← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7562

قوت المغتذي على جامع الترمذي

الجلال السيوطي

Полный текст (2 068 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الطريق إليه كالطريق إلى الأولى إلَاّ أن الحكم صحيح، ثم (١) يتبعه بأن يقول في الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة، منهم الصحابي الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه، وقلَّ ما يسلك هذه الطريق إلَاّ في أبوابٍ معدودة " (٢) . وقالى الحازمي (٣) في شروط الأئمة: " مذهب من يُخرِّج الصحيح أن يعتَبر حال الراوي العدلِ في مشايخه، وفي من روى عنهم، وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابتٌ يَلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصح (٤) إخراجه إلَاّ في الشواهد والمتابعات. قال: وهذا بابٌ فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم. فلنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم (٥) أن أصحاب الزهري (٦) مثلاً على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزيةٌ على التي تليها. فالأولى: في غاية الصحة، نحو: مالكٍ (٧) ، وابنِ عيينة (٨) ، وعُبيدِ الله

стр. 72

ابن عمر (١) ، ويُونسَ (٢) ، وعُقَيلٍ (٣) ونحوِهم، وهي مقصد البخاري. والثانية: شاركت الأولى في التثبت، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم من يلازمه في السفر، ويلازمه في الحضر. والثانية: لم تلازم (٤) الزهري إلَاّ مدَّة يسيرة، فلم تمارس حديثه (٥) ، فكانوا (٦) في الإتقان دون الطبقة الأولى -وهذا شرط مسلم- نحو: الأوزاعي (٧) ، والليث بنِ سعد (٨) ، والنعمانِ ابنِ راشد (٩) ، وعبد الرحمن بنِ خالد بن مسافر (١٠) ، وابن أبي ذئب (١١) .

стр. 73

والثالثة: جماعة لَزِموا الزهري كالطبقة الأولى، غير أنهم لم يَسْلَموا من غوائل (١) الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي، نحو: سفيان بن حسين (٢) ، وجعفر بن بُرقان (٣) ، وإسحاق بن يحيى الكلبي (٤) . والرابعة: قومٌ شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري، لأنهم (٥) لم يصاحبوا الزهري كثيرًا، وهم شرط الترمذي، قال (٦) : وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا، أو من حديث الطبقة الرابعة فإنه يُبيِّن ضعفه ويُنبه عليه، فيصير الحديث عنده (٧) من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صحَّ عند الجماعة، ومن هذه الطبقة: زمعة بن صالح (٨) ، ومعاوية بن يحيى الصدفي (٩) ، والمثنى بن الصباح (١٠) .

стр. 74

والخامسة: قومٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يُخَرِّج الحديث على الأبواب أن يخرِّج لهم إلَاّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد، عند أبي داود فمن دونه. فأما عند الشيخين فلا، كـ: بحرِ بن كُنيز السقا (١) ، والحكمِ بن عبد الله الأيلي (٢) ، وعبد القدُّوس بن حبيب (٣) ، ومحمد بن سعيد المصلوب (٤) . وقد يُخرِّج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعلام الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الرابعة؛ وذلك لأسباب تقتضيه " (٥) . وقال الذهبي في الميزان: "انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديثَ المصلوبِ (٦) والكلبي وأمثالهما" (٧) .

стр. 75

وقال أبو جعفر بن الزبير (١) : " أولى ما أُرشد إليه: ما اتفق المسلمون على اعتماده، وذلك الكتب الخمسة، والموطَّأ الذي تقدمها وضعًا ولم يتأخر عنها رتبة، وقد [اختلفت] (٢) مقاصدهم فيها، وللصحيحين فيها شفوف (٣) ، وللبخاري -لمن أراد التفقُّه- مقاصدُ جليلة (٤) ، ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها " (٥) . وقال القاضي أبو بكر بن العربي (٦) في أول شرح الترمذي: " اعلموا -أنار الله أفئدتكم- أن كتاب (٧) الجعفي (٨) هو الأصل الثاني في

стр. 76

هذا الباب، والموطأ هو الأول واللباب. وعليهما بنى (١) الجميع، كالقشيري (أي: الإمام مسلم) والترمذي، فما دونهما ما طفقوا (٢) يُصنِّفونه، وليس (في قدر) (٣) كتاب أبي عيسى مثله حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع. وفيه أربعة عشر علمًا فوائد؛ صنف -وذلك أقرب إلى العمل- وأسند وصحح وأسقم (٤) ، وعَدَّد الطرق، وجرح وعدَّل، وأسمى وكنَّى (٥) ، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله. وكل علم من هذه العلوم أصلٌ في بابه، وفردٌ في نصابه. فالقارىء له لا يزال في رياض مُؤْنِقَة (٦) ، وعلوم متفقة متسقة " (٧) . انتهى. وقال بعضهم (٨) : كتاب الترمذي رياضُ علمٍ ... حكت أزهارُه زهرَ النجومِ

стр. 77

به الآثار واضحة أُبينتْ ... بألقابٍ أُقيمتْ كالرسومِ فَأعلاها الصحاحُ وقد أنارتْ ... نجومًا للخصوص وللعمومِ ومن حسنٍ يليها ومن غريبٍ ... وقد بانَ الصحيحُ من السقيمِ فعلله أبو عيسى مبينًا ... مَعالمَه لطلاب العلومِ وطرَّزه بأثار (١) صحاحٍ ... تخيَّرها أوُلو النظر السليمِ من العلماء والفقهاء قِدْمًا ... وأهلِ الفضل والنهج القويمِ فجاء كتابُه عِلْمًا نفيسًا ... يُنافسُ فيه أربابُ الحلومِ ويقتبسون منه نفيسَ عِلْمٍ ... يُفيدُ نفوسَهُم أسنى رسومِ كتبناه روْينَاه لنَرْوى ... من التَّسْنيم (٢) في دار النعيمِ وغاص الفكر في بحر المعاني ... فأَدرك كَلَّ معنى مستقيمِ فأخرج جوهرًا يلتاح نورًا ... فقُلِّد عِقدَه أهلُ الفُهومِ ليصعَد بالمعاني للمعالي ... بسعدٍ بعد توديع الجُسوم محلُّ العلم لا يأوي ترابًا ... ولا يبْلى على الزَّمَنِ القديمِ فمنَ قَرَأَ العُلومَ ومَن روَاها ... لتنْقُلَه إلى المغْنى المقيم فإن الرُّوح تأْلَف كلَّ رَوْحٍ ... وَرِيحًا منه عاطرةَ النسيمِ تحلَّي من عقائده عقُودًا ... منظَّمةً بِياقُوتٍ وتُومِ (٣) وتُدْرِكُ نفسُه أَسْنى ضياءٍ ... من العلم النفيس لدى العليم (٤) ويُحْيى جسمُه أعْلى لَذَاذٍ ... مُحياه على الخبر (٥) الجسيم جزى الرحمنُ خيرًا بعد خيرٍ ... أَبَا عيسى على الفِعْل الكريمِ وألحقَه بصالحِ مَنْ حَواهُ ... مصنَّفُه مِنَ الجِيل العظيمِ

стр. 78

وكان سمِيُّه فيه شفيعًا ... محمدٌ المسمَّى بالرَّحيمِ صلاةُ الله تورثُه علاءً ... فإنَّ لِذِكْرِهِ أَزْكَى نَسيمِ وقال ابن الصَّلاح (١) في علوم الحديث: " كتاب أبي عيسى الترمذي أصلٌ في معرفة [الحديث] (٢) الحسن، وهو الذي نوَّه (٣) باسمه، وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل (٤) ، والبخاريِ وغيرهما. وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: " هذا حديثٌ حسن "، أو "هذا حديث حسنٌ صحيح" ونحو ذلك. فينبغي أن (٥) تصحح أصلك به (٦) بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه " (٧) . وقال الحافظ ابن حجر (٨) في نكته على ابن الصلاح: "وقد أكثر علي بن المديني (٩) من وصف الأحاديث بالصحة وبالحسن في مسنده

стр. 79

وفي علله، فكأنه (١) الإمام السابق لهذا الاصطلاح وعنه أخذ (٢) البخاري، ويعقوب بن أبي شيبة (٣) ، وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذي" (٤) . فاستمداد الترمذي لذلك إنما من البخاري، ولكن الترمذي أكثر (٥) منه (٦) وأشاد بذكره، وأظهر الاصطلاح فيه، فصار أشهر به من غيره. وقال ابن الصلاح: " قول الترمذي وغيره: " هذا حديث حسن صحيح " فيه إشكالٌ؛ لأن الحسن قاصرٌ عن الصحيح، ففي الجمع بينهما في حديث واحد، جمع بين نفي ذلك القصور (٧) وإثباته. قال: وجوابه: أن ذلك راجعٌ إلى الإسناد، فإذا روى الحديث الواحد بإسنادين؛ أحدهما: إسنادٌ حسنٌ، والآخر: إسنادٌ صحيح، استقام أن يقال فيه: أنه حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، أي أنه حسن بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيح بالنسبة إلى إسنادٍ آخر. على أنه غير مستنكر أن يكون بعض من قال ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي -وهو ما تميل (٨) إليه النفس ولا يأباه القلب- دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده " (٩) . انتهى. وقال ابن دقيق (١٠) في الاقتراح: "يرد [على الجواب

стр. 80

الأول] (١) الأحاديث التي قيل فيها حسنٌ صحيحٌ، مع أنه ليس له إلَاّ مخرجٌ واحدٌ. قال: وفي كلام الترمذي في مواضع يقول: " هذا حديثٌ (٢) حسنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَاّ من هذا الوجه ". قال: " والذي أقوله في جواب هذا السؤال: أنه لا يشترط في الحسن قيد القصور عن الصحيح، وإنما يجيئه القصور ويفهم ذلك فيه إذا اقتصر على قوله: حسن، فالقصور يأتيه من قيد الاقتصار لا من حيث حقيقته وذاته. وشرح هذا وبيانه: أن ههنا صفاتٍ للرواة تقتضي (٣) قبول الرواية، ولتلك الصفات درجاتٌ بعضها فوق بعض: كالتيقظ، والحفظ، والإتقان مثلاً. فوجود الدرجة الدنيا: كالصدق وعدم التهمة (٤) بالكذب (٥) ، لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه: كالحفظ والإتقان. فإذا وجدت الدرجة العليا وَلَمْ (٦) يناف ذلك وجود الدنيا: كالحفظ (٧) مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا، وهي الصدق مثلاً، صحيح باعتبار الصفة العليا وهي الحفظ والإتقان، ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح حسنًا، ويلتزم ذلك ويؤيده ورود قولهم: هذا حديثٌ حسنٌ في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجود في كلام المتقدمين " (٨) انتهى.

стр. 81

وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير (١) : أصل هذا السؤال غير متجه؛ لأن الجمع بين الحُسْنِ والصحة في حديثٍ واحدٍ رتبةٌ متوسطةٌ بين الصحيح والحسن. قال: فللقبول ثلاث مراتب: الصحيح أعلاها، والحسن أدناها، والثالثة ما يتشرب من كل منهما، فإن كل ما كان فيه شبه من شيئين لم يَتَمَحَّض لأحدهما، اختص برتبة (٢) منفردة، كقولهم (٣) لِلْمُزّ -وهو ما فيه حلاوة وحموضة (٤) -: هذا حلوٌ حامض، أي: مزٌّ. قال: فعلى هذا يكون ما يقول فيه: " حسن صحيح " أعلى رتبة عنده من الحسن ودون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن " (٥) . قال الحافظ أبو الفضل العراقي (٦) في نكته على ابن الصلاح: "وهذا الذي قاله ابن كثير تَحكُّمٌ لا دليل عليه، وهو بعيدٌ من فهم كلام الترمذي" (٧) .

стр. 82

قال الإمام بدر الدين الزركشي (١) ، والحافظ أبو الفضل بن حجر كلاهما في النكت على ابن الصلاح: " هذا يقتضي إثبات قسم ثالث ولا قائل به. وعبارة الزركشي (٢) "وهو خرقٌ لإجماعهم (٣) " (٤) ، ثم أنه يلزم عليه أن لا يكون في كتاب الترمذي حديث صحيح (٥) ، إلَاّ قليلاً؛ لقلة اقتصاره على قوله: " هذا صحيح " مع أن الذي يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجود في الصحيحين " (٦) . وقال الشيخ سراج الدين البلقيني (٧) في محاسن الاصطلاح أيضًا: "في هذا الجواب نظرٌ" (٨) . لكن جزم به الإمام شمس الدين بن الجزري (٩) في الهداية والذي قال: " صحيح حسن كالترمذي يعني يشابه (١٠) صحة وحسنًا فهو إذن

стр. 83

دون الصحيح معنًى" (١) . وقال الزركشي: " فإن قلت: فما عندك في رفع هذا الإشكال؟ قلتُ: يُحتمل أن يريد بقوله: حسن صحيح -في هذه الصورة الخاصة- الترادف، واستعمال هذا قليلاً دليل (٢) على جوازه، كما استعمله بعضهم حيث وصف الحسن بالصحة، على قول من أدرج الحسن في قسم الصحيح، ويجوز أن يريد حقيقتهما في إسناد واحد باعتبار حالين وزمانين، فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة في حال كونه مستورًا، أو مشهورًا بالصدق والأمانة، ثم ترقى ذلك الرجل المُستَمِع (٣) وارتفع حاله إلى درجة العدالة فسمعه منه الترمذي أو غيره مرة أخرى، فأخبر بالوصفين، وقد روي عن (٤) غير واحد أنه سمع الحديث الواحد على الشيخ الواحد غير مرة. قال: وهذا الاحتمال -وإن كان بعيدًا (٥) فهو أشبه ما يقال. قال: ويحتمل أن يكون الترمذي أدَّى اجتهاده إلى حسنه -وأدَّى اجتهاد غيره إلى صحته- (٦) أو بالعكس، أو أن الحديث في أعلى درجات الحسن وأول درجات الصحيح، فجمع له باعتبار مذهبين، وأنت إذا تأملت تصرف الترمذي لعلك تسكن إلى قصده هذا" (٧) . انتهى كلام الزركشي (٨) . وبعضه مأخوذ من الجعبري (٩) حيث قال في مختصره: "وقوله:

стр. 84

حسن صحيح باعتبار سندين أو مذهبين". وقال الحافظ ابن حجر في النكت: " وأجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال: بأنه باعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة الحديث، فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحًا عند قوم، وحسنًا عند قومٍ يقال فيه ذلك. قال: ويُتعقب هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع فيقول: حسن وصحيح، قال: ثم إن الذي يتبادر إلى الفهم أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة إلى غيره. فهذا يقدح في الجواب، ويَتوقف أيضًا على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته، قدح في الجواب أيضًا، لكن لو سلم هذا الجواب لكان أقرب إلى المراد من غيره. قال: وإنِّي لأميل إليه وأرتضيه، والجواب عما يرد عليه ممكن. قال: وقيل: يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين، وهما الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله: " حسن " أي باعتبار حكمه؛ لأنه من قبيل المقبول، وكل (١) مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة، وهذا يمشي على قول من لا يفرد الحسن من الصحيح، بل يسمّي الكل صحيحًا، لكن يرد عليه ما أوردناه أولاً: من أن الترمذي أكثر من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد. قال: وأجاب بعض المتأخرين بأنه أراد: " حسن " على طريقة من يفرق بين النوعين لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة،

стр. 85

"صحيح" على طريقة من لا يفرق. قال: ويرد عليه ما أوردناه فيما سبق. قال: واختار بعض من أدركنا أن اللفظين عنده مترادفان، ويكون إتيانه (١) باللفظ الثاني بعد الأول على سبيل التأكيد له. كما يقال: صحيح ثابت، أو جيد قوي، أو غير ذلك. قال: وهذا قد يقدح فيه القاعدة "أن الحمل على التأسيس خيرٌ من الحمل على التأكيد"؛ (٢) لأن الأصل عدم التأكيد، لكن قد يندفع القدح بوجود القرينة الدَّالة على ذلك. وقد وجدنا في عبارة غير واحد كالدارقطني (٣) : هذا حديث صحيح ثابت. قال: وفي الجملة أقوى الأجوبة ما أجاب به ابن دقيق العيد" (٤) انتهى كلام الحافظ ابن حجر في النكت. وقال في شرح النخبة: " إذا جمع الصحيح والحسن في وصف واحد؛ فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟ وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال: ومحصَّل الجواب: أنَّ تردد أئمة الحديث في حال ناقليه اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: " حسن " باعتبار وصفه عند قومٍ، "صحيح" باعتبار وصفه عند قومٍ، وغاية ما فيه أنه

стр. 86

حذف (١) حرف العطف من الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه: " حسن صحيح "، دون ما قيل فيه: " صحيح "، لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا من حيث التفرد (٢) ، وإلَاّ إذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معًا على الحديث يكون باعتبار إسنادين: أحدهما صحيح، والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه: " حسن صحيح "، فوق ما قيل فيه: " صحيح " فقط، إذا كان فردًا؛ لأن كثرة الطرق تقوي. فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه. فكيف يقول (٣) في بعض الأحاديث: " حسنٌ غريب لا نعرفه إلَاّ من هذا الوجه "؟ فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقًا، وإنما عرَّف بنوع (٤) خاصٍّ [منه] (٥) وقع في كتابه، و (٦) ما يقول فيه: " حسن " من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: " حسن " وفي بعضها: " صحيح " وفي بعضها: " غريب (٧) "، وفي بعضها: " حسن (٨) صحيح غريب "، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته تُرشِد إلى ذلك حيث قال في أواخر كتابه (٩) : " وما قلنا في كتابنا: " حديثٌ حسن " فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديثٍ يُروى لا يكون راويه متهمًا بكذب، ويُروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًّا، فهو عندنا: حديثٌ حسن ". فعرف بهذا

стр. 87

أنه إنما عرَّف الذي يقول فيه: " حسن " فقط، أما ما يقول فيه: " حسن صحيح " أو "حسن غريب"، أو "حسن صحيح غريب"، فلم يعرِّج على [تعريفه، كما لم يعرج على] (١) تعريف ما يقول فيه: " صحيح " فقط، أو "غريب" فقط، وكأنه ترك ذلك استغناءً لشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه "حسن" فقط: إما لغُموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد؛ ولذلك قيَّده بقوله: "عندنا"، ولم ينسبه إلى أهل الحديث -كما فعل الخطابي (٢) -. وبهذا التقرير يندفع كثيرٌ (٣) من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يُسفر وجهُ توجيهها، فلله الحمد على ما ألهم وعلَّم " (٤) . انتهى. قلتُ: وظهر لي توجيهان آخران، أحدهما: أن المراد حسن لذاته صحيح لغيره، والآخر: أن المراد "حسنٌ" باعتبار إسناده، "صحيح" أي: أنه أصح شيء ورد في الباب. فإنه يقال: أصح ما ورد كذا وإن كان حسنًا أو ضعيفًا، والمراد أرجحه أو أقله ضعفًا، ثم إنَّ الترمذي لم ينفرد بهذا المصطلح، بل سبقه إليه شيخه البخاري (٥) ، كما نقله ابن الصلاح في غير مختصره، والزركشي وابن حجر في نكتهما. قال الزركشي: "واعلم أن هذا السؤال يرد بعينه في قول الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ" لأن من شرط الحسن أن يكون معروفًا من غير وجه، والغريب من انفرد به أحد رواته، وبينهما تنافٍ قال: وجوابه أن الغريب يُطلق

стр. 88

على أقسام: غريب من جهة المتن، وغريب من جهة الإسناد، والمراد هنا الثاني دون الأول؛ لأن هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة، لكن تفرد بعضهم بروايته عن صحابي. فحسب المتن: حسن؛ [لأنه عرف مخرجه واشتهر، فوجد شرط الحسن] (١) ، وبحسب الإسناد: غريب؛ لأنه لم يروه من تلك الجماعة إلَاّ واحد، ولا منافاة بين الغريب بهذا المعنى وبين الحسن، بخلاف سائر الغرائب فإنها تنافي الحسن. وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن عبد المحسن الغرافي (٢) في كتابه "معتمد التنبيه" (٣) : " قول أبي عيسى: " هذا حديثٌ حسن صحيحٌ غريبٌ " و"هذا حديثٌ (٤) حسن غريبٌ " إنما يريد به ضيق المخرج أنه لم يخرج إلَاّ من جهة واحدة، ولم يتعدد خروجه من طرق إلَاّ إن كان الراوي ثقة فلا يضر ذلك، فيستغربه هو لقلة المتابعة، وهؤلاء الأئمة شروطهم عجيبة، وقد يُخَرِّج الشيخان أحاديث [يقول أبو عيسى فيها] (٥) : " هذا حديثٌ حسن " وتارة: " حسنٌ غريب " كما قال في حديث أبي بكر: " قلت: يا رسول الله علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي ... " الحديث: هذا حديثٌ حسنٌ " (٦) مع أنه متفقٌ عليه. انتهى.

стр. 89

واعلم أن الكتب الأربعة: الصحيحين، وسُننَ أبي داود، والنسائي وقعت لنا من عدة روايات عن مؤلفيها، ولم يقع لنا الترمذي إلَاّ من رواية أبي العباس محمد بن أحمد بن محبوب (١) عن الترمذي، ولا نعلم أنه شرحه أحد كاملاً إلَاّ القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "عارضة الأحوذي"، وكتب عليه الحافظ فتح الدين بن سيد الناس (٢) قطعة، وكمل عليها الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي قطعة أخرى ولم ْيُتمَّه (٣) ، وكتب عليه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني قطعة، والحافظ أبو الفضل بن حجر مجلدًا لم نقف عليه، وله كتاب "اللباب فيما يقول فيه الترمذي: وفي الباب"، ولم نقف عليه أيضًا والله أعلم. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد (٤) : "الذي عندي أن الأقرب إلى التحقيق والأجرى على واضح الطريق أن يقال: إن كتاب الترمذي تضمّن الحديث مصنفًا على الأبواب وهو علم برأسه، والفقه

стр. 90

علمٌ ثان، وعللَ الأحاديث (١) -ويشتمل على بيان الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب- علمٌ ثالث، والأسماءَ والكنى علمٌ رابع (٢) ، والتعديلَ والتجريحَ خامسٌ، ومن أدرك النبي ﷺ ممن لم يدركه -ممن أسند عنه في كتابه- سادسٌ، وتعديد من روى ذلك (٣) الحديث سابعٌ. هذه علومه الجُمْلِيَّة، وأما التفصيلية فمتعددة بالجملة، فمنفعته كبيرة، وفوائده كثيرة" (٤) انتهى. قال الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس: " ومما لم يذكره (٥) (٦) ما تضمنه من الشذوذ وهو نوعٌ (٧) ثامن، ومن الموقوف وهو تاسع، ومن المدرج وهو عاشر، وهذه الأنواع مما تكثر فوائده (٨) التي تستجاد فيه وتستفاد عنه، وأما ما يقل فيه وجوده من الوفيات، أو التنبيه على معرفة الطبقات وما يجري مجرى ذلك، فداخلٌ فيما أشار إليه من فوائده التفصيلية " (٩) انتهى. فائدةٌ: قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير (١٠) في بَرْنامجه: "روى هذا

стр. 91

الكتاب عن الترمذي ستة رجال -فيما علمته-: أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب (١) ، وأبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي (٢) ، وأبو ذر محمد بن إبراهيم (٣) ، وأبو محمد الحسن بن إبراهيم القطان (٤) ، وأبو حامد أحمد ابن عبد الله التاجر (٥) ، وأبو الحسن الوَذَاري (٦) . قال: وأما ما ذكره بعض الناس: [من] (٧) أنه لا يصح سماع أحد في هذا المصنف من أبي عيسى ولا روايته عنه -وهو كلام يُعزى إلى أبي محمد بن عتاب (٨) ، عن أبي (٩) عمرو السفاقسي (١٠) ، عن أبي عبد الله الفسوي (١١) -فهو باطلٌ، قاله من قاله، فإن الروايات في الكتاب منتشرة

стр. 92

شائعة عن جِلَّةٍ معروفين إلى (١) المصنف، ثم [إن] (٢) أبا عبد الله بن عتاب (٣) ، وابنه أبا محمد المذكور، والحافظ أبا علي الغسابي (٤) وغيرهم من أئمة هذا الشأن قد أسندوا الكتاب إلى فهارسهم، وما تعرضوا لشيء مِمَّا ذكره مَنْ تَقدَّم كلامُه من جَهْلِ الكتاب، وانقطاع الرواية فيه، ولا ذكروا ذلك عن أحدٍ ". انتهى. وقال الحافظ قطب الدين القسطلاني (٥) : أحاديث الرسول جلا الهمُوم ... وَبُرْء المرء من أَلم (٦) الكُلوم فلا تَبْغِ بها أبدًا بديلاً ... وعرِّفْ بالصحيح مِنَ السقيم وإِنَّ الترمذيَّ لمَن تَصَدَّى ... لعِلْم الشَّرْع مُغنٍ عن علوم غدَا خضِرًا نضيرًا في المعاني ... فأضحى (٧) روضَة عَطِرَ الشمِيم فمِنْ جَرحٍ وتعديلٍ حَواه.... ومِنْ عِلَلٍ ومن فِقْهٍ قويم

стр. 93

ومن أَثرٍ وَمِنْ أَسْمَاءِ قَوْمٍ ... وَمِن ذِكْرِ الكُنى لصَدٍ (١) فَهيم ومِن نَسخٍ ومُشْتَبِهِ الأسَامي ... ومِن فَرْقٍ ومِن جَمْعٍ بهيم ومِن قولِ الصِّحاب وتابعيهم ... بِحِلٍّ أو بتَحْريمٍ عميم ومِن نَقْلٍ إلى الفُقَهَاء يُعْزى ... ومِن مَعْنى بَدِيعٍ مستقيم ومن طبقاتِ أعْصَارٍ تَقضَّت ... ومن حَلٍّ لمنفعةٍ عقيم وقسَّمَ مَا روى: حسنًا، صحيحًا ... غريبًا، فارتضاه (٢) ذَوُوا الفُهوم ففاق مصنَّفات الناس قِدمًا ... وراق فكان كالعقْد النَّظيم وجاء كأنه بدْرٌ تلألأ ... يُنيرُ (٣) غياهِبَ الجهل العظيم فَنَافِسْ في اقتباسٍ من نفيسٍ ... بأنفاسٍ ودعْ قولَ الخصيم (٤) فإنَّ الحقَّ أبلجُ ليس يُخفي ... طلاوتَه على الذِّهنْ السليم وفضلُ العلم يظهر حين (٥) يَنْأى ... عَن الأرواح مألوفُ الجسوم فمأوى العلم مرقى للثُّرَيَّا ... ويَبْقى في الثرى أثرُ الرسوم وليس العِلْم ينفع مَن حَواه ... بلا عملٍ يُعين على القُدوم كتابُ الترمذيِّْ غدا كتابًا ... يعطِّرُ نَشرُه مَرَّ النسيم وإسنادي له في العصر يعلو ... أُساوِي فيه ذَا سنّ قديم فربِّي اللهَ أحمدُ كُلَّ حينٍ ... على إيلاءِ (٦) إِفْضالٍ عميم وصَلِّ مدى الزمان على رسولٍ ... يفُوح لذكره أَرَجُ (٧) [النسيم] (٨)

стр. 94

" أبواب الطهارة "

стр. 95

١ -[١] "لا تقبل" (١) . في رواية النسائي وغيره: " لا يقبل الله " (٢) . "صلاة بغير طُهور". قال ابن العربي: " قرأته بفتح الطاء وهو بضمها عبارة عن الفعل، وبفتحها عبارة عن الماء" (٣) . وقال في النهاية: " الطُّهور بالضم التطهير، وبالفتح: الماء الذي يُتطهر به " (٤) . وقال سيبويه (٥) : " الطَّهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بها التطهير (٦) ". انتهى. وضبطه ابن سيد الناس: " بضم الطاء لا غير" (٧) . وقال ابن العربي: " قبول الله للعمل هو رضاه به وثوابه عليه " (٨) .

стр. 96

وقال ابن دقيق العيد: " قد استدل جماعة من المتقدمين بانتفاء القبول على انتفاء الصحة، كما فعلوا في قوله ﷺ : " لا يقبل الله صلاة حائض إلَاّ بخمار " (١) ، أي من بلغت سن المحيض. والمقصود بهذا الحديث الاستدلال على اشتراط الطهارة في صحة الصلاة، ولا يتم ذلك إلَاّ بأن يكون انتفاء القبول دليلاً على انتفاء الصحة، وقد ورد في مواضع انتفاءُ القَبولِ مع ثبوت الصحة كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة (٢) ، وكما ورد فيمن أتى عرَّافًا (٣) ، وفي شارب الخمر (٤) . فإن (٥) أُريد تقرير الدليل على انتفاء الصحة من انتفاء القبول فلا بد من تفسير معنى القبول، وقد فُسِّر بأنه تَرتُّبُ الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قَبِل فلانٌ عذر فلانٍ، إذا رَتَّب على عذره الغرضَ المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب. فإذا ثبت ذلك فيقال، مثلاً في هذا المكان: الغرض من الصلاة وقوعها مُجْزِيَةً بمطابقتها للأمر، فإذا ْحصل هذا الغرض ثبت القبول على ما ذكر من (٦) التفسير وثبتت

стр. 97

الصحة، وإذا انتفى القبول انتفت الصحة. وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن القبول كون العبادة صحيحة بحيث يترتب عليها الثواب والدرجات. والإجزاء كونها مطابقة للأمر، والمعنيان إذا تغايرا وكان أحدهما أخص من الآخر، لم يلزم من نفي الأخص نفيُ الأعم، والقبول على هذا التفسير أخص من الصحة فإن كل (١) مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولاً، وهذا أن يقع في تلك الأحاديث التي نفى فيها القبول مع بقاء الصحة، فإنه يضر في الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة حينئذ، ويحتاج في تلك الأحاديث التي نفى عنها القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل أو تخريج جواب، على أنه يرد على من فسَّر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية أو ما أشبه ذلك -إذا كانت مقصودة بذلك- أن (٢) لا يلزم من نفي القبول نفيُ الصحة، أن يقال: القواعد الشرعية تقتضي أن العبادة إذا أُتي بها مطابقة للأمر، كانت سببًا للثواب والدرجات والإجزاء، والظواهر في ذلك لا تحصى " (٣) . انتهى. "ولا صدقة من غلول". ضبطه النووي (٤) (٥) ، ثم ابن سيد الناس (٦) (٧) بضم الغين المعجمة.

стр. 98

قال ابن العربي: " الغلول: الخيانة خفية (١) ، فالصدقة من مال حرامٍ في عدم القبول (٢) واستحقاق العقاب (٣) كالصلاة بغير طُهور في ذلك " (٤) . وقال القرطبي (٥) في شرح مسلم: " الغلول هنا الخيانة مطلقًا والمال الحرام " (٦) .

стр. 99

٢ -[٢] " إذا توضَّأ العبد المسلم أو المؤمن " (١) . قال الباجي (٢) في شرح الموطأ: " الظاهر أن اللفظ شكٌّ من الراوي " (٣) .

стр. 100

"فغسل وجهه خرجت كل خطيئة نظر إليها بعينيه". قال ابن العربي: " يعني غفرت؛ لأن الخطايا هي أفعال وأعراض لا تبقى، فكيف توصف (١) بدخول أو بخروج؟ ولكن الباري لما (٢) أوقف (٣) المغفرة على الطهارة الكاملة في العضو، ضرب لذلك مثلاً بالخروج، و (٤) لأن الطهارة حكمٌ ثابتُ استقرَّ له الدخول " (٥) . وأقول: بل الظاهر حمله على الحقيقة، وذلك أن الخطايا تؤثر (٦) في الباطن والظاهر، والطهارة تزيله، وشاهد ذلك ما أخرجه المصنف والنسائي، وابن ماجه (٧) ، وابن حبان (٨) ، والحاكم (٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا أذنب ذنباً نُكتت في قلبه نكتةٌ سوداءُ، فإن تابَ ونَزعَ واستغفر صُقِل قَلْبه، وإن عاد زادت حتى

стр. 101

تعلو قلبه، وذلك الران، الذي ذكره الله في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) ﴾ (١) " (٢) . وأخرج أحمد، وابن خزيمة (٣) عن ابن عباس (٤) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من الجنة وكان أشد بياضًا من الثلج، وإنما سودته خطايا المشركين " (٥) فإذا أثرت

стр. 102

الخطايا في الحجر، ففي جسد (١) فاعلها أولى. فإما أن يُقدَّرَ خرج من وجهه أثر كل خطيئة، أي: السَّوادُ الذي أحدثته. وإما أن يقال: أن الخطيئة نفسها تتعلق بالبدن، على أنها جسمٌ لا عَرضٌ (٢) ، بناء على إثبات عالم المثال، ولهذا صحَّ (٣) عَرْضُ الأعراضِ على آدم ﵇ ثم على الملائكة ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ (٤) . وإلَاّ فكيف يُتصور عَرْضُ الأعراض لو لم يكن لها صورة تتشخص بها؟ وقد حققت ذلك في تأليف مستقل، وأشرت إليه في الحاشية التي علقتها على تفسير البيضاوي (٥) (٦) . ومن شواهده في الخطايا ما أخرجه البيهقي (٧) في سننه عن ابن عمر (٨) ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد

стр. 103

إذا قام يصلي أُتِيَ بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه (١) ، كلما ركع وسجد تساقطت عنه". وأخرج البزار (٢) والطبراني (٣) عن سلمان (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كلما سجد تحاتت عنه " (٥) . " مع الماء أو مع آخر قطر الماء ". قال الباجي: " هذا شكٌّ من الراوي " (٦) . "فإذا غسل يديه". قال الباجي: " كذا رووا هذا الحديث رواة الموطأ مقتصرين على غسل الوجه واليدين، إلَاّ ابن وهب (٧) فإنه (٨) زاد فيه ذكرَ مسحِ الرأس وغسلِ الرجلين " (٩) .

стр. 104

قلتُ: ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ وزاد فيه ذكر المضمضة والاستنشاق، وكذا رواه أحمد من حديث أبي أُمامة (١) وزاد ذكر " مسح الرأس والأذنين " (٢) . " حتى يخرج نقيًّا من الذنوب ". قال ابن العربي: " الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبار؛ لحديث: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفَّارة لما بينهنّ إذا ما اجتنبت الكبائر ". فإذا كانت الصلاة مقترنة بالوضوء لا تكفر الكبائر (٣) ، فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى. قال: وهذا التكفير إنما هو الذنوب المتعلقة بحقوق الله ، فأما المتعلقة (٤) بحقوق الآدميين فإنما يقع النظر فيها بالمقاصَّة مع الحسنات والسيئات. قال: ولو وقعت الطهارة باطنًا بتطهير القلب عن أوضار المعاصي، وظاهرًا باستعمال الماء على الجوارح بشرط الشرع، واقترنت به صلاةٌ جُرِّد فيها القلب عن علائق الدنيا، وطُردت الخواطر، واجتمع الفكر على أجزاء العبادة، كما انعقد عليه إحرامُها، واستمرت الحال كذلك حتى خرج بالتسليم عنها، فإن الكبائر تغفر، وجملة المعاصي -والحالة هذه- تُكفَّر، وكذلك كان

стр. 105

وضوء السلف (١) ".

стр. 106

٣ -[٣] "مفتاح الصَّلاة الطُّهور" (١) . قال الرافعي (٢) : " هو بضم الطاء فيما قيَّده بعضهم، ويجوز الفتح؛ لأن الفعل إنما يتأتى بالآلة " (٣) . قال ابن العربي: " هذا مجاز ما يفتحها مِنْ غَلْقِها، وذلك أن الحدث مانع منها، فهو كالقُفل موضوع على المُحْدِث حتى إذا توضأ انحل الغَلْق، وهذه استعارة بديعية لا يقدر عليها إلَاّ النُّبُوَّة، وكذلك قوله: مفتاح الجنة الصلاة؛ لأن أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات، وركن الطاعات الصلاة " (٤) . " وتحريمها التكبير " قال ابن العربي: "هو مصدر حَرَّمَ يُحَرِّمُ، ويَشْكُل (٥) استعماله هنا، لأن التكبير جزء من أجزائها، فكيف يُحَرِّمها؟ فقيل: مراده (٦) إحرامها، يقال: أحرم إذا دخل في البلد الحرام أو الشهر

стр. 107

الحرام، ولما كانت الصلاة تُحرِّم أشياء قيل لأول ذلك وهو التكبير: تحريم" (١) . وقال ابن الأثير في النهاية: " كأن المصلي بالتكبير والصلاة صار ممنوعًا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير: تحريم؛ لمنعه المصلي من ذلك، ولهذا سميت: تكبيرة الإحرام، أي: الإحرام بالصلاة " (٢) . ولما صار المصلي بالتسليم يَحِلُّ له ما حَرُمَ عليه فيها بالتكبير من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، كما يَحِل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان حرامًا عليه قبلُ. " وتحليلها التسليم " (٣) . قال الرافعي: " وقد روى محمد بن أسلم (٤) في مسنده هذا الحديث بلفظ: " وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم ". هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب (٥) . وقال البزار: " لا نعلمه عن علي إلَاّ من هذا الوجه " (٦) . وقال أبو نعيم (٧) : " تفرد به ابن عقيل عن ابن الحنفية " (٨) . وقال العقيلي (٩) : "في إسناده لين، وهو أصلح من حديث

стр. 108

جابر" (١) . وقال ابن العربي: " حديث جابر أصحُّ شيءٍ في هذا الباب " (٢) . قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الشرح (٣) : " كذا قال، وقد عكس ذلك العقيليُّ، وهو أقعد (٤) منه في هذا (٥) الفن " (٦) .

стр. 109

٤ -[٥] " كان إذا دخل الخلاء " (١) . بفتح الخاء ممدود: المكان الذي ليس به أحد. قال النووي: "وقوله: " إذا دخل " معناه إذا أراد الدخول، وكذا جاء

стр. 110

مُصرَّحًا بها (١) في رواية البخاري، قال: " كان إذا أراد أن يدخل قال: " اللهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث " (٢) . قال الخطابي (٣) في كتاب إصلاح الألفاظ التي صحفها الرواة: " أصحاب الحديث يروونه الخُبْثُ ساكن الباء " وكذلك رواه أبو عبيد (٤) في كتابه وفسَّره، فقال: " أما الخُبْثُ فإنه يعني به الشر، وأما الخبائث فإنها (٥) الشياطين ". قال الخطابي: " إنما هو الخُبُث بضم الباء جمع خبيث، وأما الخبائث فهو جمع خبيثة، استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم " (٦) . وقال ابن العربي: " الخُبُث بضم الخاء والباء يعني من ذكور الجن وإناثها، و (٧) بإسكان الباء يعني من المكروه ومن أهله. والخُبْثُ من كل مكروه: فإن كان من قول فهو سبّ (٨) ، وإن كان من اعتقاد فيكون كفرًا بحال (٩) واعتقاد سوء بأخرى، وإن كان من طعام فهو حرام. قال:
следующие страницы →