Полный текст (401 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
المشهور في لغة العرب أن هذا البناء لا يتجاوز الأربعة نحو أحاد وثناء وثلاث ورباح وحكى نادرا أنه يقال إلى عشار ومنه قول الكميت، فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا، ولا يستعمل أحاد في موضع الواحد فلا يقال هو أحاد أي واحد إنما يقولون جاءوا أحاد أي واحدا واحدا فسداس نادر غريب وأحاد في موضع واحد خطأ وكذلك سداس في موضع ستة وأكثروا في معنى هذا البيت ثم لم يأتوا ببيان مفيد موافق الفظ وإن نحكيت ما قالوا فيه طال الكلام ولكني أذكر ما وافق اللفظ من المعنى وهو أنه أراد واحدة أم ست في واحدة وست في واحدة إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف ولم ترد الضرب الحسابي سبع وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الأسبوع وجعلها اسما لليالي الدهر كلها لنه كل أسبوع بعد اسبوع آخر إلى آخر الدهر يقول هذه الليلة واحدة أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة وهو قوله لييلتنا المنوطة بالتنادي والمراد بالتصغير ههنا التعظيم والتكبير كقول لبيد، وكل أناس سوف تدخل بينهم، دويهية تصفر منها الأنامل، يعني الموت هو أعظم الدواهي ومثله قول الآخر، فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن، لتبلغه حتى تكل وتعملا، ويريد بالتنادي القيامة والله تعالى سمى يوم القيامة يوم التنادي لأن النداء يكثر في ذلك اليوم ويكون هذا كقوله، كأن أول يوم الحشر آخره، وقال ابن جنى يريد تنادي أصحابه بما هم به ألا ترى إلى قوله، أفكر في معاقرة المنايا، وعلى هذا استطال الليلة التي عزم في صباحها على الحرب شوقا إلى ما عزم عليه وأراد همزة الإستفهام في أحاد فحذفها ضرورةً كما قال، تزوح من الحي أم تبتكر،
كأن بنات نعشٍ في دجاها ... خرائد سافراتس في حداد
بنات نعش كواكب معروفة والسافرات اللاتي كشفن عن وجوههن والحداد ثياب سود تلبس في الحزن وعند المصيبة شبه هذه الكواكب وهي مضيئة في سواد الليل بالجواري السافرات في الثياب السود وسافرات بالرفع نعت للخرائد وبالنصب حال وكان من حقه أن يذكر ما يدل على بياضهن والخرائد الحبيبات وليس الحياء من البياض في شيء ولعله أراد أن الحياء في الغالب يكون في البيض دون السود والبيت من قول ابن المعتز، وأرى الثريا في السماء كأنها، قدم تبدت من ثياب حداد،
أفكر في معاقرة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي
معاقرتها ملازمتها وأن يكون معها في عقر دارها وهو المعترك والهوادي الأعناق
زعيما للقنا الخطي عزمي ... بسفك دم الحواضر والبوادي
الزعيم الكفيل يقول عزمي زعيم بسفك دم الناس كلهم
إلى كم ذات التخلف والتواني ... وكم هذا التمادي في التمادي
يقول إلى كم اتخلف عما اطلبه من الملك وأتوانى فيه والتمادي معناه بلوغ المدى ويكون بمعنى التطاول والانتظار وكلاهما جائز في معنى هذا البيت يقول إلى كم أبلغ المدى في التقصير أو يقول إلى كم هذا التطاول والانتظار وكأنه يستبطىء نفسه فيما يروم والتمادي في التمادي أن يتتابع تماديه
وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد
وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يوم يمر بمستعاد
رواه ابن جنى بمستفاد يقول ما يمضي من الأيام لا يسترجع ولا يستعاد أي فاشغل نفسك بما هو الأهم والمطلوب كما قالن ولكن ما يمضي من العمر فائت،
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
يقول متى رأيت بياض الشيب في شعري كأني وجدته في سواد عيني لشدة كراهتي له وإذا أبيض سواد العين عمي صاحبها فكأنه يقول الشيب كالعمى وهذا من قول أبي دلف، في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت، كأنما طلعت في ناظر البصر،
متى ما أزددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي
أي إذا تناهى الشباب ببلوغ حده فزيادة العمر بعد ذلك وفور النقصان
أأرضى أن أعيش ولا أكافي ... على ما للأمير من الأيادي
يقول لا ارضى بحياتي ولا أكافىء الأمير على أياديه عندي
جزى الله المسير إليه خيراً ... وإن ترك المطايا كالمزاد
стр. 72
قال ابن جنى أي قد انضاها وهزلها فتركها كالمزاد البالية فحذف الصفة قال ابن فورجة لا دليل على حذف الصفة واراد كالمزاد التي نحملها في مسيرنا إذ قد خلت من الماء والزاد لطول السفر والألف واللام في المزاد للعهد والمعنى أن المسير إليه أذهب لحوم مطايانا وافنى ما استبقينا فلم يبق في المطية لحم ولا في المزاد زادٌ
فلم تلق ابن إبراهيم عنسي ... وفيها قوت يومٍ للقراد
ألم يكن بيننا بلد بعيد ... فصير طوله عرض النجاد
البلد المفازة ههنا والفعل للمسير في قوله فصير والنجاد حمالة السيف يقول ادناني المسير إليه حتى لم يبق بيني وبينه إلا مقدار عرض حمائل السيف
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد
يقول أبعد ما كان بيننا من البعد فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا وقرب قربنا فجعله مثل قرب البعاد الذي كان بيننا أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد فجعل البعد بعيدا عني وجعل القرب قريبا مني
فلما جئته أعلى محلي ... وأجلسني على السبع الشداد
أي رفع منزلتي في مجلسه حتى نلت به محلا رفيعا فكأنه أجلسني فوق السماوات السبع ويريد بالشداد المتقنة المحكمة الصنعة
تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقي ماله قبل الوساد
ألا تلألأ وجهه واستبشر برؤيتي كما قال زهير، تراه إذا ما جئته متهللا، وهذا كقول الآخر، إذا ما أتاه السائلون توقدت، عليه مصابيح الطلاقة والبشر، ومعنى المصارع الثاني من قول عليّ بن جبلة، أعطيتني يا ولي الحمد مبتدئاً، عطية كافأت مدحي ولم ترني، ما شمت برقك حتى نلت ريقه، كأنما كنت بالجدوى تبادرني، فقد غدوت على شكرين بينهما، تلقيح مدح ونجوى شاعر فطن، شكراً لتعجيل ما قدمت من حسن، عندي وشكرا لما أوليت من حسن،
نلومك يا عليُّ لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد
أي عبت أفعالهم وصغرت مناقبهم بزيادتك عليهم
وأنك لا تجود على جوادٍ ... هباتك أن يلقب الجواد
أي هباتك لا تجود على أحد باسم الجواد لأنه لا يستحق هذا الإسم مع ما يرى من جودك وزيادتك عليه
كأن سخاءك الإسلام تخشى ... متى ما حلت عاقبة ارتداد
حلت انقلبت يقال حال عن عهده وعما كان عليه إذا تغير يقول أنت تعتقد سخاءك اعتقاد الدين وتخاف لو تحولت عنه عاقبة الردة وهو القتل ودخول النار وهذا كقول الطاءي، مضوا وكأن المكرمات لديهم، لكثرة ما أوصوا بهن شرائع، ثم قلبه فقال، كرم تدين بحلوه وبمره، فكأنه جزء من التوحيد،
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
جعل الرؤوس في الحرب كالعيون وجعل سيوفه كالرقاد قال ابن جنى أي سيوفك أبدا تألفها كما تألف العين النوم العين وقال العروضي لا توصف السيوف والرؤوس بالألفة وإنما أراد أنها تغلبها كما يغلب النوم العين وقال غيرهما السيوف تنساب في الهامات انسياب النوم في العين قلت والذي عند في هذا أن سيوفه لا تقع إلا على الهام ولا تحل إلا في الرؤوس كالنوم فإن محله من الجسد العين يقبض العين فيحلها ويدل على صحة هذا قوله
وقد صغت الأسنة من همومٍ ... فما يخطرون إلا في فؤاد
يقول إن أسنتك لا تقع إلا في قلوب اعدائك كأنها الهموم لا محل لها غير القلوب وهذا أولي من أن يقال أن الهموم تألف القلب أو تغلبه أو تدخل فيه ويجوز في يخطرن الكسرة والضمة فمن أراد الهموم قال بالضمة ومن أراد الأسنة والرماح قال بالكسرة والبيت منقول من قول أبي تمام، كأنه كان ترب الحب مذ زمنٍ، فليس يحجبه خلب ولا كبد،
ويوم جلبتها شعث النواصي ... معقدة السبائب للطراد
يريد جلبت الخيل فكنى عنها ولم يجر لها ذكر وجعلها شعث النواصي لمواصلة السير عليها والحرب والغارة والسبائب شعر العرف والذنب وذلك الشعر يعقد عند الحرب كما قال، عقدوا النواصي للطعان فلا ترى، في الخيل إذ يعدون غلا أنزعا
وحام بها الهلاك على أناس ... لهم باللاذقية بغي عادِ
حام دار من قولهم حام الطير حول الماء يحوم حوما أي دار حوله ليشرب منه يقول دار الهلاك بخيلك على قوم لهم ببلدك ظلم عاد أي ظلموا ظلمهم وعصوا معصيتهم
فكان الغرب بحراً من مياهٍ ... وكان الشرق بحراً من جياد
стр. 73
وإنما قال هذا لأن اللاذقية على ساحل البحر يقول كان جانبها الغربي بحر الماء والشرقي بحراً من الجياد وشبهها بالبحر لكثرتها ولما فيهامن بريق الأسلحة والمعنى أنهم وقعوا بين بحرين
وقد خفقت لك الرايات فيه ... فظل يموج بالبيض الحداد
أي اضطربت الأعلام وتحركت لك لا عليك فيه أي في بحر الجياد فظل ذلك البحر يموج ويتحرك بالسيوف
لقوك بأكبد الإبل الأبايا ... فسقتهم وحد السيف حادي
أي لقوك عاصين غليظةً أكبادهم كأكباد الإبل التي تأبى على اربابها ولا تطيعهم والأبايا جمع الأبية وهي الآبية والإبل توصف بغلظ الكبد كما قال، لنحن أغلظ أكباداً من الإبل، يقول سقتهم أمامك كما تساق الإبل وحد سيفك الذي يحدوهم ويسوقهم
وقد مزقت ثوب الغي عنهم ... وقد ألبستهم ثوب الرشاد
يقول أخرجتهم من ضلال المعصية إلى رشد الطاعة
فما تركوا الإمارة لاختيارٍ ... ولا انتحلوا ودادك من وداد
يقول اضطررتهم إلى ترك الإمارة فتركوها خوفا واظهروا حبك كذبا لا حقيقة يقال وددت ودادا ووداده
ولا استغلوا لزهدٍ في التعالي ... ولا انقادوا سروراً بانقياد
ولكن هب خوفك في حشاهم ... هبوب الريح في رجل الجراد
هبٍ تحرك واضطرب والحشا داخل الجوف بما فيه من الاعضاء الداخلة يقول ريح الخوف عصفت بهم وفرقتهم كما تفرق الريح رجل الجراد
وماتوا قبل موتهم فلما ... مننت أعدتهم قبل البعد
أي ماتوا خوفا منك قبل موتهم الذي قضى عليهم فلما مننت بالعفو كان ذلك كالإحياء قبل المعاد وهذا منقول من قول أبي تمام، معاد البعث معروف ولكن، ندى كفيك في الدنيا معادي،
غمدت صوارما لو لم يتوبوا ... محوتهم بها محو المدادِ
وما الغضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصفٍ من الكرم التلاد
الطريف المستحدث والتلاد القديم يقول الغضب الحادث لا يغلب الكرم القديم وإن كان قويا لان الطاري لا يكون كالقديم الموروث
ولا تغررك السنة موالٍ ... تقلبهن أفئدة أعادي
الموالي جمع المولي وهو الولي يقول ألسنتهم تظهر لك الولاية والمحبة وقلوبهم تضمر لك العداوة فلا تغتر بذلك فإن تلك الألسنة الموالية تقلبها أفئدة معادية
وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروى وهو صادي
أي كن فظا عليهم كالموت لا يرحم الباكي من خوفه ويروي بما يشرب من الدماء وهو مع ذلك عطشان لحرصه على القتل
فإن الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فسادِ
الموالي جمع المولى وهو الولي يقول السنتهم تظهر لك الولاية والمحبة وقلوبهم تضمر لك العداوة فلا تغتر بذلك فإن تلك الألسنة الموالية تقلبها افئدة معادية
وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروى وهو صادي
أي كن فظا عليهم كالموت لا يرحم الباكي من خوفه ويروي بما يشرب ما الدماء وهو مع ذلك عطشان لحرصه على القتل
فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
وقال مرة عن قريبٍ يقال نفر الجرح ينفر إذا ورم بعد البرء وقوله إذا كان البناء على فساد أي إذا نبت اللحم على ظاهره وله غور فاسد وهذا من قول البحتري، إذا ما الجرح رم على فساد، تبين فيه تفريط الطبيب، والمعنى أنهم يطوون العداوة في نفوسهم إلى أن يمكنهم الفرصة
وإن الماء يجري من جماد ... وإن النار تخرج من زناد
يريد أن العداوة تكمن في الوداد كمون النار في الزناد والماء في الجماد كما قال نصر بن سيار، وإن النار بالزندين تروى، وإن الفعل يقدمه الكلام
وكيف يبيت مضطجعا جبان ... فرشت لجنبه شوك القتاد
يعني أن خوفه إياك يمنعه النوم كما لو فرشت له شوك القتاد ويريد بالجبان عدوه الخائف
يرى في النوم رمحك في كلاه ... ويخشى أن يراه في السهاد
يقول لخوفه أياك إذا نام رأى كأنك طعنت في كليتيه برمحك فهو يخشى أن يرى ذلك في اليقظة كما قال أشجع السلمي، وعلى عذوك يا ابن عم محمد، رصدان ضوء الصبح والإظلام، فإذا تنبه رعته وإذا غفا، سلت عليه سيوفك الأحلام، وقصر أبو الطيب في ذكر السهاد لأنه أراد به اليقظة والسهاد امتناع النوم بالليل ولا يسمى المتصرف بالنهار ساهدا
أثرت أبا الحسين بمدح قومٍ ... نزلت بهم فرست بغير زاد
стр. 74
وظنوني مدحتهم قديما ... وأنت بما مدحتهم مرادي
يقول ظنوا أن مدحي لهم وثناءي عليهم وإنما كنت أعنيك بذلك المدح والثناء كما قال أبو نواس، ون جرت الألفاظ منا بمدحة، لغيرك إنسان فأنت الذي نعني، وكقول كثير، متى ما أقل في آخر الدهر مدحةً، فما هي إلا لأبن ليلى المكرم
وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غير غادي
يقول أنا مرتحل عنك وقلبي مقيم عندك كما قال الطاءي، مقيم الظن عندك والأماني، وإن قلقت ركابي في البلاد،
محبك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
يقول حيثما توجهت فأنا محبك وحيثما كنت فأنا ضيفك لأني آكل مما أعطيتني وزودتني كما قال الطاءي، فما سافرت في الآفاق إلا، ومن جدواك راحلتي وزادي وقال أيضا يمدح عليّ بن إبراهيم التنوخي
ملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا
الملث الدائم المقيم والمعنى يا سحابا دائم القطر أعطش هذه الربوع من ربوع أي لا تسقها وإن لا تعطشها فأسقها السم النقيع في الماء
أسائلها عن المتديريها ... فلا تدري ولا تذري دموعا
اسائلها عن الذين اتخذوها دارا أي ذهبوا فلا تدري ذلك ولا تساعدني على البكاء والإذراء الإلقاء
لحاها الله إلا ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا
لحاها الله بمعنى قشرها من لحوت العود إذا قشرته ثم صار يستعمل في الدعاء على الشيء وقوله إلا ماضييها استثناء من غير الجنس ويجوز أن يكون جنسا لأن زمان اللهو والخود ربع الأنس فاستثنى ربع الأنس من ربع الأنس لاشتماله عليه والشموع اللعوب
منعمة ممنعة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوع
رداح ضخمة العجيزة وقال العديل، رداح التوالي إذا أدبرت، هضيم الحشا شختة الملتزم، يصفها بحسن اللفظ وعذوبة الكلام يقول إذا سمعت الطير لفظها وقفت وسقطت لحسنه
ترفع ثوبها الأرداف عنها ... فيبقى من وشاحيها شسوعا
يريد بالوشاحين قلادتين تتوشح بهما المرأة ترسل أحداهما على جنبها الأيمن والأخرى على الأيسر يقول أردافها عظيمة سمينة شاخصة عن بدنها ثوبها وتمنعه عن أن يلاصق جسدها حتى يكون بعيدا عما توشحت به من القلائد
إذا ماست رأيت لها ارتجاجا ... له لولا سواعدها نزوعا
يقول إذا ما مشت هذه المرأة متبخترةً رأيت لروادفها اضطرابا وحركةً نزوعا للثوب عنها لولا أن سواعدها تمسك عليها الثوب لدخولها في الكمين
تألم درزه والدرز لين ... كما تتألم العضب الصنيعا
التألم كالتوجع وهو لازم يقال تألم به أو له أو منه وعداه ههنا ضرورةً والدرز موضع الخياطة من الثوب والصنيع المصنوع المحكم العمل يصف نعومة بدنها وأنها تتوجع إذا اصابها موضع الخياطة من ثوبها مع لينه كما تتوجع من السيف يريد أن للدرز في بدنها تأثيرا كتأثير السيف
ذراعاها عدوا دملجيها ... يظن ضجيعها الزند الضجيعا
يقول الدملج يضيق عن ذراعيها فتفصمه وتكسره لامتلائه بها وعظم ساعديها غليظ باللحم حتى يظن الضجيع زندها شخصا مضاجعا له
كأن نقابها غيم رقيق ... يضي بمنعه البدر الطلوعا
شبه النقاب على وجهها بغيم رقيق على البدر يمنعه أن يبرز منه فذلك الغيم مضيء بصوء البدر تحته كذلك نقابها يشرق لاضاءة وجهها من تحته كما يشرق الغيم الرقيق فوق القمر ويضيء لازم
أقول لها أكشفي ضري وقولي ... بأكثر من تدللها خضوعا
لي خضوعي لها في قولي هذا أكثر من دلالها على كثرته
أخفت الله في احياء نفس ... متى عصى الإله بأن أطيعا
أي احياء النفس ما يتقلب به إلى الله تعالى وليس ما يخاف منه يعني أنك أن واصلتني كنت كأنك قد أحييتني واحياء النفس طاعة لله والله لا يعصي بالطاعة
غدا بك كل خلو مسهاما ... وأصبح كل مستور خليعا
أي أحياء النفس مما يتقلب به إلى الله تعالى وليس ما يخاف منه يعني أنك إن واصلتني كنت كأنك قد احييتني واحياء النفس طاعة لله والله لا يعصى بالطاعة
غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا
الخلو الخالي من الهوى والمستهام الذي يجعله الهوى هائما ذاهب العقل والخليع الذي يخلعه أهله
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا
стр. 75
أو معناه ههنا حتى وقد علق زوال حبه بما لا يجوز وجوده والمعنى لا أزال أحبك لأن الجبل لا يجره النمل والممدوح لا يرتاع ولايروعه شيء وثبير اسم جبل معروف
بعيد الصيت منبث السرايا ... يشيب ذكره الطفل الرضيعا
الصيت والصات ذهاب الذكر الحسن بين الناس وخوف سراياه إذا ذكر اسمه الطفل الرضيع شابع خوفا منه
يغض الطرف من مكر ودهي ... كأن به وليس به خشوعا
الدهي والدهاء المكر يقول يخفى مكره ودهاءه بغض الطرف كأن به خشوعا وليس به ذلك الخشوع والخشوع الاستكانة والذل
إذا استعطيته ما في يديه ... فقدك سألت عن سر مذيعا
قدك أي حسبك وكفاك يقول أن سألته جميع ماله كفاك ذلك السؤال كالمذيع إذا سألته عن سر فشا به ولم يكتمه كذلك هو يعطيك ما يملكه ولا يبخل به
قبولك منه من عليه ... وإلا يبتدي يره فظيعا
يقول إذا قبلت عطاءه فقد مننت عليه لاستلذاذه العطاء وإن لم يبتدىء بالعطاء قبل السؤال رأى ذلك منكرا
لهون المال أفرشه أديما ... وللتفريق يكره أني ضيعا
كانت الدراهم المجبية من وجوه الأجلاب حملت إلى الممدوح وبسط تحتها النطع على الرسم فيه فاعتذر له وقال ليس ذلك لكرامته عليه ولكن ليهينه في العطاء والتفريق وليس يكره ضياعه ليدخره إنما يكره ذلك ليفرقه على الشعراء والسؤال ثم احتج لهذا فقال
إذا ضرب الأمير رقاب قوم ... فما لكرامة مد النطوعا
يقول ليس بسط الأنطاع لضرب الرقاب كرامة وإنما ذلك ليصان المجلس عن تلطيخه بالدم كذلك بسطه النطع للمال لم يكن كرامة للمال
فليس بواهب إلا كثيرا ... وليس بقاتل إلا قريعا
القريع الفحل الكريم سمي بذلك لأنه يقرع الإبل ويسمى به السيد الشريف كما يسمى القرم
وليس مؤدبا إلا بنصل ... كفى الصمصامة التعب القطيعا
يقول أقام سيفه مقام سوطه في التأديب فقد أغنى السيف السوط عن التعب والقطيع السوط الذي يقطع من جلد البعير يصف شدته على المذنب والمريب وصعوبة سياسته للناس
عليٌّ ليس يمنع من مجيء ... مبارزه ويمنعه الرجوعا
عليٌّ قاتل البطل المفدى ... ومدله من الزرد النجيعا
المفدى الذي يقول له الناس فدتك نفوسنا لما يرون من شجاعته وشدة بأسه ويبدله من لبوس درعه لبوسا من الدم والزرد حلق الدرع والنجيع الدم الطري
إذا أعوج القنا في حامليه ... وجاز إلى ضلوعهم الضلوعا
في حامليه يعني أهل الحرب الذين حملوا الرماح إلى الحرب وأراد بالإعوجاج الإنحناء وذلك أن الرمح إذا طعن به اعوج والتوى وجاز إلى ضلوعهم الضلوعا أي نفذ من هذه إلى هذه كأنه شق الضلع من الجانبي قال المتنبي وكنت قلت وأشبه في ضلوعهم الضلوعا ثم أنشدت بيتا لبعض المولدين يشبهه فرغبت عنه يعني بيت البتحري، في مأزقٍ ضنكٍ تخال به القنا، بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا،
ونالت ثارها الأكباد منه ... فأولته اندقاقاً أو صدوعا
أن اندقت الرماح وتصدعت ي الأكباد لشدة الطعن وكأن الأكباد أدركت بذلك ثارا
فحد في ملتقى الخيلين عنه ... وإن كنت الجبعثنة الشجيعا
الجبعثنة من أوصاف الأسد ويروى الغضنفرة وهذا جواب قوله إذا اعوج القنا يقول إذا كان كذلك فحد عنه أي مقل وتباعد عنه وإن كنت شجاعا قوي القلب كالأسد وغلا هلكت
إن استجرأت ترمقه بعيداً ... فأنت اسطعت شيئا ما استطيعا
قال ابن جنى استجرأ الرجل بمعنى جرؤ أي صار جريئا يقول أن قدرت على النظر إليه في الحرب على البعد منه فقد قدرت على شيء لم يقدر عليه أحد وهو من قول أبي تمام، إما وقد عشت يوماً بعد رؤيته، فاذهب فإنك أنت الفارس النجد،
وإن ماريتني فاركب حصانا ... ومثله تخر له صريعا
يقول ن لاججتني فيما أقول فاركب فرسا وصوره في نفسك كأنك تحاربه فإنك إذا فعلت ذلك سقطت على الأرض صريعا لهيبته وخوفك منه
غمام ربما مطر انتقاما ... فأقحط ودقه البلد المريعا
يقول هو غمام ندى ولكن الغمام قد يكون فيه صواعق مهلكة واحجار برد كذلك هو ربما مطر نقمة على الأعداء فصير مره البلد المريع قحطا والمريع بمنى الممرع وهو المخصب
رآني بعد ما قطع المطايا ... تيممه وقطعت القطوعا
стр. 76
القطوع جميع القطع وهي الطنفسة تحت الرحل يقول رآني بعد ما طال سفري حتى قطع رواحلي قصدي إياه وقطعت الرواحل طنافسها يعني أبلتها بكثرة السير وطول المسافة
فصير سيله بلدي غديرا ... وصير خيره سنتي ربيعا
أي ملأني العطاء كما يملأ السيل غديرا وأصلح لي دهري حتى صار كالربيع وهو فصل الخصب والأمطار
وجاودني بأن يعطى وأحوى ... فاغرق نيله أخذي سريعا
جعل العطاء من الممدوح والأخذ منه مجاودة على معنى أن أخذي منه كالجود مني عليه يقول لم يلحق أخذي اعطاءه حتى اغرق أخذي أي كان هو في الإعطاء أسرع مني في الأخذ
أمنسيّ السكون وحضرموتاً ... ووالدتي وكندة والسبيعا
هذه أماكن بالكوفة سميت باسماء قبائل كانوا يسكنون هذه المحال يريد أن إحسانه ألهاه عن بلده وأهله وهذا من قول الراعي، رجاؤك أنساني تذكر إخوتي، ومالك أنساني بوهبين ماليا، وقال الطاءي، ومثل نداك أذهلني حبيب، وألبسني سلواً عن بلادي، ومثله لأبي الطيب، لولاك لم أترك البحيرة والغور دفىء وماؤها شبم،
قد استقصيت في سلب الأعادي ... فرج لهم من السلب الهجوما
يقول بالغت في سلب الأعداء فسلبتم كل شيء حتى النوم فرد ذلك النوم عليهم فإنهم لا يجدون النوم خوفا منك
إذا ما لم تسر جيشاً إليهم ... اسرت إلى قلوبهم الهلوعا
يقول إذا لم تغزهم بجيشك غزوتهم بالفزع فلا يزالون خائفين منك جزعين
رضوا بك كالرضى بالشيب قسراً ... وقد وخط النواصي والفروعا
أي صبروا على الذل لك كارهين كما يصبر الإنسان على الشيب إذا جلل رأسه
فلا عزل وأنت بلا سلاح ... لحاظك ما تكون به منيعا
العزل مصدر الأعزل وهو الذي لا سلاح معه ويقال منع الرجل يمنع مناعة فهو منيع يقول إذا كنت بلا سلاح قامت لحاظك ونظرك مقام السلاح لأنك إذا نظرت إلى عدوك قتلته هيبة لك فقامت لحاظك مقام سلاحك فصرت به منيعا والهاء ي به تعود إلى ما كأنه قال لحاظك الشيء الذي تكون به منيعا
لو استبدلت ذهنك من حسام ... قددت به المغافر والدروعا
يصفه بالذكاء وحدة الفطنة حتى لو أخذها بدلاً من الحسام لقطع به المغافر والدروع على الأعداء
لو استفرغت جهدك في قتال ... أتيت به على الدنيا جميعا
سموت بهمة تسمو فتسمو ... فما تلفي بمرتبةٍ قنوعا
قوله فتسموا يجوز أن يكون خطابا للممدوح أي كلما سمت همتك أزددت علوا ويجوز أن يكون خبرا عن الهمة يقول سموت بهمة وتلك الهمة تسمو بك أبدا فتسموا ولا تقنع بنيل مرتبة
وهبك سمحت حتى لا جواد ... فكيف علوت حتى لا رفيعا
يقول إحسب أن جودك محى اسم الجواد عن الناس فكيف محا ارتفاعك اسم الرفيع عن كل شيء والألف في رفيعا ليس بدلا من التنوين لأن لا تنصب النكرة بغير تنوين وقال أيضا يمدح عليّ بن إبراهيم التنوخي
أحق عافٍ بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهداً بها القدم
يقول أولى دارس ذاهبٍ ببكائك الهمم التي درست وذهبت أي أنها أولى بالبكاء من الدمن والاطلال ثم ذكر قدم وجودها بالمصراع الثاني فقال لا عهد لأحد بالهمم لأن المحدثات تتأخر عن القدم وإذا كان القدم أحد الأشياء عهدا بها فلا عهد بها لأحد وهذا كما تقول احدث الناس عهدا بها آدم دل هذا على أنه لا عهد لأحد من الناس بها
وإنما الناس بالملوك وما ... تفلح عرب ملوكها عجم
أي الناس بالملوك يرتفعون وبخدمتهم ينالون الدرجة الرفيعة والعرب إذا ملكتهم العجم لا يفلحون لما بينهما من التباين والتنافر واختلاف الطبائع واللغة ثم بين هذا فقال
لا أدب عندهم ولا حسب ... ولا عهود لهم ولا ذمم
بكل أرضٍ وظئتها أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم
يعني عبيد الخلفاء من الأتراك الذين كانوا يأمرون على الناس
يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم
إني وإن لمت حاسدي فما ... أنكر أنى عقوبة لهم
يقول إنهم معذورون في حسدي لأنهم معاقبون بتقدمي عليهم وظهور نقصانهم بزيادة فضلي
وكيف لا يحسد أمرء علم ... له على كل هامةٍ قدم
стр. 77
هذا تأكيد لبيان عذرهم في الحسد يقول لم لا يحسد من صار كالعلم وهو الجبل المنيف في كل فضل أي اشتهر وصار كالمشار إليه وعلا الناس كلهم فصار قدمه فوق الهامات يعني علت درجته درجاتهم وقد نظر في هذا إلى قول البحتري، واعذر حسودك فيما قد خصصت به، إن العلي حسن في مثلها الحسد،
يهابه أبسأ الرجال به ... وتتقي حد سيفه البهم
أبسأ الرجال آنسهم به وآلفهم له يقال بسأت بالشيء وبسئت به إذا أذهبت هيبته من قلبك يقول كيف لا يحسد من كان من الهيبة بحيث يهابه أنيسه ومن الشجاعة بحيث تتقيه الأبطال
كفاني الذم أنني رجل ... أكرم مال ملكته الكرم
يقول الذي أزال عني الذم أنى أبذل المال وأصون الكرم وجعل الكرم مالا لما كان يصونه ويبخل به بخل غيره بالمال وصيانة الكرم في بذل المال
يجني الغني للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم
غنى اللئيم لو علم يجني عليه ما لا يجنيه العدم لن العدم يقطع عنه الطمع ولا يظهر لومه لأنه لا يقصد في حاجة والغنى يظهر لؤمه لن الأطماع تتصل به ولؤمه يمنع من تحقيقها فيتوجه عليه الذم ومعنى يجني لهم يكسب لهم لن معنى الجناية في اللغة الكسب
هم لأموالهم ولسن لهم ... والعار يبقى والجرح يلتئم
يقول اللئام مملوكون لأموالهم لأنهم يتعبون في حفظها وجمعها ومنعها وهي كأنها تشير عليهم بأن يصونوها ولا يبذلوها فيطيعونها ولا يملكونها هم لأنهم ليست لهم قدرة على البذل لها ولا أن يكسبوا بها محمدةً في الدنيا أو أجرا ومثوبةً في العقبى فإذن هم للأموال وليست لهم بهذا يوصف اللئيم المكثر كما قال حاتم الطائي، إذا كان بعض المال ربا لأهله، فإني بحمد الله مالي معبد، وقال حطائط بن يعفر، ذريني أكن للمال ربا ولا يكن، لي المال ربا وتحمدي غبه غدا، وقال أبو نواس، أنت للمال إذا أمسكته، وإذا أنفقته فالمال لك، وقال أيضا أبو تمام، فلمالك العبد المذل إذا غدا، وهم لمالهم المصون عبيد، وقال أيضا المخزومي، إن رب المال آكله، وهو للبخال أكال، ثم ذكر إن العار أبقى من الجرح لأن جرح السيف يلتئم ولا يبقى بقاء جرح العار الذي لا يزول
من طلب المجد فليكن كعل ... يٍّ يهب الألف وهو يبتسم
ويطعن الخيل كل نافذةٍ ... ليس لها من وحائها ألم
يعني كل جراحة نافذة تنفذ في المطعون إلى الجانب الآخر ولا يتألم بها لسرعتها حتى يموت ولا ألم بعد الموت
ويعرف الأمر قبل موقعه ... فما له بعد فعله ندم
إنما يندم من لا يعرف العواقب وإذا عرف الأمر قبل موقعه لا يندم على فعله لأنه يعلم وجه الصواب فيه فيفعله على البصيرة والمعرفة الموقع هنا مصدر بمعنى الوقوع
والأمر والنهي والسلاهب وال ... بيض له والعبيد والحشم
السلاهب الخيل الطوال جمع السلهب والحسم اتباع الرجل الذيني غبون لغضبه يقول له هذه الأشياء لأنه ملك
والسطوات التي سمعت بها ... تكاد منها الجبال تنقصم
يقال سطا عليها إذا حمل عليه يقول تنهد الجبال وتنكسر من سطواته
يرعيك سمعاً فيه استماع إلى ال ... داعي وفيه عن الخنا صمم
يقال أرعني سمعك أي استمع مني ومعناه اجعل سمعك لكلامي بمنزلة الموضع الذي يرعى فيه ويتصرف يقول هو يسمع صوت من يدعوه ويستغيث به وهو كالاصم عن الفحش
يريك من خلقه غرائبه ... في مجده كيف تخلق النسم
النسم جمع النسمة وهي النفس والروح قال الشاعر، ما صور الله حين صورها، في سائر الناس مثلها نسمه، يقول خلقه الغرائب من المجد وإبداعه منه ما لم يسبق إلى مثله يعرفك ويصحح لك خلق الله النسم لأن المخلوق إذا قدر على خلق شيء كل الخالق أولى أن يقدر
ملت إلى من يكاد بينكما ... إن كنتما السائلين ينقسم
يقول عدلت إلى زيارة من لو جئتما يا صاحبي تسألانه يكاد ينقسم بينكما فصار لكل واحد منكما نصفه إن سألتماه نفسه
من بعد ما صيغ من مواهبه ... لمن أحب الشنوف والخدم
يقول ملت إلى زيارته من بعد ما كثرت عطاياه عندي حتى صغت لمن أحبه القرطة والخلاخل من الذهب الذي أعطاني والمعنى أن عطاءه وصل إلى قبل زيارته
ما بذلت ما به يجود يد ... ولا تهدي لما يقول فم
стр. 78
ما بذلت يد ما يجود به ولا اهتدي فم لأن بما يقول أي أنه أجود وأفصح من كل أحد
بنو العفرني محطة الأسد ... الأسد ولكن رماحها الأجم
العفرني الأسد القوي والنون زائدة وأصله من العفر كأنه يعفر صيده لقوته ثم يقال للناقة القوية عفرناة ومنه قول الأعشى، بذات لموثٍ عفرناةٍ إذا عثرت، فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا، ومحطة إسم جد الممدوح يقال أن المنصور ضرب عنقه على الإسلام فلم يسلم ومحطة بدل من العفرني والأسد صفة محطة والأسد خبر لابتداء يقول بنوه أسود إلا أن رماحهم لهم بدل الآجام للأسود كما قال عليّ بن جبلة، كأنهم والرماح شابكة، أسد عليها أظلت الأجم، وقال الطاءي، آساد موت محدرات ما لها، إلا الضوارم والقنا آجام، وقال أيضا، أسد العرين إذا ما الموت صبحها، أو صبحته ولكن غابها الأسل، ومحطة في موضع الخفض لأنه بدل من العفرني إلا أنه لا ينصرف وروى الخوارزمي محطة بكسر التاء وجعله من الحط بمعنى الوضع يقول هو يحط الأسد عن منزلته بشجاعته والأولى هي الصحيحة
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
أي هم مولودون مع الجود فلا صغر يعذرهم في البخل ولا هرم كما قال البحتري، عريقون في الإفضال يؤتنف الندى، لناشئهم من حيث يؤتنف العمر،
إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولو صنيعة كتموا
أي هم مولودون مع الجود فلا صغر يعذرهم في البخل ولا هرم كما قال البحتري، عريقون في الإفضال يؤتنف الندى، لناشئهم من حيث يؤتنف العمر،
إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولوا صنيعةً كتموا
يقوال إذا عادوا اظهروا العداوة لأنهم لا يخافون عدوا وإن اصطنعوا صنيعةً اخفوها وستروها
تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا
يريد لا يعتدون بصنيعتهم وأنعامهم فكأنهم لم يعلموا بذلك لتناسيهم وغفلتهم عنه كما قال الخزيمي، زاد معروفك عندي عظما، إنه عندك مستور حقير، تتناساه كأن لم تأته، وهو عند الناس مشهور كثير،
إن برقوا فالحتوف حاضرة ... أو نطقوا فالصواب والحكم
يقول إذا هددوا اعداءهم حضر هلاكهم وإن نطقوا تكلموا بما هو الصواب والحكمة
أو حلفوا في الغموس واجتهدوا ... فقولهم خاب سائلي القسم
الغموس اليمين التي تغمس الحانث فيها في الإثم يقول إذا حلفوا يمينا يخافون فيها الإثم عند الحنث حلفوا بخيبة سائلهم لأنها أعظم شيء عليهم
أو ركبوا الخيل غير مسرجة ... فإن أفخاذهم لها حزم
أو شهدوا الحرب لاقحا أخذوا ... من مهج الدارعين ما احتكموا
تشرق أعراضهم وأوجهم ... كأنها في نفوسهم شئم
يصفهم بنقاء الاعراض والوجوه والشئم
لولاك لم أترك البحيرة وال ... غور دفىء وماءها شبم
البحيرة بطبرية من الشام يقول لولاك لم أتركها وماءها بارد ولم آت بلدك الدفىء الحار والغور موضع منخفض بالشم وكل منخفض من أرض غور
والموج مثل الفحول مزبدة ... تهدر فيها وما بها قطم
شبه الموج في اضطرابها وما يسمع من صوتها بالفحول إذا هاجت واشتهت الضراب فرمت بالزبد من افواها ومعنى تهدر فيها أي تصيح في البحيرة هدير الفحول وما بها شهوة الضراب والموج جمع موجة
والطير فوق الحباب تحسبها ... فرسان بلق تخونها اللجم
الحباب طريق الماء عند اختلاف الأمواد وأراد فرسان خيل بلق وجعلها بلقا لأن زبد الماء أبيض وما ليس بزبد فهو إلى الخضرة وتخونها اللجم تنقطع أعنتها فهي تذهب حيث شاءت يريد تصرف الموج على غير مراد الطائر في كل وجهٍ وقال ابن جنى تخونها اللجم فهي تكبو يريد رفرفة الطير على الماء ثم انغماسها فيه وليس هذا بشي لأن الفرس إذا انقطع لجامه لم يكب وليست الرفرفة والانغماس مما ذكر في البيت وإنما بناهما على الكبو الذي ذكره
كأنها والرياح تضربها ... جيشا وغي هازم ومنهزم
شبه الطيور وهي تتبع بعضها بعضا على وجه الماء تضرب الرياح إياها بجيشين هازم ومنهزم فالهازم يتبع المهزوم
كأنها في نهارها قمر ... حف به من جنانها ظلم
стр. 79
حف به أي أحاط به وكان حقه إن يقول حفه كما روى في الحديث حفت الجنة بالمكاره وشبه الماء في صفائه وقد احاط به سواد الجنان وخضرتها بقمر احاط به ظلم وخص النهار لأن هذا الوصف لها بالنهار دون الليل
ناعمة الجسم لا عظام لها ... لها بنات وما لها رحم
ناعمة الجسم لأنها ماء وأراد ببناتها ما فيها من حيوان الماء
يبقر عنهن بطنها أبدا ... وما تشكى وما يسيل دم
لما جعلها ناعمة الجسم وجعل لها بناتٍ كنى عن استخراج سمكها وصيجها منها بالبقر وهو شق البطن
تغنت الطير في جوانبها ... وجادت الروض حولها الديم
فهي كماويةٍ مطوقةٍ ... جرد عنها غشاءها الأدم
الماوية المرآة وجعلها مطوقة لما حولها من سواد الجنان
يشينها جريها على بلد ... تشينه الأدعياء والقزم
القزم رذال الناس وسفلهم يقول عيب هذه البحيرة إنها في بلد أهله لئام خساس
أبا الحسين استمع فمدحكم ... في الفعل قبل الكلام منتظم
يقول فعلكم يمدحكم قبل أن ينظم في الشعر أي أنه بحسنه يثني عليكم ويروى في العقل يعني أن الناس عقلوا مدحكم قبل أن يتكلموا به
وقد توالى العهاد منه لكم ... وجادت المطرة التي تسم
العهاد الأمطار والمطرة التي تسم هي الوسمي تسم الأرض بالنبات شبه مدائحه فيهم بامطار تتابعت لهم لأنها تنبت لهم انعامهم عليه والتي تسم يعني بها هذه القصيدة
أعيذكم من صروف دهركم ... فإنه في الكرام متهم
يقول الزمان متهم في الكرام مولع بإفنائهم وإهلاكهم وأنا اسأل الله تعالى أن يحفظكم وقال يمدح المغيث بن علي العجلي
دمع جرى فقضي في الربع ما وجبا ... لهله وشفى أنى ولا كربا
يعني أنه بكى في اطلال الاحبة بدمع قضى ما وجب لهم وشفاه من وجده بهم ثم رع عن ذلك فقال أنى أي كيف قضى ذلك ولا يكرب أي ولا قارب ذلك ولا داناه يعني لم يقض الحق ولا شفي الوجد وذلك إنه أكثر البكاء فغلب على ظنه أنه بلغ قضاء حقهم ثم علم بعد أنه قاصر عن ذلك فرجع عما قال
عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا ... من العقول وما رد الذي ذهبا
يوقل عطفنا على هذا الربع توقفنا لنزوره فأذهب ما كان بقي لنا من العقول بتجديده ذكر الاحبة ولم يردد ما كان ذهب من عقولنا عند الفراق
سقيته عبرات ظنها مطرا ... سوائلا من جفون ظنها سحبا
دار الملم لها طيف تهددني ... ليلاً فما صدقت عيني ولا كذبا
يقول الربع الذي ذكرته دار المرأة التي زارني لها طيف أوعدني ليلا فما صدقت عيني فيما رأت لأنها أرتني ما لم يكن حقيقة لأنه كان رؤيا ولا كذب الطيف في تهدده أياي لأنه وفي وبما أوعد به من القطيعة أي هجرني خيالها
ناءيته فدني أدنيته فنأي ... جمشته فنبا قبلته فأبي
ناءيته باعدته من المناءاة وهي المباعدة وروى ابن جنى نأيته أي بعدت عنه يقال نأيت زيدا ونأيت عن زيد قال، نأتك امامة نأيا طويلا، والتجميش كالمغازلة ونبا ارتفع وجفا وأبي استصعب وامتنع يقول كلما أردت من هذا الطيف شيئا قابلني بضده
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تمدد له طنبا
قال ابن جنى يقول ملكت قلبي بلا كلفة ومشقة فكانت كمن سكن بيتا لم يتعب باقامته ولا مد اطنابه واحسن من هذا إن يقال اتخذت بيتا من قلبي فنزلته والقلب بيت بلا اطناب ولا اوتاد
مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
يقول هي مظلومة القد إذا شبه بالغصن لأنه أحسن منه وهي مظلومة الريق إذا شبه بالعسل لأنه أحلى منه
بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا
يقول لأنسها وحسن حديثها تطمع فيما تحت ثوبها فإذا طلب ذلك عز مطلوبا وبعد كما قال عبيد الله بن الحسين العلوي، يحسبن من لين الحديث دوانيا، وبهن عن رفث الرجال نفار، وانتصب مطلوبا على الحال وقال ابن جنى على التمييز اراد من مطلوب
كأنها الشمس يعيى كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا
стр. 80
شبهها بشعاع الشمس في قربه من الطرف وبعده من القبض عليه كما قال ابن عيينة، وقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها، قريب ولكن في تناولها بعد، وقال الطرماح، هي الشمس لما أن تغب ليلها، وغارت فما تبدو لعين نجومها، تراها عيون الناظرين إذا بدت، قريباً ولا يسطيعها من يرومها، وقال بشار، أو كبدر السماء غير قريب، حين يوفى والضوء فيها اقتراب، وقال الآخر أيضا، هي الشمس مطلعها في السماء، فعز الفواد عزاء جميلا، فلن تستطيع إليها الصعود، ولن تستطيع إليك النزولا،
مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا
استضحك مثل ضحك كقولهم استعجب بمعنى عجب واستسخر بمعنى سخر ويروى استضحكت بضم التاء وليس بصحيح يقول كما إن المغيث يرى كأنه أسد وهو مع ذلك من عجل كذلك أنا أرى كالظبي وأنا عربية
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح من ... أعطى وأبلغ من أملي ومن كتبا
يقول جاءت عجل من هذا الممدوح باشجع الناس واجردهم وأبلغهم ويجوز أن يكون المعنى جاءت المرأة لما ذكرته برجل هذا وصفه
لو حل خاطره في مقعد لمشى ... أو جاهل لصحى أو أخرس خطبا
يقول خاطره لتوقده وقوته لو كان في زمن لمشى أو في جاهل لصحا من جهله وصار عالما أو في أخرس قدر على النطق
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
يريد أنه شديد الهيبة إذا ظهر للراءين حجبت هيبته عيونهم عن النظر إليه كما قال الفرزدق، يغضى حياء ويغضى من مهابته، فما يكلم إلا حين يبتسم، وقال أيضا، وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم، خضع الرقاب نواكس الأبصار، وقال بعض العرب، تغضي العيون إذا تبدى هيبةً، وتنكس النظار لحظ الناظر، وقال أبو نواس، إن العيون حجبن عنك بهيبة، فإذا بدوت لهن نكس ناظر، وقوله ليس يحجبه ستر يريد أن نور وجهه يغلب الستور فيلوح من ورائها كما قال، أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ، هيهات لست على الحجاب بقادر، وذكر ابن جنى تأويلين آخرين أحدهما أن حجابه قريب لما فيه من التواضع فليس يقصر أحد اراده دونه وإن كان محتجبا والآخر أنه وإن احتجب فهو كلا محتجب لشدة تيقظه ومراعاته للأمور
بياض وجه يريك الشمس حالكة ... ودر لفظ يريك الدر مخشلبا
هذا البيت يدل على المعنى الأول فيما قبله والمخشلب هو الخرز المعروف وليست عربية ولكنه استعملها على ما جرت به العادة ويروى مشخلبا وهما لغتان للنبط فيما يشبه الدر من حجارة البحر وليس بدر والعرب تقول له الحضض والمعنى أن نوره يغلب نور الشمس حتى ترى كأنها سوداء ولفظه احسن من الدر
وسيف عزم ترد السيف هبته ... رطب الغرار من التامور مختضبا
هبته تحركه واهتزازه يقول إذا مضى عزمه خضب السيف من جم الأعداء والتامور دم القلب
عمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوى إذا وهبا
يقول إذا لقي عدوه في غبار الحرب قصر عمر حتى يكون أقل من بقاء المال عنده إذا أخذ في العطاء
توقه فإذا ما شئت تبلوه ... فكن معاديه أو كن له نشبا
أراد أن تبلوه فحذف أن وبقي عملها يقول إحذره ولا تحم حوله بالمعاداة فإن أردت اختباره فكن عدوه أو مالا له فترى ما يفعل بك من الإبادة والإفناء كما قال الآخر، تظلم المال والأعداء من يده، لا زال للمال والأعداء ظلاما،
تحلو مذاقته حتى إذا غضبا ... حالت فلو قطرت في الماء ما شربا
حالت تغيرت وجعل المذاقة مما يقطر إتساعا أي لو كانت مما يقطر فقطرت في الماء لم يشرب
وتغبط الأرض منها حيث حال به ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
الغبطة أحسن من الحسد وجعلها للأرض لأنها وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعضٍ والخيل ليست كذلك لأنها متفرقة فاستعمل للأرض الغبطة وللخيل الحسد والهاء في به تعود إلى حيث حل وهو في موضع نصب لأنه مفعول تغبط وأيها منصوب بركب ومعنى البيت منقول من قول الطاءي، مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة، غدا ثوى إلا اشتهت أنها قبر،
ولا يرد بفيه كف سائله ... عن نفسه ويرد الجحفل اللجبا
стр. 81
الجحفل الجيش العظيم واللجب الذي فيه أصوات مختلطة يقول لا يرد بقوله وكلامه كف السائل ويرد الجيش العظيم والمعنى أنه جواد شجاع
وكلما لقي الدينار صاحبه ... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
أراد من قبل أن يصطحبا فأبقى عمل أن وهي محذوفة وأراد إذا التقيا تفرقا قبل الإصطحاب فهما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين وهذا أبلغ من قول جؤية بن النضر، إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا، ظلت إلى سبل المعروف تصطحب، لأنه أثبت لها اجتماعا ومثل هذا قول الآخر، لا يألف الدرهم المصرور خرقتنا، لكن يمر عليها وهو منطلق، وقوله المصرور أي الذي من عادته أن يصر ويجوز أن ينصب الدينار والصاحب فيكون معناه كلما لقي الممدوح الدينار مصاحبا له
مال كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل هذا مجتد نعبا
قال ابن جنى هذا معنى حسن يقول كما إن غراب البين لا يهدء من الصياح كذلك هذا لايفتر عن العطاء قال العروضي لعمري أن الذي قاله المتنبي لحسن ولكن تفسيره غير حسن ومن الذي قال أن الغراب لا يهدأ من الصياح ولكن معناه أن العرب تقول أن غراب البين إذا صاحب في ديار قومٍ تفرقوا فقال المتنبي كأن المجتدي إذا ظهر صاح هذا الغراب في ماله فتفرق وقال ابن فورجة فيما رد على ابن جنى يقول كان غراب البين يرقب ماله فكلما جاء مجتد نعب فيه فتفرق شمله انتهى كلامه وتلخيص المعنى أ، هـ قال له مال كان رقيبه غراب البيت فإذا جاءه السائل فرق الممدوح ماله فكان الغراب نعب في ماله بالتفريق وما ذكره من رقبة الغراب نعيبه مثل وبيان لتفريقه المال عند مجيء السائل
بحر عجائبه لم تبق في سمر ... ولا عجائب بحر بعدها عجبا
يقول هو بحر وله عجائب كثيرة أعجب مما يذكر من عجائب الاسمار والبحار وتكل العجائب ليس بعجائب عند ما يذكر من عجائب الممدوح
لايقنع ابن عليٍّ نيل منزلةٍ ... يشكو محاولها التقصير والتعبا
لا يقنعه نيل هذه المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها مع تعبه في طلبها
هز اللواء بنو عجل به فغدا ... رأسا لهم وغدا كل لهم ذنبا
أي حركوا اللواء باسمه والمعنى جعلوه سيدهم فإذا حركوا رأيتهم حركوها باسمه فصار سيدهم وصاروا هم به سادة الناس
التاركين من الأشياء أهونها ... والراكبين من الأشياء من صعبا
نصب التاركين على المدح باضمار اذكر أو أعني أو أمدح والمعنى أنهم يتركون ما هان من الأمور وسهل وجوده وراموا ما صعب منها لبعد همتهم كما قال الطهوي، ولايرعون أكناف الهوينا، إذا حلوا ولا روض الهدون،
مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
قال ابن جنى أي قد جعلوا مكان براقع خيلهم حديدا على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها قال أبو الفضل العروضي أمثل المتنبي يمدح قوما بأن يستروا وجوه خيلهم بحديدة وأي شرف ونجدة لفارس إن فعل ذلك وذلك معرض لكل فرس وكفل ومعناه أن سيوفهم مكان البراقع لخيلهم فلا يصل العدو إلى وجه فرسهم لأنهم يقونه بالقتل والرد وعنى بالبيض السيوف لا الحديد الذي أراد ونحو هذا قال ابن فورجة عني أن سيوفهم تحول دون جيادهم ومسها بطعن أو ضرب أما لمنازلتهم دونها أول حذقهم بالضرب فهي تجري مجرى البراقع لها هذا كلامه والمعنى أنهم يحمونها بالسيوف لا بالبراقع والتجافيف وقوله متخذي هام الكماة أي جعلوا رؤوس الكماة وشعورهم لأرماجهم بمنزلة العذب وهي المعلق بالرماح جعلت كالعلامة عليها ومثله ما ذكرت الرؤوس على الرماح قول جرير، كأن رؤوس القوم فوق رماحنا، غداة الوغا تيجان كسرى وقيصرا، وقول مسلم بن الوليد، يكسو السيوف نفوس الناكثين به، ويجعل الهام تيجان القنا الذبل، وقول الطاءي، أبدلت أرؤسهم يوم الكريهة من، قنا الظهور قنا الخطي مدعما، من كل ذي لمةٍ غطت ضفائرها، صدر القناة فقد كادت ترى علما،
إن المنية لو لاقتهم وقفت ... خرقاء تتهم الإقدام والهربا
стр. 82
خرقاء فزعة متحيرةً يقال خرق يخرق خرقا إذا لصق بالأرض من فزع قال ابن جنى تتهم الأقدام مخافة الهلاك والهرب مخافة العار قال ابن فورجة لا يتهم الهرب في العار فإن العار كله فيه ولكن يتهم الهرب في الإدراك أي تقدر أنها إن هربت أدركت ومثله لأبي تمام، من كل أروع يرتاع المنون له، إذا تجدر لا نكس ولا جحد، وله أيضا، شوس إذا خفقت عقاب لوائهم، ظلت قلوب الموت منها تخفق،
مراتب صعدت والفكر يتبعها ... فجاز وهو على آثارها الشهبا
أي لهم مراتب عالية علت في السماء فصارت أعلى من الكواكب لأن الفكر الذي يتبعها جاز الكواكب ولم يحلقها
محامد نزفت شعري ليملأها ... فآل ما امتلأت منه ولا نصبا
جعل اقتضاء المحامد نظمها بالشعر نزفا وجعل الشعر لكونه مقتضى منزوفا يقول لم تمتلأ هذه المحامد من عشري أي لم تبلغ الغاية التي تستحقها من شعري ولا شعري فنى فأنا أبدا امدحهم ويزيد هذه الجملة وضوحا أن يقول لهم محامد استخرجت شعري لينظم تلك المحامد كلها فلم تنحصر بالشعر ولم يفن الشعر يريد كثرة محامدهم وكثرة مدائحه لهم وجعل الشعر كالماء ينزف واستغراق محامدهم في الشعر كملئها بالماء ولما جعل الشعر كالماء جعل فناءه نضوبا
مكارم لك فت العالمين بها ... من يستطيع لأمرٍ فائتٍ طلبا
لما أقمت بأنطاكية اختلفت ... إلى بالخبر الركبان في حلبا
يقول لما اقمت بهذه البلدة اختلفت إلى ركبان العفاة الذين قصدوك وأنا في حلب فأتيتك وهو قوله
فسرت نحوك لا ألوي على أحد ... أحث راحلتي الفقر والأدبا
لا الوي على أحد لا أقيم عليه ولا أعرج ولي راحلتان الفقر والشعر أي هما حملاني إليك
أذاقني زمني بلوى شرقت بها ... لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا
وإن عمرت جعلت الحرب والدة ... والسمهري أخا والمشرفي أبا
يقول أني إن عشت لازمت الحرب والسلاح أي لأدرك مطلوبي وكنى بهذه القرابات عن ملازمة هذه الأشياء
بكل أشعث يلقى الموت مبتسما ... حتى كأن له فيقتله أربا
يعني بكل رجل اشعث مغر من طول السفر ولقاء الحروب والمعنى ألازم الحرب بكل رجل هذه صفته ومثله للبحتري، متسرعين إلى الحتوف كأنها، وفر بأرض عدوهم يتنهب، ونقله من قول الطاءي، مسترسلين إلى الحتوف كأنما، بين الحتوف وبينهم أرحام، ومثله للطاءي، يستعذبون مناياهم البيت،
قحٍّ يكاد صهيل الخيل يقذفه ... عن سرجه مرحا بالعز أو طربا
القح الخالص من كل شيء وهو نعت اشعث وروى ابن جنى الجرد ويروى بالغعزو وهو اجود يقول إذا سمع صوت الخيل استخفه ذلك حتى يكاد يطرحه عن السرج لما يجد من النشاط والطرب
فالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... والبر أوسع والدنيا لمن غلبا
الموت أعذر لي من أن أعيش ذليلا فإذا قتلت في طلب المعالي قام الموت بعري والصبر أجمل بي لان الجزع عادة اللئام والبر أوسع لي من منزلي فإنا اسافر والدنيا لمن غلب وزاحم لا لمن لزم المنزل وقال يمدح المغيث بن عليّ بن بشر العجلي
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
قال ابن فورجة يعني أن غرضي بعيد ورامي متعذر إذ لست كالناس أرضى بما يرضون به ويلهيني السكر ثم قال وعمر مثل ما تهب اللئام وهذا تأسف منه يقول لو كان العمر طويلا لرجوت أن أدرك أغراضي بطلو العمر ولكن العمر قصير ومدته قليلة فهو كهبة اللئام يسيرة حقيرة فما أخوفني أن لا أدرك طلبتي بقدر ما أرجوه من العمرانتهى كلامه وكأن هذا من قول الطاءي وكأن الأنامل اعتصرتها، بعد كدٍّ من ماء وجه البخيل،
ودهر ناسه ناس صغار ... ون كانت لهم جثث ضخام
يريد أنهم صغار القدر والهمم وإن كانوا ضخام الأجسام كما قال حسان، لا عيب بالقوم من طول ومن قصر، جسم البغال وأحلام العصافير، وقال العباس بن مرداس، فما عظم الرجال لهم بفخر، ولكن فخرهم كرم وخير،
ما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام ،
يقول لست من هؤلاء الذين ذكرتهم وإن عشت فيما بينهم كالذهب الذي معدنه التراب ثم لا يكون بكونه فيه منه
أرانب غير أنهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام
стр. 83
المعهود في مثل هذا أن يقال هم ملوك إلا أنهم في طبع الأرانب لكنه عكس الكلام مبالغة فجلع الأرانب حقيقة لهم والملك مستعار فيهم يقول هم وإن انفتحت عيونهم نيام من حيث الغفلة كالأرانب تنام منفتحة العينين كما قال، وأنت إذا استيقظت يوما فنائم، وكما قال أبو تمام، أيقظت هاجعهم وقل يغنيهم، سهر النواظر والقلوب نيام،
بأجسام يحر القتل فيها ... وما أقرانها إلا الطعام
بأجسام أي مع أجسام يحر يشتد من قولهم حر يومنا يحر حرارةً يقول يقتلهم الطعام فيموتون بالتخمة من كثرة الأكل
وخيل لا يخر لها طعين ... كأن قنا فوارسها ثمام
خليلك أنت لا من قلت خلى ... وإن كثر التجمل والكلام
يقول ليس خليل خليلك إلا نفسك وليس من تقول هو خليلي خليلا لك وإن كثر تملقه ولأن قوله
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ ... تجنب عنق صيقله الحسام
يقول لو ملك الحفاظ أي المحافظ على الحقوق ورعى الذمام من غير عقل لكان السيف يحافظ على حق الصيقل الذي صقله فلايقطع عنقه والمعنى أنهم لا عقل لهم فلذلك ليس لهم حفاظ
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهما بدنيانا الطغام
الطعام الأوغاد والغوغاء من الناس يقول الشيء يميل إلى شبه والدنيا خسيسة فلذلك ألفت الأخساس لأنهم اشكالها في اللؤم والخسة والشكل إلى الشكل أميل لا محالة
ولو لوم يعل إلا ذو محلٍ ... تعالى الجيش وانحظ القتام
يقول علوهم في الدنيا لا يدل على محلهم واستحقاقهم ولو كان كذلك لكان الغبار سافلا والجيش عاليا
ولو لم يرع إلا مسنحق ... لرتبته أسامهم المسام
يقال سامت الماشية إذا رعت وهي سائمة وأسامها صاحبها قال الله تعالى فيه تسيمون ويريد بالمسام ههنا الرعية والكناية في أسامهم تعود إلى قوله ملوك يقول رعيتهم أولى بالأمارة منهم لو كانت الأمارة بالاستحقاق وقال ابن فورجة المسام المال المرسل في مراعيه يقول هؤلاء شر من البهائم فلو ولى بالاستحقاق لكان الراعي لهم البهائم لأنها اشرف منهم واعقل
ومن خبر الغواني فالغواني ... ضياء في بواطنه ظلام
أي من جرب الغواني فالغواني ضياء في الظاهر ظلام في الباطن
ذا كان الشباب السكر والشي ... ب هما فالحيوة هي الحمام
يعني أن الحياة في الدنيا منغصة مكدرة لأن الشاب كالسكران في سكر شبيبته والشيب هم لضعف الإنسان عند الشيب واهتمامه لما فات من عمره فإذا الحياة موت بعينه
وما كل بمعذور ببخلٍ ... ولا كل على بخلٍ يلام
يقول ليس كل أحد يعذر إذا بخل لأن الواجد الغني لا عذر له في البخل والمنع وليس كل أحد يلام على البخل فإن المعسر المحتاج إلى ما في يده لا يلام في بخله ووجه آخر وهو أن الذي لا يعذر في بخله من ولدته والكرام والذي لا يلام على بخله من كان آباؤه لئاما بخلاء ولم يتعلم غير البخل ولم ير في آبائه الجود والكرم فيكون هذا من قول الطاءي، لكل من بني حواء عذر، ولا عذر لطاءي لئيم،
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
يقول لم أر مثلهم في سوء الجواء وقلة المراعاة ولا مثلي في مصابرتهم مع فرط جفوتهم
بأرض ما اشتهيت رأيت فيها ... فليس يفوتها إلا الكرام
يقول كلما تطلب تجد في هذه الأرض إلا الكرام فإنهم غير موجودين فيها
فهلا كان نقص الأهل فيها ... وكان لأهلها منها التمام
يقول هلا كان نقص أهل الأرض في الأرض وتمامها في أهلها والمعنى ليت كمال الأرض كان لساكنيها ونقصانهم كان فيها
بها الجبلان من فخر وصخر ... أنافا ذا المغيث وذا اللكام
اللكام جبل معروف يقال له جبل الأبدال لأنهم كانوا يسكنونه والمصراع الثاني تفسير للجبلين وأنافا اشرفا وطالا
وليست من مواطنه ولكن ... يمر بها كما مر الغمام
إنما قال هذا لنه ذم أهل هذه الأرض فهو يقول ليست هذه البلدة موطنا له ولكنه يجتاز بها أحيانا اجتياز الغمام كما قال أبو تمام، إن حن نجدوأهلوه إليك فقد، مررت فيها مرور العارض الهاطل،
سقا الله ابن منجبةٍ سقاني ... بدر ما لراضعه فطام
يريد أنه ليس يقطع عنى بره
ومن إحدى فوائده العطايا ... ومن إحدى عطاياه الدوام
وقد خفى الزمان به علينا ... كسلك الدر يخفيه النظام
стр. 84
يعني أنه اغطى بمحاسنه مساوي الدهر ويجمل الزمان به تجمل السلك إذا نظم فيه الدر ومن روى بها عادة الكناية إلى العطايا والمعنى لبس الزمان من عطاياه ما لبس السلك من الدر
تلذ له المروة وهو تؤذى ... ومن يعشق يلذ له الغرام
المروة تؤذي صاحبها بما فيها من التكاليف وهي مع ما فيها لذيذة له كالعشق لذيذ مع ما فيه من النصب وقد قال أبو الطيب، والعشق كالمعشوق يعذب قربه، للمبتلي وينال من حوبائه،
تعلقها هوى قيس لليلى ... وواصلها وليس به سقام
يقول عشق المروة كما عشق قيس المجنون ليلى غير أنه واصل المروة فلم يورثه حبها سقما كما أورث عشق ليلى قيسا الجنون لما لم يجد إليها سبيلا
يروع ركانة ويذوب ظرفا ... فما يدري أشيخ أم غلام
يروع يفزع والركانة الوقار ورجل ركين وقور يعني أنه جمع بين وقار الشيوخ وظرافة الفتيان
وتملكه المسائل في نداه ... فأما في الجدال فما يرام
يريد أنه منقاد لسؤال من سأله جدل صعب لا يرام عند المسائل في الجدال والمعنى أن المسائل الواردة عليه من جهة السؤال تملكه حتى لا يمكنه رد مسألة منها بالخيبة فما المسائل في الجدال فإنه لا يطاق فيها
وقبض نواله شرف وعز ... وقبض نوال بعض القوم ذام
هذا كقول أمية، عطاؤك زين لامرء إن اصبته، بخير وما كل العطاء يزين، وليس بعار لامرء بذل وجهه، إليك كما بعض السؤال يشين،
أقامت في الرقاب له أيادٍ ... هي الأصواق والناس الحمام
الحمام عند العرب اسم لذوات الأطواق وهي توصف باللزوم لها لانها لا تفارقها يقول نعمه وأياديه لازمة لرقاب الناس كما تلزم الأطواق الحمام يعني أن الناس تحت مننه وأياديه وهذا كما قال السري، وطوقت قوما في الرقاب صنائعا، كأنهم منها الحمام المطوق،
إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام
يقول إذا عد الكرام لم يتجاوز العد هذه القبيلة لبطلان من عداهم كما أن الأنواء من سقوط أولها إلى سقوط آخرها هي العام كذلك عجل هم الكرام والتقدير كما أن الأنواء عام حين تعد والمعنى من أراد أن يعد الكرام في الدنيا فليقل بنو عجل فإنهم يشملون جميع الكرام كما أن الأنواء بطلوعها وسقوطها تشتمل جميع العام وذلك إن لكل شهرٍ من شهور العام نوء فإذا عدت تلك الأنواء فهي عام تام
يقي جبهاتهم ما في ذراهم ... إذا بشفارها حمى اللطام
ما في ذراهم يعني السيوف لأنها تقلد في أعالي البدن يقول سيوفهم تحمى وجوههم إذا اشتدت الملاطمة بشفار السيوف وروى ابن جنى تقي جبهاتهم ما في ذراهم فقال أي يتلقون الحديد بوجوههم ليدفعوا عن حرمهم وقال وأضمر السيوف في شفارها وإن لم يجر لها ذكر والمعنى على هذه الرواية أنهم يذبون عمن استذرى بهم
ولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا
تجدو تطلب جدواهم وهذا من قول بكر بن النطاح، ولو لم يجز في العمر قسم لمالك، وجاز له الإعطاء من حسناته، لجاد بها من غير شرك بربه، وأشركنا في صومه وصلوته، وقال أبو العتاهية، فمن لي بهذا البيت أنى اصبته، فقاسمته ما لي من الحسنات، ومثل هذا لمن اقتدى بأبي الطيب، ولو جاءه يوم القيامة سائل، تعرى له عن صومه وصلاته،
فإن حلموا فإن الخيل فيهم ... خفاف والرماح بها عرام
العرام الشراسة يقول أن كانوا حلماء ذوي وقار فإن خيلهم خفاف في العدو ورماحهم عارمة على الأعداء
وعندهم الجفان مكللات ... وشزر الطعن والضرب التوأم
مكللات جعل اللحم عليها كالإكاليل كما قال زياد بن منقد الهلالي، ترى الجفان من الشيزي مكللةً، والشزر ما أدير به عن الصدر التوأم جمع توأم على غير قياس أي الضرب المتدارك المتوالى والمعنى أنهم مطاعيم مطاعين
نصرعهم بأعيننا حياء ... وتنبو عن وجوههم السهام
يريد أنهم رقاق الوجه لفرط الحياء وإذا نظرنا إليهم صرعناهم أي قدرنا عليهم وعند الحرب تنبو السهام عن وجوههم
قبيل يحملون من المعالي ... كما حملت من الجسد العظام
يعني أن المعالي مشتملة عليهم اشتمال اللحم والجلد على العظام والمعنى أنهم للمعالي كالعظام للأجسام
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام
стр. 85
اراد قبيل أنت منهم وأنت أنت في علو قدرك يعني إذا كنت أنت منهم وجدك بشر فكفاهم بذلك فخرا وقد أخر حرف العطف في قوله وأنت وهو قبيح جدا وهذا كما تقول قامت زيد وهند وأنت تريد قامت هند وزيد
لمن مال تمزقه العطايا ... ويشرك في رغايبه الأنام
ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبة يجب الذمام
يقول لمن مال نراه عندك وعطاياك تفرقه والخلق كلهم شركاء في رغائبه وهيكل ما كان مرغوبا فيه وأنت لا ترضى أن تقول هو لك وندعوك صاحبه لن الصحبة توجب ذماماً وأنت لا ترعى له ذماما أي فلمن هذا المال هذا إذا كان البيتان مقترنين ويجوز أن ينفرد كل منهما بالمعنى فيكون معنى البيت الأول لمن مال هذه حاله يعني لا مال لأحد بهذه الصفة إلا لك وأراد لمن مال هذه حاله غير مالك فحذف لدلالة المعنى عليه ثم ينفرد معنى البيت الثاني ويروى فيرضي بالياء أن إذا دعوناك صاحبه المال بذلك رجاء أن يبقى معك لأجل الصحبة
تحايده كأنك سامري ... تصافحه يد فيها جذام
تحيد عن هذا المال كما يحيد هذا الرجل كان يقول لمن أراد مسه لا مساس عن يد فيها هذه العاهة وكان من حقه أن يقول كأنك السامري لأن هذا نسب له ليس باسم علم وهو في القرآن مذكور بالألف واللام إلا أن يريد واحدا من قبيلته أن كانت هذه العلة عامة فيهم
إذا ما العالمون عروك قالوا ... أفدانا أيها الحبر الإمام
يقال عراه واعتراه إذا أتاه ومنه قول النابغة، أتيتك عارياً خلقاً ثيابي، على خوف تظن بي الظنون، والحبر العالم يعني أن العلماء يستفيدون منك ويتعلمون
إذا ما المعلمون رأوك قالوا ... بهذا يعلم الجيش اللهام
اللهام الكثير الذي يلتهم كل من يستقبله والمعلم الذي يشهر نفسه في الحرب بعلامة يعرف بها أنه بطل يقال أعلم الرجل نفسه ومن روى بفتح اللام فهم الذين أعلموا بالعلامة يقول إذا رأوك الأبطال قالوا هذا علامة الجيش العظيم لأنه ليس فيهم أشهر منه ويجوز أن يكون يعلم من العمل أي بهذا يعرف الجيش أي أنه صاحب الجيش وفارس العسكر ومن روى يعلم بكسر اللام فمعناه الجيش يعلم أنفسهم بهذا الرجل ليعرف أنهم شجعان إذا كان هو فيما بينهم
لقد حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الزمن ابتسام
يقول طابت الأيام بك وظهرت بشاشتها للناس حتى كأنه مبتسم بك والمعنى أنها كانت متجهمة عابسة فزال بك عبوسها فكأنك ابتسام لها وطلاقة كما قال الطاءي، ويضحك الدهر منهم عن غطارفةٍ، كأن أيامهم من إنسها جمع،
وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلوة ربك والسلام
وقال يمدح أبا الفرج أحمد بن الحسين القاضي المالكي
لجنية أم غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف
أراد ألجنية فحذف همزة الاستفهام والعرب إذا بالغت في مدح الشيء جعلته من الجن كقول الشاعر، جنية أولها جن يعلمها، رمى القلوب بقوس ما لها وتر، هذا في الحسن وكذلك في الشجاعة والحذق بالأشياء وفي كل شيء والغادة مثل الغيداء والسجف جانب الستر إذا كان بنصفين وقوله لوحشية يجوز أن يكون استفهاما كالأول ويجوز أن يكون جوابا لنفسه كأنه قال ليس لجنية ولا لغادة بل هو لوحشية أي لظبية وحشية ثم رجع منكرا على نفسه فقال لا ما لوحشية شنف يعني أن السجف الذي رفع إنما رفع لإنسية لأن عليها شنوفا والوحشية لا شنف عليها لها
نفور عرقتها نفرة فتجاذبت ... سوالفها والحلى والخصر الردف
أي هي نافرة طبعا وأصابتها نفرة حادثة فاجتمعت نفرتان فنفرت من رؤية الرجال أياها فتجاذبت سوالفها والحلى يعني أن الحلى الذي كان عليها جذب عنقها بثقله والعنق امسكه فحصل التجاذب وردفها يجذب خصرها لعظمه ودقة الخسر والسالفة صفحة العنق وجمعه سوالف
وخل منها مرطها فكأنما ... تثنى لنا خوط ولاحظنا خشف
وخيل من قوله تعالى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى أي يرون ذلك كالخيال والمرط كساء من خز أو صوف يقو لمرطها يرينا ويمثل لنا صورتها كغصن بإن يتثنى وولد ظبي رنا وخص القامة واللحظ لأن المرط ستر محاسنها ولم يستر القد ولا اللحظ وروى ابن جنى وخبل والمخبل الذي قطعت يداه واراد أن مرطها ستر محاسنها فكأن ذلك خبل منه لها
زيادة شيب وهي نقص زيادتي ... وقوة عشق وهي من قوتي ضعف
стр. 86
يقول حالى زيادة شيب وهي في الحقيقة نقص زياة النفس وكلما قوى العشق ضعفت قوة البدن كما قال، وار في الدنيا بكل زيادة، وزيادتي فيها هو النقص، ومثله لأبي الطيب، متى ما أزددت من بعد التناهي، فقد وقع انتقاصي في ازديادي،
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
يقول أراقت دمي بحبها المرأة التي أجد بها من الحب ما تجد بي والشوق لي ولها ملازم أي أنا أحبها كما تحبني واشتاق إليها كما تشتاق إلي
ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثياباً غيرها الشعر الوحف
أي لها من الشعر الكثيف الملتف ما يقوم لها في سترها إذا عريت من الثوب مقام الثوب
وقابلني رمانتا غصن بانة ... يميل به بدر ويمسكه حقف
يريد بالرمانتين ثدييها وبالغصن قدها وبالبدر وجهها وبالحقف ردفها والمعنى أنها قامت عند الوداع بحذائي فقابلني من ثدييها رمانتان على قدٍ كالغصن يميله وجه كالبدر يعني أنها إذا قصدت شيئا بوجهها مالت إليه نحو الوجه فكان وجهها يميل قامتها ثم يمسك الردف بثقله قامتها الخفيفة فلا تقدر على سرعة الحركة
أكيداً لنا يا بين واصلت وصلنا ... فلا دارنا تدنو ولا عيشنا يصفو
أردد ويلي لو قضي الويل حاجةً ... وأكثر لهفي لو شفي غلة لهف
ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة ولهف تحسر على ما فات والمعنى أني أكثر القول بهاتين الكلمتين لو نفع القول بهما وترد يدي أياهما وهذا على حكاية ما كان يقول
ضني في الهوى كالسم في الشهد كامنا ... لذذت به جهلا وفي اللذة الحتف
الضنا شبه الهزال من المرضى يقول في الهوى ضني مستتر كما يكمن السم في الشهد إذا مزج به واستلذذت الهوى جهلا بذلك الضني وحتفي في تلك اللذة
فأفنى وما أفنته نفسي كأنما ... أبو الفرج القاضي له دونها كهف
يقول أفنى الضني نفسي وما أفنيته كأن الممدوح كهف له دون نفسي فليست تقدر على إفنائه
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت البيض والزغف
هو قليل النوم لاشتغاله بالحكم بين الناس وما يكسبه من المجد والعلم نافذ الآراء لو كانت السيوف والرماح في نفاذ آرائه لما أغنت الدروع والبيض عن أصحابها شيئا
يقول مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
يقال قطب وجهه إذا جمع ما بين عينيه عبوسا يقول هو مهيب عند الكلوح فإذا نطق بحرف قام مقام الكلم الكثير لبلاغته بجمع المعاني الكثيرة في القليل من الكلام
وإن فقد الإعطاء حنت يمينه ... إليه حنين الإلف فارقه الإلف
يقول ألفت يمينه الإعطاء حتى لو لم يعط لحنت يمينه إلى الإعطاء كما يحن الإلف إلى الإلف إذا فارقه
أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف
القف الغليظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلا واستعار لعلمه اسم الجبال لكثرة علمه وزيادته على علم الناس ولما استعار له اسم الجبال استعار لصدره الأرض لأن الجبال تكون على الأرض ثم فضلها على جبال الأرض فضل الجبال على القفاف
جواد سميت في الخير والشر كفه ... سموا أود الدهر أن اسمه كف
الدهر وعاء الخير والشر والعرب تنسب إليه ما يوجد فيه يقول لكفه الذكر العالي في كل خير لأوليائه لأنهما يصدران منه فالدهر يتمنى أنه يسمى كفا ليشارك كفه الذي هو مجمع الخير والشر في الأسم فيسمى الكف ولا يسمى الدهر إذ كفه اغلب فيهما من الدهر ومعنى أود الدهر حمله على أن يود
وأضحى وبين الناس في كل سيدٍ ... من الناس إلا في سيادته خلف
يفدونه حتى كأن دماءهم ... لجاري هواه في عروقهم تقفوا
أي من حبهم أياه يقولون له نفديك بأنفسنا فكان هواه جرى أولا في عروقهم قبل الدم ثم تبعده الدم
وقوفين في وقفين شكر ونائل ... فنائله وقف وشكرهم وقف
صب وقوفين على الحال منه ومن الناس والعامل فيه يفدونه كقولك رأيتك راكبين أي أنا راكب وأنت راكب ويريد بالوقوف الواقف وهو مصدر سمى به الواحد والجمع أراد الناس والممدوح فريقان واقفان في شيئين وقفين احدهما على الناس منه وهو العطاء والثاني على الممدوح من الناس وهو الثناء والمعنى أنه أبداً يعطى والناس أبدا يشكرونه
стр. 87
ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف
يقول لما فقدنا نظيره ومن يكون مثلا له دام كشفنا على حال الفقد عن مثل له يعني طلبنا ذلك لم نجد وهو قوله فدام الفقد والنكشف الكشف أي زال وبطل لأنا يئسنا عن وجود مثله ولم يفسر أحد هذا البيت تفسيرا شافيا كما فسرته وبينته ولو حيكت تخبط الناس في هذا البيت واقوالهم المرذولة والروايات الفاسدة طال الخطب
وما حارت الأوهام في عظم شانه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف
يقول الأوهام متحيرة في شأنه والطرف متحير في حسنه وجماله وليس تحير الأوهام أكثر من تحير الطرف
ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف
يعني أن الحسد قد أثر فيهم وهزلهم ونقصهم كما نقص عطاؤه ماله وليس ذلك النقصان بأكثر من هذا
تفكره علم ومنطقة حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
يقول إنما يتفكر ليعلم ويجتهد في المسائل الشرعية فإذا نطق نطق بالحكمة والحكم بين الناس فينطوي باطنه على دين الله ويظهر للناس الظرف ومكارم الأخلاق وقال ابن جنى هذه القصيدة من الضرب الأول من الطويل وعروض الطويل أبدا تجيء مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت ويكون ضربه مفاعلين أو فعولن فيتبع العروض الضرب وليس هذا البيت مصرعا وقد جاء بعروضه على مفاعلين وهو تخليط منه وأقرب منا يرف إليه هذا أن يقال أنه رد مفاعلن إلى أصلها وهي مفاعلين لضرورة الشعر كما أن للشاعر اظهار التضعيف وصرف ما لا ينصرف واجراء المعتل مجرى الصحيح وقصر الممدود وما يطول ذكره مما يرد فيه الأشياء إلى أصولها انتهاى كلامه ولو قال ومنطقه هدي أو تقي صح الوزن
أمات رياح اللؤم وهي عواصف ... ومغنى العلا يودي ورسم الندا يعفو
يقول سكن رياح اللؤم بعد شدة هبوبها ولما استعار للؤم رياحا استعار للعلي مغنى وللندى رسما حيث كانت الرياح تعفو الرسوم وتمحو المغاني والمعنى أن اللؤم كان يغلب العلي والجود فأذهب بكرمه قوة اللؤم وقوله ومغنى العلا يجو أن تكون الواو للحال فيكون يودي ويعفو يراد بهام الحال لا الاستقبال كأنه قال أمات رياح اللؤم وحال مغنى العلا أنه مودٍ وحال رسم الندى أنه عاف ويجوز أن تكون للاستئناف كأنه قال ومغنى العلا مما يودي بها ورسم الندى مما يعفو بها
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعا ... إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
يقال هطلت السماء إذا اشتد انصبابا مائها والوطف جمع الوطفاء وهي السحابة المسترخية الجوانب لكثرة مائها ومنه قول امرء القيس، ديمة هطلاء فيها وطف،
ولا ساعيا في قلة المجد مدركا ... بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
ولم نر شيئا يحمل العبء حمله ... ويتسصغر الدنيا ويحمله طرف
ولا جلس البحر المحيط لقاصد ... ومن تحته فرش ومن فوقه سقف
جعله كالبحر المحيط ف يالدنيا في كثرة عطاياه وغزارة نداه يقول لم يجلس قبله البحر لم يقصده ومن تحته فرش يقله ومن فوقه سقف يظله
فوا عجبا مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته ... يمر له صنف ويأتي له صنف
يقول من كثرة ما يخبر عن مكارمه ويحدث عنها كلما مر منها نوع أتى نوع آخر فالصنف على هذا صنف من اخبار مكرماته ويجوز أن يكون الصنف من القصاد الذين يقصدونه ويأتونه أي لكثرة ما يسمعون من تلك الاخبار يمر صنف قد صدروا عنه ويأتي صنف يقصدونه ومعنى له لأجله
وفتر الاخبار ومعناه تسفر وتنجلي وأصله من الضحك إذا بدت له الأسنان شبه خصاله في حسنها وحلاوتها بثنايا معشوقٍ لا يمل مص ريقها
قصدتك والراجون قصدي إليهم ... كثير ولكن ليس كالذنب الأنف
جعل الممدوح كالأنف وغيره كالذنب يعني أنه يفضل غيره فضل الأنف على الذنب وهذا من قول الحطية، قو هم الأنف والاذناب غيرهم، ومن يسوى بأنف الناقة الذنبا، ويقال أنه مدح قوما كانوا ينبزون بأن الناقة فيكرهونه فما قال فيهم هذا فخروا بلقبهم
ولا الفضة البيضاء والتبر واحد ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف
المكدي الفقير الذي لا خير عنده يقول ليس الذهب والفضة سواء وإن اجتمعا في المنفعة
ولست بدون يرتجي الغيث دونه ... ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
стр. 88
أي لست بقليل من الرجال ولا صغير المقدار يقال هذا رجل دون ورأيت رجلا دونا ومررت برجل دون يقول ليست خسيسا فيرتجى الغيث دونه ولا يرتجى أنت ليس وراءك للجود منتهى والمعنى أن الجود مقصور عليك لا يرتجى الجود دونك ولا يتجاوز عنك كما قال بعضهم، ما قصر الجود عنكم يا بني مطر، ولا تجاوزكم يا آل مسعود، يحل حيث حللتم لا يفارقكم، ما عاقب الدهر بين البيض والسود، وقال أشجع السلمي، فما خلفه لامرء مطمع، ولا دونه لامرء مقنع، وقال الطاءي، إليك تناهى المجد من كل وجهة، يصير فما يعدوك حيث تصير، وزاد أبو الطيب على هذا المعنى فأساء العبارة ورفع خلف لأنه جعله اسما لا ظرفا
ولا واحدا في ذا الورى من جماعة ... ولا البعض من كل ولكنك الضعف
يقول لست واحدا من جماعة الناس ولا بعضا من كلهم ولكنك ضعف جميعهم أي أنت تغني غناءهم وتزيد عليهم زيادة ضعف الشيء على الشيء
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
يقول لست أيضا ضعف الورى حتى يكون ذلك الضعف ضعفين ثم تزيد على ذلك بأضعافٍ كثيرة حتى تبلغ الفا والمعنى أنك فوق الورى بكثير ونصب مثله لأنه نعت نكرة قدم عليها كما قال، لسلمى موحشا طلل، يلوح كأنه خلل،
أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف
يقول أنت أهل لما اثنيت به عليك ثم قال غلطت ليس هذا ثلثي ما أنت أهله ولا نصفه
وذنبي تقصيري وما جئت مادحا ... بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
يقول تقصيري في مدحك ذنب والذنب لا يمدح به ولكن يستعفي عنه وقال يمدح عليّ بن منصور الحاجب
بابي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
كنى بالشموس عن النساء والجاناحات المائلات وكنى بالغروب عن بعدهن يريد أنهن ملن عنا للبعد وقال ابن جنى غوارب قد غبن في الخدور والأول أجود لأنه لما سماهن شموسا كنى عن بعدهن بالغروب لأن بعد الشمس عن العيون يكون بالغروب والجلباب الخمار
المنهبات قلوبنا وعقولنا ... وجناتهن الناهبات الناهبا
يقال انهبته الشيء إذا جعلته نهبا له يقول أنهبن وجوههن قلوبنا وعقولنا حتى نهبتها بحسنهن ثم وصف تلك الوجنات بأنها تنهب الناهب أي الرجل الشجاع المغوار ومن رفع وجناتهن فهي فاعلة المنهبات والمعنى اللاتي انهبت وجناتهن قلوبنا فيكون قد اقتصر على ذكر مفعول واحد
الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلال غرائبا
الناعمات اللينات المفاصل القاتلات بهجرهن المحييات بوصلهن والدلال أن يثق الانسان بمحبة صاحبه فيجترىء عليه
حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا
حاولن طلبن أن قلن لي نفديك بأنفسنا وخفن الرقيب فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة أي أن انفسنا تفديك وهذا معنى قول ابن جنى أشرن إلى من بعيد ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الوشاة والرقباء جعل ابن جنى هذه الإشارة تحيةً وتسليما والأولى أن يكون على ما ذكرناه لذكره التفدية في البيت ولم يقل حاولن تسليمي ولأن الإشارة بالسلام لا تكون بوضع اليد على الصدر قال ابن فورجة وضع اليد على الصدر لا يكون إشارة بالسلام وإنما أراد وضعن أيديهن فوق ترائبهن تسكينا للقلوب من الوجيب وليس كما قال وصدر البيت ينقض ما قاله
وبسمن عن بردٍ خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يعني بالبرد اسنانهن التي تشبه في نقائها البرد والمعنى ذبت أسفا على فراقن بعد أن كنت أخشى الذوب على ثغورهن
يا حبذا المتحملون وحبذا ... وادٍ لثمت به الغزالة كاعبا
الغزالة من اسماء الشمس كنى بها عن الحبيبة أخبر أنها كانت كاعبا حين لثمها
كيف الرجاء من الخطوب تخلصا ... من بعد أن أنشبن في مخالبا
نص تخلصا بالمصدر ون كان فيه الألف واللام كما انشد سيبويه، ضعيف النكاية أعداء، يخال الفرار يراخي الأجل، وانشبن علقن
أوحدنني ووجدن حزنا واحداً ... متناهيا فجعلنه لي صاحبا
أي أفردنني ممن أحب يعني الخطوب وقرنني بالحزن الذي هو واحد الأحزان وهو حزن الفراق
ونصبنني غرض الرماة تصيبني ... محن أحد من السيوف مضاربا
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيا مطرت على مصائبا
стр. 89
أصله اظمأتني بالهمز فأبدل الهمزة ألفا ثم حذفها يريد شوقتني إلى الظفر بالمراد ومنعتني نيلها
وحييت من خوص الركاب بأسود ... من دراش فغدوت أمشي راكبا
الخوص جمع الخوصاء وهي الغائرة العين والدارش ضرب من السختيان ومعنى من خوص الركاب أي بدلا منها كقوله تعالى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة أي بدلا منكم يقول أعطيت عوضا من الإبل خفا أسود فأنا راكب ماشٍ
حالا متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان إليّ منها تائبا
أي أشكو حالا وأذم حالا متى علم الممدوح بتلك الحال تاب الزمان منها إليّ لن الزمان يخافه وهو لا يرضى من الزمان اساءته إليّ ويجوز أن يكون المعنى أن الممدوح إذا علمها تلافاها بإحسانه فكان الزمان قد تاب نها فجعل إحسان الممدوح إليه توبةً من الزمان ومثله قول أبي تمام، كثرت خطاياه الدهر في وقد يرى، بنداك وهو إليّ منها تائب،
ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دما وعرفا ساكبا
يقال سكبته سكبا فسكب سكوبا وهذا من قول البحتري، تلقاه يقطر سيفه وسنانه، وبنان راحته دما ونجيعا،
يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
الخطر الكبير يعني الشيء الخطير ذا الخطر الكبير ومثله قول الطاءي، فرأيت أكثر ما حبوت من اللهي، نزرا وأصغر ما شكرت جزيلا،
كرماً فلو حدثته عن نفسه ... بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
يعني كرم كرما أو يفعل ما ذكرت كرما ثم قال ولو حدثته بعظيم ما صنعه لكذبك استعظاما له وقد اساء في هذا لنه جعله يستعظم فعله وبضده يمدح وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام، تجاوز غايات العقول رغائب، تكاد بها لولا العيان تكذب، وقال البحتري، وحديث مجد عنك أفرط حسنه، حتى ظننا أنه موضوع،
سل عن شجاعته وزره مسالما ... وحذار ثم حذار منه محاربا
يقول سل عنها لتعرفها بالخبر ولا تتعرض لأن تعرفها بالمشاهدة والتجربة ثم رب لهذا مثلا فقال
فالموت تعرف بالصفات طباعه ... لم تلق خلقاً ذات موتا آئبا
يعني أن شجاعته كالموت إن عرف بالمشاهدة أهلك وإن اقتصر فيه على الصفة علم ولم يهلك
إن تلقه لا تلق غلا جحفلا ... أو قسطلا أو طاعنا أو ضاربا
يعني أنه لا ينفك عن هذه الأشياء وهذه الأحوال
أو هاربا أو طالبا أو راغبا ... أو راهبا أو هالكا أو نادبا
يجوز أن تكون هذه أحوال الناس معه فإذا لقيته لقيت هؤلاء أو بعضهم ويجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح تلقاه هاربا من الدنايا وطالبا للعلي وراغبا في المكارم وراهبا من الله تعالى وهالكا بمعنى مهلكا كقول العجاج، ومهمة هالك من تعرجا، ونادبا من يبارزه من الندب
وإذا نظرت إلى الجبل رأيتها ... فوق السهول عواسلا وقواضبا
يعني عمت جنوده السهل والجبل فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها رماحا وسيوفا
وإذا نظرت إلى السهول رأيتها ... تحت الجبال فوارسا وجنائبا
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجا تبسم أو قذالاً شائبا
شبه بريق الحديد في سواد العجاج بتبسم الزنج وشيب القذال
فكأنما كسى النهار بها دجى ... ليل وأطلعت الرماح كواكبا
يقول كان النهار ألبس بتلك العجاجة السوداء ظلمة ليل وكان الرماح اطلعت من اسنتها كواكب أو أطلعت هي كواكب في تلك الظلمة كما قال مسلم، في عسكر شرق الأرض الفضاء به، كالليل أنجمه القضبان والأسل،
قد عسكرت معها الرزايا عسكرا ... وتكتبت فيها الرجال كتائبا
يقال قد عسكر فلان أي جمع عسكرا وتكتبت تجمعت يقول المصائب قد جمعت عسكرا مع هذه العجاجة لتقع بأعداء الممدوح وصارت الرجال فيها كتائب بكثرتهم
أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه عليّ الحاجبا
أراد عليا الحاجب فاضطره الوزن إلى حذف التنوين فحذفه وسوغ له ذلك سكونه وسكون اللام في الحاجب كما أنشد النحويون، إذا عطيف السلمى فرا، ومثله كثير
ودعوه من فرط السخاء مبذرا ... ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
هذا الذي أفنى النضار مواهبا ... وعداه قتلا والزمان تجاربا
стр. 90
يعني حصل له من التجربة ما يعرف به ما يأتي فيما يستقبل من الزمان فكأنه أفنى الزمان لنه لا يحدث عليه شيئا لا يعرفه
ومخيب العذال مما أملوا ... منه وليس يرد كفا خائبا
ذكر الكف وأراد العضو
هذا الذي أبصرت منه حاضرا ... مثل الذي أبصرت منه غائبا
حاضرا وغائبا حال للمخاطب أو للمتنبي إذا قلت ابصرت يعني أنه حضره أو غاب عنه يرى عطاءه حيثما كان وابن جنى يجعل الحاضر والغائب حالا للممدوح يقول حضر أو غاب فأمره في الشرف والكرم واحد وما بعد هذا البيت يدل على خلاف ما قاله وهو
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا
أي حيثما كنت ترى عطاءه كما ترى ضوء البدر حيثما كنت من البلاد
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
يريد عموم نفعه للبعيد والقريب وهذه الأبيات كقول الطاءي، قريب الندى نائي المحل كأنه، هلال قريب النور نائي منازله، ومثله للبحتري، كالبدر أفرط في العلو وضوءه، للعصبة السارين جد قريب، وقال العباس أيضا، نعمة كالشمس لما طلعت، ثبت الإشراق في كل بلد، وقال أيضا البحتري، عطاء كضوء الشمس عم فمغرب، يكون سواء في سناه ومشرق،
أمهجن الكرماء والمزري بهم ... وتروك كل كريم قوم عاتبا
أي تهجنهم لنقصنهم عن بلوغ كرمك وتتركهم عاتبين عليك لما يظهر من كرمك المزري بهم أو عاتبين على أنفسهم حيث لم يفعلوا ما فعلت وقد فسر هذا البيت بما بعده
شادوا مناقبهم وشدت مناقبا ... وجدت مناقبهم بهن مثاليا
أي لفضل مناقبك على مناقبهم صارت مناقبهم كالمثالب كما قال الطاءي، محاسن من مجد متى يقرنوا بها، محاسن اقوام تكن كالمعائب،
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا ... إنا لنخبر من يديك عجائبا
اظهر الإجابة اشارة إلى أنه بنداه مناد والراتب المقيم الثابت يقول أنت غيظ لهم دائم
تدبير ذي حنك يفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا
الحنك جمع حنكة وهي التجربة وجودة الرأي أي لك في الأمور تدبير مجرب يتفكر في العواقب وإذا هجمت هجمت هجوم الغر والمعنى أنه يفعل كلا في موضعه ونحو ذا قال الطاءي، ومجربون سقاهم من بأسه، فإذا لقوا فكأنهم أغمار، وقوله أيضا، كهل الأناة فتى الشداد إذا غدى، للحرب كان الماجد الغطريفا، وقال ايضا البحتري، ملك له في كل يوم كريهة، إقدام غر واعتزام مجرب،
وعطاء مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن تلاقي طالبا
عداه تجاوزه يقول لو لم يأتك طالب انفقت مالك في لقاء طالب
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
يقول سامحني في الثناء عليك فإني لست أقدر أن أثني عليك بقدر استحقاقك ثم ذكر عذره فقال
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
يقال دهش الرجل إذا تحير فهو مدهوش وأدهش غيره كما يقال حم الرجل وأحمه الله وزكم وأزكمه الله يقول لقد تحيرت في افعالك فلا أقدر أن أصفها وأثنى عليك بها وأقل من ذلك ما يدهش الملك الموكل بك لنه لم ير مثله من بنى آدم ولأنه لكثرته يعجز عن كتابته وقال يمدح عمر بن سليمان الشرابي وهو يومئذ يتولى الفداء بين الروم والعرب
نرى عظماً بالبين والصد أعظم ... ونتهم الواشين والدمع منهم
يقول نستعظم البين والصدود أعظم منه لان البين يقرب بقطع المسافة ومسافة الصدود لا يمكن تقريبها ونتهم الوشاة في إذاعة سرنا والجمع منهم لنه يفشى السر ويروى بالصد والبين أعظم لأنه يحتاج فيه إلى قطع مسافة والمعرض عنك يكون معك في البلد
ومن لبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم
يعني قلبه أسير غيره وهو دائم البكاء فالدمع يظهر سره
ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنا ظلت أبكى وتبسم
معناه أن الرقيب والبعد في غفلة عنا وقفت أبكى أسفا وهي تضحك هزأً وعجبا
فلم أر بدراً ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتاً يتكلم
ظلوم كمتنيها لصبٍ كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم
стр. 91
جعل نفسه في الدقة كخصرها وجعل ظلمها أياه كظلم متنيها لخصرها ثم وصف نفسه بضعف القوى والعادة جرت للشعراء بوصف الردف بالعظم والخصر بالهيف ولم يسمع ذكر سمن المتن وكثرة لحمه بل يصفون النصف الأعلى بالخفة والرشاقة وهو يقول متنها ممتلىء يظلم خصرها بتكليفه حمله والصحيح في هذا المعنى قول خالد بن يزيد الكاتب، صبا كئيباً يتشكى الهوى، كما اشتكى خصرك من ردفكا،
بفرع يعيد الليل والصبح نير ... ووجه يعيد الصبح والليل مظلم
فلو كان قلبي دارها كان خالياً ... ولكن جيش الشوق فيه عرمرم
أثاف بها ما بالفؤاد من الصلى ... ورسم كجسمي ناحل متهدم
أثاف جمع أثفيه وهي الحجر ينصب تحت القدر قال الأخفش واجمعت العرب على تخفيف أثاف والصلى والاصطلاء بالنار وإذا فتحت الصادر قصر وإذا كسرت مد والتقدير أثاف بها من الصلاء ما بالفواد يعني أن النار احرقتها وأثرت فيها كما أحرق الشوق والحب قلبي
بللت بها ردني والغيم مسعدي ... وعبرته صرف وهي عبرتي دم
يعني بكيت أنا والغيم في الدار وكان دمعي ودمعه صافيا
ولو لم يكن ما انهل في الخد من دمي ... لما كان محمراً يسيل فأسقم
يقول لو لم يكن دمعي دما ما كان احمر وما كنت هزلت وسقمت بعده
بنفسي الخيال الزائري بعد هجعةٍ ... وقولته لي بعدنا الغمض تطعم
الهجعة الرقدة يقول غيرني الخيال الزائر وقال كيف تلتذ بالنوم بعدي
سلام فلولا البخل والخوف عنده ... لقلنا أبو حفص علينا المسلم
سلام من حكاية قولها أي قال لي الخيال معاتبا أتنام بعد مفارقتنا سلام أي عليك سلام ثم قال لولا أنه بخيل جبان لقلت أنه الممدوح اجلالا له واستعظاما وقال ابن جنى لولا خوفي من مفارقته او معاتبته ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته واخطأ في تفسيرهما لأنه جعل الخوف للمتنبي وإن لا حقيقة لزيارته لايكون بخلا والمرأة توصف بالجبن والبخل ويقال أن هذين من شر أخلاق الرجال وهما من خير أخلاق النساء
محب الندى الصابي إلى بذل ماله ... صبوا كما يصبو المحب المتيم
وأقسم لولا أن في كل شعرة ... له ضيغما قلنا له أنت ضيغم
المعنى أنه يزيد على الأسد قوة وشجاعة بعدد شعر بدنه ولولا ذلك لقلنا أنه أسد ثم أكد هذا فقال
أننقصه من حظه وهو زائد ... ونبخسه والبخس شيء محرم
يعني أنه زاد على الأسد شجاعة ثم إن جعلناه كالأسد كنا قد نقصنا حظه لنه يستحق أكثر منه
يجل عن التشبيه لا الكف لجةٌ ... ولا هو ضرغام ولا الرأي مخذم
يقول هو أجل من أن يشبه كفه بالبحر وهو بالأسد ورأيه بالسيف
ولا جرحه يؤسى ولا غوره يرى ... ولا حده ينبو ولا يتثلم
عطف لا في قوله ولا في جرحه يؤسى على لا في البيت قبله في ظاهر اللفظ لا في المعنى لأنّ قوله لا الكف لجة يريد أن فيها ما في اللجة وزيادة عليه وكذلك ما بعده في هذا البيت وقوله ولا جرحه يؤسى ليس يريد أنه يؤسى ويزاد عليه فهو في هذا ينفي في اللفظ والمعنى جميعا وفيما قبل مثبت في المعنى ما نفاه لفظا والمعنى أن جرحه أوسع من أن يعالج لأنه لا يبرأ بالعلاج ولا يرى غور جرحه لعمقه ويجوز أن يكون المعنى ولا غور الممدوح يرى أي يعلم أي أنه بعيد الغور في الرأي والتدبير ولا يدرك غوره واستعار له حدا لمضائه ونفاذه في الأمور وجعل حده غير ناب ولا متثلما لحدته
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
أظهر التضعيف من حالل للضرورة كقول الراجز، يشكو الوجى من أظلل وأظللن
ولا يرمح الأذيال من جبرية ... ولا يخدم الدنيا وإياه تخدم
الجبرية الكبر يقول لا يختال في مشيته فيرمح ذيل ثوبه يقال للمختال أنه ليرمح الأذيال إذا طال ذيله ولم يرفعه وضربه برجله ومنه قول القحيف العقيلي، يقول لي المغني وهن عشية، بمكة يرمحن المهذبة السحلا،
ولا يشتهى يبقى وتفنى هباته ... ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
يقول لا يحب أن يبقى ولا عطاء له أي إنما يحب البقاء ليعطي فإذا لم يكن له عطاء لم يحب البقاء ولا يحب أن يسلم في نفسه مع سلامة الأعداء منه أي أنه يحب أن يقتلهم وأن كان في ذلك هلاكه
ألذ من الصهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسر تلقاه معدم
стр. 92
أي ذكره على الألسنة الذ من الخمر مزجت بالماء وأحسن من اليسر عند المعدم
وأغرب من عنقاء في الطير شكله ... وأعوز من مسترفد منه يحرم
مثله في الناس أغرب من العنقاء في الضير وأشد إعوازا وأقل وجودا من سائل منه شيئا يحرمه ولا يعطيه أي فكما أن هذين لا يوجدان كذلك نظيره ومثله
وأكثر من بعد الأيادي أياديا ... من القطر بعد القطر والوبل مثجم
سنى العطايا لو رأى نوم عينه ... من اللوم آلى أنه لا يهوم
التهويم إختلاس أدنى النوم يقول لو كان النوم الذي لابد منه للإنسان لؤما حلف أنه لا ينام
ولو قال هاتوا درهما لم أجد به ... على أحد أعيى على الناس درهم
يعني أن جميع ما في أيدي الناس من الدراهم كلها من عطايا حتى لو طلب درهما ليس من عطائه لأعجز الناس وجوده
ولو ضر مرأ قبله ما يسره ... لأثر فيه بأسه والتكرم
يقول لو كان السرور يضر أحدا لكان قد ضره بأسه وكرمه
يروي يكأ لفرصاد في كل غارة ... يتامى م الأغماد بيضا ويؤتم
يعني بدم كالفرصاد وأراد باليتامى السيوف التي تفارق أغمادها فلا ترجع إليها وهي تؤتم الأولاد من الآباء بقتل الآباء ويروي تنضي وتؤتم بالتاء
إلى اليوم ما حط الفداء سروجه ... مذ الغزو سار مسرج الخيل ملجم
قالواأنه يتولى فداء الأسارى يقول هو مشتغل بعمله ما حط الفداء سروجه أي أنه يذهب إلى الروم ويفادي الأسارى وليس في هذا مدح وإنما المعنى أنه لا يقبل الفداء وإن لا يغزو وقوله مذ الغزو والغزو مبتدأ محذوف الخبر كأنه قال مذ الغزو واقع أو كائن وقوله سار خبر مبتدأ محذوف أي هو سار يعني الممدوح وما بعد هذا من الأبيات يدل على أن المعنى في الفداء ما ذكرنا
يشق بلاد الروم والنقع أبلق ... بأسيافه والجو بالنقع أدهم
إلى الملك الطاغي فكم من كتيبة ... تساير منه حتفها وهي تعلم
يقول كم كتيبة للروم عارضته في السير وهي تعلم أنه حتفها
ومن عاتق نصراتة برزت له ... أسيلة خد عن قليل ستلطم
يريد جارية عاتقا أي شابة بكرا والنصراتة تأنيث نصران برزت للممدوح أي خرجت عن سترها لأنها سبيت فهي تلطم وتهان وإن كانت حسنة الخد
صفوفا لليث في ليوث حصونها ... متون المذاكي والتوشيج المقوم
أي برزت صفوفا لأن عاتق ههنا في معنى جماعة كما تقول كم من رجل جاءني والمذاكي الخيل المسنة
تغيب المنايا عنهم وهو غائب ... وتقدم في ساحاتهم حين يقدم
إذا غاب عنهم لم يقتلهم فلم يموتوا فلم يموتوا وإن قدم إليهم أهلكهم فلذلك يقدم الموت معه
أجدك ما ينفك علن تفكه ... عم بن سليمان ومال تقسم
نصب أجدك على المصدر كأنه قال أتجد جدك ومعناه أبجد هذا منك هذا أصله ثم صار إفتتاحا للكلام وعم ترخيم عمر وهو لحن لأن الاسم الثلاثي لا يجوز ترخيمه لأنه على أقل الأصول عددا فترخيمه أجحاف به وإنما يجيزه الكوفيون ويروي ما تنفك بالتاء على الخطاب ومالا نصبا
مكافيك من أوليت دين رسوله ... يدا لا تؤدي شكرها اليد والفم
أي أرفق بنفسك فأنك تبذلها في الغزو فإن كنت لا ترحمها فإن الناس يرحمونك
محلك مقصود وشانيك مفحم ... ومثلك مفقود ونيلك خضرم
المفحم الساكت الذي لا يقدر على النطق يقول عدوك لا ينطق فيك بالعيب لأنه لا يجد لك عيبا يعيبك به والخضرم الكثير
وزارك بي دون الملوك تحرج ... إذا عن بحر لم يجز لي التيمم
يقولتحرجيعن قصد غيرك من الملوك حملني على زيارتك تم ضرب له المثل بالبحر ولغيره بالتراب ولا يجوز استعمال التراب عند وجود الماء كما قال الطاءي، لبست سواه أقواما فكانوا، كما أغنى التيم بالصعيد،
فعش لو فدى المملوك ربا بنفسه ... من الموت لم تفقد وفي الأرض مسلم
يقول لو قبل المملوك فداء عن مالكه ما فقدت وواحد من المسلمين حيٌّ أي أنهم كلهم مملوكون لك يغدونك بأنفسهم لو قبلوا منك فداء وهم مملوكون لك وقال يمدح عبد الواحد بن العباس بن أبي الأصبع الكاتب
أركائب الأحباب إن الأدمعا ... تطس الخدرد كما تطسن اليرمعا
الركائب جمع الركوب وهي ما يركب وتطس تدق والوطس الدق واليرمع حجارة رخوة
стр. 93
فاعرفن من حملت عليكن النوى ... وأمشين هوناً في الأزمة خضعا
أي أعرفن قدرها ولينها وقلة صبرها على احتمال الأنى حتى تمشين بها رويدا خضعا حتى لا تتأذى بسيركن وهذا كأنه تأديب للمطايا
قد كان يمنعني الحياء من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
أي كان الحياء غالبا للبكاء واليوم غلب البكاء الحياء
حتى كأن لكل عظم رنة ... في جلده ولكل عرقٍ مدمعا
يعني غلب البكاء حتى صارت حالتي بهذه الصفة والرنة فعلة من الرنين وهو صوت الباكي أي لكثرة رنيني كان كل عظم مني يرن رنينا ولكثرة بكاءي كان كل عرق لي يبكي
وكفى بمن فضح الجداية فاضحا ... لمحبه وبمصرعي ذا مصرعا
الجداية ولد الظبي يقول من فضح الجداية بحسنه كفى فاضحا لمن يحبه وكفى بمصرعي في حبه مصرعا يريد أنه غاية في الحسن وهو غاية في عشقه وحبه
سفرت وبرقعها الفراق بصفرة ... سترت محاجرها ولم تك برقعا
يقول سفرت عن وجهها للوداع وقد البسها وجد الفراق صفرة كأنها برقع يستر محاجرها وهي ما حول العين ولم تكن برقعا حقيقةً والمعنى أنها جزعت بسمطي لؤلؤ قد رصعا يقول كأن صفرتها والجمع فوقها ذهب مرصع باللآلىء
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا
يقول صارت الليلة بذوائبها الثلاث أربع ليالٍ لأن كل ذؤابة منها كأنها ليلة لسوادها
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
يجوز أن يريد بالقمرين القمر والشمس وهي وجهها وجعل وجهها شمسا في الحسن والضياء ويجوز أن يشبه وجهها بالقمر فهما قمران في وقت واحد وهذا كقول الآخر، وإذا الغزالة في السماء ترفعت، وبدا النهار لوقته يترحل، أبدت لوجه الشمس وجهاً مثلها، تلقى السماء بمثل ما تستقبل،
ردي الوصال سقى طلولك عارض ... لو كان وصلك مثله ما أقشعا
يريد سحابا يدوم ولا يتفرق يقول فلو كان وصلك مثله كان دائما لا ينقطع
زجل يريك الجو ناراً والملا ... كالبحر والتلعات روضاً ممرعا
زجل يسمع له زجل وهو الصوت يعني صوت الرعد ويملأ الجو ببرقه حتى يرى نارا ويملأ المتسع من الأرض ماء حتى يرى كالبحر ويمرع التلاع بمائه حتى تصير كالروض وهي مجاري الماء إلى الوادي
كبنان عبد الواحد الغدق الذي ... أروى وآمن من يشاء وأجزعا
الغدق الكثير الماء يشبه ذلك السحاب الذي وصفه ببنان الممدوح الكثير الندى
ألف المروة مذ نشا فكأنه ... سقى اللبان بها صبيا مرضعا
اللبان جمع لبن أي كأنه إذا بالمروة صغيرا وهذا من قول الطاءي، لبس الشجاعة إنها كانت له، قدما نشوء في الصبا وولودا،
نظمت مواهبه عليه تمائما ... فاعتادها فإذا سقطن تفزعا
من روى نظمت بضم النون فالمعنى أن هباته وما فعله من الأعطاء جعلت له بمنزلة التمائم التي تعلق على من خاف شيئا فإذا سقطت عنه عاد الخوف أي أنه ألف الأعطاء واعتاده حتى لو ترك ذلك كان بمنزلة من سقطت تمائمه ومن روى بفتح النون فقال ابن فورجة إنما يعني ما حصلت له المواهب من الحمد والأشعار وأدعية الفقراء فهو إذا لم يسمع ما تعود أنكر ذلك وكان كمن ألقى تميمته فيفزع
ترك الصنائع كالقواطع بارقا ... تٍ والمعالي كالعوالي شرعا
أي جعل نعمه وأياديه مشرقة لامعة معاليه منتصبة مرتفعة
متبسما لعفاته عن واضح ... تغشى لوامعه البروق اللمعا
يقول يتبسم للسائلين عن ثغر واضح يذهب لمعانه ضوء البرق
متكشفا لعداته عن سطوة ... لو حك منكبها السماء لزعزعا
يقال كشفته فتكشف المعنى أنه يظهر للاعداء سطوة لو زاحم منكبها السماء لحركتها أي أنه يجاهر الأعداء قدرةً عليهم ولا يكاتمهم العداوة فاستعار لسطوته منكبا لما جعلها تزاحم السماء لأن الزحام يكون بالمناكب
الحازم اليقظ الأعز العالم ال ... فطن الألد الأريجى الأروعا
الحازم ذو الحزم في أموره واليقظ الكثير التيقظ وهو الذي لا يغفل عن أموره والألد شديد الخصومة والأريحي الذي يرتاح للمعروف والكرم أي يهتز لهما ويتحرك والأروع الذي يروعك بجماله
الكاتب اللبق الخطيب الواهب ال ... ندس اللبيب الهبرزي المصقعا
стр. 94
يقال رجل لبق ولبيق وهو الخفيف والهبرزي السيد الكريم ومنه قول جرير، فقد ولي الخلافة هبرزي، ألف العيص ليس من النواحي، والمصقع الخطيب البليغ
نفس لها خلق الزمان لأنه ... مفنى النفوس مفرق ما جمعا
ويد لها كرم الغمام لأنه ... يسقى النفوس العمارة والمكان البلقعا
أي أنه يعطى كل أحد كما أن الغمام يسقى كل موضع والبلقع المكان الخالي الذي لا عمارة فيه وروى الخوارزمي بفتح العين وقال يعني القبيلة كأنه يسقى المكان الذي به الناس والخالي
أبدا يصدع شعب وفرٍ وافرٍ ... ويلم شعب مكارمٍ متصدعا
أي أبدا يفرق جميع المال بالعطاء ويجمع مفرق المكارم وقد جمع في هذا البيت بين التطبيق والتجنيس
يهتز للجدوى اهتزاز مهندٍ ... يوم الرجاء هززته يوم الوعا
الوعا الصوت في الحرب وتقدير البيت يهتز للجدوى يوم الرجاء اهتزاز مهند يوم الوعا
يا مغنياً أمل الفقير لقاؤه ... ودعاؤه بعد الصلاة إذا دعا
أقصر فلست بمقصر جزت المدى ... وبلغت حيث النجم تحتك فاربعا
قوله فلست بمقصر يحتمل أمرين احدهما أني أعلم أنك لا تقصر وإن أمرتك بالأقصار والآخر أنك وإن أقصرت الآن لست مقصرا لتجاوزك المدى وأراد فأربعن بالنون فوقف بالألف مثل لنسفعا ويقال ربع إذا كف
وحللت من شرف الفعال مواضعا ... لم يحلل الثقلان منها موضعا
وحويت فضلهما وما طمع امرء ... فيه ولا طمع امرء أن يطمعا
نفذ القضاء بما أردت كأنه ... لك كلما أزمعت أمراً أزمعا
يقول كأن القضاء لك لأنه نافذ على أرادتك فإذا أردت شيئا أراده
وأطاعك الدهر العصي كأنه ... عبد إذا ناديت لبى مرعا
العصي العاصي فعيل بمعنى فاعل يقول الدهر الذي لا يطيع أحدا اطاعك فيما أردت منه طاعة العبد السريع الأجابة
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت ... عن شاوهن مطي وصفي ظلعا
يقول غلبت مفاخرك مفاخر الناس حتى أفنتها وانصرفت عن غايتها مطايا وصفي ظالعة أي لم يبلغ قولي وصف مفاخرك وهذا من قول أبي تمام، هدمت مساعيه المساعي وانثنت، خطط المكارم في عراض الفرقد
وجرين جرى الشمس في أفلاكها ... فقطعن مغربها وجزن المطلعا
يقول جرت مفاخرك في الأرض جرى الشمس في الفلك حتى جاوزت المشرق والمغرب
لو نيطت الدنيا بأخرى مثلها ... لعممتها وخشيت أن لا تقنعا
يقول لو قرنت الدنيا بدنيا أخرى وضمنت إليها لعممتها بهمتك وسعة صدرك وخفت أن لا تقنع بها لأن همتك تقتضي فوقها ومن روى عممنها بالنون عني المفاخر وكذلك وخشين
فمتى يكذب مدع لك فوق ذا ... والله يشهد أن حقاً ما أدعى
شهادة الله له بذلك ما خلق في الممدوح من علو همته وكان الوجه أن يقال أن ما أدعى حق فجعل الخبر الذي هو نكرة في موضع الأسم ونصبه بأن وجعل الأسم الموصول في محل الخبر وذلك جائز في ضرورة الشعر
ومتى يؤدي شرح حالك ناطق ... حفظ القليل النزر مما ضيعا
أي حفظ القليل من جنس ما ضيعه لأن المحفوظ لا يكون من المضيع ولكن يكون من جنسه وعنى بهذا نفسه يريد أنه إنما يحفظ القليل من أحوال مفاخره لأنها أكثر من أن يمكنه حفظها
إن كان لا يدعى الفتى إلا كذا ... رجلاً فسم الناس طرا إصبعا
يقول إن كان لا يدعي الفتى رجلا إلا إذا كان كهذا الممدوح فكلهم اصبع واحد أي إذا استحق هو أسم الرجل استحقوا أن يسموا اصبعا لأنهم بالقياس إليه كالأصبع من الرجل وروى الخوارزمي أضبعا جمع الضبع أي لأنهم كلهم بالأضافة إليك ضباع
إن كان لا يسعى لجود ماجد ... إلا كذا فالغيث أبخل من سعى
يقول إن لم يصح سعى ماجد لجود حتى يفعل مثل فعلك فالغيث أبخل الساعين لبعد ما بينك وبينه ووقوعه دونك وجعل الغيث أبخل الساعين مبالغة كما قال، الجو أضيق ما لاقاه ساطعها، البيت
قد خلف العباس غرتك ابنه ... مرأي لنا وإلى القيامة مسمعا
يقول قد خلف أبوك غرتك يا ابنه فنحن نشاهدها الآن وسيبقى ذكرها إلى يوم القيامة واجتاز بمكان يعرف بالفراديس من أرض قنسرين فسمع زئير الأسد فقال
أجارك يا اسد الفراديس مكرم ... فتسكن نفسي أم مهان فمسلم
стр. 95
هذه عادة العرب يخاطبون الوحوش والسباع لأنهم يساكنونها في البرية يقول لأسود هذا المكان هل يكون من جاورك مكرما عزيزا فتسكن نفسي إلى جوارك أم يكون مخذولا مهانا
ورائي وقدامي عداة كثيرة ... أحاذر من لص ومنك ومنهم
أي إنما اطلب جوارك لآمن هؤلاء الذين أخافهم واحذرهم
فهل لك في حلفي على ما أريده ... فإني بأسباب المعيشة أعلم
يقول هل لك رغبة في عهدي وعقدي ما أريده من الجوار فإني اعلم من بأسباب المعيشة وهذا كالترغيب لها في جواره والحلف اسم من المحالفة وهو المعاقدة
إذا لأتاك الرزق من كل وجهةٍ ... وأثريت مما تغنمين وأغنم
يعني أن رغبت في جواري أقبل إليك الخير والرزق وكثر عندك المال مما تغنمينه من الصيد وأكسبه من المال والغنيمة وقال يمدح عبد الرحمن بن المبارك الأنطاكي
صلة الهجر لي وهجر الوصال ... نكساني في السقم نكس الهلال
يقول وصل الهجر بفراق الحبيب وهجر وصله أعاداني إلى السقم كما يعاد الهلال إلى المحاق بعد تمامه ويقال نكس المريض ينكس نكسا إذا أعيد إلى المرض بعد البرء والنكس الأسم
فغدا الجسم ناقصاً والذي ين ... قص منه يزيد في بلبالي
البلبل الهم والحزن يقول ما ينقص من الجسم يزيد مثله في الحزن فمقدار زيادة الحزن بمقدار نقصان الجسم
قف على الدمنتين بالدو من ر ... يا كخالٍ في وجنةٍ جنب خال
الدمنة ما أسود من آثار الدار والدو الصحراء الواسعة وقوله من ريا أي من دمن ريا كما قال، أمن أم أوفى دمنة لم تكلم، وريا اسم امرأة شبه دمنتيها بخالين في خد
بطلول كأنهن نجوم ... في عراصٍ كأنهن ليالي
يقول قف بطلول لائحات كالنجوم في عراص دراسة والمعنى أن الطلول تلوح في العراص كما تلوح النجوم في الليالي
ونؤي كأنهن عليه ... ن خدام خرس بسوق خدال
نؤى جمع نؤى وهنو نهير يحفر حول البيت يقيه ماء المطر إن يدخله وأصله نؤوي من باب حقو وحقي ودلو ودلي الخدال الغلاظ السمان جمع خدلة شبهها في استدارتها بالخلاخيل على الأسوق الغليظة وإذا غلظت الساق لم يتحرك فيها الخلخال فلم يسمع له صوت وهذا اخبار أن النؤى لم تندفن في التراب وإن ما أحدقت به ملأها كما تملأ كل الساق الخدلة الخدمة وهذا من قول أبي تمام، أثافٍ كالخدود لطمن حزنا، ونؤيٍ مثل ما انقصم السوار، فنقل اللفظ من السوار إلى الخدام وأصله من قول الأول، نؤي كما نقص الهلال محاقه، أو مثل ما قصم السوار المعصم،
لا تلمني فإنني أعشق العش ... اق فيها يا أعذل العذال
أي لا تلمني فيها أي في هواها
ما تريد النوى من الحية الذ ... واق حر الفلا وبرد الظلال
عنى بالحية نفسه يريد أنه كثير السفر قد تعود بحر الفلوات بالنهار وببرد الليل والليل ظل كله وهذا شكاية من الفراق وإنه مبتلي به
فهو امضى في الروع من ملك المو ... ت وأسرى في ظلمة من خيال
شبه نفسه بملك الموت لأنه يخوض غمار الحروب لأخذ الأرواح من غير خوف والخيال يوصف بالسري
ولحتفٍ في العز يدنو محب ... ولعمر يطول في الذل قالي
يقول هو محب للحتف في العز وإن دنا منه وقرب ومبغض للعمر في الذل وإن طال ذلك العمر يعني أن الموت في العز أحب إليه من الحياة في الذل
نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال
أراد من الجن فحذف النون لسكونها وسكون اللام من الجن وهذا كما قالوا بلعنبر في بنى العنبر وبلقين في بنى القين والبيت من قول أبي تمام، في فتية إن سروا فجنٌّ، أو يمموا شقة فطير،
من بنات الجديل تمشي بنا في ال ... بيد مشي الأيام في الاجل
الجديل فحل كريم تنسب إليه الإبل أنها تقطع المفاوز قطع الأيام الآجال حتى تفنيها
كل هوجاء للدياميم فيها ... أثر النار في سليط الذبال
الهوجاء الناقة التي لا تستوي في سيرها لنشاطها وخفتها كالريح الهوجاء ولا يوصف به الذكر والسليط الزيت يقول كل ناقة أثرت فيها الدياميم تأثير النار في دهن الفتيلة
عامداتٍ للبر والبحر والضر ... غامة ابن المبارك المفضال
من يزره يزر سليمان في المل ... ك جلالاً ويوسفاً في الجمال
وربيعا يضاحك الغيث فيه ... زهر الشكر من رياض المعالي
стр. 96
جعله ربيعا وجعل عطاءه غيثا لذلك الربيع وجعل شكر الشاكرين زهرا يضاحك الغيث لأن الزهر إنما يتفتح ويحسن بعد مجيء الغيث كالشكر يكون بعد العطاء ثم استعار لمعاليه رياضا لتجانس الألفاظ وكان هذا الزهر قد طلع من رياض معاليه لنه لولا كرمه وحبه للجود ما أثنى عليه الشاكرون
نفحتنا منه الصبا بنسيم ... رد روحا في ميت الامال
يقال نفح المسك ينفح إذا فاحت ريحه وقوله منه يعني من الربيع الذي ذكر يقول ضربتنا الصبا من ذلك الربيع بنسيم أحيى آمالنا الميتة
هم عبد الرحمن نفع الموالي ... وبوار الأعداء والأموال
أكبر العيب عنده البخل والطع ... ن عليه التشبيه بالرئبال
والجراحات عنده نغمات ... سبقت قبل سيبه بسؤال
يقول عادته أن يعطي بغير سؤال فإن سبقت نغمة من سائل عطائه بلغ ذلك منه مبلغ الجراحة من المجروح
ذا السراج المنير هذا النقي ال ... جيب هذا بقية الأبدال
جعله سراجا منيرا لأن برأيه يهتدي في مشكلات الخطوب وظلمات الأمور أو بعلمه يهتدي إلى ما اشكل من مسائل الدين والنقي الجيب عبارة عن الطاعر من العيب يعني أن ثوبه لم يشتمل الجيب على دنس ولا خيانة والأبدال من الأنبياء ﵈ في إجابة دعواتهم ونصيحتهم للخلق وقيل لأنه إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر
فخذا ماء رجله وانضحا في ال ... مدن تأمن بوائق الزلزال
يخاطب صاحبيه يقول رشا الماء الذي يسيل من رجله إذا توضأ على المدائن تصر منه من الزلزال والزلزال بفتح الزاء الأسم وبالكسر المصدر ومنه قوله تعالى إذا زلزلت الأرض زلزالها
وأمسحا ثوبه البقير على دا ... ئكما تشفيا من الأعلال
أي استشفيا بثوبه تبركا به حتى تشفيا مما بكما من الأعلال والبقير القميص الذي لا كم له
مالئا من نواله الشرق والغر ... ب ومن خوفه قلوب الرجال
قابضاً كفه اليمين على الدن ... يا ولو شاء حازها بالشمال
نفسه جيشه وتدبيره النص ... ر وألحاظه الظبي والعوالي
يقول نفسه لشجاعته وقوته تقوم مقام الجيش وتدبيره لاصابته في الرأي يوجب له النصر وهيبته إذا نظر قامت مقام السيوف والرماح
وله في جماجم المال ضرب ... وقعه في جماجم الأبطال
قال ابن جنى أي يهب المال فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال وهذا فاسد وكلام من لم يعرف المعنى والرجل يوصف بضرب رؤوس الأعداء من حيث الشجاعة لا من حيث الجود والهبة والمعنى أنه يفرق ماله بالعطاء فإذا فنى المال أني أعداءه فضرب جاجمهم وأغار على أموالهم كما يقال هو مفيد ومتلاف فوقع ضربه في رؤوس أمواله يكون في الحقيقة في رؤوس الأبطال لأنه لو لم يفرق ماله ما عاد إلى قتالهم واستباحة أموالهم وهذا كقوله، فالسلم يكسر من جناحي ماله، بنواله ما تجبر الهيجاء،
فهم لاتقائه الدهر في يو ... م نزالٍ وليس يوم نزال
قال ابن جنى أي فهم الدهر يتقونه لاعماله رأيه ومضائه فيهم وإن لم يباشرهم بحرب ولا لقاء هذا كلامه وليس لاعمال الرأي ومضائه ههنا معنى إنما يقول هم أبدا يخافونه حتى كأنهم في يوم حرب لشدة خوفهم وليس الوقت يوم حربٍ
رجل طينه من العنبر الور ... د وطين الرجال من صلصال
أي أنه لنقائه وطهارته خلق من العنبر الذي يضرب لونه إلى الحمرة والناس خلقوا من طين يسمع له صلصلة
فبقيات طينه لاقت الما ... ء فصارت عذوبة في الزلال
يعني أن الماء إنما استفاد منه لأن ما بقي من طينه خلق منه اجتمع مع الماء فصار زلالا
وبقايا وقاره عافت النا ... س فصارت ركانة في الجبال
يقول وما بقي مما أعطى من الحلم والوقار كره أن يحل الناس فصار في الجبال ركانه وسكونا
لست ممن يغره حبك السل ... م وأن لا ترى شهود القتال
يقول لا يغرني ما أرى من محبتك الصلح وإنك لا ترى حضور الحرب فأقول أن ذلك من الجبن
ذاك شيء كفاكه عيش شاني ... ك ذليلاً وقلة الأشكال
ذاك إشارة إلى القتال يقول كفاك القتال أن من عاداك ذل فلم تحتج إلى قتاله وليس لك نظير يقاتلك
واغتفار لو غير السخط منه ... جعلت هامهم نعال النعال
стр. 97
الاغتفار افتعال من المغفرة يقال غفر له واغتفر يقول كفاك القتال عفوك وتجاوزك ولو غيرك السخط من ذلك الاغتفار كست رؤوس الأعداء بحوافر الخيل حتى تصير هامهم نعالا لنعالها والكناية في هامهم تعود إلى الأعداء ودل عليه قوله عيش شانيك
لجياد يدخلن في الحرب أعرا ... ء ويخرجن من دم في جلال
هذا البيت مضمن بالذي قبله لأن تمام الكلام نعال النعال لجياد وإعراء جمع عرى يقال فرس عريٌ وأفراس أعراء والمعنى أنها تدخل الحرب اعراء من الجلال ثم تخرج منها وعليها كالجلال من الدم الذي جف عليها كما قال، وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا، من الطعن حتى تحسب الجون أشقرا، ويبعد أن يقال أنها اعراء من السرج واللبد والجلال جمع جل ويقال إجلال أيضا وذكر سيبويه الجلال في الآحاد وقال في جمعه أجلة
واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال
يقول سيوفه مستعيرة معيرة فإن لون الذوائب وهو السواد ينتقل اليها وذلك إن الدماء إذا جفت عليها اسودت ولونها وهو البياض ينتقل إلى الذوائب فإنها بالروع تشيب الأطفال
أنت طوراً أمر من ناقع الس ... م وطوراً أحلى من السلسال
الناقع من السم الثابت في بدن شاربه لا يفارقه حتى يقتله والسلسال الماء العذب الذي يتسلسل في الحلق يقول أنت سم لاعدائك حلو لاولياءك وهذا المعنى يستعمل كثيرا قال أبو داود، فهم للملاينين أناة، وعرام إذا يرام العرام، وقال أيضا بشاء، يلين حينا وحينا فيه شدته، كالدهر يخلط ايساراً بإعسار، وقال أبو نواس، حذر أمرء نصرت يداه على العدي، كالدهر فيه شراسة وليان، ونقله أبو الشيص إلى السيف فقال، وكالسيف إن لاينته لأن متنه، وحداه إن خاشنته خشنان، وهذا المعنى أراد أبو الطيب في قوله، متفرق الطعمين، البيت
إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناس في موضع منك خالي
وقال يمدح أبا عليّ هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب
أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث أنت من الظلام ضياء
يقول أمن رقباءك أن تزوريني ليلا إذ حيث أنت ضياء بدلا من الظلام يعني في الليل وأنت ابتداء وضياء خبره وهما جملة أضيف حيث إليها ومن ههنا للبدل لأن الضياء لا يكون من نجنس الظلام ويروى إذ حيث كنت وعلى هذا ضياء ابتداء وخبره محذوف على تقدير حيث كنت من الظلام ضياء هناك وكان لا يحتاج إلى خبر لأنه في معنى حصلت ووقعت وإذا ظف لمن يقول امنوا ذاك حيث كنت بهذه الصفة ولم يفسر أحد من إعراب هذا البيت ما فسرته وكان هذا البيت بكرا إلى هذا الوقت والمعنى أنها لكونها نورا وضياء لا تخرج ليلا لأن الرقباء يشعرون بخروجها حين يرون الظلام ضياء وهذا من قول عليّ بن جبلة، بأبي من زارني مكتتما، حذراً من كل واشٍ فزعا، طارقا نم عليه نوره، كيف يخفى الليل بدراً طلعا، ثم قال أيضا، رصد الخلوة حتى أمكنت، ورعى السامر حتى هجعا، كابد الأهوال في زورته، ثم ما سلم حتى ودعا، ثم أكد هذا المعنى فزاد فيه وقال
قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء
стр. 98
قال ابن فورجة الهتك مصدر فعل متعد ولو أتى بمصدر لازم كان أقرب إلى الفهم كأنه قال انتهاكها ولكنه راعى الوزن وقوله ومسيرها مبتدأ معطوف على قلق وخبره محذوف للعمل به كأنه يقول ومسيرها بالليل هتك لها أيضا غذ كانت ذكاء ومثل هذا المعنى كثير في شعر المحدثين وقوله وهي مسك زيادة على كثير من الشعراء إذ لم يجعل هتكها من قبل الطيب الذي استعملته بل جعل نفسها مسكا وكأنه من قول امرء القيس، وجدت بها طيبا وإن لم تطيب، وقال آخر، وتوق الطيب ليلتنا، إنه واشٍ إذا سطعا، هذا كلامه ويريد بالقلق حركتها وخروجها والواو في وهي مسك وهي ذكاء للحال وذكاء اسم للشمس معرفة لا تنصرف وهو مثل خضارة وأسامة وهنيدة وشعوب ومن هذا المعنى قول البحتري، وحاولن كتمان الترحل بالدجى، فنم بهن المسك حتى تضوعا، وقوله أيضا، وكان العبير بها واشياً، وجرس الحلي عليها رقيبا، وقول آخر، فأخفوا على تلك المطايا مسيرهم، فنم عليهم في الظلام التبسم، وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع في قوله، ثلاثة منعتني من زيارتها، وقد دجا الليل خوف الكاشح الحنق، ضوء الجبين ووسواس الحلي وما، يفوح من عرق كالعنبر العبق، هب الجبين بفضل الكم تستره، والحلي تنزعه من الشأن في العرق،
أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فبه على خفاء
يقول إنما اتأسف على أنك شغلتني عن معرفة الأسف حتى خفى عليّ ما الأسف لأنك أذهبت عقلي وإنما تعرف الأشياء بالعقل والمدله الذي ذهب عقله والمعنى إني أحزن لذهاب عقلي لما لقيت في هواك من الشدة والجهد
وشكيتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء
الشكية كالشكاية يقول إنما اشكو عدم السقم لأن السقم إنما كان حين كانت لي أعضاء يحلها السقم فأحسه بأعضاءي فإذا ذهب بالإعضاء الجهد الذي اصابني في هواك لم يبق محل يحله السقم قد بين هذا المعنى أبو الفتح البستي في قوله، ولو أبقى فراقك لي فوادا، وجفناً كنت أجزع من سهاد، ولكن لا رقاد بغير جفن، كما لا وجد إلا بالفواد،
مثلت عينك في حشاي جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء
يقول لما نظرت إليّ صورت في قلبي مثال عينك جراحة تشبه عينك في السعة ولم يقل تشابهتها حملا على المعنى كأنه قال فتشابه المذكوران أو الشيئان أو ذهب بالعين إلى العضو وبالجراحة إلى الجرح كما قال، إن السماحة والمروة ضمنا، قبراً بمرو على الطريق الواضح، فذهب بالسماحة إلى السخاء وبالمروة إلى الكرم ولم يقل نجلاوان كان لفظ كلتا واحد مؤنث كقوله كلتا الجنتين أتت أكلها
نفذت عليَّ السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء
السابري الثوب الرقيق يقول نفذت عينك من ثوبي إلى قلبي فجرحته، وربما كان الرمح يندق فيه أي لا يصل إليّ ويندق قبل وصوله إليّ كما ذكرنا في قوله، طوال الردينيت يقصفها دمي، لأن هيبته في القلوب تمنع من نفوذ الرمح في قميصه ولأن الشجاع موقى ويجوز أن يريد بالسابري الدرع فيكون المعنى نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي يريد أن الدرع لم تحصنه من نظرتها وهي تحصنه من الرمح
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقت فإنني الجوازء
يقول إذا زوحمت لم يقدر على ازالتي عن موضعي كهذه الصخرة التي رسخت فلا تزول عن موضعها وإذا نطقت كنت في علو المنطق الجوزاء يريد أن كلامه علويّ ويقال أن الجوزاء بنت عطارد يقول مني يستفاد البراعات ويقتبس الفضل كما أن الجوزاء تعطى من يولد فيها البراعة والنطق
وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء
يقول إذا خفى مكاني على الجاهل فلم يعرف قدري ولم يقر بفضلي فأنا عاذر له لأن الجاهل كالأعمى والمقلة العمياء إن لم ترني كانت في عذر من عماها كذلك الجاهل
شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
стр. 99
قال ابن جنى من عادات الليالي أن توقع لناقتي الشك أصدري أوسع أم البيداء لما ترى من سعة قلبي وبعد مطلبي وهذا إنما يصح لو لم يكن في البيت بها وإذا رددت الكناية في بها إلى الليالي بطل ما قال لأن المعنى صدري بالليالي وحوادثها وما تورده علي من مشقة الأسفار وقطع المفاوز أوسع أم البيداء وناقتي تشاهد ما أقاسي في السفر وصبري عليه فيقع لها الشك في أن صدري أوسع أم البيداء وعلى هذا أفضي أفعل من الفضاء كما يقال أوسع وتشبيه الصدر في السعة بالمفازة عادة الشعراء كما قال أبو تمام، ورحب صدر لو أن الأرض واسعة، كوسعه يضق عن أهله بلد، وقال البحتري، مفازة صدر لو تطرق لم يكن، ليسلكه فردا سليك المقانب، وقال أيضا، كريم إذا ضاق الزمان فإنه، يضل الفضاء الرحب في صدره الرحب، وقال قوم الكناية تعود إلى الناقة ومعنى أفضى بها أي أداها إلى الهزال صدري أم البيداء فمرة تقول لولا سعة صدره من حيث الهمة وبعد المطلب لما أتعبني في السفر ومرة تقول البيداء هي التي تذهب لحمي وتؤديني إلى الهزال وعلى هذا افضى فعل ويجوز أن يكون إسما وإن عادت الكناية إلى الناقة فالمعنى أن ناقتي قوية نجيبة يضن بمثلها ولا تهزل في السفر وهي ترى إتعابي إياها وإسادي عليها في الأسفار فتقول صدره أوسع بي حيث طابت نفسه بغهلاكي أم البيداء أي لولا أن له صدرا في السعة كالبيداء لم تطب اوسع نفسه بإهلاكي والقول هو الأول في معنى البيت وهو رد الكناية إلى الليالي وأراد أصدري فحذف ألف الإستفهام لدلالة أم عليه ولم يشرح أحد هذا البيت كما شرحته
فتبيت تسئد مسئدا في نيها ... إسآدها في المهمة الإنضاء
الإسآد إسراع السير والني الشحم والسمن والإنضاء مصدر إنضاه ينضيه إذا هزله ومسئدا حال من الناقة وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء يقول تبيت ناقتي تسير سائرا في جسدها الهزال سيرها في المهمة وأقام الإنضاء مقام الهزال للقافية والإنضاء فعل أبي الطيب بها لأنه ينضيها وكان الأولى أن يجعل مكان الإنضاء مصدر فعل لازم فيكون أقرب إلى الفهم وتقدير البيت ومعناه تبيت هذه الناقة تسئد مسئدا الإنضاء في نيها إسآدا مثل إسآدها في المهمة ومسئد فعل للإنضاء وجرى حالا على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيها كما تقول مررت بهند واقفا عندها عمرو
أنساعها ممغوطة وخفافها ... منكوحة وطريقها عذراء
النسع سير كهيئة العنان يشد به الرحل والمغط المد وذلك كناية عن عظم بطن الناقة حين امتدت انساعها فطالت وخفافها منكوحة مثقوبة بالحصى وكنى بهذا عن وعورة الطريق وطريقها عذراء لم يسلك قبلها
يتلون الخريت من خوف التوى ... فيهاكما يتلون الحرباء
الخريت الدليل سمى خريتا لاهتدائه في الطرق الخفية كخرت الإبرة كأنه يعرف كل ثقب في الصحراء يقول الدليل الحاذق يتغير لونه من خوف الهلاك كما يتلون الحرباء وهي دابة تستقبل الشمس وتدور معها حيث دارت تتلون في اليوم الوانا كما قال ذو الرمة، غدا أكهب الأعلى وراح كأنه، من الضح واستقباله الشمس أخضر، والمعنى من قول هدبة، يظل بها الهادي يقلب طرفه، من الهول يدعو ويله وهو لاهف، وقال الطرماح، إذا اجتابها الخريت قال لنفسه، أتاك برجلي حائن بعد حائن،
بيني وبين أبي عليٍّ مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء
يقول بيني وبينه جبال مرتفعة مثله في العلو والوقار ورجاء عظيم مثل هذه الجبال فنصب مثلهن لان نعت النكرة المرفوعة إذا قدم عليها نصب على الحال منها كما تقول فيها قائما رجل كما قال ذو الرمة وهو من أبيات الكتاب، وتحت العوالي والقنا مستظلة، ظباء أعارتها العيون الجآذر،
وعقاب لبنان وكيف بقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء
يعني بيني وبينه عقاب هذا الجبل الذي يعرف بلبنان وهو جبل معروف من جبال الشام وكيف الظن بقطعها والوقت الشتاء والصيف مثل الشتاء
لبس الثلوج بها على مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء
لبس الشيء ولبسه إذا عماه ومنه قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون يقول أخفى الثلوج بهذه العقاب طرقى عليّ فلم أهتد فيها لكثرتها وبياضها والأسود لا يهتدي فيه يقول فكأنها أسودت لما لم يهتد فيها لبياضها
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماء
стр. 100
معنى هذا البيت متصل بالذي قبله لأنه يقول بياض الثلوج يعمى فقام مقام السواد والبياض إذا عمل عمل السواد فقد نقض العادة كذلك الكريم إذا أقام ببلدة تنقض العادة فيجعل الذهب سائلا ويجمد الماء وإنما قال هذا لأنه أتاه في الشتاء عند جمود الماء ولم يعرف أحد ممن فسر هذا الشعر معنى قوله وكذا الكريم والتشبيه فيه واتصاله بما قبله
جمد القطار ولو رأته كما ترى ... بهتت فلم تتبجس الأنواء
القطار جمع قطر والأنواء منازل القمر والعرب تنسب إليها الأمطار يقولون سقينا بنوء كذا ويريد بجمود القطار الثلوج جعلها كالمطر الجامد لما لم يسل يقول لو رأته الأنواء كما ترى القطار تحيرت في جوده ولم تتفتح بالثلج استعظاما لما يأتيه وخجلا من جوده ويروى كما رأى والصحيح كما ترى لأن القطار مؤنثة
في خطه من كل قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأن مداده الأهواء
يصفه بحسن الحظ يقول كأنه يستمد من اهواء الناس فهم يحبون خطه ويميلون إليه بقلوبهم ويجوز أن يكون هذا كناية عن وصفه بالجود يقول لا يوقع إلا بالنوال يميلون إلى خطه ويجوز أن يكون كناية عن طاعة الناس له أي أن كتبه تقوم مقام الكتائب لأن الناس يميلون إليه وينقادون له طبعا والأول الوجه
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعرا ء
يقول كل عين تقر بقربه ورؤيته وتتأذى بالغيبة عنه حتى كأنها تقذى إذا غاب الممدوح ولم تره فكأن غيبته قذى العيون والأقذاء جمع القذى والإقذاء مصدر اقذيت عينه أي طرحت فيه القذى
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعرا
من بمعنى الذي وليست استفهاما يقول هو الذي يهتدي فيما يفعل من المكارم والمساعي الجسيمة إلى ما لا يهتدي إليها الشعراء في القول حتى يفعل هو أي إنما يقتدون فيما يقولون من المدائح بأفعاله فإذا فعل هو تعلموا من فعله القول فحكموا من فعله القول فحكوا ما فعله وكان من حقه أن يقول لما لا يهتدي أو لى ما لا يهتدي لأنه يقال أهتديت أليه وله ولا يقال أهتديته ولكنه عداه بالمعنى لأن الاهتداء إلى اليء معرفة به كأنه قال من يعرف في الفعل ما لا يهتدي
في كل يوم للقوافي جولة ... في قلبه ولأذنه إصغاء
يعني أنه يمدح كل يوم فيعي ذلك في قلبه ويميل إليه بأذنه حبا للشعر وأعطاء الشعراء وهو قوله
وإغارة فيما احتواه كأنما ... في كل بيت فيلق شهباء
احتواه جمعه من ماله وملكه يقول للقوافي اغارة في ملاه كأنه كل بيت من بيوت الشعر كتيبة صافية الحديد
من يظلم اللوماء في تكليفهم ... أن يصبحوا وهم له أكفاء
اللؤماء جمع لئيم يقول هو الذي يظلم اللئام في تكليفهم أن يكونوا مثله لأنهم لا يقدرون على ذلك وليس في هذا مدح ولو قال الكرماء كان مدحا فإما إذا كان أفضل ن اللئام ولا يقدرونأن يكونوا أكفاءه فهذا لا يليق بمذهبه في إيثاره المبالغة وروى الخوارزمي من نظلم بالنون وقال إذا كلفنا اللئام أن يصيروا أكفاء له فقد ظلمناهم بتكليفهم ما لا يطيقون
ونذيمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
стр. 101
يقول نعيب اللئام وفضله إنما يعرف بهم لأن الأشياء إنما تتبين بأضدادها فلو كان الناس كلهم كراما مثله لم نعرف فضله وقال ابن جنى وهذا كقول المنبجي، فالوجه مثل الصبح مبيض، والشعر مثل الليل مسود، ضدان لما استجمعا حسنا، والضد يظهر حسنه الضد، قال وهذا البيت مدخول معيوب لأنه ليس كل ضدين إذا اجتماعا حسنا ألا ترى أن الحسن إذا قرن بالقبيح بأن حسن الحسن وقبح القبيح وبيت المتنبي سليم لأن الأشياء باضدادها يصح أمرها انتهى كلامه وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى قال أبو تمام، وليس يعرف طيب الوصل صاحبه، حتى يصاب بنأي أو بهجران، وقال أيضا، ألحادثات وإن أصابك بؤسها، فهو الذي أنابك كيف نعيمها، وقال أيضا، سمجت ونبهنا على استسماجها، ما حولها من نضرة وجمال، وكذاك لم تفرط كآبة عاطل، حتى يجاورها الزمان بحالي، قال أيضا البحتري، فقد زادها إفراط حسن جوارها، خلائق أصغار من المجد خيب، وحسن دراري الكواكب أن ترى، طوالع في داج من الليل غيهب، وقد ملح بشار في قوله، وكن جواري الحي ما دمت فيهم، قباحا فلما غبت صرن ملاحا، وأبو الطيب صرح بالمعنى وبين أن مجاورة المضادة هي التي تثبت حسن الشيء وقبحه ثم أخفاه في موضع آخر فقال، ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا، غفلنا فلم نشعر له بذنوب،
من نفعه في أن يهاج وضره ... في تركه لو تفطن الأعداء
يقول إذا هيج استباح حريم اعدائه وأخذ أموالهم فانتفع بها وإذا ترك من ذلك قلت ذات يده واستضر به فلو فطن اعداؤه بهذا لتاركوه فوصلوا بذلك إلى أذيته ألا تراه قال
فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء
لأنه في السلم يعطى فينتقص ماله وفي الحرب يأخذ مال أعدائه وهذا كقول بعضهم، إذا اسلفتهن الملاحم مغنما، دعاهن من كسب المكارم مغرم، وقال أيضا أبو تمام، إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر، أغارت عليه فاحتوته الصنائع،
يعطى فتعطى من لهي يده اللهى ... وترى برؤية رأيه الآراء
أي يكثر إذا أعطى حتى يعطى مما أخذ منه ورأيه جزل قوي تتشعب منه الآراء فإذا نظر الإنسان إلى رأيه وحزمه وعقله استفاد منه الآراء واللهي العطايا واحدتها لهوة وأصلها القبضة من الطعام تلقى في فم الرحى شبهت العطية بها
متفرق الطعمين مجتمع القوى ... فكأنه السراء والضراء
يقول فيه حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه وهو مع ذلك نسان واحد وقواه مجتمعة غير متباينة وأول هذا المعنى للبيد، ممقر مر على أعدائه، وعلى الأذنين حلو كالعسل، ثم تبعه الآخرون فقال المسيب بن علس، هم الربيع على من ضاف أرحلهم، وفي العدو مناكيد مشائيم، وقال علاقة بن عركي، وكنتم قديما في الحروب وغيرها، ميامين في الأدنى لأعدائكم نكد، وقال كعب ابن الأجذم، بنو رافع قوم مشائيم للعدى، ميامين للمولى وللمتحرم، وقال النابغة الجعدي، فتى كان فيه ما يسر صديقه، على أن فيه ما يسوء الأعاديا، قال ابن فورجة مجتمع القوى يعني قوي العزائم والآراء وأنكر القول الأول وهو قول ابن جنى
وكأنه ما لا تشاء عداته ... متمثلا لوفوده ما شاءوا
يقول كأنه صور على ما يكرهه الاعداء وفي حال تمثله لوفوده وهم الذين يفدون عليه ويرجون نواله كما شاءوا
يا أيها المجدي عليه روحه ... إذ ليس يأتيه لها استجداء
يقول يا من روحه موهوب عليه منه إذا لم يسأل روحه يعني أنه لو سئل الروح لبذلها فإذا لم يسأل فكأنه وهب روحه عليه وهذا من قول بكر بن النطاح، ولو لم يكن في كفه غير روحه، لحاد به فليتق الله سائله، ثم نقل أبو الطيب المعنى من الروح إلى الجسم فقال، لو اشتهت لحم قاريها لبادرها، ثم غيره بعض التغيير فقال، ملت إلى من يكاد بينكما، إن كنتما السائلين ينقسم، ثم اخفاه فقال، إنك من معشر إذا وهبوا، من دون أعمارهم فقد بخلوا،
إحمد عفاتك لا فجعت بفقدهم ... فلترك ما لم يأخذوا إعطاء
هذا البيت اتمام للمعنى وتأكيد له يقول اشكر سائلك ودعا له بإن لا يفجع بفقدهم لحبه العطاء والسائلين ويروى بحمدهم لأنه يريد لا قطع الله شكرهم عنك
لا تكثر الأموات كثرة قلة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء
стр. 102
قوله كثرة قلة أي كثرة تحصل عن قلة وهي قلة الأحياء يقول إنما تكثر الأموات إذا قلت الأحياء فكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة وقوله شقيت بك الأحياء قال ابن جنى يريد شقيت بفقدك فحذف المضاف والمعنى على ما قال لا تصير الأموات كثر من الأحياء إلا إذا مت يعني إذا مات الممدوح وصار في عسكر الموتى كثر الأموات به لأنه يصير في جانبهم وهذا فاسد لشيئين أحدهما أنه إذا أراد بالأموات القتلى لا الذين ماتوا قبل الممدوح ومعنى شقيت بك أي بغضبك وقتلك أياهم يقول لا تكثر القتلى إلا إذا قاتلت الأحياء وشقوا بغضبك فإذا غضبت عليهم وقاتلتهم قتلت كلهم فزدت في الأموات زيادةً ظاهرةً ونقصت من الأحياء نقصا طاهرا ولم يفسر أحد هذا البيت كما فسرته
والقلب لا ينشق عما تحته ... حتى تحل به لك الشحناء
قال ابن جنى يقول لا ينصدع قلب أحد حتى يعاديك فيضمر لك عداوة فإذا تأمل ما جنى على نفسه من عداودته أياك انشق قلبه فمات خوفا وجزعا هذا كلامه ولم يفسر قوله عما تحته والمعنى عما فيه من الغل والحسد أي أنه وإن أضمر لك الغل والحسد لم ينشق قلبه فإذا اضمر لك العداوة انشق قلبه وبأن عدو لك والشحناء من المشاحنة وهي المعاداة ملأ القلب من الشحن
لم تسم يا هارون إلا بعد ما اق ... ترعت ونازعت اسمك الأحاء
يقول لم تسم بهذا الأسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء فكل أراد أن يسمى به فخرا بك
فغدوت واسمك فيك غير مشارك ... والناس فيما في يديك سواء
أي لم يشارك اسمك فيك لأنه لا يكون للأنسان أكثر من اسم واحد والناس في مالك سواء لأنهم كلهم قد تساووا في الأخذ منك ولا تخص أحدا دون غيره بالعطاء
لعممت حتى المدن منك ملاء ... ولفت حتى ذا الثناء لفاء
أي عم برك وشاع ذكرك حتى امتلأت بك البلاد فأنت تذكر بكل موضع ويوجد بكر بكل مكان وسبقت ثناء المثنين عليك حتى هذا الثناء خسيس حقير في استحقاقك واللفاء الخسيس الذي هو دون الحق
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى ومن السرور بكاء
يقول بلغت من الجود أقصاه وغايته وكدت تحول أي ترجع عن آخره لما انتهيت فيه إذ ليس من شأنك أن تقف في الكرم على غاية ولا موجود من الجود بعد بلوغك نهايته قوله للمنتهى أي من أجل المنتهى وهو مصدر كالأنتهاء ثم أكد هذا المعنى بقوله ومن السرور بكاء أي إذا تناهى الإنسان في السرور بكى
أبدات شيئا منك يعرف بدؤه ... وأعدت حتى أنكر الإبداء
يقود ابتدأت من الكرم ما لم يعرف ابتداؤه إلا منك لعظم ما أتيت به ثم اتبعت ذلك من الزيادة فيه بما عفى على الأول ونساه لأنه في كل وقت يحدث له ضربا من الكرم ينسى له الأول
فالفخر عن تقصيره بكل ناكب ... والمجد من أن تستزاد براء
يقول لم يقصر بك الفخر عن غاية بل قد أعطاك مقادته وأركبك ذروته وبلغتك غايته والمجد بزي من أن تستزاد مجدا لنك في الغاية منه والتاء للمخاطبة ومعنى ناكب عادل
فإذا سئلت فلا لأنك محوج ... وإذا كتمت وشت بك الآلاء
يقول إذا سئلت فليس لأنك أحوجت إليه ولكن تسال لأنك تحب نغمة السائلين أو لأنك تحتاج أن تعرف تفصيل حوائج الطالبين أو تشرفا بسؤالك وإذا كتمت أي حجبت عن أبصار الناس دلت عليك نعمك وصنائعك كما قال، من كان ضوء جبينه ونواله، لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر،
وإذا مدحت فل لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء
يقول بلغت من الرفعة غاية لا تزداد يمدح المادحين علوا ولكنك تمدح ليؤخذ منك العطاء وليعد الشاعر من جملة مداحك كالشاكر لله تعالى يثني عليه ليستحق به أجرا ومثوبة
وإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب وتمطر الدأماء
يقول لست تمطر لاجداب محلك ولكن كما يمطر المكان الخصيب وكما يمطر البحر على كثرة مائه
لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرخضاء
يقول ليست تحكى السحاب بمائها عطاءك المتتابع فإنه أكثر من مائها وأغزر ولكنها حمت حسدا لك فما ينصب من مطرها إنما هو عرق حماه والصبيب المصبوب والرحضاء عرق الحمى وقد قال أبو نواس، إن السحاب لتستحيي إذا نظرت، إلى نداك فقاسته بما فيها،
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
стр. 103
أي لوقاحتها تطلع عليك وإلا فلا حاجة إليها مع وجهك
فبأيما قدم سعيت إلى العلي ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء
هذا استفهام معناه التعجب من سعيه إلى العلا وبلوغه منها حيث لم يبلغه أحد وما صلة ثم دعا له بأن يكون وجه الهلال نعلا لاخمصيه يعني أن قدما بلغ سعيها هذا المبلغ استحق أن يكون الهلال نعلا لها والأدم جمع أديم وأديم كل شيء ظاهره
ولك الزمان من الزمان وقاية ... ولك الحمام من الحمام فداء
أي ليهلك الزمان ون هلاكك وليمت الموت دون موتك
لو لم تكن من ذا الورى الذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
اللذ لغة في الذي يقول لو لم تكن من هذا الورى الذي كأنه منك لأنك جماله وشرفه وافضله لكانت حواء في كم العقيم التي لم تلد ولكن بك صار لها ولد وقال يصف كلبا أرسله أبو عليّ الأوارجي على ظبي فصاده وحده
ومنزل ليس لنا بمنزلِ ... ولا لغير الغاديات الهطل
يقول رب منزل نزلناه ليس لنا بمنزل في الحقيقة لأنا نرتحل عنه وليس بمنزل لشيء غير الساحابات الباكرة الماطرة يعني روضا نزلوه وهو معنى قوله
ندى الخزاميى ذفر القرنفل ... محلل ملوحش لم يحلل
الندى الرطب والخزامى والقرنفل نبتان والذفر الذي الرائحة والمحلل الذي كثر به الحلول يقول هو محلل من الوحش غير محلل من الأنس وهذا من قول امرء القيس، غذاها نمير الماء غير محلل،
عن لنا فيه مراعي مغزل ... محين النفس بعيد الموئل
تقول راعت الظبية اختها إذا رعت معها والمغزل الظبية ذات الغزال يقول ظهر لنا في هذا المكان ظبي يرعى مع ظبية ذات غزال محين مهلك النفس يقال حينه الله أي أهلكه والموئل المنا من قولهم وآل إذا نجا يقول هو بعيد المنجا لأنه لا ينجو من صيدنا أياه
أغناه حسن الجيد عن لبس الحلى ... وعادة العري ن التفضل
أغنى هذا الظبي حسن جيده عن أن يلبس حليا يتزين بها وتعود العرى فلا يحتاج إلى لبس الفضل وهو البذلة من الثوب ومنه قول امرء القيس، نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل،
كأنه مضمخ بصندل ... معترضاً بمثل قرن الأيل
شبه لونه بلون الصندل وهونوع من الطيب يشبه لونه لون الظباء يقول اعترض لنا بقرن طويل كقرن الأيل وهي الشاة الوحشية ويروي الأيل بالضم قال ابن جنى ولا أعرف هذا ولا يصح
يحلو بين الكلب والتأمل ... فحل كلابي وثاق الأحبل
أي لسرعته لا يتمكن الكلب من النظر إليه وأراد بالوثاق ما يشد به الكلب
عن أشدق مسوجرٍ مسلسل ... أقب ساط شرس شمردل
أي عن كلب أشدق وهو الواسع الشدق والمسوجر الذي له ساجور وهو قلادة الكلب التي فيها مسامير والمسلسل الذي في عنقه سلسلة والأقب الضامر والساطي الذي يسطو على الصيد أي يصول عليه وقال ابن جنى هو البعيد الأخذ من الأرض والشرس العضوض السيء الخلق والشمردل الطويل
منها إذا يثغ له لا يغزل ... موجد الفقرة رخو المفصل
منها من الكلاب إذا يثغ من الثغاء وذلك أن الكلب إذا جنا من الظبي وكاد يأخذه ثغا في وجهه ثغاء فغزل الكب غزلا أي تحير ووقف مكانه من صور الغزال يقول هذا الكلب لا يفرق من صوت الغزال وهو قوي الظهر لين المفصل وذلك أسرع لأخذه
له إذا أدبر لحظ المقبل ... كأنما ينظر من سجنجلِ
أي إذا أدبر يرى كما يرى المقبل من قدامه وذلك لسرعة التفاته وشبه صفاء حدته بالمرآة
يعدو إذا أحزن عدو المسهل ... إذا تلى جاء المدى وقد تلي
يعدو في الحزن من الأرض عدو الذي هو في السهل لقوة قوائمه وإن تبع سائر الكلاب بلغ الغاية وهو متلو أي متبوع لسرعته وقد تقدم الكلاب وكان في أول العدو تابعا
يقعى جلوس البدوي المصطلي ... بأربعٍ مجدولةٍ لم تجدلِ
الإقعاء أن يجلس الكلب على اليته والبدوي إذا اصطلى بالنار أقعى على استه ونصب ركبتيه لتصل الحرارة إلى بطنه وصدره والمجدولة المفتولة يريد بقوائم محكمة الخلق من جدل الله لا من جدل الله لا من جدل الادميين
فتل الأيادي ربذات الأرجل ... آثارها أمثالها في الجندل
стр. 104
فتل الأيادي من نعت الأربع يقول بأربع فتل الأيادي وله يدان فذكرهما بلفظ الجمع وكذلك الأرجل والمعنى أن يديه فتلتا عن الكركرة حتى لا تمساها عند العدو وذلك مما يحمد في الأبل والربذات والخفيفات يريد أنها شديدة الوطإ لقوتها وإذا وطئت الحجارة أثرت فيها كأمثال مواطىء قوائمها ومخالبها
يكاد في الوثب من التفتل ... يجمع بين متنة والكلكل
التفتل كالانفتال يصف سرعة تفتله وانقلابه للين اعطافه حتى يكاد أن يجتمع صدره وظهره في حالة واحدة
وبين أعلاه وبين الأسفل ... شبيه وسمى الحضار بالولي
يريد بالأعلى رأسه وبالأسفل رجليه والحضار العدو الشديد يقول عدوه الثاني في القوة والسرعة كالعدو الأول أي أنه لا يعي ولا يفتر
كأنه مضبر من جرول ... موثق على رماحٍ ذبلِ
المضبر المحكم المشدود والجرول الحجارة يقول كان خلقه أحكم من الحجارة وعنى بالرماح الذبل قوائمه اللينة
ذي ذنب أجرد غير أعزل ... يخط في الأرض حساب الجمل
كلاب الصيد تكون جردا ليست بكثيرة الشعر والأعزل الذي لا يكون ذنبه على استواء فقاره وذلك عيب في الكلاب والخيل ولذلك قال امرء القيس، بصافٍ فويق الأرض ليس بأعزل، وإذا لم يكن اعزل كان اشد لمتنه يقول آثار ذنبه في الأرض كآثار الكاتب إذا كتب حساب الجمل
كأنه من جسمه بمعزل ... لو كان يبلي السوط تحريك بلى
قال ابن جنى يقول هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه ويتميز عنه فقد لاذ في هذا بقول ذي الرمة إلا أنه تجاوزه، لا يذخران من الإيغال باقية، حتى تكاد تفري عنهما الأهب، وبقول أبي نواس، تراه في الحضر إذا هاب به، يكاد أن يخرج من إهابه، فهذا ذكر الجلد وهو ذكر جميع الجسد انتهى كلامه وقد جعل ابن جنى كأنه من جسمه من صفة الكلب على ما فسر وهو من صفة ذنبه يقول كأن الذنب متنحٍ متباعد عن جسمه لأنه يتلوى في عدوه أخف تلو فكأنه غير متصل بجسمه ألا ترى أنه قال لو كان يبلى السوط وهذا من صفة الذنب وجعله أبو الفتح من صفة الكلب أيضا وقال أي هو كالسوط في الصلابة والجدل فلا يؤثر فيه العدو وكما لا يؤثر في السوط التحريك وليس على ما قال والمعنى أ، الكلب يكثر تحريك ذنبه ثم لا يبليه كثرة تحريكه إياه كما أن السوط يكثر تحريكه ولا يبليه التحريك
نيل المنى وحكم نفس المرسل ... وعقلة الظبي وحتف التتفلِ
أي ينال الصائد مناه والذي يرسله على الصيد يدرك به حكم نفسه والعقلة القيد وما يعتقل به المحبوس وهذا كقول امرء القيس في صفة الفرس، بمنجرد قيد الأوابد هيكل، والتتفل ولد الثعلب يعني أنه يدرك الظبي فيحبسه عن العدو ويدرك ولد الثعلب فيهلكه
فانبريا فذين تحت القسطل ... قل ضمن الآخر قتل الأولِ
انبريا اعترضا للناظرين فدين منفردين يعني الكلب والظبي يريد أنه لم يكن مع الكلب كلب آخر ولا مع الظبي ظبي آخر وأراد بالقسطل الغبار الذي ثار من عدوهما وعنى بالآخر الكلب وبالأول الظبي لأنه كان سابقا بالعدو وضمان الكلب شدة حرسه وعدوه وخلفه فجعل ذلك ضمانا منه
في هبوة كلاهما لم يذهل ... لا يتلي في ترك أن لا يأتلي
الهبوة الغبرة يقول كل واحد من الكلب والظبي لم يشتغل عن صاحبه فالظبي مجد في الهرب والكلب مجد في الطلب ولا يقصر الكلب في ترك التقصير والألو والايتلا التقصير ولا زيادة في أن لا يأتلي وهي تزاد في مواضع كثيرة وإذا لم يقصر في ترك التقصير فقد جد
مقتحما على المكان الأهول ... يخال طول البحر عرض الجدول
الاقتحام الدخول في الأمر الشديد قال ابن جنى أي حاملا نفسه على الأمر العظيم يعني أخذ الظبي جعل المكان الأهول أخذ الظبي وليس على ما زعم لأن أخذ الكلب الصيد ليس بالأمر الأهول بل هو ما ذكره من قوله يخال طول البحر يقول هذا الكلب في وثوبه وسرعة عدوه يقتحم فيما يتقبله من هول حتى لو استقبله بحر ظن طوله عرض جدول فوثب إلى الشط الآخر كما يثب إذا قطع عرض النهر
حتى إذا قيل له نلت أفعل ... إفتر عن مدروبة كالأنصلِ
حتى إذا دنى الكلب من الصيد قيل له أدركت فافعل ما تريد فعله من القبض عليه كشر عن أنياب محدودة كأنها نصول
لا تعرف العهد بصقل الصقيل ... مركبات في العذاب المنزل
стр. 105
يقول لم تصقل هذه الأنياب ولا عهد لها بالصقل وعنى بالعذاب المنزل خطمه فإنه كالعذاب المنزل على الصيد
كأنها من سرعة في الشمأل ... كأنها من ثقل في يذبل
أي كان الأنياب مركبة في الريح الشمأل من خفة الكلب وسرعته في العدو وكأنها من ثقل الكلب على الصيد في الجبل جعل الكلب في خفة العدو كالريح وفي ثقله على الصيد كالجبل
كأنها من سعة في هوجل ... كأنه من عمله بالمقتل
يريد سعة في فمها أي كأن الأنياب من سعة فمها في هوجل وهو الأرض الواسعة وكان الكلب من علمه بمقتل الصيد
علم بقراض فصاد الأكحل
نقد الصاحب على المتنبي هذا البيت فقال لس الأكحل بمقتل لأنه من عروق الفصد وهو يصف الكلب بالعلم بالمقتل وهذا خطأ ظاهر قال القاضي أبو الحسن لم يخطىء المتنبي لأن فصد الأكحل من أسهل أنواع الفصد فإذا احتاج بقراط إلى تعلم فصد الأكحل منه فهو إلى تعلم غيره أحوج وهذا ليس بجواب شافٍ والجواب أن الكلب إذا كان عالما بالمقاتل كان عالما أيضا بما ليس بمقتل وإنما يحتاج بقراط إلى تعلم ما ليس بمقتل فلذلك ذكر المتنبي فصد الأكحل في تعليم بقراط
فحال ما للقفز للتجدل ... وصار ما في جلده في المرجل
حال أي أنقلب والقفز الوثوب والتجدل السقوط على الجدالة وهي الأرض يقال جدلته فتجدل وما للقفز يجوز أن يريد به قوائمه يقول صارت قوائمه التي كانت للوثوب للسقوط في التراب يعني أنه فحص بقوائمه الأرض لما أخذه الكلب ويجوز أن يريد به الظبي أي صار الظبي الذي كاني قفز إلى التجدل
فلم يضرنا معه فقد الأجدل ... إذا بقيت سالما أبا عليّ
فالملك لله العزيز ثم لي
وقال يمدح أبا الحسين بدر بن عمار بن اسماعيل الأسدي الطبرستانيّ
أحلما نرى أم زمانا جديدا ... أما الخلق في شخص حي أعيدا
يتعجب من نضارة زمان الممدوح يقول هذا الذي نراه حلم أم صار الزمان جديدا فهو زمان غير ما رأيناه وانقطع الاستفهام ثم قال أم الخلق وهو رفع الابتداء وخبره أعيد يقول بل أعيد الخلق الذين ماتوا من قبل في شخص حي وهو الممدوح أي جمع فيه ما كان لهم من الفضل والعلم والماني المحمودة فكأنهم أعيدوا في شخصه كما قال أبو نواس، وليس لله بمستنكر، أن يجمع العالم في واحد،
تجلى لنا فأضأنا به ... كأنا نجوم لقينا سعودا
أي ظهر لنا هذا الممدوح فصرنا به في الضوء وأضاء يكون لارما ومتعديا يقول قبلنا عدوى سعادته مثل النجوم التي تسعد ببروجها
رأينا ببدرٍ وآبائه ... لبدر ولوداً وبدراً وليدا
يريد رأينا برؤية بدر بن عمار وآبائه والدا لقمر وقمرا مولوداً جعله كالقمر في الضياء والشهرة والعلو والقمر لا يكون مولودا ولا والدا فجعله كالقمر المولود وأباه كالوالد للقمر وعنى بالبدرين الآخرين القمرين ولو أراد بهما اسم الممدوح لم يكن فيه مدح ولا صنعة والولود بمعنى الوالد ويقال الإشارة في هذا أن الممدوح فيه معاني البدور من الضوء والحسن والكمال لا معاني بدر واحد فلذلك قال ولودا لا والدا
طلبنا رضاه بترك الذي ... رضينا له فتركنا السجودا
يقول رضينا أن نسجد له لاستحقاقه غاية الخضوع منا له فلم يرض ذلك فتركنا ما رضينا له طلبا لرضاه
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا
المصراع الأول من قول النمري، وقفت على حاليكما فإذا الندى، عليك أمير المؤمنين أمير، وقول أبي تمام، ألا إن الندى أضحى أميراً، على مال الأمير أبي الحسين، وقوله بخيل بأن يجود أي بترك الجود وإذا بخل بترك الجود كان عين الجود ويجوز أن يكون المعنى بخيل بأن يقال لا يجود أي يعطى السائلين ويوالي بين العطايا حتى يحول بينهم وبين أن يقولوا لا يجود والأول الوجه
يحدث عن فضله مكرها ... كأن له منه قلبا حسودا
стр. 106
أي لا يحب نشر فضائله فكأن له قلبا يحسده فلا يحب اظهار فضله ومناقبه كما قال، أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه، تأتي الندى ويذاع عنك فتكره، وقد قال أبو تمام، وكأنما نافست قدرك حظه، وحسدت نفسك حين أن لم تحسد، معناه أنك نافست قدرك وحسدت نفسك فطفقت تباهي في الشرف وتزيد على كل غاية تصل إليها وإن كنت منقطع القرين وأبو الطيب يقول كأن قلبك بجسدك على فضائلك فهو يكره أن تستقل بذكرها وهذا نوع آخر من المديح لكنهما قد اجتمعا في حسد النفس والقلب
ويقدم إلا على أن يفر ... ويقدر إلا على أن يزيدا
يقول هو يقدم على كل عظيم إلا على الفرار فإنه أهول عنده من كل هول ويقدر على كل صعب إلا على أن يزيد على ما هو عليه من جلال القدر والمحل فإنه لا نهاية له وراءه
كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه نجده جدودا
يقول إذا وصلت أحدا ببر سعد ببرك وتشرف بعطيتك فصارت جدا له ويجوز أن يكون المعنى أن القضاء نحس وسعد ونوالك سعد كله فهو أحد شقي القضاء وروى ابن دوست فما تعط منه بفتح الطاء وتجده بالتاء على المخاطبة وقال في تفسيره كأن عطاءك للناس قضاء يقضي الله بذلك وما أعطاك منه فهو عندك بمنزلة بخت تعطاه وترزقه وهذا تفسير باطل ورواية باطلة وهو من كلام من لم يقرأ هذا الديوان
وربتما حملة في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سوادا
التاء في ربتما للتأنيث وما صلة يقول رب حملة لك على اعدائك في الحرب صرفت بها رماحك السمر سودا أي لطختها بالدماء حتى اسودت عليها لما جفت
وهول كشفت ونصل قصفت ... ورمح تركت مبادا مبيدا
يقول رب هول كشفته عن أوليائك وحزبك ورب سيف كسرته بقوة ضربك ورب رمح تركته مهلكا باستعمالك إياه في الطعن ومبيدا حال من الممدوح أي تركته مهلكا في حال إبادتك به وطعنك العدو ولا يجوز أن يكون نصبه كنصب مبادا لأنه بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا وجميع من فسر هذا الديوان جعلوا المباد والمبيد للرمح وقالوا تركته مبادا وكان مبيدا وإضمار كان لا يجوز في هذا الموضع لأنه لا دليل عليه ومثل هذا المعنى في السيف قول البعيث، وإنا لنعطى المشرفية حقها، فتقطع في أيماننا فتقطع، وقال أيضا أبو تمام، وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةً، فقطعها ثم انثنى فتقطعا، وكرر أبو الطيب هذا المعنى فقال، قتلت نفوس العدى بالحديد، البيت وقال ألقاتل السيف في جسم القتيل به، البيت
ومال وهبت بلا موعدٍ ... وقرن سبقت إليه الوعيدا
هذا كقوله، لقد حال بالسيف دون الوعيد، وحالت عطاياه دون الوعود،
بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلا أن تكون الغمودا
يقول سيوفك قد هجرت أغمادها لأنها أبدا يضرب بها ولا ترجع إلى أغمادها فاعناق اعدائك تتمنى أن تكون أعمادا لها فلا تجتمع معها أبدا وغلط ابن دوست في هذا البيت مع وضوحه غلطة فاحشة فقال يقول يقول سلك السيوف وتفريقك بينها وبين أغمادها تتمنى اعناق الناس أن تكون غمودا لها فتغمدها فيها حتى يقل الضرب والقتل بها يريد شدة حبهم لاغمادها ولو كان ذلك في اعناقهم هذا كلامه وكنت أربأ به عن مثل هذا الغلط مع تصدره في هذا الشأن ونعوذ بالله من الفضيحة أما علم أن الغمود في القافية هي الإغماد المذكورة في البيت وكيف يفسر قوله بهجر سيوفك بقوله عند سلك السيوف ومتى تكون الباء بمعنى عند
إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدراً عن ورودٍ ورودا
هذا البيت متصل بالذي قبله وهو مؤكد لمعناه وإلى من صلة الهجر أي بهجر سيوفك اغمادها إلى الهام كقوله قالوا هجرت إليه الغيث وتصدر معناه الحال أي صادرة عن مثل ما هجرت إليه أي تأتي الرؤوس وهي صادرة عن رؤوس قوم آخرين وصدرها عما وردت عليه ورودها على مثل ما صدرت عنه فهي أبدا صادرة عن هام إلى هام وصدرها أبدا ورودها إلى هام أخرى لذلك لا تعود إلى أغمادها ولم يفسر هذا البيت أحد كما فسرته
قتلت نفوس العدى بالحدي ... د حتى قتلت بهن الحديدا
هذا مثل قول أبي تمام، وما مات حتى مات مضرب سيفه، من الضرب واعتلت عليه القنا السمر، ومعنى قتل الحديد بهن كسره في نفوسهم
فأنفدت من عيشهن البقا ... وأبقيت مما ملكت النفودا
стр. 107
يقول أفنيت بقاء نفوس الاعداء أي اهلكتهم وأبقيت فناء الماء الذي كنت تملكه والمعنى انك اهلكت اعداءك وفرقت اموالك وقال ابن دوست من عيشهن يعني عيش السيوف لأنك كسرتها في الرؤوس حتى كأنك قتلتها فماتت وغلط في هذا أيضا لأن الكناية في عيشهن تعود إلى نفوس العدى لا إلى السيوف ولم يتقدم لفظ السيوف إنما تقدم ذكر الحديد في البيت السابق
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبقي الخلودا
يقول لإفراط سرورك ببذل المال كأنك تبغي بذلك الغنا لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه فكان عندك أن الفقر هو الغني وكأنك إذا مت في الحرب ترى أنك مخلد
خلائق تهدى إلى ربها ... وآية مجدٍ أراها العبيدا
أي للممدوح خلائق تدل عليه من الكرم والفضل ومحاسن الشيم وتدل على معرفته وله آية مجد أراها الناس وهم عبيده وهذا معنى قول أبي الفتح واحسن من هذا أن يقال خلائق خبر مبتداء محذوف أي هذه خلائق يعني ما ذكر قبل هذا البيت يستدل بها على قدرة خالقها لأنها أخلاق عجيبة لا يقدر عليها إلا الله الواحد القادر وهي آية مجد أراها الله عباده حتى يستدلوا بها على المجد والشرف
مهذبة حلوة مرة ... حقرنا البحار بها والأسودا
مهذبة لا عيب فيها حلوة لاوليائك مرة على اعدائك ويجوز أن يقال حلوة لأن كل أحد يحبها ويعشقها ويستحليها مرة لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس حقرنا البحار بها والأسود لزيادتك عليهما بالجود والشجاعة
بعيد على قربها وصفها ... تغول الظنون وتنضى القصيدا
يقول وصف اخلاقك بعيد مع قرب اخلاقك منا لانا نراها ولكن لا نقدر على وصفها لأنها تهلك الظن فلا ندركها بالظن وتهزل القصائد فلا يبلغ الشعر غاية مدحك
فأنت وحيد بنى آدمٍ ... ولست لفقد نظير وحيدا
يقول له لم تصر وحيدا لأنك فقدت نظيرا كان لك بل كنت وحيدا لم تزل والوحدة صفة لك لازمة وقال يمدح بدر بن عمار بن اسماعيل وكان قد وجد علة ففصده الطبيب فغرق المبضع فوق حقه فأضر به
أبعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل
يقول ابعد بعد المليحة بخلها إذ لا يمكن قطع مسافة البخل ثم قال في البعد أي في جملة البعد وانواعه ما لا تكلف الإبل قطعه وهو البعد بالبخل فإن الإبل لا تقرب هذا البعد ومثل هذا يقول الطاءي، لا أظلم النأي قد كانت خلائقها، من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا، وقوله أيضا، ففراقٍ جرعته من فراق جرعته من صدود، وقال أيضا البحتري، على أن هجران الحبيب هو النوى، لدي وعرفان المسيء هو العدل، وقال إبراهيم بن العباس، وإن مقيمات بمنقطع اللوى، لأقرب من ميٍّ وهاتيك دارها،
ملولة ما يدوم ليس لها ... من مللٍ دائم بها ملل
يقال رجل ملول وامرأة ملول فتدخل فيهما للمبالغة يقول تمل كل شيء دام إلا مللها الدائم فإنه لا تمل ذلك ولو ملته لتركته وعادت إلى الوصل ومن روى تدوم بالتاء كانت ما للنفي أي ليست تدوم على حالٍ
كانما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل
يعني أنها تتمايل في مشيها تمايل سكران نظر إلى طرفها فسكر من خمر عينيها
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل
стр. 108
يريد أن عجزها ثقيل بكثرة اللحم وهو يجذبها إذا همت بالنهوض هذا معنى قوله يجذبها تحت خصرها عجز وقوله كأنه من فراقها وجل اخطأ في تفسير هذا المصراع ابن جنى وابن دوست فقال ابن جنى كأن عجزها وجل من فراقها فهو متساقط متجدل قد ذهبت منته وتماسكه هذا كلامه ولم يعرف وجه تشبيه العجز بالوجل من فراقها ففسره بهذا التفسير وإنما يصير العجز بالصفة التي وصفها عند الموت وما دامت الحياة باقية لا يصير العجز متساقط ذاهب المنة وقال ابن دوست عجزها يجذبها إلى القعود لأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض وهذا أفسد مما قاله ابن جنى ومتى وصف العجز بالخوف من فراق صاحبه وأين رأى ذلك ولكنه أراد وصف عجزها بكثرة اللحم وتحرك اللحم عليه لكثرته فشبهه بارتعاده واضطرابه بخائف من فراقها والخائف يوصف بالارتعاد وكذلك العجز إذا كثر لحمه كما قال، إذا ماست رأيت لها ارتجاجا، فهما يتشابهان من هذا الوجه والتقدير كأنه انسان وجل أو شيء وجل من فراقها وأراد كان العجز في اضطراب لحمه خائف من فراقها فلذلك ارتعد والوجل على هذا هو العجز لا غيره وليس الجذب سبب الوجل كما ذكره ابن دوست والمعنى أن عجزها بثقله وكثرة لحمه يجذبها إلى القعود كأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض إذا همت بالنهوض
بي حر شوقٍ إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل
يريد ترشف فمها وهو مص ريقها يقول إذا اتصل بي ذلك الشوق انفصل الصبر
الثغر والنحر والمخلخل والم ... عصم دائي والفاحم الرجل
يعني أنه يحب هذه الأشياء وهذه المواضع من بدنها فهي داؤه والمعصم من اليد موضع السوار
ومهمةٍ جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
يصف شدة سيره وأنه يجوب الفلاة التي تعجز عنها النوق الصلاب المذللة بالعمل المروضة للسير العرامس جمع عرمس وهو الصخرة والناقة الشديدة
بصارمي مرتدٍ بمخبرتي ... مجتزىء بالظلام مشتمل
أراد فأنا مرتد بصارمي فحذف المبتدأ والمعنى متقلد بسيفي مكتفٍ بعلمي وخبرتي فلم احتج إلى دليل يهديني الطريق لابس ثوب الظلام كما يشتمل الرجل بثوب أو كساء
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل
يقول إذا تغير صديقي وحال عن مودته فانكرت جانبه لم تعجزني الحيلة في فراقه أي فارقته ولم أقم عليه
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
الخافقان فطرا الهواء وهما المشرق والمغرب والمضطرب موضع الاضطراب وهو الذهاب والمجيء يقول الأرض واسعة والبلاد كثيرة فإذا لم يوافقني مكان فلي عنه بدل كما قال البحتري، فإذا ما تنكرت لي بلاد، أو صديق فإنني بالخيار، وقال عبد الصمد بن المعذل، إذا وطن رابني، فكل بلاد وطن، وقال أيضا الآخر، إذا تنكر خل فاتخذ بدلا، فالأرض من تربةٍ والناس من رجل،
وفي اعتمار الأمير بدر بن عم ... ار عن الشغل بالورى شغل
الاعتمار الزيارة ومنه قول الأعشى، وراكبٍ جاء من تثليث معتمرا، وقال العجاج، لقد سما ابن معمر حين اعتمر، مغزى بعيداً من بعيد وصبر، يقول قصدي إياه يشغلني عن قصد غيره ويروي اعتماد بالدال ومعناه الاعتماد بالسير إليه وتعليق الرجاء به
أصبح مالا كماله لذوي ال ... حاجة لا يبتدي ولا يسل
أي يغنيهم بنفسه وماله وهو لهم مال وكما أن ماله يؤخذ بلا إذن كذلك لا يستأذن في الدخول عليه فكل من ورد عليه أخذ ماله بلا ابتداء من بدر ولا مسألة من الوراد
هان على قلبه الزمان فما ... يبين فيه غم ولا جذل
هذا صفة الكامل العقل الذي يستخف بالنوائب والحوادث لعلمه أنها لا تبقى لا الغم ولا السرور فلا يكون لهما فيه أثر فلا يبطر عند السرور ولا يجزع عند ما يجزئه
يكاد من طاعة الحمام له ... يقتل من ما دنا له الأجل
يكاد من صحة العزيمة ما ... يفعل قبل الفعال ينفعل
يكاد فعله يسابقه لصحة تقديره ونفاذ عزيمته فما يفعل ينفعل قبل فعله
تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل
يقول حقائق الخصال والمعاني التي خلقها الله فيه تعرف بالنظر إلى عينه فكأن ذكاءه وحدة ذهنه وفطنته موجود في عينه كالكحل
أشفق عند اتقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل
стр. 109
يقول إذا اضطرمت فكرته واحتد ذهنه اشفقت عليه أن يشتعل بنار فكرته فيصير نارا متوقدا كما قال ابن الرومي، أخشى عليك اضطرام الذهن لا حذرا،
أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكبروا الذي فعلوا
يقبلهم وجه كل سابحةٍ ... أربعها قبل طرفها تصل
أي يجعل إليهم وجه كل فرس سابحة تقول اقبلته وجهي أي حولته وجهي وهذا من قول أبي نواس، يسبق طرف العين في التهابه، أي في شدة عدوه
جرداء ملإ الحزام مجفرةٍ ... تكون مثلي عسيبها الخصل
يقول أنها تملأ الحزام بسعة جنبيها وعظم بطنها والمجفرة الواسعة الجنبين والجفرة سعتهما والخصل جمع خصلة يريد أن شعر ذنبها أطول من عسيبها وهو عظم الذنب ويستحب قصره وطول شعره
إن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
التليل العنق والكفل الردف ويستحب فيهما الأشراف أي من حيث تأملتها وجدتها مشرفة عند اقبالها بعنقها وعند ادبارها بعجزها كما قال عليّ بن جبلة، تحسبه أقعد في استقباله، حتى إذا استدبرته قلت أكب،
والطعن شزر والأرض واجفة ... كأنما في فؤادها وهل
أصل الشزر في الفتل وهو ما أدير به عن الصدر ثم يستعمل في الطعن فيقال شزرا إذا فتل يده عن يمين أو شمال وذلك أشد الطعن وواجفة مضطربة لشدة الحرب ترى أن الأرض تتحرك كان في قلب الأرض فزعا فهي ترتعد من الخوف ولما وصف الأرض بالحركة من الخوف استعار لها قلبا والواو واو الحال لأن المعنى يقبلهم وجه كل سابحة في هذه الحال
قد صبغت خدها الدماء كما ... يصبغ خد الخريدة الخجل
شبه وجه الأرض متلطخا بالدماء بخد الجارية الحيية إذا خجلت فاحمر لونها
والخيل تبكي جلودها عرقا ... بأدمع ما تسحها مقل
سار ولا قفر من مواكبه ... كأنما كل سبسبٍ جبل
يريد أنه عم القفار والأماكن الخالية بجيوشه فملأها حتى لم يبق قفر والسبسب المتسع من الأرض وشبهه بالجبل لكثافة جيوشه وارتفاعها بالخيل والأسلحة والرماح الا ترى أنه قال
يمنها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسلُ
فجعل فيها من الرماح ما يمنعها المطر من تضايقها بكثرتها وأصل هذا المعنى لقيس بن الحطيم، لو أنك تلقى حنظلاً فوق هامنا، تدحرج عن ذي سامة المتقارب، ثم قال ابن الرومي، فلو حصبتهم بالفضاء سحابة، لظلت على هاماتهم تتدحرج، فنزل عن الحنظل إلى البرد وبالغ في ذلك ثم نزل المتنبي عن البرد إلى المطر وهو الطف منه ثم أخذ السري هذا المعنى فقال، تضايق حتى لو جرى الماء فوقه، حماه ازدحام البيض أن يتسريا،
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل
يقول أنت بدر في الحسن بحر في الجود سحاب في كثرة العطاء ليث في الشجاعة موت للعدو ورجل في الحقيقة يعني جمعت هذه الأوصاف وأنت رجل
إن البنان الذي تقلبه ... عندك في كل موضع مثل
أي يضرب بها المثل في الجود
إنك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا
أي بخلوا عند أنفسهم ولم يفعلوا الواجب عليهم بحكم جودهم حيث لم يهبوا الأعمار
قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
الامتشاق الافتعال من المشق وهو سرعة الطعن والضرب والاعتقال امساك الرمح بين الساق والركاب يقول قلوبهم في مضاء سيوفهم وقدودهم في طول رماحهم والعائد إلى الموصول محذوف من البيت وتقديره ما امتشقوا به واعتقلوه
أنت نقيض اسمه إذا اختلفت ... قواضب الهند والقنا الذبل
يقول أنت رجل نقيض اسمه إذا جاءت الرماح وذهبت وتفسير هذا البيت فيما بعده
أنت لعمري البدر المنير ولك ... نك في حومة الوغى زحلُ
القمر سعد وزحل نحس يريد أنك في الحرب نحس على اعدائك
كتيبة لست ربها نفلٌ ... وبلدة لست حليها عطل
النفل الغنيمة والعطل التي لا حلي لها يقول كل كتيبة لست صاحبها فهي نفل للعدو وكل بلدة لست حليها فهي عطل عن الحلي
قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل
стр. 110
يقول قصدك الناس من شرق الأرض وغربها طمعا في عطائك وحرصا على لقائك حتى اشتكتك الإبل لكثرة ما امتطيت إليك والطرق بكثرة ما وطئت وذللت بالخفاف والحوافر والأقدام وقال ابن دوست لأنها ضاقت بكثرة القاصدين والسالكين وليس بشيء وشكوى الإبل كثيرة في الشعر كقول أبي العتاية، إن المطايا تشتكيك لأنها، قطعت إليك سباسبها ورمالا، وكقول البحتري، يشتكي الوجى والليل ملتبس الدجى، غريرية الأنساب مرت بقيعها، ومثله كثير وأما اشتكاء السبل فهو من اختراعات المتنبي وكنى عن الأرض في شرقها وغربها قبل الذكر
لم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل
هذا كقوله أيضا، وبذلت ما ملكته نفسك كله، حتى بذلت لهذه صحاتها،
عذر الملومين فيك أنهما ... آسٍ جبان ومبضع بطل
كان الفصاد قد فصده واخطأ في فصده ونفذت حديدته في يده واصابه لذلك مرض وجعلهما ملومين في ذلك الخطأ الحاصل منهما ثم قال عذرهما فيك أن الطبيب كان جبانا فارتعدت يده والمبضع كان شجاعا لحدته ونفاذه فتولدت العلة من هذين ثم ذكر للطبيب عذرا آخر فقال
مددت في راحة الطبيب يدا ... وما دري كيف يقطع الأمل
أي إنما وقع له الخطأ لأن يدك أمل كل أحد منها يرجون العطاء والإحسان ولم يدر الطبيب كيف يقطع الأمل لأنه إنما تعود قطع العروق لا قطع الآمال وقال ابن جنى أي أن عروق كفك تتصل بها اتصال الآمال فكأنها آمال وهذا خطأ فاسد وكلام من لم يعرف المعنى
إن يكن النفع ضر باطنها ... فربما ضر ظهرها القبل
عني بالنفع الفصد ويروي البعض وهو اظهر وأراد بضر القبل كثرة تقبيل الناس ظهر كفه حتى أثرت فيه وضرته وقد اكثر الشعراء في ذكر تقبيل اليد ولم يذكر أحد أنها استضرت بالقبل غير أبي الطيب وهو من مبالغاته قال ابن الرومي، فامدد إلى يداً تعود بطنها، بذل النوال وظهرها التقبيلا، وقال إبراهيم بن العباس، لفضل بن سهل يد، تقاصر عنها المثل، فباطنها للندى، وظاهرها للقبل، وقال أبو الضياء الحمصي، ما خلقت كفاك إلا لأربع، وما في عباد الله مثلك ثاني، لتجريد هندي وإسداء نائل، وتقبيل أفواه وأخذ عنان، وقد ملح من قال، يد تراها أبداً، فوق يد وتحت فم، ما خلقت بنانها، إلا لسيف أو قلم،
يشق في عرقها الفصاد ولا ... يشق في عرق جودها العذل
الفصاد هو الفصد وأراد بالشق التأثير والنفاذ لذلك عداه بفي واستعار لجوده عرقا لما ذكر عرق يده يقول الفصد يشق عرق يدرك والعذل لا يشق عرق جودها أي لا ينجع قول العاذل فيك
خامره إذ مددتها جزع ... كأنه من حذاقة عجل
يقول خالط الطبيب لما مددت يدك إليه للفصد جزع من هيبتك فعجل في الفصد ولم يتأن كأنه عجل من حذقه ومن روى عجل على المصدر أراد كأنه ذو عجل من حذاقة فحذف المضاف
جاز حدود اجتهاده فأتى ... غير اجتهاد لأمه الهبل
يقول بالغ في الاجتهاد حتى جاوز حد الاجتهاد ففعل ما هو غير اجتهاد لأن الخطأ من فعل المقصرين ثم دعا عليه فقال لأمه الهبل وهو الثكل
أبلغ ما يطلب النجاح به ال ... طبع وعند التعمق الزلل
التعمق بلوغ عمق الشيء وهو اقصاه يريد به المبالغة ومجاوزة الحد يقول النجاح في الأمور مقرون بما يفعله الإنسان بطبعه فإذا تكلف وبالغ زل فأخطأ
إرث لها إنها لما ملكت ... وبالذي قد أسلت تنهمل
مثلك يا بدر لا يكون ولا ... تصلح إلا لمثلك الدول
يقول لا يخلق الله مثلك ولا تصلح الدولات إلا لك في جودك وكرمك واحسانك إلى الناس وصاحب الدولة يجب أن يكون كريما سخيا لينتفع الناس بدولته والمثل الثاني صلة يريد إلا لك وقال أيضا يمدحه
بقاءي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا
يقول لما ارتحلوا عني ارتحل بقاءي شاء ارتحالا لا هم شاءوا ذلك وكأنهم زموا صبري للمسير لا جمالهم لأني فقدت الصبر بعدهم وإنما نفى الارتحال عنهم لأن ارتحال بقائه أهم وأعظم شأنا فكأن ارتحالهم ليس ارتحالا عند ارتحال بقائه ولأنهم ربما يعودون والبقاء إذا ارتحل لم يعد وكذلك مسير صبره أعظم من مسير الجمال فلم يعتد بسير جمالهم مع سير صبره عنه
تولوا بغتة فكأن بينا ... تهيبني ففاجأني اغتيالا
следующие страницы →