← Тафсир

Тафсир · id 755

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (452 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثانيًا: ترتيب نزولها: قال ابن عباس ﵁: «نزلت بمكة بعد ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ … (١)﴾ [المدثر]» (١)، «ونزلت بعدها ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ [المسد: ١]» (٢). وقال ابن كثير: إنّها أوّل سورةٍ نزلت، والصّحيح أنّه نزل قبلها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وسورة المدّثّر ثمّ الفاتحة (٣). وقيل: نزل قبلها أيضًا ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]، وسورة المزّمّل، وقال بعضهم: هي أوّل سورةٍ نزلت كاملةً أي: غير منجّمةٍ، بخلاف سورة القلم، وقد حقّق بعض العلماء أنّها نزلت عند فرض الصّلاة فقرأ المسلمون بها في الصّلاة عند فرضها، وقد عدّت في روايةٍ عن جابر بن زيدٍ السّورة الخامسة في ترتيب نزول السّور (٤). ويتأكد مما سلف نزولها بمكة جملة واحدة غير منجمة، وأنها نزلت في جملة أوائل ما نزل من القرآن بعد المدثر وهو اختيار الحبر ابن عباس ﵁. ومما نُظم وقيل في ذلك (٥): قول جعيجع: نظمتُ ترتيبَ تنزيلِ القُرَانِ كما … عند الحَبَنَّكةِ الميدانِ قدْ سُطرا (٦) اقرأ بنونٍ ولا تزَّمل الدُّثُرا … والحمد لله تبَّ الشرْك وانكَدرا فهو يرتب نزول سور القرآن كما رتبها الميداني، فبدأ بـ (اقرأ، ثم نون والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم الحمد وهي الفاتحة، ثم تبت يدا)، وهذا ما عليه الأكثرون.

стр. 142

ثالثًا: ظروف نزولها: «في بداية نزول الوحي حيث لم يكن النبي ﷺ قد تلقَّى كثيرًا من القرآن جاءه جبريل ﵇ بفاتحة الكتاب، في جوٍ بدأ فيه المشركون يتوجسون خيفة من هذا الجديد الذي لم يألفوه، جاءه بالسورة الكريمة لتكون النبراس الأوفى والمنهج الأكمل رغم إيجازها وقصرها، حيث طالت كافة مجالات القرآن العظيم، واشتملت على شتى مقاصده، فتناولت أصول الدين وفروعه، ولزوم الإِيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، وبشرت بالتوحيد الذي لا يكون إلا بإفراده جل شأنه بالعبادة من دعاء واستعانة وتوكل، والتوجه إِليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إِلى الدين القويم، وانتهاج المنهج الكريم الذي سار عليه ركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إضافة إلى لزوم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره والاعتقاد باليوم الآخر، وقد أنارت السورة الكريمة سبيل النجاة بالتضرع إِليه سبحانه بالتثبيت على الإِيمان ونهج صراط الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وبذلك احتوت قصص الأمم السابقة، وتضمنت الأخبار اللاحقة؛ فنوهت بمدارج السعداء، وحذرت من مدارك الأشقياء، وحصرت مصدر التعبد والتشريع في رب السماوات والأرض وحده سبحانه، فكانت إيذانًا من الله تعالى لرسوله ﵊ بإقامة منهج التوحيد حياة وسلوكًا ودعوة» (١). رابعًا: سبب نزولها: لا شك أنَّ معرفة أسباب النزول مما يعين على فهم مراد الله من الآية أو السورة، وبعض السور أو الآيات لا يمكن التوصل لحقيقة معناها وما سيقت من أجله إلا بعد معرفة سبب نزولها والواقعة التي سيقت وأنزلت من أجلها أو بسببها، وكذلك فإن معرفة سبب النزول مما يعين على معرفة وفهم وبيان حكم التشريع الإلهي أيضًا. وليس كل آية أو سورة في كتاب الله لها سبب نزول، بل إن منها ما يكون له سبب،

стр. 143

ومنها ما يكون ليس له سبب؛ لأن نزول القرآن إما ابتدائي ليس له سبب، وإما سببيّ. وغالب سور القرآن وعمومها ابتدائي ليس له سبب معروف ومذكور، فمنها ما ينزل هداية ابتداءً دون سبب؛ لأنه كتاب هداية للبشرية جمعاء، ومنها ما ينزل للتشريع وبيان الأحكام أو للاعتبار والاتعاظ ككثير من القصص، أو لبيان الناسخ والمنسوخ، أو لذكر الوعد والوعيد، أو قد يرد السؤال فتنزل الآيات بالجواب الشافي الكافي، أو لحادثة قد تقع فتحتاج إلى تفصيل وبيان وإيضاح، أوقد يقع فعل يحتاج إلى بيان معرفة حكمه الشرعي. وسورة الفاتحة لم يقف الباحث على سبب نزول لها، إلا ما أورده بعض أئمة التفسير بسند منقطع فـ «من طريق أبي ميسرة (أحد كبار التابعين) أن: رسول الله كان إذا برز سمع مناديًا ينادي: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا فقال له: ورقة بن نوفل إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، فلما برز سمع النداء فقال: «لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله»، ثم قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ … حتى فرغ من فاتحة الكتاب. قلت: وهو مرسل ورجاله ثقات؛ فإن ثبت حُمِل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فترة الوحي والعلم عند الله تعالى» (١) (٢). ولم يقف الباحث على سبب صحيح ثابت يحسن الاستدلال به في سبب نزول السورة الكريمة. وقد يقف الباحث على الحكمة من عدم وجود سبب لنزول سورة من السور، وقد لا يقف. ومنها سورة الفاتحة، فلم يقف الباحث خلال بحثه القاصر على الحكمة من عدم وجود سبب ظاهر لنزولها. ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.

стр. 144

المبحث السابع بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها

стр. 145

المبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها لقد صنف أئمة الإسلام في فضائل القرآن مؤلفات ومصنفات كُثُر، وكان السبق في التصنيف في هذا الميدان للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي ﵀، حيث صنف كتابًا أسماه: (فضائل القرآن ومعالمه وآدابه)، وجُلّ المصنفاتِ في هذا الباب من بعده تستقي من معين كتابه وتنهل من بحر علمه الزاخر، فهو بمثابة الكتاب الأم في بابه، ولقد اعتنى فيه مصنفه برواية الأحاديث والآثار بسنده، ولكن الكتاب جمع الصحيح وغير الصحيح، ولأهمية الكتاب من الناحية العلمية والتصنيف فقد لاقى قبولًا واسعًا فمؤلفه إمام وعلم من أعلام الأمة، وكذلك لقي الكتاب العناية بالتحقيق والتدقيق من بعض الباحثين المعاصرين (١). وممن صنف في هذا الباب أيضًا محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي الأندلسي ﵀ (ت-٦١٩ هـ)، فقد صنف كتابه (لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن)، ومصنفه هذا من أفضل وأنفع وأجمع ما صنف في بابه، ولقد اعتنى به مصنفه فجمعه من سبعين كتابًا كما بين ذلك في مقدمته، ولمكانة الكتاب وأهميته فقد لاقى عناية من بعض الباحثين فقام بتحقيقه (٢).

стр. 146

وهذا الباب لاقى عناية فائقة فكتب فيه الأولون والآخرون مصنفات عدة، منها ما هو محفوظ ومنها ما هو مفقود، ومما حفظ فيما كُتِبَ في ذلك ما كتبه ابن أبي شيبة صاحب المصنف، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، وأبو الفضل … عبد الرحمن بن أحمد الرازي المقرئ، والإمام الآجري صاحب كتاب الشريعة، وابن الضريس، والنووي، ومن المتأخرين خلق كثير منهم محمد بن رزق بن طرهوني، كذلك الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومما حُفِظَ أيضًا ويُفاد منه في هذا الباب الموسوعات الحاسوبية (الإلكترونية) كموسوعة علوم القرآن، فقد حوت قرابة ثمان وعشرين مصنفًا من مصنفات أمهات كتب علوم القرآن. ولفاتحة الكتاب المكانة العظمى فيما كُتب وصنف في هذا الباب، فقد اعتنى الأئمة ببيان فضائل السورة الكريمة وذكر ما ورد فيها من أحاديث وآثار، ومن البديهي أن يرد فيها ما هو صحيح ثابت وما هو دون ذلك كما مرَّ معنا ذكر ذلك آنفًا، فكان من الباحث الاكتفاء بذكر ما ثبت وصح من الأحاديث والآثار الثابتة والواردة في فضل سورة الفاتحة، وهي كثيرة مما يدل على عظيم قدر السورة وجليل شأنها وعلو منزلتها، ونسوق بعض ما ورد وثبت في فضلها وخصائصها على النحو التالي: أولًا: الفاتحة هي أعظم سور القرآن . لا شك أن القرآن كله هو كلام الله ، والله تعالى له الحكمة البالغة في اصطفاء وتفضيل بعض آياته وسوره على بعض لما حوته من الفضائل والحكم، وسورة الفاتحة حازت السبق الأكبر في هذا التفضيل بين سور القرآن حتى أضحت أعظم سورة في كتاب الله. فقد ثبت عند البخاري وغيره من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:

стр. 147

٢٤]؟»، ثُمَّ قَالَ لِي: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» (١). «فهذا الحديث نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر] (٢). ثانيًا: الفاتحة أفضل القرآن . لما ثبت من حديث أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ في مسيرٍ، فنزل، فمشى رجلُ من أصحابه إلى جانبه، فالتفت إليه، فقال: «ألا أخبركَ بأفضلِ القرآنِ؟» قال: فتلا عليه الحمد لله رب العالمين» (٣). ثالثًا: الفاتحة لها خصائص ليست لغيرها . ومما يجلي ويوضح ما خُصت به الفاتحةُ وفُضِلَت به على سور القرآن الكريم ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ» (٤). ومن هذا الحديث يتجلى ويتضح عظم شأنها.

стр. 148

ومن عظم شأنها أنها: ١ - يُفتح لنزولها بابٌ من السماء لم يُفتح من قبل. ٢ - وينزل ملكٌ خصيصًا ولأول مرة ليبشر النبيَ ﷺ بها، وما أعظمها من بشارة «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا»، حتى يبشر بها أمته. ٣ - فَضَّلَ اللهُ بها نبيهَ محمدًا ﷺ دون سائر المرسلين، وإنما أمته تابعة له، «لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ». ٤ - كما فُتِحَ الحديثُ عنها بالبشرى خُتِمَ كذلك بالبشرى بقوله: «لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ». وقد اختلف العلماء في معنى قوله: «إِلا أُعْطِيتَهُ» ـ فحمله بعضهم على أن المراد ما ورد فيها من الدعاء، وحمله آخرون على الثواب، ولا يمنع من اجتماع الفضلين جميعًا. قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: «أي: مما فيه من الدعاء إلا أعطيته، أي: أعطيت مقتضاه». اهـ. وقال المُلَّا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: «أي: أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وكقوله: - ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]- ونظائر ذلك، وفي غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه». اهـ. وقال ابن عَلَّان الصديقيّ الأشعريّ المكيّ (١) في كتابه دليل الفالحين شرح رياض

стр. 149

الصالحين: «والمراد ثوابه الأعظم من ثواب نظيره في غير هذين، أو المراد بالحرف معناه اللغوي وهو الطرف، وكنَّى به كل جملة مستقلة بنفسها: أي: أعطيت ما تضمنته إن كانت دعائية -كـ ﴿اهْدِنَا﴾ - و ﴿غُفْرَانَكَ﴾ -الآيتين، وثوابهما إن لم يتضمن ذلك كالمشتملة على الثناء والتمجيد» (١). اهـ. وقول مُلَّا علي القاري ﵀ هو أجمع الأقوال، وقريب منه قول ابن عَلَّان، ومما يُرجح ذلك الحديث القدسي المشهور: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وختم الحديث بقوله: «قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٢). والسورة «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة» (٣). رابعًا: ومن دلالات هذا الحديث على خصائص فاتحة الكتاب . أن الصلاة لا تصح بدونها، لقول أبي هريرة ﵁ في صدر الحديث: مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلاثًا غَيْرُ تَمَامٍ (٤)، فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، ثم ذكر الحديث بتمامه. إذ من المعلوم أن قراءة الفاتحة ركن من الصلاة، لا تصح بدونها، لما ثبت أيضًا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٥).٢).

стр. 150

ومن خصائصها كذلك أنها: «قد تضمنت جميع معاني الكتب المنزلة» (١). ومن خصائصها كذلك أنها: متضمنة لأنفع الدعاء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾» (٢) انتهى. «ومَن ساعده التوفيق وأُعِينَ بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقق بها؛ أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه» (٣) انتهى. وفضائل وخصائص السورة الكريمة أكثر من أن تُحصى، وما ذُكِر غيضٌ من فيضٍ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. وما ثبت من فضائل عظيمة وخصائص جليلة لفاتحة الكتاب مما يدفع المؤمن ويرغبه ويحثه على العناية بالقرآن الكريم وتدبره ومدارسته عمومًا، وبسورة الفاتحة خصوصًا. ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 151

الفصل الثالث المناسبات في السورة الكريمة ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسور الفاتحة. المبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها. المبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض. المبحث الرابع: علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله.

стр. 152

المبحث الأول مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة

стр. 153

المبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة توطئة: القرآن الكريم: «هو كلام الله تعالى المنزل على نبينا محمد ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلًا متواترًا المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه» (١). والقرآن: «كلام الله منه بدا، بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله -تعالى- بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر» (٢). وهو: المعجز بلفظه، فآياته فاقت الغاية دقة وإحكامًا، وتجلت عيانًا وضوحًا وبيانًا، سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود]، فهي: «محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى» (٣). فآياته كلها محكمة في سردها، دقيقة في سبكها، متينة في أسلوبها، مترابطة في ارتباط واتصال معانيها، فهي ككلمة واحدة متسعة في معانيها، منتظمة في مبانيها، وهي متماسكة مترابطة آخذ بعضها برقاب بعض، كأنها سبيكة واحدة، وعقد فريد متماسك متناظم على أكمل وأتم الوجوه، يسير إعجازها سريان الماء المتدفق في نهر جار. وهي مع ذلك كله: فهي «محكمة متقنة لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم» (٤).

стр. 154

والقرآن قد «جعلت آياته محكمة النظم والتأليف، واضحة المعاني بليغة الدلالة والتأثير، فهي كالحصن المنيع، والقصر المشيد الرفيع، في إحكام البناء، وما يقصد به من الحفظ والإيواء مع حسن الرواء، فهي لظهور دلالتها على معانيها ووضوحها لا تقبل شكًّا ولا تأويلًا، ولا تحتمل تغييرًا ولا تبديلًا» (١). أحكمت آياته: فـ «نظمت نظمًا رصينًا محكمًا، لا يقع في نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف» (٢)، ربنا ﵎: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]. فـ «لا اختلال فيه بوجه من الوجوه» (٣). فقد أحكمها أحكم الحاكمين، وفصَّلها العليم الخبير. ولمَّا نزل القرآنُ أعجزَ أربابَ الفصاحةِ وملوكَ البلاغة والبيان من صناديد قريش، فأذعنوا لسلطانه وأبهرهم بيانه، وشهدوا لإعجازه وفصاحته وبلاغته، والحق ما شهدت به الأعداء، ومن عاند منهم وجحد لم يستطع أن يطعن فيه ولو بكلمة واحدة، ولكن رموا مَن بلَّغه عن الملك الوهاب ﷺ بالبهتان والسباب وقالوا: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ … (٤)﴾ [ص]. بل تخطى حاجز الإقرار بالإعجاز وحسن البيان من الإنس إلى الجان، فلما سمعوه قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن]. كانت هذه التوطئة كمقدمة لبيان عظمة القرآن في إعجازه وبلاغته، وعلم المناسبات لا شك مما يدل على إعجاز القرآن الكريم من كل الوجوه. و «علم المناسبات علم عظيم أُودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول.

стр. 155

وهو: علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول» (١). «ومَن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضًا بسبب ترتيبه ونظم آياته» (٢). ومما سبق إيضاحه وبيانه يتبين أن نظم آيات القرآن يعجز الخلق أجمعين عن الإتيان بمثله، فدل ذلك على أن ترتيب آيات القرآن أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه. ومن الأهمية بمكان بيان مفهوم علم المناسبات في اللغة والاصطلاح . أولًا: المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة (٣). - واصطلاحًا: هي علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن (٤). وبمعرفة علم المناسبات يتضح ويتبين إعجاز القرآن واتساق آياته وتناسقها على وجه من الكمال والجمال والجلال، وهذا مما يظهر إعجازه وبلاغته على صفة تشهد أنه كلام الله المعجز بلفظه المتحدى به، فلو كان كلام بشر لاختلت معانيه ولاضطربت مبانيه، ولوجدوا فيه من الاختلاف ما يمكنهم معه من الطعن فيه. وفي نحو ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]. ومن فوائد وثمار معرفة علم المناسبات أنه: ١ - يعين على إبراز أوجه الصلة والتناسب بين السور والآيات ومعرفة علاقة الآية أو السورة بسابقتها ولاحقتها، وهذا مما يقرب فهم معاني القرآن وبيان مقاصده ووضوح مراميه، لمفسره أولًا، ومِن ثَمَّ لقارئه ومتدبره وتاليه. ٢ - ويعين أيضًا على إدراك الحكمة من التشريع والترابط بين أحكام الشريعة في

стр. 156

الأمر والنهى والتحليل والتحريم والثواب والعقاب وغير ذلك من الأحكام. ٣ - ومن فوائده: أنه لما كان ترتيب بلاغة القرآن وحسن نظم أسلوبه وروعة خطابه وحسن نظامه ما أعجز الإنس والجان أن يأتوا بمثله، والعرب مهما أوتوا من بلاغة وروعة بيان وإحكام في فصاحة ومهما أوتوا من ذكاء وفطنة، فإن إعجاز بيان القرآن فوق ما حباهم الله من الفصاحة والبيان، فدل ذلك على أن هذا ليس بكلام البشر، ودل على إثبات نبوة ورسالة من بلغه للبشر عن رب البشر ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]. وفي نحو ماسبق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا وَعَرَفَ مَقْصُودَ الْقُرْآنِ تَبَيَّنَ لَهُ الْمُرَادُ وَعَرَفَ الْهُدَى وَالرِّسَالَةَ وَعَرَفَ السَّدَادَ مِنْ الِانْحِرَافِ وَالِاعْوِجَاجِ» (١). ومن المناسبة بمكان ذكر بيان موجز لأهم المصنفات في علم المناسبات: فمن أبرزها وأشهرها ما يلي: ١ - «البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن» لأبي جعفر بن الزبير الأندلسي (ت ٨٠٧ هـ). ٢ - «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» لبرهان الدين البقاعي وهو أوسع كتاب في بابه وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلدًا. ٣ - «تناسق الدرر في تناسب السور» لجلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، وله أيضًا: «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع». ٤ - «جواهر البيان في تناسب سور القرآن» لعبد الله الغُمَاري وهناك مؤلفات كُثُر ضمن مصنفوها علمَ المناسبات كتبَهم دون أن يفردوها بتصنيف مستقل، وهناك أيضًا كتابات لبعض المتأخرين لكنهم عيال على المتقدمين فيما كتبوا.

стр. 157

وعلم المناسبات منهم مَن مدحه مدحًا مطلقًا، ومنهم مَن ذمَّ وعاب من دخل فيه متكلفًا. ومن العلماء المادحين المؤيدين: أبو بكر النيسابوري ﵀، وهو من أبرز من اعتنى بعلم المناسبات، وبرهان الدين البقاعي، والفخر الرازي، والزركشي صاحب البرهان، والسيوطي صاحب الإتقان، وفي صدد ذلك يقول الفخر الرازي: «أكثر لطائف القرآن مودعه في الترتيبات، والروابط» (١)، ويقول أيضًا: «علم المناسبات علم عظيم أُودِعَت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه» (٢). ويقول بدر الدين الزركشي: «من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض، لئلا يكون منقطعًا، وهو مبني على أن ترتيب السور توفيقي، وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة؛ لما خُتمت به السورُ قبلها، ثم هو قد يخفى تارة، ويظهر أخرى» (٣). وفي صدد ذلك يقول الغُماري الحسني: علمُ التناسب للسور … علمٌ جليلٌ ذو خطر قد قلّ فيه الكاتبون … كما قدْ عزَّ المُستطر (٤) عرض آراء العلماء المعارضين لعلم المناسبات ومناقشتها: والمعارضون له وإن كانوا قلة إلا أن رأيهم محل أخذ ورد ونظر لمن أعمل فكره واعتبر وادَّكر. فقد ذكر الزركشي ﵀ في: (البرهان) تحفُّظ عز الدين عبد السلام على القول

стр. 158

بالمناسبات في القرآن فقال: «وقال عز الدين بن عبد السلام ﵀: المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر، ومن ربط فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلًا عن أحسنه؛ فإن القرآن نزل في نَيِّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يأتي ربط بعضه ببعض» (١). والعز بن عبد السلام إنما أنكر التزام ذلك في كل موضع. كما نُقل عن أبي حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط كلامٌ شبيه بكلام عز الدين عبد السلام» (٢). ومنهم أيضًا أبو الحسن الحرالي المغربي (٦٣٧ هـ)، والغزنوي، والشوكاني وهو أكثرهم رفضًا ومنعًا للتكلف والتزام المناسبة في كل موضع؛ فعند تفسيره لقوله -تعالى-: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة]. قال: «اعلم أن كثيرًا من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف جاؤوا بتكليفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلًا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره» (٣).

стр. 159

والشوكاني نفسه قد ترجم للبقاعي في كتابه (البدر الطالع). فقال عنه: «إنه من الأئمة المتقنين المتبحرين في جميع المعارف»، ومدحه ووصفه بأنه «من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول. ومدح مُؤلفه الموسوم بـ (نظم الدرر) بقوله: «ومن أمعن النظر في كتاب له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول، وكثيرًا ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز وأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي غليلي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد» (١). «ولما كان هذا العلم دقيق المسالك خفي المدارك احتاج الباحث فيه إلى استفراغ الجهد بغية الاستقصاء اللغوي لدلالات الكلمات القرآنية، والإحاطة بأسباب النزول والقراءات، والتوسع في أفانين علوم النحو والمعاني والبيان والبديع مع حسٍّ مرهف، ونفس شفافة، والتقاط سريع، وألمعية وافرة، ولَمَّاحية عالية وسلامة في القصد؛ ليدرك سر اللُّحمة بين لطائف الآيات القرآنية ومراد الله -تعالى- من ترتيب كلامه على هذه الصفة، فتبدو له أوجه المناسبات في النَّظْم الحكيم» (٢). «وهكذا تتجلى أهمية المناسبات القرآنية في أنه علم مُعِين على جعل أجزاء الكلام وقد أخذ بعضها بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط بينها، ويصير تآلفها كحال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء» (٣). القول الراجح في المسألة: ومن الإنصاف الأخذ برأي أهل الإنصاف، فرأيهم فيه التوسط وعدم الإجحاف

стр. 160

والانجراف والانعطاف، وهم الأكثرون، وكثير من القائلين بالمنع إنما منعوا التعسف والتكلف في كل موضوع، والقائلون بالمنع مطلقًا قلّة قليلة جدًّا، ولله الحمد. والأخذ بعلم المناسبة كلما ظهرت أماراتها لمن كان أهلًا لذلك وتوافرت فيه شروط الأهلية هو القول الوسط العدل، ذلك أن علم المناسبات علم له ضوابطه وأصوله وقواعده، فليس لكل أحد أن يخوض فيه بغير علم ولا ضوابط فلابد أن يكون عالمًا بالتفسير وعلومه، مُطلعًا على علم أسباب النزول، وملمًا بأقوال أهل التأويل، عالمًا بالقراءة المتواترة وتوجيهها، وعالمًا كذلك بعلوم لغة التنزيل نحوها وتصريف أفعالها، عالمًا ببلاغتها -بيانًا وبديعًا ومعانيَ-، ولديه دراية بدلالة الألفاظ اللغوية والبيانية، ولديه عناية ودراية بعلوم الآلة كلها، وأن يكون معتدلًا في الفهم والإدراك لئلا يتعسف ويتكلف في إيجاد المناسبات بلا مناسبات، وذلك ليكون أهلًا للنظر في كلام رب البشر. ولعل في هذا الإيجاز المختصر ما يغني بالإشارة عن العبارة لأهل البحث والنظر . مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة. لفاتحة الكتاب مكانتها المميزة في القرآن الكريم، فلذا افتتح الله بها كتابه، فهي (أمّ القرآن) وهي (أمّ الكتاب) وهي (السبع المثاني)، ولها غير ذلك من الأسماء التي سُمِّيت بها، التي تدلل على بيان قدرها ومكانتها بين سور القرآن الكريم، ولقد حوت آياتها السبع مقاصد القرآن الكريم وكلياته، فلمكانتها وقدرها وما اشتملت عليه ناسب افتتاح القرآن الكريم بها. «وافتتح الله سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنَّها جمَعتْ مقاصد القرآن، ولأنَّ فيها إجمالَ ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فجميع القرآن تفصيل لِمَا أجملتْه، وفي ذلك براعة استهلال؛ لأنَّها تنزل من سور القرآن منزلَ دِيباجة الخطبة أو الكتاب» (١).

стр. 161

لذا فهي كالمقدمة بين يدي سور القرآن الكريم لاشتمالها على جميع مقاصده وأغراضه ومواضيعه، فهي أجملت ما فُصِّلَ فيه، فناسب أن تتقدم سورَهَ جميعًا، وناسب أن يأتي بعدها سور القرآن متتابعة لتفصل ما أُجمِلَ في فاتحته. «قال العلماء: إنما افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن فناسب الافتتاح بها، لأنها تصير كبراعة الاستهلال وهي الإتيان أول الكلام بما يدل على المقصود على وجه الإجمال. وكالعنوان، والمراد بالعنوان نوع من أنواع البديع يسمى بذلك. قال ابن أبي الأصبع في بدائع القرآن: «العنوان أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانًا لأخبار متقدمة وقصص سالفة، ومنه نوع عظيم جدًّا وهو عنوان العلوم بأن يذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح العلوم ومداخل لها. والفاتحة لكونها جامعة لجميع مقاصد القرآن، وفيها الإشارة إلى جميع الأخبار المتقدمة من بدء الخلق والأمم السالفة من اليهود والنصارى وغيرهم، وفيها الإشارة إلى مفاتيح العلوم ومداخلها. فلما جمعت الفاتحة هذه كانت جديرة بأن تكون عنوان القرآن بالتقرير الذي ذكره ابن أبي الأصبع» (١). ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 162

المبحث الثاني مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها

стр. 163

المبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها أوجه المناسبة بين السورتين . أولًا: المناسبة بينهما في مطلع السورتين . ١ - لما قال سبحانه في مطلع سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهو وصفٌ لله تعالى بأنه مالك ليوم الجزاء، وهو الذي يملك الحكم والفصل والقضاء بين عباده في هذا اليوم، لا ينازعه فيه أحد من خلقه لأن مُلكَ ملوكِ الدنيا وأملاكهم كله قد زال ولم يبق إلا مُلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وفي هذا تقرير للميعاد والجزاء والحساب. فناسب أن يقول في مطلع سورة البقرة: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾، وكأنه وصفٌ لاستجابتهم له سبحانه أنهم بالآخرة مؤمنون وموقنون ومصدقون، وفي هذا إقرار للميعاد والجزاء والحساب، فلما كان في الفاتحة تقرير، ناسب أن يكون في البقرة إقرار. «وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ]، وكما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه]، وقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود]» (١). وكلمة: ﴿مَالِكِ﴾ فيها قراءتان متواترتان.

стр. 164

أما القراءة الأولى: ﴿مَالِكِ﴾ فقد «قُرئت: بإثبات الألف بعد الميم ﴿مَالِكِ﴾، وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر. أما القراءة الثانية: ﴿مَالِكِ﴾ فقد-قُرئت: بحذف الألف ﴿مُلْكِ﴾، وهي قراءة الباقين من العشرة؛ وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة» (١). أما توجيه القراءة الأولى: فكلمة: ﴿مَالِكِ﴾، بالألف اسم فاعل من ملك ملكًا بكسر الميم؛ أي: مالك مجيء يوم الدين، والمالك: هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف شاء، وقد أجمع القراء على إثبات الألف في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكلمة ﴿مَالِكِ﴾ فيها محذوفة الألف رسمًا كما في الفاتحة. و ﴿مَالِكِ﴾ -بالألف- أمدح من ﴿مَالِكِ﴾ وأعم (٢)؛ حيث تقول: هو مالك الجن والإنس والطير والدواب، ولا تضيف (مَلِكًا) إلى هذه الأصناف. كما أن زيادة المبنى -كما في ﴿مَالِكِ﴾ بالألف- تدل على زيادة المعنى. وأما توجيه القراءة الثانية: فكلمة ﴿مَالِكِ﴾ على وزن فَقِه صفة مشبهة؛ أي: قاضي يوم الدين (٣) والْمَلِكُ هو

стр. 165

المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من المُلك بضم الميم. و ﴿مَالِكِ﴾ -بالألف- أبلغ من ﴿مَالِكِ﴾؛ لأن كلّ مَلِك مالك، وليس العكس، كما أن القراء أجمعوا على حذف الألف منه في مواضع، نحو: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس]» (١). ويتبين ويتضح من قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ بالقصر: أن (ملك) لفظة مشتقة من الملك، والملك بمعنى أنه: ذو سلطان وذو قوة وذو حكم وغلبة وتدبير وقهر. وأما قراءة: ﴿مَالِكِ﴾ بالمد، والتي هي مشتقة من الملك، تدل على: ملك الأعيان كلها كما تدل على القدرة في التصرف في تلك الأعيان. ويتبين ويتضح من معنى القراءتين مجموعتين كما مرَّ معنا آنفًا، أن الله تعالى مالك لهذا اليوم ملكًا تامًّا له كمال ملكه، وله التصرف فيه، لا ينازعه في ذلك أحد من خلقه، وهو بمعنى إخلاص المُلك له سبحانه وحده يوم الدين. ومع أن الله تعالى لا يوجد من ينازعه ملكه يومئذ فضلًا عن أن يكون هناك مدعٍ لذلك، وذلك لأنه قد زال ملكُ كلِ ملكٍ في الدنيا، أما الملك في الدنيا، فقد كان يطلق على بعض البشر مجازًا، لأنه ملك محدود وموقوت وزائل لا محال، وإنما كان هذا الملك في الدنيا لبعض الخلق ابتلاء من الله تعالى لهم. ٢ - ولما قال تعالى في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، ناسب في البقرة أن

стр. 166

يأتي بأول الأوامر فيها فقال سبحانه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وهو تفصيل لما أُجمِلَ في الفاتحة وتأكيد له. وقد وردت الأحكام التعبدية مفصلة في ثنايا سورة البقرة، فما أُجمِلَ في الفاتحة منها فُصِلَ في البقرة. فالبقرة قد ورد فيها تفاصيل المسائل التشريعية من العبادات والمعاملات والحدود وما يتعلق بالأسرة من أحكام النكاح والطلاق والمواريث وسائر العلاقات الأسرية والاجتماعية وغيرها من أصول وضروب العبادات التفصيلية ودقائق المعاملات التأصيلية، فالفاتحة كالأصول والبقرة كتفريع الفروع على الأصول، فناسب أن تأتي الفروع موضحة ومفصلة ومبينة لما أُجمِل في الأصول. ٣ - ولما أرشد الله تعالى عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه أعظم المطالب وأعز الرغائب ألا وهو مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] استجاب لهم ربهم فقال في مطلع سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة]، وهو إبانة لهم عن الصراط المستقيم، فكأنهم لما طلبوا الهداية إلى الصراط المستقيم جاءهم الجواب ذلك الصراط الذي سألتم وطلبتم الهداية إليه هو ذلك الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]. وفي أحد أوجه التفسير أن الصراط المستقيم هو القرآن الكريم، وقد قيل: إنه مروي عن بعض الصحابة ﵃. قال ابن مسعود ﵁: «﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: هو القرآن». وقيل: إنه مروي عن علي ﵁ مرفوعًا: «الصراط المستقيم كتاب الله» (١).

стр. 167

ولا شك أن القرآن الكريم موضح لمعالم الصراط ومبين لمناراته، وموجه لحدوده، ومرشد لسبل السعادة والفلاح المؤدية للفوز والنجاح في الدارين، ولما كانت حاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم حاجة من أشد الحاجات، وضرورتُهم إلى معرفته والدلالة عليه والعلم والعمل والتحقق به ضرورة من أشدّ الضرورات وأعظمها مطلبًا وأرجاها نفعًا وأعظمها مثوبة وأجرًا وأحمدها عاقبة؛ ناسب أن يرد الترغيب في الإلحاح في طلبه في مطلع فاتحة الكتاب مجملًا، ثم ناسب أن يرد جواب العباد لما فيه الدلالة على هذا الصراط في أطول سور القرآن- مفصلًا وموضحًا ومبينًا، ولا شك أن هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على كمال ربوبية الله تعالى، وأن ربوبيته مبناها على رحمته ورأفته بعباده وإرادة الخير لهم ودلالتهم عليه وإيصاله إليهم، ولا خير أعظم من الهداية والدلالة عليها والإرشاد إليها، ومن ثَمَّ التوفيق والإلهام لها. ٤ - و «أوائل هذه السورة مناسبة لأواخر سورة البقرة، لأن الله تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسؤول، ثم إنه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة: فذكر الذين على هدى من ربهم، وهم المنعم عليهم، والذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهم الضالون، والذين باؤوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم» (١). لذا لما كانت الفاتحة مشتملة على مطلب الهداية لصراط المنعم عليهم، ذكر الله بعدها صراطين آخرين وهما صراط المغضوب عليهم وهم اليهود ومَن شابههم،

стр. 168

وصراط الضالين وهم النصارى ومَن شابههم فقال ربنا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، ناسب أن تُفتتح سورةُ البقرة بما يدل على طريق الهداية لصراط المنعم عليهم ألا وهو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة] والمتقون وصفٌ من أوصاف المنعم عليهم أهل الصراط المستقيم، وهو كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ففيه دلالة واضحة وتأكيد على أنهم لما طلبوا الهداية دُلُّوا على هذا الكتاب المجيد الذي يهدي لأقوم طريق، وأوضح سبيل، ألا وهو الصراط المستقيم. ثم تلا سبيل المنعم عليهم في سورة البقرة سبيل المغضوب عليهم وهم اليهود، وسبيل الضالين وهم النصارى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة] والآية شملت أهل الصراطين من المغضوب عليهم والضالين، ذلك لأن أهل الصراطين المغضوب عليهم والضالين يشملهم وصف الكفر. ومن هنا يتبين أوجه المناسبة بين خاتمة سورة الفاتحة مع مفتتح سورة البقرة. ثانيًا: التناسب العام بين محتوى السورتين الكريمتين . ١ - إن من أوجه التناسب بين السورة وتاليتها علاقته الإجمال والتفصيل، فما أُجمل في الأولى يرد مفصلًا في تاليتها، وقد سبق آنفًا الإشارة لشيء من البيان الموجز بشأن هذا الجانب وصدده. هذا ولقد «افتَتح الله سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنَّها جمَعتْ مقاصد القرآن، ولأنَّ فيها إجمالَ ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فجميع القرآن تفصيل لِمَا أجملتْه، وفي ذلك براعة استهلال؛ لأنَّها تنزل من سور القرآن منزلَ دِيباجة الخطبة أوالكتاب» (١). ٢ - هذا وعلى العموم، فإن سورة الفاتحة قد حوت معاني القرآن العظيم كله،

стр. 169

واشتملت على مقاصده الأساسية، فقد أُجمِلَ فيها الدينُ كله أصوله وفروعه، عقيدة وعبادة، وشريعة ومنهاجًا، كما أنها حوت قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر مجملة، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ووجوب إفراده الله تعالى بالعبودية والاستعانة إجمالًا، وإفراده تعالى-كذلك- بالسؤال والدعاء والتوجه إليه سبحانه بطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وسؤاله الثبات عليه، وسلوك سبيل المنعم عليهم واتباع نهجهم، وتجنب سبيل المغضوب عليهم وسبيل الضالين، وفيها الإخبار عن قصص الأمم الغابرة، والاطلاع على معارج ومنازل أهل السعادة، ومنازل ومدارك أهل الشقاء، وفيها التعبد لله بالاستجابة له سبحانه في فعل المأمور وترك المحظور، وغير ذلك مما حوته السورة من مقاصد وأهداف مجملةً. أما سورة البقرة فهي أطول سور القرآن قاطبة، وهي من السور المدنية التي تعنى بجانب التشريع وتفاصيله، شأنها في ذلك شأن السور المدنية، التي تفصل الأحكام التشريعية وتبينها، عقائد كانت أم عبادات، معاملات كانت أم أخلاق وسلوكيات. فهي تبين وتفصل الأحكام التشريعية والأحكام العملية في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وكذلك تبين الحدود والفرائض والأحكام التي تنظّم حياة الفرد والجماعة، وهذا ما أُجمِلَ في الفاتحة وفُصِل ها هنا في البقرة. ٣ - قد ورد في الفاتحة التحذير من سلوك سبيل المغضوب عليهم وسلوك سبيل الضالين إجمالًا، فناسب ذلك أن يرد في البقرة ذكر ذلك تفصيلًا. فجاء في البقرة بيان كفر وشرك وضلال أهل الكتاب وفضحهم وبيان صريح كفرهم، فاليهود والنصارى نسبوا لله تعالى الولد صراحة، وقال بعضهم عن المسيح ﵇: إنه نفسه هو الله، وقال البعض منهم: هو ابن الله، وقال البعض الآخر منهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال ربنا ﵎: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. تعالى الله عما يقولوا الظالمون علوّا كبيرًا.

стр. 170

٤ - وكذلك لما أُجمِلَ في الفاتحة التحذيرُ من سلوك صرط المغضوب عليهم وهم اليهود وكل من عرف الحق ولم يعمل به، ولا شك في أن المنافقين يشملهم هذا الوصف. فقد ناسب أن يأت هنا في البقرة مفصلًا ذكر المنافقين وبيان أحوالهم وكشف عوارهم وفسادهم وإفسادهم في المجتمع المسلم، وبيان ضلالهم وإظهار فضائحهم والكشف عن خبثهم وكشف خبيئة نفوسهم الدنيئة وإظهار سوء طباعهم وخوارهم وجبنهم وأنهم لا ولاء لهم للدين أبدًا، وأنهم لاهم لهم إلا الكيد للإسلام وأهله وقد ضموا لذلك حبهم للعرض الزائل والمتاع الفاني من الحياة الدنيا. ولعل في ذلك الاختصار إيضاح، يغني عن التطويل وزيادة الإفصاح.

стр. 171

المبحث الثالث مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض

стр. 172

المبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض أولًا: المناسبة في مطلع السورة . «لمَّا أثبت بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار (١) إلى أنه يستحقه أيضًا من حيث كونه ربًّا مالكًا منعمًا فقال: ﴿رَبِّ﴾، وأشار بقوله: ﴿الْعَالَمِينَ (٢)﴾ إلى ابتداء الخلق تنبيهًا على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع (٢) وبالبداءة على الإعادة كما ابتدأ التوراة بذلك» (٣). فلما كان حمده ﵎ مستغرقًا جميع النعم ناسب أن يأتي بعد حمده وصفه بالربوبية العامة التي عمّ بها جميع خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة، مبينًا سبحانه استحقاقه جل في علاه وصف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. ومما يؤيد ما ذكره الباحث آنفًا قول الطاهر بن عاشور: «وهو وصف لاسم الجلالة (٤)، فإنه بعد أن أسند الحمد إلى اسم ذاته -تعالى-

стр. 173

تنبيهًا على الاستحقاق الذي عقب بالوصف وهو الرب ليكون الوصف متعلقًا به أيضًا؛ لأن وصف المتعلق متعلق أيضًا» (١). ثانيًا: مناسبة قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بالآية السابقة لها وهي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. «ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة أتبع ذلك بصفتي ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ترغيبًا في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلًا» (٢). والبقاعي يعني بذلك: أن ربوبيته ﵎ مبنية على الرحمة، فلذلك جاءت صفتي ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بعد وصفه سبحانه ذاته العلية بأنه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ليتبين ويتأكد أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة التي هي من أخص صفات الرب الكريم . ثالثًا: مناسبة قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ بالآية السابقة وهي قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. «ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكًا وكانت الربوبية لا تتم إلا بالمِلك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر أتبع ذلك بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ترهيبًا من سطوات مجده» (٣). فدل كونه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ على كمال وتمام ربوبيته جل في علاه، فلا تتم الربوبية إلا بكمال الملك وتمامه، فجاءت مناسبتها تأكيًدا على عموم وشمولية وكمال ربوبيته جل في علاه.

стр. 174

ومن ذلك يتبين أنه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فإذا تحقق ملكه سبحانه ليوم الدين وهو اليوم الأعظم الذي يجمع الله فيه الأوليين والآخرين ليجازيهم بأعمالهم، فلا شك في ثبوت ملكه لما هو دونه من ملك الدنيا وما فيها وما عليها، ومن كمال ملكه لهما وتمامه أنه مدبر الأمر وله التصرف الكامل فيهما لا ينازعه فيهما أحد من خلقه، وبقوله سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يتضح أن كل مُلكٍ في الدنيا ينسب لأحد من خلقه إنما هو ملك زائل لا محالة، قال ربنا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]. «و ﴿يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد» (١). «فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملِك يوم الدين ومالكه مطلقًا في الدنيا والآخرة، وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عودًا على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] و ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، و [الأحقاف: ١٤]، و [الواقعة: ٢٤] وبه تم انتهاء الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: «مجدني عبدي» (٢)» (٣). «ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة «مَلِك» وقراءة «مالك» جاءت الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للمَلِك سوى هذا» (٤). رابعًا: مناسبة قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ بالآية السابقة وهي قوله: ﴿مَالِكِ

стр. 175

يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾. لما تحقق وتبين أنه سبحانه وحده (مالك الدين) ناسب ألا يُعبد إلا إياه ولا يستعان إلا به، وفي هذا بيان لاستحقاقه سبحانه الإفراد بالعبودية والاستعانة. وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب بكلمة (إياك). «وقدمت العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة ثمرتها، وإعادة (إياك) مع الفعل الثاني تفيد أنَّ كلًّا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات» (١). وكلمة (إيَّاكَ) في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي (نعبد) و (نستعين) لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ الآية [البقرة]. ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾ الآية [البقرة]. وقد سبق ذكر ذلك سابقًا في ثنايا البحث (٢). «فلما استجمع الأمر استحقاقًا وتحبيبًا وترغيبًا وترهيبًا كان من شأن كل ذي لبّ الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة (إياك) أي: يا من هذه الصفات صفاته! (نعبد) إرشادًا لهم إلى ذلك؛ ومعنى (نعبد) كما قال الحرالي (٣):

стр. 176

«تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررًا للضمير حثًّا على المبالغة في طلب العون ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيده: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للإفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة» (١). ولا شك في أن كلام البقاعي آنفًا كلامٌ بديعٌ يتبين من ثناياه عظم مكانة مناسبات الآية مع تاليتها وسابقتها، وجمال الترابط النصي في كتاب الله وما يظهر ويتجلى من معاني عظيمة تزيد المعنى وضوحًا وتجلى عيانًا عظم كلام الله ﵎ لأولي الألباب. قال الحرالي: «وهذه الآيات أي: هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريًا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف. . . ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلًا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرًا منهم لطفًا بهم وإتمامًا للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه

стр. 177

النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم» (١). خامسًا: مناسبة قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. بالآية السابقة وهي قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. لمَّا أفرد العبادُ ربّهم بالعبودية وأذعنوا له، ولجأوا إليه وأفردوه سبحانه-كذلك-بالاستعانة احتاجوا إلى سبيل واضح وطريق قويم يهتدوا إليه ويسيروا عليه في تحقيق هذه العبودية وتلك الاستعانة، فناسب أن يدلهم ربُهم على طلب وسؤال الهداية والدلالة على هذا الطريق ليلهمهم التوفيق إليه ويعينهم على الثبات عليه فناسب أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وبذلك تتحقق لهم الهدايتين جميعًا: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. ولا شك في أن سؤال الله الهدايتين جميعًا هو استعانة به سبحانه لتحقيق عبودية الاستقامة على الصراط، ومن هنا يتبين المناسبة بين الآيتين. وفي نحو ذلك قال ابن القيم ﵀: «لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علَّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء» (٢). وكلام ابن القيم ﵀ آنفًا إنما يقصد به أوجه التناسب في سورة الفاتحة. «وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته،

стр. 178

فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ تلقينًا لأهل لطفه وتنبيهًا على محل السلوك الذي لا وصول بدونه» (١). سادسًا: مناسبة قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ بالآية السابقة وهي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾. «ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾» (٢). وهو يعني بالجائرين كل من عرف الحق ولم يعمل به كاليهود؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به فهم جائرون على أنفسهم ظالمون لها بعدم اتباعهم للحق والعمل به بعد أن علموه، وعنى بالحائرين كل من عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى الذين عبد الله على جهالة وضلالة فهم حائرون في وصفهم لعيسى المسيح ﵇ وأمه الصديقة تائهون عن عبودية الله وتوحيده، قال تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٧]. يقول أبو زهرة (٣): «وإنَّه لينطبق عليهم بلا ريب وصف الضّالين؛ لأنَّهم عند تخلِّيهم عن مبادئ المسيح أضلَّهم بولس وأشباهه، فضلّوا، ثمَّ أضلّوا غيرهم من

стр. 179

بعدهم، وكفروا بما جاء به المسيح، وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وكفروا، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم، كما توهَّموا وأوهموا فيما سمّوه رؤية العذراء، وكذبوا وافتروا، وحاولوا الإضلال كثيرًا. ومع انطباق الضَّلال والتَّضليل عليهم، أولى بهم ثمَّ أولى أن يكونوا ممَّن غضب اللهُ تعالى عليهم، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه، ويصح أن نقول: إن فيهم الأمرين» (١). ولعل فيما مضى بيان كافٍ لانقص فيه ولا إجحاف. والحمد لله لرب العالمين.

стр. 180

المبحث الرابع علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله
следующие страницы →