← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية: ٣١] قال: أما أنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم: فجعلوا حلال الله حرماً وحرامه حلالاً، فأطاعوهم. فكانت تلك الربوبية. وقال جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف، الآيتان: ٢٣- ٢٤] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فـ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٤] وفي هؤلاء ومثلهم قال الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال، الآية: ٢٢] ، وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة، الآيتان: ١٦٦- ١٦٧] وقال جل وعز عائباً على أهل الكفر وذاماً لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء، الآيتان: ٥٢ – ٥٣] ، وقال عنهم: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب، الآية: ٦٧] . ومثل هذا في القرآن كثير في ذم تقليد الآباء والرؤساء. وقد احتج العلماء بهذه الآيات على إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، فقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها: كان كل واحد ملوماً على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك يشبه بعضه بعضاً، وإن اختلفت الآثام فيه، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة، الآية: ١١٥] وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضاً. فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا، وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك. ثم ساق أحاديث عن الرسول ﷺ ، وآثاراً عن الصحابة ﵃ فيها

стр. 212

الأمر والحث على اتباع الكتاب والسنة والتحذير عن آراء الرجال، وزلات العلماء، وأطال في ذلك – إلى أن قال – وثبت عن النبي ﷺ مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: "يذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤساً جهالاً يسألون فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون" وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدى لرشده. قال: وقال عبيد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. وهذا كله لغير العامة. فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك لأن العلم درجات، لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم. ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، الآية: ٤٣] . قال: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، بعد ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀ وأنا أورده، قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم، أبطل التقليد، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس، الآية: ٦٨] أي من حجة بهذا، قال: فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيراً من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت عليَّ، قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك. فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر منك وأقل علماً ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا

стр. 213

متناقض. فإن قال: لأن معلمي – وإن كان أصغر – فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذن وأعلم بما ترك. قيل له: وكذلك من تعلم منه معلمك فهو جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك. فإن أعاد قوله: جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه، في قياس قوله والأعلى الأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً. قال أبو عمر: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين، وإدراك العلوم على ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه، وقالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك ومن ههنا – والله أعلم – قال البحتري: عرف العالمون فضلك بالعـ ... ـلم وقال الجهال بالتقليد وأرى الناس مجمعين على فضـ ... ـلك من بين سيد ومسود وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة. والإتباع: ما ثبتت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده. والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ. والتقليد ممنوع. وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عن سحنون قال: كان مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لم يجبهم. فتعرض له ابن دينار يوماً، فقال له: يا أبا بكر، لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وإذا سألتك أنا وذويّ فلا

стр. 214

تجيبنا. فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم، قال: إني قد كبرت سني ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقاً قبلاه، وإذا سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزله من القلوب منزلة القرآن.

стр. 215

مناقشة المقلدين ... قال أبو عمر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك؟ فإنهم لم يقلدوا. فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. قيل له: أما العلماء إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب، أو حكاية سنة عن رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه. ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله: أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه. فإن قال: قلدته لأني علمت أنه على صواب، قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: علمت بدليل. فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال: قلدته لأني أعلم أنه أنه أعلم مني، قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقاً كثيراً ولا تخص من قلدته إذا علتك فيه أنه أعلم منك. فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس. قيل له: فهو إذاً أعلم من الصحابة ﵃. وكفى بقول مثل هذا قبحاً، وإن قال: أنا إنما أقلد بعض الصحابة، قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال رجل قولاً – وإن كان له فضل – يتبع عليه. يقول الله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر، الآية: ١٨] فإن قال: قصر نظري وقلة علمي يحملني على التقليد. قيل له: أما من قلد فيما ينزل به

стр. 216

من أحكام شريعته عالماً بما يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره به بمعذور لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله؟ فيحمل غيره على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك، وتصييرها إلى غير من كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان هو المصيب فيما خالفه فيه. فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى، لحفظه الفروع لزمه أن يجيزها للعامة وكفى بهذا جهلاً ورداً للقرآن. قال الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء، الآية: ٣٦] ، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف، الآية: ٨٢] وقد أجمع العلماء أن ما لم يتبين ويستيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئاً. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار. انتهى كلام الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. وقال القاضي عبد الوهاب، أحد أئمة المالكية في أول كتابه "المقدمات" في أصول الفقه: الحمد لله الذي شرع وكلف، وبين ووقف، وفرض وألزم، وأوجب وحتم، وحلل وحرم، وندب وأرشد، ووعد وأوعد، ونهى وأمر، وأباح وحظر، وأعذر وأنذر، ونصب الأدلة والأعلام على ما شرع لنا من الأحكام، وفصل الحلال من الحرام، والقرب من الآثام، وحض على النظر فيها والتفكر والاعتبار والتدبر، فقال جل ثناؤه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر، الآية: ٢] وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء، الآية: ٨٢] ، وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت، الآية: ٤٣] ، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص، الآية: ٢٩] ، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ

стр. 217

مِنْهُمْ﴾ [النساء، الآية: ٨٣] ، وقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة، الآية: ١٢٢] الآية. "والتفقه" من التفهم والتبيين، ولا يكون ذلك إلا بالنظر في الأدلة واستيفاء الحجة دون التقليد، لأن التقليد لا يثمر علماً، ولا يفضي إلى معرفة، وقد جاء النص بذم من أخلد إلى تقليد الآباء والرؤساء، واتباع السادات والكبراء، تاركاً بذلك ما ألزمه الله من النظر والاستدلال، وفرض عليه من الاعتبار والاجتهاد. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة، الآية: ١٧٠] ، وقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٢] في نظائر من هذه الآيات، تنبيهاً بها على علة حظر التقليد. بأن فيه ترك اتباع الأدلة والعدول عن الانقياد إلى قول من لا يعلم أنه فيما تقلد فيه مصيب أو مخطئ. فلا يأمن من التقليد لغيره كون ما يقلده فيه خطأ وجهلاً. لأن صحة المذهب لا تتبين من فساده باعتقاد المعتقد له، وشدة تمسكه به. وإنما يتميز صحيح المذاهب من فاسدها وحقها من باطلها بالأدلة الكاشفة عن أحوالها، والمميزة بين أحكامها. وذلك معدوم في المقلد لأنه متبع لقول لا يعرف صحته من فساده، وإنما اعتقده لقول مقلده به. فإن زعم صاحب التقليد أنه يعرف صحة القول الذي قلد فيه ويعلم أنه حق، وأن اعتقاده واجب. فذلك باطل منه لأن العلم بذلك لا يكون إلا بالنظر في الأدلة التي هي طريق العلم به فإذا عدل عنها علمنا بطلان دعواه للعلم بصحة ما قلد فيه، فإن قال: علمت صحة القول الذي قلدت فيه بدليل وحجة، قلنا: فأنت إذن غير مقلد، لأنك عارف بصحة القول الذي تعتقده، والتقليد: هو اتباع القول، لأن قائلاً قال به من غير علم بصحته من فساده. ثم قال – فإن قيل: فإذا كنتم تمنعون التقليد وتدعون إلى النظر: فيجب أن تبينوا صحته وتثبتوه طريقاً للعلم بالمنظور فيه. فالجواب: أن القرآن قد حض على النظر والاعتبار في الآيات السابقة، ولا يجوز أن يحض على النظر فيما لا يثمر علماً، ويأمر باعتقاد ما يؤدي إليه. وإن لم يكن حقاً مع قوله تعالى: ﴿وَلا

стр. 218

تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء، الآية: ٣٦] وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية: ١٦٩] ، وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء، الآية: ١٧١] ومع ما ورد به القرآن من الاستدلال على مدلولات والتنبيه على تصحيح وإفساد مقالات. وذلك في القرآن كثير، يطول استيفاؤه ومن الظاهر في ذلك المشهور ما جرى بين الصحابة ﵃ من الاحتجاج والاستدلال في مسائل الأحكام، ومناظرة بعضهم لبعض، وذلك أشهر وأظهر من تكلف الإطالة بتقصيه، فبان بما أوردناه صحة النظر والاستدلال وثبوته طريقاً للعلم بالمنظور فيه. فإن قيل: أخبرونا عن مريد التفقه ما الذي يلزمه؟ قلنا: لا يسوغ لمن فيه فضل للنظر والاجتهاد وقوة على الاستدلال والاعتبار أن يعتقد التفقه إلا من طريق الاستدلال الصحيح، العاري عن آفات النظر المانعة له من استعماله على وجهه وترتيبه في حقه. فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درس مذهب مالك بن أنس، واعتقاده، والتدين بصحته، وفساد ما خالفه؟ قلنا: هذا ظن منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك إلا إلى أمر قد عرفنا صحته، وعلمنا صوابه بالطريق التي قد بيناها، فلم نخالف بدعائنا إليه ما قررناه، وعقدنا الباب عليه. هذا كلام القاضي عبد الوهاب وهو نظير قول من قال من أصحابنا: ما قلدنا الشافعي ولكن طابق اجتهادنا اجتهاده. وقال القاضي عبد الوهاب أيضاً في كتابه "الملخص" في أصول الفقه. فصل في فساد التقليد: التقليد لا يثمر علماً، فالقول به ساقط، وهذا الذي قلنا: هو قول كافة أهل العلم. وذهب قوم من ضعفة من ينتمي للعلم، وممن يفرغ على نفسه من استيفاء النظر على وجهه حتى أن يكشف له به فساد مذهب، قد تمت له معه وئاسة، أو حصل له نشوة أو عادة، أو عصبية إلى صحة

стр. 219

التقليد. وأنه يثمر العلم بالمقلد فيه والدليل على فساد ذلك: أن المقلد لا يخلو أن يكون عالماً بصحة قول من يقلده، أو غير عالم بذلك، فإن كان عالماً فهذا ليس بمقلد لأن متبع لقول قد عرف صحته بالطريق الذي به عرف كون قائله محقاً، وإن كان غير عالم بصحته لم يأمن أن يكون خطأ وجهلاً. فيقدم على اعتقاده، ومعتقد الجهل والخطأ ليس بعالم. ولا يقال: إن اعتقاده علم فبطل بذلك كون التقليد علماً. وقد دل القرآن على فساد التقليد في غير موضع وعلى ذم من صار إليه، ودان به.

стр. 220

التقليد قبول قول بلا حجة ... وقال الغزالي في "المستصفى": التقليد هو قبول قول بلا حجة، وليس ذلك طريقاً إلى العلم، لا في الأصول ولا في الفروع. وذهب الحشوية والتعليمية إلى أن طريق معرفة الحق التقليد. وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام. ويدل على بطلان مذهبهم مسالك: الأول: أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة فلا بد من دليل، ودليل الصدق المعجزة. فيعلم صدق الرسول ﷺ بمعجزته وصدق كلام الله بإخبار الرسول ﷺ عن صدقه وصدق أهل الإجماع بإخبار الرسول ﷺ عن عصمتهم. فحيث لم تقم حجة ولم يعلم الصدق بضرورة ولا دليل فالاتباع فيه اعتماد على الجهل. المسلك الثاني: أن يقال: أتحيلون الخطأ على مقلدكم أم تجوزونه؟ فإن جوزتموه فأنتم شاكون في صحة مذهبكم وإن أحلتموه فبم عرفتم استحالته؟ أبضرورة، أم بنظر أم بتقليد؟ ولا ضرورة ولا دليل. فإن قلدتموه في قوله: إن مذهبه حق، فبم عرفتم صدقه في تصديق نفسه؟ وإن قلدتم غيره فبم عرفتم صدق المقلد الآخر؟ وإن عولتم على سكون النفس إلى قوله، فبم تفرقون بين سكون نفوسكم وسكون نفوس النصارى واليهود؟ وبم تفرقون بين قول مقلدكم إني صادق محق، وبين قول مخالفيكم؟ ويقال لهم أيضاً في إيجاب التقليد: هل تعلمون وجوب التقليد أم لا؟ فإن لم تعلموا فلم قلدتم؟ وإن علمتم فبضرورة أو نظر أو تقليد؟ ويعود عليهم

стр. 221

السؤال في التقليد، ولا سبيل لهم إلى النظر والدليل. فلا يبقى إلا إيجاب التقليد بالتحكم. فإن قيل: عرفنا صحته بأنه مذهب الأكثرين فهو أولى بالاتباع. قلنا: وبم أنكرتم على من يقول الحق دقيق غامض، لا يدركه إلا الأقلون، ويعجز عنه الأكثرون لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة والتفرغ للنظر وإنقاد القريحة، والخلو عن الشواغل. ويدل عليه أن النبي ﷺ كان محقاً في ابتداه أمره وهو في شرذمة يسيرة على خلاف الأكثرين. وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام، الآية: ١١٦] كيف وعدد الكفار في زماننا أكثر؟ ثم يلزمكم أن تتوقفوا حتى تدوروا في جميع العالم وتعدوا جميع المخالفين، كيف؟ وهو خلاف نص القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ، الآية: ١٣] ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام، الآية: ٣٧] ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون، الآية: ٧٠] . قال: ولهم شبه. الأولى: أن النظر مفروض في شبهات، وقد كثر ضلال الناظرين فترك الخطر وطلب السلامة أولى. قلنا: وقد كثر ضلال المقلدين من اليهود والنصارى فبم تفرقون بين تقليدكم وتقليد سائر الكفار؟ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة. ثم يقال: إذا وجبت المعرفة كان التقليد جهلاً وضلالاً، فكأنكم اخترتم الجهل خوفاً من الوقوع في الجهل، كنت يقتل نفسه عطشاً وجوعاً، خوفاً من أن يغض بلقمة، أو يشرق بشربة لو أكل أو شرب، وكمن يترك التجارة والحراثة خوفاً من نزول صاعقة فيختار الفقر. الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر، الآية: ٤] والنظر فتح باب الجدل، قلنا: نهى عن الجدال بالباطل كما قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر، الآية: ٥] بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل، الآية: ١٢٥] ، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ

стр. 222

الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت، الآية: ٤٦] ثم إنا نعارضهم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء، الآية: ٣٦] ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة، الآية: ١٦٩] ، ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٨٦] ، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف، الآية: ٨١] ، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة، الآية: ١١١] هذا كله نهى عن التقليد وأمر بالعلم. ولذلك عظم الله شأن العلماء فقال تعالى: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة، الآية: ١١] وقال ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين" ولا يحصل هذا بالتقليد بل بالعلم. وقال ابن مسعود: "ولا تكن إمعة. قيل: وما الإمعة؟ قال: أن يقول: أنا مع الناس، إن ضلوا ضللت، وإن اهتدوا اهتديت، ألا لا يوطنن أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس" هذا كلام الغزالي. قال: وعن ابن مسعود أثر أصرح في ذم التقليد من الأثر المذكور وهو ما أخرجه البيهقي في سنه عن ابن مسعود قال: "لا تقلدوا دينكم الرجال". وقال الإمام ابن حزم في كتابه "النبذ الكافية في علم الأصول": التقليد حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله ﷺ بلا برهان لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف، الآية: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة، الآية: ١٧٠] وقال في حق من لم يقلد: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر، الآيتان: ١٧- ١٨] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة. وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قول أي قائل لأن غير القرآن والسنة، وقد صح إجماع الصحابة ﵃ كلهم – أولهم عن آخرهم – وإجماع جميع التابعين – أولهم عن آخرهم – وإجماع تابع التابعين – أولهم عن آخرهم – على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو من قبلهم،

стр. 223

فليأخذه كله. فليعلم كل من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد ﵃ ولم يترك من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة، غير صارف لذلك إلى قول إنسان بعينه أن قد خالف إجماع الأمة كلها عن آخرها، بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفاً، ولا إنساناً في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. نعوذ بالله من هذه المنزلة.

стр. 224

أدلة جديدة على إبطال التقليد ... وأيضاً فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهو عن تقليدهم وتقليد غيرهم، فقد خالفهم من قلدهم، وأيضاً فما الذي جعل رجلاً من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر بن الخطاب، أو علي بن أبي طالب، أو ابن مسعود، أو ابن عمر، أو ابن عباس، أو عائشة أم المؤمنين ﵃؟ فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره. وذكر في كتاب "التلخيص" نحو ذلك. ومن عبارته فيه: وهل أباح مالك وأبو حنيفة والشافعي ﵃ قط لأحد تقليدهم؟ حاشا لله من هذا، بل والله قد نهوا عن ذلك ومنعوا منه ولم يفسحوا لأحد فيه. وقال في كتابه "الدرة" وعلى كل أحد مقدار ما يطيق من الاجتهاد في الدين، ولا يحل لأحد أن يقلد أحداً، لا حياً ولا ميتاً، ولا أن يتبع أحداً دون رسول الله ﷺ لاقديماً ولا حديثاً. ومن التزم طاعة إنسان بعينه بعد رسول الله ﷺ : كان قائلاً بالباطل، ومخالفاً لما كان عليه جماعة الصحابة وجميع التابعين، أولهم عن آخرهم، وجميع تابعي التابعين بلا خلاف أحد منهم وما كان في الأعصار الثلاثة واحد – فما فوقه – أخذ قول إنسان فنصره كله، واعتقده بأسره وانتسب إليه. فهذه بدعة خالف الإجماع التام صاحبها. وقال في كتابه "إبطال التقليد": إنما حدث التقليد في القرن الرابع، والتقليد: هو أن يفتي في الدين فتيا لأن فلاناً الصاحب أو فلاناً التابع أو فلاناً

стр. 225

العالم أفتى بها بلا نص في ذلك. وهذا باطل. لأنه قول في الدين بلا برهان، وقد يختلف الصحابة والتابعون والعلماء في ذلك. فما الذي جعل بعضهم أولى بالاتباع من بعض؟ قال: ويكفي في إبطال التقليد: أن القائلين به مقرون على أنفسهم بالباطل. لأن كل طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية مقرة بأن التقليد لا يحل، وأئمتهم الثلاثة قد نهوا عن تقليدهم. ثم مع ذلك خالفوهم وقلدوهم وهذا عجب ما مثله عجب، حيث أقروا ببطلان التقليد ثم دانوا الله بالتقليد. وأيضاً فإنهم مجمعون معنا على أن جميع أهل عصر الصحابة ﵃ لم يكن فيهم واحد فما فوقه يقلد صاحباً أكبر منه، فيأخذ قوله كله وأن جميع أهل عصر التابعين لم يكن فيهم واحد يقلد صاحباً أو تابعاً أكبر منه، فيأخذ بقوله كله. فصح يقيناً أن هؤلاء المقلدين الذين لا يخالفون من قلدوه قد خالفوا إجماع الأمة كلها بيقين وهذا عظيم جداً. وأيضاً: فما الذي خص أبا حنيفة ومالكاً والشافعي بأن يقلدوا دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃، ودون سعيد بن المسيب والزهري والنخعي والشعبي وعطاء وطاووس والحسن البصري رحمة الله على جميعهم؟ وأيضاً: فإن هذه الطوائف كلها مقرة بأن عيسى ابن مريم ﵇ سينزل ويحكم في الأرض. فهل يحكم إذا نزل برأي أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي؟ معاذ الله، بل يحكم بما أوحى الله إلى أخيه محمد ﷺ . وهذا هو الذي ندعوا إليه والذي لا يحل لأحد أن يحكم ولا أن يفتي إلا به، ولا يدين بسواه. فإن قالوا: لا نقدر على الاجتهاد. قلنا: يأخذ كل أحد جهده في الطريق الموصلة إلى ذلك. ثم قال: ذكر الآثار في ذم التقليد- وأخرج بأسانيده آثاراً استوفيتها في تيسير الاجتهاد – فمنها: ما أخرجه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أما

стр. 226

العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم. وإن افتتن فلا تقطعوا عنه رجاءكم" وأخرج عن ابن عباس ﵄ قال: "ويل للأتباع من غمرات العالم. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يبلغه عن النبي ﷺ ، فيأخذ، ويمضي الأتباع بما سمعوا". وأخرج عن ابن مسعود ﵁ قال: "لا تكونن إمعة تقول أنه مع الناس" وأخرج عن مجاهد قال: "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ " وأخرج عن مجاهد قال: "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ". وأخرج عن الحكم بن عيينة قال: "ليس أحد من الناس إلا أنت آخذ من قوله وتارك، إلا النبي ﷺ " وأخرج عن أحمد بن حنبل أنه ذكر له قول مالك وترك ما سواه، فقال: "لا يلتفت إلا إلى الحديث قوم يفتنون، وهكذا يتقلدون قول الرجل ولا يبالون بالحديث" وأخرج عن سعيد بن أبي عروبة قال: "من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالماً". وأخرج عن قبيصة بن عقبة قال: "لا يفلح من لا يعرف الاختلاف" وأخرج عن ابن القاسم قال: "سئل مالك: لمن تجوز الفتيا؟ قال: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه. قيل له: اختلاف أهل الرأي؟ قال: أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلم الناسخ والنسوخ من القرآن، وحديث النبي ﷺ فذلك يفتي". قال ابن حزم: هذا قول مالك في أنه لا يجوز لأحد أن يقضي ولا أن يفتي إلا أن يكون عالماً بالحديث والفقه والاختلاف، فإن كان عالماً بأحدها لم يجز له أن يقضي ولا أن يفتي. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي بلا خلاف. قال: فلينظر حكامهم ومفتوهم اليوم، هل هذه صفتهم أم لا؟ فإن كانوا ليسوا كذلك فقد خالفوا من ادعوا تقليده، وحصلوا على لا شيء. وقال في رسالة أخرى: قد دل الكتاب والسنة وحضا على النظر والاجتهاد وترك التقليد، ووجدنا أصحاب رسول الله ﷺ – أولهم عن آخرهم – ليس منهم أحد أتى إلى من هو فوقه في القرب والسابقة والعلم فأخذ قوله كله، فقلده في دينه، بل رأينا كل امرئ منهم يجتهد لنفسه. ثم يحثنا عن عصر التابعين فوجدناهم على تلك الطريقة، ليس منهم أحد أتى إلى تابع أكبر منه أو إلى صاحب فتقلد قوله كله. وكذلك أتباع التابعين، ليس منهم أحد أتى إلى تابع أو

стр. 227

صاحب أو فقيه من أهل عصره أكبر منه فأخذ قوله كله ولم يخالفه في شيء منه، ولا أمروا بذلك عامياً منهم ولا خاصياً. وهذه القرون المحمودة الثلاثة. فعلمنا يقيناً: أنه لو كان أخذ قول عالم بأسره فيه شيء من الخير والصواب ما سبقهم إليه من حدث في القرون المذمومة. ولو كان ذلك فضيلة ما سبقناهم إليها. وهذا العصر الثالث هو الذي كان فيه ابن جريج وسفيان بن عيينة بمكة، وابن أبي ذئب، ومحمد بن إسحاق، وعبد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز الدراوردي، وإبراهيم بن سعد بالمدينة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومعمر بن راشد، وأبو عوانة، وشعبة، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وهشام الدستوائي، وزكريا بن أبي زائدة، وحبيب بن الشهيد، وسوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وعثمان بن سليمان بالبصرة، وعثمان بن بشر بواسط، وسفيان الثوري وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن يحيى، وشريك، وأبو حنيفة، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، ومحمد بن حازم بالكوفة، والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، والزبيدي، والقاضي حمزة بن يحيى، وشعيب بن أبي حمزة بالشام، والليث بن سعد، وعقيل بن خالد بمصر. كلهم على الطريقة التي ذكرت ما منهم أحد أخذ يقول إمام ممن قبله فقبله كله دون أن يرد منه شيئاً. ثم حدث بعدهم من اعتصم بهداهم وسلك سبيلهم في نحو ذلك، نحو يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن المفضل، وخالد بن الحارث، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، والوليد بن مسلم، والحميدي، والشافعي، وابن المبارك، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبي داود الطيالسي، وأبي الوليد الطيالسي، ومحمد بن عدي، ومحمد بن جعفر، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وعبد الوارث بن سعيد، وابنه عبد الصمد، ووهب بن جرير، وأزهر بن أسد، وعفان بن مسلم، وبشر بن عمر، وأبي عاصم النبيل، والمعتمر بن

стр. 228

سليمان، والنضر بن شميل، ومسلم بن إبراهيم، والحجاج بن منهال، وأبي عامر العقدي، وعبد الوهاب الثقفي، والفريابي، ووهب بن خالد، وعبد الله بن نمير وغيرهم. ما من هؤلاء أحد قلد إماماً كان قبله. ثم تلاهم على مثل ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأبو خيثمة، وأبو أيوب الهاشمي، وأبو إسحاق الفزاري، ومخلد بن الحسين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو بكر عثمان ابنا أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وقتيبة، ومسدد، والفضل بن دكين، ومحمد بن المثنى، وبندار، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن العلاء، والحسن بن محمد الزعفراني، وسليمان بن حرب، وعارم وغيرهم. ليس منهم أحد قلد رجلاً. وقد شاهدوا من قبلهم ورأوهم. فلو رأوا أنفسهم في سعة من أن يقلدوا دينهم أحداً منهم لقلدوا. ثم بعد هؤلاء: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ومحمد بن سنجر، ويعقوب بن شيبة، وداود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، وابن المنذر، ومحمد بن جرير الطبري، وبقيُُّ بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وغيرهم. ما منهم أحد أتى إلى إمام قبله فأخذ قوله كله فتدين به، بل كل هؤلاء نهى عن ذلك وأنكره، ولم أجد أحداً ممن يوصف بالعلم قديماً وحديثاً يستجيز التقليد ولا يأمر به، وكذلك ابن وهب، وابن الماجشون، والمغيرة بن أبي حازم، ومطرف بن كنانة لم يقلدوا شيخهم مالكاً في كل ما قال بل خالفوه في مواضع واختاروا غير قوله. وكذلك الأمر في زفر، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وبكار بن قتيبة، والطحاوي وكذلك القول في المزني، وأبي عبيد بن حربويه، وابن خزيمه، وابن سريج. فإن كلاً منهم خالف إمامه في أشياء واختار منها غير قوله. ومن آخر ما أدركنا على ذلك: شيخنا أبو عمر الطلمنكي، فما كان يقلد أحداً وذهب إلى قول الشافعي في بعض المسائل. والآن محمد بن عوف لا يقلد أحداً. وقال بقول الشافعي في بعض المسائل. إلى كثير من سلف وخلف لو ذكرتهم لطال الخطب بذكرهم. ثم أنشد لنفسه قصيدة في الاجتهاد قال في آخرها:

стр. 229

واهرب عن التقليد، فهو مضلة ... إن المقلد في سبيل الهالك تأبونه في العقل، وهو مقالكم ... في الدين، يا له من ضلال فاتك هذا ما نقلته من كلام ابن حزم، وقوله في أوله: "لا يقلد أحد غير رسول الله ﷺ ". سبقه إليه الشافعي ﵁. فقال المزني في مختصره في باب القضاء: "ولا يقلد أحد دون رسول الله ﷺ " ثم ذرك عن أبي جعفر محمد بن الحسن الأرسابندي من الحنفية، قال في كتاب "أصول الفقه": فنقول – وبالله التوفيق – التقليد هو أن يقلد غيره ويتبعه من غير دليل ظهر له، وإنه من أفعال الكفر. قال الله تعالى حاكياً عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] وقال حاكياً عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت، الآية: ١٢] وقال الحشوية: التقليد حق، واحتجوا بأن الأصل في بني آدم العقل والأصل في العقلاء العمل بالحق، لأن العقل يدعوهم إليه وبأنا جوزنا تقليد الصحابي لأنه صاحب من يجب اتباعه، فيجوز تقليد التابعي لأنه صاحب من يجب اتباعه، وهكذا إلى قيام الساعة. ونقول: التقليد الباطل لأن الله تعالى ذم الكفرة على التقليد، فقال حاكياً عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف، الآية: ٢٣] فلا يجوز أن يشتغل الإنسان بما يستحق الذم عليه، ولأن فعله يحتمل الخطأ والصواب، والمحتمل لا يصلح حجة، ولأنك تقول لهذا الرجل: قلدت فلاناً لأنه عاقل، فقلدني أيضاً. فإن قلدك فقد ترك مذهبه وإن لم يقلدك تقول له: الموجب لتقليده عقله، وقد وجد هنا، ولأنا نقول له: قلدته لعلمك بكونه حقاً أو لا؟ فإن قال: لا، بالجهل، لا يصلح حجة، وإن قال: نعم، فعلمه يستند إلى دليل فلم يكن مقلداً. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "القواعد الكبرى": ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً، وهو مع ذلك يقلد فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جموداً على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب

стр. 230

والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة، نضالاً عن مقلده. قال: وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطن نفسه عليه تعجب منه غاية التعجب من غير استرواح إلى دليل، بل لما ألفه من تقليد إمامه، حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه ولو تدبره لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره. فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر، من غير فائدة يجدها. قال: وما رأيت أحداً رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، بل يصر عليه مع علمه بضعفه وبعده. فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه، ولم أهتد له، ولات يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح، والبرهان اللائح. فسبحان من أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على ما ذكرت. قال: ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقليد ولا تقيد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين فإن أحده يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة، مقلداً له فيما قال كأنه نبي أرسل إليه، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب. هذا كلام الشيخ عز الدين. وقال الإمام أبو شامة في "خطبة كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول": ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام معين، وبأن يرفع نفسه عن هذا المقام وينظر في مذهب كل إمام ويعتقد في كل مسألة صحيحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك سهل عليه إذا كان قد أتقن معظم العلوم المتقدمة وليتجنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة، فإنها مضيعة للزمان، ولصفوه مكدرة. قال: وقد صح عن النبي ﷺ : "أن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" قال: فما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم، حفظاً على

стр. 231

الناس. فإن هذه الأزمنة قد غلب على أهلها الكسل، والملل، وحب الدنيا. انتهى ما نقلته من كتاب الرد للإمام السيوطي.

стр. 232

المذهب: معناه دين مبدل ... وقال الإمام أبو شامة أيضاً في كتاب "المؤمل": وسئل بعض العارفين عن معنى المذهب؟ فأجاب: إن معناه دين مبدل، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ [الروم، الآيتان: ٣١ – ٣٢] انتهى. ولا بأس من إعادة ما نقلته قريباً في ردي هذا عن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالىن قال في كتابه "أعلام الموقعين عن رب العالمين": وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه. وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ﷺ ، ولم يوجب الله ورسوله على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة ويبرأ أهلها من هذه النسبة. بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيراً بالمذهب على حسبه، أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك. لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي أو كاتب لم يكن كذلك بمجرد قوله. يوضحه: أن القائل أنه شافعي، أو مالكي، أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه. وهذا إنما يصح إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال. فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه: فكيف يصح الانتساب إليه بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب، ولو تصور له ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحداً قط أ، يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ أقواله كلها، ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام وهم

стр. 233

أعلى رتبة وأجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك. وأبعد منه قول من قال يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيالله العجب، ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ، ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس من بين سائر الأئمة والفقهاء. وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ على الصحابة والتابعين وتابعيهم: هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله. ومن صحح للعامي مذهباً قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء: لو صح للزمه تحريم استفتاء غير أهل المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه. وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأئمة، كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به، حجازياً كان أو عراقياً أو شامياً أو مصرياً أو يمنياً. انتهى. وقال العالم الأصولي الفقيه الشيخ محمد بن عبد العظيم المكي الحنفي في كتابه "القول السديد" الفصل الأول: اعلم أنه لم يكلف الله أحداً من عباده

стр. 234

بأن يكون حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً، بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث الله به محمداً ﷺ والعمل بشريعته. انتهى. وقال الشيخ العلامة صالح بن محمد العمري في كتابه "إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار" وقد نقل كلاماً طويلاً عن ابن العز في حاشية الهدية في العمل بحديث رسول الله ﷺ – قال: وقال ابن العز أيضاً: وما يقع لأئمة الفتوى من هذا – أي من ترك العمل بالحديث – فهم مأجورون عليه مغفور لهم. ومن تبين له شيء من ذلك لا يعذر في التقليد. فإن أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله تعالى قالا: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه، وإن كان الرجل متبعاً لأبي حنيفة أو مالك أو شافعي أو أحمد ﵃ ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى منه فاتبعه، كان قد أحسن في ذلك. ولم يقدح في دينه ولا عدالته بلا نزاع. بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله ﷺ فمن يتعصب لواحد معين غير رسول الله ﷺ ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه، دون الأئمة المتأخرين فهو ضال جاهل. بل قد يكون كافراً يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة ﵃ دون الآخرين فقد جعله بمنزلة النبي ﷺ وذلك كفر، بل غاية ما يقالك إنه يسوغ أو يجب على العامي أن يقلد واحداً من الأئمة من غير تعيين زيد ولا عمرو. أما من كان محباً للأئمة، موالياً لهم، يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو محسن في ذلك والصحابة والأئمة بعدهم كانوا مؤتلفين متفقين، وإن تنازعوا في بعض فروع الشريعة، فإجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون التابعين فهو بمنزلة من يتعصب لواحد من الصحابة دون الباقين، كالرافضي والناصبي والخارجي. فهذه طرق أهل البدع والأهواء، الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة، ومن تبين له من العلم ما كان خفياً عليه فاتبعه فقد أصاب، زاده الله هدى. وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه، الآية: ١١٤] ومن جملة

стр. 235

أسباب تسليط الفرنج على بعض بلاد المغرب، والتتر على بلاد المشرق: كثرة التعصب والتفرق، والفتن بينهم في المذاهب وغيرها وكل ذلك من اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. انتهى.

стр. 236

الواجب على كل مسلم: الاجتهاد في معرفة معاني القرآن والسنة ... قال: وقال شيخ مشايخنا محمد حياة السندي: اللازم على كل مسلم أن يجتهد في معرفة معاني القرآن من غير التزام مذهب لأنه يشبه اتخاذه نبياً وينبغي له أن يأخذ بالأحوط من كل مذهب، ويجوز له الأخذ بالرخص عند الضرورة. وأما بدونها فالأحسن الترك أما ما أحدثه أهل زماننا من التزام مذاهب مخصوصة لا يرى ولا يجوز كل منهم الانتقال من مذهب إلى مذهب، فجهل وبدعة وتعسف. وقد رأيناهم يتركون الأحاديث الصحاح غير المنسوخة، ويتعلقون بمذاهبهم من غير سند فإنا لله وإنا إليه راجعون، انتهى. وقال الإمام ابن رجب في طبقاته في ترجمة ابن هبيرة قال: مما أنكره علي بعض من يفتي في عصره، قال: وتارة إذا ذكرت لأحدهم الدليل، قال: ليس هذا مذهبنا فيقيم أوثاناً تعبد مع الله. انتهى. وقال الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة": شرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج، ولو كان أهلاً له، لكان مستتبعاً لا تابعاً، وإماماً لا مأموماً. وإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول والمشتغل به ضارب في حديد بارد، وطالب لإصلاح فاسد، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "منهاج السنة": قال الرافضي: وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي. فأدخلوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا أحكام الشريعة، واتخذوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ ، ولا زمن الصحابة وأهملوا تأويل الصحابة مع أنهم نصوا على ترك القياس. وقالوا: "أول من قاس إبليس". قال الشيخ: الجواب عن هذا من وجوه – إلى أن قال – الوجه الخامس:

стр. 237

أن قوله: "أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد رسول الله ﷺ " إن أراد بذلك أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة ﵃ فهذا كذب عليهم. فإن هؤلاء الأئمة لم تكونوا في عصر واحد بل أبو حنيفة توفي سنة خمسين ومائة، ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي سنة أربع ومائتين، وأحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى. وليس في هؤلاء من يقلد الآخر، ولا من يأمر باتباع الناس له بل كل منهم يدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة إذا قال غيره قولاً يخالف الكتاب والسنة عنده رده ولا يوجب على الناس تقليده. وإن قلت: إن أصحاب هذه المذاهب اتبعهم الناس فهذا لم يحصل بمواطأة، بل اتفق أن قوماً اتبعوا هذا وقوماً اتبعوا هذا. كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على الطريق فرأى قوم دليلاً خريتاً فاتبعوه، وكذلك آخرون. وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك اتفاق أهل السنة على باطل، بل كل قوم ينكرون ما بل كل قوم ينكرون ما عند غيرهم من الخطأ فلم يتفقوا على أن الشخص المعين عليه أن يقبل من كل واحد من هؤلاء ما قاله، بل جمهورهم لا يأمر العامي بتقليد شخص معين غير النبي ﷺ في كل ما يقوله. والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن جعل عدداً من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء، كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق. ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل كبعض المسائل التي أوردها – يعني الرافضي – كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً إلى أن قال:

стр. 238

لم يقل أحد من أهل السنة: إن إجماع الأربعة حجة معصومة ... الوجه الثامن: إن أهل السنة لم يقل أحد منهم: إن إجماع الفقهاء الأربعة حجة معصومة، لا قالوا: إن الحق منحصر فيهم، وأن ما خرج عنهم باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة – كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين – قولاً يخالف الأئمة الأربعة: رد ما تنازعوا فيه إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ . وكان القول الراجح هو الذي قام عليه الدليل. انتهى.

стр. 239

وقال الإمام السيوطي في كتابه "الرد" السابعة والأربعين: قال الغزالي في "المنخول" فصل في التنصيص على مشاهير المجتهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم، ولا خفاء بأمر الخلفاء الراشدين إذ لا يصلح للإمامة إلا مجتهد. وكذلك كل من أفتى في زمانهم – كالعبادلة وزيد بن ثابت وأصحاب الشورى ومعاوية إلى آخره – ثم ذكر كلاماً لبعض العلماء في مجتهدي الصحابة والتابعين – إلى أن قال: وقال الرزكشي في "البحر": قد عد ابن حزم في الأحكام فقهاء الصحابة ﵃، فبلغ بهم مائة ونيفاً، وهذا حيف. وقد قال الشيخ أبو إسحاق في طبقاته: أكثر الصحابة الملازمين للنبي ﷺ كانوا فقهاء مجتهدين لأن طريق الفقه فهم خطاب الله وخطاب رسوله ﷺ وأفعاله. وكانوا عارفين بذلك لأن القرآن نزل بلغتهم، وعلى أسباب عرفوها، وقصص كانوا فيها. فعرفوا منطوقة ومفهومه ومنصوصه ومعقوله – إلى أن قال – وقال الزركشي في "البحر": ولا يطمع في عد آحاد المجتهدين من الصحابة والتابعين لكثرتهم وعدم حصرهم. وقد عقد الشيخ أبو إسحاق في طبقاته الفقهاء، وظاهر كلامه في خطبته أنه لم يذكر فيها سوى المجتهدين. فإنه قال: "هذا كتاب مختصر في ذكر الفقهاء لا يسع الفقيه جهله، لحاجته إليه في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الإجماع ويعتد به في الخلاف. وبدأت بفقهاء الصحابة ﵃ ثم بمن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين، والأئمة الأربعة، وجملة من أقرانهم وأتباعهم وداود الظاهري وجملة من أتباعه". وقال النووي في شرح "المهذب": المزني وأبو ثور وأبو بكر بن المنذر أئمة مجتهدون، وهم منسوبون للشافعي. وقد عد كثيراً من الأئمة المجتهدين ممن عاصروا الأئمة الأربعة، أو تقدموهم، أو جاءوا من بعدهم ونحن نذكر أسماء من جاءوا من بعدهم على سبيل التلخيص عن الإطالة، فمنهم: حرملة، وعبدان المروزي، والإمام ابن جرير الطبري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والقاسم بن محمد بن سيار القرطبي، وابن المنذر، والقاضي أبو بكر أحمد بن كليل، والإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر، والقاضي أبو الطيب، ومحمد

стр. 240

الجويني، والإمام البغوي، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الفضل الهمداني القرطبي، وأبو نصر الصباغ، والقاضي عبد الوهاب أحد المالكية، وإمام الحرمين، والإمام الغزالي، وأبو علي الحسن بن الخطير النعماني الفارسي، والقاضي أبو القاسم الطيب بن محمد، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأبو شامة، والإمام النووي، والشيخ تاج الدين الفركاح، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية. وقد عد كثيراً من المجتهدين يطول حصرهم، وكلهم بعد الأئمة الأربعة. ثم إن في اليمن وفي الهند من فحول العلماء المجتهدين الذين جمعوا علوم الأولين والآخرين- وخصوصاً على الكتاب والسنة اللذين هما أصل الأصول، وعليهما مدار سعادة الدنيا والآخرة- خلقاً كثيراً لا ينكر فضلهم، وبلوغهم رتبة الاجتهاد في علوم الشريعة إلا مكابر معاند، يحاول تكذيب أخبار الله ورسوله ﷺ في حفظ هذا الدين، وبقاء طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم قائمون على حفظه. ينفون عنه غلو الغالين، وانتحال المبطلين فهذه الطائفة هم المجتهدون الذين يحكمون بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ نصاً واستنباطاً متبعين في ذلك الصحابة والتابعين، ومن سلك لسبيلهم إلى يوم الدين. فأما المقلدون فليسوا من أهل العلم، ولا من حماته ولا تقوم بهم حجة ولا ينعقد بهم إجماع. فمن متأخري علماء اليمن المجتهدين السيد محمد إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى، والإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى. وقد صنف الشوكاني كتاباً سماه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" قال فيه- بعد الخطبة- وبعد: فإنه لما شاع على ألسن جماعة من الرعاع اختصاص سلف هذه الأمة بإخراز فضيلة السبق في العلوم دون خلفها، حتى اشتهر عن جماعة من أهل المذاهب الأربعة تعذر وجود مجتهد بعد المائة السادسة- كما نقل عن البعض- أو بعد المائة السابعة- كما زعمه آخرون- وكانت هذه المقالة بمكان من الجهالة لا تخفى على من له أدنى حظ من علم، أو نزر نصيب من عرفان،

стр. 241

وأحقر حصة من فهم لأنها قصر للفضل الإلهي والفيض الرباني على بعض العباد دون البعض. وعلى أهل عصر دون عصر، وأبناء دهر دون دهر، من دون برهان ولا قرآن. على أن هذه المقالة المخذولة، والحكاية المرذولة تستلزم خلو هذه الأعصار المتأخرة عن قائم بحجج الله، ومترجم عن كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ومبين لما شرعه لعباده وذلك هو ضياع الشريعة بلا مرية، وذهاب الدين بلا شك. وهو تعالى قد تكفل بحفظ دينه وليس المراد حفظه في بطون الصحف والدفاتر، بل إيجاد من يبينه للناس في كل وقت وعند كل حاجة: حداني ذلك إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن ومن بعدهم. ممن بلغني خبره إلى عصرنا هذا، ليعلم صاحب تلك المقالة: أن الله – وله المنة – قد تفضل على الخلف، كما تفضل على السلف، بل ربما كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها من يقل نظيره من أهل العصور المتقدمة كما سيقف على ذلك من أمعن النظر في هذا الكتاب. وحل عن عنقه عرى التقليد وقد ضممت إلى العلماء من بلغني خبره من العباد والخلفاء والملوك والرؤساء والأدباء ولم أذكر منهم إلا من له جلالة قدر، ونبالة ذكر، وفخامة شأن، دون من لم يكن كذلك انتهى المراد منه. فقد ذكر رحمه الله تعالى في هذا الكتاب عدداً كثيراً من أهل العلم والفضل، المتبحرين في علوم الشريعة وسائر فنون العلم التي يلزم المجتهد الإحاطة بها بل زادوا عليها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد أطلت الرد على مزاعم هذا الجاهل الأحمق، وهي لا تستحق النظر فيها، فضلاً عن الاشتغال بالرد عليها. ولكن أمثاله كثير – لا كثرهم الله – فقد زعموا أن التعبد بنصوص الكتاب والسنة والرد إليهما عند التنازع: محظور علينا، وأن الرجوع في ذلك إلى غيرهما من تقليد الرجال الذين يجوز عليهم الخطأ، وأن تقليد الرسول ﷺ وأصحابه لا يجوز ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم، الآية: ٥٩] .

стр. 242

والحاصل مما تقدم: أن التقليد رخصة لمن عجز عن استخراج الأحكام من نصوص الكتاب والسنة فواجب العاجز السؤال لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، الآية: ٤٣] وشرط السؤال: أن يكون عن حكم الله ورسوله، لا عن مذهب رجل معين يتقيد به دون رسول الله ﷺ . وأما قول المعترض: "فأي إجماع من عهد آدم إلى اليوم أعظم من هذا الإجماع الذي لا يحاول إنكاره إلا من ران على قلبه، وختم الله على بصره وسمعه". فنقول لهذا الجاهل الأحمق: إننا بما أوردناه من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ومن كلام الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، من عهد الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا. قد بينا له فيه بطلان ما ادعاه من الإجماع الذي لم يستند فيه إلا على مجرد الدعوى، مع مخالفة من ذكرناهم. وأما تعبير هذا الأحمق الساقط، وما ظهر به من الجهل المركب، والغباوة المتناهية فإنه لم يشارك المعترض فيهما أحد، حتى من البله الذين تضرب بهم الأمثال قبله، فإنه – أولاً – لم يذكر فاعل "ران" من قوله: "إلا من ران على قلبه" وفي هذا من وخيم الجهل ما ينطق بحاقة هذا المعترض. وأيضاً فأنه وصف الختم على العيون، وهذا لم يرد في كتاب الله تعالى ولا في حديث رسوله ﷺ : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة، الآية: ٧] قال الإمام ابن جرير في تفسيره، قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة، الآية: ٧] خبر مبتدأ، بعد تمام الخبر عما ختم الله جل ثناؤه عليه من جوارح الكفار، الذين مضت قصصهم. وذلك أن "غشاوة" مرفوعاً بقوله "وعلى أبصارهم" فذلك دليل على أنه خبر مبتدأ، وأن قوله: "ختم الله على قلوبهم" قد تناهى عند قوله: "وعلى سمعهم" وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين. أحدهما: اتفاق الحجة من القراء والعلماء على الشهادة بتصحيحها،

стр. 243

وانفراد المخالف لهم في ذلك، وشذوذه عما هم على تخطئته مجمعون، وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهداً على خطئها. والثاني: أن "الختم" غير موصوفة به العيون في شيء من كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا موجود في لغة أحد من العرب. وقد قال تعالى في سورة أخرى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣] ، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣] فلم يدخل البصر في معنى الختم. وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحد من الناس القراءة بنصب الغشاوة، لما وصفت من العلتين اللتين ذكرت – ثم ذكر شواهد على ذلك من الآثار – وذكر بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة، الآية: ٧] والغشاوة على أبصارهم. وبسنده إلى ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على الصر. قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى، الآية: ٢٤] ثم قال ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية، الآية: ٢٣] و"الغشاوة" في كلام العرب: الغطاء، ثم ذكر له شواهد من أشعار العرب. انتهى. فهذا المعترض ليس بأهل لأن نضيع الوقت بالرد عليه لأنه ساقط عن درجة العقلاء، فضلاً عن العلماء. ولكن لكل ساقطة لا قطة، فوجب رده عن غيه لئلا يغتر من لا تمييز عنده بين الحق والباطل.

стр. 244

افتراءات أخرى للملحد على الوهابيين ودحضها ... ثم قال المعترض: "لكن للأسف المضحك أنكم شرذمة قليلة وما زلتم في اختلاف في أصول مذهبكم، فبعضكم يجعل الصلاة والوضوء والاغتسال وصوم رمضان اختياراً غير واجب، وإخوانه ينكرون عليه، وبعضكم يرى طهارة الخمر وإباحته وحل الموقوذة والخنزير، وإخوانه ينكرون ذلك وبعضكم يقول باستباحة التيمم بلا عذر، وبعضكم يستحل قتل النفس لسبب يراه مبيحاً له وأمثال هذه الموبقات التي لو صرحت بأسماء القائلين بها، لظهر للناس نفاقهم في الدين". أقول: إن الأسف لا يضحك، بل من الأسف المبكي المحزن على دين

стр. 245

الإسلام أن يتلاعب به أمثال هؤلاء الحيارى المتهوكين، الذين يقولون على الله وعلى رسوله وفي دينه ما لا يعلمون ثم يتعمدون الكذب والافتراء على علماء الدين، وحماة شريعة سيد المرسلين بمثل ما تهور به هذا الملحد المفتون من الفجور، وقول الزور، الذي نسبه إليهم، فما المانع له من التصريح بأسماء من رماهم بهذا الافتراء، وأن يسوق أقوالهم بعينها، ثم يرد عليهم بالبرهان الصحيح، لا بمجرد الدعوى. فهل يجوز السكوت وعدم التصريح بضلال من يجعل الصلاة والوضوء والاغتسال وصوم رمضان اختياراً غير واجب؟ أم كيف يجوز السكوت على من يبيح الخمر ويستحل الموقوذة ولحم الخنزير؟ أو من يبيح التيمم من غير عذر ويستحل قتل النفس بغير حق؟ هذا لا يرضاه مسلم ولا يسكت عن التصريح بضلال من قال به مؤمن: وعلى هذا فإن المعترض يتستر على من غيروا وبدلوا في دين الله تعالى، وشرع نبيه ﷺ . ولا يصرح بأسمائهم فهو المنافق حقيقة، ولو أن عنده برهاناً على صدق ما يدعيه ماكان يكتمه ولماذا يكتمه؟ وهو يصرح بلعن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهل من يصرح باللعن مراراً تأخذه شفقة على من يلعنه، فيكتم اسمه ستراً لفضائحه؟ هذا لا يروج إلا على أمثاله من الحمقى الأغبياء، الصم البكم الذين لا يعقلون. ولكنه كذاب مغالط. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة، الآية: ١٥٩] . وأما قول المعترض: "وسيأتي في المباحث الآتية ما يبهت الوهابية وإخوانهم". فحقيقته: البهتان، وسنورد في رده من الحق ما يزهق باطله بحول الله وقوته.

стр. 246

كذبه على الفخر الرازي ... قال المعترض: "وقد بسط الفخر الرازي مسألة الإجماع في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] ومما قاله ما نصه: قد دللنا على أن قوله: "وأولي الأمر منكم" يدل على أن الإجماع حجة.

стр. 247

فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع ونحن نذكر بعضاً – وذكر بعضها – فقال: ومنها الفرع الثاني الذي محصله أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف الواقع بين الأئمة يبقى حجة، ولا تأثير للاختلاف فيه" انتهى. أقول: أما الكلام على الإجماع فقد تقدم منه ما شفى وكفى. فلا حاجة بي إلى إعادة البحث فيه وتتبع خزعبلات هذا الجاهل المعاند لتفنيدها عند كل سانحة تسنح له من أفكاره الباطلة. فإنه مهذار مخلط وإنما أقصد الآن بيان جرأة هذا الملحد في كذبه على العلماء، وتحريف كلامهم عن مواضعه. فأقول: أن المعترض قد كذب على الفخر الرازي، وحرف كلامه وزاد فيه ونقص ظلماً وعدواناً متعمداً، فحذف منه ما هو حجة عليه وهدم لما يزعمه من انعقاد الإجماع بالعوام وممن ليس من أهل الاجتهاد بل من المقلدين. وهو الفرع الأول. فإن الفخر الرازي لما تكلم على آية سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] تكلم على دلالتها على حجية الإجماع، وقرر أن المراد بأولي الأمر: هم العلماء المجتهدون. فقال ما نصه بالحرف الواحد: المسألة الحادية عشرة: قد دللنا على أن قوله: "وأولي الأمر منكم" يدل على أن الإجماع حجة، فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل، فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع. ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: مذهبنا أن الإجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه، نقولك الآية دالة عليه، لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه. وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط

стр. 248

الأحكام من القرآن والحديث. فدل على ما ذكرناه. فلما دلت الآية على أن إجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء. وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر، لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر. الفرع الثاني: اختلفوا في أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف: هل هو حجة؟ والأصح: أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية: وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف ما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة. انتهى. فقد تبين بما سقناه من كلام الفخر الرازي في تفسيره بالحرف الواحد: تحريف المعترض وتصرفه فيه بالزيادة والنقصان، الذي مسخ به كلام الرازي. فقد أسقط الفرع الأول الذي بناه الرازي على الأصل الذي دلت عليه الآية من حجية الإجماع، ثم بين بهذا الفرع ما يكون حجة في صحة انعقاد الإجماع من مدلول الآية الشريفة، وأنه لا ينعقد إلا بقول العلماء المجتهدين الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة وأنهم المسمون بقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية:٥٩] وأنه لا عبرة بغيرهم، وإن كانوا مفسرين او محدثين لكونهم لا قدرة لهم على استنباط أحكام الله تعالى من النصوص. فإسقاطه لهذا الفرع من اكبر الخيانة لأئمة الدين وعلماء الأمة الذين يقتدي بهم. ثم إن الفرع الثاني فرع عن الأول وقد حرفه المعترض وبدل لفظه ومعناه. فإن الفخر الرازي لم يقل كما زعمه المعترض إن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف الواقع بين الأئمة يبقى حجة، ولا تأثير للخلاف فيه فكلام الرازي- كما تراه منقولاً بالحرف الواحد –لا يتفق مع ما نسبه المعترض إليه. فأي خيانة بعد هذا؟ خصوصاً وهي في أشرف العلوم، وأصل الأصول. وهو تفسير كتاب الله العزيز. وهل زاد اليهود على هذا التحريف والتبدل؟ الجواب: لا، بل هذا اقتفاء أثرهم حذو القذة بالقذة. وهذا لا يعد من الجهل والخطأ، بل هو من سوء القصد

стр. 249

واتباع الهوى. وقد قال تعالى: ﴿أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية، الآية:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية:٥٠] . وأما قول المعترض –بعد أن ساق كلام الفخر الرازي على صورته المتقدمة – "فهذا إجماعنا على أئمتنا، وهذا ما ندين لله به ونلقاه عليه إن شاء الله". فهنا يقف المطلع على كلام هذا الأحمق حائراً، مستبعداً أن يبلغ الجهل والهوى –أو الغفلة والحمق –بصاحبهم ما بلغ بهذا المعترض. فقد كذب على العلماء ونسب إلى الأئمة الأربعة من الزور ما هم منهم بريئون، ويبرئهم من كل من سلك سبيلهم. وها هو أيضاً يحرف كلام الفخر الرازي ويفتري عليه ثم يقول: "فهذا إجماعنا على أئمتنا وهذا ما ندين الله به ونلقاه عليه". فالعاقل –إزاء تخبط هذا الأحمق- يعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها، فكيف يتصور أن يصدر هذا من عاقل، بل ولا من جاهل؟ بعد أن كذب على العلماء وحرف كلامهم عن مواضعه عمداً، يتمنى أن يلقى الله على هذه الحالة؟ ألا إن هذا هو الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، أستغفر الله، بل متى كان هذا الملحد مهتدياً؟ وقد نشأ في حجر الوثنية، وشب وترعرع على الخبيث من ثمرات التقليد الأعمى والجاهلية. نسأل الله الثبات على الإيمان. وهذا آخر الكلام على الفصل الأول الذي عقده المعترض لبيان فروع الإجماع الذي وعد بأن يتكلم على كل فرع منه على خدة. لكن المعترض لم يأت بشيء مما يتعلق بأصل الإجماع ولا فروعه إلا بمثل قوله: "فنحن أهل السنة البالغ عددنا مائتين وخمسين مليوناً، متفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأربعة" وقوله: " فنحن أهل السنة والجماعة اعتماداً على ما بلغنا عن نبينا أن إجماعنا حسن ومقبول، فلا نبالي بمن خالفنا" وقوله: "فهذا إجماعنا على أئمتنا، وهذا ما ندين الله به ونلقاه عليه إن شاء الله".

стр. 250

فهذا هو حاصل ما جاء به من الكلام على فروع الإجماع بالفصل الأول.
следующие страницы →