«تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررًا للضمير حثًّا على المبالغة في طلب العون ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيده: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للإفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة» (١).
ولا شك في أن كلام البقاعي آنفًا كلامٌ بديعٌ يتبين من ثناياه عظم مكانة مناسبات الآية مع تاليتها وسابقتها، وجمال الترابط النصي في كتاب الله وما يظهر ويتجلى من معاني عظيمة تزيد المعنى وضوحًا وتجلى عيانًا عظم كلام الله ﵎ لأولي الألباب.
قال الحرالي: «وهذه الآيات أي: هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريًا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف. . . ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلًا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرًا منهم لطفًا بهم وإتمامًا للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه
стр. 177
النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم» (١).
خامسًا: مناسبة قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
بالآية السابقة وهي قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
لمَّا أفرد العبادُ ربّهم بالعبودية وأذعنوا له، ولجأوا إليه وأفردوه سبحانه-كذلك-بالاستعانة احتاجوا إلى سبيل واضح وطريق قويم يهتدوا إليه ويسيروا عليه في تحقيق هذه العبودية وتلك الاستعانة، فناسب أن يدلهم ربُهم على طلب وسؤال الهداية والدلالة على هذا الطريق ليلهمهم التوفيق إليه ويعينهم على الثبات عليه فناسب أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ وبذلك تتحقق لهم الهدايتين جميعًا: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. ولا شك في أن سؤال الله الهدايتين جميعًا هو استعانة به سبحانه لتحقيق عبودية الاستقامة على الصراط، ومن هنا يتبين المناسبة بين الآيتين.
وفي نحو ذلك قال ابن القيم ﵀: «لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علَّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء» (٢).
وكلام ابن القيم ﵀ آنفًا إنما يقصد به أوجه التناسب في سورة الفاتحة.
«وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته،
стр. 178
فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ تلقينًا لأهل لطفه وتنبيهًا على محل السلوك الذي لا وصول بدونه» (١).
سادسًا: مناسبة قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ بالآية السابقة وهي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
«ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾» (٢).
وهو يعني بالجائرين كل من عرف الحق ولم يعمل به كاليهود؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به فهم جائرون على أنفسهم ظالمون لها بعدم اتباعهم للحق والعمل به بعد أن علموه، وعنى بالحائرين كل من عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى الذين عبد الله على جهالة وضلالة فهم حائرون في وصفهم لعيسى المسيح ﵇ وأمه الصديقة تائهون عن عبودية الله وتوحيده، قال تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٧].
يقول أبو زهرة (٣): «وإنَّه لينطبق عليهم بلا ريب وصف الضّالين؛ لأنَّهم عند تخلِّيهم عن مبادئ المسيح أضلَّهم بولس وأشباهه، فضلّوا، ثمَّ أضلّوا غيرهم من
стр. 179
بعدهم، وكفروا بما جاء به المسيح، وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وكفروا، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم، كما توهَّموا وأوهموا فيما سمّوه رؤية العذراء، وكذبوا وافتروا، وحاولوا الإضلال كثيرًا. ومع انطباق الضَّلال والتَّضليل عليهم، أولى بهم ثمَّ أولى أن يكونوا ممَّن غضب اللهُ تعالى عليهم، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه، ويصح أن نقول: إن فيهم الأمرين» (١).
ولعل فيما مضى بيان كافٍ لانقص فيه ولا إجحاف.
والحمد لله لرب العالمين.
стр. 180
المبحث الرابع
علاقة السورة الكريمة بالسور
المفتتحة بالحمد لله
стр. 181
المبحث الرابع:
علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله
أولًا: ترتيب السور المفتتحة بالحمد لله على ضوء ترتيبها في المصحف الشريف على النحو التالي:
١ - سورة الفاتحة.
٢ - سورة الأنعام.
٣ - سورة الكهف.
٤ - سورة فاطر.
٥ - سورة سبأ.
وهي متباعدة غير متجاورة في ترتيبها في المصحف وهي سور كلها مكية النزول.
وقد «فُصِلَ بين سورة (أمّ الكتاب) وسورة (الأنعام) بأربع سور، وبين سورة (الأنعام) وسورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة، وبين سورة (الكهف) وسورة (سبأ) بخمسَ عشرة سورة، ولم يكن بين سورة (سبأ) وسورة (فاطر) فاصل، فليس لنا إلًّا أن نعمد إلى السعي إلى تدبر واستبصار شيء» (١).
يعني: [من التناسب بينها وبين بعضها البعض عامة وبينها وبين فاتحة الكتاب خاصة] (٢) وأسلافنا الأماجد كان منهم سعْيٌ إلى ذلك.
стр. 182
ثانيًا: بيان بعض أوجه المناسبة بين السور المفتتحة بالحمد .
أبرز أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد كلِّها:
إن المتأمل في السورة المفتتحةٌ بالحمدِ يتضح ويتبين له عيانًا اقتران ذكر حمد الله تعالى في مطالع تلك السور الخمس بذكر نعمه ﵎ المستوجبة لحمده سبحانه، سواء كانت تلك النعم ظاهرة أم باطنة، عاجلة أم آجله، نِعَم الحياة الدنيا وما يتعلق بها من مقومات وأسس متمثلة في نعم الله على عباد التي بها صلاح معاشهم ولا غنى لهم عنها البتة، وَنِعَمَهُ العظيمة المتمثلة في بَعث الرسلِ والدلالة على ما بُعِثوا به بإنزال الكتبِ والهداية لشرعته التي شرعها على ألسنتهم، ثم نِعَم ذكر البعثِ والجزاءِ على الأعمال وبيان ما يترتب عليها من الثواب والعقاب، فيطمئن بذلك أهل الإيمان إلى موعود ربهم بالجنة والنعيم المقيم لديه سبحانه فيزدادوا طاعة لربهم وإقبالًا وثباتًا، وينزجر بذلك أهل الكفر والظلم والطغيان والعصيان فينزجروا ويرتدعوا ويعودوا إلى ربهم تائبين منيبين إليه ومستغفرين.
يقول السعد التفتازاني في مفتتح شرحه التلويح في أصول الفقه: (١) «الحمد يكون على النعمة وغيرها، فالله تعالى يستحق الحمد،
أولًا: بكمال ذاته وعظمة صفاته.
وثانيًا: بجميل نعمائه وجزيل آلائه.
ونعمة الله على كثرتها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولًا، وإيجاد وإبقاء ثانيًا ....
стр. 183
(وقد) أشير في الفاتحة إلى جميع النعم، وفي (الأنعام) إلى الإيجاد وفى (الكهف) إلى الإبقاء أولاً، وفى (سبأ) إلى الإيجاد وفى (الملائكة) (١) إلى الإبقاء ثانيًا، وهذا الذي قاله السعد فيه إجمال» (٢).
والتفتازاني بقوله آنفًا يُجمل ويشيرُ إلى أن ما يُحمد عليه اللهُ يكون بسبب النعم وبسبب غيرها.
مُشِيرًا ومفصلًا القول في أن استحقاق اللهِ للحمد يكون لسببين
الأول: لكمال ذاته وصفاته .
فهو سبحانه تعالى مستحق للحمد لكمال ذاته العلية، ولما اتصف به من صفات الجلال والكمال التي وصف بها نفسه ﵎.
والثاني: لما أولاه لعباده من النعم ثانيًا.
وأن إحسان الله لعباده وإنعامه عليهم بسوابغ النعم الظاهرة والباطنة كل ذلك موُجبٌ لحمده ﵎.
ثم أشار إلى أن نعم الله مع كثرتها فإن مرجعها كلها إلى إيجاد وإبقاء أولًا، وإيجاد وإبقاء ثانيًا، وقد بين أن ذلك الإيجاد والإبقاء بأقسامهما كلها قد أشير إليه في السور المفتتحة بالحمد، ولا شك أن ذلك من أوثق أوجه التناسب بينها جميًعا.
وكان: «القرطبيّ (٣) قد سبق «السعد» بإشارة عجلى إلى ذلك: قال في مفتتح تأويل سورة (الأنعام): « … فإن قيل: فقد افتتح غيرها بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره»، فيقال: لأنّ لكلّ واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضًا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم
стр. 184
بربهم يعدلون»، فانظر في قوله: (من أجل عقده بالنعم المختلفة) فإنه هادٍ بإشارته إلى ما جاء «السعد» فمنحه بعضًا من البيان» (١).
وقول القرطبيّ آنفًا يشير إلى أنه إن كانت السور الخمس كلها مفتتحة بالحمد، فكان مفتتح سورة واحدة يُغني عن الافتتاح في بقيتها بالحمد، فأشار أن لكل حمد في مفتتح كل سورة من تلك السور معنى خاص لا يقوم مقامه غيره لأن الحمد في مطلع كل سورة من تلك السور إنما أنزل ووُضِعَ وعُقِدَ لأجل نعمة مختلفة عن باقي المواضع في السور الآخرى، وإن كان كله يسمى حمدًا.
ثالثًا: العلاقة الخاصة بين الفاتحة وبين كل سورة من تلك السور المفتتحة بالحمد .
١ - سورة الأنعام:
يعمد البقاعي في (نظم الدرر) إلى تفصيله مبينًا احتواء سورة (أمّ الكتاب) على مقتضيات الحمد على كمال الذات وعلى جميع نعم الإيجاد والإبقاء.
فالحمد على كمال الذات قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] أي: (أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات) أما الإيجاد الأول في قوله : ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام] فإنَّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية.
وأما الإبقاء الأول في قوله : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ أي: المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء.
وأما الإيجاد الثاني في قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهو ظاهر (أي: لا يكون مالكًا لهذا اليوم إلا إذا أوْجَدَ الخلق مرة ثانية كمثل ما أوجدهم في الأول).
стр. 185
وأما الإبقاء الثاني في قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلى آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة.
وأما سورة الأنعام فالحمد فيها على نعمة الإيجاد الأول: ولذلك ذكر فعل الخلق في مطلعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام].
ثم انتشر الحديث عن الخلق والإيجاد فى آياتها:
في الآيات التالية: (١٤ - ٣٨ - ٧٣ - ٧٩ - ٩٤ - ٩٥ - ٩٧ - ٩٨ - ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١ - ١٠٢ - ١٣٦ - ١٤١ - ١٦٤ - ١٠١) (١)(٢)
وكلام البقاعي هنا موافق لكلام التفتازاني من جهة أسباب استحقاق الرب جل في علاه للمحامد كلها.
و «سورة الأنعام المكية عنيت بحمد الله على نعمة الإيجاد الأول الناظر إلى قوله في سورة الفاتحة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وقد نظرت في مواقع كلمة ربّ في السياق القرآني، فرأيت أنه يَعظم وقوعها في الآيات المكية، وقد جاءت في سورة (الأنعام) أكثر من خمسين مرة ..
ولو أنَّا جمعنا معجم كلمات سورة (الأنعام) وتبصرنا المفردات المتعلقة بالخلق والإيجاد الأول لتبين لنا غلبة معنى الإيجاد الأول على هذه السورة المكية المقررة معنى التوحيد الذي هو أساس الدين الذي ارتضاه الله لعباده.
وفى خاتمة السورة -أيضًا- تناغٍ وتآخٍ (٣) مع مطلَعِها المُعْلِنَ حمد الله على نعمة
стр. 186
الإيجاد الأول: كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ … شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام].
وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ … فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام].
فقد ختم السورة بما به ابتدأها فإن قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ … فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام] هو من مَعْدِنِ قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام].
وقوله ﷻ : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام].
وقوله : ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ … فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام].
هما من معنى قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ … وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].
فدلَّ هذا كُلُّه على أن سورة (الأنعام) تتكفل بتفصيل (١) نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيها من آدمي وغيره المشار إليه في (الفاتحة) برب العالمين، كما تقدم.
فالتحميد في الأنعام فرد من أفراد تحميد (الفاتحة) تحقيقًا لكونها أمًّا» (٢).
وبهذا يتبين العلاقة والتناسب بين السورتين.
«ومنزل سورة الأنعام من السور المكية منزل سورة (البقرة) من السور المدنية.
стр. 187
(فـ) سورة الأنعام نزلت مبيّنَةً لقواعد العقائد وأصول الدين … فغيرها من السور المكية المتأخر عنها نزولا مبنيٌّ عليها، وسورة البقرة قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الإنعام، فغير سورة (البقرة) من السور المدنية مبنيٌ عليها» (١).
٢ - سورة الكهف
(وأما سورة الكهف) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وعلى نعمة الإبقاء الأول: أي: الإبقاء في الأرض بنعمة الهداية وذلك الإبقاء إنَّما يكون بالكتاب المنزل وبالنبيّ المرسل ﷺ ، ولذلك استفتح السورة بهذين قائلًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ١ - ٥].
فنصَّ على إنزال الكتاب على عبده مقدمًا قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ تشريفًا للرسول -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا- وتباينًا لمنزلته، وأنّه أنزل عليه الكتاب هداية للناس إلى الحق استبقاء لهم في الأرض دون إهلاك، ولم يجعل لكتابه عوجًا، فهو المستقيم الذي لا عيب فيه مما يجعل أسباب البقاء متينة، فهو الهادي إلى كلِّ حقٍّ وخير، وهو الكتاب القيم المهيمن على غيره والمقيم له ولكل من استمسك به. وغير خفِيّ أن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبيّ والكتاب» (٢). وقد نصّ عليهما في مفتتح السورة.
وقد كثر الحديث عن أسباب البقاء الأول في الحياة الدنيا، فذكر قصة أهل الكهف الذين كتب الله لهم البقاء والعصمة من الهلاك بالفتنة في دينهم كما انتظم بهم أمر من اطلع عليه من أهل زمانهم الذين كانوا على غير هُدى من الله
стр. 188
- فأسلموا لما عرفوا من أمرهم: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف].
وجاء الأمر بتلاوة ما أوحى فيه الهدى والحفظ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف].
مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجه والأمر بالصبر ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف].
ففي ذلك تعاون على البر والتقوى الذين هما من أسباب البقاء الأول وذكر قصة صاحب الجنتين وصاحبه وما أحاط بصاحب الجنتين من فنائهما لعدم إيمانه واستمساكه بالهدى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف].
وذكر من قصة العبد الصالح (الخضر) مع موسى ﵉ أحوال من حفظوا من الفناء والهلاك كحال أصحاب السفينة وحال الأبوين الصالحين بقتل غلامهما الطاغي الكافر استبقاء لهم على الإيمان والصلاح، وحال الغلامين اليتيمين ابني الرجل الصالح، وبناء الجدار استبقاء لكنزهما.
وهذه الحلقة من قصة «موسى ﵇» لم تذكر في غير سورة الكهف على الرغم من ذكر قصته في مواطن كثيرة من سور القرآن الكريم (١).
إذا ما تأملت الأحداث الثلاثة التي كانت من العبد الصالح (الخضر)، وما كان من شأن موسى ﵉ في الاستفهام عمَّا كان من العبد الصالح (الخضر) ﵇، وتأملت حال موسى ﵇ من قبل؛ لرأيت أنه قد كان موسى ﵇ حال، وهو رضيع، كمثل
стр. 189
حال خرق السفينة، ألا ترى أنّ أمه ﵂ قد ألقت به في اليم لينجو؟ أتكون بمنطق العقل البشري نجاة في إلقاء وليد في اليم؟ أتلحظ شيئًا من الإشارة إلى معنى ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف].
وكان منه قتل القبطيّ كمثل ما كان من العبد الصالح (الخضر) قتل الغلام الكافر.
وكان من موسى ﵇ سقي الغنم للفتاتين دون أجر، وهو الذي كان في افتقار إلى ذلك، وهذا كمثل ما كان من العبد الصالح (الخضر) من بناء الجدار في قرية استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.
وهي قد نسقت في السورة كمثل ما نسقت نظائرها وقوعًا في حياة «موسى ﵇»: الأول فالأول.
تأمل هذا التقارب، وما فيه من لطائف الإشارات، ووجه البيان عنه في سورة الحمد على نعمة الإبقاء الأول، ومنزلة الفقه عن الله وأثره في تحقيق كمال البقاء الأول».
وذكر من قصَّة ذي القرنين ما انتظم به من حال جميع أهل الأرض بما أقامه من الردم الحاجز بينهم وبين يأجوج ومأجوج فحفظ لهم البقاء الأول
ويشير الباحث: «إلى أن هذا فيه من التناسب الشيء البين الواضح الذي لا تكلف فيه ولا تعسف ولا إعمال للنص وتوجيهه على غير وجهته، والحمد لله».
﴿ … فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ الآية [الكهف].
هذا القصص مشير إلى أسباب البقاء الأول، ولم يذكر في غير هذه السورة وهو لم يذكر معها قصة (الروح) وجعلها في سورة (الإسراء) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء]، على الرغم من أنَّ سؤال الكافرين كان عن الثلاثة: أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فجاء حديثه عن الروح في (الإسراء) لأنَّه به أليق وأنسب، وذكر قصة الكهف وذي القرنين هنا لما فيهما من دلالة على نعمة الإبقاء الأول بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم.
стр. 190
وقد ختم السُّورة بما هو دالٌّ على ذلك -أيضًا- فكان متناغمًا متآخيًا مع ما استفتحت به إذ يقول : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف] (١).
٣ - سورة سبأ
(وأما سورة سبأ) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته ﷻ (الحمد لله) وعلى نعمة الإيجاد الثاني بالبعث من القبور ويوم القيامة ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ]، فقد جاء قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ دون ذكر الأول، بينما جاء في سورة «القصص»: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص].
ولم يرد ما جاء في سورة «سبأ» من اختصاص الآخرة بالذكر في أي سورة أخرى.
وذكر علمه بما يلج في الأرض وما يخرج وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهذا العلم الدقيق المحيط يستلزم القدرة على البعث وقد ذكر في السورة ما يدل على التبديل والبعث في مواطن عديدة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ [سبأ] ويبين التعجيب من حال الذين كفروا في انكارهم الإيجاد الثاني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ
стр. 191
السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ].
فمقصود السورة تقرير أمر الآخرة البعث والإيجاد الثاني للحساب «ولقصّة «سبَأٍ» التي سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد لما فيها من الآيات الشهودية المشهودة لاسيما عند العرب على قدرته على الإيجاد والإعدام للذات والصفات، والتحويل لما يريد من الأحوال، والتصرّف بالحكمةِ في الإعطاءِ والمنعِ ابتداءً وجزاءً لمن شكر أو كفر (١).
فآيات السورة كما ترى يشيع فيها الحديث عن البعث والإيجاد الثاني وما فيه من حشر وحساب وعقاب فظهر أنَّ سياق الكلام إلى إثبات الحشر والرد على منكري الساعة ولا سيما في الآيات التالية: (١٦ - ٢١ - ٣٠ - ٣١ - ٥ - ٢٨ - ٤٠ - ٤٢ - ٤٦) (٢).
وقد ازداد جلاء بما ختمها به من قوله ﷻ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ] (٣).
٤ - سورة فاطر
(وأما سورة فاطر) فإنَّ تسْتَهِلُّها بقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر] دالٌ دَلالة بيّنة على نعمة الإبقاء الثاني يوم القيامة فقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يتجلى ظهوره لنا أعظم ما يتجلى في الجنة؛ لأنَّه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق، فإنَّه لا يُأكل منها شيءٌ إلا عاد كما كان في الحال، ولا يراد شيء إلا وجد في أسرع وقت، فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة، وكذا النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ
стр. 192
جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]».
فكانت جديرة باسم (فاطر) الدّال على كمال تحققه في الدّار الآخرة دار البقاء الثاني.
ومن أعظم ما يتجلى فيه معنى قوله : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ … الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر] (هو: أي: المعنى) (أن) الدار الآخرة: دار البقاء الأخير (١)، (٢).
وقد توالت في السورة الآيات الدَّالة على ذلك الإبقاء الثاني، كما هو في الآيات: (٧ - ١٢ - ١٠ - ٢١ - ٢٩ - ٣٢) (٣)
ثم ختمَ السورةَ بما هو جِدُّ جليٌّ في نعمة الإبقاء الثاني بإثابة الطائع ومعاقبة العاصي: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر].
يعلم الطائع، فيُثيبُه بطاعته ثوابًا لا ينقطع أبدًا، ويعلم العاصي، فيجازيه بعصيانه ما يستحق.
بهذا تبين لنا كيف أنَّ كلَّ سورة منها قد اختصت بغير ما اختصت به الأخرى من مقتضِيات الحَمْدِ، وكيف أنّها رتبت ترتيبًا مُحْكَمًا، فكانت (أمُّ الكتاب) جامعة للمحامد وكانت الأنعام.
للإيجاد الأول الذي يسبق الإبقاء الأوَّل الذي كانت له (الكهف) وكان الإيجاد الثاني بسورة (سبأ) وكانت آخر السور الخمس (فاطر) للنعمة العظمى والأخيرة (الإبقاء الثاني).
وبهذا يتبين لك عظيم دلالة الاستهلال على المقاصد المتصاعدة في السياق
стр. 193
القرآنيّ، فلا يكون بِمَلْكِ أحد من العالمين أن يقدم سورة على أخرى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء] (١).
ويُختمُ المبحثُ ببيان أبين أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد بأوجز عبارة وأسهل إشارة كما ذكر ذلك السيوطي في الاتقان:
نقلًا من عن تَفْسِيرِ الْخُوَيِّيِّ (٢).
يقول: «ابْتُدِئَتِ الْفَاتِحَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ .. وَفِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ؛ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ، وَهُوَ خلق السموات وَالْأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فِي الْأَنْعَامِ، وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الْكَهْفِ، وَمِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ فِي سَبَأٍ، وَخَلْقِهِمَا فِي فَاطِرٍ .. لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا». (٣).
ولعل في هذا كفاية لطالب سلوك طريق معرفة الحق ومريد الدلالة على سبل الهداية.
стр. 194
الفصل الرابع
معالم التوحيد
كما وردت في السورة الكريمة
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى).
المبحث الثاني: التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة.
المبحث الثالث: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة.
المبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة.
стр. 195
المبحث الأول
المحور الرئيس في السورة الكريمة
(تقرير العبودية لله تعالى)
стр. 196
المبحث الأول:
المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى)
أولًا: مفهوم العبودية:
أ-العبودية في اللغة:
العبودية: مصدر عبد يعبد عبادةً ومعبدًا ومعبدةً، فهو عبدٌ، أي: ذلّ وخضع.
قال الخليل: «أما عَبد يعبد عبادة، فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية ومعبدًا، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد: المنفرد بالعبادة» (١).
ويجلي ابن منظور مفهوم العبودية في اللغة فيقول: «أصل العبودية الخضوع والتذلل … وعَبَدَ اللهَ تألّه له … والتعبّد التنسك، والعبادة: الطاعة» (٢).
وقال الفراء: «معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء» (٣).
وقيل: «عبادة الله: طاعته بفعل المأمور وترك المحذور» (٤).
وقال ابن الأنباري (٥): «فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره» (٦).
стр. 197
وقال الزبيدي: «أصل العبودية الذل والخضوع، وقال آخرون: العبودية الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى به الرب» (١).
ب-مفهوم العبودية في الشرع:
والعبودية مشتقة من العبادة، وقد عرّفها ابن تيمية بقوله: «هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة» (٢)، وقيل: «وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ» (٣).
ولا شك أن تعريف ابن تيمية ﵀ تعريف جامع مانع، وهو أفضل مَن عرف معنى العبودية وكتابه: (العبودية) شاهد عيان على ذلك، وقد عرض فيها حقيقة العبودية في الإسلام بشموليتها وكمالها وتمامها، وهو من أنفع وأمتع ما كُتِبَ في بابه تحقيقًا وتدقيقًا وسبكًا وحبكًا للأسلوب وعرضًا للمادة العلمية، لم لا وهو إمام جهبذ وعالم نحرير ما جادت لنا بمثله الأرحام من ذاك الزمان.
وقال ابن القيم ﵀: «العبودية اسم جامع لمراتب أربع: من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.
فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته على لسان رسله ﵈.
وقول اللسان الإخبار عن قول القلب بما فيه من الاعتقاد والدعوة إليه والذّب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة والقيام بذكره وتبليغ أوامره.
وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والمعاداة فيه والخضوع والذل له وغير ذلك من أعمال القلب.
стр. 198
وأعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد وغيرها» (١).
ويُعرِّفها المناوي ﵀ بقوله: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» (٢).
ثانيًا: بيان أقسام العبودية
العبودية: عبوديتان:
الأولى: عبودية غلبة وقهر وملك:
وهي عبودية كل من في السماوات والأرض مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]، كما تسمى أيضًا بالعبودية العامة.
يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ﵀: «ما جميع من في السماوات من الملائكة، وفي الأرض من البشر والإنس، يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عبدًا له، ذليلًا خاضعًا، مُقِرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه (٣).
ويقول الإمام البغوي ﵀: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ أي: إلا آتيه يوم القيامة (عبدًا) ذليلًا خاضًعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده (٤).
ويقرر أبو السعود ما قرراه، أعني: شيخَ المفسرين، والإمامَ البغوي بقوله: «أي: ما
стр. 199
منهم أحد من الملائكة والثقلين ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ إلا وهو مملوك له، وهو مملوك له، يأوي إليه بالعبودية والانقياد» (١).
وفي صدد ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «المخلوقون كلُّهم عبادُ الله: الأبرار منهم والفجَّار، والمؤمنون والكفَّار، وأهل الجنَّة وأهل النار؛ إذ هو ربُّهم كلهم ومليكُهم، لا يخرجون عن مشيئتِه وقدرته … فهو سبحانه ربُّ العالمين وخالقُهم ورازقُهم، ومُحييهم ومميتُهم … سواء اعترَفوا بذلك أو أنْكروه، وسواء علِموا ذلك أو جهلوه.
لكنَّ أهلَ الإيمان منهم عرَفوا ذلك وآمَنوا به؛ بخلافِ مَن كان جاهلًا بذلك؛ أو جاحدًا له مستكبرًا على ربِّه … » (٢).
وفي صدد بيان هذه العبودية أيضًا يقول سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران].
ويقول سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة].
قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير قول الله تعالى: «وأولى معاني القنوت في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ الطاعة والإقرار لله بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدًا بقوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦] ملكًا وخلقًا، ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها، وإن
стр. 200
جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنَّى يكون لله ولدًا وهذه صفته؟!» (١).
ويقول الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]
قال شيخ الإسلام ﵀: «فذكر إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات جميعها متعبّدةٌ له التعبد العام، سواءٌ أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مُدبّرون، فهم مسلمون له طوعًا وكرهًا، ليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عما شاءه وقدّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يُصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلّهم، وبارئهم ومُصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوعٌ مفطورٌ، فقيرٌ محتاجٌ معبَّد مقهورٌ، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصوّر» (٢).
ويقرر ابن القيم ﵀ أن: «العبودية نوعان: عامة وخاصة».
ثم يقول ﵀: «وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، كما قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾ [الزخرف]، وكما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨، ١٧]، وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان].
فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته» (٣).
وأهل هذه العبودية: أقبلوا على ربهم وخالقهم ورازقهم طائعين منقادين لعبوديته سبحانه، مطيعين لأوامره بمحض إرادتهم واختيارهم، فهي عبودية محبة وانقياد وطاعة وذل وخضوع، وقد نسبهم الله إليه نسب تكريم وتشريف فقال في حقهم:
стр. 201
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى باختيارهم وإرادتهم لا يشاركهم فيها أحد من الكفار الذين خرجوا عن شرعه وتمردوا على أوامره ونواهيه. فنالوا بذلك عز الدنيا وشرفها وكرامة الآخرة وفضلها وأجرها.
والخلق في هذه العبودية ترى بينهم بونًا شاسعًا، وهم متفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا وعظيمًا؛ فكلما كان العبد محبًّا لربه متبعًا لأوامره، منتهيًا عن نواهيه، منقادًا لشرعه، خاضعًا لسلطانه، كان تحقيقه لعبودية ربه أجل وأعظم وأكمل.
وأعظم الناس تحقيقًا لمقام العبودية هم صفوة خلقه وأمنائه على وحيه وسفرائه بينه وبين عباده من النبين والمرسلين، وأعبدهم لله أجمعين هو سيدهم وإمامهم وأفضلهم وخاتمهم نبينا محمد ﷺ ، ولذا خُص بالذكر بوصف العبودية مجردة في كتاب الله في أشرف المقامات وأعلاها وأزكاها، سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف] وهذا في مقام الوحي وهو من أشرف المقامات وأعظمها وأجلها، وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا … يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].
وفي مقام الإسراء قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] ولا شك أن مقام الإسراء مقام تشريف كذلك.
فالشرف المروم لمن استكمل تحقيق العبودية، ولا يكون تحقيقها إلا مع كمال الذل والخضوع
والافتقار لله الواحد القهار، والعبودية المتعلقة بربوبية الله هي العبودية العامة التي تشمل جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم.
فإذا علم العبد أن له ربًّا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا لكل شؤونه، وأنه فقير إليه -عرف تلك العبودية العامة المتعلقة بربوبيته سبحانه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد غيره من الأصنام والأوثان، وإن لم يقرّ بها فهو داخل تحتها شاء أم أبى، لأنها شاملة له قهرًا وغلبة.
стр. 202
والعبودية العامة التي هي عبودية القهر والغلبة، لا تكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر بها كفار قريش ومع ذلك قاتلهم النبي ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ذلك لأنهم لم يقروا بالعبودية الخاصة، وهي عبودية الألوهية التي توجب تحقيق التوحيد وصرف العبادة كلها لله، ربنا في ذلك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٣٢ - ١٦٣].
فهم قد أقروا بربوبيته سبحانه وأقروا أنه تعالى هو الخالق قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمَان: ٢٥]، فهذا إقرار صريح بربوبيتهم لربهم، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لعدم تحقيق توحيد الألوهية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]. لأنهم مع ذلك يعْبدُونَ الاصنام والأوثان، ولم يصرفوا العبادة للإله الواحد الملك الديان.
أما العبودية المتعلقة بألوهيته سبحانه فهي العبودية الخاصة المتعلقة بعبادته سبحانه وتأليهه وتوحيده وإخلاص الوجه له وقصده وحده بالعبادة دون ما سواه، خوفُا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.
والخلاصة: أنَّ جميعَ المخلوقات عبيدٌ مقهورون لربوبيته تبارك تعالى، أما أهل طاعته وأهل كرامته فهم عبيد ألوهيته تعالى، الخاضعون المتذللون لربهم، خضوع تذللٍ، وعبوديةَ اختيارٍ، لا عبودية قهرٍ وغلبة، وتلك هي العبودية الخاصة.
ثالثًا: بيان حقيقة العبودية:
أما حقيقة العبودية: فهي الغاية العظمى التي خلق الله من أجلها الخلق كما بين ذلك في محكم كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].
قال ابن جرير الطبري ﵀: «اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السعداء من الجن
стр. 203
والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي.
أي: خلقهم لأجل أن يعبدونه سبحانه فمن عبده أكرمه، ومن ترك عبادته أهانه» (١).
وحَصَرَ الحِكمة من خلقهم في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ليتبين ويتأكد لهم أن الحِكمة من خلقهم هي: عبادته ، وخلق كل شيء لرعايتهم ورعاية مصالحهم ومصالح معاشهم، وسَخَّر لهم كل ما في السموات والأرض ليستعينوا بها على عبادته وطاعته .
ومعنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي: يوحدونني، فيفردونني بالعبادة، ولا يعبدوا سواي، والعبادة لا تُسمَّى عبادة إلا مع التوحيد ولا تصح ولا تقبل إلا به، فهو قوامها وأسها وأساسها المتين الذي لا قوام لها ولا ووجود إلا به، فهو كالطهارة للصلاة لا تصح ولا تقبل إلا بها فهي شرط صحة، كما أن التوحيد شرط صحة في صحة العبادة وقبولها.
وتحقيق العبودية لرب البرية هي المهمة العظيمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ففريق في الجنة، وفريق في السعير، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ … إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]، واليقين هنا هو: الموت.
وقال ابن القيم ﵀: «والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها، فإنها غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملًا» (٢).
стр. 204
وقال ابن القيم في نونيته:
وعبادة الرحمن غاية حبه … مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان (١)
وأخيرًا: فإن العبودية الحقة لا تتحقق إلا بتحقيق أصلين عظيمين:
الأصل الأول: إفراده الله تعالى بالعبادة ونبذ عبادة كل ما سواه، وهذا هو مقتضى شهادة ألا إله إلا الله.
الأصل الثاني: ألا يُعبد اللهُ إلا بما شرع، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.
فمن حقق هذين الأصلين العظيمين بكمالهما وتمامهما، فقد حقق العبودية الحقة التي ينال به العبدُ سعادةَ الدارين.
رابعًا: تقرير عبودية لله تعالى في السورة الكريمة:
إن المتأمل في السورة الكريمة يتجلى له محور السورة الرئيس ألا وهو قضية التوحيد وتقرير العبودية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، فلم يخلقهم عبثًا ولم يتركهم سدى، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون].
وفي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ يتجلى بوضوح تقرير العبودية في السورة الكريمة، ومن هنا يتبين أن بيان تقرير العبودية لله هو المحور الرئيس في السورة الكريمة.
وفي نحو ذلك يقرر الفخر الرازي ﵀ فيقول: «والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، فقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ يدل على الإلهيات، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يدل على المعاد، وقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ يدل على نفي الجبر والقدر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
стр. 205
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ يدل أيضًا على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات، فلما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها - لقبت بأم القرآن» (١).
وفيما ذكره الفخر الرازي وقرره إنما هو تقرير لكل أنواع العبودية في السورة الكريمة، فاشتمال السورة على حمده تعالى وتمجيده بأسمائه وصفاته والثناء عليه والإقرار باليوم الآخر وإثبات البعث والجزاء، وتنزيه الله عن كل نقص ووصفه تعالى بكل كمال يليق بذاته المقدسة، وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده، وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم، والإلحاح عليه بالثبات على هذا الصراط، صراط المنعم عليهم، وطلب البعد عن طريق أهل الغواية والزيغ ممن غضب عليه وأضلهم، كل ذلك يؤكد ويبرهن ويوضح تقرير السورة الكريمة للعبودية بمعناها الشامل والكامل، وآيات السورة مقررة لأنواع التوحيد الثلاثة كما مر معنا في ثنايا البحث، وكما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.
ومما يبرهن ويؤكد تقرير الفاتحة للعبودية حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٢).
ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 206
المبحث الثاني
التوحيد وعلاقته بمحور
السورة الكريمة
стр. 207
المبحث الثاني:
التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة
أولًا: قد مرَّ معنا تكرارًا ومرارًا في ثنايا البحث أن التوحيد هو محور السورة الرئيس، ومن هنا يتبين: أن العلاقة بين التوحيد ومحور السورة الكريمة هي علاقة تلازم كتلازم الروح للجسد، فالتوحيد هوالمحور الرئيس في السورة الكريمة؛ يتمثل في كل آيات من آياتها.
ثانيًا: افتتاح السورة بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، فيه تعظيم وإجلال وإقرار لله بالربوبية في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والله يحب الحمد ويحب أن يحمده عباده، وقد مرَّ معنا في ثنايا البحث حديث الأسود بن سريع ﵁ قال: كنت شاعرًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني مدحت ربي بمحامد، قال: «أما إن ربك يحب الحمد» (١)، وحمد العبد ربه إقرار منه لله بالألوهية التي هي توحيد الله بأفعال العباد، وهذا هو عين التوحيد.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ يتضمن الثناء على الله تعالى بأسمائه الحسنى وفي ذلك تلازم بين توحيد الأسماء والصفات ومحور السورة الرئيس.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فيه التمجيد لله تعالى، المقترن بالإيمان باليوم الآخر، المتضمن للبعث بعد الموت والحساب والجزاء على الأعمال.
خامسًا: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فيه إذعان لله واستسلام وانقياد له سبحانه بالتوحيد، وصرف العبادة كلها لله، فحصر العبادة في الله تعالى فيه إقرار بالعبودية له سبحانه وحده ونبذ عبادة كل ما سواه، وكذلك حصر الاستعانة بالله
стр. 208
وحده فيه معنى الذل والخضوع والافتقار الكامل والتام لمالك يوم الدين، وقد علمنا أن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، وقد أفاد هنا حصر واختصاص العبادة والاستعانة فيمن ينبغي ألا تصرف العبادة كلها: عبادة، ولا استعانة إلا له وحده لا شريك له، مع ما فيه من تعظيم الله بتقديم حقه في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتأخير حظ نفسه في: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وهذا كله هو عين توحيد الألوهية.
سادسًا: قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ متضمن لافتقار العبد لربه في جلب المنافع والتي من أعظمها معرفة الصراط المستقيم المتضمن لهداية الدلالة والإرشاد، وهذه الهداية لابد لها من دلالة وواسطة في البيان والبلاغ عن الله، فكانت نعمة إرسال الرسل، والرسل مبلغين عن الله وهم أمناء الله على وحيه، فلابد للرسل من رسالة، فكانت الرسالة متضمنة لنعمة إنزال الكتب، وطلب الهداية لهذا الصراط كما هو متضمن لهداية الدلالة والإرشاد، فهو كذلك متضمن لهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وبذلك تتم نعمة الهدايتين جميعًا وهذا هو عين التوحيد الملازم لمحور السورة الكريمة.
سابعًا: قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بعد أن علم الله العبد طلب الهداية إلى صراطه المستقيم وطريقه القويم، ناسب أن يدله على هذا الصراط ليسلكه، ثم ناسب أن يبين له عظم وقدر السالكين لهذا الصراط لينال شرف الصحبة وعلو القدر والمكانة، والمنعم عليهم هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، لمَّا أطاعوا الله والرسول ﷺ كانوا من أهل الصراط، ولمَّا كانوا من أهل الصراط استحقوا نيل شرف الصحبة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
ولذلك قال ابن عباس ﵁: «صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا
стр. 209
تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٩]» (١).
والنبي ﷺ في مرض موته يسلي نفسه ويعزيها بشرف تلك الصحبة التي هو منها، وهو أعلاهم شرفًا ومكانة ورتبة وقدرًا.
فقد روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة». وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحّة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، فعلمت أنه خُيّر» (٢).
«﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره» (٣).
ثامنًا: قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ فيه بيان أن صراط المنعم عليهم «غير صراط المغضوب عليهم، [وهم] الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ «لا» ليدل على أنَّ ثّمَّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى» (٤).
وبهذا كله يتبين العلاقة الوطيدة بين التوحيد وبين محور السورة الكريمة.
ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 210
المبحث الثالث
تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة
كما ورد في السورة الكريمة
стр. 211
المبحث الثالث:
تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة
ومن الأهمية بمكان بيان تلك الأقسام الثلاثة بشيء من البيان لتتبين العلاقة بين أنواع التوحيد وبين السورة من جهة، وليتضح تقرير التوحيد بأنواعه في ثنايا آيات السورة الكريمة كلها من جهة أخرى.
أولًا بيان أقسام التوحيد:
ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: وهي:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الألوهية.
٣ - توحيد الأسماء والصفات.
إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وإن لم يكن منصوصًا عليه بذلك، إلا أن نصوصه في الكتاب والسنة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، وأولوا العلم إنما علموا ذلك وفهموه بالتتبع والاستقراء والنظر في نصوص الوحيين.
«وقد جاء هذا التقسيم في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافًا لمن زعم من المبتدعة أنَّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا» (١).
стр. 212
وإليك نبذة من أقوال أهل العلم: في بيان تقسيمهم التوحيد، إلى ثلاثة أقسام:
١ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀: «والله يُدعى من الأعلى لا من الأسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء» (١).
فقوله: «يدعى من الأعلى لا من الأسفل» فيه إثبات صفة العلو، وهو من توحيد الأسماء والصفات …
وقوله: «من وصف الربوبية» فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: «والألوهية» فيه إثبات توحيد الألوهية (٢).
٢ - قال الطحاوي الحنفي ﵀: «نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله، إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره» (٣). فقوله: «إن الله واحد لا شريك له» شامل لأقسام التوحيد الثلاثة.
وقوله: «ولا شيء مثله» توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: «ولا شيء يعجزه» هذا من توحيد الربوبية.
وقوله: «ولا إله غيره» إشارة إلى توحيد الألوهية والعبادة» (٤).
٣ - قال ابن بطة العُكْبُري (٥) ﵀: «أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته (٦)، ليكون بذلك مباينًا من أهل التعطيل الذين لا
стр. 213
يثبتون صانعًا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك من أهل الشرك الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه» (١).
٤ - قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: «التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
الثاني توحيد الربوبية: وهو بيان أن الله خالق كل شيء.
الثالث توحيد الإلهية: وهو استحقاق أن يُعبد وحده لا يُشرك له» (٢).
٥ - قال الجرجاني الحنفي ﵀: التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة» (٣).
فهذه جملة من أقوال العلماء حيث قسموا التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وذلك باعتبار تعلقه بالرب ، وذلك بالاستقراء في أدلة الشرع» (٤)، ولذا كان هذا البيان ردًا على من زعم أن هذا التقسيم تقسيم محدث لم يكن عليه عمل المسلمين من قبل.
القسم الأول: توحيد الربوبية .
وهو توحيد الله بأفعاله ، ومعناه: إفراد الله تعالى بأفعاله من الخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء والإماتة وجلب النفع ودفع الضر وغير ذلك، فيعتقد المؤمن أن الله تعالى لا شريك له في ربوبيته.
وهذا يعني الإقرار بأنَّ الله هو ربّ كل شيءٍ وخالقه ومليكه، وأنّه
стр. 214
سبحانه وتعالى هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، وأنّه سبحانه له الخلق والأمر، وأن أمر عباده كلّه له تبارك اسمه، وأنّ الخير كلّه بيديه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ليس له في ربوبيته ندّ ولا شريك ولا شبيه ولا نظير.
أنواع ربوبية الله على خلقه:
ربوبية الله على خلقه على نوعين:
«الربوبية العامة: وهي لجميع الناس؛ بَرِّهم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم؛ وهي خلقه للمخلوقين، ورزقُهم، وهدايتهم، لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
الربوبية الخاصة: وهي تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة» (١).
من دلائل ومشاهد الربوبية:
١ - دلالة الفطرة: فإن الله جبل المخلوق على الإقرار بخالقه وفاطره، والاعتراف بربوبيته بدافع الفطرة، ذلك بأن الله تحبب إلى خلقه بنعمه، فهو خالقهم وموجدتهم من العدم وممتعهم بالنعم ودافع عنهم البلاء والنقم، والنفس جبلت على حبّ من أحسن إليها، ومن هنا كان الإقرار بالربوبية جبلي فطري إلا عند من انطمست فطرهم كالدهرين والملحدين من الشيوعيين والبوذيين وسائر المعاندين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولما كان الإقرار بالصانع فطريًّا كَمَا قَالَ ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» (٢)؛ فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يُعْرَفُ ويُعْبَدُ» (٣).
стр. 215
٢ - دلالة التفكر في الأنفس: إن من أعظم وأجل الدلالات على ربوبية الله تعالى: تلك النفس المخلوقة التي بين حنبي الإنسان، وصاحب الفطرة السوية والعقل السليم حينما يعملهما في التأمل في خلقته وإيجاده من عدم، ويتأمل مراحل خلقه وتكوينه يستدل بهما على ربوبية الخالق البارئ المصور ، قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
يقول الطاهر ابن عاشور ﵀: «وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة.
فالمقصود منه إبطال الشرك، لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة المحمدية» (١).
ويقول العلَّامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «بيَّن -جل وعلا -في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا» (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ [الشمس] أي: «عدل خلقها وسوى أعضاءها» (٣).
و «أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالها؛ وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة والباطنة» (٤).