه الشائع في الناس والخبر الخبرة والاختبار يقول كانت استعظم ما اسمعه من حديثه قبل أن لقيته فلما لقيته صغر خبره خبره أي وجدته خيرا مما كنت اسمع
إليك طعنا في مدى كل صفصفٍ ... بكل وآةٍ كل مما لقيت نحرُ
следующие страницы →