← Адаб

Адаб · id 754

شرح ديوان المتنبي للواحدي

الواحدي

Полный текст (401 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثنى وبياض الصبح يغري بي جمع في هذا البيت بين خمس مطابقات الزيارة والانثناء وهو الإنصراف والسواد والبياض والليل والصبح والشفاعة والأغراء ولي وبي ومعنى المطابقة في الشعر الجمع بين المتضادين يقول أزورهم والليل لي شفيع لأنه يسترني عنهم وعند الأنصراف يشهرني الصبح وكأنه يغريهم بي حيث يريهم مكاني قد وافقوا الوحش في سكني مراتعها ... وخالفوها بتقويضٍ وتطنيبِ يقول هؤلاء الأعراب كالوحوش في أنهم سكنوا مراتعها من البدو غير أن لهؤلاء خياما يقوضونها ويطنبونها ولا خيام للوحوش والتقويض حط البيت جيرانها وهم شر الجوارِ لها ... وصحبها وهم شر الأصاحيبِ يقول هم جيران الوحوش غير أنهم شر المجاورين لها وأراد بالجوار المجاورين سماهم بإسم المصدر وأراد أنهم يسيئون الجوار مع الوحش لأنهم يصيدونها ويذبحونها وقال ابن جنى أراد هم شر أهل الجوار لها فحذف المضاف والأول الوجه فؤادُ كل محبٍّ في بيوتهمِ ... ومال كل أخيذ المال محروبِ يعني أن فيهم الجمال والشجاعة ونساؤهم بينهن القلوب ورجالهم ينهبون الأموال والمحروب الذي أخذت حريبته أي ماله ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب الرعبوبة المرأة التارة السمينة يفضل نساء البدو على نساء الحضر يقول الأوجه المستحسنات بالحضر ليست كاوجه نساء البدو ثم ذكر العلة في البيت الثاني فقال حسن الحضارة مجلوب بتظريةٍ ... وفي البداوةِ حسنٌ غير مجلوبِ الحضارة الكون في الحضر والبداوة الكون في البدو وأراد حسن أهل الحضارة فحذف المضاف يقول حسنهم متكلف مجلوب بالاحتيال وحسن البدويات طبع طبعن عليه ثم ذكر لهن مثلا من الظباء والمعز أين المعيز من الآرام ناظرةً ... وغير ناظرةٍ في الحسن والطيبِ المعيز اسم لجماعة المعز كالكليب والعبيد جعل نساء الحضر كالمعز ونساء البدو كالظباء يقول أين يقع المعيز من الظباء في الحسن والطيب ناظراتٍ وغير ناظراتٍ أي الظباء أحسن منها عيوناً وغيرها من سائر الأعضاء أفدى ظياء فلاةٍ ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب أراد بظباء الفلاة النساء العربيات وإنهن فصيحات لا يمضغن الكلام ولا يصبغن حواجبهن كعادة الحضريات ولا برزن من الحمام مائلةً ... أوراكهن صقيلات العراقيبِ أراد حسنهن من غير تصنع ولا تطريةٍ بدخول الحمام وصقل العرقوب ومن هوى كل من ليست مموهةً ... تركت لون مشيبي غير مخضوبِ التمويه شبه التلبيس يقول من حبي كل امرأةٍ لا تموه حسنها بتكلف وتعمل لم أخضب شيبي يعني أنهن ما موهن حسنهن فلم أموه أيضا شيبي ومن هوى الصدق في قولي وعادتهِ ... رغبت عن شعرٍ في الوجه مكذوبِ يقول من حبي الصدق في كل شيء تركت الشعر المكذوب في وجهي وهي الذي سود الخضاب فهو شعر مكذوب فيه والضمير في وعادته يعود إلى الصدق ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي يقول الحوادث أخذت مني الشباب وأعطتني الحلم والتجربة فليتها باعت ما أخذت مني بما أعطت وهذا من قول عليّ بن جبلة، وأرى الليالي ما طوت من قوتي، زادته في عقلي وفي إفهامي، وقول ابن المعتز، وما ينتقص من شباب الرجالِ، يزد في نهاها وألبابها، فما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍ ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب يريد أنه كان قبل تحليم الحوادث أياه حليما وإن الحداثة لا تمنع من الحلم فقد يكون الشاب حليما كما قال أبو تمام، حلمتني زعمتم وأراني، قبل هذا التحليم كنتُ حليما، ترعرع الملك الأستاذ مكتهلاً ... قبل اكتهالٍ أديبا قل تأديبِ هذا تأكيد للذي قبله يريد أنه شب وارتفع مكتهلا أي في حلب الكهول قبل أن يكتهل وأديبا قبل أن يؤدب يعني أنه نشأ على طبع الحلم والأدب ولم يستفدهما من مر الليالي مجربا فهماً من غير تجربةٍ ... مهذبا كرما من قبل تهذيبِ أي ترعرع مجربا قبل ان يجرب لما طبع عليه من الفهم ومهذبا قبل أن يهذب بما طبع عليه من الكرم ونصب فهما وكرما على المصدر كأنه قال فهم فهما وكرم كرما ويجوز أن ينتصب على المفعول لهما

стр. 317

حتى أصاب من الدنيا نهايتها ... وهمه في ابتدآت وتشبيب يقول أصاب نهاية الدنيا وهي الملك لأن لا شيء في الدنيا فوق الملك ولم يبلغ بعد نهاية همته فهمته مع إصابته الملك في ابتدائها وأول أمرها ومعنى التشبيب ذكر أيام الشباب واللهو والغزل وذلك يكون في ابتداء قصائد الشعر يبدأ به أولا هذا هو الأصل ثم يسمي ابتداء كل أمر تشبيبا وإن لم يكن في ذكر الشباب يدبر الملك من مصر إلى عدن ... إلى العراق فأرض الروم فالنوب يريد فسحة رقعة ملكه وسعة ولايته وأن تدبير المملكة في هذه البلاد على تباعد اطرافها إليه إذا أتتها الرياح النكب من بلد ... فما تهب بها إلا بترتيب النكب جمع نكباء وهي العادلة عن المهب إلى غير استواء يقول إذا أتت بلاده رياح غير مستوية الهبوب لم تهب بها إلا بترتيب من جهة الرياح نفسها إعظاما له أو بترتيب من جهة الممدوح إياها لأنها مطيعة له والأول قول أبن جنى والثاني قول أبن فورجة ولا تجاوزها شمس إذا شرقت ... إلا ومنه إذن بتغريب يصرف الأمر فيها طين خاتمه ... ولو تطلس منه كل مكتوب يقول أمره مطاع ومثاله في هذه البلاد يؤتمر أمره بمكتوب يكتبه ويختمه بطين وإن انمحى المكتوب يراعى حكمه إعظاما له يحط كل طويل الرمح حامله ... من سرج كل طويل الباع يعبوب يحط ينزل ويضع واليعبوب الفرس الكثير الجري يقول حامل خاتمه ينزل الفارس الطويل الرمح من سرج الفرس وذلك أن الفارس إذا رأى خاتمه سجد له فينزل من فرسه ولم يعرف أبن جنى معنى هذا فقال مرة يقول يقتل حامل خاتمه كل فارس فيذريه عن سرج فرسه وقال مرة يحط حامل خاتمه أعداءه عن سروجهم وليس البيت من القتل ولا من إنزال الأعداء في شيء كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب يعني أنه يفرح إذا سمع سؤال السائل فرح يعقوب لما رأى قميص يوسف إذا غزته أعاديه بمسألة ... فقد غزته بجيش غير مغلوب إذا قصدته الأعداء بالسؤال فقد قصدته بجيش لا يغلب لأنه لا يرد السائل أو حاربته فما تنجو بتقدمة ... مما أراد ولا تنجو بتجبيب وإن أتوه محاربين لم ينجوا من إرادته فيهم بالإقدام ولا بالهرب ولا بالشجاعة ولا بالجبن والتقدمة مثل التقديم يريد أن قدموا خيلهم واستعملوا الشجاعة والتجبيب أن تولى الرجل هاربا من الشيء أضرت شجاعته أقصى كتائبه ... على الحمام فما موت بمرهوب يقول عود أصحابه المحاربة ومرنهم على الموت وليس الموت عندهم بمرهوب لأنهم تعودوا الحرب والقتال ويريد بأقصى كتائبه الجبناء الذين لا يشهدون القتال ويقال ضرى بالشيء إذا اعتاده ومنه قيل كلب ضار وأضريته على كذا قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم ... إلى غيوث يديه والشآبيب الشؤبوب الدفعة من المطر الشديدة وجمعه شآبيب قال أبن جنى يقول تركت القليل من ندى غيره إلى الكثير من نداه قال أبن فورجة هذا محتمل لكنه أراد أن مصر لا تمطر فيقول لا منى الناس في هجري بلاد الغيث فقلت تعوضت عنها غيوث يديه إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولا تمن على آثار موهوب في هذا تعريض بسيف الدولة ولا يروع بمغدور به أحدا ... ولا يفزع موفورا بمنكوب يقول لا يغدر بأحد من أصحابه ليروع به غيره ولا ينكب أحدا بظلم وأخذ مال ليفزع به موفورا وهو الذي لم يؤخذ ماله أي أنه حسن السيرة في رعيته لا يفزع بالإساءة إلى أحد منهم آخر غيره بلى يروع بذي جيش يجدله ... ذا مثله في أحم النقع غربيب الأحم والغربيب الأسود يقول بلى يخوف بصاحب جيش يصرعه على الجدالة بأن يقتله في غبار أسود آخر مثله ذا قوة وكثرة ليعتبر به فيخافه ويطيعه والمعنى أنه إذا رآه ملك وقد صنع بملك آخر ما صنع هابه وحذر خلافه وجدت أنفع مال كنت أذخره ... ما في السوابق من جري وتقريب جعل جري الخيل أنفع مال كان يدخره لأنها حملته إلى الممدوح وأخرجته من بين الغادرين به وقد ذكر ذلك فيما بعد فقال لما رأين صروف الدهر تغدرني ... وفين لي ووفت صم الأنابيب يقول لما غدر بي الزمان يعني أهل الزمان وفت لي الخيل والرماح أي أوصلتني إلى ما أريد وأراد بصم الأنابيب الرماح

стр. 318

فتن المهالك حتى قال قائلها ... ماذا لقينا من الجرد السراحيب قال أبن جنى أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها هذا كلامه وعلى ما قال المهالك المفاوز والمعنى أن خيلنا قطعت المفاوز حتى لو كان لها قائل لقال ماذا لقينا من هذه الخيل في تذليلها إيانا بالوطىء وقطعها البعد في سرعة نجاتها من غوائل الطريق وقال أبن فورجة المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز وإنما يفهم الأمور المهلكة يعني أن هذه الخيل لم يعلق بها شيء من الهلاك حتى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامة منها هذا كلامه وآخر البيت يدل على ما قال أبن جنى ويجوز أن يعود الضمير في القائل إلى السوابق أي قال قائل السوابق يعني الذي يمدحها ويذكر حسن بلائها ماذا لقينا من انجائها إيانا من الأعداء وهذا استفهام تعجب تهوى بمنجرد ليست مذاهبه ... للبس ثوب ومأكول ومشروب يقول هذه الخيل تسرع برجل ماض في الأمور ليس مذهبه في صحبة الدهر أن يقنع بملبوس ومطعوم كما قال حاتم، لحى الله صعلوكا مناه وهمه، من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما، وكما قال آخر، وليس فتى الفتيان من راح واغتدى، لضر عدو أو لنفع صديق، وقد شرح هذا المعنى خفاف البرجمي في قوله، ولو أن ما أسعى لنفسي وحدها، لزاد يسير أو ثياب على جلدي، لهان على نفسي وبلغ حاجتي، من المال مال دون بعض الذي عندي، ولكنما أسعى لمجد مؤثل، وكان أبي نال المكارم من جدي، وكلهم احتذى مثال امرىء القيس في قوله، فلو أن يدرك المجد المؤثل أمثالي، ومثل هذا لأبي الطيب أيضا، وفي الناس من يرضى بميسور عيشه، ومركوبه رجلاه والثوب جلده، ومعنى قوله ليست مذاهبه للبس ثوب أي ليست أسفاره لهذا يرمي النجوم بعيني من يحاولها ... كأنها سلب في عين مسلوب يقول إذا نظر إلى النجوم نظر إليها بعين من يطلبها لبعد همته يطمع في درك النجوم حتى كأنها سلبت منه والمسلوب ينظر إلى ما سلب منه نظر من يطمع في رجوعه إليه حتى وصلت إلى نفس محجبة ... تلقى النفوس بفضل غير محجوب الملوك يوصفون بأنهم محجبون عن الناس يقول هو وإن كان محجبا فإن عطاءه قريب عمن طلبه غير محجوب ويجوز أن يريد بالنفس همته وأنها محجبة عن الناس لا يبلغها كل أحد لأنه قال في جسم أروع صافي العقل تضحكه ... خلائق الناس إضحاك الأعاجيب يريد بالأروع الذكي القلب كأنه مرتاع لذكائه والأروع في غير هذا الذي يروعك حسنه يقول إذا نظر إلى أخلاق الناس ضحك منها هزوأ واستصغارا فالحمد قبل له والحمد بعد لها ... وللقنا ولإدلاجي وتأويبي له أي لكافور ولها أي للخيل والإدلاج سير الليل والتأويب سير النهار يقول أحمدك وأحمد خيلي ورماحي وسيري إذ بلغني إليك وهو قوله وكيف أكفر يا كافور نعمتها ... وقد بلغنك بي يا كل مطلوبي يا أيها الملك الغاني بتسمية ... في الشرق والغرب عن وصف وتلقيب الغاني المستغني يقال غنى بكذا واستغنى به يقول أنت مشهور الأسم يستغنى بذكر اسمك عن وصفك وذكر لقبك من سماك وهذا كما يروى أن رؤبة بن العجاج أتى النسابة البكري فقال من أنت قال أنا رؤبة بن العجاج فقال قصرت وعرفت فقال رؤبة يفتخر بذلك، قد رفع العجاج إسمي فادعني، بإسمي إذا الأنساب طالت يكفني، أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبا غير محبوب يقول أنت المحبوب أحبك وأعوذ بك من أن لا تحبني لأن أشقى الشقاوة أن تحب من لا يحبك كما قال الأخر، ومن الشقاوة أن تحب ولا يحبك من تحبه، وقال يمدح كافورا في ذي الحجة من سنة ست وأربعين وثلثمائة أود من الأيام مالا توده ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده يقول أحب من الأيام الإنصاف والجمع بيني وبين أحبتي وذلك مالا توده الأيام وأشكو إليها الفراق والأيام جند للفراق لأنها سبب البعد والتفريق وقوله بيننا إنتصابه بالشكو لا بالظرف ويرد بالبين الفراق والهاء في جنده للبين أي الزمان هو الذي حتم البين فإذا شكوت إليه لم يشكني يباعدن حبا يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده

стр. 319

يباعدن معناه يبعدن ووصله وصده معطوفان على الضمير في يجتمعن من غير أن أتى بتوكيد وهو جائز في الضرورة وجعل الأيام تجتمع مع الوصل والصد لأنهما يكونان فيها والظرف يتضمن الفعل وإذا تضمنه فقد لابسه فكأنه اجتمع معه يقول إذا كانت الأيام يبعدن منا الحبيب المواصل لنا فكيف يقربن الحبيب المقاطع المهاجر لنا والمعنى أن الأيام يبعدن عنا حبيبا ووصله موجود فكيف الطمع في حبيب صده موجود أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده قوله تديمه من فعل الدنيا وكذلك ترده أي تدفعه ويجوز أن يريد ترده إلى الوصل يقول حبيب تديمه الدنيا لنا قد أبت ذلك أي تأبى أن تديم لنا حبيبا على الوصال فكيف إذ أطلب منها حبيبا تمنعه عن وصالنا أو كيف أطلب منها أن ترده إلى الوصل بعد أن أعرض وهجر واسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده يقول أن الدنيا لو ساعدتنا بقرب أحبتنا لما دام لنا ذلك لأن الدنيا بنيت على التغير والتنقل فإذا فعلت غير ذلك كانت كمن تكلف شيئا وهو ضد طباعه فيدعه عن قريب ويعود إلى طبعه كما قال حاتم، ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه، يدعه وتغلبه عليه إليه الرواجع، ومثله قول الأعور الشني، ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه، يدعه وتغلبه عليه الطبائع، وأدوم أخلاق الفتى ما نشأ به، وأقصر أفعال الرجال البدائع، ومثله قول إبراهيم المهدي، من تحلى شيمة ليست له، فارقته وأقامت شيمه، ومثله، يا أيها المتحلي غير شيمته، إن التخلق يأتي دونه الخلق، رعى الله عيسا فارقتنا وفوقها ... مها كلها يولى بجفنيه خده يدعو الإبل التي حملت النسوة فذهبت بهن وهو قوله وفوقها مها ثم ذكر أنهن يبكين لأجل الفراق فقال كلها يولى أي يمطر خده بجفنيه من الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي جعل بكاءهن كالمطر من جفونهن بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده أي فارقتنا بواد به من الوجد والوحشة لفراقهم ما بالقلوب أي استوحش وتغير لارتحالهم فصار كأنه جيد تناثر عقده يعني أن الوادي كان متزينا بهم فلما ارتحلوا تعطل من الزينة إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده الرند شجر طيب الريح يقال أنه الآس يقول مراكب هذه النسوة إذا سارت فوق نبات الوادي وهو رند وهن قد استعملن المسك وتطيبن به اختلطت رائحة المسك برائحة الرند وذلك هو التفاوح وحال كإحداهن رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطريق وبعده يقول رب حال هي في الصعوبة والإمتناع كإحدى هؤلاء النسوة في تعذر الوصول إليها طلبت أن أبلغها وقبل الوصول غليها بعد الطريق وما فيه من مهالك يعني أنه يطلب أحوالا عظيمة وغول الطريق ما يغول سالكه من تعبه ومشقته وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده هذا مثل ضربه لنفسه كأنه يقول أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به وهذا مأخوذ مما في الحديث أن بعض العقلاء سئل عن أسوء الناس حالا فقال من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته وقد قال الخليل أبن أحمد، رزقت لبا ولم أرزق مروته، وما المروة إلا كثرة المال، إذا أردت مساماة تقاعدي، عما ينوه باسمى رقة الحال، فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده هذا نهي عن تبذير المال والاسراف في إنفاقه يقول لا يذهبن مالك كله في طلب المجد لأن من المجد مالا يعقد إلا بالمال فإذا ذهب مالك كله انحل ذلك المجد الذي كان يعقد بالمال ألا ترى إلى قول عبد الله بن معاوية، أرى نفسي تتوق إلى أمور، يقصر دون مبلغهن مالي، فلا نفسي تطاوعني ببخل، ولا مالي يبلغني فعالي، يتأسف على قصور ماله عن مبلغ مراده وأبو الطيب يقول ينبغي أن تقتصد في العطاء وتدخر المال لتطيعك الرجال فتنال العلى وتصل إلى الشرف ثم ضرب لهذا مثلا فقال ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده يقول دبر مالك تدبير المحارب الذي لا يقدر على الضرب إلا باجتماع الزند والكف جعل الكف مثلا للمجد والزند مثلا للمال فكما لا يحصل الضرب إلا باجتماع الزند والكف كذلك لا يحصل الكرم والعلو إلا باجتماع المال يريد أنهما قرينان

стр. 320

فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده أي الفقير الذي لا مال له لا يبلغ الشرف والذي لا مجد له كأنه ليس له مال وأن كان مثريا لأنه إذا لم يطلب بماله المجد فكأنه لا مال له لمساواته الفقير وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده يقول في الناس من هو دني الهمة يرضى بما تيسر له من العيش ولا يطلب ما وراءه يمشي راجلا عاريا ولكن قلبا بين جنبي ما له ... مدى ينتهي بي في مراد أحده يقول لكن لي قلبا ليس له غاية ينتهي بي إلى تلك الغاية في مطلوب أجعل له حدا يعني إذا جعلت حدا لمطلوبي لم يرض قلبي بذلك فطلب ما وراءه يرى جسمه يكسى شفوفا تربه ... فيختار أن يكسى دروعا تهده هذا القلب الذي لي يرى جسمه يكسى ثيابا رقيقة بلينها ونعمتها فيأبى ذلك ويريد أن يكسى دروعا تكسره بثقلها يعني لا يرضى قلبي بأن أتنعم بالثياب الرقيقة ويريدني على طلب المعالي بلبس الدروع يكلفني التهجير في كل مهمة ... عليقي مراعيه وزادي ربده يقول قلبي يكلفني السير في الهواجر في كل فلاة بعيدة لا عليق لفرسي منها إلا أن يرتعي في مراعيها ولا زاد لي فيها إلا النعام الربد وهي السود أصيدها فآكلها وأمضى سلاح قلد المرء نفسه ... رجاء أبى المسك الكريم وقصده يقول رجائي أب المسك وقصدي إياه أمضى سلاح أتقلده على الحوادث والنوائب يعني إنهما يدفعان عني ما أخافه هما ناصرا من خانه كل ناصر ... وأسرة من لم يكثر النسل جده يقول هما ينصران على الزمان من لا ناصر له ومن ليست له عشيرة يعز بهم فيكونان له بمنزلة الأسرة والعشيرة أنا اليوم من غلمانه في عشيرة ... لنا والد منه يفديه ولده الولد يكون واحدا وجمعا يذكر أنه وهب له غلمانا وأنه منهم في عشيرة لأنه إذا ركب ركبوا معه وأطافوا به فكأنهم عشائره وأقاربه ثم قال لنا والد منه أي هو لنا كالوالد ونحن له كالأولاد البررة نقول له نفديك بأنفسنا فمن ماله مال الكبير ونفسه ... ومن ماله در الصغير ومهده يعني أنه عم الكبير والصغير ببره فالذي يملكه مما وهبه له ونفسه أيضا من ماله لأنه غذى بإنعامه واللبن الذي يرتضعه الصغير وموضعه الذي هيىء لنومه من ماله أيضا لأنه ملك له الأمر والتصرف في كل شيء تجر القنا الخطى حول قبابه ... وتردى بنا قب الرباط وجرده أي نخدمه أينما نزل ونصبت قبابه وتعدو بنا في صحبته ضوامر الخيل وجردها والرباط اسم لجملة الخيل ونمتحن النشاب في كل وابل ... دوي القسي الفارسية رعده أراد بالوابل السهام التي يرمونها لكثرتها شبهها بالوابل من المطر وأراد بدوي القسي صوتها ولما استعار للسهام اسم الوابل جعل صوت القسي رعدا لذلك الوابل يقول نتناضل ونترامى بالسهام والقسي كعادة الفرسان والشبان من أهل الحروب فإن لا يكن مصر الشرى أو عرينه ... فإن الذي فيها من الناس أسده روى أبن جنى فإن التي قال لأنه أراد الفئة والجماعة والشرى موضع كثير الأسد والعرين الأجمة يقول أن لم يكن مصر هذا الموضع الذي هو مأسدة، ولا عرين هذا الموضع فإن أهلها من الناس أسود الشرى سبائك كافور وعقيانه الذي ... بصم القنا لا بالأصابع نقده هذا تفسير لقوله فإن الذي فيها من الناس أسده سبائك كافور أي هم سبائك كافور وعقيانه والسبائك جمع سبيكة وهي المذاب من الذهب والفضة على معنى أنهم له بمنزلة الذخائر والأموال لغيره من الملوك لأنه بهم يصل إلى مطالبه كما يصل غيره بالمال وكلن نقد هذه السبائك لا يكون بالأنامل إنما يكون بالرماح أي يستعملون الرماح فيتبين المطعان ومن يصلح للحرب ممن لا يصلح لها بلاها حواليه العدو وغيره ... وجربها هزل الطراد وجده أي اختبرها الأعداء في المحاربة حوالي كافور أي حاربوا أعداءه وشهدوا معه المعارك فصاروا مجربين بكثرة القتال وهزل الطراد وهو أن يطارد بعضهم بعضا وجده وهو أن يطاردوا الأعداء في القتال أبو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ... ولكنه يفنى بعذرك حقده يريد أنه كثير العفو وأن عفوه أكثر من ذنب المذنبين وأنه ليس بحقود وإذا اعتذر إليه الجاني ذهب حقده

стр. 321

فيا أيها المنصور بالجد سعيه ... ويا ايها المنصور بالسعي جده يريد أن النصرة والسعادة قد اجتمعتا له وإذا سعى في أمر نصر سعيه بالجد فيصير مجدودا في ذلك السعي وجده أيضا منصور بسعيه لأنه لا يعتمد على الجد في الأمور بل يسعى فيها وأن كان مجدودا والجد والسعي إذا اجتمعا لإنسان بلغ أقصى المبالغ تولى الصبي عني فأخلفت طيبه ... وما ضرني لما رأيتك فقده أي اعطيتني الخلف من طيب الصبي والمعنى أني سررت بك سروري بالشباب حتى لم يضرني فقد الشباب مع رؤيتك لقد شب في هذا الزمان كهوله ... لديك وشابت عند غيرك مرده هذا تأكيد لما ذكره يريد أن الكهول في حسن سيرتك وعدلك صاروا شبابا والأحداث عند غيرك صاروا شيبا بظلمه وسوء سيرته ألا ليت يوم السير يخبر حره ... فتسأله والليل يخبر برده يذكر أنه قاسى في الطريق إليه حر النهار وبرد الليل يقول ليتهما يخبران فتسألهما عما قاسيت وليتك ترعاني وحيران معرض ... فتعلم أني من حسامك حده ترعاني ليس من رعاية الحفظ إنما هو بمعنى تراني وترقبني وحيران اسم ماء ومعرض ظاهر يقال اعرض الشيء إذا بدا للناظر ومنه، وأعرضت اليمامة واشمخرت، كأسياف بأيدي مصلتينا، يقول ليتك كنت تراني وأنا بهذا الماء فترى جلدي وانكماشي فتعلم أني ماض في الأمور مضاء حد حسامك وأني إذا حاولت أمرا أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشده ومازال أهل الدهر يشتبهون لي ... إليك فلما لحت لي لاح فرده أي مازال أهل الدهر متساوين متشاكلين في مسيري إليك فلما ظهرت لي ظهر الفرد الذي لا مشاكل له وهذا كقوله، الناس ما لم يروك أشباه، ومعنى قوله إليك أي قاصدا إليك وسائرا إليك فهو من صلة الحال المحذوفة يقال إذا أبصرت جيشا وربه ... أمامك ملك رب ذا الجيش عبده هذا تفسير للذي قبله أي إذا رأيت جيشا وملكه فاستعظمته قيل لي أمامك ملك هذا الذي تراه عبده فالذين رآهم هم الذين اشتبهوا له والذي قيل له رب ذا الجيش عبده هو الفرد الذي لاح وألقى الفم الضحاك أعلم أنه ... قريب بذي الكف المفداة عهده أي إذا لقيت إنسانا ضاحكا علمت قرب عهده بكفك وأخذه عطاءك فزارك مني من إليك اشتياقه ... وفي الناس إلا فيك وحدك زهده يخلف من لم يأت دراك غاية ... ويأتي ويدري أن ذلك جهده أي غاية كل طالب مرتبة دارك ونهاية ما يأتيه متكسب المجد أن يقصدك فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية فإذا أتاها علم أن ذلك جهده في ابتناء المجد واكتساب المعالي كما قال هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده يقول أن بلغت أملي فيك فلا عجب فكم قد بلغت الممتنع من الأمور الذي لا يدرك وجعل الماء الذي لا يرده الطير مثلا للممتنع من الأمر وإنما ضرب هذا المثل لأمله فيه لبعد الطريق إليه وأبن جنى يقول يمكن أن يقلب هذا هجاء ومعناه إن أخذت منك شيئا على بخلك وامتناعك من العطاء فكم قد وصلت إلى المستصعبات واستخرجت الأشياء المعتاصة ووعدك فعل قبل وعد لأنه ... نظير فعال الصادق القول وعده يقول وعدك فعل بلا وعد وهو عين النقد لأن الفعل قبل الوعد نقد ومن كان وافيا بمواعيده فوعده نظير فعله لأنه إذا وعد شيئا فعله فلركون النفس إلى وعده كأنه نقده فكن في اصطناعي محسنا كمجرب ... يبن لك تقريب الجواد وشده يقول جربني في اصطناعك إياي ليتبين لك أني موضع للصنيعة فإن بالتجربة يعرف الفرس وأنواع جريه من التقريب والشد إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده يقال نفاه ونفاه مخففا ومشددا يقول إذا جربت السيف بان لك صلاحه وفساده فإما أن تلقيه لأنه كهام وإما أن تعده للحرب لأنه حسام وهذا مثل ضربه لنفسه يقول جربني فإما أن تصطنعني وإما أن ترفضني ثم أكد هذا بقوله وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده

стр. 322

يقول السيف القاطع الهندي كغيره من السيوف إذا لم يسل في الحرب ولم يجرب أي إنما يعرف ما عنده من المضاء وحسن الأثر إذا جرب كذلك أنا ما لم أجرب لم يعرف ما عندي ولم يكن بيني وبين غيري فرق وكان يطلب منه أن يوليه يقول له جربني لتعرف ما عندي من الكفاية وأني اصلح لأن أكون واليا وهذا من قول الطائي، لما انتضيتك للخطوب كفيتها، والسيف لا يكفيك حتى ينتضي، وإنك للمشكور في كل حالة ... ول لم يكن إلا البشاشة رفده الكناية تعود إلى المشكور يقول أنت مشكور من جهتي في كل حال وإن لم تعطني إلا طلاقة وجهك أي أكتفي منك بأن أراك بشاشا طلق الوجه واشكرك على ذلك فكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظه طرف منك عندي نده يقول نظرك إلى نظير كل نوال منك أخذته أو سآخذه وإني لفي بحر من الخير أصله ... عطاياك أرجو مدها وهي مده يريد كثرة ما يصل إليه من الخير والبر والصلات والمد زيادة الماء يقول أرجو زيادة عطاياك فإنها زيادة ذلك البحر الذي أنا فيه وهي مادته وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده يقول لست أرغب في ذهب ومال من جهتك ولكن في فخر جديد كأنه أراد أن يوليه ولاية كما قال المهلبي، يا ذا اليمينين لم أزرك ولم، أصحبك من خلة ولا عدم، زارك بي همة منازعة، إلى جسيم من غاية الهمم، ومثله، لم تزرني أبا علي سنو الجدب وعندي من الكفاف فضول، غير أني باغ جليلا من الأمر وعند الجليل يبغي الجليل، ومثله للطائي، ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم، فإني لم أخدمك إلا لأخدما، ومثله لأبي الطيب، فسرت إليك في طلب المعالي، وسار سواي في طلب المعاش، يجود به من يفضح الجود جوده ... ويجمده من يفضح الحمد حمده أي تجود به أنت وجودك فافضح لجود غيرك بزيادته عليه واحمدك أنا وحمدي يفضح حمد غيري لأنه فوقه فإنك ما مر النحوس بكوكب ... وقابلته إلا ووجهك سعده يقول النحوس لا يمر بكوكب وله من وجهك سعد إذا قابلته كما قال الطائي، تلقى السعود بوجهه وبحبه، وعليك مسحة بغضة فتحبب، والمعنى إنك تسعد المنحوس وتغني الفقير ودس الأسود إلى أبي الطيب من قال له قد طال قيامك في مجلسه يريد أن يعلم ما في نفسه فقال يقل له القيام على الرؤوس ... وبذل المكرمات من النفوس يقول يقل له أن نقوم في خدمته ولو على الرؤوس وأن نبذل في خدمته النفوس المكرمة ومن روى المكرمات أراد الأفعال الكريمة أي يقل له أن نكرمه بخدمة أنفسنا إياه إذا خانته في يوم ضحوك ... فكيف تكون في يوم عبوس إذا خانته النفوس فلم تقم له ولم تخدمه في السلم فكيف تخدمه ي الحرب ومات للأسود خمسون غلاما في الدار الجديدة التي انتقل إليها في أيام يسيرة ففزع وخرج منها إلى دار أخرى فقال أبو الطيب أحق دار بأن تدعى مباركة ... دار مباركة الملك الذي فيها يقول أحق الديار بأن تدعى وتسمى مباركة دار ملكها أو ملكها الذي فيها مبارك يعني إذا كان صاحب الدار مباركا فداره مباركا أحق الدور بأن تدعى مباركة وأجدر الدور أن تسقى بساكنها ... دار غدا الناس ستسقون أهليها يقول أولى الدور بأن تكون مسقية ببركة من يسكنها دار سكانها سقاة الناس يعني إذا كان السكان يسقون الناس وينفعونهم فدارهم مسقية بهم تشمل بركاتهم الدار هذي منازلك الأخرى نهنئها ... فمن يمر على الأولى يسليها يقول هذه التي انتقلت وعدت غليها نهنئها بعودتك إليها فمن الذي يأتي الدار التي فارقتها فيعزيها إذا حللت مكانا بعد صاحبه ... جعلت فيه على ما قبله تيها أي إذا نزلت مكانا بعد ارتحالك عن مكان أخر اعطيته فخرا على المرتحل عنه بنزولك إياه لا ينكر العقل من دار تكون بها ... فإن ريحك روح في مغانيها يقول لا تتعجب من أن تكون الدار التي تحلها عاقلة حتى تفرح بسكناك وتحزن لمفارقتك فإن ريحك روح لها أتم سعدك من لقاك أوله ... ولا أسترد حياة منك معطيها وقال أيضا يمدحه وقد قاد إليه مهرا أدهم في شهر ربيع الآخر سنة ٣٤٧ فراق ومن فارقت غير مذممِ ... وأم ومن يممتُ صير ميممِ

стр. 323

يقول عند ارتحاله فراق أي هذه الحال التي أنا فيها فراق والذي أفارقه غير مذموم يعني سيف الدولة وهذا الفراق قصد لإنسان آخر وهو خير مقصود يعني الأسود وما منزل اللذات عندي بمنزلٍ ... إذا لم أبجل عنده وأكرمِ يقول لا أقيم بمكان للذة العيش وطيب الحيوة إذا لم أكن مكرما معظما سجيةُ نفسٍ لا تزالُ مليحةً ... من الضيمِ مرميا بها كل مخرمِ المليحة المشفقة الخائفة يقال ألاح من الأمر إذا اشفق منه والمخرم الطريق في الجبل يقول هذا الفراق سجيةٌ نفسي التي هي أبدا خائفة من أن تظلم ويبخس حقها من الأكرام وأنا أرمي بها كل طريق هاربا بها من الضيم والذل رحلت فكم باكٍ بأجفانِ شادنٍ ... عليَّ وكم باكٍ بأجفانِ ضيغم أي فكم من رجال ونساء بكوا على فراقي وجزعوا لارتحالي عنهم فالباكي بجفن الشادن المرأة المليحة الحسناء والباكي بأجفان الأسد الرجل الشجاع الكريم وما رب القرطِ المليحِ مكانهُ ... عذرت ولكن من حبيبٍ معممِ أي لو كان الذي أشكوه من الغدر بي كان من امرأة عذرتها لأن شيمة النساء الغدر ولكنه من رجلٍ والمعمم كناية عن الرجل لأن المرأة لا تتعمم رمى واتقى رميي ومن دونِ ما اتقى ... هوى كاسرٌ كفى وقوسي وأسمهي هذا مثل يقول لم يحسن إليّ ولم أهجه لحبي إياه فضرب المثل لاساءته إليه بالمر ولأمنه عن المكافاة بالهجاء بالاتقاء بحب يكسر كفه وقوسه وسهامه إن أراد أن يرميه والمعنى أن حبي إياه منعني عن مكافاته بالإساءة فكان كرامٍ يرميني وهو وراء جنةٍ من حبي تمنعي عن أن أرميه إذا ساء فعلٌ المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهمِ يقول المسيء الظن لا يأمن من اساء إليه وما يخطر بقلبه من التوهم على اصاغره يصدق ذلك وهذا كما قال بعضهم، وما فسدت لي يشهد الله نيةٌ، عليك بل استفسدتني فاتهمتني، وعادى محبيه بقولِ عداتهِ ... وأصبح في ليلٍ من الشك مظلمِ أصادق نفس المرء من قبل جسمهِ ... وأعرفها في فعلهِ والتكلمِ يريد بالنفس الهمة والمعاني التي في نفس الإنسان من أخلاقه يذكر لطف حسه ودقة علمه وأنه قبل أن تقع بينه وبين من يحبه المعرفة يصادق نفسه أولا ويستدل عليها فعله وكلامه وأحلمُ عن حلي وأعلم أنه ... متى أجزهِ حلما على الجهلِ يندمِ يقول أصفح عن خليلي علما بأني متى جازيته على سفهه وجهله بالحلم ندم على قبيح فعله فاعتذر إليّ وأعتب إلى مرادي وهذا المعنى من قول سالم بن وابصه، ونيربٍ من موالي السوء ذي حسدٍ، يقتات لحمي وما يشفيه من قرمٍ، داويتُ صدرا طويلا غمرهُ حقداً، منه وقلمت أظفاراً بلا جلم، بالحزم والخير أسديه وألحمه، تقوى الإله وما لم يرع من رحمي، فأصبحت قوسه دوني موترةً، يرمي عدوي جهارا غير مكتتمِ، إن من الحلم ذلا أنت عارفهُ، والحلمُ عن قدرةٍ فضل من الكرم، ومن روى أنني متى أجزه يوما على الجهل أندم أي متى جهلت عليه كما جهل عليّ ندمت على ذلك لأن السفه والجهل ليس من أخلاقي وإن بذل الإنسان لي جود عابسٍ ... جزيت بجود التاركِ المتبسمِ يقول أن جاد عليّ إنسان في كراهةٍ وعبوس جزيت جوده بترك عطائه في تبسم ورضاً بتركه وأهوى من الفتيان كل سميدعٍ ... نجيبٍ كصدرِ السمهري المقومِ يقول أحب من الفتيان كل كريم يأتي الناس بيته للضيافة نجيب طويل القد كالرمح المقوم خطت تحته العيش الفلاة وخالطت ... به الخيل كبات الخميس العرمرمِ أي قد سافر كثيرا وقطعت به الإبل الفلاة وشهد الحرب فخالطت به الخيل الجيش والكبة الصدمة والحملة من قولهم كبه لوجهه إذا ألقاه قال بعض العرب طعنته في الكبة طعنةً في السبة فأخرجتها من اللبة فقيل كيف طعنته في السبة وهي حلقة الدبر فقال إن رمحه كان قد سقط من يده فأكب ليأخذه فطعنته ولا عفةٌ في سيفه وسنانهِ ... ولكنها في الكف والفرج والفمِ أي هو عفيف النفس وليس بعفيف السيف والسنان إذا شهد الحرب قتل الأقران ولم يثعفف عن دمائهم وما كل هاوٍ للجميلِ بفاعلٍ ... ولا كل فاعلٍ له بتممِ يقول ليس كل من يحب الأمر الجميل يصنعه وليس كل من يصنعه يكلمه

стр. 324

فدًى الكرام كخيل سوابق وجعله كأدهم يتقدم تلك السوابق وهن يجرين على إثره يعني أنه أمام الكرام وسابقهم أغر بمجدٍ قد شخصن وراءه ... إلى خلقٍ رحبٍ وخلقٍ مطهمِ أراد بأدهم أغر بمجد جعل غرته المجد لا البياض وهذه السوابق قد مددن أعينها وراء هذا الأغر ينظرن إلى خلق واسع وخلقٍ تام الجمال إذا منعت منك السياسة نفسها ... فقف وقفةً قدامهُ تتعلمِ يقول إذا لم تحسن السياسة فأخدمه بالقيام أمامه مرةً تتعلم منه حسن السياسة يضيق على من راءه العذر أن يرى ... ضعيف المساعي أو قليل التكرمِ يقول من رآه لم يكن له عذر أن يكون ضعف المسعاة قليل الكرم يعني منه تتعلم هذه الأشياء فمن رآه ولم يتعلمها منه فهو غير معذور وابن جنى جعل هذا داخلا في الهجاء على معنى أن مثله في خسته ولوم أصله إذا كانت له مسعاةٌ وتكرمٌ فلا عذر لأحد بعده في تركها كما قال الآخر، ولا تيأسن من الإمارة بعد ما، خفقت اللواء على عمامةِ جرولِ، ومن مثل كافورٍ إذا الخيل أحجمت ... وكان قليلا من يقول لها أقدمي يقول إذا أحجمت الكتيبة وقل من يحثها على ورود المعركة فمن مثله أي أنه يحث الخيل عند الإحجام ويشجعها على لقاء العدو والرواية اقدمي بضم الدال أي تقدمي من قدم يقدم إذا تقدم ومن روى بفتح الدال فمعناه ردي الحرب من قدامه يقدم قدوما شديد ثبات الطرف والنقع واصلٌ ... إلى لهواتِ الفارسِ المتلثمِ يقول إذا سطع الغبار حتى وصل إلى لهوات من شد على فمه اللثام فهو حينئذٍ ثابت في المعركة لا يحجم ولا يتأخر ومن روى بفتح الطاء فمعناه أن عينه لا تبرق ولا يتداخله الفزع أبا المسك أرجو منك نصرا على العدا ... وآمل عزا يخضب البيض بالدمِ أي أرجو منك عزا أتمكن به من أعدائي ويوما يغيظ الحاسدين وحالةً ... أقيم الشقا فيها مقام التنعمِ يقول أرجو أن أدرك بعزك حالةً شقائي فيها وتعبي مثل التنعم عندي أي أشقى في حرب الأعداء فاتنعم بذلك ويجوز أن يكون المعنى أني أبدل تنعم الأعداء بالشقاء لما أورد عليهم من الحسد لنعمتي والغيظ لمكاني ويشقون بي ويجوز أن يريد أني أستبدل بالشقاء تنعما ولم أرج إلا أهل ذاك ومن يرد ... مواطرَ من غيرِ السحائب يظلمِ يقول أنت أهل لأن يرجى عندك ما رجوته ولم أضع الرجاء منك في غير موضع كمن يرجو مطرا من غير سحاب فيقال له ظلمت حين رجوت المطر من غير موضعه فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشوق المستهام المتيم ولا نبحت خيلي كلاب قبائلٍ ... كأن بها في الليلِ حملات ديلمِ يريد أنه كان يمر بالليل في طريقه إلى مصر على لاقبائل فتصول كلابها على خيله كأنها أعداء تحمل عليها وأراد بالديلم الأعداء والعرب تعبر عن اسم الديلم بالأعداء وهم جيل من الناس كانت بينهم وبين العرب عداوة فصار أسمهم عبارة عن الأعداء ومنه قول عنترة، زوراء تنفر عن حياض الديلم، وقال ابن جنى سأل أبا الطيب بعض من حضر فقال أتريد بالديلم الأعداء أم هذا الجيل ن العجم فقال بل من العجم ولا أتبعت آثارنا عين قائفٍ ... فلم تر إلا حافراً فوق منسمِ يقول إن الذي اتبعنا ليردنا عن المسير إليك لم ير إلا آثار الإبل والخيل أي لم يدركنا لسرعة سيرنا وعادتهم إذا طالت عليهم الرحلة إن يركبوا الإبل ويجنبوا الخيل فلذلك قال إلا حافرا فوق منسم يعني إلا أثر حافر فوق أثر خف ومن هذا قول الآخر، أولى فأولى يا أمرء القيس بعدما، خصفنا بآثار المطي الحوافرا، وسمنا بها البيداء حتى تغمرت ... من النيل واستذرت بظل المقطمِ يقول وسمنا البيداء بآثار خيلنا وركابنا حتى وردت النيل فشربت منه دون الريّ والتغمر الشربُ القليل من الغمر وهو القدح الصغير وإنما قل شربها لأنها وردت الماء مكدودة فقل شربها حينئذٍ ومنه قول طفيل، أنخنا فسمناها النطافَ فشاربٌ، قليلً وابٍ صد عن كل مشربِ، واستذرت نزلت في ذراه أي في ناحيته وكنفه والمقطم جبل مروف بمصر وأبلخ يعصي باختصاصي مشيره ... عصيت بقصديه مشيري ولومي

стр. 325

الأبلخ العظيم في نفسه وهو من صفات الملوك وبالجيم الجميل الوجه وهو عطف على المقطم أي وبظل أبلخ يعصي من يشير عليه بتركي بأن يختصني دون غيري كما أني عصيت من أشار عليّ بترك المسير إليه ولا معنى في ذلك لبعد الطريق يقال أنه أراد بهذا ابن حنزابة وزير الأسود ولم يكن المتنبي مدحه فساق إلي العرف غير مكدرٍ ... وسقت إليه الشكر غير مجمجمِ أي لم يكدر إحسانه إليّ بالمنذ ولم ينغصه بالأذى والمجمجم من قولهم جمجم كلامه إذا عماه وستره ولم يأت به على الوجه الذي يهتدي إليه فقال ابن جنى أي ليس فيه عيب ولا إشارة إلى ذم قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا ... حديث وقد حكمت رأيك فأحكمِ أراد من الأملاك فحذف من واوصل الفعل كقوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا يقول اخترتك من جملة ملوك الدنيا بالقصد إليك فاختر لهم بنا حديثا من مدحٍ أو هجاء بمنعٍ أو عطاء أي أنهم يتحدثون بنا وبما كان منا فاختر ما تريد من ثناء وإطراء بالبر والإحسان أو ذم أو هجاء بالبخل والحرمان ولم يعرف ابن جنى هذا فقال أي افعل بي فعلا إذا سمعوه كان مختارا مستحسنا عندهم وليس هذا الذي يقوله بالبيت ألا ترى أنه قال وقد حكمت رأيك فأحكم أي أنت المحكم فيما تختار ولو أراد ما قاله لم يكن محكما فأحسن وجهٍ في الورى وجه محسنِ ... وأيمن كف فيهم كف منعمِ هذا البيت يروى عن هطاء له بقبح الصورة وأنه لا منقبة له يمدح بها غير أنه أحسن بالأعطاء فوجهه أحسن الوجوه بالإحسان ويده أيمن الأيدي بالإنعام وكذلك البيت الذي بعده وأشرفهم من كان أشرف همةً ... وأكثر إقداما على كل معظمِ يريد أنه خالٍ مما يمدح به الملوك من حسب أو نسبٍ أو شرف تليد فإن لم يستحدث لنفسه شرفا مطرفا بعلو همة أو إقدام لم يكن له خصلة يمدح بها لمن تطلبُ الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو مسآءة مجرمِ أي إنما تراد الدنيا لنفع الأولياء وضر الأعداء وليست تصلح لغير هذين وقد وصل المهر الذي فوق فخذهِ ... من اسمك ما في كل عنقٍ ومعصمِ يريد أن المهر كان موسوما بأسمه الذي هو سمةٌ لكل حيوان يعني أنه ملكٌ مالكٌ كل حيّ ألا ترى إلى قوله لك الحيوان الراكب الخيل كله ... وإن كان بالنيران غير موسم ولو كنت أدرى كم حياتي قسمتها ... وصيت ثلثيها انتظارك فاعلمِ هذا استبطاء لما يرجو منه يقول لو كنت أعرف كم قدر في الدنيا لجعلت ثلث ذلك القدر مدة انتظار عطائك وهذا من قول مسلم بن الوليد، لو كان عندك ميثاق يخلدنا، إلى المشيب انتظرنا سلوة الكبر، ولكن ما يمضي من الدهر فائتٌ ... فجد لي بحظ الباردِ المتغنمِ يقول ما فات من العمر لا يعود يعني لا يطول مدة البقاء فإن الماضي غير مسترك فجد لي بحظ من يستعجل ويغتنم وقت القدرة والإمكان رضيت بما ترضى به لي محبةً ... وقدت إليك النفس قود المسلمِ هذا كالعود من عتاب الإستبطاء يقول إن كنت ترضى بتأخير ما أرجوه فأنا أرضى به أيضا محبة لك وانجذابا إلى هواك لأني قدت نفسي إليك قود من يسلم لك ما تفعله والمسلم لا يعارض بشيء ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلمهُ عني ولم أتكلمِ يقول مثلك في كرمك وسماحتك يكون فؤاده وسيطا بينه وبيني فيكلمه عني ولا يحوجني إلى الكلام وخرج من عنده فقال يهجوه أنوك من عبدٍ ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسهِ النوك الحمق والأنوك الأحمق يقول الذي يجعل العبد حاكما على نفسه فهو أنوك من عبد ومن عرس نفسه يعني المرأة أي أحمق من المرأة ومن العبد من يكون في طاعة العبد ومن ابتداء وخبره ما قبله كما تقول أحسن من عمرو ومن أخيه زيدٌ ويجوز أن يعود الضمير في عرسه على العبد ويريد به الأمة لأن العبد يتزوج بالأمة في غالب الأحوال وهذا عتاب يعاتب به نفسه حين أتى الأسود فأحتاج إلى أن يطيعه ما من يرى أنك في وعدهِ ... كمن يرى أنك ي حبسهِ يقول الذي يرى أنك في وعده يحسن إليك ويبرك والذي يرى أنك في حبسه يذلك ويسيء إليك يعني أنه في حبس كافور ليس في وعده وإنما يظهرُ تحكيمهُ ... ليحكم الإفسادَ في حسهِ يريد من أظهر تحكيم العبد على نفسه دل ذلك على سوء اختياره وسوء الأختيار يدل على فساد الحس

стр. 326

العبد لا تفضل أخلاقهُ ... عن فرجه المنتن أو ضرسهِ يريد أن همة العبد مقصورة على فرجه وبطنه فلا فضل فيها من هذين لمكرمةٍ وبر وإحسان لا ينجز الميعاد في يومهِ ... ولا يعي ما قال في أمسهِ لا ينجز ما وعده في يوم انقضاء الوعد كما تقول وعدتك كذا في يوم كذا فإذا جاء ذلك اليوم فهو يوم الميعاد ولا يعي أي لا يحفظ ما قاله بالأمس يعني أنه لغفلته وسوس فطنته ينسى ما يقوله وإنما تحتال في جذبه ... كأنك الملاحُ في قلسهِ القلس حبل السفينة يقول لا يأتي مكرمةٌ بطبعه بل تحتال فتجذبه كما يجذب الملاح السفينة لتجري فلا ترج الخير عند امرىءٍ ... مرت يد النخاس في رأسهِ وإن عراك الشك في نفسهِ ... بحالهِ فانظر إلى جنسهِ يقول إن شككت في حاله ولم تعرفه فقسه بغيره من العبيد فأنك لا ترى أحدا منهم له مروةٌ وكرم فقلما يلؤم في ثوبهِ ... إلا الذي يلؤم في غرسهِ يريد أن اللؤم طبيعةٌ طبع عليها اللئيم في غرسه ومن كان لئيما كان مولودا على اللؤم من وجد المذهب عن قدره ... ولم يجد المذهب عن قنسهِ القنس الأصل يقول من ذهب عن قدر استحقاقه في الدنيا فنال وولاية أو غنى وهو لا يستحق ذلك لم يذهب عن أصله في اللؤم لأن الأشياء تعود إلى أصولها ومن كان لئيم الأصلِ فهو ينزع إلى ذلك اللؤم وأتصل قوم من الغلمان بأبن الأخشيدي مولى كافور طلبا للفساد بينهما وجرت وحشة أياما ثم ردهم إليه واصطلحا فقال أبو الطيب حسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسادِ يقول أشتهت الأعداء أن يهيج بينكما شر والحساد أذاعوا ذلك ثم أنحسم بالصلح ما اشتهوه وأذاعوه وأرادته أنفس حال تدبي ... رك ما بينها وبين المرادِ أي وحسم ما أرادته أنفس منع تدبيرك بينهم وبين ما أراده من أثاره الشر صار ما أوضع المخبون فيه ... من عتابٍ زيادةً في الودادِ يقال أوضع الراكب بعيره إذا حمله على السير السريع والمخبون الذين خيلهم على الخبب يقول صار سعي من سعى بينكم في الفساد زيادةً في الوداد لأن الود بعد العتاب اصفى وكلام الوشاة ليس على الأح ... بابِ سلطانهُ على الأضدادِ يقول كلام الوشاة إنما يؤثر إذا كان بين الأضداد فإذا كان بين الأحباب سقط ولم يؤثر لأنه إنما يتسلط على الأضداد إنما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وافقت هوى في الفؤادِ إي إنما يبلغ القول النجاح إذا سمعه من يوافق هواه ذلك القول وهذا تبرئة لابن مولاه من موافقة قلبه كلام الوشاة ولعمري لقد هززت بما قي ... ل فألفيت أوثق الأطوادِ يقول حركت بما قيل لك ونقل إليك فكنت كالجبل الذي لا يتحرك أي لم يؤثر فيك قول الواشين والساعين بالنميمة وأشارت بما أبيت رجالٌ ... كنت أهدي منها إلى الإرشادِ أي أشار عليك قوم بالشقاق والخلاف فأبيت ذلك وكنت أرشد منهم في ذلك ومعنى الإرشاد أي إلى إرشاد الناس فيه حين أرشدتهم إلى الصلاح لا إلى الخلاف قد يصيب الفتى المشير ولم يج ... هد ويشوى الصواب بعد اجتهادِ يقول المشير الذي لم يجتهد قد يصيب بإشارته والمجتهد قد يخطىء بعد الاجتهاد يعني أن الذين اعلموا الراي اخطؤوا حين أمروك بإظهار الخلاف وأنت أصبت الراي عفواً حين ملت إلى الصلح نلت ما لا ينال بالبيض والسم ... رِ وصنت الأرواح في الأجسادِ يقول أدركت بالصلح ما لا يدرك بالسيوف والرماح من غير أراقة دمٍ ولا قتل نفسٍ وذلك أنه صالحه على أن يدفع إليه المضرين والساعين ففعل ذلك وقتلهم الأسود ما دروا إذ رأوا فؤادك فيهم ... ساكنا أن رأيه في الطرادِ يقول لم يعلم الناس حين رأوك ساكن القلب إنك تطارد رأيك وتجتهد في طلب الصواب ففدى رأيك الذي لم تفده ... كل رأيٍ معلمٍ مستفادِ يقول يفدي رأيك الذي هو تلاد غير مستفاد بتجربة وتعليم كل رأيٍ معلمٍ مستفاد وإذا الحلم لم يكن في طباعٍ ... لم يحلم تقدمُ الميلادِ يقول إذا لم يطبع المرء على الحلم الغريزي لم يفده علو سنه وتقدم ولادته حلما وليس الشيخ أولى بصحة الرأي من الشاب فبهذا ومثله سدت يا كا ... فور واقتدت كل صعبِ القيادِ

стр. 327

يقول بهذا الرأي الذي رأيت في هذه الحادثة ومثله في سائر الحوادث سدت الناس وانقاد لك ما لا ينقاد لغيرك وأطاع الذي أطاعك والطا ... عة ليست خلائق الآسادِ أي وبمثل هذا الراي أطاعك الناس والرجال الذين كانوا أسود مع أن الأسود ليس من خلقها الدخولِ تحت الطاعة إنما أنت والدق والأب القا ... طع أحنى من واصلٍ الأولادِ يقول أنت في تربيتك إياه كالوالد والوالد القاطع أبر بالولد من الولد بالوالد وإن كان يصله لا عدا الشر من بغي لكما الش ... ر وخص الفساد أهل الفسادِ هذا على طريق الدعاء يقول لا تجاوز الشر من يطلب لكما الشر أي لا زال في الشر من أراد أن يوقع بينكما الشر ولا تعدى الفساد أهل الفساد حتى يكون مخصوصا بهم أي الذي طلب فساد أمركما لا برحه الفساد أنتما ما اتفقتما الجسم والرو ... ح فلا احتجتما إلى العوادِ يقول مثلكما في اتفاقكما كالروح والجسد إذا اتفقا صلح البدن واستغنى عن الطبيب والعائد وإذا تنافرا فسد البدن ومعنى قوله فلا احتجتما إلى العواد أي لا وقع بينكما خلاف وشر وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعادِ جعل الأنابيب مثلا للاتباع والصدور مثلا للرؤساء يقول اختلاف الخدم يؤدي السادة إلى التجاذب والتنازع كالرماح إذا اختلفت أنابيبها لم تستقم صدورها أشمت الخلف بالشراة عداها ... وشفى رب فارسٍ من إيادِ الشراة الخوارج وهم سموا أنفسهم بهذا الإسم يعنون أنهم شروا أنفسهم من الله بالقتال في دينه يذكر أن الخلاف الواقع بين الأقوام فيما سبق من الدهر أداهم إلى شماتة اعدائهم بهم حين اختلفوا فتمكن منهم عدوهم بسبب اختلافهم فيما بينهما كالخوارخ ظفر بهم المهلب بن أبي صفرة لما اختلفوا وذلك أنهم كانوا مجتمعين متضافرين ولم يكن يقوى بهم المهلب واحتال على نصالٍ لهم كان يتخذ لهم نصالا مسمومةً فكتب إليه وصل ما بعثت من الناصل المختومة للآجال فحمدنا فعلك وشكرنا فضلك وسنرفع ذكرك ونعلي قدرك إن شاء الله تعالى على يد من اعثرهم عليه فقط قطري بن الفجاة علاوته واختلفوا فصوبته فرقة وخطأته أخرى وتقاتلوا حتى قل عددهم وأما إياد فاختلوا وتفرقوا في البلاد فتمكن منهم سابور ذو الأكتاف وهو رب فارس وتولى بني البريدي في البصرة حتى تمزقوا في البلادِ بنو البريدي أبو عبد الله وأبو يوسف وأبو الحسين قصدوا البصرة وأخرجوا ابن رائق وكان عامل الخليفة واستولوا عليها ثم اختلفوا فخوى نجمهم وذهب ملكهم ومعنى تولى بني البريدي أي تولاهم الخلف بأن اختلفوا وملوكا كأمس في القرب منا ... وكطسمٍ وأختها في البعادِ يقول تولى الخلف ملوكا قرب عهدهم منا وأخرين بعده كطسم وجديس فيكما بت عائذا فيكما من ... هـ ومن كيد كل باغٍ وعادِ أي أعذكما بالله من الخلاف ومن كيد البغاة والعداة العادين ومعنى لفظه أعوذ فيكما لأجلكما من الخلاف وبلبيكما الاصيلين أن تف ... رق صم الرماحِ بين الجيادِ أعوذ بما لكما من اللب الأصيل أن تختلفا فتصيرا طائفتين تقتتلان أي وأعوذ أن يقتل بعضكم بعضا بما تدخرون من السلاح ويصير من شقى به عدوا لأنه إنما يعد السلاح للعدو لا للولي فإذا قتل به بعضكم بعضا فقد صرتم أعداء هل يسرن باقيا بعد ماضٍ ... ما يقول العداةُ في كل نادِ يقول الذي يبقى منكما بعد الماضي هل يسره ما يقوله الأعداء في المجالس ويحدثون عنه بغدره وتركه حرمة صاحبه وهذا استفهام إنكار منع الود والرعايةُ والسو ... ددأن تبلغا إلى الأحقاِد أي منعكما أن يحقد أحدكما على صاحبه ما بينكما من الود ورعاية الحقوق وما فيكما من السيادة وحقوق ترقق القلب للقل ... ب ولو ضمنت قلوبَ الجمادِ يعني حقوق التربية والقيام بأمره وهو طفل صغير وتلك الحقوق لو كانت بين الجماد لرق بعضه لبعض فغدا الملك باهرا من رآه ... شاكرا ما أتيتما من سدادِ فيه أيديكما على الظفر الح ... لو وأيدي قومٍ على الأكباد أي تألمت أكباد الحساد بما فعلتما من الصلح فوضعوا الأيدي على الإكباد هذه دولة المكارمِ والرأ ... فةِ والمجد والندى والأيادي يريد أن دولتكم دولة ما ذكرته فلا تعرضوها للخلاف

стр. 328

كسفت ساعة ما تكسف الشم ... س وعادت ونورها في إزديادِ يريد ما كان بينكما من الوحشة ثم زالت كالشمس تكسف ثم يزول كسوفها يزحم الدهر ركنها عن أذاها ... بفتًى ماردٍ على المرادِ يعني بالركن قوتها وسعادتها يقول ركن هذه الدولة يدفع الدهر عن أذاها بفتى مارد وهو كافور على المراد يعني أنه لا ينقاد لمن مرد عليه وعصي متلفٍ مخلفٍ وفيٍّ أبيٍّ ... عالمٍ حازمٍ شجاعٍ جوادِ متلف للمال بالعطاء مخلف كسوب للمال إذا أتلفه فيأتي له بخلف أجفل الناس عن طريق أبي المس ... ك وذلت له رقابُ العبادِ أي أسرعوا ذاهبين عن طريقه فتركوه له ولم يعارضوه لقصورهم عنه وذلت له رقاب الناس فملكهم كيف لا يترك الطريق لسيلٍ ... ضيقٍ عن أتيهِ كل وادِ الأتى السيل الذي يأتي من موضعٍ إلى موضعٍ يقول كيف لا يترك الطريق لسيلٍ يضيق عن مائه الوادي وإذا كان الماء غالبا وضاق عنه بطن الوادي فكل موضع أتى عليه صار طريقا له وهذا مثل لكافور وأنه يغلب غلبة السيل والسيل لا يرد عن وجهه كذلك هو لا يعارضه أحد وقال يمدحه في شوال سنة ٣٤٧ وقد حمل إليه ستمائة دينار أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب يقول بيني وبين الشوق مغالبة لأجلك والغلبة للشوق لأنه يغلب صبري ويجوز أن يكون الأغلب معناه الغليظ الرقبة كالأسد الذي لا يطاق ولا يغالب وكأنه قال والشوق صعب شديد ممتنع وأعجب من ذا الهجر لتماديه وطوله والوصل لو وافقنا كان أعجب منه لأن عادة الأيام التفريق أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضا تنأى أو حبيبا تقرب يقول أما يقع للأيام الغلط مرة واحدة بتقريب الحبيب أو إبعاد البغيض وتنإي تفعل من النأي يقال أنأيت الرجل ونأيته أي بعدته وناءيته مثل باعدته يريد أن الدهر مولع بادناء من يبغضه وإبعاد من يحبه يقول أفلا تغلط مرة فتبعد البغيض وتقرب الحبيب وجعل ذلك غلط من الدهر لأنه خلاف ما يأتي به الدهر كما قال الآخر في بخيل، يا عجبا من خالد كيف لا، يغلط فينا مرة بالصواب، وأصل هذا المعنى من قول مضرس، لعمرك إني بالخليل الذي له، علي دلال واجب لمفجع، وإني بالمولى الذي ليس نافعي، ولا ضائري فقدانه لممتنع، ومثله للطرماح، يفرق منا من نحب اجتماعه، ويجمع منا الدهر بين الضغائن، وقال الآخر، عجبت لتطويح النوى من أحبه، وإدناء من لا يستلذ له قرب، وقد قال المحدث، ومن أهواه يبغضني عنادا، ومن أشناه شص في لهاتي، ولله سيري ما اقل تئية ... عشية شرقيي الدالي وغرب التئية التلبث والتمكث ومنه قول الشاعر، قف بالديار وقوف زائر، وتأي إنك غير صاغر، والحدالي موضع بالشام وغرب جبل هناك معروف يتعجب من سرعة سيره ويقول ما كان أسرع سيري وأقل لبثه عشية كان هذان المكانان على جانبي الشرقي عشية أحفى الناس بي من جفوته ... وأهدي الطريقين الذي أتجنب يعني بأحفى الناس سيف الدولة يقول كان هو ألطف الناس بي فجفوته بتركه إلى غيره وكان أهدى الطريقين إن أعود إليه إلا إني هجرته وأخذت الطريق إلى مصر وقال أبن جنى كان يترك القصد ويتعسف خوفا على نفسه وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب المانوية أصحاب ماني وهو يقول بالنور والظلمة يقول الخير كله في النور وهو الذي يأتي بالخير والشر كله في الظلمة ورد عليه المتنبي في هذا البيت فقال كم نعمة للظلمة تبين أن هؤلاء الذين نسبوا الشر إليها كاذبون ليس الأمر على ما قالوا ثم بين تلك النعمة فقال قال أبن جنى وقاك ظلام الليل العدو وأنت تسرى عليهم وفيما بينهم فلا يبصرونك وزارك فيه طيف من تحبه قال أبن فورجة الطيف قد يزور نهارا وأيضا الطيف غير محجب وهلا جعل ذا الدلال المحجب نفس المحبوب فيكون كقول أبن المعتز، لا تلق غلا بليل من تواصله، فالشمس نمامة والليل قواد، ثم ذكر شر النور فقال ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب يقول رب يوم طال على طول ليل العاشقين تسترت فيه خوفا من الأعداء على نفسي أراقب غروب الشمس لأخرج عن المكمن وعيني إلى أذني أغر كأنهُ ... من الليلِ باقٍ بين عينيهِ كوكبُ

стр. 329

يريد أنه كان ينظر إلى أذني فرسه يحفظ نفسه بهما وذلك إن الفرس أبصر شيء فإذا أحس بشخص من بعيد نصب أذنيه نحوه فيعلم الفارس أنه ابصر شيئا ثم وصف فرسه فقال كأنه في لونه وسواده قطعةٌ من الليل وكأن الغرة في وجهه كوكبٌ من كواكب الليل قد بقي بين عينيه وهذا من قول أبي داود، ولها قرحة تلألأ كالشعري أضاءت وغم عنها النجومُ، له فضلةٌ عن جسمهِ في إهابهِ ... تجيء على صدرٍ رحيبٍ وتذهب يصف فرسه بسعة الأهاب ومهما كان الإهاب أوسع كان العدو أشد لأن سعةَ خطوة على قدر سعة إهابه ولهذا ليس للحمار عدو لضيق أهابه عن مد يديه يقول ففي أهابه فضلة عن حسمه تلك الفضلة على صدره الرحيب تجيء وتذهب شققت به الظلماء أدنى عنانهُ ... فيطغى وأرخيه مرارا فيلعبُ يقول شققت ظلام الليل بهذا الفرس إذا أدنيت عنانه إلى نفسي بجذبه وثب وطغى مرحا ونشاطا وإذا أرخيت عنانه لعب برأسه وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عه مثله حين أركبُ يقول إذا طردت وحشا به لحقه وصرعه وقفيته تلوته وتبعته وإذا نزلت عنه بعد الطرد والصيد كان مثله حين أركبه يعني لم يدركه العناء ولم ينقص من سيره شيء كما قال ابن المعتز، تخال آخره في الشد أوله، وفيه عدو ورآء السبق مذخور، وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجربُ يقول منزلة الخيل من الإنسان كمنزلة الصديق قليلةٌ وإن كثرت في العدد عند من لم يجربها يعني أنها بالتجربة تعرف فتبين الكوادن من السوابق التي لها جوهر في السبق والعدو كما أن الصديق يعرف بالتجربة ما عنده من صدق الوداد أو مذقه ولهذا يقال لا يعرف الأخ إلا عند الحاجة إذا لم تشاهد غير حسنِ شياتها ... وأعضائها فالحسنُ عنك مغيبُ إذا لم تر من حسن الخيل غير حسن الألوان والأعضاء فأنك لم تر حسنها يعني أن حسنها جريها وعدوها لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكبٍ ... فكل بعيد الهم فيها معذبُ قولهم لحا الله فلانا دعاء عليه وذم له وأصله من لحوت العود إذا قشرته ونصب مناخا على التمييز أي من مناخ او على الحال يذم الدنيا ويقول بئس المنزل هي فإن من كان أعلى همةً كان أشد عناءً فيها ألا ليست شعري هل أقول قصدةً ... فلا أشتكي فيها ولا أتعتبُ يقول ليتني أعلم هل تخلو لي قصيدةٌ من شكاية الدهر وعتابه بأن يبلغني المراد وأنال منه ما أطلب فأدع الشكاية وبي ما يذود الشعر عني أقلهُ ... ولكن قلبي يابنة القومِ قلبُ يقول بي من هموم الدهر وما جمعه عليّ من نوائب صروفه ما يمنع الشعر لشغل الخاطر عنه ولكن قلبي كثير التقلب لا يموت خاطره وإن أزدحمت عليه الهموم والأشغال وقوله يا بنةَ القوم وهو من عادة العرب فإن عادتهم قد جرت بمشابة النساء ومخاطبتها وإنما قال يا ابنة القوم إشارةً إلى كثرة أهلها وقال ابن جنى هو كنايةٌ عن قولهم يا بنة الكرام والقول الظاهر هو الأول لا ما قاله وأخلاقُ كافورٍ إذا شئتُ مدحهُ ... وإن لم أشأ تملي عليّ وأكتبُ يريد أن مدحه يسهل عليه بما فيه من محاسن الأخلاف كأنها تملى عليه المدائح فلا يحتاج إلى جلب معنى وجذب منقبة إليه إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويمم كافورا فما يتغربُ يقول إذا اغترب الإنسان عن أهله وقصده آنسه بعطاياه وتفقده إياه حتى كأنه في أهله ولم يتغرب عنهم وهذا من قول الطائي، هم رهط من أمسى بعيدا رهطه، وبنو أبي رجلٍ بغيرِ بني أبي، وأصل هذا المعنى من قول الأول، نزلت على آلٍ المهلبِ شاتيا، غريبا عن الأوطان في زمن المحل، فما زال بي إكرامهم واقتفاؤهم، وإلطافهم حتى حسبتهم أهلي، فتًى يملأ الأفعال رأياً وحكمةً ... ونادرةً أحيان يرضى ويغضبُ يقول أفعاله مملوؤة عقلا وحكمةً فمن نظر إلى أفعاله استدل بها على ما عنده من العقل والاصابة في كلتى حاليه من الغضب والرضا وقوله ونادرة أي فعلة غريبة لا توجد إلا منه وروى ابن جنى بارة بالباء أي بديهةً والنون أجود إذا ضربت في الحرب بالسيف كفهُ ... تبينت أن السيف بالكف يضرب

стр. 330

يقول إذا نظرت إلى أثر سيفه عند ضربه علمت أن سيفه بكفه يعمل لا كفه بسيفه يعني أن الضربة الشديدة إنما تحصل بقوة الكف لا بجودة السيف وإن السيف الماضي في يد الضعيف لا يعمل شيئا كما قال البحتري، فلا تغلين بالسيف كل غلايةٍ، ليمضي فإن الكف لا السيف يقطع، تريد عطاياه على التبث كثرةً ... وتلبث أمواه السحاب فتنضب يقول إذا تأخرت عطاياه فإنها تزاد كثرةً يعني أنه يعطي الجزيل وإن أبطأ والماء إذا طال مكثه نضب على خلاف عطاياه أبا المسك هل في الكاس فضل أنالهُ ... فإني أغنى منذ حين ونشربُ هذا تعريض بالاستبطاء وجعل مدحه إياه غناء يقول أنا كالمغنى في اطرابي إياك بالمدائح وأنت كالشارب تلتذ سماع مدحي وتحرمني الشراب فهل في الكاس فضل اشربه يعني هل تعطيني شيئا وهبت على مقدار كفى زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلبُ يقول وهبت على ما يليق بالزمان وأنا أطلب ما توجبه همتك ويقتضيه كرمك إذا لم تنط بي ضيعةً أو ولايةً ... فجودك يكسوني وشغلك يسلبُ يضاحك في ذا العيد كل حبيبهُ ... حذائي وأبكي من أحب وأندبُ أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغربُ يقال عنقاء مغربٌ وعنقاء مغربٍ على الوصف والاضافة ومعناه من قولهم اغرب في البلاد وغرب إذا بعد وذهب وهذا الطائر يوصف بالمغرب لبعده من الناس وذهابه حتى لا يرى قط قال الكميت، محاسن من دينٍ ودنيا كأنما، بها حلقت بالأمس عنقاء مغربُ، وقيل مغرب ولم يقولوا بالهاء لأن العنقاء اسم للذكر والأنثى كالدابة والحية ومن أضاف إلى مغرب كان من باب الإضافة إلى النعت كقولهم مسجد الجامع وكتاب الكاملِ يقول أشتاق إلى أهلي ولكنهم على البعد منى واشتياقي إليهم كمن اشتاق إلى العنقاء فإن لم يكن إلا أبو المسكن أو هم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذبُ يقول أن لم يجتمع لي لقاؤك ولقاؤهم فإنك أحلى عندي يعني أوثر لقاءك على لقائهم وكل أمرىءٍ يولي الجميلَ محببٌ ... وكان مكانٍ ينبتُ العز طيبُ يريد أ، هـ يوليه الجميل فهو يحبه وأنه يعزه وطاب مكانه عنده كما قال البحتري، وأحب آفاق البلاد إلى الفتى، أرض ينال بها كريم المطلب، يريد بك الحساد ما الله دافعٌ ... وسمر العوالي والحديد المذربُ يقول حسادك لا ينالون منك ما يطلبونه فإن الله يدفع ما يريدونه والرماحُ والسيوفُ ودون الذي يبغون ما لو تخلصوا ... إلى الشيب منه عشت والطفلُ أشيبُ يقول دون الذي يطلب الحساد من زوال ملكك وفساد أمرك الموت وهو قوله ما لو تخلصوا منه أي الموت أي أنهم يموتون قبل أن يروا فيك ما يطلبون ولو لم يموتوا عشت أنت وشاب طفلهم لشدة ما يرون وصعوبة ما يلحقهم من الحسد لك أو لما يقاسون منك ما توقعهم به إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكموا ... وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبوا أي أن طلبوا عطاءك اعطيتهم ما حكموا به وإن طلبوا ما فيك من الفضل لم يدركوه قال ابن جنى وإن راموا فضلك منعتهم منه قال ابن فورجة كيف يقدر الإنسان أن يمنع آخر من أن يكون في مثل فضله وإنما الله يقدر على ذلك وقد أتى به المتنبي على لفظ ما لم يسم فاعله فأحسن ولو جاز أن يجوو علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهبُ يقول لست تؤتى من بخل فلو كانت العلى موهوبةً لوهبتها وهذا من قول الطائي، فانفح لنا من طيب خيمك نفحةً، إن كانت الأخلاق مما توهب، وأصله من قول جابر ببن حباب، وإن تقتسم ما لي بني ونسوتي، فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فضلي، وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلبُ يقول أشد الظلم وأفحشه حسد المنعم عليك فمن بات متقلبا في نعمة إنسانٍ ثم بات حاسدا له فهو أظلم الظالمين والمعنى أن هؤلاء الذين يحسدونك أنت ولي نعمتهم وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعاً ... وليس له أم سواك ولا أبُ إنما قال هذا لأن صاحب بمصرَ مولى كافور مات وخلف ولده صغيرا فرباه كاوفر وقام دونه يحفظ الملك عليه وكنت له ليث العرين لشبلهِ ... وما لك إلا الهندواتي مخلبُ أي كنت للملك كالليث للشبل ولما جعله ليثا جعل سيفه مخلبا له

стр. 331

لقيت القنا عنه بنفسٍ كريمةٍ ... إلى الموت في الهيجا من العار تهربُ يعني حاميت على الملك ودافعت عنه بنفسك هاربا من العار إلى الموت أي تختار الموت على العار وقد يترك النفس التي لا تهابهُ ... ويخترم النفس التي تتهيبُ قد يترك الموت من لا يهابه فيوقع نفسه في المهالك وقد يصيب الموت من يحذره ويخافه وما عدم اللاقوك بأسا وشدةً ... ولكن من لاقوا أشد وأنجبُ يقول لم يعدم هؤلاء الذين لقوك محاربين شجاعةً وشدةَ إقدامٍ أي كانوا شجعاء أشداء ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب وهذا كقول زفر بن الحارث، سقيناهم كأسا سقونا بمثلها، ولكنهم كانوا على الموت أصبرا، ثناهم وبرق البيضِ في البيضِ صادق ... عليهم وبرق البيض في البيضِ خلبُ يقول هزمهم فصرفهم عن وجههم وبرق السيوف صادق لأنه يتبعه سيلان الدم وبرق البيض خلب لأنه تبرق ولا تسيل الدم سللت سيوفا علمت كل خاطبِ ... على كل عودٍ كيف يدعو ويخطبُ يقول سيوفك تعلم الخطباء الخطبة بإسمك في الدعاء لك لأنك أخذت البلاد بنفسك فصار خطيب كل بلد يخطب على إسمك ويغنيك عما ينسبُ الناس أنه ... إليك تناهي المكرمات وتنسبُ يقول يغنيك عن نسبة الناس إلى قبائلهم وعشائرهم إن المكرمات انتهت إليك ونسبت إليك أي لم يكن لك نسب في العرب فإنك أصل في المكارم وهذا من قول ابن أبي طاهر، خلائقهُ للمكرمات مناسبٌ، تناهى إليها كل مجدٍ مؤثلِ، وأي قبيلٍ يستحقك قدرهُ ... معد بن عدنانٍ فداك ويعربُ يقول أي أسرة تستحق أن تنسب إليها فأنك فوق كل أحد وما طربي لما رأيتك بدعةً ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطربُ هذا البيت يشبه الاستهزاء به لأنه يقول طربت على رؤيتك كما يطرب الإنسان على رؤية القرد وما يستملحه ويضحك منه قال ابن جنى لما قرأت على أبي الطيب هذا البيت قلت له اجعلت الرجل أبا زنة فضحك لذلك وتعذلني فيك القوافي وهمتي ... كأني بمدحٍ قبل مدحك مذنبُ المصراع الأول هجاء صريح لولا الثاني يقول كأني قد أتيت ذنبا بمدح غيرك والقوافي تعذلني تقول لمَ لم تقصر شعرك عليه وكذلك همتي تلومني في مدح غيرك وهذا من قول الطائي، وهل كنت إلا مذنبا يوم أنتحي، سواك بآمالي فجئتك تائبا، ولكن طال الطريق ولم أزل ... أفتشُ عن هذا الكلام وينهبُ يعتذر إليه من مدح غيره يقول بعد الطريق بيننا ولم أزل يطلب مني الشعر وأكلف المديح وينهب كلامي فشرق حتى ليس للشرقِ مشرقٌ ... وغرب حتى ليس للغرب مغربُ فبلغ كلامي الشرق حتى انتهى إلى حيث لا مشرق أمامه يعني بلغ أقصاه وكذلك من جانب المغرب وهذا من قول الطائي، فغربت حتى لم أجد ذكر مشرقٍ، وشرقت حتى قد نسيت المغاربا، إذا قلتهُ لم يمتنع من وصولهِ ... جدارٌ معلى أو خباءٌ مطنبُ يقول إذا قلت شعرا لم يمتنع من وصوله إليه مدر ولا وبر فالجدار المعلى لأهل الحضر والخباء المطنب لأهل الوبر يذكر أن شعره قد عم الأرض كما قال، قوافٍ إذا سرن من مقولي، وثبن الجبال وخضن البحارا وبلغ أبا الطيب أن قوما نعوه في مجلس سيف الدولة بحلب فقال سنة ٣٤٨ بم التعلل لا أهل ولا وطنُ ... ولا نديمٌ ولا كأس ولا سكنُ يشكو الزمان يقول بأي شيء أعلل نفسي وأنا بعيد عن أهلي ووطني وليس لي مما أعلل النفس به مما ذكره أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ يقول اطلب من الزمان استقامة الأحوال والزمان لا يبلغ هذا من نفسه لأنه ربيع وصيف وشتاء وخريف ويجوز أن المعنى أن همته أعلى من أن يكون في وسع الزمان البلوغ إليها وهو يتمنى على الزمان أن يبلغه ما في همته ويجوز أن يريد أنه يطالب الزمان بأن يخليه من الاضداد والزمان ليس يبلغ هذا من نفسه فإن الليل والنهار كالمتضادين ويجوز أن يريد أني أقترح على الزمان الاستبقاء وهو لم ينل في نفسه البقاء فيكون قد ألم بقول البحتري، تناب النائبات إذا تناهت، ويدمر في تصرفه الدمارُ، لا تلق دهرك إلا غير مكترثٍ ... ما دام يصحب فيه روحك البدنُ أي ما دمت حيا فلا تبال بالزمان وصروفه ونوائبه فإنها تزول ولا تبقى والذي لا عوض منه إذا فات هو الروح فقط

стр. 332

فما يدوم سرور ما سررت به ... ولا يريد عليك الفائت الحزنُ هذا تأكيد للذي قبله يقول لا تبال بما يحدثه لك الدهر فإن المفروح به لا يدوم فرح لأنه لا يجوم والحزن على الغائب لا يرده عليك مما أضر بأهل العشق أنهمُ ... هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا يعني بأهل العشق الذين يعشقون الدنيا يقول أنهم لم يعرفوا أن الدنيا لا توافقهم ولا تساعدهم ولا تبقى عليهم فجهلهم بها أضر بهم حتى تعبوا في جمع ما لا يبقى تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم ... في إثر كل قبيحٍ وجههُ حسنُ يعني يبكون حتى تفنى عيونهم بالبكاء وأنفسهم بالحزن على كل مستحسنٍ في الظاهر قبيحٍ عند التفحص وهو الدنيا ومتاعها تحملوا حملتكم كل ناجيةٍ ... فكل بين عليَّ اليومَ مؤتمنٌ الناجية الناقة المسرعة قال ابن جنى هذا تشبيب من يضمر في نفسه عتبا وموجدةً يريد أنه قد أظهر على قوله ما أضمره في نفسه يقول ارتحلوا عني حملتكم كل مسرعة على طريق الدعاء فالفراق مؤتمن عليّ أي أرضى بحكمه ولا تضرني غائلته والمعنى لا أحزن لفراقكم ما في هوادجكم من مهجتي عوضٌ ... ن مت شوقا ولا فيها لها ثمنُ يقول لستم أهلا لأن تبذل فيكم الأرواح شوقا إليكم ومحبةً لكم فلست بدلا لي عن الروح إن فاتتني يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كل بما زعم الناعون مرتهنُ أي كل أحد مرتهن بالموت لا بد منه كم قد قتلت وكم قد متُّ عندكمُ ... ثم انتفضت فزال القبرُ والكفنُ أي قد أخبرتم بموتي وتحقق ذلك عندكم ثم بان الأمر بخلاف ذلك فكأني كنت ميتا ثم خرجت من القبر قد كان شاهد دفني قولهم ... جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا قبل قولهم يريد قول الناعين يعني قوما نعوه قبل هؤلاء واخبروا أنهم شاهدوا دفنه ثم ماتوا قبل المتنبي ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ يجوز نصب كل على لغة تميم لأن ما عندهم غير عاملة فتنصب كل بفعل مضمر يفسره قوله يدركه كأنه قال ما يدركه كلَّ ما يتمنى المرء وعلى لغة الحجاز ترفع كل بما لأنها عاملةٌ عندهم والمعنى أن أعدائي لا يدركون ما يتمنون فإن الرياح لا تجري كلها على ما تريده السفن يعني أهلها رأيتكم لا يصون العرض جاركمُ ... ولا يدر على مرعاكم اللبنُ يقول أنتم تذلون الجار وتشتمون عرضه فمن جاوركم لم يقدر على صون عرضه منكم والنعم إذا رعى أرضكم لم يدر اللبن على ذلك المرعي لوخامته وهذا من أوجع الهجاء وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمننُ أي لا يخلوا عطاؤكم من المنن والأذى حتى يصير آخذه معاقبا بتنغيص ما أخذه بالمنة وهذا كله تعريض لسيف الدولة فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيها العينُ والأذنُ اليهماء الأرض التي لا يهتدي فيها يقال بر أيهم وفلاةٌ يهماء يدعو بالبعد بينهم وبينه بأرضٍ ترى فيها العين ما لا حقيقة له وتسمع فيها الأذن ما لا حقيقة له وسالك المفاوز والقفار يتخايل لعينه الأشياء ولسمعه الأصوات ومن هذا قول ذي الرمة، إذا قال حادينا ليسمع نبأةً، صهٍ لم يكن إلا دويَّ المسامعِ، تحبو الرواسم من بعدِ الرسيم بها ... وتسأل الأرض عن أخفافها الثفنُ الرواسم الإبل التي سيرها الرسيم وهو ضرب من السير يقول تسقط أخفاف الإبل بها لطول سيرها فيها فتحبو بعد أن كانت تسير الرسيم على ثفناتها وهي الواضع التي تبرك عليها وتقول الثفنات للأرض أين ذهبت الخفاف وكيف سقطت حتى انتقل السير إلى الحبو عليها وهذا مثلٌ لطول السير أي لو قدرت على السؤال لسألت أني أصاحبُ حلمي وهو بي كرمٌ ... ولا أصاحبُ حلمي وهو بي جبنُ يقول أحلم عمن يؤذيني ما دام حلمي كرما فإذا كان حلمي جبنا لم أحلم كما قال الفند، وبعض الحلم عند الجهل للذلةٍ إذعانُ، ولا أقيم على مالٍ أذل به ... ولا ألذ بما عرضي به درنُ أي لا آخذ المال بالذل وكل مال يحصل لي بذل تركته ولا استطيب شيئا يلطخ عرضي بأخذه والدرن الوسخ سهرت بعد رحيلي وحشةً لكم ... ثم استمر مريري وارعوي الوسنُ

стр. 333

يقول لما فارقتكم استوحشت لفراقكم حتى امتنع رقادي أي لإلفي إياكم على جفائكم ثم قويت فتصبرت وعاد إليّ النوم والمرير ما فتل من قويِّ الحبل يقال استمر مريره إذا قوي عزمه وإن بليت بودٍ مثل ودكمُ ... فإنني بفراقٍ مثلهِ قمنُ يقول إن كنت في قوم آخرين فعاملوني معاملتكم فارقتهم كما فارقتكم وهذا تعريض بالأسود يعني أنه إن جرى على رسمكم الحقته بكم في الفراق ومثل هذه الأبيات ما أنشده المبرد، لا تطلب الرزق بإمتهان، ولا ترد عرف ذي امتنان، واسترزق الله فاستعنه، فإنه خير مستعان، أشد من فاقةٍ وجوعٍ، إغضاء حر على هوان، وإن نبا منزل بقومٍ، فمن مكانٍ إلى مكانِ، أبلى الأجلة مهري عند غيركم ... وبدل العذر بالفسطاط والرسنُ يقال جل وجلالٌ وأجلة والعذر جمع عذار الفرس والفسطاط اسم لمصر وفيه ست لغات معروفة يقول طال بمصر مقامي لإكرام مثواي هناك حتى بليت جلالُ الفرس وعذره ورسنه فأبدلت بغيرها وعبر عن طول المقام ببلي هذه الأشياء عند الهمام أبي المسك الذي غرقت ... في جوده مضر الحمراء واليمنُ مضر الحمراء هو مضر بن نزار ولما مات نزار تحاكم أولاده ربيعة ومضر وإياد وأنمار إلى جرهم في قسم ميراثه فأعطى ربيعةُ الخيل فسمي ربيعةَ الفرس وأعطى إياد الإبل فسمي إيادَ النعم وأعطى مضر الذهب فسمي مضر الحمراء وما فضل من سلاحٍ وأثاث أعطى إنمارا فسمي إنمار الفضل واليمن ليسوا من أولاد مضر فلذلك افردهم بالذكر وإن تأخر عني بعض موعدهِ ... فما تأخر آمالي ولا تهنُ يعني أن عداتهِ زائدةٌ على آماله يقول هو ينفذ آمالي وليس يتأخر عني ما آمله ولا يضعف رجائي عنده وإن تأخر بعض موعده ثم ذكر عذر تأخره بقوله هو الوفيُّ ولكني ذكرتُ له ... مودةً فهو يبلوها ويمتحنُ يقول هو يفي بما وعد غير أنه يمتحن ما ذكرت له من المودة والمحبة في الإنقطاع إليه ومما قال بمصر ولم ينشدها الأسود ولم يذكره فيها صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا وتولوا بغصةٍ كلهم من ... هـ وإن سر بعضهم أحيانا يعني لم ينل أحد مراده من الدنيا ولم يبلغ أمله ومات بغصته وإن سر في بعض الأحايين ربما تحسن الصنيع ليالي ... هـ ولكن تكدر الإحسانا عادة الدهر هكذا يعطي ثم يرجع فيما يعطى ويحسن ولا يتمم الإحسان كما قال، الدهرُ أخذُ ما أعطى مكدر ما، أصفا ومفسدُ ما أهوى له بيدِ، وكأنا لم يرض فينا بريب ال ... دهر حتى أعانه من أعانا يقول هذا الذي أعان عليَّ الدهر كأنه لم يرض بما يصيبني من محنه حتى أعانه عليّ كما قال الآخر، أعانَ عليَّ الدهرَ إذ حك بركهُ، كفى الدهرُ لو وكلتهُ بي كافيا، كلما أنبت الزمان قناةً ... ركب المرء في القناة سنانا يقول إذا ابتدر الزمان للاساءة بما جبل عليه صارت عداوة المعادي مددا لقصده فجعل القناة مثلا لما في طبع الزمان وجعل السنان مثلا للعداوة ومراد النفوس أضغر من أن ... نتعادى فيه وأنا نتفانا هذا نهي عن المعاداة والتحاسد لأجل مراد النفس فإنه أقل من أن تتكلف لأجله معاداة الرجل غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا يعني أن الحر أحب إليه الموت من أن يلقى ذلا وهوانا ولو أن الحيوة تبقى لحيٍّ ... لعددنا أضلنا الشجعانا يقول لو كانت الحياة باقيةً لكان الشجاع الذي يتعرض للقتل بحضور القتال أضل الناس يعني أن الحيوة لا تبقى وإن جبن الإنسان ولزم بيته وحرص على البقاء ثم أكد هذا بقوله وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا كل ما لم يكن من الصعب في الأن ... فس سهلٌ فيها إذا هو كانا يقول إنما يصعب الأمر على النفس قبل وقوعه فإذا وقع سهل كما قال البحتري، لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه، وأبرح مما حل ما يتوقع وقال يذكر خروج شبيب العقيلي سنة ٣٤٨ عدوك مذموم بكل لسانِ ... ولو كان من أعدائك القمرانِ يقول من عاداك دل على جهالته وسقطت منزلته عند الناس حتى ذمه كل احد ولو كان القمران من أعدائك لصارا مذمومين مع عموم نفعهما وإرتفاع منزلتهما ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدي ضرب من الهذيانِ

стр. 334

يقول لله تعالى سر فيما أعطاك من العلو والبسطة لا يطلع الناس على ذلك السر ولا يعلمون ما هو وما يخوض الأعداء فيه من الكلام فيك نوع من الهذيان بعد أن أراد الله فيك ما أراد وهذا إلى الهجاء أقرب لأنه نسب علوه على الناس إلى قدرٍ جرى به من غير استحقاق والقدر قد يوافق بعض الناس فيعلو ويرتفع على الأقران وإن كان ساقطا باتفاقٍ من القضاء أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت ... قيام دليلس أو وضوح بيانِ يقول هل يطلبون دليلا على سيادتك وعلى أن الله يريد أن يرفع محلك على من يعاديك بعد ما رأوا ثم ذكر ما رأوا فقال رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلي ... بغدر حيوةٍ أو بغدر زمانِ أي رأت الأعداء كل من ينطوي لك على غدرٍ أو يضمر لك خلافا غدرت به حياته فهلك بآفةٍ تصيبه برغم شبيبٍ فارق السيف كفُه ... وكانا على العلاتِ يصطحبانِ يعني هلك ففارق كفه سيفه بهلاكه وكانا مصطحبين على كل حال كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني قيس من عدنان واليمن من قحطان وبينهما تنازع واختلاف يقول الرقاب نادت سيفه لكثرة قطعه إياها وكأنها قالت إغراء بينه وبين سيفه ليفترقا شبيب الذي يصاحبك قسي وأنت يمني والنصل الجيد يكون يمنيا ففارقه سيفه لما علم أنه مخالف له في الأصل فإن يك إنسانا مضى لسبيلهِ ... فإن المنايا غاية الحيوانِ أي أن يك شبيب قد هلك ومات فإن غاية الحيوان الموت فلا عار عليه من ذلك وما كان إلا النار في كل موضعٍ ... تثير غبارا في مكان دخانِ أي كان سبب الشر والفتنة وكان نارا على اعدائه غير أن دخانه الغبار فنال حيوة يشتهيها عدوهُ ... وموتا يشهي الموت كل جبانِ يقول نال اطيب حياةٍ عدوه يشتهي مثل تلك الحياة يعني عاش في عز ومنعة ثم مات موتا يشهي ذلك الموت إلى الجبناء الموت لأنه كان موتا في عافيةٍ من غير تقدم ألمٍ ولا مرض ويذكره كيف كان والتشهية لا يتعدى إلى مفعولين إلا بحرف جر وقد حذفه وهو يريده كأنه قال يشهى الموت إلى كل جبان نفى وقع أطرافه الرماح برمحهِ ... ولم يخش وقع النجم والدبرانِ يقول نفى عن نفسه الرماح برمحه يعني أنه كان شجاعا يقي نفسه برمحه ولكنه لم يكن مناحس النجوم في حسابه والدبران من النحوس في حكم المنجين وزعمهم والمعنى أنه دفع نحوس الأرض عن نفسه ولم يقدر على دفع نحوس السماء ولم يدر أن الموت فوق شواتهِ ... معار جناحٍ محسنِ الطيرانِ ويروي معار جناح محسن الطير أي لم يدر أن الموت قد أعير جناحا فهو يرفرف فوق رأسه ليقع عليه من علو وذلك فيما يقال أن امرأة أدلت على رأسه رحى من سور دمشق وقد قتل الأقران حتى قتلتهُ ... بأضعف قرنٍ في أذل مكانِ ذكر في قصته أنه كان يحارب أهل دمشق ويريد الغلبة عليها فسقط على الأرض وثار من سقطته فمشى خطواتٍ فلما سار سقط ميتا ولم يصبه شيء وكثر تعجب الناس من أمره حتى قال قوم أنه كان مصروعا فأصابه الصرع في تلك الساعة فانهزم أصحابه وقتل وزعم قوم أنه شرب وقت ركوبه سويقا مسموما فلما حمى عليه الحديد عمل فيه السم فهو قوله حتى قتلته بأضعف قرن يعني السم في أذل مكانٍ يعني في غير الحرب ومعركة القتال أتته المنايا في طريق خفيةٍ ... على كل سمعٍ حولهُ وعيانِ يعني أنه مات فجاءة من غير أن استدل احد على موته بمرئي أو مسموع كما قال يزيد المهلبي، جاءت منيته والعين هاجعةٌ، هلا أتته المنايا والقنا قصد، ولو سلكت طرق السلاح لردها ... بطول يمينٍ واتساع جنانِ أي لو أتته منيته من طريق السلاح لدفعها عن نفسه بطول يده وسعة صدره أي ما كان يقدر على قتله لو أراد ذلك اعداؤه تقصده المقدار بين صحابهِ ... على ثقةٍ من دهره وأمانِ يقال تقصده وأقصده إذا قتله والمقدار وهو القضاء يقول أهلكه القضاء وهو بين اصحابه واثق بالحيوة آمن من الموت وهل ينفع الجيش الكثير التفافه ... على غير منصورٍ وغير معانِ يريد أن الجيش الكثير لا ينفع من لم يكن منصورا من قبل الله تعالى معانا كما لم ينفع شبيبا كثرة أصحابه والالتفاف الاجتماع يقال التف عليه الناس إذا ازدحموا حوله

стр. 335

ودي ما جنى قبل المبيت بنفسهِ ... ولم يده بالجمال العكنانِ الجامل اسم للجمال الكثيرة كالباقر اسم لجماعة البقر والعكنان الإبل الكثيرة أي أدى دية من قتل من الناس بنفسه قبل إن دخل عليه الليل ولم يؤد الدية بالإبل يريد أنه هلك فصار كأنه أقتص منه أتمسك ما أوليته يد عاقلٍ ... وتمسكُ في كفرانهِ بعنانِ هذا استفهام معناه الإنكار أي العاقل لا يجمع بين إمساك ما اعطيته من النعم وإمساك العنان في الكفران لأن من كان عاقلا لم يكفر نعمة المنعم عليه وهذا إشارة إلى أن شبيبا كفر نعمتك فصرعه شؤم الكفران حتى هلك قال ابن جنى يقول إذا كفر نعمتك من تحسن إليه لم تنقبض يده على عنانه تخاذلا ويركب ما أركبته من كرامةٍ ... ويركب للعصيان ظهر حصانِ هذا عطف على ما قبله من الإنكار أي لا يجتمع لأحد أكرامك ومعصيتك ثنى يده الإحسان حتى كأنها ... وقد قبضت كانت بغير بنانِ يقول إحسانك إليه رد يده عما امتدت فيه حتى كأنها وهي مقبوضة لم تنبسط فيما أراد كانت بغير بنان لأن القبض يحصل بالبنان فإذا كانت اليد بغير بنانٍ لم يحصل القبض وكأنها مقبوضة حين لا تقدر على القبض والإنبساط ومن روى قبضت على إسناد الفعل إلى اليد كان المعنى أن يده وإن كانت قابضةً لما صرفت عما قصدت له صارت كأنها بغير بنان وغير قابضة وعند من اليوم الوفاء لصاحبٍ ... شبيب وأوفى من ترى أخوانِ يقول من الذي يفي لصاحبه يومنا هذا وأوفى الناس غادر كشبيبٍ وهما أخوان في الغدر قضى الله يا كافور أنك أولٌ ... وليس بقاضِ أن يرى لك ثاني هذا من اجود ما مدح به ملك يقول قضى الله أنك أول في المكارم والمعالي ولم يسبقك أحد إلى ما سبقت إليه ولم يقض أن يلحقك أحد أو يكون لك مثل فيصير ثانيك فما لك تختار القسيَّ وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلانِ أنكر عليه اختيار القسي لرمي الأعداء وهم يرمون من كانوا من الجن والإنس عن قوس سعادته يعني أن قضاء سعادتك يرميهم عنك فلا تحتاج إلى ما تستجيده من القسي وما لك تعني بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنانِ يقول ولم تعتني بإدخار الأسنة والرماح وبختك يطعن أعداءك فيقتلهم بغير سنان ولم تحمل السيف الطويل نجاده ... وأنت غنيٌّ عنه بالحدثانِ يقول أنت مستغنٍ بحوادث الدهر عن استعمال السيف في قتل اعدائك فكل هذا إشارة إلى مصرع شبيب في الخروج عليه من غير أن حصل هلاكه بنوع سلاح أرد لي جميلا جدت أو لم تجد به ... فإنك ما أحببت في أتاني يريد أن القضاء موافق لارادته فإذا أراد به خيرا أتاه ذلك وإن لم يجد به عليه لو الفلك الدوار أبغضت سعيهُ ... لعوقه شيء عن الدورانِ يقول لو أبغضت دوران الفلك لحدث شيء يمنعه عن الدوران وهذه أبياتٌ ليس في معناها مثل لها وقال بمصر يذكر حمى كانت تناله في ذي الحجة سنة ٣٤٨ ملومكما يجل عن الملامِ ... ووقع فعالهِ فوق الكلامِ يقول لصاحبيه اللذين يلومانه على الأخطار بنفسه وتجشم الأسفار في طلب المعالي ملومكما يعني نفسه أجل من أن يلام لأن فعله جاز طوق القول فلا يدرك فعله بالوصف والقول لأنه لا مطمع للائمٍ فيه بان يطيعه أو يخدعه هو بلومه ذراني والفلاة بل دليلٍ ... ووجهي والهجير بلا لثامِ الفلاة والهجير ينتصبان لأنهما مفعولٌ معهما يقول ذراني مع الفلاة فإني أسلكها بغير دليل لأهتدائي فيها وذراني مع الهجير أسير فيه بغير لثام على وجهي لاعتيادي ذلك فإني أستريح بذي وهذا ... وأتعب بالإناخة والمقامِ يعني بالفلاة والهجير يقول راحتي فيهما وتعبي في النزول والإقامة عيون رواحلي إن حرت عيني ... وكل بغام رازحةٍ بغامي قال ابن جنى معناه إن حارت عيني فأنا بهيمةٌ مثلهن وعيني عينها وصوتي صوتها كما تقول إن فعلت كذا فأنت حمار وأنت بلا حاسة وزاد ابن فورجة لهذا بيانا فقال يريد أنه بدوي عارف بدلالات النجوم بالليل فيقول إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة عين راحلتي ومنطقي الفصيح بغامها وقال غيرهما عيون رواحلي تنوب عن عيني إذا ضللت فأهتدي بها وصوتها إذا احتجت إلى أن أصوت ليسمع الحي ليقوم مقام صوتي وإنما قال بغامي على الإستعارة

стр. 336

فقد أرد المياه بغير هادٍ ... سوى عدي لها برق الغمامِ يقول لا احتاج في ورود الماء إلى دليل يدلني سوى أن أعد برق الغمام فأتبعه قال يعقوب العرب إذا عدت للسحابة مائة برقةٍ لم تشكك في أنها ماطرة فتتبعها على الثقة بالمطر يذم لمهجتي ربي وسيفي ... إذا احتاج إلى الذمامِ يقول من احتاج في سفره إلى جوارْ وعهدٍ ليأمن بذلك فأنا في جوار الله وجوار سيفي لا استصحب أحداً في سفري لآمن بصحبته ولا أمسي لأهل البخل ضيفا ... وليس قرى سورى مخ النعامِ يقول لا أكون ضيفا للبخيل وإن لم يكن لي طعام البتة لأنه لا مخ للنعام ويجوز أن يريد بهذا إن البخيل لا قرى عنده ويروي مح بالحاء والمعنى لو لم يكن لي قرى سوى بيض النعام شربته ولم آت بخيلا ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسامٍ بابتسامِ يقول لما فسد ود الناس عاملتهم بمثل ما يعاملونني به أي يكاشرونني واكاشرهم وصرت أشك فيمن أصطفيه لعلمي أنه بعض الأنامِ يقول لعموم الفساد في الخلق كلهم إذا اخترت أحدا للمودة لم أكن على ثقةٍ من مودته لعلمي أنه من جملة الخلق يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسامِ يقول العاقل إنما يحب من يحبه على صفاء الود فمن اصفى له الود أحبه والجاهل يحب على كمال الصورة وجمالها وذلك حب الجهال لأنه ليس كل جميل المنظر يستحق المحبة كخضراء الدمن رائق اللون وبي المذاق وأنف من أخي لبي وأمي ... إذا ما لم أجده من الكرامِ أرى الأجداد تغلبها كثيرا ... على الأولاد أخلاق اللئامِ يقول خلق اللئيم قد يغلب الأصل الطيب حتى يكون صاحبه لئيما وإن كان من أصل كريم كما قال آخر، أبوك أب حر وأمك حرة، وقد يلد الحران غير نجيبِ، وقال آخر، لئن فخرت بآباء لهم شرف، لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا، ولست بقانعٍ من كل فضلٍ ... بأن أعزي إلى جد همامِ يقول لا أقنع من الفضل بأن أنسب إلى جد فاضل يعني إذا لم أكن فاضلا بنفسي لم يغن عني فضل جدي عجبت لمن له قد وحد ... وينبو القضم الكهامِ القضم السيف الذي فيه فلول والكهام الذي لا يقطع يقول عجبت لمن له قد الرجال وحد النصال ثم لا ينفذ في الأمور ولا يكون ماضيا ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنامِ وعجبت لمن وجد الطريق إلى معالي الأمور فلا يقطع إليها الطريق ولايتعب مطاياه في ذلك الطريق حتى تذهب أسنمتها ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام ولا عيب أبلغ من عيب من قدر أن يكون كاملا في الفضل فلم يكمل أي لا عذر له في ترك الكمال إذا قدر على ذلك ثم تركه والعيب الزم له من الناقص الذي لا يقدر على الكمال أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخب بي الركاب ولا أمامي وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءة في كل عامِ يقول إن مرضه قد طال حتى مله الفراش وكان هو يمل الفراش وإن لاقاه جنبه في العام مرة واحدة لأنه أبدا كان يكون في السفر قليل عائدي سقم فؤادي ... كثير حاسدي صعبٌ مرامي أي أني بها غريب فليس يعودني بها إلا القليل من الناس وفؤادي سقيم لتراكم الأحزان عليه وحسادي كثير لوفور فضلي ومرامي صعب لأني أطلب الملك عليل الجسم ممتنع القيامِ ... شديد السكر من غير المدامِ وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلامِ يريد حمى كانت تأتيه ليلا يقول كأنها حيية إذ كانت لا تزورني إلا في ظلام الليل بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي يقول هذه الزائرة يعني الحمى لا تبيت في الفراش وإنما تبيت في عظامي يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقامِ يقول جلدي لا يسعها ولا يسع أنفاسي الصعداء والحمى تذهب لحمى وتوسع جلدي بما تورده عليّ من أنواع السقام إذا ما فارقتني غسلتني ... كانا عاكفان على حرامِ يريد أنه يعرق عند فراقها فكأنها تغسله لعكوفهما على ما يوجب الغسل وإنما خص الحرام لحاجته إلى القافية وإلا فالإجتماع على الحلال كالاجتماع على الحرام في وجوب الغسل كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجامِ

стр. 337

يعني أنها تفارقه عند الصبح فكأن الصبح يطردها وكأنها تكره فراقه فتبكي بأربعة آماق يريد كثرة الرحضاء والدمع يجري من المؤقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا فأراد بالأربعة لحاظين ومؤقين للعينين ولم يعرف ابن جنى هذا فقال أراد الغروب وهي مجاري الدمع والغروب لا تنحصر بأربعة سجام فحذف المضاف أراقب وقتها من غير شوقٍ ... مراقبة المشوق المستهامِ وذلك أن المريض يجزع لورود الحمى فهو يراقب وقتها خوفا لا شوقا ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظامِ يريد أنها صادقة الوعد في الورود وذلك الصدق شر من الكذب لأنه صدق يضر ولا ينفع كمن أوعد ثم صدق في وعيده أبنت الدهر عندي كل بنتٍ ... فكيف وصلت أنت من الزحامِ يريد ببنت الدهر الحمى وبنات الدهر شدائده يقول يا حماي عندي كل شديدة فكيف وصلت إليّ وقد تزاحمت عليّ الشدائد ألم يمنعك زحامها من الوصول إليّ وهذا من قول الآخر، أتيت فؤادها أشكو إليه، فلم أخلص إليه من الزحام، جرحت مجرحاً لم يبق فيه ... مكان للسيوف وللسهامِ ألا يا ليت شعر يدي أتمسى ... تصرف في عنانٍ أو زمامِ يقول ليت يدي علمت هل تتصرف بعد هذا في عنان الفرس أو زمام الناقة والمعنى ليتني علمت هل أصح فأسافر على الخيل والإبل وهي أرمي هوايَ براقصاتٍ ... محلاة المقاود باللغامِ يريد بالراقصات أبلا تسير للرقص وهو ضرب من الخبب يقول وهل أقصد ما أهواه من مطالبي ومقاصدي بإبلٍ تسير الرقص وقد حليت مقاودها وأزمنتها كما قال منصور النمري، من كل سمح الخطا وكل يعملةٍ، خرطومها باللغام الجعدِ ملتفعِ، فربتما شفيت غليل صدري ... بسيرٍ أو قناةٍ أو حسامِ يريد حين كان صحيحا يسافر ويقاتل فيشفي غليله بالسير إلى ما يهواه وبالسيف والرمح وضاقت خطة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدامِ يقول ربما ضاق أمر عليَّ فكان خلاصي منه خلاص الخمر من النسج الذي تفدم به أفواه الأباريق لتصفية الخمر وفارقت الحبيب بلا وداعٍ ... وودعت بالبلاد بلا سلامِ أي وربما فارقت الحبيب بلا وداع يريد أنه قد هرب من أشياء كرهها دفعاتٍ فلم يقدر على توديع الحبيب ولا على أن يسلم على أهل ذلك البلد الذي هرب منه يقول لي الطبيب أكلت شيئا ... ودائك في شرابك والطعامِ أي الطبيب يظن أن سبب دائي الأكل والشرب فيقول كلت كذا وكذا مما يضر وما في طبهِ أني جوادٌ ... أضر بجسمهِ طول الجمامِ ليس في طب الطبيب أن الذي أضر بجسمي طول لبث وقعودي عن السفر كالفرس الجواد يضر بجسمه طول قيامه على الآري فيصير به جاماً والجمام ضد التعب تعود أن يغبر في السرايا ... ويدخل من قتامٍ في قتامِ هذامن صفة الجواد يقول عادته أن يثير الغبار في العساكر ويدخل من هذه الحرب في أخرى والقتام الغبار وأراد بدخول القتام حضور الحرب فأمسك لا يطال له فيرعى ... ولا هو في العليق ولا اللجامِ أي أمسك هذا الجواد لا يرخى له الطول فيرعى فيه ولا هو في السفر فيعتلف من المخلاة التي تعلق على رأسه وليس وفي اللجام وهذا مثل ضربه لنفسه وأنه حليف للفراش ممنوع عن الحركة فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي أي أن مرضت في بدني فإن صبري وعزمي على ما كانا عليه من الصحة وإن اسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمامِ وأن أسلم من مرضي لم أبق خالدا ولكن سلمت من الموت بهذا المرض إلى الموت بمرضٍ وسببٍ آخر وهذا يقرب من قول طرفة، لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى، لكالطول المرخى وثنياه باليد، ومن قول الاخر، إذا بل من داء به خال أنه، نجا وبه الداء الذي هو قاتله، تمتع من سهادٍ أو رقادٍ ... ولا تأمل كرى تحت الرجامِ الرجام القبور المبنية من حجارة واحدها رجم يقول ما دمت حيا فتمتع من حالتي السهاد والنوم فلا ترج النوم في القبر فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنامِ يريد بثالث الحالين الموت يقول الموت غير اليقظة والرقاد فلا تظنن الموت نوما وقال يمدح كافورا الإخشيدي وأنشده إياها في شوال سنة ٣٤٧ ولم يلقه بعدها

стр. 338

منى كنَّ لي أن البياضَ خضابُ ... فيخفى بتبييضِ القرون شبابُ أي مشيبي هذا وإن يكون البياض خضابا لي يخفى به سواد شعري مني كانت لي قديما وسمى البياض بالشيب خضابا لخفاء السواد به كما أن السواد الذي يخفى به البياضُ يسمى خضابا والقرون الذوائب ليالي عند البيض فوادي فتنةٌ ... وفخرٌ وذاك الفخر عندي عابُ أي تمنيت ذاك ليالي كان رأسي فتنةً عند النساء لحسن شعري وسواده وكن يفتخرن بوصلي وذاك الفخر عندي عيب لأني أعف عنهن وأزهد في وصالهن وإنما تمنى الشيب لأن للشباب باردةً وللمشيب أناةً كما قال، والشيبُ اوقر والشبيبة أنزق، فكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعو بما أشكوه حين أجابُ يقول كيف أذم الشيب وكنت أتمناه وأهواه وكيف أدعو بما إذا أجبت إليه شكوته يعني لا أشكو الشيب انتهاء وقد دعوته ابتداء ويجوز أن يكون المعنى كيف أدعو الشبيبة بشكاية الشيب وأنا لو أجبت إليها لشكوتها فإني كنت أتمنى زوالها وقد أحتذي في هذه الأبيات على قول ابن الرومي، هي الأعين النجلُ التي كنت تشتكي، مواقعها في القلب والرأس أسود، فما لك تأسى الآن لما رأيتها، وقد جعلت مرمى سواك تعمدُ، فنقل نظر الأعين إلى ذكر المشيب والشباب جلا اللون عن لونٍ هدى كل مسلكٍ ... كما انجاب عن ضوء النهار ضبابُ يقول كان الشيب كامنا في الشباب فلما انتقل عنده بدا وجلا معناه زال وانكشف من قولهم جلا القوم عن منازلهم إذا خرجوا يقول زال لون السواد عن لونٍ هدي كل مسلك يعني لون الشيب فإنه يهدي صاحبه إلى كل طريق من الرشد والخير وشبه زوال سواد الشباب عن بياض المشيب بإنقطاع الضباب عن ضوء النهار جلا اللون عن لون هدي كل مسلكٍ ... كما انجاب عن ضوء النهار ضبابُ يقول كان الشيب كامنا في الشباب فلما انتقل عنه بدا وجلا معناه زال وانكشف من قولهم جلا القوم عن منازلهم إذا خرجوا يقول زال لون السواد عن لونٍ هدي كل مسلك يعني لون الشيب فإنه يهدي صاحبه إلى كل طريق من الرشد والخير وشبه زوال سوادِ الشباب عن بياض المشيب بإنقطاع الضباب عن ضوء النهار وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبهِ ... ولو أو أن ما الوجه منه حرابُ لما ذكر أ، هـ كان يتمنى الشيب وهو سبب العجز والضعف ذكر أن همته وعزيمته وما فيه من معاني الكرم لا تشيب ولا يدركها العجز والضعف بشيب جسمه ولو أن الشعرات البيض في وجهه كانت حرابا لها ظفر إن كل ظفر أعدهُ ... وناب إذا لم يبق في الفم نابُ يقول إن كل ظفري ولم يبق في فمي نابٌ من الكبر لم يكن ظفر همتي كليلا يغير مني الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعابُ أي نفسي شابةٌ أبدا لا يغيرها الدهر وإن تغير جسمي وإني لنجمٌ يهتدي صحبتي به ... إذا حال من دون النجومِ سحابُ إذا خفيت النجوم بالسحاب فلم يهتد للطريق أهتدى بي أصحابي وكنت لهم كالنجم الذي يهتدي به يريد أنه دليل في الفلوات غنيٌّ عن الأوطانِ لا يستفزني ... إلى بلدٍ سافرتُ عنه إيابُ يريد أنه لا يعشق الإوطان وإن جميع البلاد عنده سواء فإذا سافر عن وطن لم يشوقه الإياب إلى ذلك الوطن لأنه مستغنٍ بالسفر عن الوطن وعن ذملانِ العيس إن سامحت به ... وإلا ففي أكوارهن عقابُ يقول وإنا غنى عن سير الإبل إن سنحت بالسير سرت عليها وإلا فإنا كالعقاب الذي لا حاجة به إلى أن يحمل وجواب أن محذوف للعلم به وأصدى فلا أبدى إلى الماء حاجةً ... وللشمس فوق اليعملات لعابُ يقول أعطش فلا أبدى حاجتي إلى الماء تصبرا وحزما حين يشتد حميُ الشمس حتى كان الشمس سال لها لعاب فوق الإبل والمسافرون في الفلوات إذا اشتد الهجير يرون كأن الشمس قد دنت من رؤوسهم وتدلت منها خيوط فوقهم ومنه قول الراجز، وذاب للشمس لعاب فنزل، وقال الكميت الفقعسي، يصافحن حر الشمس كل ظهيرةٍ، إذا الشمس فوق البيد ذاب لعابها، ومعنى البيت من قول أبي تمام، جدير أن يكر الطرف شررا، إلى بعض الموارد وهو صادي وللسر مني موضع لا ينالهُ ... نديم لا يفضي إليه شرابُ

стр. 339

يريد أنه كتوم للأسرار يضع السر حيث يطلع عليه النديم ولا يصل إليه الشراب مع تغلغله في البدن كما قال الآخر، يظلون شتى في البلاد وسرهم، إلى صخرةٍ أعيا الرجال انصداعها، وقد نظر أبو الطيب في هذا البيت إلى قول الآخر، تغلغل حيث لم يبلغ شراب، ولا حزن ولم يبلغ سرور، وللخود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجابُ يقول إنما أصحب المرأة قدرا يسير ثم أسافر عنها فيكون بيننا فلاة تقطع عنها لا إليها فهي تقطع إلى غير لقاء الخود وما العشق إلا غرة وطماعةٌ ... يعرض قلبٌ نفسه فتصابُ يقول عشق النساء اغترار وانخداع وطمع في وصلهن وذلك من تعريض القلب نفس صاحبه لعشقهن فإذا عرض القلب النفس أصيبت النفس بالعشق يعني أن القلب يشتهي أولا ويدعو النفس فتتبعه هذا إذا جعلت النفس غير القلب وإن أردت بالنفس نفس القلب وعينه وذاته قلت فيصاب بالياء ومعناه أن القلب يوقع نفسه في العشق بتعرضه لذلك وغير فؤادي للغواني رميةٌ ... وغير بناني للزجاج ركابُ الرمية الطريدة التي ترمي يقول قلبي لا تصيبه النسوان بسهام الحاظهن لأني لا أميل إليهن فأني لست غزلا زيراً بل أنا عزهاة عزوف النفس عنهن ولا أحب الخمر ومعاقرتها فبناني لا تصير مركبا للزجاج أي لا أحمل كأس الخمر بيدي وروى ابن جنى للرخاخ بالخاء المعجمة وقال أني لست ممن يصبو إلى الغواني واللهو بالشطرنج وقال ابن فورجة البنان ركاب للقدح وأما الرخ فالبنان راكبة له في حال حمله وأيضا فأنه كلمة أعجمية لم يستعملها العرب القدماء ولا الفصحاء وأيضا فإن التنزه عن شرب الخمر اليق بالتنزه عن الغزل من التنزه عن لعب الشطرنج تركنا لأطراف القنا كل شهوةٍ ... فليس لنا إلا بهن لعابُ لعاب ملاعبة يقول تركنا ما تشتهيه النفوس من الملاهي فلهونا الطعان بالرماح يريد أنه فطم نفسه عن الملاهي وقصرها على الجد في طعان الأعداء نصرفهُ للطعن فوق حوادرِ ... قد انقصفت فيهن منه كعابُ أي نصرف القنا فوق خيل غلاظ سمان قد انكسرت فيها كعاب من القنا وروى عليّ بن حمزة خوادر أي كأنها اصابها الخدر لما لحقها من التعب والجراحات وروى ابن جنى حواذر معجمة وقال يعني خيلا تحذر الطعن لأنها معودة وهذه الرواية ضعيفة لأنه قال في باقي البيت قد انقصفت فيهن منه كعاب فكيف يصفها بالحذر وقد أخبر بانكسار الرماح فيها والبيت من قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي، وكنت إذا ما الخيلُ شمسها القنا، لبيقا بتصريف القناة بنانيا، أعز مكانٍ في الدنى سرج سابحٍ ... وخير جليسٍ في الزمان كتابُ جعل السرج أعز مكان لنه يسافر عليه فيطلب المعالي أو يهرب من الضيم واحتمال الذل أو يحارب عدوا يدفع عن نفسه شره وجعل الكتاب خير جليس لأنه يأمن شره ولا يحتاج في مجالسته إلى مؤونة والكتاب يقص عليه انباء الماضين فهو خير جليس كما قال القاضي حسن ابن عبد العزيز، ما تطعمت لذة العيش حتى، صرت في وحدتي لكتبي جليسا، وبحرٌ أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحرٍ زخرةٌ وعبابُ بحر خبر مقدم على المبتدأ لأن التقدير وأبو المسك الخضم بحر وروى ابن جنى بحرٍ بالجر عطفا على جليس كأنه قال وخير بحر أبو المسك والخضم الكثير الماء ومنه قول بشار، دعاني إلى عمرٍ جوده، وقول العشيرة بحر خضم، والزخرة الأمتلاء بالماء وكثرته تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثني عليه يعابُ يقول هو أجل من كل مدح يثني عليه به فإذا بالغت في حسن الثناء عليه استحق قدره فوق ذلك فيصير ذلك الثناء الحسن كأنه عيب لقصوره عن استحقاقه كما قال البحتري، جل عن مذهب المديح فقد كاد يكون المديح فيه هجاءا، وكرره أبو الطيب فقال، وعظم قدرك في الآفاق أوهمني، أني بقلةِ ما أثنيت أهجوكا، وغالبه الأعداء ثم عنوا له ... كما غالبت بيض السيوف رقابُ أي لم يجدوا طريقا إلى غلبته فخضعوا له وانقادوا كالرقاب إذا غالبت السيوف صارت مغلوبة وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلةً ... إذا لم يصن إلا الحديد ثيابُ

стр. 340

قال ابن جنى يقول إذا تكفرت الأبطال ولبست الثياب فوق الحديد خشيةً واستظهارا فذاك الوقت أشد ما يكون تبذلا للضرب والطعن شجاعة وإقداما هذا كلامه وقد جعل الثياب تصون الحديد قال أبو الفضل العروضي أحسب أبا الفتح أن يقول قبل أن يتفكر ويرسل قلمه قبل أن يتدبر والمتنبي جعل الصون للحديد لا للثياب بقوله إذا لم يصن ثياب إلا الحديد يعنى الدرع وليس يريد صيانة الحديد وإنما يريد صيانة الرجل نفسه واستظهاره بلبس الحديد ونصب الحديد مع النفي لأنه تقدم على المستثنى منه فصار كما قال الكميت، فما ل إلا آل أحمد شيعةٌ، وما لي إلا مشعب الحق مشعبُ، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بسط القول فيه وقال ابن فورجة ليس المصون الحديد على ما توهمه بل مفعول يصن محذوف على تقدير إلا مشعب الحق مشعبُ، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بسط القول فيه وقال ابن فورجة ليس المصون الحديد على ما توهمه بل مفعول يصن محذوف على تقدير إذا لم يصن الأبدان ثياب إلا الحديد فلما قدم المستثنى نصبه انتهى كلامه ومعنى البيت أكثر ما تلقاه في الحرب تلقاه باذلا نفسه لم يحصنها بالدروع إذا لم ين الأبطال إلا الحديد يريد أنه لشجاعته لايتوقى الحرب بالدرع والحديد كما قال الأعشى، وإذا تكون كتيبةٌ ملمومةٌ، شهباء يخشى الذائدون نهالها، كنت المقدم غير لابس جنةٍ، بالسيف تضرب معلما أبطالها، وأوسع ما تلقاه صدرا وخلفه ... رماء وطعن والأمام ضرابُ قال ابن جنى يقول أوسع ما يكون صدرا إذا تقدم في أول الكتيبة يضرب بالسيف وأصحابه من ورائه ما بين طاعن إلى رامٍ قال ابن فورجة جعل ابن جنى الرماء والطعن من أصحاب الممدوح ولا يكون في هذا كثير مدح لأن كل واحد إذا كان خلفه من يرمي ويطعن من أصحابه فصدره واسع وقلبه مطمئن وإنما أراد وخلفه رماء وأمامه طعن من أعدائه فالمعنى فإذا كان في مضيق من الحرب قد أحاط به العدو من كل جانب لم يضجر ولم يعد ذلك لضيق صدره وأنفذ ما تلقاه حكما إذا قضى ... قضاءً ملوك الأرض منه غضابُ يقول إذا حكم حكما على خلاف جميع الملوك نفذ حكمه لطاعتهم له والمعنى أنه سيدهم فلا يمنع حكمه من النفاذ غضبهم وهم لا يقدرون على إظهار خلافه فأنفذ حكمهِ ما خالف به الملوك وغاضبهم يقول إليه طاعة الناس فضلهُ ... ولو لم يقدها نائلٌ وعقابُ يقول لو لم يطعه الناس رغبةً ولا رهبةً لأطاعوه محبةً لما فيه من الفضل والمعنى أن الناس يطيعونه لاستحقاقه طاعتهم بفضله لا لرجاء جوده ولا لخوف عقوبته أيا أسدا في جسمه روح ضيغمٍ ... وكم أسد أرواحهن كلابُ يقول أنت أسد وهمتك أيضا همة الأسود والأسد يوصف بعلو الهمة لأنه لا يأكل من فريسة غيره كما قال الشاعر، وكانوا كأنف الليث لا شم مرغماً، ولا نال قط الصيد حتى يعفرا، يعني أنه يطعم مما صاده بنفسه وقد قال الطائي، إن الأسود أسود الغاب همتها، يوم الكريهة في المسلوب لا السلب، يقول كما من أسد خبيث النفس دنى الهمة وأنت أسد من كل الوجوه لأنك شجاع رفيع الهمة طيب النفس وهذا مثل ضربه لسائر الملوك وأراد أرواحهن أرواح كلاب فحذف المضاف ويا آخذاً من دهره حق نفسهِ ... ومثلك يعطى حقهُ ويهابُ يعني أن الأيام لا تق ر على أ، تنقصه حقه لأنه يغلبها ويحكم عليها ومثله يهاب ويعطى حقه لنا عند هذا الدهر حق يلطهُ ... وقد قل إعتاب وطال عتابُ يلطه يدفعه ويمطل به وكل شيء سترت دونه فقد لططته يقول لنا عند الزمان حق يدافعه ولا يقضيه وطال العتاب معه فلم يعتب ولم يرضنا بقضاء الحق وقد تحدث الأيام عندك شيمةً ... وتنغمر الأوقات وهي يبابُ يقول الأيام تغير عادتها عندك فترضى المعاتب وتصالح ذوي الفضل فلا تقصد مساءتهم لحصولهم في ذمتك وجوارك والأوقات تصير عامرةً لهم بأن يدركوا مطلوبهم والمعنى أن أظفرتني الأيام بمطلوبي عندك فلا عجب لها فإنها تحدث شيمةً غير شيمتها خوفا منك وهيبةً لك واليباب الخراب الذي لا أحد به أنشد أبو زيد، قد أصبحت وحوضها يبابُ، كأنها ليست لها أربابُ، ولا ملك إلا أنت والملك فضلةٌ ... كأنك سيف فيه وهو قرابُ

стр. 341

يقول أنت الملك فحيث ما كنت كنت ملكا لأن نفسك بما فيه من الهمم تقتضي تملكك والملك زيادة وفضلة بعد ذكرنا أياك ثم شبهه بالنصل وجعل الملك كالقراب والمعنى في النصل والقراب غشاء كذلك معنى الملك نفسك وما يقال من لفظ الملك بمنزلة القراب أرى لي بقربي منك عينا قريرةً ... وإن كان قربا بالبعاد يشابُ يقول عيني قريرةٌ بالقرب منك لحصول مرادي وإن كان هذا القرب مشوبا بالبعاد عن الوطن والأحبة وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجابُ يقول لا ينفعني إليك وأن يكون ما اؤمله منك محجوبا عني أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جوابُ حب مفعول له كأنه قال لحب ما خف عنكم يقول لإيثاري التخفيف أقل التسليم عليكم وأسكت كيما لا تحتاجوا إلى الجواب وفي النفس حاجات وفيك فطانةٌ ... سكوتي بيان عندها وخطابُ يقول تتردد في نفسي حاجات لا أذكرها لأنك فطن تقف عليها بفطانتك وسكوتي عن إظهارها يقوم مقام البيان عنها كما قال أمية بن أبي الصلت، أأذكر حاجتي أم قد كفاني، حياؤك أن شيمتك الحياء، إذا أثنى عليك المرؤ يوما، كفاه من تعرضه الثناء، وكما قال أبو بكر الخوارزمي، وإذا طلبت إلى كريمٍ حاجةً، فلقاؤه يكفيك والتسليم، فإذا رآك مسلما عرف الذي، حملته وكأنه ملزومُ، وما أنا بالباغي على الحب رشوةً ... ضعيف هوًى يبغي عليه ثوابُ استدرك على نفسه هذا العتاب فقال لا أطلب ما اطلبه منك رشوةً على الحب لأن الحب الذي يطلب عليه ثوابه ضعيف ثم ذكر سبب طلبه في البيت الذي بعده وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صوابُ يقول لم أرد ما أطلبه إلا لكي أدل اللاتي عذلنني في قصدك أني كنت مصيبا في هواك وأنك تحسن إليّ وتقضي حق زيارتي وأعلم قوماً خالفوني فشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا هذا من قول البحتري، وأشهد أني في اختيارك دونهم، مؤدي إلى حظي ومتبعٌ رشدي، جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وأنك ليث والملوك ذئابُ يقول الخلاف جارٍ في كل شيء إلا في وحدتك وأنفرادك عن الأشكال وأنك أسدٌ والملوك بالقياس إليك ذئاب وهذا من قول الطائي، ولو أن إجماعنا في وصف سودده، في الدين لم يختلف في الأمة إثنان، وقال البحتري، وأرى الخلق مجمعين على فضلك من بين سيدٍ ومسودِ، وأنك إن قويست صحف قارىء ... ذئابا ولم يخطىء فقال ذبابُ يقول جرى الخلف إلا في وحدتك وفي أنك أن قويست بغيرك من الملوك فصحف القارىء ما وصفت به الملوك وهو أنهم عندك كالذئاب عند الأسد فقال ذبابٌ لم يخطىء في هذا التحصيف لأن الأمر كذلك والقارىء ذبابٌ صحف ولم يخطىء لأنه أتى بالمعنى وأن مديح الناس حق وباطلٌ ... ومدحك حق ليس فيه كذابُ يقول الناس يمدحون بما هو حق وباطل لأن بعضه يكون كذبا وأنت تمدح بما هو حق كما قال أبو تمام، لما كرمت نطقت فيك بمنطقٍ، حقٍّ فلم آثم ولم أتحوب، ولو أمتدحت سواك كنت متى يضق، عني له صدق المقالةِ أكذبِ، إذا نلت منك الود فالمال هينٌ ... وكل الذي فوق التراب ترابُ وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كل يوم بلدةٌ وصحابُ يقول لولا أنت لكان كل بلدٍ بلدي وكل أهلٍ أهلي والمهاجر الذي هجر أهله وخرج من بين عشيرته والمعنى لولا أنت لم أقم بمصر فإن جميع البلاد والناس في حقي سواء ولكنك الدنيا إليّ حبيبةٌ ... فما عنك لي إلا إليك ذهابُ ولكنك جميع الدنيا فإن ذهبت عنك عدت إليك فإن الحيّ لا بد له من الدنيا والدنيا أنت يعني أنه السلطان والسلطان هو الدنيا وقال يهجو كافورا من أيةِ الطرقِ يأتي نحوك الكرمُ ... أين المحاجمُ يا كافور والجلمُ يقول لا طريق إليك للكرم فإنك لست منه في شيء إنما أنت أهلٌ لأن تكون حجاما مزينا فأين آلة الحجامة حتى تشتغل بها جاز الألي ملكت كفاك قدرهم ... فعرفوا بك أن الكلب فوقهمُ يقول هؤلاء الذين تملكهم تجاوزوا قدرهم بالبطر والطغيان فملكت عليهم تحقيرا لهم ووضعا من قدرهم حين ملكهم كلب لا شيء أقبح من فحلٍ له ذكرٌ ... تقوده أمةٌ ليست لها رحمُ

стр. 342

عني بالفحل ذي الذكر رجال عسكره وبالأمة التي لا رحم لها الأسود يوبخهم بانقيادهم له يقول لا شيء أقبح في الدنيا من رجلٍ ينقاد لأمة حتى تقوده إلى ما تريد قال ابن فورجة يريد ان ابن طغج فحلٌ له ذكر وكافور خصيّ فهو كالأمة من حيث أنه خصيٌّ لكنه قد خالفها بكونه لا رحمَ له فكأنه من أمةٍ فهذا أغرابه يقول لم تملكهُ أمرك وأنت فحل وهو أمةٌ في العجز ودناءة القدر سادات كل أناس من نفوسهم ... وسادة المسلمين الأعبد القزمُ هذا اغراء لأهل مملكته به يقول كل جيل وأمة يملكهم من هو من جنسهم فكيف ساد بالمسلمين عبيد رذال لئام والقزم رذال الناس لا واحد له من لفظه وروى ابن جنى القزم أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ... يا أمة ضحكت من جهلها الأممُ يقول لأهل مصر لا شيء عندكم من الدين إلا احفاء الشوارب حتى ضحكت منكم الأمم وهذا إنكارٌ عليهم طاعة الأسود وتقريره في المملكة ثم حرض على قتله ألا فتًى يورد الهندي هامته ... كيما تزول شكوك الناس والتهمُ يقول ألا رجل منكم يقتله حتى يزول عن العاقل الشك والتهمة وذلك أن تمليك مثله يشكك الناس في حكمة الباري حتى يؤديه إلى أن يظن أن الناس معطلون عن صانعٍ يدبرهم فإنه حجةٌ يوذي القلوب بها ... من دينه الدهرُ والتعطيلُ والقدمُ يعني أن الدهري يقول لو كان للأشياء مدبر أو كانت الأمور جاريةً على تدبير حكيمٍ لما ملك هذا ما أقدر الله أن يخزي خليفته ... ولا يصدق قوما في الذي زعموا يقول الله تعالى قادر على اخزاء الخليفة بإن يملك عليهم لئيما ساقطا من غير أن يصدق الملاحدة الذين يقولون بقدم الدهر يشير إلى أن تأمير مثله إخزاء للناس والله تعالى فعل ذلك عقوبةً لهم وليس كما يقول الملحدة وقال أيضا يهجوه أما في هذه الدنيا كريم ... تزول به عن القلب الهمومُ يشكو خلو الدنيا عن الكرام يقول أما كريم يأنس به فاضل فيزول همه به أما في هذه الدنيا مكانٌ ... يسر بأهلهِ الجار المقيمُ يعني أن جميع الأمكنة قد عمها اللؤم والجور فليس في الدنيا مكان أهله يحفظون الجار فيسر بجوارهم تشابهت البهائم والعبدي ... علينا والموالي والصميمُ العبدي العبيد يقول عم الجهل الناس كلهم الذين هم عبيد الله حتى اشبهوا البهائم في الجهل وملك المملوكين فالتبس الصميم وهو الصريح النسب الخالص يعني إشتبه الأحرار بالموالي وهم الذين كانوا عبيدا أرقآء وذلك أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر والإمارة إذا صارت إلى اللئام التبسوا على هذا الأصل بالكرام يعني أن التملك إنما يستحقه الكرام فإذا صار إلى اللئام ظنوا كراما وما أدري إذا داء حديث ... أصاب الناس أم داء قديمٌ يقول هذا الذي أصاب الناس من تملك العبيد واللئام عليهم حدث الان أن هو قديم كان قبلنا فيما تقدم حصلت بأرض مصر على عبيدٍ ... كأن الحر بينهم يتيمُ كأن الأسود اللابي فيهم ... غراب حولهُ رخمٌ وبومُ شبهه بالغراب وهو طير خسيس كثير العيوب وشبه أصحابه بخساس الطير حول الغراب واللابيّ منسوب إلى اللابة وهي أرض ذات حجارة سود والسوادن ينسبون إليها لأن أرضهم فيها حجارة ولهذا يقولون أسود لأبيّ أخذت بمدحه فرأيت لهوا ... مقالي للأحيمقِ يا حليمُ أي أكرهت على مدحه فرأيتني لاهيا أن أصف الأحمق بالحلم وإن أمدحه بما ليس فيه ولما أن هجوت رأيت عيا ... مقالي لابن آوى يا لئيمُ ولما هجوته وهو ظاهر اللوم كان نسبتي إياه إلى اللؤم عيا لأن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عيٌّ ومن قال لابن آوى وهو من أخس السباع يا لئيم كان متكلفا فهل من عاذرٍ في ذا وفي ذا ... فمدفوعٌ إلى السقمِ السقيمُ يقول فهل من عاذر لي يقوم بعذري في مدحه وهجائه فإني كنت مضطرا لم يكن لي فيهما أختيار كالسقم يطرأ على السقيم من غير اختياره ثم ذكر عذره في الهجاء إذا أنت الإساءة من وضيعٍ ... ولم ألم المسيء فيمن ألومُ أي إذا كان اللئيم يسيء إليّ لم يتوجه اللوم على غيره وهذا من قول الطائي، إذا أنا لم ألم عثرات دهرٍ، أصبت به الغداة فمن ألومُ ونظر إلى الأسود يوما فقال

стр. 343

لو كان ذا الآكل أزوادنا ... ضيفاً لأوسعناه إحسانا يقول هذا الذي يأكل زادي لو كان ضيفا لي لأكثرت إليه الإحسان أي لو أتاني وقصدني ضيفا لأحسنت إليه وهذا كما قال أيضا، جوعان يأكل من زادي ويمسكني، ولأكله زاده وجهان أحدهما أن المتنبي أتاه بهدايا وألطافٍ ولم يكافه عنها والآخر أن المتنبي يأكل من خاص ماله عنده وينفق على نفسه مما حمله وهو يمنعه من الإرتحال فكأنه يأكل زاده حين لم يبعث إليه شيئا ومنعه من الطلب لكننا في العين أضيافهُ ... يوسعنا زورا وبهتانا يقول نحن أضيافه في الظاهر لأنا أتيناه وليس يعطينا قرى غير الزور والبهتان والمواعيد الكاذبة فليته خلى لنا طرقنا ... أعانه الله وإيانا أراد أعانه الله على التخلية وأعاننا على الذهاب وكتب إليه أبو الطيب في المسير إلى الرملة لتتجز مالٍ له بها وإنما أراد أن يعرف ما عند الأسود في مسيره فأجابه ل والله لا نكلفك المسير ولكنا نبعث من يقبضه لك أتحلفُ لا تكلفني مسيرا ... إلى بلدٍ أحاول منه مالا يعني حكاية قوله لا والله لا نكلفك المسير وأنت مكلفي أنبي مكانا ... وأبعد شقةً وأشد حالا أي تكلفني الإقامة عندك وذلك أنبا بي وأشد عليَّ من السفر البعيد إذا سرنا عن الفسطاط يوما ... فلقني الفوارسَ والرجالا أراد بلقني قابلني أو أرني الفوارس والرجال بان تبعثهم خلفي ليردوني إليك أي إذا سرت عنك لم تقدر على ردي إليك لتعلم قدر ما فارقت مني ... وأنك رمت من ضيمي محالا يريد أنه شجاعٌ بطل لا يقبل الضيم وإن فوارسه ورجالاته لا يقدرون على رده إليه وقال يوم عرفة وقد خرج من مصر سنة خمسين وثلثمائة عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ ... بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ كأنه قال هذا عيد أي هذا اليوم الذي أنا فيه عيد ثم أقبل يخاطبه فقال يا عيد بأية حال عدت والباء في بأية يجوز أ، تكون للتعدية فيكون المعنى أية حالٍ أعدته ويجوز أن تكون للمصاحبة فتكون بمعنى مع والمعنى مع أية حال عدت يا عيد ثم فسر الحال فقال بما مضى أم بأمر مجدد يقول للعيد هل تجدد لي حالةً سوى ما مضت أم عدت والحال على ما كانت من قبلُ أما الأحبة فالبيداء دونهم ... فليت دونك بيداً دونها بيدُ يتأسف على بعد أحبته عنه يقول أما هم فعلى البعد مني فليتك يا عيد كنت بعيدا وكان بيني وبينك من البعد ضعف ما بيني وبين الأحبة والمعنى أنه لا يسر بعود العيد مع بعد الأحبة كما قال الآخر، من سره العيد الجديد فما لقيت به السرورا، كان السرور يتم لي، لو كان أحبابي حضورا، لولا العلي لم تجب بي ما أجوب بها ... وجناء حرف ولا جرداء قيدودُ يريد بالوجناء الحرف الناقة الضامرة وبالجرداء الفرس القصيرة الشعر والقيدود الطويلة يقول لولا طلب العلي لم تقطع بي الفلاة ناقةٌ ولا فرس وجعلها تجوب به لأنها تسير به وهو أيضا يجوب بها الفلاة لأنه يسيرها فيها وما كناية عن الرواحل ثم فسرها بالمصراع الثاني وقال ابن فورجة ما أجوب بمعنى الذي وموضعها نصب أي لم تجب بي الفلاة التي أجوبها بها والوجناء فاعلة لم تجب وعلى هذا ما كناية عن الفلاة والهاء في بهاء ضمير قبل الذكر وهي الوجناء والجرداء والقول الأول أظهر وكان أطيب من سيفي مضاجعةً ... أشباه رونقهِ الغيدُ الأماليدُ يقول لولا طلب العلي كانت الجواري الغيد اللاتي يشبهن بياض السيف في نقاء ابشارهن أطيب مضاجعةً من السيف أي إنما أضاجع السيف وأترك الجواري لطلب العلي والأملود الغصن الناعم وتشبه به الجاري الشابة لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي ... شيئا تتيمه عين ولا جيدُ يريد أن الدهر بإحداثه ونوائبه قد سل عن قلبه هوى العيون والأجياد فلا يميل إليها لأنه ترك اللهو والغزل وافضى إلى الجد والتشمير يا ساقييَّ أخمر في كؤوسكما ... أم في كؤسكما هم وتسهيدُ يقول لساقييه أخمر ما تسقيانيه أم هم وسهاد يعني لا يزيدني ما اشربه إلا الهم والسهاد لا يسلى همي وذلك لأنه بعيد عن الأحبة فهو لا يطرب على الشراب أو لان الخمر لا تؤثر فيه لمتانة عقله أصخرة أنا ما لي لا تحركني ... هذي المدامُ ولا هذي الأغاريد

стр. 344

يتعجب من حاله وإن المدام والأغاني لا تطربه ولا تؤثر فيه حتى كأنه صخرة يابسة لا يؤثر فيه السماع والشراب إذا أردت كميت اللون صافيةً ... وجدتها وحبيب النفس مفقودُ قال ابن جنى حبيب النفس عنده المجد وإذا تشاغل بشرب الخمر فقد المعالي هذا كلامه وليس كما قال لأنه ليس في لفظ البيت ما ذكر والمتنبي قال وجدتها ولم يقل شربتها والمعنى يقول إذا طلبت الخمر وجدتها وإذا طلبت حبيبي لم أجده يتشوق بهذا إلى أهله وأحبته يعني أن شرب الخمر لا يطيب إلا مع الحبيب وحبيبي بعيد عني فليس يسوغ لي الشرب ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أنى بما أنا باكٍ منه محسودُ يشكو ما لقيه من تصاريف الدهر وعجائب الدنيا ثم قال وأعجبها أني محسود بما أشكوه وأبكي منه وهو قصد كافور وخمدته يقول الشعراء يحسدونني عليه وأنا باكٍ منه أمسيت أروح مثرٍ خازناً ويداً ... أنا الغني وأموالي المواعيدُ يقول أنا مثرٍ وخازني ويدي في راحةٍ من تعب حفظ المال لأن أموالي مواعيدُ كافور وعدني أن يعطيني وهذا مال لا أحتاج إلى حفظه بيدي ولا بخازني ني نزلت بكذابين ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدودُ المحدود الممنوع يريد أنهم لا يقرونه ولا يدعونه يرحل عنهم جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ يقولا هؤلاء يجودون بالمواعيد ولا يجودون بالمال ثم دعا عليهم فقال لا كانوا ولا كان جودهم وهذا من قول الطائي، ملقى الرجاء وملقى الرحل في نفر، الجود عندهم قول بلا عمل، وقوله أيضا، واقل الأشياء محصول نفعٍ، صحة القول والفعال مريضُ، وكرره أبو الطيب فقال، أوجز الأمير الذي نعماه فاجئة، بغير قولٍ ونعمى الناس أقوالُ، ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلا وفي يده من نتنها عودُ يقول لا يباشر الموت بيده قبض روحهم تقززا واستقذارا لهم وهذا مثل ضربه من كل رخو وكاء البطن منفتقٍ ... لا في الرجال ولا النسوان معدودُ يريد الخصيان الذين كانوا مع الأسود ويريد برخو وكاء البطن أنه ضراط فساء لا يوكي على ما في بطنه من الريح والمنفتق المتوسع جلده لكثرة لحمه كأنه انفتق وانشق وهو غير معدود في الرجال ولا في النساء أكلما اغتال بعد السوء سيدهُ ... أو خانه فله في مصر تمهيدُ يقول أكلما أهلك بعد سوء سيده مهد امره في مصر وملك على الناس يعني أن الأسود قتل سيده ثم تملك على أهل مصر فقبلوه وانقاردوا له وهذا استفهام إنكار أي لا يجب أن يكون الأمر على هذا صار الخصيُّ إمام الآبقين بها ... فالحر مستبعدٌ والعبد معبودُ يريد أن كل عبد آبق إليه أمسكه عنده وأحسن إليه فهو أمام الآبقين نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيدُ يريد بالنواطير الكبار والسادة وبالثعالب العبيد والاراذل يقول السادة غفلوا عن الأراذل وقد أكلوا فوق الشبق وعاثوا في أموال الناس وجعل العناقيد مثلا للاموال العبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحر مولودُ يقول العبد لا يواخي الحر لما بينهما من التباعد في الأخلاق وإن ولد العبد في ملك الحر وهذا إغراء لأبن سيده يعني أن الأسود وإن أظهر له الود فليس له بمصافٍ مخلص لا تشتر العبد إلا والعصا معهُ ... إن العبيد لأنجاس مناكيدُ يريد سوء أخلاق العبد وأنه لا يصلح إلا على الضرب والهوان كما قال بشار، الحر يلحى والعصا للعبد، وكما قال الحكم بن عبدل، والعبدُ لا يطلب العلاء ولا، يرضيك شيئا إلا إذا رهبا، مثل الحمارِ الموقع السوء لا، يحسن مشياً إلا إذا ضربا، والمناكيد جمع المنكود وهو الذي فيه نكدٌ وقلة خير ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ ... يسيء بي فهو كلبُ وهو محمودُ يقال أساء به وأساء إليه قال كثير، أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومةً، يقول ما كنت أظنني يؤخرني الأجل إلى زمانٍ يسيء إليّ فيه شر الخليقة وأنا أحتاج إلى أن أمدحه وأحمده لا يمكنني أن أظهر الشكوى ولا توهمت أن الناس قد فقدوا ... وأن مثل أبي البيضاء موجودُ يقول لم أتوهم إن الكرام فقدوا حتى لايوجد منهم أحد وإن مثل هذا موجود بعد فقدهم وتكنيته بأبي البيضاء سخرية منه

стр. 345

وأن ذا الأسود المثقوب مشفرهُ ... تطيعهُ ذي العضاريط الرعاديد يقول ولا توهمت أن الأسود العظيم المشافر يستغوي هؤلاء اللئام الذين حوله يطيعونه ويصدرون عن رأيه وجعله مثقوب المشفر تشبيها في عظم مشافره بالبعير الذي يثقب مشفره للزمام والعضروط التابع الذي يخدم الناس بطعام بطنه والرعديد الجبان جوعان يأكل من زادي ويمسكني ... لكي يقال عظيم القدرِ مقصودُ وصفه بالجوع على معنى أنه للؤمه وبخله لا يشبع من الطعام وذكرنا وجه أكل زاده عند قوله، لو كان ذا الآكل أزوادنا، يقول هو يمسكني عنده لكي يتجمل بقصدي إياه فيقول الناس أنه عظيم القدر إذ قصده المتنبي مادحا إن امرأً أمةٌ حبلى تدبرهُ ... لمستضام سخين العين مفؤودُ جعل الأسود أمةً لعدمه آله الرجال وجعله حبلى لعظم بطنه وكذا خلقة الخصيان وهذا تعريض بابن سيده يقول الذي صار تدبيره إلى من هذه صفته فهو مضيم مصاب القلب لا عقل له ويلمها خطةً ويلم قابلها ... لمثلها خلق المهرية القودُ ويلمها يقال عند التعجب من الشيء يقول ما أعجب هذه القصة وما أعجب من يقبلها وإنما خلقت الإبل للفرار من مثلها والمهرية إبل منسوبةٌ إلى مهرة قبيلة من العرب والقود الطوال جمع قوداء وعندها لذ طعم الموت شاربهُ ... إن المنية عند الذل قنديدُ يقول عند طاعة الخصي والصبر تحت أمره يستلذ طعم الموت من ذاقه لأن الموت أيسر من ذلك الذل والقنديد القند وقيل هو الخمر من علم الأسود والمخصي مكرمةً ... أقومه البيض أم آباؤك الصيدُ يريد أنه لا يعرف المكرمة ما هي لأنه عبد أسود لم يرث أباءه مجدا ولا مكرمةً أم أذنه في يد النخاسِ داميةً ... أم قدره وهو بالفلسين مردودُ هذا وضع منه وتحقير لشأنه بأنه مملوك اشترى بثمن أن زيد عليه فلسين لم يشتر لنخسته أولى اللئام كويفير بمعذرةٍ ... في كل لؤمٍ وبعضُ العذرِ تنفيدُ يقول أولى من عذر في لؤمه كافور لخبث أصله وخسة قدره ثم قال وبعض العذر تفنيد أي عذري لفي لؤمه له وهجاء على الحقيقة ثم صرح بعذره فقال وذاك أن الفحول البيض عاجوةٌ ... عن الجميل فكيف الخصية السودُ عرض بغيره من الملوك في هذا البيت وقال بمصر وكتب بها إلى عبد العزيز بن يوسف الخزاعيّ جزى عربا أمست ببلبيس ربها ... بمسعاتها تقرر بذاك عيونها بلبيس موضع بأعلى الشام دون مصر يقول جزى رب العرب العرب التي أمست بهذه البقعة بمسعاتها جزاء تقر عينها بذاك الجزاء والمسعاة واحدة المساعي وهي الأمور التي تسعى لها الكرام كراكر من قيس بن عيلان ساهرا ... جفون ظبائها للعلي وجفونها هذا تفسير العرب التي ببلبيس يقول هم جماعات من قيس لا تزال جفونهم ساهرةً لأجل العلي وجفون سيوفهم خاليةٌ لها واستعار لفظ السهر لجفون السيوف لما ذكر معها جفون العيون لتجانس القول وعنى بسهرها خلوها من النصول كما يسمى خلو جفون العين عن النوم سهرا والمّ بهذا بعض المحدثين فقال، وطالما غاب عن جفني لزورتها، وجفنِ سيفي غرارُ السيفِ والوسنِ، ولا واحد لكراكر من لفظها وخص به عبد العزيز بن يوسفٍ ... فما هو إلا غيثها ومعينها وخص بذلك الجزاء هذا الرجل الذي هو أفضلهم كالماء المعين الذي لا عيش دونه فيما بينهم فتًى زان في عيني أقصى قبيلةٍ ... وكم سيدٍ في حلةٍ لا يزينها يقول هو زين عشيرته ورهطه وإن تباعدوا عنه في النسب وغيره من السادة لا يكون بهذه الصفة وقال يهجو وردان بن ربيعة من طيىء الذي نزل به في طريقه إلى مصر وإن تك طيىء كانت لئاما ... فألأمها ربيعةُ أو بنوهُ وإن تكن طيىء كانت كراما ... فوردانٌ لغيرهم أبوهُ يقول إن كانوا لئاما فهو ألأمهم وإن كانوا كراما فأبو وردان لم يكن منهم مررنا منه في حسمي بعبدٍ ... يمج اللؤم منخرهُ وفوهُ يقول مررنا في هذا المكان من وردان بعبد أنفاسه لؤم أي لا يتكلم إلا بما يدل على لؤمه أشد بعرسهِ عني عبيدي ... فأتلفهم ومالي أتلفوهُ يقول فرق بسبب امرأته عني عبيدي يعني دعاهم إلى الفجور بها فاتلفهم لأنه حملهم على الفجور وهم اتلفوا مالي لأنهم اتلفوه على امرأته

стр. 346

فإن شقيت بأيديهم جيادي ... لقد شقيت بمنصلي الوجوه وذلك أن عبدا له أخذ فرسا له تحت الليل ليذهب به فانتبه أبو الطيب وضرب وجهه بسيفه وأمر الغلمان فقطعوه وقال أيضا يهجوه لحى الله وردانا وأما أتت به ... له كسب خنزيرٍ وخرطوم ثعلبِ الخنزير يأكل العذرة وكذلك بنات وردان تأكل العذرة في الحشوش ولإنفاق الأسمين جعله كالخنزير في أكل العذرة ويريد بقوله خرطوم ثعلب أنه ناتىء الوجه فوجهه كخرطوم الثعلب وهو أنفه وفمه فما كان منه الغدر إلا دلالةً ... على أنه فيه من الأم والأبِ أي غدره بي دلالة على أنه ورث الغدر من أمه وأبيه يعني أنهما كانا غدارين فالغدر موروث له لا عن كلالة وروى ابن جنى بالأب أي غدره بي دلالةٌ على أن أمه غدرت فيه بأبيه فجاءت به لغير رشدة إذا كسب الإنسان من هن عرسهِ ... فيا لؤم إنسان ويا لؤم مكسبِ ينسبه إلى أنه ديوث يقود إلى امرأته ويجعل ذلك كسبا له أهذا اللذيا بنت وردان بنتهُ ... هما الطالبان الرزق من شر مطلبِ يقول تجاهلا وهزؤا أهذا هو الذي تنسب إليه بنت وردان هذه الحشرة الذميمة ثم قال هو وهي يطلبان الرزق من شر المطلب لأنها تطلبه من الحشوش وأماكن الخبث وهو يطلبه من هن عرسه لقد كنت أنفي الغدر عن توس طيءٍ ... فلا تعذلاني رب صدقٍ مكذبِ التوس والسوس الأصل يقول كنت أقول أن طيئا لا تغدر ولم تكن آباؤهم غدارين فلا تعذلاني إن قلت غدر هذا لأنه ليس من الأصل الذي يدعي ن طيىءٍ وقوله رب صدق مكذب أي رب صدق يكذبه الناس يعني كنت صادقا في نفي الغدر عن طيىء وإن كذبني الناس لأجل وردان بادعائه أنه من طيىء يريد أنه صادق ووردان ليس من طيىء ولم يعرف ابن جنى هذا فقال رجع عن نفي الغدر عنهم وليس في البيت ما يدل على رجوعه عن نفي الغدر وقال أيضا في العبد الذي أخذ سيفه وفرسه أعددت للغادرين أسيافا ... أجدع منهم بهن آنافا يعني بالغادرين عبيده الذين أرادوا أن يسرقوا خيله يقول أعددت لهم سيوفا أجدع بها أنوفهم يقال آنف وآناف وأنوف لا يرحم الله أرؤساً لهمُ ... أطرنَ عن هامهنَّ أقحافاً يقول لا يرحم الله رؤسهم التي أطارت السيوفُ اقحافها عن هامها ما ينقم السيفُ غير قلتهمْ ... وأن تكون المئونَ آلافا يقول لا يكره السيف إلا قلة عددهم أي يريد السيفُ أن يكونوا أكثر ليقتلهم جميعا ويريد أن تكون المئون منهم آلافا ليقتل كل غادر وكلّ عبد سوء في الدنيا وأراد إن لا تكون فحذف لا وهو يريده يا شر لحمٍ فجعته بدمٍ ... وزار للخامعات أجوافا يقول للمقتولين منهم يا شر لحم أسلت دمه حتى فجعته بدمه وتركته ملقًى للضباع حتى أكلته فدخل أجوفاها والخامعات الضباع لأنها تخمع في مشيها وذلك أن في مشيها شبه عرج ولذلك قيل لها العرجاء قد كنت أغنيت عن سؤالك بي ... من زجر الطير لي ومن عافا يقول للعبد الذي قتله كنت في غنى عن أعمال الزجر والعيافة في إقدامك عليّ وتعرضك للغدر بي وكان هذا العبد سأل عائفا عن حال المتنبي فذكر له من حاله ما زين له الغدر به وهو قوله من زجر الطير لي يعني العائف وقوله سؤالك بي أي عني وعدت ذا النصل من تعرضهُ ... وخفت لما اعترضتَ إخلافا يقول وعدت سيفي أن أضرب به من تعرض له وأحوج إلى ضربه ولما اعترضت لسيفي بالغدر بي وأخذ فرسي خفت أن تركت قتلك أخلاف ما وعدت السيف لايذكر الخير أن ذكرت ولا ... تتبعك المقلتان توكافا يقول لم يكن فيك خير تذكر به ولا تبكي العين عليك والتوكاف تفعال من الوكيف وهو قطران الماء إذا امرؤ راعني بغدرتهِ ... أوردته الغاية التي خافا يقول إذا راعني امرؤ بغدرته كافأته بالقتل وهو غاية ما يخافه المرء وقال أيضا بسيطة مهلا سقيتِ القطارا ... تركتِ عيونَ عبيدي حيارى فظنوا النعام عليك النخيل ... فظنوا الصوار عليك المنارا بسيطة موضع بقرب الكوفة لما بلغها المتنبي رأي بعض عبيده ثورا يلوح فقال هذه منارة الجامع ونظر أخر إلى نعامة فقال وهذه نخلة فضحك أبو الطيب وضحك من معه وذلك قوله فأمسك صحبي بأكوراهم ... وقد قصد الضحك فيهم وجارا

стр. 347

أي تمسكوا بالأكوار لأنهم لم يملكوا أنفسهم من فرط الضحك والضحك قد سلك فيهم القصد وسلك الجور أي أفرط بعضهم في الضحك وأقتصد بعضهم وقال لما دخل الكوفة يصف طريقه من مصر إليها ويهجو كافورا في شهر ربيع الأول سنة ٣٥١ ألا كل ماشيةِ الخيزلي ... فدى كل ماشيةِ الهيدبا الخيزلي مشيةٌ فيها استرخاء من مشية النساء ومنه قول الفرزدق، قطوف الخطا تمشيء الضحى مرجحنةً، وتمشي العشى الخيزلي رخوة اليدِ، والهيدبا مشية فيها سرعة من مشية الإبل وأصله من قولهم أهدب الظليم إذا أسرع يقول فدت كل إمرأة تمشي الهيدبا يريد أنه لا يميل إلى مشية النساء وليس من أهل الغزل والعشق وإنما هو من أهل السفر يحب مشي الجمال كما قال أبو تمام، يرى بالكعاب الرود طلعة ثائرٍ، وبالعرمس الوجناء غرة آئبِ، وفدى إذا كسر جاز فيه المد والقصر وإذا فتح لم يجز إلا القصر وكل نجاةٍ بجاويةٍ ... خنوفٍ وما بي حسن المشا النجاة الناقة السريعة والبجاوية منسوبة إلى بجاوة وهي قبيلة من بربر توصف نوقها بالسرعة حكى ابن جنى عن أبي الطيب قال يرمي الرجل منهم بالحربة فإذا وقعت في الرمية طار الجمل إليها حتى يأخذها صاحبها والخنوف من قولهم خنف البعير بيده في السير خنافا إذا أمالها إلى وحشيه والمشا جمع المشية يقول لا أحب حسن مشية النساء وما بي إلى ذلك ميل وإنما أحب كل ناقة خفيفة المشي ولكنهن حبال الحيوة ... وكيدُ العداة وميط الأذا يقول النوق الخفيفة حبال الحيوة بها يتوصل إلى الحيوة لأنها تخرجك من المهالك وبها تكاد الأعداء وبها يدفع الأذى والميط الدفع ضربت بها التيه ضرب القما ... رِ إما لهذا وإما لذا يقول أوقعتها في التيه مخاطرا بنفسي كالمقامر يضرب بالقمار أما للغرم وأما للغنم كذلك نا أما أفوز فانجو وأما أهلك فاستريح والإشارة إلى الفوز والهلاك إذا فزعت قدمتها الجيادُ ... وبيضُ السيوفِ وسمرُ القنا يقول إذا رأت فزعاً تقدمتها الخيل والسيوف والرماح أي للدفع عنها وقدمتها بمعنى تقدمتها فمرت بنخلٍ وفي ركبها ... عن العالمين وعنه غنى نخل ماء معروف يقول مرت هذه الإبل بهذا المكان وفي ركبانها يعني نفسه وأصحابه غنًى عن هذا الماء وعن كل من في الدنيا لأنهم أكتفوا بما عندهم من الجلد والحزامة وأمست تخيرنا بالنقا ... بِ وأدى المياه ووادي القرى النقاب موضع يتشعب منه طريقان طريقٌ إلى وادي المياه وطريق إلى وادي القرى يقول لما بلغنا هذا المكان قدرنا السير أما إلى وادي المياه وإما إلى وادي القرى فجعل هذا التقدير منهم كالتخيير من الإبل كأن الإبل خيرتهم فقالت إن شئتم سلكتم هذا الطريق وإن شئتم سلكتم الطريق الآخر وهذا على المجاز والإتساع كما قال الآخر، يشكو إليَّ جملي طولَ السرى، لم يرد حقيقة الشكوى إنما أراد أنه صار إلى حالٍ يشتكي من مثلها وسكن الياء من وادي المياه ضرورةً كما قال الآخر، ألا لا أرى وادي المياه يثيب، ومثله كثير وقلنا لها أين أرض العراقِ ... فقالت ونحن بتربان ها قلنا للإبل أين أرض العراق لأنا كنا نريد تلك الناحية فقالت ونحن بهذه البقعة المسماة بتربان وهي من أرض العراق ها هي ذه وهذا كله مجاز كالبيت الذي قبله وهبت بخسمي هبوب الدبو ... ر مستقبلاتٍ مهبَّ الصبا هبت الإبل من الهباب وهو نشاطها في السير يريد أنه وجهها في السير من المغرب إلى المشرق لأن الدبور تهب من جانب المغرب والصبا من جانب المشرق روامي الكفافِ وكبدِ الوهادِ ... وجار البويرةِ وادي الغضا هذه كلها اسماء مواضع وأراد روامي بالنصب حالا منهن أي قواصد لهذه المواضع فأسكن الياء ضرورةً واراد أن وادي الغضا جار البويرة فهو بقربها وجابت بسيطة جوب الردا ... ء بين النعام وبين المها يريد قطعت الإبل هذا المكان كما يقطع الرداء ويريد أن بسيطة بعيدة من الأنس لاجتماع الوحوش بها إلى عقدة الجوف حتى شفت ... بماء الجراوي بعض الصدى عقدة الجوف مكان معروف والجراوي منهل وهو الذي ذكره الشاعر في قوله، ألا لا أرى ماء الجراوي شافيا، صداي وإن روى غليل الركائب، يقول جابت بسيطة إلى عقدة الجوف حتى شفت عطشها بماء هذا المنهل

стр. 348

ولاح لها صور والصباح ... ولا الشغور لها والضحى صور أسم ماء والصحيح أنه صوري ذكر ذلك أبو عمر الجرمي والشغور من أرض العراق تقول العربُ إذا وردتَ الشغورَ فقد اعرقت يريد أن هذا الماء ظهر لها مع وقع الصباح وظهر لها هذا المكان مع وقت الضحى ومسى الجميعي دئداؤها ... وعادى الأضارع ثم الدنا الدئداء والدأدأة أرفع من الخبب ومسى أتى مساء يقول لما كان وقت المساء بلغ سيرها الجميعي ثم أتى بالغداة الأضارع والدنا وهي أماكنُ فيا لك ليلا على أعكشٍ ... أحم البلاد خفي الصوى يتعجب من ليل شديد الظلمة على هذا المكان حتى أسودت البلاد وخفيت الأعلام والاحم الأسود والصوى أعلام تبني في الطريق ليهتدي بها وردنا الرهيمة في جوزهِ ... وباقيه أكثر مما مضى الرهيمة بقرب الكوفة قال ابن جنى أراد بالجوز ههنا صدر الليل وإنما قال ابن جنى هذا لقوله وباقيه أكثر مما مضى وإذا كان الباقي أكثر ن الماضي كان الجوز صدر الليل وصدر الليل لا يسمى جوز الليل وقال القاضي أبو الحسن بن عبد العزيز أخطأ أبو الطيب لما قال في جوزه ثم قال وباقيه أكثر مما مضى كيف يكون باقيه أكثر وقد قال في جوزه وقال ابن فورجة هذا تجنٍّ من القاضي والهاء في جوزه لأعكش وهو مكان واسع والرهيمة ماء وسط أعكشٍ والكلام صحيح هذا كلامه والمعنى وردنا هذا الماء وسط هذا المكان وما بقي من الليل أكثر مما مضى فلما أنخنا ركزنا الرما ... ح فوق مكارمنا والعليّ يقول لما نزلنا الكوفة وانخنا ركابنا وركزنا الرماح كعادة من يترك السفر كانت رماحنا مركوزة فوق مكارمنا وعلانا لما فعلنا من فراق الأسود وقتال من قاتلنا في الطريق وظفرنا بمن عادانا وكل ذا ما يدل على المكارم والعلي وظهرت مكارمنا بما فعلنا وكأنا نزلنا على المكارم والعلى وبتنا نقبل أسيافنا ... ونمسحها من دماء العدى نقبلها لأنها اخرجتنا من بين الأعداء ونجتنا من المهالك لتعلم مصرُ ومن العراق ... ومن بالعواصم أني الفتى المعنى لتعلم أهل مصر فحذف المضاف وأني وفيت وأني أبيتُ ... وأني عتوتُ على من عتا وفيت لسيف الدولة إذا رجعت إليه وأبيت ضيم كافور ولم أذل لمن عصاني وما كل من قال قولا وفى ... وما كلُّ من سيم خسفاً أبي أي ليس كل قائل وافيا بما قال وليس كل من كلف ضيما يأبى من كلف ومن يكن قلب كقلبي له ... يشق إلى العز قلب التوى أي من كان قلبه في الشجاعة وصحة العزيمة كقلبي شق قلب الهلاك فخاض شدائده حتى يصل إلى العز والتوى الهلاك واستعار له قلبا لما ذكر قلب نفسه ولا بد للقلب من آلةٍ ... ورأيٍ يصدعُ صم الصفا يقول آلة القلب العقلُ والرأي وما فيه من السجايا الكريمة وقوله يصدع صم الصفا أي يشق الحجارة الصلبة وينفذ فيها وكل طريقٍ أتاهُ الفتى ... على قدر الرجل فيه الخطا يقول كل أحد يخطو في الطريق الذي يأتيه على قدر رجله فمن طالت رجله اتسعت خطاه وهذا مثل يريد أن كل أحد يعمل على قدر وسعه وطاقته كما قال، على قدرِ أهل العزم يأتي العزائمُ، ونام الخويدم عن ليلنا ... وقد نام قبل عمى لا كرى يقول غفل عن ليلنا الذي خرجنا فيه من عنده وكان قبل ذلك نائما غفلةً وعمى وإن لم يكن نائما كرى كما قال الآخر، وخبرني البواب أنك نائمٌ، وأنت إذا استيقظت أيضا فنائمُ، وكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والغبي يقول وحين كنا قريبا كان بيننا بعد من جهله لن الجاهل لايزداد علما بالشيء وإن قرب منه لقد كنت أحسب قبل الخص ... ي أن الرؤوس مقرُّ النهي ولما نظرت إلى عقلهِ ... رأيت النهي كلها في الخصي كنت أحسب قبل رؤية كافور أن مقر العقل الدماغ فلما رأيت قلة عقله قلتُ العقل في الخصية لأنه لما خصيَ ذهب عقله وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا يتعجب مما رأى بمصر مما يضحك الناس والعقلا ثم قال لكن ذلك الضحك كالبكاء لأنه في الفضيحة ثم ذكر ما بها فقال بها نبطيٌّ من أهلِ السوادِ ... يدرس أنساب أهلِ الفلا

стр. 349

يريد بالنبطي السوادي وهو أبو الفضل بن حنزابة وقيل أبو بكر المادرائي النسابة وإنما يتعجب لأنه ليس من العرب وهو يعلم الناس أنساب العرب وأسود مشفرهُ نصفهُ ... يقال أنه أنت بدر الدجى وبها أسود عظيم الشفة يثنون عليه بالكذب وهو أنهم يقولون له أنت بدر الدجى والبدر مشتمل على النور والجمال والأسود القبيح لخلقه العظيم الشفة متى يشبه البدر وشعرٍ مدحت به الكركد ... ن بين القريضِ وبين الرقى الكركدن يقال هو الحمار الهندي وهو بالفارسية كرك وهو طائر عظيم وروى ثعلب عن ابن الأعرابي الكركدن دابة عظيمة الخلق يقال أنها تحمل الفيل على قرنها وأراد بها الأسود فشبهه بالكركدن لعظم جثته وقلة معناه يقول شعرٌ مدحته به هو شعر من وجهٍ ورقيةٌ من وجهٍ لأني كنت أرقيه به لأخذ ماله يريد أنه كان يستخرج منه ماله بنوع رقية وحيلة فما كان ذلك مدحاً له ... ولكنه كان هجو الورى يقول لم يكن لك الشعر مدحا له ولكنه في الحقيقة كان هجاء للخلق كلهم حيث أحوجني إلى مثله وقال ابن جنى أي إذا كانت طباعه تنافي طباع الناس كلهم سفالا ثم مدح فذلك هجو لهم لأن فيه إرغاما لهم ومدحا لمن ينافي طباعهم وقد ضل قوم بأصنامهم ... وأما بزقِّ رياحٍ فلا يقول الكفار قد ضلوا بأصنامهم وأحبوها فعبدوها من دون الله سفها وضلةً فأما أن يضل أحد بخلقٍ يشبه زق ريح فلم أر ذلك يعني أنه بانتفاح خلقته كزق ريح وليس فيه ما يوجب الضلال به حتى يطاع ويملك وإنما هذا تعجب ممن يطيعه وينقاد له وتلك صموتٌ وذا ناطقٌ ... إذا حركوه فسا أو هذى ومن جهلت نفسه قدرهُ ... رأى غيره منه ما لا يرى يقول من أعجب بنفسه ولم يعرف قدر نفسه أعجابا وذهابا في شأنه خفيت عليه عيوبه فاستحسن من نفسه ما يستقبحه غيره وعمي عما يراه غيره من عيوبه وقال يهجو الأسود وأسود أما القلب منه فضيق ... نخيب وأما بطنه فرحيبُ يقال للجبان نخيب ومنخوب ونخب وأصله أنه الذي أصيبت نخبة قلبه وهو سويداؤه فهو منخوب القلب أي مصاب بخالص قلبه يموت به غيظا على الدهر أهلهُ ... كما مات غيظاً فاتك وشبيبُ يقول أهل الدهر غضاب على الدهر برفعه وتمليكه عليهم فهم يموتون غيظا على الزمان كما مات هذان أعدت على مخصاه ثم تركتهُ ... يتبعُ مني الشمس وهي تغيبُ يريد أعدت الخصاء على مخصاه أي خصيته بالهجاء ثانيا ثم انفلت منه فلم يدركني ولم يقدر عليّ كمن يتبع الشمس وهي تغيب فلا يدركها وقد نظر في هذا إلى قول الآخر، وأصبحت من ليلى الغداة كناظرٍ، مع الصبحِ في أعجازِ نجمس مغربِ، إذا ما عدمت الأصل والعقل والندى ... فما لحيوةٍ في جنابك طيبُ يقول إذا لم يكن للمرء أصل ولا عقل ولا جود لم تطب لاحد حيوة عنده أو في حيوته والمعنى أن حيوتي إنما لم تطب عند الأسود لأنه عادمٌ لهذه الأشياء ويروي في حيوتك وقال يمدح أبا شجاع فاتك الملقب باالمجنون في سنة ٣٤٨ لا خيل عندك تهديها ولا مالُ ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحالُ يخاطب نفسه يقول ليس عندك من الخيل والمال ما تهديه إلى الممدوح جزاء له على إحسانه إليك فليسعدك النطق أي فإمدحه وجازه بالثناء عليه إن لم تعنك الحال أي على مجازاته بالمال وهذا من قول يزيد المهلبي، إن يعجز الدهر كفى جزائكمُ، فإنني بالهوى والشكر مجتهدُ، وقول الحطيئة، وإن لم يكن مالٌ يثابُ فإنه، سيأتي ثنائي زيداً ابن مهلهلِ، وأجز الأمير الذي نعماه فاجئةٌ ... بغير قولٍ ونعمى الناسِ أقوالُ أي واجزه بالمدح والثناء عليه والشكر له فإن انعامه يأتي فجاءةً من غير تقدم سؤال وانتظار وغيره من الناس اقتصروا على القول دون الفعل وهذا من قول المهلبي، وكم لك نائلا لم أحتسبه، كما يلقى مفاجأة حبيبُ، وربما جزت الإحسان موليه ... خريدةٌ من عذارى الحيِّ مكسالُ المكسال من النساء الفاترة القليلة التصرف يقول ربما جازت بالإحسان من أولى الإحسن امرأة عاجزة من كل شيء والمعنى أن لم تعرض المكافاة فعلا فهي معرضةٌ قولا كالمكافاة من هذه المكسال يحث نفسه على الجزاء وترك التقصير فيما يمكن ثم ضرب لهذا مثلا فقال وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ... ظهور جريٍ فلي فيهن تصهالُ

стр. 350

ضرب لنفسه المثل في عجزه عن المكافاة بالفعل بفرسٍ أحكم شكاله فعجز عن الجري لكنه يصهل يقول إن لم يكن عندي الفعل فعندي مكافاةٌ بالقول والمعنى أن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور فإن أمدحك إلى أوانٍ ذلك كما أن الجواد إذا شكل عن الحركة صهل شوقا إليها وكان فاتك هذا يسر خلافا للأسود وينطوي على بغضه ومعاداته وكان أبو الطيب يحبه ويميل إليه ولكن ليس يمكنه إظهار ذلك خوفا من الأسود وما شكرت لأن المال فرحني ... سيان عندي إكثارٌ وإقلال يقول ليس شكريك عن فرح بما أهديته إليّ لأن القل والكثر عندي سواء لقلة مبالاتي بالدنيا قال ابن جنى وما رأيته أشكر لأحد منه لفاتك وكان يقول حمل إليّ ما قيمته الف دينار في وقت واحد لكن رأيت قبيحاً أني جاد لنا ... وأننا بقضاء الحق بخالُ بخال جمع باخل يقول إنما أشكر لأني استقبح البخل بقضاء الحق والسكوت عن شكر من يجود لي بالبر والنعمة فكنت منبتَ روضِ الحزن باكرهُ ... غيث بغير سباخ الأرضِ هطالُ يقول لما وصل إليّ بره كنت كمنبتِ روض الحزن جاد عليها بالبكرة غيث هطال بارضٍ منبتة طيبة يعني أن مطر بره لم يصادف مني سبخةً وخص روض الحزن لنها أنضر لبعدها عن الغبار غيث يبين للنظار موقعه ... أن الغيوث بما تأتيه جهالُ يقول موقع إحسانه مني يبين للمحسنين أنهم يخطئون مواقع الصنائع ومن نصب موقعه فمعناه أنه غيث يبين موقعه للناظرين لأنه أتى على مكان أثر فيه أحسن تأثير ثم قال مبتديا إن الغيوث بما تأتيه جهال لنها تأتي على الأرض العراة والسبخة لا يدرك المجد إلا سيدٌ فطنٌ ... لما يشق على الساداتِ فعالُ لا وارث جهلت يمناه ما وهبت ... ولا كسوبٌ بغير السيف سأالُ يقول لا يدرك المجد إلا سيد لا وارثٌ أي لم يرث أباه شيئا لأنه كان جوادا فلم يخلف مالا ويمناه جهلت ما وهبت لكثرته وليس هو سأالا كسوبا بغير السيف يعني لا يطلب حاجته إلا بالسيف قال الزمان له قولا فأفهمهُ ... إن الزمان على الإمساك عذالُ يقول عرفه الزمان أن المال لا يبقى ففهم ذلك عن الزمان ففرق ماله فيما يورث المجد ولم يكن هناك قول ولكنه بتصاريف الزمان تدري القناة إذا اهتزت براحتهِ ... أن الشقيَّ بها خيل وأبطالُ كفاتكٍ ودخول الكاف منقصةٌ ... كالشمس قلت وما للشمس أمثالُ يقول لا يدرك المجد إلا سيدٌ كفاتك ولم يعرف ابن جنى وجه دخول الكاف في كفاتك فقال الكاف هاهنا زائدة وإنما معناه وتقديره فاتك أي هذا الممدوح فاتك هذا كلامه وجمعي البيت مبني على هذه الكاف فكيف يمكن أن يقال أنها زائدة ألا ترى أنه قال ودخول الكاف منقصة أي أنها توهم أن له شبيها وليس كذلك لأنه يقول كالشمس ولا مثل للشمس القائد الأسد غذتها براثنهُ ... بمثلها من عداه وهي أشبالُ أي الذي يقود إلى الحرب رجالا هم أسود تغذوها براثن فاتك بأمثالهم من الأعداء يعني أنه يغنمهم الأبطال وجعلهم كالأشبال له حيث قام بتغذيتهم القاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجالُ أي لجودة ضربته يقتل المقتول وما يقتله به وهو السيف أي يكسره فجعل ذلك قتلا للسيف تغير عنه على الغارات هيبتهُ ... ومالهُ بأقاصي الأرض أهمالُ يقول هيبته تمنع الإغارة على ماله وكأنها تغير على الغارة وماله مهمل لا راعي له باقاصي البر لا يغار عليه هيبةً منه والأهمال جمع همل والهمل جمع هامل وهو البعير الذي لا راعي له ويجوز أن يكون المعنى أن القوم يغيرون على الأموال فيحملونها إليه هيبةً لهم فكان هيبته تغير على غارة غيره ثم قال وماله أهمال لا يغار عليه والأول قول ابن جنى لأنه قال يهابه أهل الغارات أن يتعرضوا له فكان هيبته تغير على غاراتهم له من الوحش ما اختارت أسنتهُ ... عير وهيق وخنساءٌ وذيالُ يقول ما اخترا من الوحش قدر على صيده والهيق الظليم والخنساء البقرة الوحشية سميت بذلك لخنس أنفها أي تأخره والذيال الثور الوحشي لأنه يجر ذنبه كالذيل تمسى الضيوفُ مشهاةً بعقوتهِ ... كأن أوقاتها في الطيب آصالُ

стр. 351

أي يعطي أضيافه ما يشتهون إذا نزلوا بداره فتطيب أوقاتهم عنده كأنها عشيات والعشايا تطيب عند العرب لهبوب الرياح وغروب الشمس وإنقطاع الحر لو أشتهت لحم قاريها لبادرها ... خراذلٌ منه في الشيزي وأوصالُ لو اشتهت أضيافه لحم المضيف لما بخل به عليهم ولأتاهم على العجلة قطع من لحمه ويقال لحم خراذل بالذال والدال جميعا أي مقطع والشيزي خشب يعمل منه الجفان ومنه قول زياد، ترى الجفان من الشيزي مكللةً، والأوصال جمع وصل وهو العضو لا يعرف الرزء في مالٍ ولا ولدٍ ... إلا إذا حفز الأضياف ترحالُ يقول المصيبة عنده في المال والولد ارتحال الأضياف من داره أي يناله من ذلك ما ينال من يرزأ ماله وولده ومعنى حفز دفع يروي صدى الأرض من فضلات ما شربوا ... محض اللقاحِ وصافي اللونِ سلسالُ الصدى العطش والوجه أن يقول فضلات بفتح الضاد ويجوز تسكينه في الشعر للضرورة والمحض الخالص من اللبن واللقاح جمع اللقحة وهي الناقة الحلوب ومعنى محض لبن اللقاح يقول يسقيهم اللبن والخمر فيكر لهم منهما حتى يروي صدى الأرض ما فضل عنهم من سؤرهم يعني ما فضل في الاقداح وقال ابن جنى إذا انصرف أضيافه أراق بقايا ما شربوه ولم يدخره لغيرهم لأنه يتلقى كل وارد عليه بقرى يستحدثه ويريد بصافي اللون الخمر تقرى صوارمهُ الساعات عبط دمٍ ... كأنما الساع قفال ونزالُ العبط والعبيط الطري من الدم والساع جمع ساعة يقول كل ساعة تأتي عليه يجدد فيها ذبحا كان الساعات نزال ينزلون وقفال قفلوا من سفر يعني أنه لا يطعم أضيافه الغاب بل يجدد الذبح والنحر كل ساعة فيجري دما عبيطا وقال ابن جنى يقول هو كل ساعة يريق دما طريا من اعدائه فكأنه يقرى الساعات وكأنها قومٌ ينزلون عليه فجعل ابن جنى عبط دم من الأعداء تجري النفوسُ حواليهِ مخلطةً ... منها عداةٌ وأغنامٌ وآبالُ يعني بالنفوس الدماء يقول تجري عنده الدماء مختلطةً دم الأعداء ودم ذبائحه للاضياف وهذا من قول البحتري، ما أنفك منتضيا سيفي وغًى وقرًى، على الكواهلِ تدمي والعراقيبِ، لا يحرم البعد أهل البعد نائلهُ ... وغيرُ عاجزةٍ عنه الأطيفالُ يصف عموم بره ون القريب والبعيد فيه سواء حتى الطفل الذي لا يقدر على النهوض إليه والتعرض لمعروفه أمضى الفريقين في اقرانه ظبةً ... والبيض هادية والسمر ضلالُ يقول هو أمضى الجيشين سيفا إذا كانت السيوف هاديةً لأنها تمضي قدما على استواء والأرماح ضلال لأنها تذهب يمينا وشمالا ف يالطعن وهو الطعن الشزر يريك مخبره أضعاف منظرهِ ... بين الرجال وفيها الماء والآلُ يقول إذا أختبرته رأيته يربي اضعاف على ما أراك منظره ثم قال وفي الرجال الماء والآل يعني الذي يشبه الرجال بصورته وليس عنده ما عندهم من المعاني كالآل يشبه الماء وليس ماء وقد يلقبه المجنون حاسدهُ ... إذا اختلطن وبعض العقل عقالُ يقول إذا اختلطت الرماح والسيوف عند الحرب لقبه حاسده مجنونا والعقل في ذلك الوقت عقال لأنه يمنع من الأقدام والعقال داء يأخذ الدواب في الرجلين وهذا الممدوح كان يلقب بالمجنون فهو يقول إنما يلقبه بهذا اللقب حاسده حسدا له على فرط شجاعته التي تشبه الجنون وقد نظر في لفظ البيت إلى قول أبي تمام، وإن يبن حيطانا عليه فإنما، أولئك عقالاته لا معاقله، وإلى قول الكلابي في معناه، ألا أيها المغتاب عرضي يعيبني، يسميني المجنون في الجد واللعب، أنا الرجل المجنون والرجل الذي، به يتقي يوم الوغى عرة الحرب، يرمي بها الجيش لا بدٌّ له ولها ... من شقهِ ولو أن الجيش أجبالُ يقول يرمي بخيله الجيش ولا بد لهما من شق ذلك الجيش ولو كانوا أجبالا في القوة والثبات إذا العدى نشبت فيهم مخالبهُ ... لم يجتمع لهم حلمٌ ورئبالُ هذا كأنه عذر للذي يلقبه بالمجنون من اعدائه لأنهم يرونه كالأسد في الشجاعة والأسد لا يوصف بالحلم كذلك هذا الرجل يبعد عنه الحلم إذا قاتل الأعداء يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر وصروف الدهر تغتالُ أي يروع الأعداء من هذا الممدوح دهر يجاهر الناس بحوادثه وصروف الزمان تأتي اغتيالا لا مجاهرة جعل الممدوح كالدهر تعظيما لشأنه

стр. 352

أناله الشرف الأعلى تقدمهُ ... فما الذي بتوقي ما أتى نالوا تقدمه في الحرب اعطاه أعلى الشرف فما الذي نال اعداؤه باحجامهم وتوقيهم ما يأتيه من المخاوف والأهوال إذا الملوك تحلت كان حليته ... مهندٌ وأصم الكعب عسالُ يقول إذا تزينت الملوك بالتاج والسوارين تزين هو بالسيف والرمح الشديد المهتز أبو شجاع أبو الشجعان قاطبةً ... هولٌ نمتهُ من الهيجاء أهوالُ يقول هو أبو شجاع كنيةً وهو أبو الشجعان كلهم حقيقةً لنهم كلهم دونه وهو سيدهم وهو هول عند الحرب في أعين الأعداء ونمته غذته وربته أهوال الحرب لأنه نشأ فيها فصارت له كالغذاء تملك الحمد حتى ما لمفتخرٍ ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دالُ أي الحمد كله له بأسره وليس لغيره منه جزء يعني أنه المحمود في أفعاله وأقواله وليس يحمد دونه أحد عليه منه سرابيل مضاعفةٌ ... وقد كفاه من الماذي سربالُ الماذي الدرع اللينة يقول يكفيه في الحرب سربال واحد من الدرع وعليه من الحمد سرابيل كثيرة أي أنه يتوقى الذم بأكثر مما يتوقى الحربَ وكيف أستر ما أوليت من حسنٍ ... وقد غمرت نوالا أيها النالُ النال الرجل الكثير النوال وهذا كما يقال كبش صاف أي كثير الصوف ويوم طان أي كثير الطين يقول لا أقدر أن استر إنعامك وإحسانك وقد غرقتني فيهما أي هو أشهر من أن يستتر لطفت رأيك في بري وتكرمتي ... أن الكريم على العلياء يحتال يقول توصلت إلى إكرامي بالبر والصلة بلطف وتدبير ورأى وكذلك الكريم يحتال ليحصل لنفسه العلو وذلك أن فاتكا كان يراسل أبا الطيب ولا يجاهر ببره وإكرامه خوفا من الأسود فاتفق التقاؤهما في سفر وبره وأحسن إليه حتى غدوت وللأخبار تجوال ... وللكواكب في كفيك آمالُ يقول غدوت والأخبار تجول في الآفاق بحسن ذكرك والثناء عليها ولكل احد أمل في كفيك حتى للكواكب وقد أطال ثنائي طول لابسهِ ... إن الثناء على التنبال تنبالُ التنبال القصير وجمعه تنابل وتنابلة يقول مدح الشريف يشرف الشعر ومدح اللئيم يؤدي إلى لؤم الشعر والمعنى أن شعري قد شرف بشرف هذا الممدوح إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍ ... فإن قدرك في الأقدار يختالُ يقول إن كنت تتعظم عن الاختيال فيما بين الناس فإن قدرك يختال في أقدار الناس لأنك أعظم قدرا من كل أحد كأن نفسك لا ترضاك صاحبها ... إلا وأنت على المفضال مفضالُ المفضال الكثير الفضل ويريد بالنفس الهمة والمناقب الشريفة التي فيه يقول لا ترضي نفسك بك صاحبا لها إلا إذا زدت فضلا على من هو كثير الفضل ولا تعدك صوانا لمهجتها ... إلا وأنت لها في الروع بذالُ لولا المشقة ساد الناس كلهمُ ... ألجود يفقر والإقدام قتالُ أي لولا أن في السيادة مشقة لصار الناس كلهم سادةً ثم ذكر مشقتها فقال من جاد افتقر ومن أقدم في الحرب قتل ولا سيادة دون الجود والشجاعة وهذا من قول منصور النمري، الجود أخشن مسًّا يا بني مطرٍ، من أن تبزكموه كفُّ مستلبٍ، ما أعلم الناس أن الجود مكسبةٌ، للمجد لكنه يأتي على النشبِ، وإنما يبلغ الإنسان طاقتهُ ... ما كل ماشيةٍ بالرحلِ شملالُ يقول كلٌّ يجري في السيادة على قدر طاقته وليس كل من مشى كان شملالا وهي الناقة الخفيفة المشي إنا لفي زمنٍ ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسانٌ وأجمالُ يقول من لم يعاملك بالقبيح في هذا الزمن فقد أحسن إليك لكثرة من يعاملك بالقبيح وهذا المعنى أراد أبو نواس في قوله، وصرنا نرى أن المتارك محسن، وإن خليلا لا يضر وصول، ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهُ ... ما قاته وفضول العيش أشغالُ أي إذا ذكر الإنسان بعد موته كان ذلك حيوةً ثانية له وما يحتاج إليه في دنياه قدر القوت وما فضل من القوت فهو شغل كما قال سالم بن وابصة، غنى النفس ما يكفيك من سد حاجةٍ، وإن زاد شيئا عاد ذاك الغني فقرا وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد لأحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ٣٥٠ فقال يرثيه الحزن يقلق والتجمل يردعُ ... والدمع بينهما عصي طيعُ يقول الحزن لأجل المصيبة يقلقني وتكلف الصبر يمنعني عن التهالك والجزع والدمع بين الحالين عاصٍ للتجمل مطيع للقلق

стр. 353

يتنازعان دموع عين مسهدٍ ... لهذا يجيء بها ولهذا يرجعُ عني بالمسهد نفسه يقول الحزن والصبر يتنازعان دموع عيني تم ذكر التنازع فقال الحزن يجيء بها أي يجريها والصبر يردها النوم بعد أبي شجاعٍ نافرٌ ... والليل معي والكواكب طلع يقول النوم بعده لا يألف العين أي لا تنام العيون بعده حزنا عليه والليل يطول فلا ينقضي كأنه قد أعيا عن المشي فانقطع والكواكب كأنها طالعة لا تقدر أن تقطع الفلك فتغرب يريد طول الليل لاستيلاء الحزن والهم على قلبه إني لأجبن عن فارقِ أحبتي ... وتحس نفسي بالحمامِ فأشجعُ جبن عنه احسن من جبن منه يقول أنا جبان عند فراق الأحباب أخافه خوف الجبناء وأشجع عند الموت فلا أخافه أن الفراق أعظم خطبا عنده من الموت كما قال الطائي، جليدٌ على عتب الخطوب إذا عرت ولست على عتب الأخلاء بالجلدِ، ويزيدني غضبٌ الأعادي قسوةً ... ويلم بي عتب الصديق فأجزعُ يريد أنه لا يعتب اعداءه ولا يلين لهم بل يزداد عليهم قسوة إذا غضبوا ويجزع عند عتب الصديق فلا يطيق احتماله كما قال أشجع، يعطي زمام الطوعِ إخوانه، ويلتوي بالملك القادرِ، تصفو الحيوة لجاهلٍ أو غافلٍ ... عما مضى فيها وما يتوقعُ يقول الحيوة إنما تصفو للجاهل الغافل عما مضى من حيوته وما يتوقع في العواقب من انقضائها ولمن يغالط في الحقائق نفسهُ ... ويسومها طلب المحال فتطمع يعني بالحقائق ما لا شك فيه للعاقل وهي أن الدنيا دار مخاوف واخطار والإنسان فيها على خطر عظيم وإن الحيوة غير باقية فمن غالط في هذا نفسه ومناها السلامة والبقاء صفا له العيش في الوقت حين ألقى عن نفسه الفكرة في العواقب وكلف نفسه طلب المحال من البقاء في السلامة مع نيل المراد فطمعت في ذلك ثم دل على أنه لا بقاء فيها لأحد أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومهُ ما يومُهُ ما المصرعُ الهرمان بناءان بمصر ارتفاع كل واحدٍ منهما في السماء أربعمائة ذراع في عرض مثلها لا يدري من بناهما وكيف بنيا يقال بناهما عمرو بن المشلل ويقال أن أحدهما قبر شداد بن عاد والثاني قبر أرم ذات العماد يقول أين من بناهما وأين قومه ومتى كان يوم موته وكيف كان مصرعه ينبه بهذا على أن الفناء حتم وأن لا سبيل إلى البقاء تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبعُ يقول الآثار تبقى بعد أصحابها زمانا من الدهر ثم تفنى وتتبع أصحابها في الفناء لم يرض قلب أبي شجاع مبلغٌ ... قبل الممات ولم يسعه موضعُ يريد علو همته وإنه ما كان يرضى بمبلغ يبلغه في العلى حتى يطلب منه ما فوقه ولم يسعه موضع لكثرة جيشه أو لأنه لا يرضى ذلك المكان كنا نظن دياره مملوؤةً ... ذهبا فمات وكل دارٍ بلقعُ يقول كنا نظنه صاحب ذخائر من الأموال فلما مات لم يخلف ملا لأنه كان جوادا ثم ذكر ما خلفه فقال وإذا المكارمُ والصوارمُ والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمعُ يقول إنما يجمع في حياته المكارم والأسلحة والخيل لا الذهب والفضة وأعوج فحلٌ معروفٌ من فحول العرب إليه تنسب الخيل الأعوجية وإنما سمي أعوج لأن ليلا وقعت فيه غارة على أصحاب هذا الفحل وكان مهرا ولضنهم به حملوه في وعاء على الإبل حين هربوا من الغارة فأعوج ظهره وبقي فيه العوج فلقب بالأعوج وقال الأصمعي سئل ابن الهلالية فارسُ أعوج عن أعوج فقال ضللت في بعض مفاوز تميمٍ فرأيت قطاةً تطير فقلت في نفسي والله ما تريد إلا الماء فاتبعتها ولم أزل أغض من عنان اعوج حتى وردت والقطاة وهذا البيت من قول حاتم، متى ما يجيء يوماً إلى المال وأرثي، الأبيات وقول عروة بن الورد، وذي أملٍ يرجو تراثي، الأبيات ومن قول امرأةٍ، مضى وورثناه دريس مفاضةٍ، وكلها في الحماسة وقد قال مروان بن أبي حفصة في معنِ بن زائدة يرثيه، ولم يكن كنزه ذهبا ولكن، حديد الهند والحلق المذالا، المجد أخسر والمكارم صفقةً ... من أن يعيش لها الكريم الأروعُ يقول صفقة المكارم والمجد أخسر وحظها انقص من أن يعيش لها هذا المرثي يعني أن المكارم كانت تحيا به فلنحسرانها كانت ميتةً والناس أنزل في زمانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفعُ

стр. 354

يقول الناس في زمانك أكل قدرا من أن تكون فيما بينهم فتخالطهم وتعاشرهم وقدرك أجل من أن تعايش أهل هذا الزمان برد حشاي إن استطعت بلفظةٍ ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفعُ يقول كلمني بكلمة وأسمعني منك لفظةً إن قدرت عليها لتسكن ما في قلبي من حرارة الوجد فلقد كنت في حياتك تضر إذا تشاء أعداءك وتنفع أولياءك أي فانفعني بكلامك ما كان منك إلى خليلٍ قبلها ... ما يستراب به ولا ما يوجعُ يقول لم يكن منك إلى خليلٍ قبل المنية ما يريبه منك أو يوجعه وذلك أشد لتوجعه عليك إذ لم تربه في حياتك ولقد أراك وما تلم ملمةٌ ... إلا نفاها عنك قلبٌ أصمعُ الأصمع الحاد الذكي يقال ثريدة مصمعة إذا كان وسطها ناتيا والصومعة فوعلة منه لأنه بناء ناتٍ على مكان مرتفع يقول كنت أراك في حال حيوتك وما تنزل بكل نازلةٌ إلا دفعها عنك قلبٌ ذكي ويدٌ كأن نوالها وقتالها ... فرضٌ يحق عليك وهو تبرعُ يقول ونفاها عنك يد معطية للاولياء قتالة للاعداء كان النوال والقتال وأجبان عليها وهما تبرع لا وجوبٌ وهو من قول الطائي، ترى ماله نصب المعالي وأوجبت، عليه زكوة الجودِ ما ليس وواجبا، يا من يبدلُ كل وقتٍ حلةً ... أني رضيت بحلةٍ لا تنزعُ هذا على الحكاية لما كان يفعله في حال حيوته كقول الآخر، جاريةٌ في رمضان الماضي، تقطع الحديث بالإيماض، حكى حالها في الوقت والمعنى أنه كان يلبس كل يوم لباسا آخر وقد لبس الآن ثوبا لا يخلعه يعني الكفن ما زلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم ما لا تخلعُ ما زلت تدفع كل أمرٍ فادحٍ ... حتى أتى الأمرُ الذي لا يدفعُ هذا من قول يحيى بن زياد الحارثي، دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت، تريدك لم نسطعْ لها عنك مدفعا، فظللت تنظر لا رماحك شرعٌ ... فيما عراك ولا سيوفكَ قطعُ عراك أصابك ونزل بك يقول لم تعمل رماحك وسيوفك في دفع ما نزل بك يعني الموت لنه لا مدفع له بأبي الوحيدُ وجيشهُ متكاثرٌ ... يبكي ومن شر السلاحِ الأدمعُ يقول فدى بأبي الوحيد المنفرد بما أصابه على كثرة ما له من الجيش يعني أن المنية سلبته وحده فلم تغنِ عنه كثرة جيشه يبكي لما نزل به من الأمر ولا يندفع بالبكاء شيء والدمع من شر الأسلحة ومنيت إليك يد سواء عندها ... البازُ الأشهبُ والغرابُ الأبقعُ يعني يد المنية وهي قابضة للصغير والكبير والشريف والوضيع فالبازي مثل للشريف والغراب مثل للوضيع ويروي الباز الأشهب مقطوع الألف لأنه أول المصراع الثاني فكأنه أخذ في بيت ثان كما قال، لتسمعن وشيكاً في دياركم، الله أكبر يا فارت عثمانا، وقال الآخر، حتى أتين فتًى تأبط خائفا، السيف فهو أخو لقاء أروع، من للمحافلِ والجحافلِ والسريَ ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلعُ ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيعُ قبحاً لوجهك يا زمان فإنهُ ... وجهُ له من كل قبحٍ برقعُ يقول قبح الله وجهك يا زمان فإن وجهك وجه اجتمعت فيه القبائح فكأنه اتخذ القبائح برقعا والقبح مصدر قبحته أقبحه قبحا والقبح ضد الحسن أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ... ويعيش حاسدهُ الخصيُّ الأوكعُ هذا استفهام تعجب حين مات هو في جوده وفضله وعاش حاسده يعني كافورا والأوكع الجافي الصلب من قولهم سقاء وكيع إذا اشتد وصلب أيد مقطعة حوالي رأسه ... وقفا يصيح بها ألا من يصفع يقول الأيدي التي حول الخصى هي مقطعة لأن قفاه يصبح ألا من يصفع فلو لم تكن تلك الأيدي مقطعة لصفعوه والمعنى أنه لسقوطه يدعو إلى إذلاله ولكن ليس عنده من فيه خير يهجو من حوله من أصحابه لتأخرهم عن الإيقاع به أبقيت أكذب كاذب أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع يقول للزمان أبقيت أكذب الكاذبين الذين أبقيتهم أي هو أكذب من بقي من الكاذبين يعني الخصي وأخذت أصدق القائلين والسامعين يعني أصدق الناس وهو المرثي وتركت أنتن ريحة مذمومة ... وسلبت أطيب ريحة تتضوع فليوم قر لكل وحش نافر ... دمه وكان كأنه يتطلع يقول قرت دماء الوحوش وكانت كأنها تتطلع للخروج من أبدانها خوفا منه وجزعا يعني أنه كان صاحب طرد وصيد

стр. 355

وتصاحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع يعني بثمر السياط العقد التي تكون في عذباتها يقول رقع بموته الصلح بين الخيل والسياط لأنه أبدا كان يضربها بسياطه لركض في قصد عدو أو طرد وهي في شدة عدوها كأن سوقها وهي جمع ساق وأذرعها ليست منها لأنها كانت ترميها عن أنفسها والآن لما ترك ركضها صارت أيديها وأرجلها كأنها عادت إليها وعفا الطراد فلا سنان راعف ... فوق القناة ولا حسام يلمع يريد بالطراد مطاردة الفرسان في الحرب يقول ذهب ذلك واندرس بموته والراعف الذي يسيل منه دم كالرعاف من الأنف ولى وكل مخالم ومنادم ... بعد اللزوم مشيع ومودع من كان فيه لكل قوم ملجأ ... ولسيفه في كل قوم مرتع من فاعل ولى يقول ولى وذهب من كان ملجأ أوليائه وكان لسيفه مرتع في كل قوم من أعدائه إن حل في فرس ففيها ربها ... كسرى تذل له الرقاب وتخضع أو حل في روم ففيها قيصر ... أو حل في عرب ففيها تبع يعني أنه كان عظيما أينما كان حتى لو كان في العجم لكان ملكهم وكذلك في كل قوم لا قلبت أيدي الفوارس بعده ... رمحا ولا حملت جوادا أربع أي أنهم لا يحسنون الركض ولا الطعان إحسانه فلا حملوا رمحا يقوله على طريق الدعاء ولا حملت الخيل قوائمها وقال وقد دخل عليه بالكوفة صديق له وبيده تفاحة من ند عليها اسم فاتك فناوله إياها فقرأه فقال يذكرني فاتكا حمله ... وشيء من الند فيه اسمه ولست بناس ولكنني ... يجدد لي ريحه شمه وأي فتى سلبتني المنو ... ن لم تدر ما حملت أمه ولا ما تضم إلى صدرها ... ولو علمت هالها ضمه أي لو علمت والدته التي كانت تضمه إلى صدرها في صغره إنه شجاع قتال فاتك لفزعت منه ولهالها ضم ذلك الولد إلى نفسها بمصر ملوك لهم ما له ... ولكنهم ما لهم همه هذا من قول أشجع السلمي، وليس بأوسعهم في الغنى، ولكن معروفة أوسع، وأصله من قول الآخر، ولم يك أكثر الفتيان مالا، ولكن كان أرحبهم ذراعا، فأجود من جودهم بخله ... وأحمد من حمدهم ذمه أي إذا بخل كان أجود منهم وإذا ذم كان أحمد منهم وأشرف من عيشهم موته ... وأنفع من وجدهم عدمه أي إنه ميت أشرف منهم وهم أحياء وهو عادم أنفع منهم وهم واجدون لأنه كان يجود بما يجد وهو يبخلون مع الوجد وهو الغني وإن منيته عنده ... لكالخمر سقيه كرمه يعني منه كانت تنبت المنية في الناس ثم عادت عليه فاهلكته فكانت كالخمر التي أصلها الكرم ومنه خرجت ثم عادت فسقيها الكرم وردت إليه فذاك الذي عبه ماؤه ... وذاك الذي ذاقه طعمه قال أبن جنى يعنيأن الزمان أتى من موته بما فيه نقص العادة وذلك أن الماء مشروب لا شارب والطعم مذوق مع كونه مذوقا وقال أبن فورجة عند أبي الفتح أن الضمير في عبه ضمير فاتك وكذلك الهاء في ذاقه على ما ذكر في تفسيره وليس كذلك فإنه قد قال في البيت الذي قبله أن الموت الذي أصابه هو بمنزلة الخمر سقيها الكرم أي كانت المنية مما يسقيه الناس فصار بسقيه شاربا له ثم قال فذلك الذي عبه يعني الخمر هو ماء الكرم فعبه وذاك الذي ذاقه هو الموت وهو طعم نفسه الذي كان يموت به الخلق انتهى كلامه وهو على ما قاله لكنه لم يبينه بيانا شافيا والمعنى أن هذا مثل وهو أن الكرم إذا سقى الخمر فشربه فقد شرب ماء نفسه والذي ذاقه من طعم الخمر هو طعم الكرم كذلك موت فاتك لما أهلكه فشرب شراب الموت وذاق طعمه فكأنه شرب شراب نفسه وذاق طعم نفسه ومن ضاقت الأرض عن نفسه ... حري أن يضيق بها جسمه يقول من ضاقت الأرض عن همته لخليق أن يضيق جسمه بهمته فلا يسعها وإذا لم يسعها ولم يطق احتمالها هلك فيها لعظم ما يطلبه كما قال الآخر، على النفوس جنايات من الهمم وقال أبو الطيب بعد خروجه من مدينة السلام يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكا وانشأها يوم الثلثاء لتسع خلون من شعبان سنة ٣٥٢ حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم يقول حتى متى نسرى مع النجوم في ظلم الليل وليست تسري هي على خف ولا قدم يعني أن النجوم لا يصيبها الكلال من السري كما يصيب الإبل والإنسان
следующие страницы →