المبحث الرابع:
أبرز موضوعات السورة الكريمة
سميت السورة بسورة الفاتحة لافتتاح القرآن بها فهي أول سورة فيه، وهي مشتملة على جميع معاني القرآن الكريم ومقاصده، فهي كالمقدمة للقرآن كله، فقد احتوت مواضيعها الدين كله.
محور مواضيع السورة:
يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالعَقِيدَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسْنَى، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالثْبِاتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِة، وَالاطِّلَاعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ (١).
أولًا: موضوع أسس قضايا العقيدة والتوحيد:
فقد حوت السورة بين ثنايا آياتها قضايا العقيدة، العقيدة في الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، وفي اليوم الآخر، والتعريف بالمعبودِ المستحق للعبادة وحده دون سواه ﵎.
فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فيه بيان استحقاق المولى
стр. 108
الحمد والثناء والتمجيد الذي هو أهله جل في علاه، مع التذكير بوجوب شكره وحمده على نعمه وآلائه، والإقرار له بالربوبية، وفي الإقرار بذلك كله تنزيه لله عن كل نقص، فكما أنه سبحانه اتصف بالكمال المطلق، فالنقائص كلها في حقه محاله.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، فيه الثناء على الله بوصفه جل في علاه بالرحمة العامة ﴿الرَّحْمَنِ﴾، والرحمة الخاصة ﴿الرَّحِيمِ﴾.
والسورة الكريمة كلها في التوحيد من أولها وحتى آخر، وكل آية فيها تدل على التوحيد، ولقد ورد في السورة التوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ متضمن لتوحيد الألوهية، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. ففي كل ذلك دلالة على توحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية هو: توحيد الله بأفعال العباد، والتي منها: الحمد والعبادة والدعاء والاستعانة.
«وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل من سوى الله تعالى كائنًا من كان» (١).
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متضمن لتوحيد الربوبية.
وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله تعالى بأفعاله :
وهو: «الإقرار بأنَّ الله هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وأنّ الله ﵎ هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والنافع، والضار (٢)، والمتفرّد
стр. 109
بإجابة دعاء المضطرين، والإقرار أيضًا بأنّ الأمر كلّه لله، وأنّه بيده الخير كلّه، وأنّ الله هو القادر على ما يشاء، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير» (١)(٢).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ متضمن لتوحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الأسماء والصفات هو: إثبات جميع صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها الله تعالى لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله ﷺ في صحيح سنته، على الحقيقة، على وجه يليق بذات الله ﵎. من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه تمثيل.
وهذه عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.
قال ابن عبد البر ﵀: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة» (٣).
وبذلك يتبين أن محور السورة الأساسي وموضوعها الرئيس: هو التوحيد.
стр. 110
ثانيًا: إثبات الوعد والوعيد:
وأما الوعد والوعيد: ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، والذي يلزم منه الإقرار بيوم البعث والحساب والجزاء والعقاب، وفيه أيضًا معنى تمجيد الله وتعظيمه.
ثالثًا: حصر استحقاق العبادة لله وحده، وحصر الاستعانة به دون سواه .
فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، إقرار بألوهيته واستحقاقه العبادة دون سواه، والعبادة ثمرة التوحيد، والتوحيد لا يُسمَّى توحيدًا إلا مع العبادة، ولا تتحقق العبادة لله تعالى إلا بالبراءة من الشرك وأهله، فيشمل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ معنى البراءة من الشرك وأهله ضمنًا.
والعبادة الصحيحة من شأنها أن ترسخ العقيدة في القلوب وتثبتها في النفوس.
وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إقرار لله تعالى بالافتقار والخضوع والذل، وذلك مشهد عظيم من مشاهد العبودية لله الواحد الأحد، مع ما فيه من بيان العجز والتبرؤ من الحول والطول والقوة وتخصيص الله تعالى بالاستعانة والعون والمدد دون سواه، وقوله: (نعبد، نستعين) فيه إفراد لله بالعبادة والدعاء والاستعانة.
وما سبق ذكره كان كمقدمة أولى: عن بيان عظمة من نسأله -وهو الرب-جل في علاه- والتقرب إليه بصنوف العبودية المشتملة على حمده والثناء عليه وتمجيده جل في علاه.
رابعًا: سؤال الله تعالى الهدايتين، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وسؤال الثبات على الدين القويم: وذلك في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ والتذلل إلى الله تعالى بطلب الهداية إلى الطريق المستقيم وبيان ضعف العبد السائل وذله لربه وإظهار افتقاره إليه كان كمقدمة ثانية.
خامسًا: ومن أبرز مواضيعها طلب الثبات على الصراط المستقيم والنهج الصالح
стр. 111
القويم مع الذين أنعم الله عليهم بالثبات عليه، وذلك في قوله سبحانه: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والمنعم عليهم هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء].
وفي قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بيان شرف الصحبة الصالحة ومكانتها وفضلها.
سادسًا: ذكر طرفٍ من قصص الأمم الغابرة وأخبارها وذكر مصيرها: وذلك في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، وفيه بيان انقسام الخليقة لأقسام ثلاثة، منعم عليهم وهم أهل السعادة، ومغضوب عليهم، وضالون، وهما أهلا الشقاء والغواية.
وفيه التحذير من مسالك أهل الغواية والضلال لئلا يحشروا مع سالكي سبلهم.
وكانت الخاتمة: في بيان الطريق المستقيم المؤدي إلى سعادة الدارين لمن سلكه وثبت عليه، وفي تقسيم الخليقة إلى ثلاثة أقسام، بحسب العلم والعمل كما مرَّ معنا آنفًا.
ومن هنا يتضح: أن آيات الفاتحة قد أجملت الأصول التي جاءت مفصلة في القرآن كله، ويتضح من ذلك الحكمة في تنزيلها في أول ما نزل من القرآن، وهي أول سور القرآن ترتيبًا لا تنزيلًا.
ومن هنا أيضًا: يجدر بنا أن نفهم لماذا تسمى الفاتحة بـ «أم الكتاب» وبـ «أم القرآن».
وفي نحو ذلك يقول البقاعي ﵀: «إن سورة الفاتحة جامعة لجميع ما في القرآن، فالآيات الثلاث الأُول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأُخر من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله، والتحيز إلى رحمته،
стр. 112
والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين ما ظاهره من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾».
وذكر ابن القيم ﵀: «أن السورة اشتملت على الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، كما بينت منازل السائرين، ومقامات العارفين، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها، ولا يسد مسدها، ولذلك لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل مثلها».
وقال ابن سعدي ﵀: «وهذه السورة على إيجازها احتوت على ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فقد تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، يؤخذ من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ (الجلالة): اللَّه، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ الحمد. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، وأن الجزاء يكون بالعدل، وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾؛ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة. وتضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾» (١).
وأيضًا وصف الله بالرحمة العامة والرحمة الخاصة في اسمي الرحمن، الرحيم دلالة على إثبات توحيد الأسماء والصفات كما هو معلوم وظاهر لا يخفى.
وبهذا يتبين أن السور الكريمة قد حوت أهم مقاصد القرآن الكريم إجمالًا، ثم جاء ذلك مفصلًا في سائر سور القرآن الكريم كلها.
стр. 113
فقد اشتملت الفاتحة على أصول الدين وفروعه، عقيدة وعبادة وافتقارًا إلى الله بطلب الهداية والدلالة إلى الصراط المستقيم، والثبات عليه، وفيه معنى طلب الهدايتين، ولا يتم ذلك إلا بشرع ودين، ولا يتم شرع ودين إلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وفيها أخبار وقصص الأمم الغابرة، وبينت طريق السعداء وطريق الأشقياء.
ولقد وصف الله تعالى سورة الفاتحة بأنها: «سبعًا من المثاني»، والمثاني هي التي تكرر فيها المواعظ والعبر، وموضوعاتها متكرر في القرآن كله.
ولقد وصفها سبحانه بأنها: «القرآن العظيم» لعظم ما حوته في طيات آياتها من موضوعات، والقرآن العظيم معطوف على السبع المثاني من عطف العام على الخاص.
وسميت بـ «أم القرآن» لاشتمالها على معاني القرآن كله، من حمد لله تعالى وثناء عليه بما سمى ووصف به ذاته المقدسة من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان أوامره ونواهيه وثوابه وعقاب المترتب على وعده ووعيده، ذلك لأن موضوعات القرآن كله مرجعها ومردها إلى موضوعاتها، لأن محتوياتها مشتملة على أنواع مقاصد القرآن الكريم كله.
والفاتحة سورة محكمة، وكذلك آياتها وموضوعاتها محكمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
وأما عموم سور القرآن فمنها المحكم ومنها المتشابه، فإذا رُدَّ المحكم للمتشابه صار القرآن كله محكمًا، ونعني بذلك فاتحة الكتاب التي حوت كل معاني القرآن.
ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 114
المبحث الخامس
بيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة
стр. 115
المبحث الخامس:
بيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة
لقد «اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد اللّه وتمجيده والثّناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدّين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتّضرّع إليه، والتّبرّؤ من حولهم وقوّتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهيّة ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريكٌ أو نظيرٌ أو مماثلٌ، وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الصّراط المستقيم، وهو الدّين القويم، وتثبيتهم عليه حتّى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصّراط الحسّيّ يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النّعيم في جوار النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين.
واشتملت على التّرغيب في الأعمال الصّالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتّحذير من مسالك الباطل؛ لئلّا يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضّالّون (١).
ولقد افتتح الرب جل في علاه الله هذه السورة، التي افتتح بها كتابه-بحمده سبحانه- فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
حمد الله نفسه العلية قبل أن يحمده حامد، فهو سبحانه المستحق للمحامد كلها.
و ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ مرفوع.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور [على التعظيم والإجلال والتبجيل لرب العزة والجلال] (٢).
стр. 116
والجار والمجرور متعلق بمحذوف، خبر المبتدأ، تقديره: ثابت أو واجب (١)(٢).
ويفهم من هذا وجوب لزوم الحمد دائمًا لله تعالى.
و اللام في لفظ الجلالة لها معنيان:
المعنى الأول: الاختصاص، فيكون المعنى على ذلك أن الله تعالى مختص بجميع المحامد وحده .
والمعنى الثاني: الاستحقاق، فيكون المعنى: أن الله تعالى مستحق لجميع المحامد التي تليق بروبيته للعالمين، وتربيته لخلقه بنعمه وإحسانه وإنعامه وإفضاله.
وقد أشار لمثله هذا المعنى أو قريب منه بعض أهل التفسير، منهم العلَّامة ابن عثيمين ﵀ في تفسيره للفاتحة.
و «﴿الْحَمْدُ﴾ وصفُ المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ الكمال الذاتي والوصفي والفعلي؛ فهو كامل في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ولا بد من قَيْد، وهو «المحبة والتعظيم»؛ قال أهل العلم: «لأن مجرَّد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم، لا يُسمَّى حمدًا؛ وإنما يُسمَّى مدحًا» (٣) اهـ.
و ﴿الْحَمْدُ﴾ يكون بالثناء على رب العزة بجميع صفات الجلال والكمال، والثناء عليه بأفعاله الكريمة والتي مدارها بين فضله وعدله، فالله له الحمد الكامل التام من جميع الوجوه.
«والحمد ضد الذَّمِّ، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، والذَّمُّ خبر بمساوئ المذموم مقرون ببغضه، فلا يكون حمد لمحمود إلا مع محبته، ولا يكون
стр. 117
ذم لمذموم إلا مع بُغضه، وهو -سبحانه- له الحمد في الأولى والآخرة.
وأول ما نطق به آدم: الحمد لله رب العالمين، وأول ما سمع من ربه: يرحمك ربك، وآخر دعوى أهل الجنة: أن الحمد لله رب العالمين، وأول مَن يدعى إلى الجنة الحمَّادون، ونبينا محمد ﷺ صاحب لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو صاحب المقام المحمود الذي يَغبِطه به الأولون والآخرون؛ فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا بحب المحمود، وهو -سبحانه- المعبود المحمود» (١)؛ اهـ.
والألف واللام في ﴿الْحَمْدُ﴾ للاستغراق، ليعم جميع المحامد، ولتكون كلها لله وحده لا شريك له، وفي ذلك إيذانًا لعباده أن يحمدوه على إنعامه وإفضاله ويشكروه على جزيل نعمه وآلائه، فيكون حمد العباد لخالقهم باللِّسان والجنان والأركان، فيكون نطقًا وإقرارًا وثناءً على الله المنعم المتفضل باللسان، وتصديقًا واعترافًا بالنعم بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وفيه حثّ لهم على تعبيد نعمه له سبحانه واستعمالها فيما يقربه لديه ويرضيه، فلا يستعينوا بنعمه على معصيته، فيكون ذلك منهم جحودًا لها ونكرانًا وكفرانًا.
«فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم … ، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة». اهـ (٢).
والرب العظيم الغني عن خلقه أجمعين، يحب من عباده أن يحمدوه، فلما حمد الله ذاته العلية فإنه تعالى يحب ذلك أيضًا من عباده، ويدل على ذلك ما ثبت صريحًا من حديث الأسود بن سريعٍ (٣) ﵁ قال: قلتُ: يا رسُول الله، ألا أنشدُك محامِد
стр. 118
حمدتُ بها ربِّي ﵎، قال: «أما إن ربك يحب أن يُحمد». زاد في رواية: «ولم يستزده على ذلك» (١).
يقول ابن المبرد الحنبلي (٢):
احمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها … وافزع إليه في الصعاب يحُلُّها
واقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه … مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، العالمين جمع عالم، والعالم جمعٌ لا مفرد له من لفظه، وكل ما سوى الرب عالم، وكل منا واحدٌ من هذا العالم.
و (الرَّبُّ) هو المالك والصاحب والمتصرف في ملكه، المدبر لشؤون خلقه من الخلق والرزق وتدبير جميع أمورهم وإصلاح شأنهم ورعايتهم، فلفظ الربّ يطلق على تلك المعاني جميعًا.
وكلمة الرب: إذا أطلقت فإنها تكون علمًا على الذات الإلهية، ولا يجوز ولا يصلح إطلاقها أبدًا إلا على الرب العظيم جل في علاه، ولكن يجوز إطلاقها على غيره سبحانه من خلقه بشرط أن تكون مقيدة بالإضافة تقول: رب الدابة، ورب البيت، ونحو ذلك، ومنه قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ في خبره مع أبرهة
стр. 119
الحبشي لما ساق الإبل وأراد هدم الكعبة المشرفة: «أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه» (١)(٢).
وربوبية الله تعالى لخلقه على ضربين:
الضرب الأول: الربوبية العامة بخلقه أجمعين، فهو الذي خلقهم ورزقهم ودبر شؤونهم، وأنعم عليهم بكل النعم وملك أمرهم، ودبر لهم شؤون معاشهم، وهذه ربوبية عامة تشمل كل خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم.
والضرب الثاني: ربوبية خاصة لعباده المتقين، يربيهم ربهم بالإنعام عليهم بهدايتهم سبل السلام، ويوفقهم لذلك، ويدفع ويمنع عنهم ما يصرفهم عن الهداية،
стр. 120
ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعصمهم من الضلالة والغواية بعد الرشاد والهداية.
ويربيهم بصلاح شأنهم كله ورعايتهم وتسديدهم ونصرتهم وتوفيقهم في كل شؤونهم.
وربوبية الله تعالى تشمل المعنيين جميعًا.
و ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هو الخالق لجميع العوالم، ما علمنا منها وما لم نعلم، وهو ربّها الذي يدبَّر جميع أمرها قاطبة، فيسوق إليها أرزاقها وأقواتها، وهو المالك لجميع أمرها، المتصرف وحده في جميع شؤونها، فلا يملك أحد من تلك العوالم لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل تلك العوالم كلها لا غنى لها عن فضله ورحمته طرفة عين ولا أدنى من ذلك، فكلهم فقراء إليه وإلى فضله ورحمته فقرًا دائمًا، فكل ما هم فيه من نعم وفضل، فمن واسع جوده وكريم عطائه وواسع رحمته وإحسانه، وكل ما صرف عنهم من البلاء والشقاء والضنك فهومن تصريفه لشؤون خلقه بتدبيره ورحمته، ففقر جميع تلك العوالم لرب العالمين فقر دائم لا ينقطع، وهو مع ذلك سبحانه القيوم على شؤون تلك العالمين غني عنهم أجمعين، قائم بنفسه لا حاجة له لأحد من خلقه، كل ذلك يدعو المؤمن في إعمال فكره وقلبه وعقله في ربوبية رب العالمين وعظمته، ويقدره حق قدره بأن يعبده سبحانه حق عبادته، وألا يصرف شيئًا من تلك العبادة لأحد سواه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب، وألا يجعل معه ألهًا آخر، ربنا مخاطبًا جميع الناس في أول نداء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة].
فأمرهم ربهم جميعًا بعبادته، ممتنًّا عليهم بربوبيته بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وقوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما اسمان عظيمان لله تعالى وصف بهما ذاته العلية.
стр. 121
واسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾: يدل على صفة ذاتية لله تعالى، وهو سبحانه رحمن موصوف بتلك الصفة العظيمة الخاصة به سبحانه دون سواه من خلقه.
واسم ﴿الرَّحِيمِ﴾: يدل على صفة فعلية للرب جل في علاه، وهي صفة فعلية مبناها على خصوص رحمته التي يرحم بها من يشاء من خلقه، وهي أخص بعباده المؤمنين تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب].
وهما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمن اسم ووصف لا يُسمَّى ولا يوصف بهما غير الله تعالى أبدًا، واسم الرحمن فيه مبالغة أشد من اسم الرحيم؛ لأن الرحمن متعلق برحمته سبحانه العامة التي تشمل عموم خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] فذكر صفة استوائه على العرش مقرونة باسمه الرحمن ليعم بتلك الرحمة العامة عموم خلقه من مؤمن وكافر وبرّ وفاجر، فكما أنهم عمهم عرشه، فتعمهم كذلك رحمته.
أما الرحيم، فهذه رحمة خاصة بالمؤمنين قال ربنا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب] وقد نص على ذلك جمع من أهل التفسير، وهو كذلك مأثور عن بعض السلف، وذكر الاسمين الكريمين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، فيه تنبيه أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة.
ومما سبق يتبين أن اسما: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان ثابتان لله على الحقيقة لا المجاز، وقد دل عليهما النقل والعقل والحس، فلا يُلتفت لمن أنكر تلك الصفة العظيمة وأولها إلى الإفضال والإحسان والإنعام وإرادة الله تعالى ذلك بخلقه، فالحمد لله على نعمة الهداية للحق، ونعوذ بالله من الغواية بعد الهداية.
وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
والمراد بيوم الدين هنا يوم الحساب والجزاء على الأعمال، ففيه معنى الإقرار
стр. 122
بإثبات المعَاد، وإثبات الجزاء والثواب والعقاب على الأعمال.
وإنما سُمِّي بيوم الدين: لأن الخلائق يحاسبون ويدانون بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌ، قال ربنا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة].
والمالك مَن له كمال الملك وتمامه، فهو سبحانه مَلِكٌ مالكٌ، أي: مَلِكٌ له مُلْكٌ، و (مالك) و (ملك)، قراءتان متواترتان (١).
ومن كان كذلك فإن له الأمر والنهى والثواب والعقاب، وهو سبحانه المتفرِّد بالحُكْم والفصْل والقضاء بين العباد في هذا اليوم العظيم، وفي يوم الدين يظهر ذلك عيانًا للخلائق أجمعين، فكل مُلك للمخلوقين قد زال، واستوى المالك والمملوك، أما مالك الملك الأعظم، فلا يبقى سواه.
قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]، ومَن ملك يوم الدين ذلك الملك الأكبر الباقي الدائم، فلا شك أنه يملك ما دونه، فهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، والإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة.
«وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا وفي الآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدَّعِي أحد هناك شيئًا ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه، قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] (٢).
стр. 123
وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وتقديم المعمول في ﴿إِيَّاكَ﴾ على فعلي (نعبد ونستعين)، يفيد الحصر والاختصاص، كما هو معلوم في اللغة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وتكررت كلمة إياك لتفيد الاهتمام والتعظيم للرب جل في علاه. ومثله قول الله تعالى: كقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ الآية [البقرة]، وقوله سبحاته: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ الآية [البقرة].
وإياك نعبد تنفي الشرك بأنواعه، وإياك نستعين تنفي الاغترار بالحول والقوة، وتثبت الافتقار الكامل التام لله والمذلة.
والآية متضمنة لتوحيد العبادة بأنواعها كلها، وأمثلة ذلك في كتاب الله كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة].
«والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» (١).
والعبادة لها عمودان وركيزتان لا تقوم إلا بهما وهما: كمال الذل وكمال المحبة.
و «العبادة المأمور بها تتضمّن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له … ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله» (٢).
و «لفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيَّم إذا
стр. 124
كان متعبدًا للمحبوب والمتيم المتعبد، وتيَّم الله عبده» (١).
قال ابن القيم ﵀:
وعبادة الرحمن غاية حبّه … مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله … لا بالهوى والنفس والشيطان (٢)
«والناس في هذا على درجات متفاوتةٍ، لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه» (٣).
ولقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ شبيهان في السنة المطهرة من كلام المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
الأول: في قوله ﷺ في خطبة الحاجة: «إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره» (٤).
والثاني: في قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵁ المشهور: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (٥).
ولا سعادة للبشرية ولا طمأنينة ولا راحة ولا نجاة لها من الآفات والمهلكات إلا بتحقيق العبودية الكاملة التامة لرب البرية.
وإنما قدم العبادة وأخر الاستعانة مع دخولها في العبادة ضمنًا، لتأكيد أمر الاستعانة، ولبيان مكانتها وقدرها ولضرورة حاجة العبادة إليها، وأنه لا توفيق ولا
стр. 125
هداية للعبد إلا بعون الله وتوفيقه تسديده.
«وقدَّم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتمامًا بتقديم حقه تعالى على حق عبده» (١).
يقول ابن القيم ﵀: «ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه (٢).
يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء.
فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.
стр. 126
وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يُسْتشْفَى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه، وفهمت عنه فهما خاصًّا، اختصها به من معنى هذه السورة (١).
وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
الصراط في المفهوم اللغوي: هو الطريق السهل (٢). والسبيل الواضح (٣).
والصراط هنا: هو الإسلام، والهداية إليه هي التمسك والاعتصام به، فما أوضحه وما أسهله.
والهداية إلى الصراط: هي معرفة دين الإسلام. وتعلمه والعمل به، وجحد كل دين سواه.
ومما يؤكد أن الصراط هو الإسلام ما ثبت في مسند أحمد من حديث النَّواس بن سمعان مرفوعًا في وَصف الصراط بأنه هو الإسلام، قوله ﷺ مفسرًا له: «والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّوران: حُدُودُ الله، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الدَّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ الله، والدَّاعي من فوق الصِّراط: واعظُ الله في قلب كُلِّ مُسلمٍ» (٤).
ولقد «أجمعَت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب» (٥).
стр. 127
إذًا فـ «[الصراط] (١) المستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]؛ فالرسول ﷺ بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم» (٢).
«والذي هو أَولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ -: أنْ يكونَ معنيًّا به: وَفِّقنا للثَّبات على ما ارتضيتَه [كما] (٣) وَفَّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم؛ لأن من وُفِّقَ لِما وُفِّقَ له مَن أَنعم اللهُ عليه من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء، فقد وُفِّقَ للإسلام وتصديقِ الرسلِ والتمسُّكِ بالكتاب والعملِ بما أمر الله به، والانزجارِ عمَّا زَجره عنه، واتِّباعِ منهج النبيِّ ﷺ ومنهاجِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم، وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم، يشمل معانيَ جميعِهم في ذلك ما اخترنا مِنَ التأويل فيه (٤).
«وذكر الصراط المستقيم مُفردًا مُعرَّفًا تعريفين:
تعريفًا باللام، وتعريفًا بالإضافة، وذلك يُفيد تعيُّنَه واختصاصه، وأنه صراطٌ واحدٌ، وأمَّا طُرُقُ أهلِ الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويُفردها، كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فوَحَّدَ لفظَ الصراط وسبيله، وجمع السُّبُلَ المخالفة له (٥).
стр. 128
وإنما الهداية: هدايتان مستقلتان، ولا تتم سعادة البشرية إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا:
أما الهداية الأولى: فهي هداية دلالة وإرشاد إلى الصراط المستقيم، ولا تكون هذه الهداية إلا بمعرفة الحق وطريق الرشاد، ولا يتم ذلك إلا بالعلم، ولا يتم العلم إلا بالوحي المتضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب.
أما الهداية الثانية: فهي هداية التوفيق والرشاد واتباع الحق والتمسك والاعتصام به، وتلك الهداية لا يملكها إلا الله، لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
فبالهداية الأولى: وهي هداية الدلالة والإرشاد يُعرف الحقُ من الباطل، والتوحيدُ من الشرك، والسنةُ من البدعة، والخيرُ من الشر، والهدى من الضلالة والعمى والغواية.
وبالهداية الثانية: وهي هداية التوفيق والإلهام والرشاد يُتبع الدينُ الحق الذي أُرسلت به الرسلُ وأُنزلت به الكتبُ ويُتمسك به، ويُنبذ ويُجحد ويُترك كلُ دين سواه.
ومما ينبغي أن يُعلم أن الهدايتين متلازمتين لا تنفك واحدة عن الأخرى، ولضرورة حاجةِ العبدِ للهدايتين أُمِرَ العبدُ أن يقف بين يدي ربه في صلاته ضارعًا خاشعًا متذللًا مستكينًا سائلًا لأعظم مطلوب وأجل مرغوب، ألا وهو هداية علام الغيوب فيدعوه قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وهو في ذلك يسأل ربه سؤال اضطرار إلى هدايته التي لا غنى له عنها طرفة عين أو أقل من ذلك أبدًا، ويسأل ربه سؤال مذلة، ويسأله سؤال حاجة وفاقة، ويسأله الهدايتين جميعًا، ويسأله سلوك الصراط والسير والثبات عليه حتى الممات.
ولا شك أن مطلب الهداية أعز مطلب فهو مبنى على رحمة الله وتوفيقه وفضله وإحسانه.
ومن رحمة النبي ﷺ بأمته فإنه يصف لهم حال السائرين على الصراط، تحذيرًا لهم، فيقول ﷺ : «وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فتقومانِ جَنَبتَي الصِّراطِ يمينًا وشمالًا، فيمرُّ
стр. 129
أوَّلُكُم كالبرقِ»، قال: قُلتُ: بأبي أنتَ وأمِّي، أيُّ شيءٍ كمرِّ البرقِ؟ قالَ: «ألم تَروا إلى البرقِ كيفَ يمرُّ ويرجعُ في طَرفةِ عينٍ؟ ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، وشدِّ الرِّجالِ، تَجري بِهِم أعمالُهُم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ، يقولُ: ربِّ سلِّم سلِّم، حتَّى تَعجِزَ أعمالُ العبادِ، حتَّى يجيءَ الرَّجلُ فلا يَستَطيعُ السَّيرَ إلا زَحفًا»، قالَ: «وفي حافتيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ بأخذِ من أُمِرَتْ بِهِ؛ فمَخدوشٌ ناجٍ، ومَكْدوسٌ في النَّارِ» (١). …
فـ «تفكَّر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقَّتَه، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرَع سمعَك شهيق النار وتغيُّظُها، وقد كُلِّفت أن تمشي على الصراط، مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلًا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدَّته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزِلُّون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكَلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعَه، ومرتقًى ما أصعبَه، ومجال ما أضيقَه فاللهم سلِّم سلم (٢).
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ «يتضمَّن بيان أن العبد لا سبيلَ له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما أنه لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته، ولا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته» (٣).
و «على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،
стр. 130
يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس (١).
فعلى العبد الناصح لنفسه، المكرم لها، الحريص على فكاك رقبته من النار، أنْ يجد في طلب الهدايتين جميعًا، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وعليه أن يبذل عمره كله في هذا المطلب العظيم، وأن يبذل دونه الهمم العوالي والمهج الغوالي، ذلك لأنه أعز مطلوب، وأجَل مرغوب، وأن يلح على الله في سؤال الهداية، وقد أمر الله عباده بذلك.
كما ثبت ذلك في أشرف حديث لأهل الشام عند مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، وهو حديثُ قدسيُّ: «يا عِبَادِي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هَديتُه، فاسْتَهدُوني أَهدِكُم» (٢).
- والسورة قد «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة» (٣).
وقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
فقَوْلُهُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
«أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ
стр. 131
النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٩]» (١).
فالمنعم عليهم إذًا: هم الذين قال الله تعالى عنهم في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء].
«وفيه الإشارةُ إلى الاقتداء بالسلف الصالح» (٢)(٣).
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. «أي: غير الذين غَضِبت عليهم، وهم اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾؛ أي: ولا الذين ضلُّوا، وهم النصارى، فكأن المسلمين سألوا الله -تعالى- أن يهديَهم طريق الذين أنعم عليهم، ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود، ولم يضلوا عن الحق كما ضلَّت النصارى» (٤).
وقال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود، ولا ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ هم النصارى، وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، قوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة]، وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ
стр. 132
مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة] (١).
وفي المسند وسنن الترمذي من حديث عدي بن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» (٢).
والحاصل من جراء ذلك كله أن السبل المذكورة ثلاثة سبل:
الأول: سبيل المنعم عليهم.
الثاني: سبيل المغضوب عليهم.
الثالث: سبيل الضالين.
ويتبين من ذلك أيضًا:
أن أهل السبيل الأول هم الذين قال الله فيه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويدخل ضمنًا معهم المؤمنون المهتدون الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وعبادته.
وأن أهل السبيل الثاني هم: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، وكل من سلك سبيلهم ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به.
وأن أهل السبيل الثالث هم: ﴿الضَّالِّينَ (٧)﴾ وهم النصارى، ومن سلك سبيلهم ممن عبد الله على جهالة وضلالة، لذا فكل من عرف الحق من علمائنا ولم يعمل به ففيه شبه من اليهود، وكل من عبد الله على ضلالة من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
ولما كان اليهود أمة عناد خُصوا بما يناسبهم ألا وهو الغضب، ولما كانت النصارى أمة جهل خُصوا أيضًا بما يناسبهم ألا وهو الضلال.
стр. 133
ولذلكـ «فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم.
والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود: الغضب، قال الله فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وأخص أوصاف النصارى: الضلال، قال سبحانه فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. وذلك واضح بين» (١).
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: «كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُ: احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.
فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَشْبَهَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ بِالْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة] فَالْأَوَّلُ مِنْ الْغَاوِينَ وَالثَّانِي مِنْ الضَّالِّينَ (٢).
الكلام حول قول آمين بعد انتهاء السورة:
و «يستحبّ لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين (مثل: يس)، ويقال: أمين.
стр. 134
بالقصر أيضًا (مثل: يمين)، ومعناه: اللّهمّ استجب» (١).
و (آمين): اسم فعل أمر بمعنى: اللّهمّ استجب. فمن قالها بعد الدعاء فكأنه دعا بما أمَّن عليه، فإن كان هو الداعي فيكون قد دعا مرتين.
و «التَّأْمِينُ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ إِلَى آخِرِهِ، وَالْمُؤَمِّنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ، فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ: مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا» (٢).
و «اتفق العلماء على أنه يسن للمنفرد والمأموم أن يقول: آمين، فالمنفرد يؤمِّن بعد قراءته للفاتحة، والمأموم يؤمن بعد قراءة الإمام» (٣).
والإمام كذلك يجهر بالتأمين لما دلت عليه السنة الثابتة الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «آمِينَ» (٤)(٥).
ومن البدع الظاهرة التي سرت في كثير من بلدان المسلمين، وانتشرت يبن العامة انتشار النار في الهشيم: قراءة الفاتحة في مواطن شتى، مثل أن تُقرأ عند عقد صفقات تجارية من بيع أو شراء، أو عند عقود الأنكحة، أو عند التعزية في وفاة ميت، وفي غير ذلك من المواطن، معتقدين حدوث البركة في تلك المواطن بسبب تلك القراءة، ولا شك أن القرآن كتاب مبارك حيثما تُلي وحيثما قُرِئ، ولا يُشكُّ في ذلك أبدًا، لكن هذه المواطن وأمثالها لم يرد فيها قراءة للفاتحة أبدًا، لا عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه
стр. 135
الأربعة، ولا عن أحد من أصحابه ﵃ أجمعين، ولا عن أحد من الأئمة الأربعة، ولا عن أيّ أحد من القرون الثلاثة المفضلة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
و «أهل السنة والجماعة يقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها» (١) انتهى.
ولو كان هذا الأمر مشروعًا لبينه النبي ﷺ لأمته وهو مأمور بالبلاغ عن الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وهنا «يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتم القيام» (٢).
يقول فضيلة شيخنا العلَّامة صالح الفوزان (٣): «والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا، منها: طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء وللأموات … » (٤) انتهى.
стр. 136
و «قراءة الفاتحة عند التعزية بدعة، فما كان الرسول ﷺ يعزي بقراءة الفاتحة أبدًا، ولا غيرها من القرآن» (١).
فينبغي للمسلم أن يحرص على اتباع هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه واجتناب البدع عملًا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 137
المبحث السادس
بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها
стр. 138
المبحث السادس:
بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها
أولًا: أقوال العلماء في زمن نزولها (١):
أكثر العلماء على أنها سورة مكية (٢).
وقيل: إنها سورة مدنية (٣).
وقيل: إن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر بالمدينة (٤).
وقيل: إنها نزلت مرتين: مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حُوِّلت القبلة فصارت مكية مدنية (٥)(٦).
والحاصل من هذا أن في زمن نزولها أربعة أقوال:
الأول: أنها مكية.
стр. 139
الثاني: أنها مدنية.
الثالث: أنه نزل نصفها بمكة، ونزل نصفها الآخر بالمدنية.
الرابع: أنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.
ولا شك في صحة القول الأول، بأنها مكية، وهذا ما عليه الأكثرون، ومما يدلل على ذلك: أنه «قد صح أنها مكية لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وهو مكي بالنص» (١). وقد سبق بيان ذلك في ثنايا البحث.
و «سورة الحجر مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله ﷺ بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله ﷺ قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب هذا مما لا تقبله العقول» (٢).
وقد وافق قولُ الواحدي قولَ البيضاوي في الاستدلال على مكية السورة بآية الحجر، وزاد عليه استدلالًا واستنباطًا مقنعًا؛ ألا وهو استحالة أن تفرض الصلاة بمكة وتقام دون أن يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقد حقق بعض العلماء هذا القول بذلك الطاهر بن عاشور كما سياتي معنا بعد قليل عند الكلام على ترتيب نزولها.
و «تنبيهٌ يُستنبطُ من تفسير السّبع المثاني بالفاتحة، أنّ الفاتحة مكّيّةٌ، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهدٍ، ووجه الدّلالة أنّه سبحانه امتنّ على رسوله بها وسورة الحجر مكّيّةٌ اتّفاقًا، فيدلّ على تقديم نزول الفاتحة عليها، قال الحسين بن الفضل: هذه هفوةٌ من مجاهدٍ؛ لأنّ العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخّرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزّهريّ وعطاء بن يسارٍ» (٣).
ومما نُظم وقيل في ذلك: قولُ أبي الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ:
«المدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيها اثنتا عشر سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق».
стр. 140
ثم نَظَمَ قائلًا:
يا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا … وعن ترتب ما يُتلى من السور
وكيف جاء بها المختار من مضر … صلى الإله على المختار من مضر
وما تقدم منها قبل هجرته … وما تأخر في بدوٍ وفي حضر
ليعلم النسخ والتخصيص مجتهد … يؤيد الحكم بالتاريخ والنظر
تعارض النقل في أمِّ الكتاب وقد … تُؤُوِلت الحجر تنبيها لمعتبر
أم القرآن وفي أم القرى نزلت … ما كان للخمس قبل الحمد من أثر (١)
والشاهد منها من قول الناظم: «تعارض النقل»
أي: تعارضت الأقوال: يعني: أقوال أهل العلم في الفاتحة، أي: في كونها مكية أو مدنية، ومما يدل على مكيتها ما جاء في سورة الحجر من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر].
ومن المعلوم أن سورة الحجر مكية باتفاق، وقد امتنّ الله تعالى على رسوله ﷺ فيها بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ الآية، فدل على تقدم نزول الفاتحة على سورة الحجر، إذ كيف يحصل الامتنان عليه من الله بما لم ينزل بعد، وبقريب من هذا المعنى أشار غير واحد من أهل التفسير (٢).
وأخيرًا فإن «الحجر مكية بإجماع. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة. وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ يدل على هذا قوله ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٣) وهذا خبر عن الحكم، لا عن الابتداء، والله أعلم» (٤).
стр. 141
ثانيًا: ترتيب نزولها:
قال ابن عباس ﵁: «نزلت بمكة بعد ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ … (١)﴾ [المدثر]» (١)، «ونزلت بعدها ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ [المسد: ١]» (٢).
وقال ابن كثير: إنّها أوّل سورةٍ نزلت، والصّحيح أنّه نزل قبلها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وسورة المدّثّر ثمّ الفاتحة (٣).
وقيل: نزل قبلها أيضًا ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وسورة المزّمّل، وقال بعضهم: هي أوّل سورةٍ نزلت كاملةً أي: غير منجّمةٍ، بخلاف سورة القلم، وقد حقّق بعض العلماء أنّها نزلت عند فرض الصّلاة فقرأ المسلمون بها في الصّلاة عند فرضها، وقد عدّت في روايةٍ عن جابر بن زيدٍ السّورة الخامسة في ترتيب نزول السّور (٤).
ويتأكد مما سلف نزولها بمكة جملة واحدة غير منجمة، وأنها نزلت في جملة أوائل ما نزل من القرآن بعد المدثر وهو اختيار الحبر ابن عباس ﵁.
ومما نُظم وقيل في ذلك (٥):
قول جعيجع:
نظمتُ ترتيبَ تنزيلِ القُرَانِ كما … عند الحَبَنَّكةِ الميدانِ قدْ سُطرا (٦)
اقرأ بنونٍ ولا تزَّمل الدُّثُرا … والحمد لله تبَّ الشرْك وانكَدرا
فهو يرتب نزول سور القرآن كما رتبها الميداني، فبدأ بـ (اقرأ، ثم نون والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم الحمد وهي الفاتحة، ثم تبت يدا)، وهذا ما عليه الأكثرون.
стр. 142
ثالثًا: ظروف نزولها:
«في بداية نزول الوحي حيث لم يكن النبي ﷺ قد تلقَّى كثيرًا من القرآن جاءه جبريل ﵇ بفاتحة الكتاب، في جوٍ بدأ فيه المشركون يتوجسون خيفة من هذا الجديد الذي لم يألفوه، جاءه بالسورة الكريمة لتكون النبراس الأوفى والمنهج الأكمل رغم إيجازها وقصرها، حيث طالت كافة مجالات القرآن العظيم، واشتملت على شتى مقاصده، فتناولت أصول الدين وفروعه، ولزوم الإِيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، وبشرت بالتوحيد الذي لا يكون إلا بإفراده جل شأنه بالعبادة من دعاء واستعانة وتوكل، والتوجه إِليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إِلى الدين القويم، وانتهاج المنهج الكريم الذي سار عليه ركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إضافة إلى لزوم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره والاعتقاد باليوم الآخر، وقد أنارت السورة الكريمة سبيل النجاة بالتضرع إِليه سبحانه بالتثبيت على الإِيمان ونهج صراط الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وبذلك احتوت قصص الأمم السابقة، وتضمنت الأخبار اللاحقة؛ فنوهت بمدارج السعداء، وحذرت من مدارك الأشقياء، وحصرت مصدر التعبد والتشريع في رب السماوات والأرض وحده سبحانه، فكانت إيذانًا من الله تعالى لرسوله ﵊ بإقامة منهج التوحيد حياة وسلوكًا ودعوة» (١).
رابعًا: سبب نزولها:
لا شك أنَّ معرفة أسباب النزول مما يعين على فهم مراد الله من الآية أو السورة، وبعض السور أو الآيات لا يمكن التوصل لحقيقة معناها وما سيقت من أجله إلا بعد معرفة سبب نزولها والواقعة التي سيقت وأنزلت من أجلها أو بسببها، وكذلك فإن معرفة سبب النزول مما يعين على معرفة وفهم وبيان حكم التشريع الإلهي أيضًا.
وليس كل آية أو سورة في كتاب الله لها سبب نزول، بل إن منها ما يكون له سبب،
стр. 143
ومنها ما يكون ليس له سبب؛ لأن نزول القرآن إما ابتدائي ليس له سبب، وإما سببيّ.
وغالب سور القرآن وعمومها ابتدائي ليس له سبب معروف ومذكور، فمنها ما ينزل هداية ابتداءً دون سبب؛ لأنه كتاب هداية للبشرية جمعاء، ومنها ما ينزل للتشريع وبيان الأحكام أو للاعتبار والاتعاظ ككثير من القصص، أو لبيان الناسخ والمنسوخ، أو لذكر الوعد والوعيد، أو قد يرد السؤال فتنزل الآيات بالجواب الشافي الكافي، أو لحادثة قد تقع فتحتاج إلى تفصيل وبيان وإيضاح، أوقد يقع فعل يحتاج إلى بيان معرفة حكمه الشرعي.
وسورة الفاتحة لم يقف الباحث على سبب نزول لها، إلا ما أورده بعض أئمة التفسير بسند منقطع فـ «من طريق أبي ميسرة (أحد كبار التابعين) أن: رسول الله كان إذا برز سمع مناديًا ينادي: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا فقال له: ورقة بن نوفل إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، فلما برز سمع النداء فقال: «لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله»، ثم قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ … حتى فرغ من فاتحة الكتاب.
قلت: وهو مرسل ورجاله ثقات؛ فإن ثبت حُمِل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فترة الوحي والعلم عند الله تعالى» (١)(٢).
ولم يقف الباحث على سبب صحيح ثابت يحسن الاستدلال به في سبب نزول السورة الكريمة.
وقد يقف الباحث على الحكمة من عدم وجود سبب لنزول سورة من السور، وقد لا يقف.
ومنها سورة الفاتحة، فلم يقف الباحث خلال بحثه القاصر على الحكمة من عدم وجود سبب ظاهر لنزولها.
ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.
стр. 144
المبحث السابع
بيان بعض ما ورد في
فضائلها وخصائصها
стр. 145
المبحث السابع:
بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها
لقد صنف أئمة الإسلام في فضائل القرآن مؤلفات ومصنفات كُثُر، وكان السبق في التصنيف في هذا الميدان للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي ﵀، حيث صنف كتابًا أسماه: (فضائل القرآن ومعالمه وآدابه)، وجُلّ المصنفاتِ في هذا الباب من بعده تستقي من معين كتابه وتنهل من بحر علمه الزاخر، فهو بمثابة الكتاب الأم في بابه، ولقد اعتنى فيه مصنفه برواية الأحاديث والآثار بسنده، ولكن الكتاب جمع الصحيح وغير الصحيح، ولأهمية الكتاب من الناحية العلمية والتصنيف فقد لاقى قبولًا واسعًا فمؤلفه إمام وعلم من أعلام الأمة، وكذلك لقي الكتاب العناية بالتحقيق والتدقيق من بعض الباحثين المعاصرين (١).
وممن صنف في هذا الباب أيضًا محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي الأندلسي ﵀ (ت-٦١٩ هـ)، فقد صنف كتابه (لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن)، ومصنفه هذا من أفضل وأنفع وأجمع ما صنف في بابه، ولقد اعتنى به مصنفه فجمعه من سبعين كتابًا كما بين ذلك في مقدمته، ولمكانة الكتاب وأهميته فقد لاقى عناية من بعض الباحثين فقام بتحقيقه (٢).