← Адаб

Адаб · id 754

شرح ديوان المتنبي للواحدي

الواحدي

Полный текст (401 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أي يعطي أضيافه ما يشتهون إذا نزلوا بداره فتطيب أوقاتهم عنده كأنها عشيات والعشايا تطيب عند العرب لهبوب الرياح وغروب الشمس وإنقطاع الحر لو أشتهت لحم قاريها لبادرها ... خراذلٌ منه في الشيزي وأوصالُ لو اشتهت أضيافه لحم المضيف لما بخل به عليهم ولأتاهم على العجلة قطع من لحمه ويقال لحم خراذل بالذال والدال جميعا أي مقطع والشيزي خشب يعمل منه الجفان ومنه قول زياد، ترى الجفان من الشيزي مكللةً، والأوصال جمع وصل وهو العضو لا يعرف الرزء في مالٍ ولا ولدٍ ... إلا إذا حفز الأضياف ترحالُ يقول المصيبة عنده في المال والولد ارتحال الأضياف من داره أي يناله من ذلك ما ينال من يرزأ ماله وولده ومعنى حفز دفع يروي صدى الأرض من فضلات ما شربوا ... محض اللقاحِ وصافي اللونِ سلسالُ الصدى العطش والوجه أن يقول فضلات بفتح الضاد ويجوز تسكينه في الشعر للضرورة والمحض الخالص من اللبن واللقاح جمع اللقحة وهي الناقة الحلوب ومعنى محض لبن اللقاح يقول يسقيهم اللبن والخمر فيكر لهم منهما حتى يروي صدى الأرض ما فضل عنهم من سؤرهم يعني ما فضل في الاقداح وقال ابن جنى إذا انصرف أضيافه أراق بقايا ما شربوه ولم يدخره لغيرهم لأنه يتلقى كل وارد عليه بقرى يستحدثه ويريد بصافي اللون الخمر تقرى صوارمهُ الساعات عبط دمٍ ... كأنما الساع قفال ونزالُ العبط والعبيط الطري من الدم والساع جمع ساعة يقول كل ساعة تأتي عليه يجدد فيها ذبحا كان الساعات نزال ينزلون وقفال قفلوا من سفر يعني أنه لا يطعم أضيافه الغاب بل يجدد الذبح والنحر كل ساعة فيجري دما عبيطا وقال ابن جنى يقول هو كل ساعة يريق دما طريا من اعدائه فكأنه يقرى الساعات وكأنها قومٌ ينزلون عليه فجعل ابن جنى عبط دم من الأعداء تجري النفوسُ حواليهِ مخلطةً ... منها عداةٌ وأغنامٌ وآبالُ يعني بالنفوس الدماء يقول تجري عنده الدماء مختلطةً دم الأعداء ودم ذبائحه للاضياف وهذا من قول البحتري، ما أنفك منتضيا سيفي وغًى وقرًى، على الكواهلِ تدمي والعراقيبِ، لا يحرم البعد أهل البعد نائلهُ ... وغيرُ عاجزةٍ عنه الأطيفالُ يصف عموم بره ون القريب والبعيد فيه سواء حتى الطفل الذي لا يقدر على النهوض إليه والتعرض لمعروفه أمضى الفريقين في اقرانه ظبةً ... والبيض هادية والسمر ضلالُ يقول هو أمضى الجيشين سيفا إذا كانت السيوف هاديةً لأنها تمضي قدما على استواء والأرماح ضلال لأنها تذهب يمينا وشمالا ف يالطعن وهو الطعن الشزر يريك مخبره أضعاف منظرهِ ... بين الرجال وفيها الماء والآلُ يقول إذا أختبرته رأيته يربي اضعاف على ما أراك منظره ثم قال وفي الرجال الماء والآل يعني الذي يشبه الرجال بصورته وليس عنده ما عندهم من المعاني كالآل يشبه الماء وليس ماء وقد يلقبه المجنون حاسدهُ ... إذا اختلطن وبعض العقل عقالُ يقول إذا اختلطت الرماح والسيوف عند الحرب لقبه حاسده مجنونا والعقل في ذلك الوقت عقال لأنه يمنع من الأقدام والعقال داء يأخذ الدواب في الرجلين وهذا الممدوح كان يلقب بالمجنون فهو يقول إنما يلقبه بهذا اللقب حاسده حسدا له على فرط شجاعته التي تشبه الجنون وقد نظر في لفظ البيت إلى قول أبي تمام، وإن يبن حيطانا عليه فإنما، أولئك عقالاته لا معاقله، وإلى قول الكلابي في معناه، ألا أيها المغتاب عرضي يعيبني، يسميني المجنون في الجد واللعب، أنا الرجل المجنون والرجل الذي، به يتقي يوم الوغى عرة الحرب، يرمي بها الجيش لا بدٌّ له ولها ... من شقهِ ولو أن الجيش أجبالُ يقول يرمي بخيله الجيش ولا بد لهما من شق ذلك الجيش ولو كانوا أجبالا في القوة والثبات إذا العدى نشبت فيهم مخالبهُ ... لم يجتمع لهم حلمٌ ورئبالُ هذا كأنه عذر للذي يلقبه بالمجنون من اعدائه لأنهم يرونه كالأسد في الشجاعة والأسد لا يوصف بالحلم كذلك هذا الرجل يبعد عنه الحلم إذا قاتل الأعداء يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر وصروف الدهر تغتالُ أي يروع الأعداء من هذا الممدوح دهر يجاهر الناس بحوادثه وصروف الزمان تأتي اغتيالا لا مجاهرة جعل الممدوح كالدهر تعظيما لشأنه

стр. 352

أناله الشرف الأعلى تقدمهُ ... فما الذي بتوقي ما أتى نالوا تقدمه في الحرب اعطاه أعلى الشرف فما الذي نال اعداؤه باحجامهم وتوقيهم ما يأتيه من المخاوف والأهوال إذا الملوك تحلت كان حليته ... مهندٌ وأصم الكعب عسالُ يقول إذا تزينت الملوك بالتاج والسوارين تزين هو بالسيف والرمح الشديد المهتز أبو شجاع أبو الشجعان قاطبةً ... هولٌ نمتهُ من الهيجاء أهوالُ يقول هو أبو شجاع كنيةً وهو أبو الشجعان كلهم حقيقةً لنهم كلهم دونه وهو سيدهم وهو هول عند الحرب في أعين الأعداء ونمته غذته وربته أهوال الحرب لأنه نشأ فيها فصارت له كالغذاء تملك الحمد حتى ما لمفتخرٍ ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دالُ أي الحمد كله له بأسره وليس لغيره منه جزء يعني أنه المحمود في أفعاله وأقواله وليس يحمد دونه أحد عليه منه سرابيل مضاعفةٌ ... وقد كفاه من الماذي سربالُ الماذي الدرع اللينة يقول يكفيه في الحرب سربال واحد من الدرع وعليه من الحمد سرابيل كثيرة أي أنه يتوقى الذم بأكثر مما يتوقى الحربَ وكيف أستر ما أوليت من حسنٍ ... وقد غمرت نوالا أيها النالُ النال الرجل الكثير النوال وهذا كما يقال كبش صاف أي كثير الصوف ويوم طان أي كثير الطين يقول لا أقدر أن استر إنعامك وإحسانك وقد غرقتني فيهما أي هو أشهر من أن يستتر لطفت رأيك في بري وتكرمتي ... أن الكريم على العلياء يحتال يقول توصلت إلى إكرامي بالبر والصلة بلطف وتدبير ورأى وكذلك الكريم يحتال ليحصل لنفسه العلو وذلك أن فاتكا كان يراسل أبا الطيب ولا يجاهر ببره وإكرامه خوفا من الأسود فاتفق التقاؤهما في سفر وبره وأحسن إليه حتى غدوت وللأخبار تجوال ... وللكواكب في كفيك آمالُ يقول غدوت والأخبار تجول في الآفاق بحسن ذكرك والثناء عليها ولكل احد أمل في كفيك حتى للكواكب وقد أطال ثنائي طول لابسهِ ... إن الثناء على التنبال تنبالُ التنبال القصير وجمعه تنابل وتنابلة يقول مدح الشريف يشرف الشعر ومدح اللئيم يؤدي إلى لؤم الشعر والمعنى أن شعري قد شرف بشرف هذا الممدوح إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍ ... فإن قدرك في الأقدار يختالُ يقول إن كنت تتعظم عن الاختيال فيما بين الناس فإن قدرك يختال في أقدار الناس لأنك أعظم قدرا من كل أحد كأن نفسك لا ترضاك صاحبها ... إلا وأنت على المفضال مفضالُ المفضال الكثير الفضل ويريد بالنفس الهمة والمناقب الشريفة التي فيه يقول لا ترضي نفسك بك صاحبا لها إلا إذا زدت فضلا على من هو كثير الفضل ولا تعدك صوانا لمهجتها ... إلا وأنت لها في الروع بذالُ لولا المشقة ساد الناس كلهمُ ... ألجود يفقر والإقدام قتالُ أي لولا أن في السيادة مشقة لصار الناس كلهم سادةً ثم ذكر مشقتها فقال من جاد افتقر ومن أقدم في الحرب قتل ولا سيادة دون الجود والشجاعة وهذا من قول منصور النمري، الجود أخشن مسًّا يا بني مطرٍ، من أن تبزكموه كفُّ مستلبٍ، ما أعلم الناس أن الجود مكسبةٌ، للمجد لكنه يأتي على النشبِ، وإنما يبلغ الإنسان طاقتهُ ... ما كل ماشيةٍ بالرحلِ شملالُ يقول كلٌّ يجري في السيادة على قدر طاقته وليس كل من مشى كان شملالا وهي الناقة الخفيفة المشي إنا لفي زمنٍ ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسانٌ وأجمالُ يقول من لم يعاملك بالقبيح في هذا الزمن فقد أحسن إليك لكثرة من يعاملك بالقبيح وهذا المعنى أراد أبو نواس في قوله، وصرنا نرى أن المتارك محسن، وإن خليلا لا يضر وصول، ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهُ ... ما قاته وفضول العيش أشغالُ أي إذا ذكر الإنسان بعد موته كان ذلك حيوةً ثانية له وما يحتاج إليه في دنياه قدر القوت وما فضل من القوت فهو شغل كما قال سالم بن وابصة، غنى النفس ما يكفيك من سد حاجةٍ، وإن زاد شيئا عاد ذاك الغني فقرا وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد لأحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ٣٥٠ فقال يرثيه الحزن يقلق والتجمل يردعُ ... والدمع بينهما عصي طيعُ يقول الحزن لأجل المصيبة يقلقني وتكلف الصبر يمنعني عن التهالك والجزع والدمع بين الحالين عاصٍ للتجمل مطيع للقلق

стр. 353

يتنازعان دموع عين مسهدٍ ... لهذا يجيء بها ولهذا يرجعُ عني بالمسهد نفسه يقول الحزن والصبر يتنازعان دموع عيني تم ذكر التنازع فقال الحزن يجيء بها أي يجريها والصبر يردها النوم بعد أبي شجاعٍ نافرٌ ... والليل معي والكواكب طلع يقول النوم بعده لا يألف العين أي لا تنام العيون بعده حزنا عليه والليل يطول فلا ينقضي كأنه قد أعيا عن المشي فانقطع والكواكب كأنها طالعة لا تقدر أن تقطع الفلك فتغرب يريد طول الليل لاستيلاء الحزن والهم على قلبه إني لأجبن عن فارقِ أحبتي ... وتحس نفسي بالحمامِ فأشجعُ جبن عنه احسن من جبن منه يقول أنا جبان عند فراق الأحباب أخافه خوف الجبناء وأشجع عند الموت فلا أخافه أن الفراق أعظم خطبا عنده من الموت كما قال الطائي، جليدٌ على عتب الخطوب إذا عرت ولست على عتب الأخلاء بالجلدِ، ويزيدني غضبٌ الأعادي قسوةً ... ويلم بي عتب الصديق فأجزعُ يريد أنه لا يعتب اعداءه ولا يلين لهم بل يزداد عليهم قسوة إذا غضبوا ويجزع عند عتب الصديق فلا يطيق احتماله كما قال أشجع، يعطي زمام الطوعِ إخوانه، ويلتوي بالملك القادرِ، تصفو الحيوة لجاهلٍ أو غافلٍ ... عما مضى فيها وما يتوقعُ يقول الحيوة إنما تصفو للجاهل الغافل عما مضى من حيوته وما يتوقع في العواقب من انقضائها ولمن يغالط في الحقائق نفسهُ ... ويسومها طلب المحال فتطمع يعني بالحقائق ما لا شك فيه للعاقل وهي أن الدنيا دار مخاوف واخطار والإنسان فيها على خطر عظيم وإن الحيوة غير باقية فمن غالط في هذا نفسه ومناها السلامة والبقاء صفا له العيش في الوقت حين ألقى عن نفسه الفكرة في العواقب وكلف نفسه طلب المحال من البقاء في السلامة مع نيل المراد فطمعت في ذلك ثم دل على أنه لا بقاء فيها لأحد أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومهُ ما يومُهُ ما المصرعُ الهرمان بناءان بمصر ارتفاع كل واحدٍ منهما في السماء أربعمائة ذراع في عرض مثلها لا يدري من بناهما وكيف بنيا يقال بناهما عمرو بن المشلل ويقال أن أحدهما قبر شداد بن عاد والثاني قبر أرم ذات العماد يقول أين من بناهما وأين قومه ومتى كان يوم موته وكيف كان مصرعه ينبه بهذا على أن الفناء حتم وأن لا سبيل إلى البقاء تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبعُ يقول الآثار تبقى بعد أصحابها زمانا من الدهر ثم تفنى وتتبع أصحابها في الفناء لم يرض قلب أبي شجاع مبلغٌ ... قبل الممات ولم يسعه موضعُ يريد علو همته وإنه ما كان يرضى بمبلغ يبلغه في العلى حتى يطلب منه ما فوقه ولم يسعه موضع لكثرة جيشه أو لأنه لا يرضى ذلك المكان كنا نظن دياره مملوؤةً ... ذهبا فمات وكل دارٍ بلقعُ يقول كنا نظنه صاحب ذخائر من الأموال فلما مات لم يخلف ملا لأنه كان جوادا ثم ذكر ما خلفه فقال وإذا المكارمُ والصوارمُ والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمعُ يقول إنما يجمع في حياته المكارم والأسلحة والخيل لا الذهب والفضة وأعوج فحلٌ معروفٌ من فحول العرب إليه تنسب الخيل الأعوجية وإنما سمي أعوج لأن ليلا وقعت فيه غارة على أصحاب هذا الفحل وكان مهرا ولضنهم به حملوه في وعاء على الإبل حين هربوا من الغارة فأعوج ظهره وبقي فيه العوج فلقب بالأعوج وقال الأصمعي سئل ابن الهلالية فارسُ أعوج عن أعوج فقال ضللت في بعض مفاوز تميمٍ فرأيت قطاةً تطير فقلت في نفسي والله ما تريد إلا الماء فاتبعتها ولم أزل أغض من عنان اعوج حتى وردت والقطاة وهذا البيت من قول حاتم، متى ما يجيء يوماً إلى المال وأرثي، الأبيات وقول عروة بن الورد، وذي أملٍ يرجو تراثي، الأبيات ومن قول امرأةٍ، مضى وورثناه دريس مفاضةٍ، وكلها في الحماسة وقد قال مروان بن أبي حفصة في معنِ بن زائدة يرثيه، ولم يكن كنزه ذهبا ولكن، حديد الهند والحلق المذالا، المجد أخسر والمكارم صفقةً ... من أن يعيش لها الكريم الأروعُ يقول صفقة المكارم والمجد أخسر وحظها انقص من أن يعيش لها هذا المرثي يعني أن المكارم كانت تحيا به فلنحسرانها كانت ميتةً والناس أنزل في زمانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفعُ

стр. 354

يقول الناس في زمانك أكل قدرا من أن تكون فيما بينهم فتخالطهم وتعاشرهم وقدرك أجل من أن تعايش أهل هذا الزمان برد حشاي إن استطعت بلفظةٍ ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفعُ يقول كلمني بكلمة وأسمعني منك لفظةً إن قدرت عليها لتسكن ما في قلبي من حرارة الوجد فلقد كنت في حياتك تضر إذا تشاء أعداءك وتنفع أولياءك أي فانفعني بكلامك ما كان منك إلى خليلٍ قبلها ... ما يستراب به ولا ما يوجعُ يقول لم يكن منك إلى خليلٍ قبل المنية ما يريبه منك أو يوجعه وذلك أشد لتوجعه عليك إذ لم تربه في حياتك ولقد أراك وما تلم ملمةٌ ... إلا نفاها عنك قلبٌ أصمعُ الأصمع الحاد الذكي يقال ثريدة مصمعة إذا كان وسطها ناتيا والصومعة فوعلة منه لأنه بناء ناتٍ على مكان مرتفع يقول كنت أراك في حال حيوتك وما تنزل بكل نازلةٌ إلا دفعها عنك قلبٌ ذكي ويدٌ كأن نوالها وقتالها ... فرضٌ يحق عليك وهو تبرعُ يقول ونفاها عنك يد معطية للاولياء قتالة للاعداء كان النوال والقتال وأجبان عليها وهما تبرع لا وجوبٌ وهو من قول الطائي، ترى ماله نصب المعالي وأوجبت، عليه زكوة الجودِ ما ليس وواجبا، يا من يبدلُ كل وقتٍ حلةً ... أني رضيت بحلةٍ لا تنزعُ هذا على الحكاية لما كان يفعله في حال حيوته كقول الآخر، جاريةٌ في رمضان الماضي، تقطع الحديث بالإيماض، حكى حالها في الوقت والمعنى أنه كان يلبس كل يوم لباسا آخر وقد لبس الآن ثوبا لا يخلعه يعني الكفن ما زلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم ما لا تخلعُ ما زلت تدفع كل أمرٍ فادحٍ ... حتى أتى الأمرُ الذي لا يدفعُ هذا من قول يحيى بن زياد الحارثي، دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت، تريدك لم نسطعْ لها عنك مدفعا، فظللت تنظر لا رماحك شرعٌ ... فيما عراك ولا سيوفكَ قطعُ عراك أصابك ونزل بك يقول لم تعمل رماحك وسيوفك في دفع ما نزل بك يعني الموت لنه لا مدفع له بأبي الوحيدُ وجيشهُ متكاثرٌ ... يبكي ومن شر السلاحِ الأدمعُ يقول فدى بأبي الوحيد المنفرد بما أصابه على كثرة ما له من الجيش يعني أن المنية سلبته وحده فلم تغنِ عنه كثرة جيشه يبكي لما نزل به من الأمر ولا يندفع بالبكاء شيء والدمع من شر الأسلحة ومنيت إليك يد سواء عندها ... البازُ الأشهبُ والغرابُ الأبقعُ يعني يد المنية وهي قابضة للصغير والكبير والشريف والوضيع فالبازي مثل للشريف والغراب مثل للوضيع ويروي الباز الأشهب مقطوع الألف لأنه أول المصراع الثاني فكأنه أخذ في بيت ثان كما قال، لتسمعن وشيكاً في دياركم، الله أكبر يا فارت عثمانا، وقال الآخر، حتى أتين فتًى تأبط خائفا، السيف فهو أخو لقاء أروع، من للمحافلِ والجحافلِ والسريَ ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلعُ ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيعُ قبحاً لوجهك يا زمان فإنهُ ... وجهُ له من كل قبحٍ برقعُ يقول قبح الله وجهك يا زمان فإن وجهك وجه اجتمعت فيه القبائح فكأنه اتخذ القبائح برقعا والقبح مصدر قبحته أقبحه قبحا والقبح ضد الحسن أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ... ويعيش حاسدهُ الخصيُّ الأوكعُ هذا استفهام تعجب حين مات هو في جوده وفضله وعاش حاسده يعني كافورا والأوكع الجافي الصلب من قولهم سقاء وكيع إذا اشتد وصلب أيد مقطعة حوالي رأسه ... وقفا يصيح بها ألا من يصفع يقول الأيدي التي حول الخصى هي مقطعة لأن قفاه يصبح ألا من يصفع فلو لم تكن تلك الأيدي مقطعة لصفعوه والمعنى أنه لسقوطه يدعو إلى إذلاله ولكن ليس عنده من فيه خير يهجو من حوله من أصحابه لتأخرهم عن الإيقاع به أبقيت أكذب كاذب أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع يقول للزمان أبقيت أكذب الكاذبين الذين أبقيتهم أي هو أكذب من بقي من الكاذبين يعني الخصي وأخذت أصدق القائلين والسامعين يعني أصدق الناس وهو المرثي وتركت أنتن ريحة مذمومة ... وسلبت أطيب ريحة تتضوع فليوم قر لكل وحش نافر ... دمه وكان كأنه يتطلع يقول قرت دماء الوحوش وكانت كأنها تتطلع للخروج من أبدانها خوفا منه وجزعا يعني أنه كان صاحب طرد وصيد

стр. 355

وتصاحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع يعني بثمر السياط العقد التي تكون في عذباتها يقول رقع بموته الصلح بين الخيل والسياط لأنه أبدا كان يضربها بسياطه لركض في قصد عدو أو طرد وهي في شدة عدوها كأن سوقها وهي جمع ساق وأذرعها ليست منها لأنها كانت ترميها عن أنفسها والآن لما ترك ركضها صارت أيديها وأرجلها كأنها عادت إليها وعفا الطراد فلا سنان راعف ... فوق القناة ولا حسام يلمع يريد بالطراد مطاردة الفرسان في الحرب يقول ذهب ذلك واندرس بموته والراعف الذي يسيل منه دم كالرعاف من الأنف ولى وكل مخالم ومنادم ... بعد اللزوم مشيع ومودع من كان فيه لكل قوم ملجأ ... ولسيفه في كل قوم مرتع من فاعل ولى يقول ولى وذهب من كان ملجأ أوليائه وكان لسيفه مرتع في كل قوم من أعدائه إن حل في فرس ففيها ربها ... كسرى تذل له الرقاب وتخضع أو حل في روم ففيها قيصر ... أو حل في عرب ففيها تبع يعني أنه كان عظيما أينما كان حتى لو كان في العجم لكان ملكهم وكذلك في كل قوم لا قلبت أيدي الفوارس بعده ... رمحا ولا حملت جوادا أربع أي أنهم لا يحسنون الركض ولا الطعان إحسانه فلا حملوا رمحا يقوله على طريق الدعاء ولا حملت الخيل قوائمها وقال وقد دخل عليه بالكوفة صديق له وبيده تفاحة من ند عليها اسم فاتك فناوله إياها فقرأه فقال يذكرني فاتكا حمله ... وشيء من الند فيه اسمه ولست بناس ولكنني ... يجدد لي ريحه شمه وأي فتى سلبتني المنو ... ن لم تدر ما حملت أمه ولا ما تضم إلى صدرها ... ولو علمت هالها ضمه أي لو علمت والدته التي كانت تضمه إلى صدرها في صغره إنه شجاع قتال فاتك لفزعت منه ولهالها ضم ذلك الولد إلى نفسها بمصر ملوك لهم ما له ... ولكنهم ما لهم همه هذا من قول أشجع السلمي، وليس بأوسعهم في الغنى، ولكن معروفة أوسع، وأصله من قول الآخر، ولم يك أكثر الفتيان مالا، ولكن كان أرحبهم ذراعا، فأجود من جودهم بخله ... وأحمد من حمدهم ذمه أي إذا بخل كان أجود منهم وإذا ذم كان أحمد منهم وأشرف من عيشهم موته ... وأنفع من وجدهم عدمه أي إنه ميت أشرف منهم وهم أحياء وهو عادم أنفع منهم وهم واجدون لأنه كان يجود بما يجد وهو يبخلون مع الوجد وهو الغني وإن منيته عنده ... لكالخمر سقيه كرمه يعني منه كانت تنبت المنية في الناس ثم عادت عليه فاهلكته فكانت كالخمر التي أصلها الكرم ومنه خرجت ثم عادت فسقيها الكرم وردت إليه فذاك الذي عبه ماؤه ... وذاك الذي ذاقه طعمه قال أبن جنى يعنيأن الزمان أتى من موته بما فيه نقص العادة وذلك أن الماء مشروب لا شارب والطعم مذوق مع كونه مذوقا وقال أبن فورجة عند أبي الفتح أن الضمير في عبه ضمير فاتك وكذلك الهاء في ذاقه على ما ذكر في تفسيره وليس كذلك فإنه قد قال في البيت الذي قبله أن الموت الذي أصابه هو بمنزلة الخمر سقيها الكرم أي كانت المنية مما يسقيه الناس فصار بسقيه شاربا له ثم قال فذلك الذي عبه يعني الخمر هو ماء الكرم فعبه وذاك الذي ذاقه هو الموت وهو طعم نفسه الذي كان يموت به الخلق انتهى كلامه وهو على ما قاله لكنه لم يبينه بيانا شافيا والمعنى أن هذا مثل وهو أن الكرم إذا سقى الخمر فشربه فقد شرب ماء نفسه والذي ذاقه من طعم الخمر هو طعم الكرم كذلك موت فاتك لما أهلكه فشرب شراب الموت وذاق طعمه فكأنه شرب شراب نفسه وذاق طعم نفسه ومن ضاقت الأرض عن نفسه ... حري أن يضيق بها جسمه يقول من ضاقت الأرض عن همته لخليق أن يضيق جسمه بهمته فلا يسعها وإذا لم يسعها ولم يطق احتمالها هلك فيها لعظم ما يطلبه كما قال الآخر، على النفوس جنايات من الهمم وقال أبو الطيب بعد خروجه من مدينة السلام يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكا وانشأها يوم الثلثاء لتسع خلون من شعبان سنة ٣٥٢ حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم يقول حتى متى نسرى مع النجوم في ظلم الليل وليست تسري هي على خف ولا قدم يعني أن النجوم لا يصيبها الكلال من السري كما يصيب الإبل والإنسان

стр. 356

ولا يحس بأجفان يحس بها ... فقد الرقاد غريب بات لم ينم يم يؤثر في النجوم عدم النوم كما يؤثر في بعيد عن أهله بات يسري ساهرا يعني نفسه تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم يقول الشمس تغير ألواننا في وجوهنا البيض بالسواد ولا تؤثر مثل ذلك التأثير في شعورنا البيض وهذا من قول الطائي، ترى قسماتنا تسود فيها، وما أخلاقنا فيها بسود، وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم الحكم بمعنى الحاكم يقول لو احتكمنا إلى حاكم من الدنيا لحكم بأن ما يسود الوجه يسود الشعر ولكن الله قضى بأن الشمس تسود الوجه ولا تسود الشعر وتنرك الماء لا ينفك من سفر ... ما سار في الغيم منه سار في الأدم يقول نجعل الماء لا يزال مسافرا إما في الغيم وإما في مزاودنا من الأدم لأنا نغترفه من السحاب فنوعيه في الأداوي لا أبغض العيس لكني وقيت بها ... قلبي من الحزن أو جسمي من السقم يقول ليست الإبل ببغيضة إلى أي ليس إتعابي إياها في السفر بغضا لها مني لكني أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن أو جسمي من السقم وذلك أن السقم إذا غير الهواء والماء وسافر صح جسمه وكذلك المحزون يتنسم بروح الهواء أو يصير إلى مكان يسر فيه بالإكرام طردت من مصر أيديها بأرجلها ... حتى مرقن بنا من جوش والعلم قال أبن جنى جوش والعلم مكانان يقول حثثتها على السير واعجلتها حتى كأن الرجل طاردة لليد كما قال بعض العرب، كأن يديها حين جد نجاؤها، طريدان والرجلان طالبتا وتر، وذلك أن اليد أمام الرجل كالمطرود يكون أما الطارد شبه خروجها من هذين المكانين بخروج الهم من الرمية لسرعة سيرها لذلك قال مرقن وسكن الياء من أيديها ضرورة تبرى لهن نعام الدو مسرجة ... تعارض الجدل المرخاة باللجم تبرى تعارض يقال برى له وانبرى له إذا عارضه ومنه قول أبي النجم، يبرى لها من أيمن وأشمل، أي يعارضها من جانبيها ويريد بنعام الدو الخيل جعلها كالنعام في سرعة عدوها وظهر بقوله مسرجة إنها الخيل يقول تنبري الخيل للعيس وتعارض أزمتها بلجمها واعنتها أي تباريها في السير وقال أبن جنى يقول الخيل لعلو أعناقها وإشرافها تباري أعناق الإبل فيكون اللجم في أعناقها كالجدل وهي الأزمة في أعناق الإبل في غلمة أخطروا ارواحهم ورضوا ... بما لقين رضى الأيسار بالزلم يقول سريت من مصر في غلمة حملوا ارواحهم على الخطر لبعد المسافة وصعوبة الطريق ورضوا بما يستقبلهم من ملك أو هلك كما يرضى المقامرون بما تخرج لهم القداح والأيسار المقامرون واحدهم يسر والزلم السهم تبدو لنا كلما ألقوا عمائمهم ... عمائم خلقت سودا بلا لثم يقول كلما ألقوا عمائمهم من رؤسهم ظهرت من شعورهم على رؤسهم عمائم سود ليست لها لثم وذلك أن العرب تجعل العمائم بعضها لثما على الوجوه وبعضها على الرأس يقول فشعورهم على رؤسهم كالعمائم وليس منها شيء على وجوههم يعني أنهم مرد ولم يتصل شعر العوارض والوجوه بشعر رؤسهم ألا ترى أنه قال بيض العوارض طعانون من لحقوا ... من الفوارس شلالون للنعم يريد أنم مرد صعاليك قتالون للفوارس طرادون للنعم يغيرون عليها أينما وجدوها قد بلغوا بقناهم فوق طاقته ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم أي قد استفرغوا وسع القنا طعنا ولم يبلغ القنا مع ذلك غاية هممهم في الجاهلية ألا أن أنفسهم ... من طيبهن به في الأشهر الحرم يقول هم أبدا في القتال والغارة كفعل أهل الجاهلية إلا أن أنفسهم طابت بالقتال وسكنت إليهم وكأنهم في الأشهر الحرم أمنا وسكونا وكان أهل الجاهلية يأمنون في الأشهر الحرم لأن القتال يترك فيها ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة ... فعلموها صياح الطير في البهم يقول تناولوا الرماح وكانت جمادا لا تنطق فاسمعوا الناس صريرها في طعان الشجعان وصارت كأنها طير تصيح وهذا من قول الآخر، تصيح الردينيات فينا وفيهم، صياح بنات الماء أصبحن جوعا، ومثله قول بعض العرب، رزق تصايحن في المنون كما، هاج دجاج المدينة السحر، تخدي الركاب بنا بيضا مشافرها ... خضرا فراسنها في الرغل والينم

стр. 357

تسير الإبل بنا وهي بيض المشافر باللغام وقال أبن جنى لأنها لا تترك ترعى لشدة السير خضر الفراسن لأنها تسير في هذين النبتين والفرسن لحم خف البعير مكعومة بسياط القوم نضربها ... عن منبت العشب نبغي منبت الكرم يقول السياط تمنعها المرعى فكأنها قد شدت أفواهها وهو من قول ذي الرمة، يهماء خابطها بالخوف مكعوم، أي لا يتكلم فيها خوفا فكان الخوف قد كعم فمه والبيت من قول الأسدي، إليك أمير المؤمنين رحلتها، من الطلح تبغى منبت الزرجون، وأين منبته من بعد منبته ... أبي شجاع قريع العرب والعجم يقول أين منبت الكرم بعد موت هذا الرجل الذي كان منبت الكرم وكان سيد العرب والعجم لا فاتك آخر في مصر نقصده ... ولا له خلف في الناس كلهم يقول ليس لنا رجل آخر في وجوده فنقصده لأنه لم يخلف بعده مثله من لا تشابهه الأحياء في شيم ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم أي من لم يكن له شبيه من الأحياء في شيمه وأخلاقه صار الأموات يشابهونه في العظام البالية أي مات فاشبه الأموات واشتبهوه عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تريدني الدنيا على العدم أي لكثرة أسفاري وترددي في الدنيا كأني أطلب له نظيرا ولا أحصل إلا على العدم مازلت أضحك إبلي كلما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم يقول مازلت اسافر عليها إلى من لا يستحق القصد إليه فلو كانت الإبل مما يضحك لضحكت إذا نظرت إلى من قصدته استخفافا به وفي الكلام محذوف به يتم المعنى إلى من أختضبت أخفافها بدم في قصده أو في المسير إليه أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم يقال أسار دابته إذا سيرها ومن روى أسيرها أراد أسير عليها فحذف حرف الصلة وعنى بالأصنام قوما يطاعون ويعظمون وهم كالجماد والموت لا اهتزاز فيهم للكرم ولا أريحية للجود ثم فضل الصنم عليهم فقال ليست لهم عفة الصنم لأن الصنم وإن لم ينفع فهو غير موصوف بالفضائح والقبائح وهؤلاء لا يعفون عن محرم ولا عن قبيح حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم أي حتى عدت إلى وطني وقد علمت أن المجد يدرك بالسيف لا بالقلم لأن العالم غير معظم ولا مهيب هيبة صاحب السيف ولا يدرك من أمور المجد والشرف ما يدركه ولهذا قيل لا مجد أسرع من مجد السيف أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم هذا من حكاية قول القلم أي قالت لي الأقلام أخرج على الناس بالسيف واقتلهم ثم اكتب بنا الفتوح وما تقول من الشعر فيهم فإن القلم كالخادم للسيف وهذا من قول البحتري، تعنو له وزراء الملك خاضعة، وعادة السيف أن يستخدم القلما، وجعل الضرب بالسيف كالكتاب به وهو مصدر كالكتابة أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم هذا جواب للأقلام يقول لما أسمعتني قولك ودوائي إشارتك علي بالصواب فإن تركت إشارتك ولم أفهمها صار ذلك دائي ثم أكد ما أشارت به عليه الأقلام من استعمال السيف فقال من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم يقول من طلب حاجته بغير السيف أجاب سائله عن قوله هل أدركت حاجتك لم أدرك قال القاضي أبو الحسن أبن عبد العزيز كان الواجب أن يقول عن هل بلا لأن الطالب بغير السيف يقول هل تتبرع لي بهذا المال فيقول المؤول لا فأقام لم مقام لا لأنهما حرفان للنفي وهذا ظلم منه للمتنبي وقلة فهم من القاضي ول أراد ذلك الذي ظنه لقال أجيب عن كل سؤال بهل بلا لأنه المقتضي فيجاب وليس هو المجيب والذي أراد أبو الطيب أن الناس سألونه هل أدركت هل وصلت إلى بغيتك فيجيب ويقول في الجواب لم أدرك ولم أبلغ لم أظفر ولم أصل توهم القوم أن العجز قربنا ... وفي التقرب ما يدعو إلى التهم يقول القوم الذين قصدناهم بالمديح توهموا أن العجز عن طلب الرزق قربنا ثم قال وقد يدعو إلى التهمة التقرب لأنك إذا تقربت إلى إنسان توهمك عاجزا محتاجا إليه ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم ترك الإنصاف داعية للقطيعة بين الناس وإن كانوا أقارب وهذا من قول الآخر، إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته، على طرف الهجران إن كان يعقل

стр. 358

فلا زيارة إلا أن تزورهم ... أيد نشأن مع المصقولة الخذم يقول إذا لم ينصفونا فلا أزورهم إلا بالسيوف القواطع من كل قاضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم من كل سيف تقضي شفرته بالموت بين الفريقين الظالم والمظلوم صنا قوائمها عنهم وما وقعت ... مواقع اللؤم في الأيدي ولا الكزم يقول صنا قوائم السيوف فما وقعت إلا في أيدينا التي لا لؤم فيها ولا كزم وهو قصر اليد يعني أنهم لا يحسنون العمل بالسيف ونحن أربابها نشأت أيدينا معها والمعنى أنهم لم يسلبونا سيوفنا فتقع في أيديهم التي هي مواقع اللؤم والقصر عن بلوغ الحاجة هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم ما شق منظره أي ما صعبت رؤيته مما كرهته ومن روى منظره بالفتح فلأن المرأى يشق البصر ويفتحه باقتضائه النظر إليه والكناية على هذا للبصر وفي الرواية الأولى الكناية لما ومعنى شق من قولهم يشق علي هذا الأمر يقول هون على العين ما شق عليها النظر إليه مما تراه من المكاره وهب أنك تراه في الحلم لأن ما تراه في اليقظة شبيه بما تراه في المنام لأنهما يبقيان قليلا ثم يزولان ألا ترى إلى قول أبي تمام، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، فكأنها وكأنهم أحلام، ولم يعرف أبن جنى شيئا من هذا فقال يقال شق بصر الميت شقوقا الفعل للبصر قال ومعنى البيت هون على بصرك شقوقه ومقاساة النزع وهذا كلام كما تراه في الفساد والبعد عن الصواب ولا تشك إلى خلق فتشتمه ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم يقول لا تشك إلى أحد ما ينزل بك من ضر وشدة فتشتمه بشكواك والشكوى إلى الناس يكون كشكوى المجروح إلى الطير التي ترقب أن يموت فتأكله وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم يقول احذر الناس واستر حذرك منهم ولا تغتر بابتسامتهم إليك فإن خدعهم في صدورهم غاض الوفاء فما تلقاه عدة ... وأعوز الصدق في الأخبار والقسم سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم يتعجب من أن الله تعالى جعل لذته في ورود المهالك وقطع المفاوز وذلك غاية ألم النفوس الدهر يعجب من حلمي نوائبه ... وصبر جسمي على أحداثه الحطم الحطم جمع حطوم وبفتح الطاء جمع الحطمة وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم يقول لي وقت يضيع في مخالطة أهل الدهر ومصاحبتهم لأنهم سفل أنذال يضيع الوقت بصحبتهم وليت مدة عمري كانت في أمة أخرى من الأمم السالفة وهذا شكاية من أهل الدهر أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم يقول أبناء الزمان من الأمم السالفة كانوا في حدثان الدهر وجدته فسرهم وأتاهم ما يفرحون به ونحن أتينا الزمان وقد صار خرفا فلم نجد عنده ما يسرنا وقد أخذ أبو الفتح البستي هذا المعنى وجنس اللفظ فقال، لا غزو إن لم نجد في الدهر مخترفا، فقد أتيناه بعد الشيب والخرف، والمتنبي نظر في بيته إلى قول من قال، ونحن في عدم إذ دهرنا جذع، فالآن أمسى وقد أودى به الخرف وقال يهجو ضبة بن يزيد العيني وصرح بشتمه في هذه القصيدة لأنه لم يكن له فهم يعرف به التعريض وكان المتنبي إذا قرئت عليه هذه القصيدة ينكر إنشاده وأنا أيضا والله أكره كتابتها وتفسيرها ولست أرويها إنما أحكيها على ما هي عليه واستغفر الله تعالى من خط ما لا يزلف لديه فقال في جمادى الآخرة سنة٣٥٣ ما أنصف القوم ... ضبه وأمه الطرطبة رموا برأس أبيه ... وناكوا الأم غلبه

стр. 359

هذا الوزن من الشعر يسمة المجتث وهو مستفعلن فاعلاتن ثم يجوز في زحافه مفاعلن فعلاتن والطرطبة القصيرة الضخمة وقيل هي المسترخية الثديين وكان من قصة هذا الرجل أن قوما من أهل العراق قتلوا أباه يزيد ونكحوا امرأته أم ضبة وكان ضبة غدارا بكل من نزل به واجتاز به أبو الطيب فامتنع من بحصن له واقبل يجاهر شتمه وشتم من معه وأرادوا أن يجيبوه بمثل ألفاظه القبيحة وسألوا ذلك أبا الطيب فتكلفه لهم على كراهة والمعنى يقول لم ينصفوه إذ فعلوا بأبيه وأمه ما فعلوا وروى أبن جنى وباكوا بالباء من بوك الحمار الأتان قال لأنه جعلهم كالحمير في غشيانهم بفحش والغلبة المغالبة ومنه قول الراعي، أخذوا المخاض من القلاص غلبة، كرها وتكتب للأمير أفيلا، فلا بمن مات فخر ... ولا بمن نيك رغبه وإنما قلت ما قل ... ت رحمة لا ومحبة يقول لا فخر له بأبيه ولا يرغب بأمه أيضا عما فعل بها من قولهم أنا أرغب عن هذا وإنما قلت ما انصفوه رحمة لك بما فعل لا محبة وحيلة لك حتى ... عذرت لو كنت تيبه أي احتيالا لك حتى تعذر فيما أصابك لو كنت تشعر وتيبه من قولهم ما وبهت له أي ما باليته وما شعرت به على لغة من يقول ييجل وييجع وروى الخوارزمي تنبه أي تستيقظ وما عليك من القت ... ل إنما هي ضربه وما عليك من الغ ... در إنما هي سبه وما عليك من العا ... ر أن أمك قحبه هذا استهزاء به واستجهال له يقول لا يلزمك من قتل أبيك عار إنما ذلك ضربة وقعت بأبيك فمات منها والغدر سبة تسب به فما عليك منه ولا عار عليك من فجور أمك والقحبة من القحاب وهي السعال وذلك أن الرجل يسعل بها فتجيب وما يشق على الك ... لب أن يكون ابن كلبهْ ما ضرها من أتاها ... وإنما ضر صلبهْ ولم ينكها ولكنْ ... عجانُها ناكَ زُبَّهْ العجان ما بين القبل والدبر يريد أنها مهزولة تصيب بعجانها متاعَ من أتاها فتصكه يلوم ضبة قومٌ ... ولا يلومون قلبهْ وقلبه يتشهى ... ويلزم الجسم ذنبهْ لو أبصر الجذع فعلاً ... أحب في الجذع صلبهْ فعلا كنايةٌ عن الأير وروى ابن جنى شيئا وأراد الكناية أيضا أي لحبه ذلك يحب أن يكون مصلوبا في ذلك الجذع يا أطيب الناس نفساً ... وألين الناس ركبهْ يريد أنه سمح القياد يلين لمن راوده وقد انملست ركبته لكثرة البروك عليها وأخبث الناس أصلا ... في أخبثِ الأرضِ تربهْ وأرخص الناس أما ... تبيع الفا بحبهْ كل الفعول سهامٌ ... لمريمٍ وهي جعبهْ وما على من به الدا ... ء من لقاء الأطبهْ وليس بين هلوكٍ ... وحرةٍ غيرُ خطبهْ يعني أن الذين يأتونه كالآطبة له ومن به داء فعالجه بدوائه لم يعب به يهون عليه ما يسبه به من الأمر القبيح استجهالا له وكذلك قوله وليس بين هلوك البيت أي الفاجرة كالحرة المخطوبة إلى أهلها لا فرق بينهما إلا الاستحلال بالخطبة يا قاتلاً كل ضيفٍ ... غناهُ ضيحٌ وعلبهْ الضيح اللبن الممزوج بالماء والعلبة اناء من جلود يشرب فيه اللبن قال ابن جنى يقول إذا نزل بك ضيف ضعيف قتلته وأخذت ما معه فكيف تفعل بالإغنياء قال ابن فورجة ليس في البيت ما يدل على أنه يأخذ ما معه ولو كان المراد أخذ ما معه لسلبه دون أن يقتله والمعنى أنه بخيل يقتل الضيف القليل المؤنة لئلا يحتاج إلى قراه وهذا على ما قاله ابن فورجة لأنه يصفه بالغدر يريد أنه يقتل ضيفا شعبه قليل ضيحٍ في علبة لئلا يحتاج إلى سقيه ذلك القدر وخوف كل رفيقٍ ... أباتك الليل جنبه كذا خلقت ومن ذا ال ... ذي يغالبُ ربهْ ومن يبالي بذم ... إذا تعود كسبهْ أما ترى الخيل في النخ ... ل سربةً بعد سربهْ على نسائك تجلو ... أيورها منذ سنبهْ وهن حولك ينظر ... نَ والأحيراح رطبهْ وكل غرمولِ بغلٍ ... يرين يحسدن قنبهْ فسل فؤادك يا ض ... ب أين خلف عجبهْ السربة الجماعة من الخيل والسنبة القطعة من الزمان والقنب وعاء القضيب يقول لضبة سل قلبك أين ترك ما كان فيه من العجب والأعجاب يعني حين أنجحر عنه وعن أصحابه وتحصن وهم يواجهونه بالشتم والقبيح من القول

стр. 360

وإن يخنك فعمري ... لطالما خان صحبهْ يقول أن خانك العجب فكثيرٌ من المعجبين بأنفسهم لم يبق معهم العجب واذلهم الزمان وروى ابن جنى وإن يجبك من الإجابة وكان أيضا خطأ في الرواية فإن العجب واحد والصحب جماعة أي كل يجب أن يقول على روايته لطالما كان صاحبه وكيف ترغبُ فيه ... وقد تبينت رعبهْ ما كنت إلا ذبابا ... نفتك عنه مذبهْ أي كيف تريد العجب وقد علمت شؤمه وكنت كالذباب نفتك المذبة عن العجب وقال ابن جنى أي بقيت بلا قلب قال ابن فورجة ظن إن الهاء راجعة إلى القلب وذلك باطل والهاء راجعة إلى العجب وكنت تنخر تيها ... فصرت تضرط رهبهْ يعني حين لجأ منهم إلى الحن هرباً منه ومن اصحابه وإن بعدنا قليلا ... حملت رمحا وحربه وقلت ليت بكفي ... عنانَ جرداء شطبهْ أي إذا رحلنا عنك عاودك العجب وحملت السلاح لقولهم كلُّ مجرٍ في الخلاء يسرّ إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربهْ أو آنستكَ المخازي ... فإنها لك نسبهْ وإن عرفت مرادي ... تكشفت عنك كربهْ قال ابن جنى يقول أنت مع ما أوضحته من هجائك غير عارف به لجهلك فإذا عرفت أنه هجاء زالت عنك كربةٌ لمعرفتك إياه وهذا كلام من لم يعرف معنى البيت وليس المراد ما ذكر ولكنه يقول مرادي أن أذكر ما فيك من البخل والغدر بالضيف فإن عرفت مرادي سررت بما قلته لأنه لا يقصدك آخر بعد ما بينت من صفاتك بسؤالٍ ولا طلبِ قرى وإن جهلت مرادي ... فإنه بك أشبهْ وقال يمدح دلار بن كشكروز وكان قد أتى الكوفة لقتال الخارجي الذي نجم بها من بني كلاب وانصرف الخارجي قبل وصول دلار إلى الكوفة كدعواك كل يدعى صحة العقلِ ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهلِ يقول للعاذلة كل واحد يدعى صحة عقله كدعواك يعني أنك بلومك إياي تدعين أنك أصح عقلا مني وليس يعلم أحد جهل نفسه لأنه لو علم جهل نفسه لم يكن جاهلا لهنك أولى لائمٍ بملامةٍ ... وأحوج ممن تعذلين إلى العذل لهنك فيه قولان قال سيبويه أصله لله إنك وقال أبوزيل لإنك فأبدلت الهمزة هاء لئلا يجتمع حرفان للتوكيد اللام وإن بينهما في هذا كلام واحتجاج ذكرته في الأعراب يقول أنت أولى بالملامة وأنت أحوج إلى العذل مني لان من أحببته لا يلام على حبه تقولين ما في الناس مثلك عاشقٌ ... جدي مثل من أحببته تجدي مثلي نصب مثلك على الحال من عاشق لأن وصف النكرة إذا قدم عليها نصب على الحال منها يقول لها إن وجدت لمحبوبي مثلا في الحسن وجدت لي مثلا في العشق يعني كما أنه بغير مثل كذلك أنا محب كنى بالبيض عن مرهفاتهِ ... وبالحسن في أجسامهن عن الصقلِ يقول أنا محب إذا ذكرت البيض أردت بها السيوف وإذا ذكرت حسنها كنيت به عن صقل السيوف وبالسمر عن سمر القنا غير أنني ... جناها أحبائي وأطرافها رُسلي أي وأكنى أيضا بالسمر عن الرماح السمر ويعني بجناها ما يجتني منها من المعالي التي يرتقي إليها بالعوالي يقول فالمعالي هي احبائي ورسلي التي تتردد بيني وبينها الأسنة يريد أني أخطب المعالي بالرماح عدمت فؤادا لم تبت فيه فضلةٌ ... لغير الثنايا الغر والحدق النجلِ دعا على قلبٍ يميل إلى الحسان بالعدم يقول لا كان لي قلبٌ لا فضل فيه لغير حب ثنايا الحسان واحداقهن فما حرمت حسناء بالهجرِ غبطةً ... ولا بلغتها من شكا الهجر بالوصلِ يقول المرأة الحسناء إذا هجرت لم تحرم المهجور غبطةً لأنها لو واصلته ما بلغته الغبطة أيضا ومن شكا الهجر هو العاشق وهو مفعولٌ ثان لبلغت أي وإن وصلته لم تبلغه غبطةً ذريني أنل ما لا ينال من العلي ... فصعبُ العليَ في الصعبِ والسهلِ في السهلِ يقول للعاذلة دعيني من لومك أنل من العلي ما لم ينل قبلي فإن العلي الصعبة وهي التي لم يبلغها أحد في الأمر الصعب الذي لم يركبه أحد وما سهل وجوده سهل الوصول إليه تريدين لقيان المعالي رخيصةً ... ولا بد دون الشهد من إبرِ النحلِ

стр. 361

قرىء على المتنبي لقيان بضم اللام وكذلك أملاه وهو خطأ والصواب كسره ذكر سيبويه وقال هو مثل العرفان والغشيان والريمان والحرمان والوجدان والإتيان ونحو ذلك ذكره الفراء في كتاب المصادر يقول للعاذلة تريدين أن أملك المعاليَ رخيصةً ومن اجتنى الشهد قاسى لسع النحل ولا يبلغ حلاوة العسل إلا بمقاساة مرارة اللسع وهذا كما قال العتابي، وإن جسيمات الأمور مشوبةٌ، بمستودعاتٍ في بطونِ الأساودِ، حذرت علينا الموت والخيل تدعى ... ولم تعلمي على أي عاقبةٍ تجلى يقول تخافين الموت علينا عند التقاء الخيول ولم تعلمي أن الدبرة تكون علينا أو عليهم ومعنى تجلى تنكشف يقال أجلت المعركة عن كذا قتيلا ولست غبينا لو شريت منيتي ... بإكرامِ دلارِ بن كشكروزٍّ لي دلار وكشكروز أسمان عجميان من أسماء الديلم وهما الشجاع والمسعود بالعربية يقول لم أغبن بأن حصلتُ لنفسي أكرام الممدوح لو بمنيتي تمر الأنابيب الخواطرُ بيننا ... ونذكرُ إقبالَ الأميرِ فتحلولي يقول الرماح الخاطرة بيننا وبين أعدائنا تصير مرا علينا يريد أن الحرب شديد الحرارة فإذا ذكرنا إقبال الأمير صارت حلوا لنا لأنا نظفر على الأعداء بدولته وإقباله وعند بعض الناس لا يجوز هذه الواو في هذه القافية وقال خطأ أن يجمع بين تجلى وتحلولي في القافية وليس كذلك لأن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح مثل القول والمين وكذلك إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما مثل أسود وأبيض وهذا مثل قول الكسعي، يا ربٍّ وفقني لنحتِ قوسي، فإنها من أربي لنفسي، وانفع بقوسي ولدي وعرسي، وقد قال البحتري، إن سير الخليط حين استقلا، ثم قال في هذه القصيدة، كنت من بين البرايا به أحق وأولى، وقال ابن جنى هذه قافية فيها فساد وذلك أن الواو في تحلولي ردفٌ لأنها ساكنة قبل حرف الرويّ وليس في هذه القصيدة قافية مردفة غير هذه وهذا عيبٌ عندهم إلا أنه جاء في الشعر القديم، إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً، فأرسل حكيما ولا توصهِ، وإن باب أمرٍ عليك التوى، فشاور لبيباً ولا تعصهِ، ولو كنتُ أدري أنها سببٌ له ... لزادَ سروري بالزيادةِ في القتلِ ولو كنت أعلم أن الحادثة والفتنة سببٌ لمجيئه إلينا لزاد سروري بزيادة الفتنة فلا عدمت أرض العراقينِ فتنةً ... دعتك إليها كاشف الخوف والمحلِ يقول لا خلت أرض العراق من فتنةٍ تكون سببا لورودك وداعيةً إياك كاشفا لما فيها من الخوف والجدب ظللنا إذا انبى الحديدُ نصولنا ... نجردُ ذكرا منك أمضى من النصلِ يقول إذا لم تنفذ نصولنا على أسلحة الأعداء ذكرناك فنفذت عليهم بدولتك وكان ذكرك أمضى من النصل وأنبى أي جعله نابيا ونرمي نواصيها من أسمك في الوغى ... بأنفذ من نشابنا ومن النبلِ فإن تكُ من بعدِ القتالِ أتيتنا ... فقد هزم الأعداء ذكرك من قبلِ جعل قبلا نكرةً فأعربها وكسرها كما قال الآخر، وساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلا، أكاد أغصُّ بالماء الحميمِ، وما زلت أطوي الأرض قبل اجتماعنا ... على حاجةٍ بين السنابكِ والسبلِ يقول ما زلت أضمر زيارتك وقصدك قبل هذا الإجتماع وكان ذلك حاجةً لا تحصل إلا بقطع المسافة فهي حاجة بين سنابك الخيل والسبل ولو لم تسر سرنا إليك بأنفسٍ ... غرائبَ يؤثرن الجيادَ على الأهل يقول لو لم تسر إلينا لسرنا إليك بأنفسٍ هي غريبة بين الناس بما فيها من الأخلاق التي لا توجد في غيرها ثم ذكر من صفاتها أنها تؤثر السفر على الحضر والتعب على الدعة تحصيلا للذكر والشرف وخيلٍ إذا مرت بوحشٍ وروضةٍ ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي أي وبخيل سابقة طاردة للوحوش لا ترعى الرياض قبل صيد وحشها فإذا مررنا بروضة صدنا بها الوحش ونصبنا المرجل ثم رعت خيلنا والمعنى أن الكلال لم يصبها فيمنعها عن صيد الوحش بعد قطع المرحلة وهذا من قول امرىء القيس، إذا ما ركبنا قال ولدانُ أهلنا، تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطبِ، ولكن رأيت القصدَ في الفضل شركة ... فكان لك الفضلان بالقصدِ والفضلِ يقول رأيت أن بقصدنا شركةً في الفضل فحصل لك فضلان فضل تتفرد به دون الناس وفضلٌ كسبته بقصدنا وليس الذي يتبع الوبل رائداً ... كمن جاءه في دارهِ رائدُ الوبلِ

стр. 362

يتبع اصله يتتبع فأكسن التاء الأولى وادغمها في الثانية ومثله أطير وأثاقل ورائد الوبل مقدمته يقول ليس من يطلب الوبل كمن مطر وهو في داره يريد أنهم بسبب اتيانه إليهم صاروا كالممطور ببلدته لا يتعنى بالريادة وطلب الموضع الممطور والمعنى ليس من يقصد الخير كمن يأتيه الخير عفوا بلا قصد ولا تعب وما أن ممن يدعي الشوق قلبهُ ... ويحتج في ترك الزيارة بالشغلِ يقول لست كمن يدعي الشوق ثم لا يزور ويحتج بالعائق عن الزيارة يعني أن المدعي للشوق إذا كان بهذه الصفة كان كاذبا في دعواه لأن من عالج الشوق زار ولم يستبعد الدار أرادت كلابٌ أن تفوز بدولةٍ ... لمن تركت رعى الشويهات والإبلِ يقول طلبوا الإمارة وهم رعاة الإبل والغنم فغذا طلبوا الإمارة فمن لها يعني أنهم ليسوا بأهلٍ لما طلبوه أبى ربها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يؤمن الضبَّ الخبيثَ من الأكلِ يقول أبى الله أن يعطيهم الإمارة ويأمن الوحش من الصيد والضب من الأكل أي أنهم أهل البوادي وشأنهم طلب الوحوش وصيد الضباب الخبيثة المطعم ويأبى الله لهم إلا هذا وقاد لها دلار كل طمرةٍ ... تنيف بخديها سحوقٌ من النخلِ يقول قاد لقتال كلاب كل فرس وثابة طويلة العنق كأنما ترفع خدها من طول عنقها نخلةٌ سحوق وهي الطويلة وهذا من قول الآخر، وهاديها كأن جذع سحوق، وكل جوادٍ تلطم الأرض كفهُ ... بأغنى عن النعل الحديد من النعلِ وكل فرس جواد يضرب الأرض بحافر مستغنٍ عن النعل بصلابة خلقته كما يستغني النعل عن النعل وسمى حافره الكف استعارةً من الإنسان كما يستعار للإنسان الحافر أيضا من الفرس في قول من قال، فما رقد الولدان حتى رأيته، على البكر يرميه بساقٍ وحافرِ، فولت تريغ الغيث والغيث خلفت ... وتطلب ما قد كان في اليد بالرجلِ تريغ تطلب قال ابن جنى أي لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قريب قال أبو الفضل العروضي فيما أملاه عليّ هذا تفسير من لم يخطر البيت بباله لأنه ظاهر على المتدبر إنما يقول قد كانوا في أمن ونعمة وشبه ما كانوا فيه بالغيث فاستزادوا طلب الملك وجاؤوا محاربين فهزموا فلما تولوا هاربين قصدوا بأرجلهم ما كان في أيديهم من مواطنهم ونعمتهم فذلك قوله وتطلب ما قد كان في اليد بالرجل وقال ابن فورجة يعني أنها كانت في غيث من إقطاع السلطان وإنعامه فلما عصوا وحاربوا ثم انهزموا وولوا هاربين يطلبون مأمنا وحصنا وقد خلفت أمنا كان حاصلا لها وتطلب بأرجلها ما كان في أيديها أي تطلب بهربها وأغذاذها على أرجلها ما كان حاصلا في أيديها تحاذر هزل المال وهي ذليلةٌ ... وأشهد أن الذل شرٌّ من الهزلِ يقول يحاذرون الهزل على نعمهم وهم قد ذلوا بالقتل والهزيمة وما لحقهم من الذل شرُّ مما يحاذرون على أموالهم من الهزال وأهدت إلينا غير قاصدةٍ به ... كريم السجايا يسبق القول بالفعلِ أي لما كانوا سببا في إتيان هذا الممدوح جعلهم مهدين إياه إليهم وإن لم يقصدوا ذلك وعني بالكريم السجايا الممدوح تتبع آثار الرزايا بجوده ... تتبع آثار الآسنة بالفتلِ يعني أنه جبر أحوال الناس وأصلح ما لحقهم من الرزايا والخسران بسبب غارة بني كلاب وأسى جرحهم كما يؤسى جرح الأسنة بالفتائل شفى كل شاكٍ سيفهُ ونوالهُ ... من الداء حتى الثاكلات من الثكلِ يقول أدرك ثار الناس وشفاهم من الحقد بسيفه حتى شفى الوالدات اللاتي قتل اولادهن من ثكلهن عفيف تروق الشمس صورة وجههِ ... ولو نزلت شوقا لحادَ إلى الظلِ يقول الشمس تستحسن صورة وجهه فلو نزلت إليه الشمس شوقا إليه المال عنها وعف يريد أنه عفيف عن كل أنثى حتى عن الشمس لو نزلت إليه لحقت معنى العفة شجاع كأن الحرب عاشقة له ... إذا زارها فدته بالخيل والرجل يقول هو شجاع وكان الحرب تعشقه وتحبه فإذا أتى الحرب استبقته وأفنت من سواه من الفرسان والرجال فكأنها جعلتهم فداء له وهذا بدائع أبي الطيب ومما لم يسبق إليه وريان لا تصدي إلى الخمر نفسه ... وعطشانُ لا تروي يداه من البذل

стр. 363

يريد أنه لا يشرب الخمر كأنه مرتو منها لا يعطش إليها ولا يفتر عن البذل فكأنه عطشانُ لا يروى من الخبر عن يداه خبر عنه فإذا لم يرو جوده من البذل لم يرو هو وتمليك دلار وتعظيم قدره ... دليل بوحدانية الله والعدلِ يقول ملكه وعظم قدره يشهد بوحدانية الله تعالى ورأفته بخلقه حين ملك عليهم من هو عفيف محسن إلى الخلق وما دام دلار يهز حسامَهُ ... فلا ناب في الدنيا لليثٍ ولا شبلِ قال ابن جنى أي لا تعمل انياب الأسد ما يعمل سيفه في كفه فكأنها ليست موجودة وليس المعنى ما ذكره إنما يقول ما دام قائم سيفه في كفه لم يتسلط أسد على فريسة لأنه يصده بسيفه عن أن يعدو على الناس وما دام دلار يقلب كفهُ ... فلا خلق من دعوى المكارمِ في حلِّ وما دام هو يحرك يده في البذل لم يحل لأحد دعوى المكارم لأنه لا يجود احد جوده فتى لا يرجى أن تتم طهارةٌ ... لمن لم يطهر راحتيه من البخل فلا قطع الرحمنُ أصلا أتى به ... فإني رأيت الطيب الطيب الأصلِ وقال يمدح أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميدي وورد عليه بأرجان بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك عن لم يجر دمعك أو جرى أراد تصبرن بالنون الخفيفة فوقف عليها بالألف نحو، ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا، ومثله كثير يقول يظهر حبك للناس صبرت عليه أو لم تصبر لأنه لا يطيق أحد كتمان الحب ويظهر بكاؤك جرى دمعك أو لم يجر فإن قيل كيف يظهر البكاء إذا لم يجر الدمع قيل عني ما يبدو في صوته من نغمة الحزن والزفير والشهيق والتهيؤ للبكاء ويجوز أن يكون البكاء عطفا على الضمير في صبرت كأنه يقول صبرت وصبر بكاؤك فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى دمعك وحكى ابن فورجة أن أبا الطيب قيل له خالفت في هذا البيت بين سبك المصراعين فوضعت في المصراع الأول ايجابا بعده نفيٌ وفي الثاني نفيا بعده ايجاب فقال لئن كنت خالفت بينهما من حيث اللفظ فقد وفقت بينهما من حيث المعنى وذلك أن من صبر لم يجر دمعه ومن لم يصبر حرى دمعه يعني أنه أراد صبرت فلم يجر دمعك أو لم تصبر فجرى كم غر صبرك وابتسامك صاحباً ... لما رآك وفي الحشا ما لا يرى يخاطب نفسه يقول ابتسامك الظاهر يغر الناظر إليك لأنه يرى ضحكا ظاهرا ولا يرى ما في الباطن من الاحتراق والوجد أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا القؤاد في الجدس بمنزلة الملك فلهذا جعله آمرا للسان والجفن يول أمر القلب اللسان بالكتمان والجفن بإمساك الدمع فأطعنه في الكتمان غير أن جسمك بالنحول دل على ما في قلب وهذا من قول الآخر، خبري خذيه عن الضني وعن الأسى، ليس اللسان وإن تلفت بمخبرِ، والهاء في كتمنه عائد على ما لا يرى تعس المهارى غير مهريٍّ غدا ... بمصورٍ لبس الحرير مصورا دعا بالتعس على ركائب الأظعان غير واحد منها غدا بحبيب كأ، هـ في حسنه صورة وعليه ثوب منقش بالصور نافستُ فيه صورةً في سترهِ ... لو كنتها لخفيت حتى يظهرا يقول حسدت لأجل الحبيب المصور صورةً في ستر هودجه لقربها منه ولو كنت تلك الصورى لخفيت حتى يظهر ذلك الإنسان لرأي العين وذلك أنّ كل أحد يحب أن يراه ودونه ستر يقول لو كنت ذلك الستر لأنكشفت حتى يظهر فأراه ويزول الحجاب وذكر بعض الناس بهذا تفسيرا متكلفا فقال المعنى أنه يقول لو كنت ذلك الستر لكنت سترا من عدم فكان يظهر المصور يصف قلته ونحوله لا تتربِ الأيدي المقيمة فوقهُ ... كسرى مقامَ الحاجبين وقيصرا لا تترب أي لا تفتقر يقال ترب إذا افتقر وصار إلى التراب فقرا وكسرى لقب ملوك العجم يقوله الكوفيون بكسر الكاف والبصريون بفتح الكاف وكانت صورة هذين على الستر كأنهما أقيما مقام الحاجبين يحجبان هذا المصور ودعا للايدي التي نسجت ذلك الستر وصورت الملكين عليه بأن لا تترب يقيان في أحد الهوادج مقلةً ... رحلت وكان له فؤادي محجرا يقول كلاهما يدفعان ويصرفان السوء من الغبار وحر الهواء وحر الشمس عن مقلة في أحد الهوادج يعني هودج الحبيب وكنى عنه بالمقلة لعزته وجعل فؤاده محجرا لتلك المقلة والمعنى أنها كانت ضياء قلبي بمنزلة عين القلب فلما ارتحلت عني عمي قلبي والتبس عليّ أمري وفقدت ذهني كمقلةٍ ذهبت وبقي المحجر

стр. 364

قد كنت أحذر بينهم من قبلهِ ... لو كان ينفع حائنا أن يحذرا ولو استطعت إذا اغتدت روادهمْ ... لمنعتُ كل سحابةٍ أن تقطرا يقول لما بعثوا الرواد لطلب الكلاء والماء لو قدرت لمنعت السحاب أني مطر لئلا يجدوا ماء وكلاء يرتحلون إليهما للانتجاع فإذا السحاب أخو غرابِ فراقهمْ ... جعل الصياح ببينهم أن يمطروا هذا كلام فيه حذف لا يتم المعنى دون تقديره كأنه قال لمنعت كل سحابة أن تمطر لأني تأملت الحال فإذا السحاب الذي هو أخو الغراب في التفريق بعدم عنا جعل السحاب أخا الغراب لأنه سبب الافتراق عند الانتجاع وتتبع تساقط الغيث في الربيع كعادة أهل العير السيارة ولما جعله أخا الغراب جعل المطر كصياح الغراب كما أن صياح الغراب سبب للافتراق على زعمهم كذلك سقوط الغيث من السحاب سبب للارتحال في تتبع الغيث والسحاب في قوله فإذا السحاب مبتدأ وأخو غراب فراقهم نعت له والخبر في قوله جعل الصياح وإذا الجمائل ما يخدن بنفنفٍ ... إلا شققن عليه ثوبا أخضرا الجمائل جمع جمالة وهي الجمال الكثيرة وروى ابن جنى الحمائل بالحاء جمع حمولة وهي الإبل يخمل عليها والنفنف الأرض الواسعة يقول إذا سارت الركاب في أرض وهي مخضرة بالكلاء بدت عليها آثار سيرها فكأنها شقت ثوبا أخضر والمعنى أنهم فارقونا أيام الربيع عند خضرة النبات يحملن مثل الروض إلا أنها ... أسبى مهاةً للقلوب وجوذرا يقول هذه الركاب تحمل من الهوادج ومراكب النساء التي زينت بالأنماط مثل الروض في تلون أزهارها إلا أن ما تحمله الركاب من مهاها وجؤذرها أسبى لقلوب الرجل من مها الرياض وجآذرها وروى ابن جنى إلا أنه كنايةً عن المثل والناس يروون أنها لان مثل الروض روٌ فبلحظها نكرت قناتي راحتي ... ضعفاً وأنكر خاتماي الخنصرا بلحظها أي بنظري إليها أضاف المصدر إلى المفعول يقول بسبب نظري إليها صرت ضاويا مهزولا حتى أنكرت قناتي يدي وخاتمي خنصري ضعفا وقلة لحم أعطى الزمان فما قبلت عطاءه ... وأراد لي فأردت أن أتخيرا يقول لم أقبل عطاء الزمان ترفعا وبعد همة أي أردت عطاءك دون عطاء الزمان وأراد الزمان لي أن أقصد سواك فأردت اختيارك والمعنى أن الزمان أراد أن يسترقني بإحسانه فأبيت ذلك واخترتك على الزمان فأنك إذا ملكتني ملكتُ الزمان بما فيه أرجان أيتها الجيادُ فإنهُ ... عزمي الذي يذرُ الوشيج مكسرا هو أرجان مشددة الراء اسم بلد بفارس إلا أنه خفف لأنه اسم عجمي يقول لخيله اقصدي هذه البلدة فأني عزمت على قصدها بعزم قوي يكسر الرماح بقوته والمعنى أن الرماح لا تعوقني عن هذه العزيمة لو كنت أفعل ما اشتهيت فعالهُ ... ما شق كوكبك العجاج الأكدرا يقول لخيله لو فعلت ما تريدين ما ركضتك في الغبار المظلم يعني أن الخيل تريد الجمام والراحة وهو يتبعها في الأسفار وكوكب الخيل جماعتها المجتمعة أمي أبا الفضلِ المبر أليتي ... لأيممن أجل بحرٍ جوهرا أي أقصدي هذا الممدوح الذي يبر قسمي إذا أقسمت أن اقصد أجل البحار جوهرا أي إذا قصدته برت يميني أفتى برؤيته الأنام وحاش لي ... من أن أكون مقصرا أو مقصرا يقول افتاني الناس كلهم في إبرار هذه اليمين برؤيته وقصده وأعوذ بالله أن أقصر في إبرار هذا القسم أو أقصر عنه فإني إذا فعلت ذلك كنت شاقا لعصا الإجماع لن الإجماع على أن قسمي لا تبر إلا برؤيته يقال قصر عن الشيء إذا تركه عجزا وأقصر عنه إذا تركه قادرا عليه صغت السوار لأي كفٍّ بشرتْ ... بابنِ العميد واي عبدٍ كبرا يقول أي كف أشارت إلى ابن العميد فبشرتني به فلها عندي السوار وكذلك أي عبد من عبيدي كبر عند وقوع بصره على بلده وعلى داره سرورا ببر قسمي إن لم تغثني خيله ورماحهُ ... فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا هذه إشارة إلى أنه يمده بالمال والعبيد فيقدر بذلك على محاربة الأعداء وعادة المتنبي طلب الولايات ممن يمدحه لا طلب الصلات بأبي وأمي ناطق في لفظهِ ... ثمن تباع به القلوب وتشترى

стр. 365

يقول لفظه لحلاوته ثمن للقلوب يعني أنه يملك القلوب بحالاوة لفظه فيتصرف فيها كما يريد بصفة البلاغة وإن شئت قلت أن الفاظه عزيزة تجعل القلوب أثمانا لها لم توجد بغيرها وقوله تباع وتشترى أي الناس يبيعون وهو يشتريها فيصير مالكا لها وإن شئت جعلت الشراء بيعا فيكون مكررا بلفظين معناهما واحدٌ من لا تريه الحرب خلقاً مقبلا ... فيها ولا خلقٌ يراه مدبرا أي لا يقبل إليه أحد في الحرب تهيبا له ولا يدبر هو عن قرنِ خنثى الفحول من الكماة بصبغهِ ... ما يلبسون من الحديد معصفرا خنثى الفحول جعلهم كالمخنثين يقال خنثى يخنثى خنثاةً وهذا رواية ابن جنى وابن فورجة وروى غيرهما خنث الفحول أي انكسروا عند اعماله الضرب فيهم والأولى أجود لأنه ذكر صبغة لباسهم والثوب المعصفر المصبوغ من ثياب النساء وذوي التخنيث يتكسب القصب الضعيف بكفهِ ... شرفاً على صم الرماحِ ومفخرا روى ابن جنى بخطه يقول قلمه أشرف من الرماح لأن كفه تباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها بكفه ويبين فيما مس منه بنانهُ ... تيه المدل فلو مشى لتبخترا يقول كل شيء مسه ببنانه ظهر فيه الكبر حتى لو مشى ذلك الشيء لتبختر تشرفا بمسه إياه أمن إذا ورد البلاد كتابهُ ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيرا يقول كتابه يعمل عمل الجيش فإن من ورد عليهم كتابه يتحيرون في حسن لفظه وبدائع معاني كلامه فيستعظمونه فينصرفون أو أنه يسحرهم ببيانه فينصرفون عنه حين عمل فيهم كلامه عمل السحر أنت الوحيد إذا ارتكبت طريقةً ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا يقول أنت فرد الطريقة في كل أمر تقصده لا يقدر أحد أن يقتدي بك في طريقتك كراكب الأسد لا يقدر أحدٌ أن يكون رديفا له وعلى هذا القول الغضنفر مركوب ويجوز أن يكون حالا للممدوح يقول لا يقدر أحد أن يكون رديفا لك فإنك غضنفر قطف الرجال القول قبل نباتهِ ... وقطفت أنت القول لما نورا يقول أقوال الناس كالثمر تقطف قبل ينعها وإدراكها وقولك كالنبات المتناهي في نبته يعني أنه تام بالغ في فيه عذب الكلام والنبات إذا نور فهو غاية تمامه ومعنى قوله قبل تمام نباته فحذف المضاف ويروي وقت نباته فهو المشيع بالمسامعِ إن مضى ... وهو المضاعف حسنهُ إن كررا يقول الأسماع تتبع قولك إذا مضى حبا له وشغفا به وإذا كرر إزداد حسنه وإنما قال هذا لأن الكلام إذا أعيد سمج وإذا تكرر تكرد وكلام الممدوح يتضاعف حسنه عند التكريم وهذا منقول من أبي نواس يزيدك وجهه حسنا، إذا ما زدته نظراً، وإذا سكت فإن أبلغ خاطبٍ ... قلمٌ لك اتخذ الأصابعَ منبراً أي أن قلمه إذا ركب أصابعه في كتابه كان أبلغ خاطب عند سكوت الممدوح ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قناً وأسنةً وسنورا هذا البيت كالتفسير لقوله ثنى الجيوش تحيرا يقول الأعداء إذا قطعوا سحاء كتبك ورسائلك رأوا من بلاغتك وجزالة ألفاظك ما يقتلهم غيظا وحسدا وييأسون معه من الإقتدار عليك فيقوم لذلك مقام السلاح في دفع الأعداء ومثل هذا ما يحكي أن الرشيد كتب في جواب كتاب ملك الروم قرأت كتابك والجواب ما تراه لا ما تقرأه فأنظر إلى هذا اللفظ الوجيز كيف يملأ الأحشاء نارا، ويدع القلوب أعشارا، ويشعر النفوس حذارا، ويعقب إقدام ذوي الأقدام نكوصا وفرارا، والسنور الحديد والدروع فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا خلفت صفاتك في العيون كلامهُ ... كالخطِ يملأ مسمعي من أبصرا يقول الصفات الشريفة التي خصك الله بها تخلف كلام الله تعالى في الدلالة على أنك أفضل الناس فصار كأنه دعاك الأكبر قولا من حيث دعاك فعلا كالخط فإن من كاتب كمن شافه وخاطب ومن علم أنك مستحق عند الله لأن تسمى الرئيس الأكبر أرأيت همةَ ناقتي في ناقةٍ ... نقلت يداً سرحاً وخفا مجمراً

стр. 366

السرح السهلة السير المجمر من صفة الخف الصلب انشد الكسائي، أنعتها إني من نعاتها، مدراةُ الأخفاف مجمراتها، ويقال أيضا مجمر أي خفيف سريع من قولهم أجمرت الناقة إذا أسرعت قال الأستاذ أبو بكر الخوارزمي في قوله خفا مجمرا أراد خفا خفيفا فلم يوافقه اللفظ ولو وافقه لكان تجنيسا ظاهرا وإذا لم يوافقه فهو تجنيسٌ معمي كقول الشماخ، وما أروي وإن كرمت علينا، بأدني من موقفةٍ حرون، أراد أن يقول بادني من أروى فلم يساعده اللفظ فعدل عن الفظ الأروى إلى صفتها وهو يديدها ومعنى البيت أنه أخبر عن علو همة ناقته حين قصدته وهو اخبار عن علو همة نفسه لأنه يحمل ناقته على السير ثم ذكر علو همتها تركت دخان الرمث في أوطانها ... طلباً لقومٍ يوقدون العنبرا الرمث نبت يوقد به أي تركت الأعراب ووقودهم وأتت قوما وقودهم العنبر وهذا من قول البحتري، نزلوا بأرض الزعفران وجانبوا، أرضا ترب الشيح والقيصوما، وتكرمت ركباتها عن مبركٍ ... تقعان فيه وليس مسكاً أذفرا يقول تكرمت ناقتي عن أن تبرك إلا على المسك الأذفر وهو الشديد الرائحة يردي أن العنبر بحضرة الممدوح يوقد به والمسك ممتهن عنده بحيث يبرك عليه البعير والركبات جمع ركبة وهذا جمع أريد به الإثنان كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما وكقول الشاعر، ظهراهما مثل ظهور الترسن، وهو كثير وذلك أن أول الجمع إثنان فجاز أن يعبر عنهما بلفظ الجمع لما كانا جمعا فيدل على أنه أراد بلفظ الجمع الاثنين أنه لما أخبر كما يخبر عن الأثنين بقوله تقعان فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الحمرا الأظل باطن خف البعير وحذيت جعل لها حذاء وهو النعل يقول أتتك الناقة وقد دميت خفافها لطول السير وحزونة الطريق حتى كأنها أحتذت العقيق الأحمر كما قال الآخر، كان أيديهن بالموماة، أيدي جوارٍ بتنَ ناعماتِ، أي تخضبت بالدم خضاب هؤلاء الجواري بدرت إليك يد الزمانِ كأنها ... وجدته مشغول اليدين مفكرا يقول سبقت إليك العوائق وصروف الزمان فكأنها وجدت الزمان مشغولا عنها فانتهزت الفرصة في قصدك فإن الزمان موكلٌ صروفه بدفع الخيرات من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رسطليس والإسكندرا يقول من الذي يبلغ الأعراب أني بعد أن فارقتهم رأيت عالما هو في علمه وحكمته مثل أرسطاليس وملكا هو ي سعة ملكه كالأسكندر ورسطاليس أسم رومي لما أراد استعماله حذف بعضه فإن العرب تجترىء على استعمال الاعجمية فإن أمكن نقلها إلى أوزانهم نقلوها وإن لم يمكن نقلها حذفوا بعضها ومثل هذا الأسم في كثرة حروفه لا يوجد في كلام العرب ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى يقول مللت في صحبة الأعراب نحو الإبل ولحومها فأضافني من يجعل قراه بدر الذهب وهذا من قول البحتري، ملك بعالية العراق قبابهُ، يقرى البدور بها ونحن ضيوفهُ، وإنما استعمل النحر في البدر لذكره نحر العشار ومعنى نحر البدر فتحها لأعطاء ما فيها من الذهب وسمعت بطليموس دارسَ كتبهِ ... متملكا متبديا متحضرا بطليموس حكيم من حكماء الروم صنف كتاب في الطب والحكم وابن العميد كان أيضا حكيما عالما قد جمع بين أفعال الملوك وفصاحة البدو وظرافة الحضر يقول سمعت من ابن العميد وهو يدرك كتب نفسه في حال جمعه بين الملوكية والبدوية والحضرية وبطليموس هو ابن العميد سماه بهذا للمشابهة بينه وبين هذا الحكيم ونصب دارس كتبه على الحال وكذلك ما بعده ويجوز أن يريد أنه سمع من ابن العميد ما عفا ودرس من كتب بطليموس لأنه أحياه بذكاء فطنته وجودة قريحته ويكون التقدير سمعت دارس كتب بطليموس ولكنه قدم ذكره ثم كنى عنه ويجوز أن يكون دارس كتبه مفعولا ثانيا كما تقول سمعت زيدا هذا الحديث ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا يقول عصر وأعصرٌ وعصورٌ يقول لقيت بلقائه كل من كان له فضل علم فكأن الله تعالى أحياهم ورد زمانهم حتى لقيت كلهم والمعنى أن فيه من الفضل ما كان في جميع الفضلاء نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا

стр. 367

يقول جمع لنا الفضلاء في الزمان ومضوا متتابعين متقدمين عليك في الوجود فلما أتيت بعدهم كان فيك من الفضائل ما كان فيهم مثل الحساب يذكر تفاصيله أولا ثم يجمل على تلك التفاصيل فيكتب في مؤخر الحساب فذلك كذا وكذا فيجمع في الجملة ما ذكر في التفصيل كذلك أنت جمعت فيك من الفضل ما يفرق فيهم وهذا البيت ينظر إلى قول من قال، وفي الناس مما خصصتم به، تفاريق لكن لكم مجتمعْ، يا ليت باكيةً شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا يقول الباكية التي بكت على فراقي وأحزنني بكاؤها ليتها رأتك كما رأيت فتعذرني في فراقها وركوب الأهوال والاخطار في السفر إليك فترى الفضيلة لا ترد فضيلةً ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا روى ابن جنى لا ترد وقال معناه وترى الفضيلة فيك مشرقة غير مشكوك فيها كما ترى الشمس إذا أشرقت والسحاب إذا كان عظيما متكاثفا وتقديره وترى الفضيلة فضيلةً لا ترد فيكون نصب فضيلةً على الحال ثم نصب الشمس بفعلٍ مضمر يدل عليه ما قبله كأنه قال ترى هي برؤيتها فضائلك الشمس في حال إشراقها والمزن في حال تراكمها ومعنى لاترد أي هي مقبولة غير مردودة قال ابن فورجة صحف البيت ثم تمحل له تفسيرا وهو يرويه لا ترد ولا ريب أنه إذا صحف واخطأ المراد احتاج إلى تمحل وجهٍ والذي قاله أبو الطيب لا ترد فضيلة وفاعله الضمير من الفضيلة ونصب فضيلةً ثانية لأنها مفعول بها والمعنى أنها ترى الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهدنا في المتضادين ثم فسر ذلك فقال يوجدك الشمس مشرقةً والسحاب كنهوراً أي في حالة واحدة يوجدك هذا الممدوح هذين المتضادين إذا كانت الشمس يسترها السحاب كنهورا فوجهه كالشمس اضآءةً ونائله كالسحاب الكنهور فيضاً وهما لا يتنافيان في وقتٍ واحد ولو كانا في الحقيقة الشمس والسحاب لستر السحابُ الشمس فتنافيا وقد كاد يوضح هذا المعنى محمد بن عليذ بن بسام على رذالة شعره بقوله، الشمس غرته والغيث راحتهُ، فهل سمعتم بغيثٍ جاء من شمس، وأوضح ابن الرومي هذا المعنى حيث يقول، يلقى مغيماً مشمساً في حالةٍ، هطل الإغامةِ نيرَ الإشماس، وقد قال أيضا في هذا المعنى، لكل جليسٍ من يديه ووجهه، مدى الدهر يومٌ غائمُ الجو شامسُ، وتبعه البحتري فقال، وأبيض وضاح إذا ما تغيمت، يداه تجلى وجهه فتقشعا، ولم يوضح أحد هذا المعنى كما أوضحه الرضى الموسوي، أمطروا الجود مضيئاً بشرهم، فرأيناهم شموساً وغماما، وذكر المتنبي هذا المعنى وقال، قمراً ترى وسحابتين بموضعٍ، من وجهه ويمينه وشمالهِ، وقال أيضا، شمنا وما حجب السماء بروقه، وحرى يجود وما مرته الريحُ، أنا من جميع الناس أطيبُ منزلاً ... وأسر راحلةً وأربحُ متجرا يقول طاب مكاني ومنزلي بقصده وسرتني راحلتي حين أدتني إليه فاسر مبالغة من السار ويجوز أن يكون مبالغةً من المسرور والمراد بسرورها سرور راكبها وتجارتي أربح من تجارة غيري حين اشتري شعري بأوفر الأثمان زحل على أن الكواكب قومهُ ... لو كان منك لكان أكرمَ معشرا جعل الكواكب المحيطة بزحل كالقوم له حين كان يسمى شيخ النجوم يقول زحل لو كان من عشيرتك لكان أكرم معشرا منه الآن والنجوم قومه يعني أن قوم الممدوح ورهطه أشرف من النجوم وأحضر مجلس ابن العميد مجمرة محشوة آسا ونرجساً أخفيت نارها والدخان يخرج من خلال ذلك فقال أبو الطيب أحب امرىءٍ حبتِ الأنفسُ ... وأطيبُ ما شمه معطسُ يقول أنت أحب امرىء احبته النفوس وهذا الند اطيب رائحةٍ شمها الأنف وحذف المبتدأ من الجملتين لأن المخاطبة والحال دلتا عليه وحبت غير مستعمل وإن استعمال المحبوب وإنما يستعمل ذلك شاذا ونشر الندى لكنما ... مجامره الآس والنرجسُ ولسنا نرى لهباً هاجهُ ... فهل هاجهُ عزك الأقعسُ يقول لا نرى نارا هيجت ريح هذا الند فهل هاجته نار عزك يقال عز أقعس وعزة قعساء وهي الثابتة وقيل أنه العالي المرتفع الذي لا يوضع ظهره على الأرض كالأقعس الذي لا ينال ظهره الأرض فإن القيام التي حولها ... لتحسدُ أقدامها الأروسُ

стр. 368

يقول هؤلاء القائمون عنده للخدمة تحسد ارؤسهم أقدامهم لأنهم وقفوا على أقدامهم ورؤوسهم تتمنى أنها القائمى في خدمته كما قال، خير أعضائنا الرؤوس البيت والضمير في إقدامها عائدة على الأرؤس كأنه قال لتحسد أرؤسهم أقدامها وقال يمدحه ويهنئه بالنيروز جاء نوروزنا وأنت مرادهْ ... وورت بالذي أراد زنادهْ يقال لهذا اليوم نوروز على العجمية ونيروز تقريب من التعريب ومثله من العربية تيقور وديجور وتيهور وهذا أولى بالأستعمال لأنه على أوزان كلامهم يقول جاء هذا اليوم وأنت مراده وقصده بالمجيء وقد حصل مراده إذ زارك ورآك الزناد كناية عن حصول المراد تقول العرب ورت بفلان زنادي أي أدركت به مرادي هذه النظرة التي نالها من ... ك إلى مثلها من الحول زادهْ ينثني عنك آخر اليوم منه ... ناظرٌ أنتَ طرفهُ ورقادهْ قال ابن جنى أي إذا إنصرف عنك هذا اليوم خلف طرفه عندك ورقاده فبقي بلا لحظ ولا نوم إلى أن يعود إليك قال العروضي هذا هجاء قبيحٌ للممدوح أن أخذنا بقول ابي الفتح لأنه يراه وينصرف عنه أعمى عديم النوم ومعناه أنه يقول لما رآك استفاد منه النظر والرقاد وهما اللذان يستطيبهما العين والمعنى أفدته أطيب شيء والحق ما قاله ابن جنى لأنه يذهب عنه النوم حتى يرجع إليه نحن في أرض فارسٍ في سرورٍ ... ذا الصباح الذي نرى ميلادهْ روى ابن جنى الذي يرى بضم الياء وقال أي نحن كل يومٍ في سرورٍ لأن الصباح كل يومٍ يرى يريد إتصال سرورهم قال أبو الفضل العروضي ليس كما ذهب إليه وإما يريد أن يخص صباح نيروز بالفضل فقال ميلاد السرور إلى مثله من السنة هو هذا الصباح والرواية الصحيحة نرى بفتح النون وقال ابن فورجة يريد أبو الطيب أنا نحن في سرورٍ ميلاده في هذا الصباح يعني صباح نيروز لأن السرور يولد في صباحه لفرح الناس الشائع في النيروز عظمته ممالك الفرس حتى ... كل أيام عامهِ حسادهْ يجوز أن يريد بالممالك جمع ملك مثل المشايخ في جمع شيخ والمحاسن في جمع حسن كما قال في موضع آخر، أبهى الممالك البيت ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف وهو قول أبي الفتح ويكون المعنى عظمه أهل ممالك الفرس حتى حسدته جميع الأيام لتعظيمهم إياه ما لبسنا في الأكاليل حتى ... لبستها تلاعهُ ووهادهْ قال أبو الفتح يريد أن الصحراء قد تكامل زهرها فجعله كالاكاليل عليه قال العروضي كيف يصح ما قال وأبو الطيب يقول ما لبسنا فيه الاكاليل ولم يقل ما لبست الصحراء أو ما يشبه هذا مما يكون دليلا على ما قاله أبو الفتح ولكن كان من عادى الفرس إذا جلسوا في مجلس اللهو والشرب يوم النيروز أني تخذوا أكاليل من النبات والأزهار فيضعوها على رؤوسهم وهذا ظاهر في قول الفارسي يصف مجلس لهو، بدل خود وترك بر كيريم، أز كلٌ ومشكُ وندُّ ولاله كلاه، فقال أبو الطيب ما لبسنا الأكاليل حتى لبستها التلاع وهي ها هنا ما ارتفع من الأرض ومنه قول الراعي، كدخان مرتحلٍ بأعلى تلعةٍ، ويريد بلبس التلاع ما ظهر عليها من النبات والوهاد ضد التلاع وهي جمع وهدة وهي المنخفض من الأرض وجعل ما على الوهاد أكاليل ولا يحسن ذلك والبيت مأخوذ من قول أبي تمام، حتى تعمم صلعُ هاماتِ الربا، من نبتهِ وتأزر الأهضامُ، وهذا البيت سليمٌ لنه جعل ما على الربا بمنزلة العمامة وما على الأهضام جمع هضم وهو المطمئن من الأرض بمنزلة الإزار ووجهُ قول المتنبي أنه أراد حتى لبستها تلاعه والتحفت بها وهاده فيكون من باب علفتها تبنا ومآءً باردا ومعنى البيت أن النبات قد عم الأرض مرتفعها ومنخفضها في هذا النيروز عند من لا يقاس كسرى أبو سا ... سان ملكاً به ولا أولادهْ أبو ساسان واحدٌ من الأكاسرة ولهذا يقال لملوك العجم بنو ساسان وذكرنا أن الإختيار في كسرى فتح الكاف وينشد قول الفرزدق، إذا ما رأوه طالعا سجدوا له، كما سجدت يوما لكسرى مرازبهْ، بفتح الكاف جعل الممدوح أعظم ملكا من ملوك العجم عربيٌّ لسانهُ فلسفيٌّ ... رأيه فارسيةٌ أعيادهْ البيت مركب من ثلث جمل كلها مبتدأ وخبر وقدمت فيها الأخبار على الابتداءات والمعنى أنه يتكلم بلسان العرب ورأيه رأي الفلاسفة لأنه حكيم وأعياده فارسية كالنيروز والمهرجان

стр. 369

كلما قال نائل أنا منه ... سرف قال آخر ذا اقتصاده يريد أنه كلما ازداد إعطاء زاد عظما فإذا أسرف في عطاء فقال ذلك العطاء أنا منه سرف قال ما يتبعه من العطاء الزائد على الأول هذا منه قصد أي أنا أكثر منه وهذا مثل والنائل لا يقول شيئا ولكن يستدل بحاله فكأنه قائل وتلخيص المعنى إذا استكثر منه عطاء قل ذلك في جنب ما يتبعه كيف يرتد منكبي عن سماء ... والنجاد الذي عليه نجاده قال أبو الفتح يريد طول حمائل سيفه لطوله قال العروضي لم يرد في هذا البيت طول النجاد ولا قصره وإنما أراد تعظيم شأن الواهب فقال كيف يقصر عن السماء منكبي والنجاد من هبته فأين الطول والقصر في هذا وقال أبن فورجة ليس طول نجاد أبن العميد إذا أهدى سيفه للمتنبي مما يوجب أن يطيل منكبه على أن المتنبي ما تعرض لطول النجاد ولا قصره وإنما ضرب مثلا لشرف منكبه إذ ردى بنجاده يقول كيف أنكل عن مفاخره ذي فخر وكيف يقصر منكبي دون سماء ونجاده عليه وقد بلغه أفضل الشرف قلدتني يمينه بحسام ... أعقبت منه واحدا أجداده يقول قلدني سيفا لا مثل له في السيوف وكان واحدا عديم النظير كمن لم يعقب أجداده مثله في جملة إخوانه وأترابه وأراد بأجداد الحسام الجبال والأحجار والمعادن التي يستخرج منها جوهر الحديد فهو يقول لم يطبع مثله فلا نظير له كلما استل ضاحكته إياه ... تزعم الشمس أنها أراده إياه الشمس ضوءها ومنه قول طرفه، سقته إياة الشمس إلا لثاته، وإذا فتح أوله مد ومنه قول ذي الرمة، لأياء الشمس منه تحذرا، والأراد يجوز أن يكون جمع رأد وهو الضوء يقال رأد النهار ورأد الضحى ويجوز أن يكون جمع رئد وهو الترب يقول كلما سل هذا الحسام ضاحكته إياة من الشمس تزعم الشمس أن تلك الإياة مثل ضوء هذا السيف أشار إلى أن شعاع هذا السيف يحكى شعاع الشمس وأن الشمس تقر بأن ضوءها كضوئه والكناية في أنها للإياة وإنما جمع الأرآد مع توحيد الإياة حملا على المعنى عند كل سلة مضاحكة بينه وبين إياة الشمس مثلوه في جفنه خشية الفق ... د ففي مثل أثره إغماده يقول مثلوا هذا السيف في غمده يعني جعلوا غمده على مثاله وصورته وهو أنهم غشوه فضة محرمة فاشبهت تلك الآثار هذا السيف وما عليه من آثار الفرند فهو قوله ففي مثل أثره إغماده أي أنه يغمد في جفن عليه آثار كأثره وقوله خشية الفقد الناس يقولون أراد أن هذا السيف عزيز فلعزه وخوف فقده غشوا جفنه الفضة وقال أبن جنى صونا للجفن من الفقد لئلا يأكل جفنه وقال ابن فورجة يعني أن ما نسج من الفضة على جفنه تصوير لما على متنه من الفرند فعل ذلك به إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده بل يكون كأنها ناظرة إليه ولم يرد بقوله خشية الفقد ذهابه وضياعه بل أراد أنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقد منظره بإغماده فقد مثله في جفنه منعل لا من الحفا ذهبا يح ... مل بحرا فرنده إزباده يقول هذا الجفن جعل له نعل من الذهب وليس ذلك للحفا وهو يحمل من هذا السيف بحرا يعني كثرة مائه وفرنده زبده يعني أن الفرند لهذا السيف بمنزلة الزبد للبحر يقسم الفارس المدجج لا يس ... لم من شفرتيه إلا بداده المدجج المغطى في السلاح والبدادان جانبا السرج يقول إذا ضرب به الفارس المقنع في سلاحه قسمه بنصفين والسرج أيضا فلا يسلم منه إلا جانبا السرج لانحرافهما عن الوسط وقوله من شفرتيه والسيف إنما يقطع بشفرة واحدة لأنه أراد بأي شفرتيه ضرب عمل هذا العمل الذي ذكره جمع الدهر حده ويديه ... وثنائي فاستجمعت آحاده أي اجتمعت آحاد الدهر لما جمع الدهر حد هذا السيف ويدي الممدوح في الضرب وشعري في وصفه فلا سيف كهذا السيف ولا يد في الضرب به كيد الممدوح ولا ثناء كثنائي وهذه الأشياء أفراد غرائب لا نظير لها وتقلدت شامةً في نداهُ ... جلدها منفساته وعتادهْ

стр. 370

حكى أبو علي ابن فورجة عن أبي العلاء المعري في هذا البيت يعني أن الغمد بما عليه من الحليّ والذهب أنفسُ من السيف كأنه كان محلى بكثير من الذهب فجعل الغمد جلدا إذ جعل السيف شامةً قال أبو علي والذي عندي أنه أراد بجلده ظاهره الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده وبه يغالي سومه ويستدل على جودته وقالابن جنى يعني أنه يلوح فيما أعطاه كما تلوح الشامة في الجسد لحسنه ونفاسته وقوله جلدها منفساته وعتاده أي ما يلي هذا السيف مما تقدمه وتأخر عنه من بره كالجلد حول الشامة وقال أبو الفضل العروضي منكرا على أبي الفتح ألم يجد أبو الفتح مما يحسن في الجلد شيئا فوق الشامةِ كالعين الحسناء ولكنه أراد أن هذا السيف على حسنه وكثرة قيمته كالنقطة فيما أعطاه ألا تراه يقول جلدها منفساته أي قدر هذا السيف وهو عظيم القيمة في عطاياه كقدر الشامة في الجلد وهؤلاء الذين حكينا كلامهم كانوا أئمة عصرهم ولم يكشفوا عن معنى البيت ولا بينوه بيانا يقف عليه المتأمل ويقضي بالصواب ومعنى البيت أ، هـ جعل ذلك السيف شامةً والشامةُ تكون في الجلد ولما سماه شامةً سمى ما كان معه من الهدايا التي كان السيف في جملتها جلدا والمنفسات الأشياء النفيسى والكناية في المنفسات والعتاد تعود إلى الممدوح وذلك أنه أهدى إليه شياءَ نفيسة من الخيل والثياب والأسلحة فهو يقول هذا السيف في جملتها شامةٌ في جلدٍ وذلك الجلد هو منفساتُ الممدوح وعتاده الذي كان له فاهداه إليّ وقول المعري أيضا قريبٌ من الصواب على رد الكناية في المنفسات والعتاد إلى الحسام وهو أنه يصغر السيف في قيمة غمده وما عليه من الذهب والحلي مما جعل عتادا للسيف وقول ابن فورجة هوسٌ ليس بشيء فرستنا سوابق كن فيه ... فارقت لبده وفيها طرادهْ أي جعلتنا فرسانا خيل سوابق كن في نداه أي كانت في جملة ما أعطانا خيلٌ سوابقُ فارقت لبده أي انتقلت إلى سرجي وفارقت سرج ابن العميد وفيها طراده قال ابن جنى أي قد صرت معه كأحد من في جملته فإذا سار إلى موضع سرت معه وطاردت بين يديه فكأنه هو المطارد عليها قال العروضي هذا كلام من لم ينتبه بعد من نوم الغفلة إنما يقول فارقت هذه الخيل لبده وفيها تأديبه وتقويمه وهذا على ما قال وما ذكره ابن جنى هوس وسوداء ملومٍ ليس في البيت منه شيء يقول أبو الطيب الخيل السوابق التي كانت في نداه وجملة ما أعطاناه فرستنا أي علمتنا الفروسية لأنها فارقت لبده حين أعطاناه وفيها ما علمه بطراده وتأديبه إياها وليس يريد بقوله فرستنا حملتنا حتى صرنا فرسانا عن الرجلة وقوله وفيها طراده يريد تأديب طراده وأدب طراده على حذف المضاف ورجت راحةً بنا لا تراها ... وبلادٌ تسير فيها بلادهْ قال ابن جنى لما انتقلت خيله إليّ رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده والعمل الذي يتولاه لسعةِ بلده وامتداد الناحية التي تحت يده هذا كلامه وليس لسعة البلد وامتداد الناحية هاهنا معنى إنما يقول لا ترى هذه الخيل ما ترجوه لأنا لا نزال نغزو معه بغزواته ونطارد عليها معه إذا ركب إلى الصيد وإنما تستريح إذا فارقنا خدمته ونحن لا نفارق خدمته وبلاده هل لعذري إلى الهمام أبي الفض ... لِ قبولٌ سواد عيني مدادهْ قال ابن جنى أي رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سوادَ عيني حبا له وتقربا منه هذا كلامه وليس كما قال لأن المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح ذلك والمعنى أنه يقول هل يقبل عذري وهل عنده قبولٌ لعذري ثم قال سواد عيني مداده على طريق الدعاء كأنه قال جعل الله مداده سواد عيني يعني أنه أن استمد من سواد عيني لم أبخل عليه وإنما قال هذا لأنه كاتبٌ وحاسبٌ يحتاج إلى المداد والكناية في مداده تعود إلى أبي الفضل وعلى ما قال ابن جنى تعود إلى العذر وليس بشيء أن من شدة الحياء عليلٌ ... مكرماتُ المعلهِ عوادهْ يقول أنا لغلبة الحياء عليّ كالعليل وبرُّ الذي أعلني وهداياه تأتيني كل يوم كأنها عوادق تعودني وإنما استحيا لأن ابن العميد عارضه في بيتٍ من شعره أو ناظره في شيء منه ولهذا جعله معلا له وقد شرح أبو الطيب هذه القصة فيما بعد هذا البيت فقال ما كفاني تقصير ما قلتُ فيه ... عن علاهُ حتى ثناهُ انتقادهْ

стр. 371

يقول لم يكفني تقصير قولي عن علاه وعجزي عن وصفه حتى صار انتقاده شعري ثانيا لتقصيري وهذا هو الموجب للحياء وهو التقصير والانتقاد إنني أصيد البزاة ولك ... نَّ أجل النجومِ لا أصطادهْ يقول أنا في الشعراء كالبازي الأصيد في البزاة ولكن النجم الأعلى من يقدر على بلوغه يريد زحل وهو أجل النجوم جعله مثلا للممدوح ولم يعرف ابن جنى هذا لأنه قال لو استوى له أن يقول ولكن أعلى النجوم لكان أليق والمعنى أني وإن كنت حاذقا في الشعر فإن كلامي لا يبلغ أن أصف ابن العميد وأمدحه رب ما لا يعبر اللفظ عنه ... والذي يضمرُ الفؤادْ اعتقادهْ أي ربَّ شيء من مدحك لا يبلغه لفظي بالعبارة عنه وما يضمره قلبي هو اعتقاده فيك وفي استحقاقك ذلك المدح وهذا اعتذارٌ عن قصوره في وصفه ومدحه ما تعودت أن أرى كأبي الفض ... ل وهذا الذي أتاه اعتيادهْ يقول لم أتعود أن أمدح مثله فإن قصرت عن كنهِ وصفه كنت معذورا لأن عادتي لم تجرِ بمدح مثله والذي أتاه من الشعراء اعتياده لأنه أبدا يمدح فهو أعلم الناس بالشعر وهذا يدل على تحرز أبي الطيب منه وتواضعه له ولم يتواضع لأحد في شعره ما تواضع له ويجوز أن يكون قوله وهذا الذي أتاه أي هذا الذي فعله من النقد عادته لعلمه بالشعر وقال ابن جنى وهذا الذي أتاه من الكرم عادة له لم يتخلق لي به وليس بشيء لأنه ليس في وصف كرمه إنما يعتذر من تقصيره إن في الموجِ للغريقِ لعذرا ... واضحا أن يفوته تعدادهْ يقول إن فاتني عد بعض أوصافك حتى لم آتِ على جميعها كان عذري واضحا فإني غرقت فيها لكثرة صفات مدحك فالغريق في البحر إن فاته عد الأمواج كان عذره واضحا والمعنى أن فكري غرق في فضائلك فلم أجد سبيلا إلى وصفها حق الوصف للندى الغلب أنه فاض والش ... عر عمادي وابن العميد عمادهْ يقول الغلبة لعطائه فإنه غلبني لأنه إلى ابن العميد يستند وأنا أستند إلى الشعر وليس يمكنني أن أكاثر عطاءه بشعري نال ظني الأمور إلا كريماً ... ليس لي نطقهُ ولا في آدهْ الظن ههنا معناه العلم ويروي طبي بالطاء وهو بمعنى العلم أيضا يقول أنا عالم بالأمور قد أحطت بها علما غير أني قاصر عن مدح كريم ليس لي فصاحته في الكلام ولا قوته في علم الشعر ظالمُ الجودِ كلما حل ركبٌ ... سيم أن يحملَ البحار مزادهْ الظلم من صفة الجود ولكنه أجراه على الممدوح وصفا كما يقال هو حسن الغلام يوصف بما هو وصفٌ لسببه ومعنى ظلم جوده ما ذكره في البيت فقال كلما قصده ركبٌ كلفهم من حمل نداه ما لا يطيقونه وهو أن يكلفهم حمل البحر في المزاد وهذا ظلم لأنه ليس مما يمكن وكني عن الركب كما يكنى عن لواحد لأنه على لفظ الواحد غمرتني فوائدٌ شاء فيها ... أن يكون الكلام مما أفادهْ يقول غلبتني من جهته فوائد كان من جملتها حسن القول أي تعلمت منه حسن القول وصحة الكلام في جملة ما استفدت منه يريد أنه نبهه بانتقاده شعره على ما كان غافلا عنه ما سمعنا بمن أحب العطايا ... فاشتهى أن يكون فيها فؤادهْ يقول لم نسمع قبله بجوادٍ يحب الإعطاء ويتمنى أن يكون قلبه من جملة ما يعطي يعني أن ما أفاده من العمل هو من نتيجة عقله وقلبه وبنات فكره وعبر عن العلم بالفؤاد لأن محله الفؤاد كما قال الله تعالى أن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أي عقل فسمي العقل قلبا ولم يعرف ابن جنى هذا فقال الكلام الحسن الذي عنده إذا افاده إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا وهذا إنما يحسن لو قال فاشتهي أن يكون فيها فؤاد منكراً وإذ أضافه إلى الممدوح فليس يجوز ما قال خلق الله أفصح الناس طرا ... في مكانٍ أعرابهُ أكرادهْ يعني بافضل الناس وأفصحهم الممدوح والصحيح رواية من روى أفصح الناس والمعنى أن الفصاحة للعرب ولأهل البدو وافصح الناس في مكانٍ بدل الأعراب به أكرادٌ يعني أهل فارس ولم يعرف ابن جنى هذا وروى أفضل الناس وأحق الغيوث نفسا بحمدٍ ... في زمانٍ كل النفوس جرادهْ

стр. 372

أي وخلق أحق الغيوث بالحمد يعني الممدوح جعله غيثا وجعل الناس كلهم لاحتياجهم إليه جرادا فإن الجراد حياته في الغيث والكلأ وهذا قول ابن جنى وأحسن من هذا واصح أنه جعل الممدوح غيثا لعموم صلاحه وجعل الناس كلهم كالجراد لشيوع فسادهم ولأنهم سبب الفساد يدل على صحة هذا قوله مثل ما أحدث النبوة في الع ... الم والبعث حين شاع فسادهْ يقول لما شاع الفساد في العالم بالناس الذين جعلهم كالجراد خلق ابن العميد ليستدرك به ذلك الفساد كما أنه لما عم الكفر والشرك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وهذا من قول الفرزدق، بعثت لأهل الدين عدلا ورحمةً، وبرءاً لآثار الجروح الكوالم، كما بعث الله النبي محمداً، على فترةٍ والناس مثل البهائمِ، زانت الليل غرة القمر الطا ... لعِ فيه لم يشنها سوادهْ لما ذكر عمومَ الفساد في الناس والزمان ذكر أن ذلك الفساد لا يتعدى إليه وأنه سبب لأصلاحه كالقمر يطلع فيجلو سواد الليل ولا يشينه ذلك السواد كثر الفكر كيف نهدي كما أه ... دت إلى ربها الرئيسٍ عبادهْ والذي عندنا من المال والخي ... لِ فمنه هباتهُ وقيادهْ يقول أكثرت الفكر فيك كيف أهدي إليك شيئا كما يهدي العبيد إلى ربها وكل ما كان عندنا من المال والخيل فمن عندك وهبته وقدته إليّ وهذا من قول ابن الرومي، منك يا جنة النعيم الهدايا، أفنهدي إليك ما منك يهدى، فبعثنا بأربعين مهاراً ... كل مهرٍ ميدانه إنشادهْ المهار جمع مهر يقال مهر ومهار وأمهار والكثير مهار يعني أربعين بيتا من الشعر ميدانُ كلِّ بيت إنشاده إي إذا أنشد عرف قدره كما أن المهر إذا أجري في الميدان عرف جريه عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراهُ فيما يزادهُ أي الأربعين عدد عشته دعاء له بأن يعيش هذا العدد من السنين على ما عاشه وكان ابن العميد قد جاوز السبعين وناهز الثمانين في هذا الوقت والمعنى زاد الله في عمرك هذا العدد ثم قال والجسم لا يرى من أرب العيش فيما زاد على الأربعين ما كان يراه فيما دونه أي فلهذا اخترت هذا العدد فجعلت القصيدة أربعين بيتا فارتبطها فإن قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جيادهْ لما عبر عن الأبيات بالمهار عبر عن حفظها وإمساكها بالارتباط ليتجانس الكلام وقوله أن قلبا نماها يعني قلب نفسه يقول إن قلبا أنشأ هذه الأبيات وصنعها جياده تسبق جياد كل مربط وعني بالجياد الأبيات أيضا وورد على أبي الطيب كتاب أبي الفتح بن العميد يذكر سروره وشوقه إليه فقال إرتجالا بكتب الأنام كتاب وردْ ... فدت يد كاتبهِ كل يدْ يعبر عما له عندنا ... ويذكر من شوقهِ ما نجدْ أي ذلك الكتاب يعبر عن شوقٍ نجدهُ إليه أي إنا نشتاق إليه كما يشتاق هو إلينا ويذكر من شوقه إلينا ما نجده من الشوق إليه وروى ابن جنى لنا عنده فأخرق رائيه ما رأى ... وأبرق ناقده ما انتقدْ يقال خرق الظبي إذا فزع وتحير وكذلك خرق الرجل وأخرقه وبرق إذا تحير فشخص بصره وأبرقه غيره يقول الذي رأى هذا الكتاب حيره من رآه من حسن الخط والذي انتقد لفظه أبرقه ما انتقده من حسنه إذا سمع الناس ألفاظه ... خلقن له في القلوب الحسدْ أي ألفاظه تحدث له الحسد في القلوب فتحسده قلوبُ السامعين على حسن لفظه فقلت وقد فرس الناطقين ... كذا يفعل الأسدُ ابن الأسدْ جعل أحرازه خصل الفصاحة دون غيره من الناس كالفرس أي أنه وصل من الاستيلاء عليهم إلى مثل ما يصل إليه الأسد إذا فرس فريسته ولما وصفه بالفرس جعله أسدا في باقي البيت لأن الفرس من أفعال الأسد ولو خرس المتنبي ولم يصف كتاب أبي الفتح بن العميد بما وصف لكان خيرا له وكأنه لم يسمع قط وصف كلامس وأي موضعٍ للأخراق والأبراق والفرس في وصف الألفاظ والكتب هلا احتذى على مثل قول البحتري في قوله يصف كلام ابن الزيات، في نظام من البلاغة ما شك امرؤ أنه نظام فريد، وكلام كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد، مشرق في جوانب السمع ما يخلفه عوده على المستعيدِ، ومعانٍ لو فصلتها القوافي، هجنت شعر جرولٍ ولبيد، حزن مستعمل الكلام اختياراً، وتجنبن ظلمة التعقيد، أو هلا ربع على ظلعه فلم يكن معورا تبدو مقاتلهُ

стр. 373

وقال أيضا يودع ابن العميد عند مسيره إلى بلد فارس سنة ٣٥٤ نسيت وما أنسى عتاباً على الصد ... ولا خفراً زادت به حمرةُ الخد يقول نسيت كل شيء ولا أنسى ما جرى بيني وبينه من العتاب على الصدود ولا أنسى الذي غشيه عند العتاب من الحياء الذي ازدادت به حمرة وجهه وهم كثيرا ما يذكرون ما جرى بينهم وبين الحبيب عند التوديع كما قال الآخر، ولست بناسٍ قولها يوم ودعت، وقد رحلت أجمالنا وهي وقف، أأنت على العهد الذي كان بيننا، فلسنا وحق الله عن ذاك نصدف، فقلت لها حفظي لعهدك متلفي، ولولا حفاظ العهد ما كنت أتلف، ومثله كثير ومن روى نسيت بضم النون كان معناه نسيني الحبيب ولا أنسى ما جرى بيني وبينه من العتاب ونتائجه ولا ليلة قصرتها بقصورةٍ ... أطالت يدي في جيدها صحبة العقدِ المرأة القصيرة والقصور المحبوسة في خدرها الممنوعة من التصرف من القصر وهو الحبس وقد بين كثير تفسير القصيرة في قوله، وأنتِ التي حببتِ كل قصيرةٍ، إليَّ وما تدري بذاك القصائرُ، عنيت قصيراتِ الحجالِ ولم أرد، قصار الخطا شر النساء البحاترُ، يقول لا أنسى ليلةً قصرت عليّ لطيب صحبتي مع هذه القصيرة ومعانقتي إياها حتى طالت صحبة اليد للعقد في جيدها ومن لي بيومٍ مثل يوم كرهتهُ ... قربت به عند الوداعِ من البعدِ يقول من يكفل لي بأن يكون لي يومٌ كيوم الوداع الذي كرهته وإنما تمنى مثل ذلك اليوم لأنه قرب بعد بعده للتوديع وهم أبدا يتمنون مثل يوم التوديع لأن المودع يحظى بالنظر والتسليم كما قال آخر، من يكن يكره الوداع فإني، أشتهيه لعلةِ التسليم، إن فيه اغتناقةً لوداعٍ، وانتظار اعتناقةٍ لقدومِ، ويكأن قبلةٌ وغيبةث شهر، هي أجدى من امتناع مقيم، وقال أبو الطيب، ما زلت أحذر من وداعك جاهدا، البيت وأن لا يخص الفقد شيئا فإنني ... فقدت ولم أفقد دموعي ولا وجدي يقول ومن لي بأن لايكون الفقد مخصوصا فإنني فقدت الحبيب ولم أفقد البكاء ولا الوجد بتمنى أن يكون الفقد عموما لا خصوصا حتى إذا فقد الحبيب فقد الدموع والوجد أيضا تمن يلد المستهام بمثلهِ ... وإن كان لا يغنى فتيلا ولا يجدي يقول ما ذكرته هو تمن لا حقيقة له غير أن المستهام يلتذ بالتمني وإن كان ذلك لا ينفعه ولا يغني عنه شيئا كما قال الآخر، منى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى، وإلا فقدْ عشنا بها زمناً رغدا، وقال البحتري، تمنيت ليلى بعد فوتٍ وإنما، تمنيتُ منها خطةً لا أنالها، وقال آخر، وأعلم أن وصلك ليس يرجى، ولكن لا أقل من التمني، ويلذ بمعنى يلتذّ ويقال لذّ لي كذا أي طاب ولذذت كذا الذه لذا ولذاذةً التذذته التذه وهو لذ ولذيذ وملتذ والفتيل ما يكون في شق النواة يضرب مثلا للشيء الحقير وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القدِّ يقول ولي غيظ على الأيام يلتهب في الحشا التهاب النار ولكنه غيظ على ما لا يبالي بغيظي لأن الأيام لا تعينني ولا ترجع إلى مرادي وهو كغيظ الأسير على ما شد به من القدّ فإما تريني لا أقيمُ ببلدةٍ ... فآفةُ غمدي في دلوقي وفي حدي الدلوق سرعة أنسلال السيف وخروجه من الغمد يقال سيف دالق ودلقِ قال ابن جنى يقول إن الذي ترينه من شحوبي وتغيري إنما هو لمواصلتي السير والتطواف في البلاد لبعد همتي وتنائي مطلبي كالسيف الحاد إذا أكثر سله وأغماده أكل جفنه وليس مما ذكره شيء في البيت كل ذلك مما هجس له في خاطره فتكلم به وليس يكون الدلوق بمعنى السل والإخراج ولا للشحوب والتغير وبعد الهمة ذكر في البيت ولكنه يقول إن رأيتني منزعجا لا أقيم فإن ذلك لمضائي كالسيف الذي حدة حده تخرجه من غمده ونحو هذا قال ابن فورجة قال يعتذر من قلة مقامه في البلدان يقول وهذا من فعلي سببه أني كالسيف الحاد آكل جفني وأدلق منه يحل القنا يوم الطعان بعقوتي ... فأحرمهُ عرضي وأطعمه جلدي يقول إذا كان يوم الطعان أطعمت الرماح جلدي وجعلته وقايةً لعرضي يريد أنه إذا اصيب جلده بالطعن كان أهون عليه من أن يعاب عرضه بالهدرب وهذا من قول جهم بن شبل الكلابي، أخو الحرب أما جلدهُ فمجرحٌ، كليمٌ وأما عرضه فسليمُ، تبدل أيامي وعيشي ومنزلي ... نجائبُ لا يفكرن في النحس والسعدِ

стр. 374

يقول هذه النوق النجائب يمضين بين مصمماتٍ لا يلتفتن إلى نحس وسعد فلي بسيرها كل يوم منزل وعيش مبدل غير الذي كان بالأمس وكذلك المسافر له كل يوم منزل وأصحاب وأوجه فتيانٍ حياءً تلثموا ... عليهن لا خوفا من الحر والبردِ يريد بالفتيان غلمانه والحياء مما يوصف به الكرام يقول لشدة حيائهم ستروا وجوههم باللثام لا من الحر والبرد والمعنى وتبدل أيامي أوجه الفتيان أي أنا أبدا اسير على هذه الإبل في هؤلاء الغلمان وليس حياء الوجه في الذئب شيمةً ... ولكنه من شيمة الأسد الوردْ هذا مدح للحياء يقول الذئب الموصوف بالمعايب والخبث ليس الحياء من شيمته وإنما يوصف بالقحة فيقال أوقح ن ذئب ولكن الحياء من شيم الأسد وذلك أنه في طبعه كرما وحياء فيقال إن من واجهه واحد النظر في وجهه استحيا منه الأسد أن يفترسه والمعنى أن حياءهم ليس بمزرٍ بهم كما أنه لا يعيب الأسد حياؤه يصفهم بشدة الأقدام مع فرع الحياء إذا لم تجزهم دار قومٍ مودةٌ ... أجاز القنا والخوفُ خير من الودِّ قال ابن جنى يقول خافوا من عدو اعتصموا منه بالقنا قال ابن فورجة أين ذكر خوفهم العدو وأين لفظ الاعتصام وإنما يقول إذا لم يمكنهم أن يجتازوا على ديار بالمودة حاربوا فيها وجازوها هذا كلامه وهو على ما قال والمعنى أنهم إذا بلغوا في أسفارهم منازل قوم لم يكن بينهم وبين سكانها مودة اجازتهم رماحهم فلم يخافوا أهل تلك الناحية ثم قال وأن تخاف خير من أن تحب لأن من أطاعك خوفا منك فهو ابلغ طاعة ممن يطيعك بالمودة كما تقول العرب رهبوت خير من رحموت أي لأن ترهب خير من أن ترحم يحيدون عن هزل الملوك إلى الذي ... توفر من بين الملوك على الجد يقول هؤلاء الفتيان يجتنبون عن الهازل من الملوك يعني الذي يشتغل باللهو من الطراد وشرب الخمور ويأتون من توفر على الجد وترك الهزل يعني ابن العميد ومن يصحب اسم ابن العميد محمد ... يسر بين أنياب الأساود والأساد أي من أجرى ذكره على لسانه أمكنه السير بين أنياب الحيات والأسود لبركة اسمه يمر من السم الوحي بعاجز ... ويعبر من أفواههن على درد الوحي السريع والدرد جمع أدرد وهو الذي ذهبت أسنانه يعني أن السم السريع القتل لا يعمل فيمن يذكر اسمه ولا أنياب الأسود حتى كأنها درد كفانا الربيع العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعد يقول كفانا حداء العيس لأن الرعد قام لها مقام صوت الحادي فصار كأنه يحدو الإبل وهذا من بركة الممدوح إذا ما استجبن الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت في إناء من الورد

стр. 375

روى ابن جنى إذا ما استحين الماء فرواه كرعن بسبت وفسر أن الإبل استحيت الماء لكثرة عرض نفسه عليها ثم قال والسبت مشافرها للينها ونقائها قال يقول إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول فلكثرتها صارت كأنها تعرض أنفسها على الإبل فتشرب منها كأنها مستحيية منها لكثرة عرضها نفوسها عليها وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة ولكنه جرى مثلا وكرعن شربن واصله من ادخال أكارع الشاربة في الماء للشرب وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كأنه إناء من ورد هذا كلامه ومعنى البيت على روايته وتفسيره أنه يصف كثرة مياه الأمطار في طريقه وأنه أينما ذهب رأى الماء فكأنه يعرض نفسه على الإبل والإبل تستحي من ود الماء إذا كثر عرضه نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت والأرض قد انبتت الأزهار والأنوار فكأنها إناء لذلك الماء من الورد قال أبو الفضل العروضي ما أصنع برجل ادعى أنه قرأ هذا الديوان على المتنبي ثم يروي هذه الرواية ويفسر هذا التفسير وقد صحت روايتنا عن جماعة منهم محمد بن العباس الخوارزمي وأبو محمد بن أبي القاسم الحرضي وأبو الحسن الرخجي وأبو بكر الشعراني وعدة يطول ذكرهم رووا، إذا ما استجبن الماء يعرض نفسه، كرعن بشيب أن تترشف الإبل الماء وحكاية صوت مافرها عند شرب الماء شيب شيب ومنه قول ذي الرمة، تداعين باسم الشيب البيت هذا كلامه وليس ما قاله ابن جنى ببعيد عن الصواب والكرع في الماء بالسبت أحسن لأن مشفر الإبل يشبه في صحته ولينه بالسبت وهو جلود تدبغ بالقرظ ومنه قول طرفة، وخد كقرطاس الشآمي ومشفر، كسبت اليماني قده لم يحرد، يقول فتكرع فيه بمشافرها التي هي كالسبت وشيب صحيح في حكاية صوت المشافر عند الشرب ولكن لا يقال كرعت الإبل في الماء بشيب إذا شربته والسبت هاهنا أولى كأنا أرادت شكرنا الأرض عنده ... فلم يخلنا جو هبطناه من رفد أراد بالجو المتسع من الأرض والرفد العطاء يقول كل موضع نزلناه في طريقنا إليه أصبنا به ماء وكلأ وكأن الأرض أرادت أن نشكرها عنده تقربا إليه لنا مذهب العباد في ترك غيره ... وإتيانه نبغي الرغائب بالزهد يقول لنا في ترك غيره من الملوك وإتيانه مذهب الزهاد الذين يزهدون في الدنيا لينالوا أكثر مما تركوا وأبقى في الآخرة كذلك نحن إنما تركناهم وأتيناهم وأتيناه لعلمنا إنا نصيب منه أكثر مما نصيب من سواه فنحن نطلب الرغائب بزهدنا في غيره رجونا الذي يرجون في كل جنة ... بأرجان حتى ما يئسنا من الخلد أي رجونا عنده من النعم ما يرجو العباد في الجنة أي أنه محقق رجاء من يرجوه فلثقتنا برجائنا نرجوا ببلده ما يرجوه العباد في الدنان حتى ما يئسنا من الخلود وإنما قال هذا لانه جعل بلدته أرجان كالجنة والجنة موعودٌ فيها الخلود ولما كانت بلدته كالجنة رجونا فيها الخلود تعرض للزوار أعناقُ خيلهِ ... تعرض وحشٍ خائفاتٍ من الطردِ يعني أ، خيله تهاب زواره لأنه يهبُها لهم فهي كوحش خافت طردا من الصائد تتعرض لهم على خوفٍ ونفارٍ وتلقى نواصيها المنايا مشيحةً ... ورود قطاً صمٍّ تشايحن في وردِ يقول وتلقى المنايا خيله مجدةً مسرعةً كما ترد القطا الماء إذا أسرعت في الورود وجعلها صما كيلا تسمع شيئا تتشاغل به عن الطيران فيكون أسرع لها ومنه قول ذي الرمة، ردي ردي ورد قطاةٍ صمآ، كدريةٍ أعجبها وردُ الما، والمشيحة المجدة ومنه قول القائل، وإقدامي على الغمراتِ نفسي، وضربي هامةَ البطلِ المشيحِ، وتنسبُ أفعالُ السيوفِ نفوسها ... إليه وينسبن السيوفُ إلى الهندِ

стр. 376

يقول ابن جنى وذلك أن أفعال السيوف أشرف من السيوف فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته وينسبن السيوفُ إلى الهند ألا ترى أنه يقال سيف هندي وسيف يمانٍ وفعل السيف أشرف منه كذلك أنت أشرف من الهند قال ابن فورجة قد غلط حتى لا أدري أي أطراف كلامه أقرب إلى المحال ولم يجرِ ذكر للتشبيه وإنما يقول إنها تنسب أفعالها إيه أي تقول هذه الضربة العظيمة من فعله لا من فعلنا وهذا كقوله، إذا ضربت بالسيف في الحرب كفه، البيت والمعنى أنها نسبت الفعل إلى كفه ونسبت السيوف إلى الهند وهذا معنى لطيف يقول أن ضربة السيف العظيمة تنسب نفسها إليه لأنها حصلت بقوته وتنسب السيف أيضا إلى الهند لأنها دلت على جودة عمله فالضربة قد دلت على قوة الضارب ودلت على جودة السيف وليس في هذا أ، هـ أشرف من الهند وكل ما قاله أبو الفتح في تفسير هذا البيت هذر محالٌ انتهى كلامه وقد أحسن في هذا التفسير غير أنه لم يبين كيفية هذا النسب والمعنى أن الضربة بجودتها تدل على أنها حصلت بكف الممدوح فالدلالة هي نسبة نفسها إليه ودلت أيضا على أنها حصلت بسيف هنديّ أي قد اجتمع فيها قوة اليد وجودة النصل إذا الشرفاء البيض متوا بقتوهِ ... أتى نسبٌ أعلى من الأب والجدِّ الشرفاء جمع شريف والبيض السادة الكرام ومتوا تقربا يقال فلان يمت إلى فلان بحرمة وقرابة والقتو الخدمة يقال قتا يقتو قتوا ومقتًى وينسب إليه فيقال مقتوى والجماعة مقتويون ويجوز حذف التشديد فيقال مقتوون ومنه قول عمرو، متى كنا لأمك مقتوينا، وهذا كقوله تعالى على بعض الأعجمين يقول إذا تقرب الكرام إليه بخدمته حصل لهم نسبٌ أعلى من نسب الأب والجد أي صاروا بخدمته أعز منهم بأبيهم وأمهم فتًى فاتتِ العدوى من الناسٍ عينهُ ... فما أرمدت أجفانهُ كثرةُ الرمدِ أي سبقت عينه العدوى فلم يعدها الرمد وهذا مثلٌ يقول لم يتعد إلى عينه عمى الناس عن دقائق الكرم يقول الناس عميٌ وأنت فيما بينهم بصيرٌ فلا يعديك عماهم يريد أن عيوب الناس لم يتعد إليه وقد بين هذا فقال وخالقهم خلقا وموضعا ... فقد جل أن يعدي بشيء وأن يعدي أي هو أجل من أن يعدي بشيء مما في الناس وأن يعدي هو أيضاً لأن الناس لا يغلبون مرتبة من الفضل فلا يقدرون على أخذ أخلاقه فهو إذاً لا يعدي أحد ما فيه من الأخلاق والشريعة ولذلك خالفهم فيها. يغير ألوان الليالي على العدى ... بمنشورةٍ الراياتِ منصورةِ الجندِ يغير على أعدائه الوان الليالي وهي مظلمةٌ فيصيرها مشرقةً ببريق سلاح عساكره التي هي منشورة الرايات منصورة الجند إذا أرتقبوا صبحاً رأوا قبل ضوئهِ ... كتائب لا يردي الصباحُ كما تردى الرديان ضرب من العدو والمعنى أن عساكره يأتون أعداءهم قبل الصبح ويسرعون إليهم إسراعا لايسرعه الصبح ومبثوثةً لاتتقي بطليعةٍ ... ولايحتمي منها بغورٍ ولا نجدِ ورأوا كتائب متفرقةً في كل ناحية لا يمكنهم أن يتقوها بالطلائع ولا أن يحترزوا منها بمنخفضٍ من الأرض أو عالٍ منها يغصن إذا ما عدن في متفاقدٍ ... من الكثر غانٍ بالعبيدِ عن الحشدِ روى ابن جنى يغضن أي يدخلن من غاض الماء في الأرض هذا تفسيره والأولى على هذه الرواية أن يفسر يغضن بالنقصان فيقال ينقصن وغاض الماء معناه نقص وإن لم يكن نقصانه بالدخول في الأرض وروى غيره يغصن من الغوص وهو الدخول في الشيء والمتفاقد الذي يفقده بعضه بعضا لكثرتهم والتفافهم كما قال الآخر، بجمعٍ تضل البلق في حجراته، وغانٍ بمعنى مستغنٍ والحشد الجمع يقول سراياه إذا عادت إلى معظم جيشه الذي يفقد فيه الشيء فلا يوجد والمستغني بعبيد الممدوح عن أن يجمع الرجال الغرباء إليه نقصت وقلت كثرتها أي بالقياس إلى المعظم والإضافة إليه يريد أن هذا الجيش الكثير كلهم عبيد الممدوح ليس أوباشا اخلاطا حثت كل أرضٍ تربةً في غباره ... فهن عليه كالطرائق في البردِ يقول جيشه لبعد من يسافر ويغزو يمر بأمكنةٍ مختلفٍ ترابها فيثير نقع كل مكان فتختلف الوان غباره حتى تصير تلك الالوان كطرائق البرد منها أسود ومنها أحمر ومنها أبيض ومنها أصفر فإن يكن المهدي من بان هديهُ ... فهذا وإلا فالهدي ذا فما المهدي

стр. 377

يقول إن كان المهدي في الناس من ظهر سمته وصلاحه وهذاه فهذا الذي نراه هو المهدي الموعود يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وإن لم يكن هذا هو الموعود فما نراه نحن من طريقته وسيرته هدًى كله فما معنى المهدي بعد هذا يعللنا هذا الزمان بذا الوعد ... ويخدع عما في يديه من النقدِ يقول الزمان يعدنا خروج المهدي فيعللنا بوعدٍ طويلٍ ويخدعنا عما عنده من النقد بالوعد يعني أن الممدوح هو المهدي نقدا حاضرا وما ينتظر خروجه وعدٌ وتعليلٌ وخداعٌ ثم أكد هذا الكلام فقال هل الخير شيء ليس بالخيرِ غائبٌ ... أم الرشد شيء غائبٌ ليس بالرشدِ يقول لا ينبغي أن يعتقد في الخير والرشد الحاضرين أنهما ليسا بخير ولا رشدٍ كذلك لا ينبغي لك أن يقال ليس ابن العميد المهديَّ والمهدي غيره وهذا استفهام معناه الإنكار أأحزم ذي لبٍّ وأكرم ذي يدٍ ... وأشجع ذي قلبٍ وأرحمَ ذي كبدِ أراد يا أحزم لبٍّ وحقه أن يقول ذوي اللب إلا أنه أجرى قوله مجرى من أي يا أحزم من له لبٌّ ومن لفظه لفظ الواحد وأحسن معتمٍّ جلوساً وركبةً ... على المنبرِ العالي أو الفرسِ النهدِ أراد وأحسن معتم جلوسا على المنبر وركبةً على الفرس النهد وهو العالي قال ابن جنى شبه إرتفاع مجلسه بالمنبر لا أنه كان ذا منبر خطيبا في الحقيقة قال ابن فورجة ظن أبو الفتح أن الخطبة عيبٌ بالممدوح وإزراءق به وما ضر ابن العميد أن يدعى له المتنبي أنه يصعد المنبر فيخطب قومه كما يفعل الخليفة والإمامِ تفضلت الأيامُ بالجمعِ بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمدِ يقول لما حمدنا الأيام بالإجتماع معك لم تدم لنا ذلك الحمد لأنها أحوجت إلى الرحيل والإنصراف عنك جعلن وداعي واحداً لثلاثةٍ ... جمالك والعلمِ المبرحِ والمجد العلم المبرح التام العزيز وقال أبو الفتح هو الذي يكشف عن الحقائق من قولهم برح الخفاء أي أنكشف الأمر هذا قوله ولم يصف أحدٌ العلم بالتبريح غير أبي الطيب إنما يقال وجد مبرح ويستعمل فيما يشتد على الإنسان والمعنى أنه يودع بوداع الممدوح هذه الأشياء وقد كنتُ أدركتُ المنى غير أنني ... يعيرني أهلي بإدراكها وحدي أي أدركت من الغنى ونيل المراد من الدنيا ما كنت أتمناه وإذا أنفردت به دون أهلي ولم أرجع إليهم عيروني بالإنفراد بذلك وكل شريكٍ في السرور بمصبحي ... أرى بعدهُ من لا يرى مثله بعدي روى ابن جنى بمصبحي وهو بمعنى الإصباح يقول كل من شاركني في السرور بمصبحي عنده إذا اعتدت إليه من أهلي وغيرهم ورأى ما أوتيته أرى بعده منك يا ابن العبيد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه لأنه لا نظير لك في الدنيا فجد لي بقلبٍ أن رحلتُ فإنني ... أخلف قلبي عند من فضلهُ عندي يريد أنه يرتحل عنه ويخلف قلبه عنده لحبه إياه بكثرة إنعامه عليه ولو فارقت جسمي إليك حيوتهُ ... لقلتُ أصابت غير مذمومةِ العهدِ يقول لو أن نفسي فارقت حيوتها وآثرتك على الحيوة لم أنسبها إلى سوء العهد قال يمدح أبا شجاع عضد الدولة فانخسرو أوهِ بديلٌ من قولتي واها ... لمن نأت والبديلُ ذكراها أوه كلمة التوجع قال، فأوهِ لذكراها إذا ما ذكرتها، ومن بعد أرضٍ بيننا وسماء، وواها كلمةُ التعجب والاستطابة ومن قول أبي النجم، واهاً لريا ثم واهاً واها، يقول كنت أتعجب من طيب وصالها فصرت أتوجع الآن لفراقها وصار التأوه بدلا من التعجب وقوله لمن نأت أي لأجلها صار هذا بديلا من ذلك وقوله والبديل ذكراها يقول ذكرى إياها صار بدلا لي منها بعد أن فارقتني ويجوز أن يكون المعنى أن هذا البدل الذي هو التوجع ذكرى لها أي كلما ذكرتها توجعت وقلت أوهِ أوه من لا أرى محاسنها ... وأصل واها وأوهِ مرآها يقول أتوجع لفقد النظر إلى محاسنها ولو لم أرها ما كنت أتعجب منها ولا كنت أتوجع لها أي إنما أتاني هذان بسبب رؤيتها شاميةٌ طالما خلوت بها ... تبصرُ في ناظري محياها هذا يحتمل معنيين أحدهما أنه يريد فرط قربها منه حتى أنها منه بحيث ترى وجهها في ناظره وهذا عبارةٌ عن غاية القرب والآخر أنه أراد حبها إياه فهي تنظر إلى وجهه وتدنو منه لحبه حتى ترى وجهها في ناظره

стр. 378

فقبلت ناظري تغالطني ... وإنما قبلت به فاها يقول قبلت مرآة عيني وغالطتني بذلك التقبيل لأنها أرتني أنها تقبلني وهي كانت تقبل فاها لأنها كانت ترى فمها في ناظري فليتها لا تزال آويةً ... وليتهُ لا يزال مأواها يقول ليت ناظري مأواها أبدا وليتها لا تزال تأوى إلى ناظري وهذا يحتمل وجيهن أحدهما أنه تمنى القرب الذي ذكر والآخر أنه يرضى بأن يكون بصره مأواها من حبه إياها يقول لو أوت إلى ناظري فاتخذته مأوًى لها كان ذلك مناي وروى ابن جنى آويةُ ثم احتج للتذكير واحتال والرواية على التأنيث كل جريحٍ ترجى سلامتهُ ... إلا فؤادا دهته عيناها دهته اصابته يقول من أصابته بعينها فتيمته لم ترج سلامته تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطرٍ برقهُ ثناياها قال ابن جنى دل بهذا على أنها كانت مكبةً عليه وعلى غاية القرب منه قال ابن فورجة أيظنها وقعت عليه تبكي حتى سال دمعها عليه ومعنى البيت أن دموعي كالمطر تبل خدي أي كلما ابتسمت بكيت فكان دمعي مطرٌ برقه بريق ثناياها إذ كان بكائي في حال ابتسامها كقوله أيضا، ظلت أبي وتبسمُ وكقول غيره، أبكي ويضحك من بكاي ولن ترى، عجبا كحاضر ضحكه وبكائي، ونحو هذا قول الخوارزمي، عذيري من ضحكٍ غدا سبب البكا، ومن جنةٍ قد أوقعت في جهنمِ، ما نفضت في يدي غدائرها ... جعلتهُ في المدام أفواها أفواه الطيب أخلاطه واحدها فهو يريد أن غدائرها لكثرة ما استعملت فيها الطيب ينتفض منها الطيب يقول ما نفضته غدائرها في يدي طيبت به المدام في بلد تضرب الحجال به ... على حسان لسن أشباها يقول هي في بلد الحسان المحبوسات في الحجال كثيرة بذلك البلد ولسن أشباها لهذه لأنها تفضلهن في الحسن والجمال ويجوز أن يكون المعنى أن كل واحدة منهن منفردة من الحسن بما لا يشاركها فيه غيرها فلا يشبه بعضهن بعضا لقيننا والحمول سائرة ... وهن در فذبن أمواها يقول هؤلاء الحسان لقيننا وقد سارت الركاب وهن لرقتهن وضيائهن در فصرن سرابا لما بعدن عنا وقال ابن جنى أي أجرين دموعا أسفا علينا وقال غيره سرن في البوادي سائرة ويجوز أن يكون المعنى غبن عنا فإن الدر جامد والذوب يسيله كل مهاة كأن مقلتها ... تقول إياكم وإياها كل امرأة مهاة في الحسن وكأن مقلتها تقول للناظرين إليها احذروا أن تصيدكم وتسبيكم والمعنى أنها مهاة صائدة لا مصيدة فيهن من تقطر السيوف دما ... إذا لسان المحب سماها يقول فيهن من هي منيعة لا يقدر العاشق على أن يذكرها ولو ذكرها لقطرت السيوف دما لكثرة من يمنعها بسيف أحب حمصا إلى خناصرة ... وكل نفس تحب محياها يقول أحب ما بين هذين المكانين فكل تحب مكان حيوتها وحيث نشأت به حيث التقى خدها وتفاح لب ... نان وثغري على حمياها أي حيث اجتمعت لي هذه الطيبات خد الحبيب وتفاح الشأم وشرب المدام على هذين وصفت فيها مصيف بادية ... شتوت بالصحصحان مشتاها يقول أقمت بها صيفا كصيف البدويين وأقمت بالصحصحان شتاء كشتاء أهل البادية أي على رسم أهل البدو في الصيد وما ذكر بعده إن أعشبت روضة رعيناها ... أو ذكرت حلة غزوناها هذا البيت تفسير للذي قبله يقول إذا أعشبت مكان رعينا ذلك المكان كعادة أهل البادية في تتبع مساقط الغيث وإذا ذكر لنا قوم حلوا بمكان غزوناهم وأغرنا عليهم والحلة أسم لأبيات وجماعة نزلوا بمكان حي حلال وهي جمع حلة أو عرضت عانة مقزعة ... صدنا بأخرى الجياد أولاها العانة القطيع من الحمر والمقزعة المفرقة التي كالقزع وهي قطع السحاب يقول إذا ظهر لنا قطيع من حمر الوحش صدنا بآخر خيلنا أولاها يريد أن خيلهم سريعة تلحق آخرها أول القطيع والمقزعة رواية ابن جنى وقال ابن فورجة الذي رواه الناس مفزعة بالفاء يعني إنها قد فزعت فهو أخف لها وأشد على قابضها أو عبرت هجمة بنا تركت ... تكوس بين الشروب عقراها الهجمة من الإبل ما بين السبعين إلى ما دونها والكوس المشي على ثلث قوائم يقول إذا مر بنا قطيع من الإبل عرقبناها للنحر فتركناها تمشي بين الشاربين معرقبة والخيل مطرودة وطاردة ... تجر طولي القنا وقصراها

стр. 379

يعني أنها في مطاردة الفرسان بعضها مطرود وبعضها طارد وفي لعبهم بالرماح تجر الطويلة منها والقصيرة والطولى تأنيث الأطول والقصرى تأنيث الأقصر يعجبها قتلها الكماة ولا ... ينظرها الدهر بعد قتلاها أخبر عن الخيل وأضاف القتل إليها وهو يريد أصحابها والمعنى يعجب فرسان الخيل قتلهم الكماة ولا يلبثون أن يقتلوا بعدهم لكثرة المغاورة وفشو الحرب وطلب الثار قال ابن فورجة يقول لو كان قتل الأعداء بعده بقاء لكان من النعم المغبوطة لكن الدهر لا ينظر القاتل بعد القتيل وأجاز ابن جنى أن يكون المعنى على الأخبار عن الخيل على معنى يعجب خيلنا قتل الكماة قال والخيل تعرف كثيرا من أغراض صاحبها لأنها مؤدبة معلمة فجاز أن توصف بهذا وقوله ولا ينظرها الدهر بعد قتلاها قال لأنه إذا قتل الفارس عقرت الخيل بعده وهذا ليس بشيء لأنه يريد بقتلاها من قتلته وقتله أصحابها فهو يريد خيل القاتلين لا خيل المقتولين والمعنى أن أصحابها يميتونها بالتعب ويهلكونها بكثرة الركض بعد الذين قتلوهم فلا بقاء لها بعدهم وقد رأيت الملوك قاطبةً ... وسرت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته ... يأمرها فيهم وينهاها يقول رأيت الملوك كلهم بأجمعهم وسرت في الأرض وسافرت حتى رأيت أعظمهم الذي يحيى من شاء منهم ويميت من شاء ومناياهم بكفه يصرفها فيهم كيف شاء أبا شجاع بفارسٍ عضد ال ... دولة فناخسرو شهنشاها أسامياً لم تزده معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها نصب أساميا بفعل مضمر كأنه قال ذكرت أساميا يعني ما ذكر قبل هذا البيت قال ابن جنى وهذا كلام النحويين في أحد ضربي الوصف تناوله منثورا فنظمه وذلك أنهم يقولون إنما يذكر الوصف للاسم أما للايضاح كي يتميز عن غيره أو للاطناب والثناء كولك زيدٌ الظريف تخصيص له من غيره وتمييز وقولنا بسم الله الرحمن الرحيم ثناء واطناب ولم نذكره للتمييز كذلك قوله أساميا قال إنما ذكرته استلذاذا للثناء عليه لا لأميزه بها عن غيره تقود مستحسن الكلام لنا ... كما تقود السحاب عظماها يقول هذه الأسامي محمولة على المعاني فهي ترجمتها تقود إذا ذكرت ما وضعت له فيحسن الكلام بها ويجوز أن يريد بقودها مستحسن الكلام أنها سبقت إلى الذكر فهي مقدمة معانٍ أذكرها بعد وأصفه بها كما يقود معظم السحاب الباقي هو النفيس الذي مواهبهُ ... أنفس أمواله وأسناها لو فطنت خيله لنائلهِ ... لم يرضها أن تراه يرضاها لو علمت خيله جوده لم ترض بأن يرضاها الممدوح لأنه إذا رضيها وهبها لزائريه فتفارق مربطه لا تجد الخمر في مكارمهِ ... إذا انتشى خلةً تلافاها يقول هو قبل الشرب متكرم بالبذل والعطاء فلا يزيد تكرمه بشرب الخمر وليست في مكارمه خلة تتلافاها الخمر وأول هذا المعنى لعنترة حيث يقول، وإذا صحوت فما أقصر عن ندى، وكما علمت شمائلي وتكرمي، وقريب من هذا قول زهير، أخو ثقةٍ لا تهلك الخمر ماله، ولكنهُ قد يهلك المال نائلهْ، وقول أبي نواس، فتًى لا تلوك الخمر شحمة مالهِ، ولكن أيادٍ عودٌ وبوادي، وقول البحتري، تكرمت من قبل الكؤوس عليهم، فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما، وألم الصابي بقول المتنبي فقال في بعض محاوراته ولقد آتاه الله في اقتبال العمر جوامع الفضل وسوغه في عنفوان الشباب محامد الإستكمال فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدى وثلمةً تسدها بمزايا الحنكة. تصاحب الراح أريحيته ... فتسقط الراح دون أدناها الأريحية النشاط للكرم والجود يقول إذا اجتمعت الراح مع نشاطه للجود فأدنى أريحيته تجلب من السخاء ما لا تجلبه الراح أراد أن فعل أريحيته فوق فعل الراح فلا تطيق الراح أن تسامي أريحيته فإذا سامتها سقطت دونها تسر طرباته كرائنه ... ثم تزيل السرور عقباها أي إذا طرب عند الشرب سر طربه جواريه المغنية ثم عاقبة طربه تزيل سرورهن وذلك أنه يهبهن المال ثم لا تزال به أريحية الجود حتى تهب الجواري أيضا ويزول ملكه عنهن وذلك زوال سرورهن والكرينة الجارية المغنية وجمعها الكرائن بكل موهوبة مولوية ... قاطعة زيرها ومثناها يزيل سرورهن بكل جارية قد وهبها وهي تولول حزنا على فراقه وتقطع أوتار العود غضبا لزوال ملكه عنها

стр. 380

تعوم عوم القذاة في زبد ... من جود كف الأمير يغشاها هذه الموهوبة في جملة ما يهب كالقذاة في بحر مزبد يعلوها ويغلبها سائر ما وهب كما يعلو القذاة الزبد وتعوم فيه وروى ابن جنى زبد وهو الكثير الزبد لكثرة مائه جعل هذه الجارية في جملة ما يهب كالقذاة في بحر مزبد دان له شرقها ومعربها ... ونفسه تستقل دنياها يعني شرق الدنيا ومغربها يقول إطاعة أهل الشرق والغرب ونفسه تستقل جميع الدنيا وكذا كان يقول عضد الدولة سيفان في غمد محال يعني أن الدنيا يكفي فيها ملك واحد وكان يقصد أن يستولي على جميع الأرض تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها يقول إذا وضع التاج على رأسه أشرق تاجه بإشراق وجهه كما تشرق ألفاظه بمعانيها تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها استعار للزمان فؤادا لما ذكر فؤاد الممدوح والزمان أوسع شيء يقول إحدى هممه تملأ الزمان فإذا امتلأ الزمان بإحداها لم يظهر باقي هممه إلا أن يقع اتفاق كما ذكر في قوله فإن أتى حظها بأزمنة ... أوسع من ذا الزمان أبداها يوق إن أتى بخت هممه بزمان أوسع مما ترى أبدى تلك الهمم وهذا كقوله، ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك، وصارت الفيلقان واحدة ... تعثر أحياؤها بموتاها قال أبو الفتح أي شن الغارة في جميع الأرض فخلط الجيش بالجيش حتى تصير لاختلاطهما كالجيش الواحد قال أبو علي ليس أبو الطيب في ذكر الغارة وشنها وإنما يقول قبله بيتين في قلبه همم إحداها أعظم من فؤاد الزمان فهو لا يبديها لأنه لا يجد زمانا يسعها فإن قضى لها وجاء حظها وبختها بأزمنة أوسع من هذا الزمان حينئذ أظهر تلك الهمم واجتمع أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة فصارا شيئا واحدا وضاقت الأرض بهم حتى عثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس ومثل هذا في ذكر الزحمة قوله أيضا، سبقنا إلى الدنيا البيت وأنث الفيلق على إرادة الكتيبة والجماعة ودارت النيرات في فلك ... تسجد أقماره لأبهاها لم يأت ابن جنى ولا ابن فورجة في هذا البيت بشيء يفهم أو يتحصل والمعنى أنه يريد بالنيرات والأقمار ملوك الدنيا إذا عادوا واجتمعوا في زمان واحد كما ذكر فيما قبل وأراد بأبهاها عضد الدولة ومعنى سجود الأقمار خضوع الملوك له فحينئذ يبدي هممه الفارس المتقي السلاح به ال ... مثني عليه الوغا وخيلاها يقول هو الفارس الذي يتقي جيشه به سلاح الأعداء أي يقدمونه إليهم كما يروى في الحديث عن علي بن أبي طالب رضه قال كنا إذا احمر الباس اتقينا برسول الله ﷺ فكان أقربنا إلى العدو لو أنكرت من حيائها يده ... في الحرب آثارها عرفناها يقول لو أن يده أنكرت جراحاتها لعرفنا إنها من آثار يده لأن غيره لا يقدر على مثلها وهذا إخبار عن اليد والمراد به صاحب اليد لا توصف بالإنكار ولا الحياء وكيف تخفى التي زيادتها ... وناقع الموت بعض سيماها المراد بالزيادة هاهنا السوط وهو مأخوذ من قول المرار، ولم يلقوا وسائد غير أيدٍ، زيادتهن سوط أو جديل، يقول كيف تخفى اليد التي سوطها يقتل به فكيف سيفها والناقع الثابت ويقال سم ناقع إذا كان ثابتا في نفس شاربه حتى يقتله والمعنى كيف تخفي آثار يدٍ سوطها والموت به من علاماتها يعني أنه من ضربه بسوطه قتله الواسع العذر أن يتيه على ال ... دنيا وأبنائها وماتاها يقول لو تاه على الدنيا وتكبر على أهلها لكان له العذر لبيان مزيته عليه ولكنه لم يفعل ذلك كما قال الآخر، وما تزدهينا الكبرياء عليهم، إذا كلمونا أن نكلمهم نزرا، لو كفر العاملون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها يقول لو لمتشكر نعمته وقوبل إنعامه بالكفران لم يدع الجود ولا تركت نفسه سجيته لأنه مطبوع عليها وليس يعطي للشكر حتى إذا لم يشكر قطع العطاء كما قال بشار، ليس يعطيك للرجاء ولا الخوف، ولكن يلذ طعم العطاء، كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منعفةً عندهم ولا جاها ضرب له المثل بالشمس فإن أكثر منافع الدنيا منها تحصل ثم هي لا تبتغي بصنعها منفعة عند الناس ولا جاها وذلك أنها مسخرة لتلك المنافع كذلك هو مطبوع على الجود والكرم ولِّ السلاطين من تولاها ... والجأ إليه تكن حدياها

стр. 381

حديا الشيء ما يكون متحديا له معارضا مباريا يقول هو حديا الناس أي معارضٌ لهم ومنه قول عمرو، حديا الناس كلهم جميعا، مقارعةً بينهم عن بنينا، يقول كل أمر الملوك إلى من يتولاهم أي لا تخدمهم ودعهم ومن يتولاهم ويخدمهم ويواليهم والجأ إلى الممدوح تكن مثل السلاطين والملوك وهذا مأخوذ من قول بعض الواعظين يا عبد الله صانع وجها واحدا تقبل عليك الوجوه كلها وروى حذياها بالذال على تصغير قولهم هو حذاء فلان إذا كان بإزائه والمعنى تكن بإزآء السلاطين أي مثلهم ولا تغرنك الإمارة في ... غير أمير وإن بها باها يقول لا تعتقد الإمارة في غير وإن كان يباهي بها فإنما الملك رب مملكةٍ ... قد فغم الخافقين رياها يقال قد فغمته الرائحة إذا ملأت خياشيمه يعني أن ذكر مملكته قد ملأ الدنيا شرقا وغربا فهو الملك على الحقيقة مبتسمٌ والوجوه عابسةٌ ... سلمُ العدى عنده كهيجاها يعني أنه لا يبالي بعدوه احتقارا له وثقةً بقوته وشجاعته فإذا كان الوجوه عابسةً لشدة الحال وضيقِ الأمر كان هو مبتسما والحرب والصلح من الأعداء عنده سواء الناس كالعابدين آلهةً ... وعبدهُ كالموحد اللاها يعني بعبده نفسه يقول خدمتي مقصورةٌ عليه فإنا في خدمته كمن يعبد الله لا يشرك به ولا يرجو غيره ومن خدم سواه لم تنفعه تلك الخدمة كالذين يعبدون الهةً من دون الله تعالى وقال يمدحه ويذكر في طريقه إليه شعبَ بوانَ مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان يريد شعب بوان وهو موضعٌ كثير الشجر والمياه يعدّ من جنان الدنيا كنهر الأبلة وسعد سمرقند وغوطة دمشق يقول منازل هذا المكان في المنازل كالربيع في الأزمنة يعني أنها تفضل سائر الأمكنة طيبا كما يفضل الربيع سائر الأزمنة ولكن الفتى العربيَّ فيها ... غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ يعني بالفتى العربي نفسه يقول أني بها غريب الوجه لا أعرف وغريب اليد لأن سلاحي الرمح ويدي تستعمل الرمح وأسلحة أهلها الرايات والمزاريق فهم يستعملون هذه الأسلحة وغريب اللسان لأن لغتي العربية وهم عجم لا يفصحون ويجوز أن يريد بغربة الوجه أنه أسمر اللون وغالب الوان العرب السمرة وأهل الشعب شقر الوجوه وغريب اليد لأنه يكتب بالعربية وهم يكتبون بالفارسية ملاعب جنةٍ لو سار فيها ... سليمانٌ لسار بترجمان جعل الشعب لطيبه وطرب أهله ملاعب وجعل أهله جنةً لشجاعتهم في الحرب والعرب إذا بالغت في مدح شيء نسبته إلى الجن كقول الشاعر، بخيلٍ عليها جنةٌ عبقريةٌ، وأخبر أن لغتهم بعيدة عن الإفهام حتى لو أن سليمان أتاهم لاحتاج إلى من يترجم له عن لغتهم مع عمله باللغات وفهمه قول الحكل طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وإن كرمن من الحرانِ يقال طباه يطبيه ويطبوه طيبا وطبوا وأطباه إذا دعاه ومنه قول كثير، له نعل لا يطبى الكلب ريحها، والحران في الدواب أن تقف ولا تبرح المكان يقول هذه المغاني استمالت فلوبنا وقلوب خيلنا بخصبها وطيبها حتى خشيت عليها الحران وإن تقف بها فلا تبرح عنها ميلا إليها وإن كانت خيلنا كريمةً لا يعتريها هذا الداء غدونا تنفض الأغصان فيها ... على أعرافها مثل الجمانِ الجمان خرز من فضة يشبه اللآلىء يريد أنه إذا سار في شجر هذا المكان وقع من خلل الأغصان على أعراف خيله مثل الجمان من ضوء الشمس فكأن الأغصان تنفضه على أعرافها فسرت وقد حجبن الشمس عني ... وجبن من الضياء بما كفاني يريد أنه كان يسير في ظل الأغصان وإنها تحجب عنه حر الشمس وتلقى عليه من الضياء ما يكفيه وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنانِ قال أحمد بن يحيى الشرق الشمس يقال طلع الشرق ولا غاب الشرق شبه ما يتساقط عليه من ضوء الشمس بدنانير لا يمكن مسها باليد لها ثمرٌ تشير إليك منها ... بأشربةٍ وقفن بلا أواني يريد أن ثمارها رقيقة القشر فهي تشير إلى الناظر بأشربةٍ واقفةٍ بلا إناء لان ماءها يرى من وراء قشرها وهذا منقول من قول أبي تمام، يخفى الزجاجة لونها فكأنها، في الكف قائمةٌ بغير إناء وأمواه تصل بها حصاها ... صليلَ الحلي في أيدي الغواني

стр. 382

بها أي بتلك الأمواه يعني بجريتها وروى ابن جنى لها أي لأجلها يعني لأجل جريتها ولو كانت دمشق ثنى عناني ... لبيق الثرد صيني الجفانِ يقول لو كانت هذه المغاني الطيبة دمشق لثنى عناني إليه رجلٌ ثريده ملبق وجفانُه صينية يعني لاضافني هناك رجل ذو مروة يحسن إلى الضيفان لأنها من بلاد العرب وشعب بوان من بلاد العجم وحمل ابن جنى قوله لبيق الثرد على الممدوح قال يقول لو كانت هذه المغاني كغوطة دمشق لرغبت عنها وملت إلى الممدوح وليس الأمر على ما قال فإن البيت ليس بمخلص ولم يذكر الممدوح بعد والمعنى أنه يبين فضل دمشق وأهلها وأحسانهم إلى الضيفان وخص دمشق من سائر البلاد لأن شعب بوان مضاهٍ لغوطى دمشق في الطيب وكثرة النبات والأشجار ويقول شيء لبيق ولبق والثرد جمع ثريد وروى ابن جنى بفتح الثاء على المصدر وقال يريد به الثريد يلنجوجي ما رفعت لضيفٍ ... به النيران ندى الدخانِ يريد أنهم يوقدون النار للأضياف باليلنجوج وهو العود الذي يتبخر به ودخانها ندىٌّ يشم منه رائحة الند أي هو يلنجوجي الذي ترفع به النار كما قال صيني الجفانِ تحل به على قلبٍ شجاعٍ ... وترحلُ منه عن قلبٍ جبانِ قال أبو الفتح يقول يسر بأضيافه فتقوى نفسه بالسرور فإذا رحلوا عنه اغتم قال أبو عليّ بن فورجة كأنه يظن انهما قلبا عضد الدولة ولو أراد ما قال لقال تحل به على قلبٍ مسرورٍ وترحل منه عن قلبٍ مغمومٍ فإما الشجاعة والجبن فلهما معنىً غير ما ذهب إليه وإنما يريد أنك إذا حللت به كنت ضيفا له وفي ذمامه فإنت شجاعُ القلب لا تبالي بأحد وتفارقه ولا ذمام لك فأنت جبان تخشى منا لقيك ومثله له، ون نفوسا أممتك منيعةٌ، البيت فالقلبان في البيت قلبا من يحل به ويرحل عنه هذا كلامه ويجوز أن يكون القلبان للمضيف على غير ما ذكره ابن جنى يقول تحل به أنت أيها الرجل على قلب شجاع جرى على الأطعام والقرى غير بخيل لأن البخل جبن وهو خوف الفقر وترحل منه عن قلبٍ جبانٍ خائفٍ فراقك وراتحالك وظاهر اللفظ يدل على أن القلبين للمضيف لأنه قال تحل به على قلبٍ وترحل عن قلبٍ فإذا جعلت القلبين للضيف فقد عدلت عن ظاهر اللفظ وحكى لنا أبو الفضل العروضي عن الاستاذ أبي بكر الخوارزمي أنه كان يقول يحل به الضيف وهو واثق بكرمه وإنزاله ويرحل عنه وهو يخاف أن لا يجد مثله قال وليس لجبن المضيف هاهنا معنًى فإنه لم يقل مغموم والجبن غير الغم منازل لم يزل منها خيالٌ ... يشيعني إلى النوبندجان نوبندجان بلدٌ بفارس يريد أنه يرى دمشق في النوم فهو بفارس وخيال منازل دمشق يتبعه والمعنى أنه يحبها ويكثر ذكرها ويحلم بها ويجوز أن يريد خيال حبيبٍ له بدمشق ونواحيها يأتيه في منامه إذا غنى الحمامُ الورق فيها ... أجابته أغاني القيانِ يريد طيبها واجتماع أصوات القيان والحمام بها فإذا غنت الحمام أجابتها القيان بغنائها ومن بالشعب أحوج من حمامٍ ... إذا غنى وناحَ إلى البيان يقول أهل الشعب أحوج إلى البيان من حمامها في غنائها ونوحها لأنه لا بيان لهم ولا فصاحة فلا يفهم العربي كلامهم وأخبر عن الحمام بالغناء والنوح لأن العرب تشبه صوت الحمام مرة بالغناء لنه يطرب ومرة بالنوح لأنه يشجي ونوحها وغناؤها مذكوران في أشعارهم وقد يتقارب الوصفانِ جدا ... وموصوفاهما متابعدان يقول العجمة تجمع الحمام وأهل الشعب والموصوف بها مختلف لأن الإنسان غير الحمام فأهل الشعب بعدوا بالإنسانية عن الحمام ووصفهما في الإستعجام متقاربٌ يقول بشعب بوانٍ حصاني ... أعن هذا يسارُ إلى الطعانِ أي فرسي يقول لي بهذا المكان منكرا عليّ السير منه إلى الحرب أعن هذا المكان يسار إلى المطاعنة ومعنى الإستفهام هاهنا الإنكار أبوكم آدمٌ سن المعاصي ... وعلمكم مفارقةَ الجنانِ يقول السنة في الإرتحال عن الأماكن الطيبة وفي معصية الله تعالى سنها لكم أبوكم آدم حين عصى فأخرج من الجنة وإنما ذكر هذا لكي يتخلص إلى ذكر الممدوح فيقول هذا المكان وإن طاب فإني لم أعرج به لما كان سبيلي إليه كما قال أيضا، لا أقمنا على مكانٍ وإن طاب البيت فقلت إذا رأيت أبا شجاعٍ ... سلوت عن العباد وذا المكانِ

стр. 383

فإن الناس والدنيا طريقٌ ... إلى من ما له في الخلق ثاني يعني أنهم كلهم يتركون في القصد إليه وكذلك جميع الدنيا لقد علمت نفسي القول فيهم ... كتعليم الطراد بلا سنانِ يقول علمت نفسي القول في الناس بالشعر في مدائحهم كما يتعلم الطعان أولا بغير سنان ليصير المتعلم ماهرا بالطعان والسنان كذلك أنا تعلمت الشعر في مدح الناس لأتدرج إلى مدحه وخدمته ويروي له علمت أي لأجله وهو أظهر في المعنى بعضد الدولة امتنعت وعزت ... وليس لغير ذي عضدٍ يدانِ يقول الدولة امتنعت بعضدها وعزت ولا يد لمن لا عضد له ولا يدفع عن نفسه من لا يد له والمعنى أنه للدولة يد وعضد به تدفع عن نفسها ولا قبض على البيض المواضي ... ولاحظ من السمر اللدانِ يقول من لا يدان له لم يقبض على السيوف ولم يطعن بالرماح لأنه لا يتأتى ذلك منه والمعنى أن غيره لا يقوم مقامه في الدفع عن الدولة لأنه عضدها ومن لا عضد له لا يد له ومن لا يد له لم يضارب ولم يطاعن وقوله ولاحظ من السمر أراد ولاحظ من الطعان بها ويروي بالطاء غير معجمة وهو خفض الرماح للطعن دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكرٍ أو عوانِ وروى ابن جنى بموضع الأعضاء وقال أي دعته السيوف بمقابضها والرماح بأعقابها لأنها مواضع الأعضاء منها وحيث يمسك الضارب والطاعن قال ويحتمل أن يريد دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح أي اجتذبته واستمالته قال ابن فورجة هذا مسخ للشعر لا شرح ولا قال الشاعر إلا بمفزع الأعضاء يعني دعته الدولة عضدا والعضد مفزع الأعضاء كأنه شرح قوله بعضد الدولة امتنعت وعزت انتهى كلامه وهو على ما قال يريد أن الدولة سمته عضدها وهي مفزع الأعضاء لأن الأعضاء عند الحرب تفزع إلى العضد والعضد هي الدافعة عنها المحامية لسائر الأعضاء وقوله بكر هو صفة لموصوف محذوف كأنه قال ليوم حربس حربِ بكر أو عوان فما يسمى كفناخسر مسمٍ ... ولا يكنى كفناخسر كاني أسمى وسمى بمعنًى أراد أنه لا نظير له فما يدعى أحد باسمٍ ولا بكنيةٍ هو مثله وأراد بالمسمى والكاني الداعي بالأسم والكنية ولا تحصى فضائلهُ بظنٍّ ... ولا الإخبارِ عنه ولا العيانِ يريد أن الظن على سعته وكذلك الأخبار لا يحيطان بوصفه وكان حقه أن يقول عنها لكنه علقه به لأقامة الوزن أراد ولا الإخبار عنه بها أروض الناس من تربٍ وخوفٍ ... وأرضُ أبي شجاع من أمانِ أروض في جمع أرض قياسٌ لا سماعُ ونص سيبويه على أن العرب لا تجمع الأرض جمع تكسير قال واستغنوا عن تكسيرها بأرضات وأرضين على أن أبا زيد قد حكى في جمع أرض أروض وأراد بالناس هاهنا الملوك يقول أرض الملوك مخلوقة من التراب والخوف جميعا لأن الخوف ملازم لها وغير مفارقها فكأنها خلقت منه كما خلقت من التراب كقوله تعالى خلق الإنسان من عجلٍ لما كان في أكثر أحواله عجلا صار كأنه مخلوق من عجلة وأرض الممدوح كأنها مخلوقة من الأمان للزوم الأمن لها والمعنى أن أحدا لا يعيث في نواحي مملكته هيبةً له وخوفا منه يذم على اللصوص لكل تجرٍ ... ويضمن للصوارمِ كل جاني تجر جمع تاجر مثل شرب جمع شارب لكن المتنبي أجرى التجر مجرى الواحد ذهابا إلى أنه واحد التجار يقول يجير التاجرين على اللصوص أي يحفظهم منهم فلا يخافون اللصوص ويضمن لسيوفه كل من جنى جنايةً أي يقتله إذا طلبت ودائعهم ثقاتٍ ... دفعنَ إلى المحاني والرعانِ يقول ودائع التجار محفوظة في محاني الأودية ورعان الجبال فكأنها عند ثقاتٍ أمناء أي إذا تركوها هناك أمنوا ولم يخافوا فباتت فوقهن بلا صحابٍ ... تصيح بمن يمر أما تراتي يقول باتت بضائع التجار فوق المحاني والرعان ظاهرةً للناظرين وكأنها تقول لمن مر بها أما تراني يعني لا حرز دونها إنما يحفظها هيبتهُ رقاه كل أبيض مشرفيٍّ ... لكلٍّ أصمَّ صلٍّ أفعوانِ الصل ضرب من الحيات والأفعوان الذكر منها جعل اللصوص كالأفاعي وجعل سيوفه رقًى لتلك الأفاعي فكما أن الحية تدفع بالرقية كذلك هو يدفع اللصوص بسيوفه وما يرقي لهاهُ من نداهُ ... ولا المال الكريم من الهوانِ حمى أطراف فارس شمريٌّ ... يحض على التباقي بالتفاني

стр. 384

قال ابن جنى شمري منسوب إلى شمر وهو موضع قال والمعنى أنه يقول لأصحابه افنوا أنفسكم ليبقى ذكركم قال العروضي هذا التفسير في هذا الموضع ظاهر الإستحالة ولكنه يقول حمى فارس يقتل الخراب واللصوص فاعتبر غيرهم فلم يؤذوا الناس ولم يستحقوا القتل فبقوا يعني أنه إذا صل أهل الفساد كان في ذلك زجر لغيرهم فيصير ذلك حثا لهم على اغتنام التباقي وهو من قوله تعالى ولكم من القصاص حيوةٌ والشمري الكثير التشمر والإنكماش ولم يكن عضد الدولة من مكان يقال له شمر ولا سمعنا به ولا مدح له في أن يكون من شمر أو غيره وأراد بالتباقي والتفاني البقاء والفناء والذي ذكره ابن جنى غير بعيد يجوز أن يكون المعنى على ما قال لأن ما بعد البيت يدل على ذلك وهو قوله بضربٍ هاج أطرابَ المنايا ... سوى ضرب المثالث والمثاني يقول حمى أطراف فارس بضربٍ يطرب المنايا فيحركها لكثرة من يقتلهم وذلك الضرب سوى ضرب اوتار العود يريد أنه يضرب بالسيوف ولا يميل إلى ضرب العود كأن دم الجماجم في العناصي ... كسا البلدان ريش الحيقطانِ العناصي جمع عنصوة وهي الشعر في نواحي الرأي ومنه قول أبي النجم، أن يمس رأسي أشمط العناصي، والحيقطان ذكر الدراج وريشه ألونُ أي من كثرة من قتلهم من الناس وتفرقت شعورهم المتلطخة بدمائهم كان البلاد كساها بريش الدراج ذلك الدم في تلك الشعور فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من الحدق الحسانِ أراد قلوب أهل العشق والمعنى أن الأمن قد عم بلاد فارس حتى لو كانت قلوب العشاق فيها لما خافت سهام احداق الحسان ولم أر قبله شبلي هزبرٍ ... كشبليه ولا مهري رهانِ يريد بالشبلين ولديه وجعلهما كشبلي أسد في الشجاعة ومهري رهان في المسابقة إلى غاية الكرم أشد تنازعا لكريم أصلٍ ... وأشبه منظراً بأبٍ هجانِ يقول لم أر قبلهما ولدين أشد تجاذبا لأصل كريم يعني أن كل واحد منهما يجاذب صاحبه كرم الأصل فيريد أن يكون أكرم من صاحبه بأن يكون حظه أوفر من كرم أصله ولم أر ولدين أشبه منهما بأبٍ كريم خالص النسب وأكثر في مجالسهِ استماعا ... فلانُ دق رمحا في فلانِ الضمير في مجالسه يعود إلى أب أي لم أر ولدين اكثر استماعا في مجالس الأب دق فلان رمحا في فلان منهما يعني لا يجري في مجلس ابيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك وأول رأيةٍ رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوانِ رأيةٌ فعلهُ من الرأي يقول أول شيء رأياه المعالي فقد عشقاها قبل أوان العشق وروى ابن جنى وأول داية وهي الظئر والمعنى أن المعالي تولت تربيتهما فهما يميلان إليها وحبانها حب الصبي لمن رباه وأول لفظةٍ سمعا وقالا ... إغاثةُ صارخٍ أو فك عاني وكنت الشمس تبهر كل عينٍ ... فكيف وقد بدت معها اثنتانِ أي شمان يعني ولديه يقول كنت شمساً تغلب كل عين ببهائك وجمالك فكف الآن وقد ظهرت من ولديك شمسان أخريان فعاشا عيشةَ القمرينِ يحيى ... بضوئهما ولا يتحاسدانِ أي كانا كالشمٍ والقمر يحيا الناسُ بضوئهما ولا يكون بينهما تحاسد واختلاف ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلانِ هذا دعاء لأبيهما بالحياة يقول لا ملكا ملكك ولا ملكا إلا ملك الأعادي ولا ورثاك إما ورثا من يقتلانه من الأعداء وكان ابنا عدوٍّ كاثراه ... له يا أي حروفِ أنيسيانِ إنسان خمسة أحرف وهو مكبر فإذا صغرته قلت أنيسيان فزاد عدد حروفه وصغر معناه يقول عدوك الذي له ابنان فيكاثرك بهما كان زائدين في عدده ناقصين من حسبه وفخره بان يكونا ساقطين خسيسين كياأي أنيسيان يزيدان في عدد الحروف وينقصان من معناه دعاء كالثناء بلا رياء ... يؤديه الجنان إلى الجنانِ يقول هذا الذي ذكرته دعاء وهو ثناء من وجد ولا رياء في هذا الدعاء لأنه اخلاص من القلب إلى القلب يخرج من قلبي فتفهمه بقلبك وتعلم أنه اخلاص لا رياء فيه فقد أصبحت منه في فرند ... وأصبح منك في عضبٍ يماني شبه الممدوح بسيف يمانٍ وشبه شعره بفرند ذلك السيف وذلك يدل على جودته كذلك شعري يدل على كرمك وجودك ولولا كونكم في الناس كانوا ... هراء كالكلامِ بلا معاني

стр. 385

أي بكم صار للناس معنى يريد أن المعاني توجد فيهم وغيرهم كاللغو من الكلام الذي لا معنى له وهذا كقوله والجهر لفظ وأنت معناه وقال يمدحه ويذكر الورد قد صدق الورد في الذي زعما ... أنك صيرت نثره ديما كان قد نثر الورد والورد لم يزعم شيئاً وإنما استدل بحاله على أنه لو زعم لقال هذا وأنه نثره كما ينثر المطرُ كأنما مازج الهواء به ... بحر حوى مثل مائهِ عنما كأن الهواء مازجه بذلك الورد المفرق فيه بحر من العنم يريد كثرة الورد في الهوء شبهه ببحرٍ جمع من العنم مثل مائه في الكثرة ويروي مائج ناثره ناثر السيوف دماً ... وكل قولٍ يقولهُ حكما يقول الذي نثر هذا الورد ينثر السيوف أي يفرقها في أعدائه وهي دم أي متلطخة به فكأنها دم وجعل الدم في موضع الحال كأنه قال ناثرٌ السيوف متلخطة بالدم وناثر كل ما يقوله بالحكم أي إذا قال قولا قال حكمةً ومن نصب كل قال ابن جنى نصبه لأنه عطفه على المعنى كما تقول هذا ضارب زيدٍ وعمرا ومنه قوله تعالى وجاعل الليل سكنا والشمس على معنى وجعل الشمس والخيل قد فصل الضياع بها ... والنعم السابغات النقما يقال فصل العقد إذا نظم فيه أنواع الخرز فجعل كل نوع مع نوع ثم فصل بين الأنواع بذهب أو شيء آخر هذا هو الأصل في تفصيل العقود ثم يسمى نظم العقد تفصيلا فيقال عقد مفصل إذا كان منظوما ومنه قول امرء القيس، تعرض أثناء الوشاح المفصلِ، والمعنى أنه جمع هذا الأشياء بالخيل أي تمكن من جمعها بالخيل وجعل جمعها تفصيلا لأنها أنواع فجعل ذلك كتفصيل العقد والمعنى أنه ينثر الخيل أي يفرقها في الغارة ثم ذكر أنه جمع بها هذه الأشياء التي ذكرها من النعم لأوليائه والنقم لاعدائه فليرنا الورد إن شكا يدهُ ... أحسن منه من جودها سلما هذه رواية ابن جنى وغيره يرويه أحسن من جودها إذا سلما أي فليرنا أحسن من الورد إذا سلم من وجودها يعني أنه ينثر الدراهم والدنانير ولا تسلم من جود يده وهي أحسن من الورد وقل له لست خير ما نثرت ... وإنما عوذت بك الكرما أي قل للورد لست خير ما نثرت يده وإنما جعلتك عوذةً للكرم خوفا من العين أن تصاب بها ... أصاب عينا بها تصاب عمى روى ابن جنى بها يعان من قولهم عين الرجل فهو معينٌ ومعيون إذا أصابته العين يقول أعمى الله عينا يعان بها وهذه قطعة في نثر الورد غير مليحةٍ وليس المتنبي من أهل الأوصاف وهي كالقطعة التي وصف فيها كلام أبي الفتح بن العميد وقال أيضا يمدحه وقد ورد عليه الخبر بإنهزام وهسوذان الكردي أثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبلُ أثلث أي كن ثالثا من قولهم ثلثت الرجلين أثلثهما إذا صرت ثالثهما والأرزام حنين الناقة يقول للطلل كن ثالثنا في البكاء على فقد الأحبة فإنا نبكي والإبل ترزم بحنين كالبكاء ومن هذا قول التهامي، بكيت فحنت ناقتي فأجابها، صهيل جوادي حين لاحت ديارها، أولا فلا عتب على طلل ... إن الطلول لمثلها فعل أو ل تبك فلا عتب عليك في ترك البكاء فإن الطلول فاعلة لمثل هذه الفعلة من ترك المساعدة على البكاء لأنه ليس من عادتها البكاء لو كنت تنطق قلت معتذرا ... بي غير ما بك أيها الرجل يقول للطلل لو كنت ذا نطق لاعتذرت في ترك البكاء بما ذكر في قوله أبكاك أنك بعض من شغفوا ... لم أبك أني بعض من قتلوا أي لقلت لي الذي بي أكثر مما بك لأنهم شغفوك حبا فأذهبوا قلبك وقتلوني بارتحالهم عني والقتيل لا يقدر على البكاء إن الذين أقمت وارتحلوا ... أيامهم لديارهم دول هذا من كلام الطلل أيضا يقول إن الذين ارتحلوا وأقمت بعدهم أو أقمت على خطاب المتنبي ديارهم تعمر بنزولهم أيام مقامهم وتخرب بارتحالهم هذا معنى قوله أيامهم لديارهم دول الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل حيثما نزلوا في مقلتي رشأ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل يقول الحسن في مقلتين مستعارتين من رشأ تديرهما امرأة بدوية صارت الحلل وهم القوم الذين حلوا معها مفتونين بها لحسنها تشكو المطاعم طول هجرتها ... وصدودها ومن الذي تصل

стр. 386

يريد أنها قتين قليلة الطعم وذلك يحمد في النساء فالمطاعم وهي الأطعمة تشكو أنها هجرتها ثم قال ومن تواصله هذه أي أن هجرت الطعام فإنها لا تواصل أحدا والهجر من عادتها ما أسأرت في القعب من لبن ... تركته وهو المسك والعسل الذي أبقته من شرابها في القدح من اللبن تركته مسكا وعسلا يريد عذوبة ريقها وطيب نكهتها وإن سورها كالمسك والعسل وما مبتدأ وتركته الخبر كما تقول زيد ضربه عمرو قالت ألا تصحو فقلت لها ... أعلمتني أن الهوى ثملُ أي قالت لي عاذلةً على العشق ألا تصحو من بطالتك فقلت لها أخبرتني في فحوى كلامك حين أمرتني بالصحو أن الهوى سكر لأن الصحو لا يكون من غير السكر وهذا إشارة إلى أنه كان غافلا عن حال نفسه لشدة هيمانه وإنها نبهته على أنه سكران من الهوى لو أن فناخسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقهُ الغزلُ صبحكم أتاكم صباحا للغارة قال ابن جنى ما أحسن ما كنى عن الإنهزام بقوله عاقه الغزل قال ابن فورجة لو كانت هذه إحدى السعالي لما هزمت أحدا فكيف عضد الدولة وما وجه الهزيمة عمن توصف بالحسن وقال فيها بدوية فتنت بها الحلل وإنما هذا وصف لعضد الدولة بالرغبة عن النساء والتوفر على الجد ثم لما بالغ في الوصف هذا وأراد الخلوص من الغزل إلى المدح أتى بالغاية في ذكر حسنها حتى لو أن عضد الدولة مع جده وتوفره على تدبير الملك تعرضت له هذه المرأة لقدحت في قلبه غزلا عاقه عن الرجوع عنها ألا تراه يقول بعده ما كنت فاعلةً وضيفكم البيت فكيف يضاف المنهزم وإنما غلط لما سمع قوله وتفرقت عنكم كتائبه وإنما تتفرق حينئذٍ عنهم لتوفرها على الغزل واللهو ولذة الظفر بالحبيب وتفرقت عنكم كتائبهُ ... إن الملاح خوادعٌ قتلُ ما كنت فاعلةً وضيفكمُ ... ملكُ الملوكِ وشأنك البخلُ يقول ما كنت تفعلين وقد أتاكم ملك الملوك ضيفا وأنت بخيلة يعني بالطعام والقرى والبخل والجبن من خير أخلاق النساء وهما من شر أخلاق الرجال أتمنعين قرًى فتفتضحي ... أم تبذلين له الذي يسلُ بل لا يحل بحيث حل به ... بخلٌ ولا خوفٌ ولا وجلُ ملكٌ إذا ما الرمحُ أدركهُ ... طنبٌ ذكرناه فيعتدلُ الطنب الأعوجاج أي لاستقامته واعتداله في الأمور إذا ذكر اسمه اعتدل الرمح المعوجُّ إن لم يكن من قبلهُ عجزوا ... عما يسوس به فقد غفلوا أي الملوك الذين كانوا قبله أن لم يكونوا عاجزين عما يسوس به الناس من العدل والإنصاف وكف الظالم فقد غفلوا عن ذلك حين لم يسيروا سيرته حتى أتى الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبلُ يقال فلان ابن بحدةِ هذا الأمر إذا كان عالما به يقول حتى ملك الدنيا عضد الدولة وهو عالم بها وبضبط أمورها وسياسة أهلها فشكا إليه سهل الدنيا وجبلها شكوى العليلِ إلى الكفيل له ... ألا تمر بجسمهِ العللُ أي كما يشكو العليل إلى الطبيب الذي يضمن له أن يشفيه من كل داءٍ وعلة حتى لا تعاوده علة والمعنى أن الدنيا بما كان فيها من الإضطراب والفساد كأنها كانت شاكيةً إلى عضد الدولة وهو بقصده تسكين الفتنة وحسن السياسة كأنه ضامنُ أن لا يعاود الدنيا ما شكته وأصل هذا من قول الآخيلية، إذا هبط الحجاجُ أرضا مريضةً، قالت فلا كذبت شجاعتهُ ... أقدمْ فنفسكَ ما لها أجلُ أي قالت له شجاعته أقدم وقوله فلا كذبت دعاء اعترض به بين الفعل والفاعل أي لا كانت كاذبةً فيما قالت والمعنى أن شجاعته زينت له الأقدام وصورت له أن أحداً لا يقدم عليه فهو باقٍ بوقاية شجاعته فهو النهايةُ إن جرى مثلُ ... أو قيل يوم وغًى من البطلُ يقول هو النهاية في الشجاعة عند ضرب المثل وعند الدعاء إلى البراز عدد الوفود العامدين له ... دون السلاح الشكلُ والعقلُ يقول الوفود الذين يأتونه لا يأتونه بسلاحٍ لأنه لا مطمع فيه بالسلاح ولكن عددهم التي يحتاجون إليها شكل الخيل وعقل الإبل وهي جمع شكال وعقال فلشكلهم في خيلهِ عملُ ... ولعقلهم في بختهِ شغلُ أي أنه يعطيهم الجياد حتى يشكلوها بشكلهم والجمال حتى يعقلوها بعقلهم تمسي على أيدي مواهبهِ ... هي أو بقيتها أو البدلُ

стр. 387

يقول تملك مواهبه ما له من الخيل والنعم فهي تمسي على أيدي مواهبه أي تلى أمرها وتتصرف فيها أو بقيتها يعني ما فضل منها من قوم آخرين أو بدلها من العين والورق يريد أن جميع ماله في تصرف مواهبه يشتاق من يدهِ إلى سبلٍ ... شوقا إليه ينبتُ الأسلُ السبل المطر ويريد به العطاء هاهنا يقول الناس يشتاقون إلى عطاء يده والرماح تنبت شوقا إلى أن تباشر يده أي ليطعن بها ويستعملها في الحرب وتقدير اللفظ ينبت الأسلُ شوقا إليه إي الممدوح ولكنه قدم وأخر والبيت مختل النظم سبل تطول المكرماتُ به ... والمجدُ لا الحوذانُ والنفلُ لما سمى عطاءه سبلا قال هو سبل ينبت المكرمات والمجد لا النبات وأجناسه مما ذكر وإلى حصى أرضٍ أقامَ بها ... بالناسِ من تقبيلهِ يللُ اليلل قصر الأسنان يقال رجل أيل وأكس وهو ضد الأروق ومنه قول لبيد، يكلح الأروق منهم والأيل، يقول ويشتاق إلى حصى أرض أقام بها ولكثرة ما قبل الناس تلك الحصى حدث بهم اليلل وقصرت اسنانهم واخطأ ابن جنى في تفسير اليلل وفي معنى البيت وإذا رجعت إلى كتابه وقفت على خطأٍ فيهما إن لم تخالطهُ ضواحكهمْ ... فلمن تصان وتذخر القبلُ يقول إن لم تخالط الأسنان حصى أرضه عند التقبيل فلمن تصان القبل يعني أنها تستحق التقبيل في وجهه من نور خالقهِ ... قدرٌ هي الآيات والرسلُ يقول على وجهه نورٌ من الله تعالى ذلك النور قدر من الله يعني أنه يدل على قدرته وتلك القدر تقوم مقام الآيات والرسل بما فيها من الإعجاز وظهور الصنع وإذا الخميس أبى السجود له ... سجدت له فيه القنا الذبلُ أي إذا عصاه جيشٌ فلم يخضعوا له خفض رماحه لطعنهم بها وذلك سجود القنا وإذا القلوب أبت حكومته ... رضيت بحكم سيوفه القللُ وإذا لم تقبل القلوب ما يحكم به ضرب رؤوس اولائك الذين يأبون حكمه فكأنها رضيت بحكم سيوفه أرضيت وهسوذان ما حكمت ... أم تستزيد لأمك الهبلُ يعني ما صنعت سيوفهُ والهبل الثكل وردت بلادك غير مغمدةٍ ... وكأنها بين القنا شعلُ شبه السيوف المصلتة بشعل النار والقومُ في أعيانهم خزرٌ ... والخيلُ في أعيانها قبلُ الخرز ضيق العين والقبل في الخيل أن تقبل إحدى عينيه على الأخرى وإنما تفعل ذلك الخيل لعزة أنفسها ومنه قول الخنساء، ولما أن رأيت الخيل قبلا، قال ابن جنى يقول القوم ترك وخيلهم عزيزة الأنفس أي أتوك عليها قال ابن فورجة كيف خص الترك بالذكر ولم يذكر سائر اجناس العسكر سيما وأكثرهم ديلمٌ والممدوح ديلمي وذهب عليه أن الغضبان يتخازر وقد سمع من ذكر خزر الغضبان ما لا يحصى كقوله، خزرٌ عيونهم إلى أعدائهم، وقول آخر، وفلأنظرن إلى الجمال وأهلها، وإلى مثابرها بطرفٍ أخزرِ، فأتوك ليس بمن أتوا قبلُ ... بهم وليس بمن نأوا خللُ يقول أتاك قومه وليس لك بهم طاقة وليس بالقوم الذين بعدوا عنهم وانفصلوا من جملتهم خللٌ بخروجهم من بينهم يريد كثرة عسكر عضد الدولة لم يدرِ من بالريِّ أنهمُ ... فصلوا ولا يدري إذا قفلوا أي لكثرة جيوشه بالري لم يعلموا خروج هؤلاء ولا رجوعهم إليه حين رجعوا فأتيت معتزماً ولا أسدٌ ... ومضيت منهزما ولا وعلُ يقول أقبلت إلى الحرب ولا أسد يقدم اقدامك ومضيت منهزما ولا وعل ينهزم إنهزامك فحذف الخبرين للعلم بهما تعطى سلاحهمُ وراحهمُ ... ما لم يكن لتنالهُ المقلُ يقول تعطي سلاحهم أرواح عسكرك وأكفهم الأموال والأثاث والكراع والسلب التي لا تنالها الأعين لكثرتها قال ابن جنى قوله وراحهم جفاء في اللفظ على المخاطب ونيل منه قال ابن فورجة أي جفاء في هذا رحم الله من عرفنا ذلك على أن بعضهم قال أراد صفعهم أياه باكفهم وبوده وطوبى له لو رضوا بذلك منه ويقال نال منه أي شتمه أسخى الملوك بنقل مملكةٍ ... من كاد عنه الرأس ينتقلُ يقول أجود الملوك بترك مملكته ونقلها إلى من يغصبها منه من خاف انتقال الرأس عنه والمعنى أنك خفت أن يقطع رأسك فسخوت بمملكتك لئلا ينتقل الرأس عنك قال ابن جنى لو قال بترك مملكة كان أوجه إلا أنه اخترا النقل لقوله آخرا ينتقل لولا الجهالة ما دفلت إلى ... قوم غرقت وإنما تفلوا

стр. 388

يقول لولا جهلك لما غزوت قوما تنهزم عنهم بأدنى حرب منهم فرب لهذا مثلا بالغرق والتفل والمعنى أنهم لكثرتهم لو بزقوا عليك لغرقوك ويقال دلف إليه إذا دنى منه لا أقبلوا سرا ولاظفروا ... غدراً ولا نصرتهم الغيلُ يعني أن جيشه لا يأتون أحدا في خفيةٍ ليظفروا غدوا وليغتالوا عدوهم وأنهم لا يحتاجون في قتل اعدائهم وقهرهم إلى الغدر والإغتيال لا تلق أفرس منك تعرفهُ ... إلا إذا ما ضاقت الحيلُ يقول العقل أن لا تعارض من هو أقوى منك إلا إذا اضطررت إلى ذلك والمعنى أنه يلومه في اختياره الحرب في ابتداء الأمر وهو يعلم أنهم أقوى منه لا يستحي أحدٌ يقال له ... نضلوك آل بويه أو فضلوا يقال استحى يستحي بمعنى استحيا يستحيي ونضلوك غلبوك في النضال يقال تناضل الرجلان فنضل أحدهما صاحبه إذا غلبه وكان أكثر إصابةً منه وأتى بعلامة الجمع في نضلوك والفعل مقدم على الفاعل على لغة من يقول أكلوني البراغيث يقول من كان مغلوبا بآل بويه لا يستحيي من ذلك لانهم يغلبون كل أحد قدروا عفوا وعدوا وفوا سئلوا ... أغنوا علوا أعلوا ولوا عدلوا يقول لما قدروا عفوا فهم يعفون عن قدرةٍ ولما وعدوا وفوا بذلك الذي وعدوا ولما سئلوا أغنوا من سألهم ولما علوا اعلوا أولياؤهم ولما ولوا الناس عدلوا فيما بينهم فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فمتى أرادوا غايةً نزلوا يقول هم فوق كل درجة ورتبة وفوق كل طلبة وحاجة وإ ذا أرادوا غايةَ أمرٍ نزلوا إليها من علو يعني ما كان غايةً عند الناس وإلا فهم وراء كل غاية قطعت مكارمهمْ صوارمهمْ ... فإذا تعذر كاذبٌ قبلوا تعذر بمعنى تكلف العذر ومنه قول امرء القيس، ويوما على ظهرِ الكثيبِ تعذرت، يقول كرمهم غلب غضبهم وكفهم عن استعمال السيوف وإذا اعتذر إليهم كاذب قبلوا عذره تكرما لايشهرون على مخالفهم ... سيفا يقوم مقامهُ العذلُ يقول إذا انكف المخالف بالعذل لم يستعملوا معه السيف يعني لا يعجلون إلى الحرب إنما يقدمون الوعيد واللوم يصفهم بالحلم فأبو عليٍّ من بهِ قهروا ... وأبو شجاعٍ من بهِ كملوا أبو عليّ هو ركن الدولة أبو عضد الدولة أي به قهروا الملوك حلفت لذا بركات غرةِ ذا ... في المهد أن لا فاتهم أملُ يقول لما ولد عضد الدولة علم أبوه أن الآمال انحازت إليهم وحصلت لهم فكأن وجهه وهو في المهد كفيل لهم بجميع الآمال وروى ابن جنى بركات نعمةِ ذا والمعنى أن بركات النعمة بأبي شجاع حلفت لأبي عليّ أن الآمال لا يفوته شيء منها ويجوز أن يريد بالنعمة نعمة أبيه أبي عليّ أي ما يملكه من العدة والعتاد تكفل لأبي شجاعٍ بإدراك الآمال ويروي نغمة ذا والمعنى أن أباه عرف بنغمته لما ولد أنه يدرك به الآمال كلها وقال يعزى أبا شجاع عضد الدولة بعمته آخر ما الملك معزى به ... هذا الذي أثر في قلبهِ هذا على لفظ الخبر ومعناه الدعاء أي كان هذا آخر ما يعزى به الملك وكان قافية الخطوب حتى لا يكون مصابا بعد هذا لا جزعاً بل أنفا شابهُ ... أن يقدر الدهر على غصبهِ أي لم يؤثر المصابُ في قلبه جزعا منه ولكن أخذته الحمية والآنفة حين قدر الزمان على اغتصابه وتطرقه حماه واستباحه حريمه لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيت الأيام من عتبهِ أي لو كانت الدنيا عالمةً بما عنده من الفضل والنفاسة لأخذها الحياء من عتبه عليها ولكفت عنه إذاها لعلها تحسب أن الذي ... ليس لديه ليس من حزنهِ هذه المتوفاة توفيت على البعد منه يقول فلعل الأيام ظنت أنها لما لم تكن عنده لم تكن من عشيرته وقومه فلذلك أخذتها وأن من بغدادُ دارٌ له ... ليس مقيما في ذرى عضبهِ يقول لعل الأيام ظنت أنها لما كانت ببغداد ولم تكن بحضرته لم تكن في كنف سيفه وممن يحميه سيفه فلذلك تعرضت لها وأن جد المرء أوطانهُ ... من ليس منها ليس من صلبهِ

стр. 389

يقول ولعلها ظنت أنها لما لم تكن مستوطنةً معه في بلده لم تكن من صلب جده فلهذا اجترأت عليها ومعنى قوله وإن جد المرء أوطانه أي ظنت أن أقاربه الذين يساكنونه في الوطن هم عشائره وإن البعيد عنه وطنا ولا يكون من عشيرته ويروي وإن حد المرء بالحاء على معنى أن حريمه وطنه فمن لم يكن مستوطنا معه لم يكن في حريمه وعلى هذا الضمير في صلبه عائد على المرء أخاف أن تفطن أعداؤه ... فيجفلوا خوفاً إلى قربهِ يقول أخاف أن يعلم اعداؤه هذا وهو أن الأيام لا ترزأ من تحرم بجواره وقربه فيسرعوا إلى حضرته خوفا من الأيام وطلبا للسلامة بحصولهم في ذمته واشتمالهم بعزه لا بد للإنسان من ضجعةٍ ... لا تقلب المضجع عن جنبهِ يقول لا بد للإنسان من اضطجاع في القبر لا يقلبه ذلك الاضطجاع عن جنبه يعني يبقى كما اضطجع ولو قال لن بدل لا كان احسن لان لن تدل على التأبيد ينسى بها ما كان من عجبه ... وما أذاق الموتُ من كربهِ يقول يترك بتلك الضجعة اعجابه بنفسه وبما إذاقه الموت من كربه يعني أنه إذا ذاق كرب الموت وأضجع في القبر نسي العجب والإعجاب وما معطوف على الضمير في بها ويجوز أن يكون عطفا على ما كان فيك في محل النصب وذلك إن من مات واضجع في قبره نسي ما مر به من شدائد الموت وكربه نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعافُ ما لا بد من شربهِ يقول نحن أبناء للأموات ولا بد لنا منه أي فكما مات من تقدمنا من آبائنا فكذلك نحن على أثرهم وهذا من قول أبي النواس، ألا يا أبن الذين فنوا وبادوا، أما والله ما بادوا لتبقى، وأصله قول متمم بن نويرة، فعددت آبائي إلى عرق الثرى، فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا، ولقد علمت ولا محالة أنني، للحادثات فهل تراني أجزع، وهذا كما روى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمرو بن عبيدة يعزيه عن أبيه أما بعد فإنا أناس من أهل الآخرة أسكنا في الدنيا أمواتا آباء وأبناء أموات فالعجب لميت يكتب يعزيه عن ميت والسلام تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هن من كسبه يقول تمسكنا بأرواحنا بخلا بها على الزمان والأرواح مما كسبه الزمان فقد فسر هذا فيما بعد فقال فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجساد من تربه إنما قال هذا لأن الإنسان مركب من جوهر لطيف وهو الروح وجوهر كثيف وهو البدن فجعل اللطيف من الهواء والكثيف من التراب لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه يقول لو تفكر العاشق لعلم أن منتهى حسن المعشوق إلى الزوال فلم يعشقه ولم يملك المعشوق قلبه لم ير قرن الشمس في شرقه ... فكشت الأنفس في غربه هذا مثل ومعناه أنه لابد لكل حادث من الفناء كالشمس من رآها طالعة عرفها غاربة كذلك الحوادث منتهاها إلى الزوال لأن الحدوث سبب الهلاك يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه يعني أن الموت حتم على كل أحد جاهلا كان أو عالما فالراعي الجاهل يموت كما يموت الطبيب الحاذق وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه وربما يزيد عمر راعي الضأن على عمر جالينوس الطبيب وكان آمن سربا منه أي نفسا وولدا ومن روى سربه بفتح السين فالسرب المال الراعي ولا معنى له ههنا وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه أي الذي افرط في السلم والمودة كالذي افرط في الحرب والمعاداة لأن كلا منهما إلى نفاد وفناء فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه أي إذا الهلاك متيقنا فلم يخاف الإنسان من الموت ويجزع رعبا منه ولهذا دعا عليه فقال لا أدرك حاجته من خاف من الموت ويجوز أن يكون الهاء في رعبه للفؤاد أستغفر الله لشخص مضى ... كان نداه منتهى ذنبه يقول كان غاية ذنبه إسرافه في العطاء والإسراف اقتراف وورد النص في النهي عن الإسراف وكان من جدد إحسانه ... كأنه أسرف في سبه يقول من جدد ذكر إحسانه كان عنده كالمسرف في سبه لأنه كان يكره أن تحصى فواضله يريد من حب العلى عيشه ... ولا يريد العيش من حبه أي إنما كان يهوى البقاء لكسب العلى لا لحب الحيوة يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه

стр. 390

الذي يدفنه يظن أنه يدفن شخصا واحدا وقد دفن معه المجد والعفاف والبر والمجد أحد من صحبه ودفن معه ويظهر التذكير في ذكره ... ويستر التأنيث في حجبه أي كانت ذكرا من طريق المعنى لأنها كانت تفعل فعل الرجال من الصنائع الجميلة وإيثار المعروف فيغلب المعنى في ذكرها على الظاهر ويذكر بلفظ التذكير لفظ التأنيث أخت أبي خير أمير دعا ... فقال جيش للقنا لبه أي هي أخت عضد الدولة وهو خير أمير دعا إلى نفسه فقال الجيش للرماح أجيبيه يعني أنهم أجابوه بعدتهم لما دعاهم ويجوز أن يكون المعنى دعا جيش فقال عضد الدولة للقنا لب الجيش يعني أنه يجيب الصارخ ويغيث المستغيث يا عضد الدولة من ركنها ... أبوه والقلب أبو لبه يفضله على أبيه ويضرب لهما المثل بالقلب والعقل جعل اللب مثلا له والقلب مثلا لأبيه واللب أشرف من القلب كذلك هو أشرف من أبيه ومن بنوه زين آبائه ... كأنها النور على قضبه جعل ابناء عضد الدولة زينا لآبائه واعرض عن ذكره ذهابا إلى استغنائه بمزية علائه عن أ، يتزين بأبنائه والمعنى أنهم يزينون أباك كما يزين النور القضيب فخرا لدهر أنت من أهله ... ومنجب أصبحت من عقبه أي جعل الله فخرا لدهر من أهل ذلك الدهر يعني أن الدهر يفتخر بكونه من أهله وأبوه الذي ولده نجيبا يفتخر به والمنجب الذي يلد النجيب وعقب الرجل أولاده الذين يأتون بعده إن الأسى القرن فلا تحيه ... وسيفك الصبر فلا تنبه يعني الحزن كالقرن المغالب لك فلا تحيه بإعانته على نفسك وصبرك الذي تغالب به الأسى بمنزلة السيف فلا تجعله نابيا كليلا ما كان عندي أن بدر الدجى ... يوحشه المفقود من شهبهِ جعله كالبدر وأهله وعشائر كالنجوم حول البدر أي يجب أن لا يغتم لفقد احدهم والشهب جمع شهاب وهو الكوكب حاشاك أن تضعف عن حمل ما ... تحمل السائر في كتبهِ أراد بالسائر الفيج الذي يسير بالكتاب يقول يجب أن لا تضعف عن تحمل ما يحمله الفيج مكتوبا إليك في الكتاب أي إذا كان الفيج يطيق حمل ذكر وفاتها فأنت يجب أن تكون أشد اطاقةً له وهذا في الحقيقة مغالطة وإنما اراد تسكينه فتوصل إليه من كل وجه وقد حملت الثقل من قبلهِ ... فأغنتِ الشدةُ عن سحبهِ يقول قد حملت الأمر الثقيل قبل هذا الحادث فأغنتك قوتك عن جر ذلك الثقل وذلك أن حامل الثقل إذا عجز عن حمله جره على الأرض كما قال عتاب بن ورقاء، وجره إذ كل عن محملهِ، ونفسه من حتفهِ على شفا، والمعنى أنك حمول صبور على تحمل الشدائد فلا تجزع عن حمل هذه الرزيئة يدخل صبر المرء في مدحهِ ... ويدخل الإشفاق في ثلبهِ الإشفاق الخوف والجزع يحسن عنده الصبر ليرغب فيه ويقبح الجزع ليحذره والثلب العيب مثلك يثني الحزن عن صوبهِ ... ويسترد الدمع عن غربهِ الصوب القصد والصوب النزول والغرب مجرى الدمع يقول أنت تقدر على صرف الحزن وغلبته بالنصر إذا قصدك وترد الدمع إلى قراره عن مجراه فتخلي مجراه عنه بأن تسترده عن المجرى أيما لإبقاء على فضلهِ ... أيما لتسليمٍ إلى ربهِ أيما معناه أما أنشد ثعلب، يا ليتما أمناً شالت نعامتها، أيما إلى جنةٍ أيما إلى نارٍ، يقول يفعل ما ذكرت أما ليبقى على فضله فلا يهلك بالجزع وأما لتسليم الأمر إلى الله فإن له القضاء بما شاء في عباده ولم أقل مثلك أعنى به ... سواك يا فرداً بلاد مشبهِ يقول لم أعنِ بقولي مثلك يثني الحزن غيرك لأنك الفرد الذي لا مثل له ولكن المثل يذكر في الكلام صلة ولا يراد به النظير كقوله ليس كمثله شيء وهو كثير وقد تقدم لها نظائر والمعنى أني أردت نفسك لا غيرك وقال أيضا يمدحه ويذكر هزيمة وهسوذان أزائر يا خيالُ أم عائدْ ... أم عند مولاك أنني راقدْ يقول للخيال اتيتني زائرا أم عائدا أي أني مريض ن الحب فأنا حقيق منك بالعيادة أم ظن مولاك أي صاحبك الذي أرسلك إليّ أني راقد ليس كما ظن غشيةٌ لحقتْ ... فجئتني في خلالها قاصد
следующие страницы →