← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كذبه على الفخر الرازي ... قال المعترض: "وقد بسط الفخر الرازي مسألة الإجماع في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] ومما قاله ما نصه: قد دللنا على أن قوله: "وأولي الأمر منكم" يدل على أن الإجماع حجة.

стр. 247

فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع ونحن نذكر بعضاً – وذكر بعضها – فقال: ومنها الفرع الثاني الذي محصله أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف الواقع بين الأئمة يبقى حجة، ولا تأثير للاختلاف فيه" انتهى. أقول: أما الكلام على الإجماع فقد تقدم منه ما شفى وكفى. فلا حاجة بي إلى إعادة البحث فيه وتتبع خزعبلات هذا الجاهل المعاند لتفنيدها عند كل سانحة تسنح له من أفكاره الباطلة. فإنه مهذار مخلط وإنما أقصد الآن بيان جرأة هذا الملحد في كذبه على العلماء، وتحريف كلامهم عن مواضعه. فأقول: أن المعترض قد كذب على الفخر الرازي، وحرف كلامه وزاد فيه ونقص ظلماً وعدواناً متعمداً، فحذف منه ما هو حجة عليه وهدم لما يزعمه من انعقاد الإجماع بالعوام وممن ليس من أهل الاجتهاد بل من المقلدين. وهو الفرع الأول. فإن الفخر الرازي لما تكلم على آية سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] تكلم على دلالتها على حجية الإجماع، وقرر أن المراد بأولي الأمر: هم العلماء المجتهدون. فقال ما نصه بالحرف الواحد: المسألة الحادية عشرة: قد دللنا على أن قوله: "وأولي الأمر منكم" يدل على أن الإجماع حجة، فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل، فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع. ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: مذهبنا أن الإجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه، نقولك الآية دالة عليه، لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه. وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط

стр. 248

الأحكام من القرآن والحديث. فدل على ما ذكرناه. فلما دلت الآية على أن إجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء. وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر، لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر. الفرع الثاني: اختلفوا في أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف: هل هو حجة؟ والأصح: أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية: وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف ما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة. انتهى. فقد تبين بما سقناه من كلام الفخر الرازي في تفسيره بالحرف الواحد: تحريف المعترض وتصرفه فيه بالزيادة والنقصان، الذي مسخ به كلام الرازي. فقد أسقط الفرع الأول الذي بناه الرازي على الأصل الذي دلت عليه الآية من حجية الإجماع، ثم بين بهذا الفرع ما يكون حجة في صحة انعقاد الإجماع من مدلول الآية الشريفة، وأنه لا ينعقد إلا بقول العلماء المجتهدين الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة وأنهم المسمون بقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء، الآية:٥٩] وأنه لا عبرة بغيرهم، وإن كانوا مفسرين او محدثين لكونهم لا قدرة لهم على استنباط أحكام الله تعالى من النصوص. فإسقاطه لهذا الفرع من اكبر الخيانة لأئمة الدين وعلماء الأمة الذين يقتدي بهم. ثم إن الفرع الثاني فرع عن الأول وقد حرفه المعترض وبدل لفظه ومعناه. فإن الفخر الرازي لم يقل كما زعمه المعترض إن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف الواقع بين الأئمة يبقى حجة، ولا تأثير للخلاف فيه فكلام الرازي- كما تراه منقولاً بالحرف الواحد –لا يتفق مع ما نسبه المعترض إليه. فأي خيانة بعد هذا؟ خصوصاً وهي في أشرف العلوم، وأصل الأصول. وهو تفسير كتاب الله العزيز. وهل زاد اليهود على هذا التحريف والتبدل؟ الجواب: لا، بل هذا اقتفاء أثرهم حذو القذة بالقذة. وهذا لا يعد من الجهل والخطأ، بل هو من سوء القصد

стр. 249

واتباع الهوى. وقد قال تعالى: ﴿أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية، الآية:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية:٥٠] . وأما قول المعترض –بعد أن ساق كلام الفخر الرازي على صورته المتقدمة – "فهذا إجماعنا على أئمتنا، وهذا ما ندين لله به ونلقاه عليه إن شاء الله". فهنا يقف المطلع على كلام هذا الأحمق حائراً، مستبعداً أن يبلغ الجهل والهوى –أو الغفلة والحمق –بصاحبهم ما بلغ بهذا المعترض. فقد كذب على العلماء ونسب إلى الأئمة الأربعة من الزور ما هم منهم بريئون، ويبرئهم من كل من سلك سبيلهم. وها هو أيضاً يحرف كلام الفخر الرازي ويفتري عليه ثم يقول: "فهذا إجماعنا على أئمتنا وهذا ما ندين الله به ونلقاه عليه". فالعاقل –إزاء تخبط هذا الأحمق- يعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها، فكيف يتصور أن يصدر هذا من عاقل، بل ولا من جاهل؟ بعد أن كذب على العلماء وحرف كلامهم عن مواضعه عمداً، يتمنى أن يلقى الله على هذه الحالة؟ ألا إن هذا هو الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، أستغفر الله، بل متى كان هذا الملحد مهتدياً؟ وقد نشأ في حجر الوثنية، وشب وترعرع على الخبيث من ثمرات التقليد الأعمى والجاهلية. نسأل الله الثبات على الإيمان. وهذا آخر الكلام على الفصل الأول الذي عقده المعترض لبيان فروع الإجماع الذي وعد بأن يتكلم على كل فرع منه على خدة. لكن المعترض لم يأت بشيء مما يتعلق بأصل الإجماع ولا فروعه إلا بمثل قوله: "فنحن أهل السنة البالغ عددنا مائتين وخمسين مليوناً، متفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأربعة" وقوله: " فنحن أهل السنة والجماعة اعتماداً على ما بلغنا عن نبينا أن إجماعنا حسن ومقبول، فلا نبالي بمن خالفنا" وقوله: "فهذا إجماعنا على أئمتنا، وهذا ما ندين الله به ونلقاه عليه إن شاء الله".

стр. 250

فهذا هو حاصل ما جاء به من الكلام على فروع الإجماع بالفصل الأول.

стр. 251

كذبه على الوهابيين بأنهم قالوا إن الدين كان واحدا وجعله الأئمة أربعا ... وأما الفصل الثاني: فهذا هو. فألق سمعك لبيان فروع إجماع الحاج مختار وإياك أن يصيبك برشاش بحر جهله الأجاج، المتلاطم بوخيم الهوس والحماقة. قال المعترض: "الفصل الثاني في أسباب اختلاف الأئمة، تقدم قبلاً قول الوهابية وإخوانهم: بأن الدين كان واحد والأئمة جعلوه أربعة. ولا جرم أن كل متفقه في الدين يعلم أن هذا القول كذب وافتراء على الدين والأئمة، وتضليل للناس، بل هم الذين جعلوه شاغراً مباحاً لكل عالم وجاهل أن يتعبد ويعامل كما يشاء ويرى. ولا دليل له إلا رأيه واستنباطه، فقل لي بعمرك هل سمعت أن في الدنيا هكذا دين؟ فما من دين ولا مذهب إلا وله أصول وفروع محررة يرجع إليها أهله، حتى الماديين ما أطلقوا القل لمن يشاء، بل لهم أصول يرجعون إليها. فأي ضلال وفساد أقبح من هذا الإطلاق؟ قاتلهم الله أنى يؤفكون". أقول: قد تقدم الكلام على هذه الفرية التي يلصقها المعترض بالوهابيين وإخوانهم، وهي أنهم يقولون: "إن الدين كان واحداً والأئمة جعلوه أربعة" فقد كذبناها فيما مضى قريباً، ورددناها بالبرهان بما اغنى عن إعادته ههنا. وأما قول المعترض: "بل هم الذين جعلوه شاغراً مباحاً لكل عالم وجاهل" إلى آخره. فهذا كذب منه وبهت كعادته، فأما الجاهل: فلا خلاف عند من يعتد به من أئمة المسلمين أ، فرضه السؤال، كما أرشده الله إلى ذلك في كتابه الكريم حيث يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، الآية:٤٣] ففرض الجاهل سؤال أهل الذكر عن حكم الله تعالى، وحكم رسوله ﷺ ، لا عن مذهب فلان وفلان، وأن لا يسأل جاهلاً أو مقلداً مثله. وأما العالم: ففرضه الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة نبيه ﷺ عند الاختلاف. لقوله تعالى:

стр. 252

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء، الآية:٥٩] ومعلوم أ، الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله ﷺ بعد وفاته هو الرد إلى سنته. لا خلاف في ذلك، وعلى هذا فإن العالم الذي لا يقدر على استخراج الأحكام من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ مع ما يستعان به على فهمهما من تفاسير الأئمة لكتاب الله تعالى وشروحهم لحديث رسول الله ﷺ وتفاريع فقهاء الأمة عليهما لا يعد من أهل الذكر، ولا يطلق عليه اسم العلم. وأما قول المعترض: "فقل لي بعمرك –إلى آخره ... " فهذا جهل قبيح منه بحقيقة دين الإسلام، وما فرضه الله تعالى على عباده في كتابه المنزل على رسوله ﷺ وما جاءت به سنة المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى من الآيات والأحاديث، الآمرة بطاعة الله، وطاعة رسوله، واتباعه ﷺ دون غيره، لا يجهل هذا الفرض إلا أغلف القلب، أعمى البصر والبصيرة. وقد أقسم الله بنفسه الكريمة أنه لا إيمان لمن لم يرض بحكم رسوله فيما شجر بينه وبين خصمه من الخلاف. مسلمين لحكمه راضين به، لا يجدون في أنفسهم حرجاً منه ويسلموا له تسليماً. فأين هذا مما يدعو إليه هذا الملحد من أصول أصلها من يجوز عليهم الخطأ وليسوا بمعصومين، قد جعلها المعترض عوضاً عن الأصول التي لا يغني غيرها شيئاً عند الله تعالى. وهي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ بل قام يكفر من يقول: إ، أصل دينه الكتاب والسنة، وأن الرجع عند الاختلاف إليهما لا إلى غيرهما. ويقول هذا الملحد الضال: "فقل لي بعمرك: هل سمعت أن في الدنيا هكذا دين، فما من دين ولا مذهب إلى وله أصول وفروع محررة يرجع إليها أهله حتى الماديين" إلى آخره. ونحن نقول لهذا المعترض: إن أصول ديننا وفروعه محررة مقررة، وهي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . وقد ضمن الله لنا حفظهما عن التغيير والتبديل وأخبرنا أنه أكمل لنا بهما الدين، وأتم بهما علينا النعمة. فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة، الآية:٣] ومعلوم أن الكامل لا يحتاج إلى زيادة، وكيف يكون ذلك؟ وقد أرسل إلينا رسولاً من أنفسنا يبين لنا

стр. 253

ما نزل إلينا من ربنا، فبين لنا الحلال من الحرام، وفصل لنا ما أجمل ووضح لنا ما أشكل، فقال ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". فما عذر من يعرض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ويجعلهما نسياً منسياً؟ كما يدعو إليه هذا الملحد ويكتفي عنهما بأقوال معقدة لا يعرف صحيحها من سقيمها؟ إن الكتاب الذي أعجز البلغاء، وعقل ألسنة الفصحاء عن ان يأتوا بآية مثله أحق بالتقليد والاتباع. كذلك سنة نبيه ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى وهو أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء. وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم وقد أمنه الله تعالى على تبليغ رسالته، فهو أحق بالاتباع، دون غيره ممن لم يتعبدنا الله بتقليدهم، ولا اتباعهم. فإن تجاهل هذا الملحد كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وجحد أنهما الأصل لهذا الدين الذين بعث الله به نبيه محمداً ﷺ وتعبد الخلق بطاعته واتباعه، دون غيره كائناً من كان، وأن المعترض: لم يسمع أن في الدنيا هكذا دين، وفضل عليه دين الماديين. فال أرضاه الله، وليشهد علينا هو ومن على شاكلته أننا له مخالفون، ولأصولهم المخالفة لكتاب الله تعالى سنة نبيه منكرون، كما ننكر أصول الماديين وغيرهم من أهم الضلال، ونكفر بها وبمن قلدهم فيها، كالحاج مختار وشيخه دحلان، دعاة البدع والضلال. قال المعترض: "فإذا علمت هذا، فاعلم أن الشرع عندنا مبني على ثلاثة أركان وهي: الأصول والفروع والقياس. فالأصول كلها عن كتاب الله تعالى. والفروع كلها عن سنة رسول الله ﷺ وهي بيان للأصول ودليله قوله تعالى: ﴿لتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل، الآية:٤٤] ، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم، الآيتان:٣-٤] وهذا ضروري بالنص والعقل. ولو لم يبيين الله على لسان رسوله ما جاء في القرآن من الأحكام مجملاً، أو النص فيه متشابهاً، أو الأسماء مشتركة لكان الدين على غاية من التشويش. ولا يصح عليه وصف الكمال وإتمام النعمة، لأننا في الأركان الثلاثة- فضلاً عن غيرها – نقع في اختباط. فالقرآن العظيم ما صرح لنا بعدد أوقات الصلاة وأسمائها وعدد

стр. 254

ركوعها وسجودها وتشهدها إلى آخره ... ولا بنصابات الزكاة وما يتعلق بها، ولا بأكثر مناسك الحج وما يتعلق به، ولا بأكثر واجبات التعامل. فلولا أن السنة أتت بتفاصيلها لكان الدين ألعوبة بيد العلماء والأمراء، كما هو الحال في أكثر الأديان. فالتنكب عن السنة والاعتماد على ما يفهم من القرآن فقط تنكب عن الدين، بل خروج منه ولا يقوله إلا الأحمق، لا يعرف من الدين شيئاً، أو كافر يتستر بالدين وما هو منه على شيء. وأما القياس: فبعض أرباب البدع أنكره، لكن جمهور الأمة على القول والعمل به. وأصله عن احتهاد علماء الصحابة فيما لم يعلموا فيه نصاً. ثم اتبعهم به التابعون والأئمة المجتهدون على قاعدته وشرطه، ثم بعد قرن الأئمة وظهور البدع والنحل أضاف العلماء للأركان الثلاثة ركناً رابعاً وهو الإجماع. وهذا أيضاً اقتبسوه من حديث "ما رآه المسلمون حسناً" وقاعدة القياس عندهم معلومة ويرجعون فيما يختلفون فيه إلى ما صح عن أكثر علماء الصحابة.

стр. 255

بيان جهل الملحد ... أقول: ليس لنا غرض في الدخول مع المعترض في هذه المسائل التي هي أصول أحكام الشرع لشهرتها، وعدم الخلاف فيها بين أئمة أهل السنة، وإن كان المعترض قد خاض فيها بجهله وعدم معرفته لأصول الدين من فروعه. فقصدنا من نشر كلامه هنا بنصه: إنما هو لأجل فضيحته وبيان انه من الصم البكم الذين لا يعقلون. فإن أصول الشرع وفروعه قد أحكمها الله في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ ودونها المفسرون وشراح الحديث، وبينوها بما لا نحتاج معه إلى تخليط أمثال هذا الجاهل الملحد، الذي جعل سنة الرسول ﷺ فرعاً، لا تستقل بتشريع الأحكام، وجعل القياس ركناً ثالثاً للكتاب والسنة. وقال عن الإجماع: إنه حدث بعد قرن الأئمة الأربعة، وأن العلماء لما كثرت الملل والنحل جعلوه ركناً رابعاً للكتاب والسنة والقياس. فهل عين رأت أو أذن سمعت بمثل تخليط هذا الأحمق الجهول؟. وأعظم وأطم من ذلك: تعليل هذا الملحد لأحكام القرآن بأنها على غاية من التشويش، ولا يصح عليها وصف الكمال وإتمام النعمة، والله تعالى يقول:

стр. 256

﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة، الآية:٣] ، ويقول: ﴿مافَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام، الآية:٣٨] ، ويقول تعالى: ﴿َلقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران، الآية:١٦٤] ، ويقول تعالى: ﴿ُوَهوالَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة، الآية:٢] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى كثير. و"الحكمة" كما قال الشافعي ﵁ وغيره من الأئمة هي سنة رسول الله ﷺ . فقد أخبر الله عباده: بأنه بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، وأنزل عليه كتاباً قد أكمل لهم به الدين، وأتم عليهم به النعمة، ووكل بيان وتفصيل ما أنزله في كتابه إلى رسوله ﷺ ، ففرض عليهم طاعته، واتباع أمره، وأخبرهم بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فأين زاغ المعترض عن هذا البيان المبين، والتفصيل الفاصل عن الشك باليقين؟ فقد أعماه الهوى عن الهدى، فلم يهتد إليه وناداه منادي الكتاب العزيز: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام، الآية:٣٨] فلم يلتفت إليه، هائماً في ضلالته متوغلاً في بيداء جهالته، لا يعرف الأصول من الفروع، ولا يفرق بين أدلة الأحكام من أصول الأحكام. وهكذا تنقض عرى الإسلام عروة عروة بمثل هؤلاء الجهلة الحمقى، لا أكثر الله منهم بين المسلمين. قال المعترض: "واعلم أن الاختلاف في الفروع والقياس ليس من محدثات الأئمة الأربعة، بل هو واقع من زمن الصحابة. وكان يقع بينهم ذلك في حياة الرسول ﷺ فيراجعونه فيما يختلفون فيه وبعد وفاته يرجعون فيه إلى العلماء منهم، وهكذا حال التابعين. وهذه حقائق مستفاضة مذكورة في مواضعها، من كتب الحديث والتفسير والأصول ومطولات الفقه المعتمد عليها عند أهل الدين، وحوادثها وأمثلتها أكثر من أن تجمع، ولا يجهلها إلا العامي الأحمق، فمن هداه الله في دينه، وأرشده لما ينجيه يوفقه لتتبع كتب علماء الدين فيرى الحق ظاهراً كالشمس، وأما من أضله الله وأشقاه فينصب على مطالعة كتب أهل البدع والمقولات، ويتلقى أضاليلهم، كحقائق ثابتة، فيعيش

стр. 257

ألعوبة بيد أهوائه، وسخرية بأعين أهل الدين، ويموت هالكاً للنار، والعياذ بالله تعالى". أقول في كلام المعترض هذا: إنه من جنس خرافاته المتقدمة، ومغالطاته المتكررة. فهو دائماً يهذي بهذه الحماقات التي ليس له عليها دليل إلا مجرد الدعوى الباطلة.

стр. 258

ليس الأئمة سبب الاختلاف بل هو من غلاة المقلدين ... فقول المعترض: "واعلم أن الاختلاف في الفروع والقياس ليس من محدثات الأئمة الأربعة" يشير به إلى أن هناك أناساً يقولون: إن الأئمة الأربعة هم سبب الاختلاف الواقع بين متعصبة المذاهب الأربعة، ومن تشعب منها من الفرق الضالة. وهذا من المعترض افتراء وتعريض بالأئمة الأربعة، ينزهون عنه وإنما يقع الذم على المحدثين لهذا الاختلاف والتفرق بين المسلمين. فقد ابتدعوا في دين الله بدعاً لم يأذن بها الله ولا رسوله ﷺ . ومع ذلك يدعون أنهم من أتباع الأئمة الأربعة، مع مخالفتهم للأئمة في أصول الدين وفروعه. وهذا المعترض يقول: إن اختلاف الغلاة من المقلدين، ومن عداهم من أهل الأهواء كاختلاف الصحابة في عصر النبي ﷺ وبعده. فقد كذب على الصحابة ﵃ وأعظم الفرية فيما زعمه إذ جعل ما يقع بين الصحابة ﵃ من اختلاف في سبيل الوقوف على دليل الحكم من الكتاب والسنة حجة في جواز اختلاف هؤلاء المبتدعين، ومن تبعهم من غلاة المقلدين ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف، الآية:٥] فما كان اختلاف أصحاب رسول الله تعصباً لمذهب أو لقول قائل غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليس ما يقع بينهم يسمى اختلافاً بل هو بحث وتحقيق لحكم الله وحكم رسوله. فإذا بان لهم الحكم مع من كان قابلوه بالرضا والتسليم، لا يطلبون له تأويلاً أو تعليلاً لموافقة مذهب انتحلوه، كما عليه غلاة أهل التقليد، وهذا معروف مشهور من سيرة أصحاب الرسول ﷺ لا يجهله إلا أحمق، كصاحب هذه الرسالة: الحاج مختار.

стр. 259

فإن أول اختلاف وقع بين الصحابة ﵃ حين توفى رسول الله ﷺ . وذلك في حقيقة موته، وموضع دفنه. فلما حضر أبو بكر الصديق ﵃ أجمعين قام فيهم خطيباً، وتلا قول الله تعالى: ﴿ومَامُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] وأخبرهم بما حفظه من رسول الله ﷺ في موضع دفنه، فكلهم ﵃ قابلوه بالتسليم ولم يختلفوا فيه. وكذلك الأمر في قتال مانعي الزكاة لما أراد الصديق ﵁ قتالهم، عارضه من عارضه من الصحابة بقول رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر الصديق ﵁: "إن الزكاة من حق لا إله إلا الله- أو قال: من حق المال- والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالاً- أو عناقاً- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" فلما رأوا الحق مع الصديق رجعوا إليه راضين بحكم الله ورسوله ﷺ . وأما رجوع الفاروق عمر ﵁ عن قول قاله على المنبر، فهو أكبر دليل على بعد الصحابة عن الاختلاف في الدين. فقد أمر ﵁ بأن لا يزاد في مهور النساء على قدر ذكره، فذكرته امرأة بقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ [النساء، الآية:٢٠] فترك قوله، وقال: "كل أحد أفقه منك يا عمر" وقال: "امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ" وأمر ﵁ برجم امرأة ولدت لست أشهر فذكره علي ﵃ بقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف، الآية:١٥] مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة، الآية:٢٣٣] فرجع عن الأمر برجمها. وكذلك علي ﵁ سأله رجل عن مسألة فقال فيها علي، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا. فقال علي: "أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم" وأيضاً ابن عباس وزيد ﵄ لما اختلفا في الحائض قال له زيد: "القول ما قلت" وهذا كثير يفوق الحصر مما يجري بين الصحابة ﵃. فإنه لا خلاف بينهم أمام حكم

стр. 260

الله تعالى وحكم رسوله ﷺ . فلا يتعصبون لرأي رأوه، ولا لقول قاله كبير أو صغير، بل الكتاب والسنة هما ضالتهم المنشودة، وغايتهم المقصودة لا كما عليه غلاة المقلدين، المتنكبين عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فإنه لا يستدل على جواز اختلاف هؤلاء في الدين، وتفريقهم لجماعة المسلمين بما يقع بين الصحابة من تحقيقهم للحق، إلا من عميت بصيرته كصاحب هذه الرسالة المقلد الأعمى. ثم إن هذا المعترض قد أثبت هنا اختلاف الصحابة والأئمة الأربعة في الفروع والقياس، مع أنه قد سبق القول منه قريباً: "بأن الفروع والقياس ركنان للشرع عندهم. والركن الثالث لهما: كتاب الله تعالى" فهذا ما يقوله الحاج مختار فليس بغريب على غباوته ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم، الآية:٥٩] . وأما قوله: "وهذه حقائق مستفاضة مذكورة في مواضعها من كتب الحديث والتفسير- إلى قوله – ولا يجهلها إلا العامي الأحمق". فأقول: لا أجهل ولا أحمق من هذا الملحد المغالط، فلو كان يعرف من هذه الحقائق المستفيضة- كما يقول –حقيقة واحدة لذكرها. وأنى له ذلك وهو أجنبي عنها وليس من أهلها؟ بل هو يدعي التقليد زوراً وبهتاناً. وأما قول الملحد: "فمن هداه الله في دينه، وأرشده لما ينجيه يوفقه لتتبع كتب علماء الدين – إلى آخر ما قال". فأقول: إن هذا الملحد قد أجمل في محل التفصيل، ودلس مغالطاً في مقام النصيحة منه والبيان. ي فلم يسم كتب علماء الدين التي في مطالعتها التوفيق والنجاة ولم يبين كتب أهل البدع والمقولات التي عاقبة من انكب عليها أن يموت هالكاً إلى النار، ولكن الملحد تعمد التدليس والمغالطة، مع شدة الحاجة إلى البيان والتفصيل في هذا المقام. وما ذاك إلا لعلمه بأنه لو بين أسماء هذه الكتب التي يشير إليها، لتبين للناس ضلاله وعدوله عن الصراط المستقيم.

стр. 261

فهو لذلك منافق صميم، ولما كانت الأعمال هي التي تصدق الأقوال وتزكيها، وقد قيل: ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كفى الفعل عما غيب المرء مخبرا فإن إمامنا من أعمال هذا الملحد وأقواله في رسالته هذه- التي نحن بصدد الرد عليها – ما يفضح سريرته، ويكشف عورته، ويدلنا على مراده من هذه الكتب التي أشار إليها. فأما الكتب التي حث على مطالعتها فهي: كتب دحلان وإخوانه من أهل البدع والضلال، فإنه قد اعتمدها في أول رسالته والتزم النقل عنها من دون تصرف – كما قاله في أول رسالته – مقلداً لدحلان في تكفير المسلمين، وإباحة الشرك في عبادة رب العالمين، فراجعه في الصحيفة الرابعة من رسالته. ثم تتبع بعد ذلك الكتب التي ينقل عنها: هل ترى فيها كتاباً من كتب الحديث، أو كتاباً من كتب تفسير القرآن المجيد؟ إلا ما نقله من تفسير الفخر الرازي فحرفه وكذب على الرازي فيه، وقد نبهنا على ذلك في محله من ردنا هذا. وأما الكتب التي بحذر عنها الملحد، ويقول عنها: إنها كتب أهل البدع والمقولات. فهي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث، وما تفرع عنهما من كتب أئمة المسلمين. فقد أبطل العمل بما حوته هذه الكتب من أحكام الدين وجعل الأخذ بما رجحته من الأحكام زندقة لا إسلامية، وإليك ما يقوله الملحد الحاج مختار وذلك في صحيفة (٤٩) من رسالته: قال: "إن الأئمة الأربعة أحاطوا بجميع علوم الدين وما تركوا فيها زيادة لمستزيد، حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة، بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها. فإذا وجدتم حديثاً في البخاري أو غيره في مسألة ومثله في موطأ مالك مثلاً، أحدهما: فيه تشديد، والآخر: فيه ترخيص، فأنى لكم معرفة الناسخ فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها وأنتم لا تجدون في كتب

стр. 262

الحديث بياناً ولا إشارة تهديكم إلى الصواب. أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والترخص؟ فهذه زندقة لا إسلامية – إلى أن قال – وأما قولكم: إنكم ما خرجتم عن الإجماع، فهذا هو المغالطة. لأننا بينما كنا نباحثكم عن إجماع الفقهاء والتعبد والتعامل التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث. ومع هذا فأخبرنا متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ يعني من كتب الحديث".

стр. 263

عداوة الملحد لكتب الحديث وأهل الحديث ... وقال في صحيفة (٤٧) : "إن أئمة الحديث ما دونوا الحديث لأجل العمل به، ولا تتبعوا فيه أحوال الصحابة والتابعين، وبل دونه لأجل حفظه. انتهى". فهذا بعض من كلام الملحد بالحرف الواحد. فأي عداوة لكتب الحديث وأهل الحديث والتحذير عنها وعنهم أبلغ من ذلك؟ مع ما يصرح به هذا الملحد من أن ما ترجحه كتب الحديث من الأحكام يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية لأنه ظن لا يفيد اليقين، لأن كتب الحديث ليس فيها – بزعمه الفاسد – بيان ولا إشارة تعدي إلى الصواب، لذلك حذر من مطالعتها، وسماها كتب أهل البدع والمقولات. جازاه الله بعدله. ثم إن المعترض عقد فصلاً نقل تحته من كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلاماً – من أوله إلى أخره – نحن بحمد الله تعالى أسعد به من المعترض، وأحفظ لما جاء فيه في حق الأئمة الأربعة، قولاً وعملاً. وليس للمعترض فيه حجة إلا التدليس والمغالطة وإلا فإنه من ألد أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. أما نحن وجميع علماء أهل السنة فإننا موافقون لشيخ الإسلام فيما حققه في كتابه المذكور من هذه الأصول المهمة التي يجب على كل مسلم اعتقادها في حق أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم ممن اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. كما وصفهم شيخ الإسلام بأن هذا الصنف من العلماء هم المؤمنون، ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، الذين أجمع

стр. 264

المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. فهؤلاء معذورون في خطئهم، مأجورون عليه أجراً واحداً ومأجورون في إصابتهم الحق أجرين، ولكن هذا المعترض وإخوانه من المتدعين يريدون سلب هذا الوصف عن أهله وإلصاقه بمن هم أبعد الناس عنه من أهل البدع والضلال الذين يزعمون أنهم بمجرد انتسابهم إلى تقليد الأئمة الأربعة – مع مخالفتهم لهم في أصول الدين وفروعه – يحلون محل الأئمة الأربعة. فما يصدر عنهم من بدع وضلالات ينسبونها إلى مذاهب الأئمة الأربعة، فإذا عارضهم معارض وسفه أحلامهم عالم رشيد وبين خطأهم قالوا: هذا عيب في الأئمة الأربعة، واعتراض عليهم. وهذا ظلم وعدوان بل إساءة إلى الأئمة، وتنقيص لحقهم، وعلو مقامهم ونزول بهم إلى مواطن الجدل والتحقير، قد قال أبو حامد الغزالي في كتابه "فاتحة العلوم":

стр. 265

(فصل) : وبالحري أن نذكر في هذا المقام نبذة من سيرة أئمة المذاهب ، ليعلم المقتدون بهم أن شرفهم وعلو درجتهم ومكانتهم عند الله تعالى لم يكن بمجرد العلم الظاهر، والتوسع في تفاريع المسائل الفقهية. بل لكونهم من علماء الآخرة جامعين لعلاماتها، متأسين فيها بالصحابة ﵃ والتابعين والسلف الصالحين. ونبين أن كل واحد منهم كان عابداً وزاهداً، وعالماً بعلوم الآخرة، وفقيهاً في مصالح الخلق، ومعاملات الدنيا ومريداً بفقهه وجه الله تعالى. فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة، وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه. لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا وللآخرة أيضاً، إن أريد بها الآخرة فلصالحها للدنيا شمروا لها، وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وزعموا أن من طعن فينا فقد طعن فيهم، وطعن في العلماء وفي العلم وهيهات. فلا تقاس الملائكة بالحدادين، بل هم في القيامة أول خصومهم وخصوم أتباعهم الذين انتسبوا إليهم، وانتحلوا مذاهبهم إن أنصفوا أنفسهم. انتهى. فأين الغزالي رحمه الله تعالى ينظر إلى ما نحن فيه اليوم من الحاج مختار وأمثاله من السفلة الجهلة؟ لا بارك الله فيهم ووقى المسلمين شرورهم. ثم اعلم

стр. 266

أن المعترض – فيما نقله عن شيخ الإسلام من كتابه "رفع الملام" – وإن كان قليلاً – فقد حرف فيه وبدل، وزاد فيه ونقص في أكثر من ثلاث وعشرين موضعاً، تركت مناقشته عليها لأن هذا المعترض سلسلة أكاذيب وأغلاط لا آخر لها. ولم أكن ملتزماً لمناقشته في جميع أغلاطه، بل فيما لا يجوز السكوت عليه منها كدعائه إلى الشرك في عبادة الله تعالى واتباع رسوله ﷺ وكالابتداع في الدين بما لم يأذن به الله تعالى ولا رسول الله أو ما يفتريه من الكذب على أئمة المسلمين. فهذه المسائل قد عاهدت الله على جهاد أعدائه فيها، كالحاج مختار وشيخه شيخ الضلال دحلان. والله حسبنا ونعم الوكيل. وبعد أن انتهى المعترض من نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى صار يفرع على كلامه، ويقتبس ألفاظاً وجملاً من كلام الشيخ يبني عليها ما يمليه عليه عقله الفاسد، وفهمه العاطل من الهذر الذي لا يعقل، بل زاد عليه بأن كتب الحديث – وخص منها الصحاح الستة – فيها من الاختلاف ما ينوف عن الثلث منها، وأنه رأى في شرح الزرقاني على موطأ مالك: مئات المسائل المختلف فيها بين الصحابة، وكثير منها ما كان في حياة الرسول ﷺ وأنه لما صار الفتح تفرق الصحابة في أقطار الأرض، وصار كل منهم يفتي بما عنده من العلم، وأن الأئمة الأربعة كل واحد منهم قد تلقى علومه على أهل البلد التي حل فيها، مثل الحرمين والعراق وغيرهما. وأنه بسبب الرخص والعزائم والناسخ والمنسوخ وقعت الاختلافات في الدين بين الصحابة فمن بعدهم. فيخيل لسامع كلام هذا الجاهل الأحمق: أن الدين كان على عهد الصحابة ﵃ – وكذا على عهد التابعين لهم – في حالة من الغموض وعدم البيان وكثرة الاختلافات، لعدم ضبطه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، يتعذر معها معرفة الأحكام من كتاب الله تعالى وسنة ورسوله ﷺ ، بل يشعر كلامه هذا: أنه لا وجود للكتاب والسنة وأن أحكام الدين هي ما يتلقى من بعض الصحابة الذين تفرقوا في أقطار الأرض بعد الفتح، على ما فيه من اختلاف بينهم، حتى جاء الأئمة الأربعة، فأصلحوا من أمر هذا الدين ما كان مضطرباً،

стр. 267

وبينوا ما كان خافياً مما عجز الصحابة والتابعون من بعدهم عن معرفته وبيانه. وكأنه هذا القائل لم يسمع الآيات والأحاديث الواردة في إكمال الله تعالى لهذا الدين، وحفظه له من كيد أعدائه الظالمين، وإبلاغه لهذه الأمة بأتم بلاغ مبين، حيث يقول تعالى: ﴿وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة، الآية: ٣] وقال ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وذلك وقبل أن يخلق الأئمة الأربعة وقرنهم الذي كانوا فيه. ومع ذلك فإن الأئمة الأربعة ﵏ لم يدعوا لأنفسهم ما ادعاه لهم هذا الملحد الذي يزعم أنه يدافع عن مقام الأئمة الأربعة، مع أن هذا كذب منه، بل زور وبهتان بل ضلال وإضلال، فإنه من ألد أعدائهم، فإنه مشرك وهم موحدون وجاحد لصفات الله تعالى وهم لها مثبتون، ومبتدع في الدين وهم متبعون، ومقلد أعمى عن الهدى وهم بنور الله مهتدون. فهو إنما يدافع عن نفسه وشيعته أهل البدع والضلال، الذين أحلوا أنفسهم محل الأئمة الأربعة، وزعموا أن من طعن فيهم فقد طعن في الأئمة الأربعة كما ذكر ذلك الغزالي. وهكذا يتقمص هؤلاء الضلال شخصيات الصالحين وهم من ألد أعداء الدين.

стр. 268

قول الملحد برفع الحرج عن الأمة بتعدد بتعدد الأهواء ... قال الجهول الأحمق: "تأمل بفكر طهره الله من أقذار الهوى: الحرج الذي كان يلحق الأمة، والإهمال الذي كانت تقع فيه لو انحصرت في مذهب واحد، والفوضى التي كانت تقع في الدين لو أطلق الرأي لكل إنسان بما يفهم من الكتاب والسنة وبما يجتهد فيه". أقول: إن كل من تأمل في كلام هذا الأحمق بفكر طهره الله من أقذار الجهل والهوى، ونور الله بصيرته في الدين عن الزيغ والعمى، يحمد الله على الهداية والسلامة وتجنب طرق الضلالة والغواية، التي انغمس فيها هذا الجاهل الأحمق، الذي حارب الله تعالى ورسوله وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. فقد صرح هنا بما كان يلمح به سابقاً من الغمز في أحكام الدين إذ كان يرميها به من الغموض والخفاء وتعارض النصوص وكثرة اختلاف الصحابة ﵃ وعدم معرفة الناسخ والمنسوخ منها. وكذا الرخص والعزائم إلى آخره ... وقد

стр. 269

نبهنا على ذلك قريباً، ثم هو ههنا يقول: "إن الأمة المحمدية لو انحصرت في مذهب واحد وأخذت بما تفهم من الكتاب والسنة، وبما يجتهد فيه منهما المجتهدون، فإنها تقع في حرج وإهمال وفوضى".

стр. 270

في هذا القول طعن فيما كان عليه رسول الله وأصحابه ... وهذا القول من هذا الضال طعن فيما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم من القرون المفضلة. فإنهم كانوا على مذهب واحد، لا يعرفون إماماً غير رسول الله، ولا يدينون بغير ما جاءهم به من كتاب ربهم وسنة نبيه ﷺ ، ممتثلين لأوامرهما، واقفين عند حدودهما. مضى على ذلك أصحاب رسول الله ومن تبعهم من القرون المفضلة، مجتهدين في استخراج الأحكام من هذين النورين: كتاب الله تعالى وسنة رسوله المطهرة، ملتزمين أثر هذا النبي الكريم، لا يعرفون متبوعاً غيره في جميع أقواله وأفعاله، مضوا على ذلك وهم في عز وسعة، وجماعة محكمة. لا فرقة فيها مجاهدين في سبيل الله تعالى وفي حفظ دينه عن كل معاند ومنافق، أو مخالف لسبيل المؤمنين، مبتدع في الدين، أحمق مشاقق، حتى بلغ الدين في عصرهم أعلى ذروة المجد والسؤدد، ففتحوا الأقطار، ومصروا الأمصار، وخضعت لهم رقاب الجبابرة. فدخل في هذا الدين – الذي هو على مذهب واحد – جميع الأقطار التي فتحوها، فلم يشكوا من دينهم حرجاً ولا إهمالاً ولا فوضى، كما زعمه الحاج مختار الجاهل الأحمق. وبعد هذا خلف خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فرقوا الدين وجعلوا أهله شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون، نصبوا أئمة من عند أنفسهم جعلوهم في مقام الرسول ﷺ في وجوب الإتباع، وألفوا كتباً نسبوها مذاهب لهؤلاء الأئمة بغير رضاهم، زعموا أنها تغني عن الكتاب والسنة والرد إليهما. فرفعوا هؤلاء الأئمة من مقام الإرشاد إلى مقام الرسالة في وجوب إتباعهم، وتركوا الكتاب والسنة ومن جاء بهما نسياً منسياً، ومنعوا الرد إليها في حال الاختلاف. وأقاموا النكير على من رد عند التنازع إليهما، وأخرجوه من الإسلام وقالوا عنه: إنه صاحب مذهب خامس، فقد استحكم الغلو في أمر التقليد في هذه الأزمان المتأخرة حتى انطمست فيها أكثر معالم الدين، ولولا

стр. 271

حفظ الله تعالى لدينه وصدق وعد نبيه ﷺ بأن "لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" لقضى هؤلاء الدعاة إلى ترك الكتاب والسنة بحجة التقليد على البقية من هذا الدين الحنيف. ولكن الله تعالى حافظ دينه، ومصدق وعد نبيه فإنه من عصر الصحابة إلى يومنا هذا لم يزل أئمة المسلمين- ومنهم الأئمة الأربعة- ينكرون التقليد ويذمونه، ويحذرون منه، ويحثون على الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة. وقد أمر الله تعالى بطاعة رسول ﷺ فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر، الآية: ٧] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران، الآية:٣١] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية:٨٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور، الآية:٥٤] والآيات في القرآن كثيرة يأمر الله تعالى فيها بطاعته وطاعة رسوله ﷺ , وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد" وفي حديث العرباض بن سارية ﵁ في موعظة رسول الله ﷺ البليغة، وفيها: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود والترمذي. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا أصحابي، فأنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب – إلى آخر الحديث.." رواه النسائي بإسناد صحيح. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "ذم التقليد": قد حذر النبي ﷺ من محدثات الأمور وأخبر: "أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". ومن المعلوم بالضرورة أن ما عليه هؤلاء من التقليد الذي يتركون له كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويعرض القرآن والسنة عليه، ويجعل معياراً عليهما: من أعظم المحدثات والبدع التي برأ الله سبحانه منها القرون التي فضلها، وخيرها على غيرها – إلى آخر كلامه ... ". وقال رحمه الله تعالى أيضاً في كتابه "أعلام الموقعين": وهل يلزم العامي

стр. 272

أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه وهو الصواب على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له، لأن المذاهب إنما تكون لمن له نوع ونظر واستلال، ويكون بصيراً بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه: أن القائل هو شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الأمام، سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه: فكيف يصح الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحداً قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقوالها كلها ويدع أقوال غيره، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، إلى كلامه ﵀. ومن كلام الشيخ عز الدين عبد السلام – وقد تقدم بطوله – قال: ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقليد لمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين. فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلداً له فيما قاله، كأنه نبي أرسل إليه. وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لم يرض به أحد من أولي الألباب، انتهى. وقال الإمام أبو شامة في كتابه "المؤمل في الرد إلى الأمر الأول" وسئل

стр. 273

بعض العارفين عن المذهب؟ فأجاب: إن معناه دين مبدل، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ [الروم، الآيتان:٣١-٣٢] انتهى. وقال الشيخ ابن العز في حاشية الهداية: فمن يتعصب لواحد معين عن رسول الله ﷺ ، ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة المتأخرين فهو ضال جاهل. وقد يكون كافراً يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وقال العالم الأصولي الفقيه الشيخ محمد بن عبد العظيم المكي الحنفي في كتابه "القول السديد" الفصل الأول: اعلم أنه لم يكلف أحداً من عباده بأن يكون حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً، بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمداً ﷺ ، والعمل بشريعته. انتهى. وفي هذا كفاية في بيان ضلال هذا الملحد، لئلا يغتر به من لا علم عنده. قال المعترض الملحد: "يزعم هؤلاء الضالون أن ابن تيمية أفتى بجواز الاجتهاد، والأخذ عن غير الأئمة الأربعة، فأقول: نعم، قال ابن تيمية في الرسالة المذكورة: بجواز الاجتهاد، والأخذ عن غير الأئمة الأربعة، لكنه بكافة كتبه ومباحثه يصرح باتباعه واعتماده على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ثم تجده قيد التجويز بشروط سيأتي بيانهم لعلها ما توفرت فيه وفي أقرانه، فضلاً عن علماء زماننا". أقول: يزعم هذا الملحد أن الوهابيين ومن وافقهم من أهل السنة – قديماً وحديثاً- يدينون بالاجتهاد المطلق. وأنهم يقلدون في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد كذبنا دعواه هذه فيما تقدم. ومع ذلك: فإن المعترض ينكر وجود الاجتهاد من بعد عصر الأئمة الأربعة، ويقول: إن الاجتهاد بدعة في الدين وقد فندنا دعواه هذه أيضاً وبينا بطلانها في أول ردنا هذا بما أوردناه من كلام أئمة المسلمين من جميع المذاهب الأربعة وغيرهم بأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات، وأنه لا يجوز خلو

стр. 274

عصر منهم وان ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة، ولم ينقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذلك حرفاً واحداً.

стр. 275

كذبه على شيخ الإسلام ابن تيمية ... وأما ما ذكره الملحد عن الشيخ ابن تيمية وكتبه ومباحثه فهو كذب ومجرد دعوى بلا دليل، فإنه لا يعرف من كتب ابن تيمية غير هذه الرسالة الصغيرة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لأنه وجد فيها -بزعمه- ما يوافق هواه ومع ذلك فقد حرف في النقل ههنا أشنع تحريف. وافترى على الشيخ فيها ونسب إليه قولاً كذباً وزوراً، كما سنراه قريباً بعد هذا، فيما أنا مورده من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يكذب دعوى هذا الملحد على الشيخ ويبين جهله. فإنه في جهالة عمياء، وغباوة شنعاء، يتلقف معلوماته وعقائده من حثالات المبتدعين، ومن الجهلة الجاثمين على عادات آبائهم وأجدادهم السالفين. ويجري مع الهوى، مفترياً الكذب على أئمة الدين، محرفاً لكلامهم، لا يرجو من الله وعداً، ولا يخلف وعيداً. وقد قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود، الآية:١٨] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "منهاج السنة": قال الرافضي: وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي. فأدخلوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا أحكام الشريعة، واتخذوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ ولا زمن الصحابة، وأهملوا تأويل الصحابة مع أنهم نصوا على ترك القياس وقالوا: أول من قاس إبليس. قال الشيخ: الجواب عن هذا من وجوه –إلى أن قال- الوجه الخامس: أن قوله: "أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد رسول الله ﷺ " إن أراد بذلك: أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه المذاهب مع مخالفة الصحابة ﵃. فهذا كذب عليهم، فإن هؤلاء الأئمة لم يكونوا على عصر واحد، بل أبو حنيفة توفى سنة خمسين ومائة ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، والشافعي سنة أربع ومائتين وأحمد بن حنبل إحدى وأربعين ومائتين رحمهم الله تعالى.

стр. 276

وليس في هؤلاء من كان يقلد الآخر، ولا من يأمر الناس باتباعه، بل كل منهم كان يدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة. وإذا قال غيره قولاً يخالف الكتاب والسنة عنده رده، ولا يوجب على الناس تقليده. وإن قلت: إن أصحاب هذه المذاهب اتبعهم الناس، فهذا لم يحصل بمواطأة، بل اتفق أن قوماً اتبعوا هذا، وقوماً اتبعوا هذا، كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على الطريق. فرأى قوم هذا دليلاً خريتا فاتبعوه. وكذلك آخرون وإذا كان كذلك لم يكن في ذل ك اتفاق أهل السنة على باطل بل كل قوم ينكرون ما عند غيرهم من الخطأ. فلم يتفقوا على أن الشخص المعين عليه أن يقبل من كل هؤلاء ما قالوه، بل جمهورهم لا يأمر العامي بتقليد شخص معين، غير النبي ﷺ والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن يجعل عدداً من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء كان الآخر قد أصاب فيه، حتى لا يضيع الحق، ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل- كبعض المسائل التي أوردها الرافضي- كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً- إلى أن قال: الوجه الثامن: أن أهل السنة لم يقل أحد منهم إن إجماع الفقهاء الأربعة حجة معصومة، ولا قالوا إن الحق منحصر فيها، وأن ما خرج عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة الأربعة – كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين – قولاً يخالف الأئمة الأربعة رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ . وكان الراجح هو الذي قام عليه الدليل. انتهى ما نقلته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فهل يتفق هذا مع ما فتراه هذا الملحد الضال، ونسبه إلى الشيخ؟ فإن هذا دأبه مع جميع علماء المسلمين من أهل السنة، والكذب عليهم وتحريف كلامهم. قال المعترض: "ثم قال – يعني الشيخ ابن تيمية – في آخر الرسالة المذكورة ما نصه: واعلم أن سبيل اتباع الأئمة هي التي يجب سلوكها، وما

стр. 277

سواها فهو أقبح من أقوال الخوارج والمعتزلة، وغيرهم من أهل الضلال، انتهى. فهذا كلام إمامكم بنصه ولا جرم أنكم عالمون بما كان عليه من الحق والإنصاف، لكن الشيطان أغراكم على اتهامه بما هو بريء منه وليس هذا الإمام وحده أنصف من نفسه، بل جميع أجلاء علماء أهل السنة كانوا – وما زالوا – على هذا الهوى، وهذا الصراط المستقيم". أقول: إن ما نسبه الملحد من هذا الكلام إلى الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: كله كذب بحت، لم يقله الشيخ، لا لفظاً ولا تضمنه كلامه معنى، وإنما هو من اختلاق هذا الملحد كعادته في تحريف كلام العلماء والكذب عليهم ونحن ننقل كلام الشيخ ابن تيمية الذي حرفه المعترض بنصه. قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه "رفع الملام" في الكلام على نصوص الوعيد، فإن قيل: فهلا قلتم: إن أحاديث الوعيد لا تتناول محل الخلاف وإنما تتناول محل الوفاق، وكل فعل لعن فاعله، أو توعد بغضب أو عقاب حمل على فعل اتفق على تحريمه، لئلا يدخل بعض المجتهدين في الوعيد، إذا فعل ما اعتقد تحليله، بل المعتقد أبلغ من الفاعل، إذ هو الآمر له بالفعل، فيكون قد ألحق به وعيد اللعن، أو الغضب بطريق الالتزام؟ قلنا: الجواب من وجوه – ثم ذكر اثني عشر وجهاً – ثم قال في الوجه الثاني عشر منها: أن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جداً، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق، من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه ومستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات: فإن من سوى الأنبياء يجوز عليهم الصغار والكبائر، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقاً أو شهيداً أو صالحاً. لما تقدم أن موجب الذنب: يختلف عنه بتوبة أو استغفار، أو حسنات ما حية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة، أو لمحض مشيئته ورحمته. فإذا قلنا بموجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ [النساء، الآية: ١٠] ثم ساق آيات في هذا المعنى – وقال: إلى غير ذلك من آيات الوعيد، أو

стр. 278

قلنا بموجب قوله ﷺ : "لعن الله من شرب الخمر أو عق والديه" – ثم ذكر أيضاً أحاديث بهذا المعنى – ثم قال: إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد: لم يجز أن يعين شخص ممن فعل بعض هذه الأفعال. ونقول: هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد، لإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة. ولم يجز أن نقول: هذا يستلزم لعن المسلمين ولعن أمة محمد ﷺ ، ولعن الصديقين، أو الصالحين لأنه يقال: الصديق والصالح متى صدرت منه بعض هذه الأفعال، فلا بد من مانع يمنع لحوق الوعيد به، مع قيام سببه. ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة باجتهاد، أو تقليد، أو نحو ذلك، غايته أن يكون نوعاً من أنواع الصديقين الذين امتنع لحوق الوعيد بهم لمانع، كما امتنع لحوق الوعيد به لتوبة أو حسنات ماحية أو غير ذلك. واعلم أن هذه السبيل هي التي يجب سلوكها، فإن ما سواها طريقان خبيثان: أحدهما: القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه، ودعوى أن هذا عمل بموجب النصوص وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب والمعتزلة وغيرهم، وفساده معلوم بالاضطرار، وأدلته معلومة في غير هذا الموضوع. انتهى المقصود من نقل كلام الشيخ ابن تيمية الذي حرفه المعترض ليقابله القراء، وكل مطلع عليه، وليتحققوا تحريف هذا الملحد لكلام العلماء ونسبته إلى الشيخ ابن تيمية من القول ما لم يقله. وأما قول المعترض: "فهذا كلام إمامكم بنصه". فالجواب أن نقول: ليس هذا كلام إمامنا، فقد غير المعترض لفظ كلام إمامنا ومعناه. وقد أوردنا نحن نص كلام إمامنا بالحرف الواحد، ليعلم قدر أمانة هذا المحرف المنحرف عن سبيل المؤمنين.

стр. 279

وأما قول المعرض: "ولا جرم أنكم عالمون بما كان عليه من الحق والانصاف ... إلى أخره". فنقول للمعترض: نحن عالمون بما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية من الحق والإنصاف، وعلمنا بذلك علم يقين، ورسوخ في الحق، مقرون لهذا الشيخ الجليل بأنه في العلم والحق والإنصاف علم الأعلام، ومصباح الظلام. وهو حجة الله الناطقة على المعاندين، وسيف الله المسلول على رقاب الزنادقة والمبتدعين. نسأل الله تعالى له الرحمة والغفران، وإعلاء مقامه في جنات النعيم، مع الصديقين والشهداء والصالحين، وإن رغم أنف الحاج مختار المتلون في دينه وسنحتج علي بما أقر به هنا من فضل الشيخ وإمامته، وأنه من أهل الحق والإنصاف، وأنه من جلة علماء أهل السنة، الذين كانوا – وما زالوا – على الصراط المستقيم، إن شاء الله. وذلك حينما يبدأ هذا اللحد في طريق الزندقة والحور بعد الكور في حق شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵁ – من سبه للشيخ وتضليله إياه، بغير برهان ولا حجة إلا فيما خالف فيه هواه، ودمغه على رأسه من كلام شيخ الإسلام الذي هدم به شركه وضلاله. وأما إطلاق المعترض على شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إمامنا: فمع كون الشيخ رحمه الله تعالى أهلاً للإمامة والإرشاد، وهو خير من يقتدى به من أهل عصره إلى يومنا هذا. فما كنا له مقلدين ولا متابعين إلا بما يفرضه علينا كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومن قبول الحق ونصرته ممن جاء به، ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من وقت ظهروه إلى وقتنا هذا هو إمام الأئمة المحققين لتوحيد الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله على طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون المفضلة فإنا له موافقون، وبفضله وإمامته شاهدون. وأما في الفروع: فإننا على مذهب إمامنا الإمام أحمد بن حنبل ﵁ ولم تقلد شيخ الإسلام ابن تيمية فيما خالف فيه الإمام أحمد، كمسألة

стр. 280

الطلاق الثلاث دفعة واحدة وغيرها فالمعترض ملفق، بعيد عن الحق. ثم إن المعترض أورد كلاماً بطريق الاستشكال ثم أجاب عنه بجواب من نوعهن كله خلط وتحريف، وهذيان متناقض لا طائل تحته.

стр. 281

إنكاره بقاء الاجتهاد في الأمة ... ثم قال المعترض: "الفصل الثالث في الاجتهاد، وفيه مقدمة ومباحث". أقول: قد تقدم أن المعترض قال: "ولنرجع إلى المقصود من هذه الرسالة، المسألة الأولى في الاجتهاد". فلم يذكر شيئاً مما يتعلق ببحث الاجتهاد، بل رجع إلى عادته في البهت وافتراء الكذب على الوهابيين وإخوانهم فقال: "إنهم يبيحون التعبد بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم فقط، وينكرون الإجماع الذي اتخذه علماؤنا أصلاً من الأصول التي تنبني عليها الأحكام. فإيضاحاً لفساد قولهم هذا: أتكلم إن شاء الله تعالى عن كل فرع منه على حدة" يعني من فروع الإجماع. ثم شرع في بيان الإجماع وفروعه، فقال: "الفصل الأول في الإجماع – إلى آخره" ثم ذكر الفصل الثاني في أسباب اختلاف الأئمة إلى آخره. وهو فرع من فروع الإجماع عند المعترض ثم قال "الفصل الثالث في الاجتهاد" وهو هذا الذي نحن بصدده. وظاهر هذا الترتيب وهذا التصرف من المعترض: أن الاجتهاد واختلاف الأئمة من فروع الإجماع. وهذا يكفي في سقوط المعترض عن درجة العقلاء، فضلاً عن العلماء. وقد نبهت فيما تقدم على أن هذا الملحد في حالة من الجهل والحمق لا يعرف معها الأصول من الفروع، ولا الفرق بينهما، بل هو أعمى مخلط. فمما يجب التنبيه عليه هنا: أن هذا المعترض ينكر بقاء الاجتهاد ووجود المجتهدين في هذه الأمة بعد عصر الأئمة الأربعة. وقد عقد هذه الترجمة للاجتهاد زاعماً: أنه يرد فيها على القائلين ببقائه، وقد سمى المعترض "الاجتهاد

стр. 282

بدعة في الدين" وذلك في أول رسالته هذه، وفي بدء مناقشته للأئمة الذين ذكرنا أسماءهم. فإن أول ما خاطبهم به مفتتحاً به رسالته قوله: "أما بعد أيها الإخوان المتلقبون بالمتنورين، أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين، وغيرها من البدع" إلى آخر ما هذى به. وقد استوفينا من الرد عليه ما فيه كفاية وذكرنا أقوال جميع علماء المذاهب الأربعة بأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات لا يجوز خلو عصر منه، وأن ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة. فأما ما ذكره المعترض هنا، تحت هذا الفصل من مقدمة ومباحث: فينقسم إلى قسمين: أحدهما: المقدمة وما يتبعها من كلام المعترض نفسه. فإن كلام يدل على جهل محض لا يخالطه شيء من العلم وعلى حمق لا يصحبه شيء من العقل الذي يرشد صاحبه إلى طلب الحق والهداية إليه. وأما القسم الثاني: وهو ما نقله عن بعض العلماء تحت هذه المباحث الثلاثة، وهي تعريف الاجتهاد، وجوازه، وما يجب على المجتهد فيه فإن كلام العلماء الذي نقله المعترض مثبت لبقاء الاجتهاد في هذه الأمة ووجود المجتهدين فيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن هذا الأحمق ومن قلدهم ضالون في زعمهم: انقطاع الاجتهاد بعد عصر الأئمة الأربعة مردود عليهم في ذلك من جميع المذاهب الأربعة. والغريب في أمر هذا المعترض أنه لا يعرف معاني ما ينقله من كلام العلماء، ويكفيه منه مجرد النقل عنهم مغالطاً مع تحريف كلامهم والتصرف فيه بالزيادة والنقصان، حتى إنه لا يفرق فيه بين ما هو حجة له أو عليه. فهو كالحمار يحمل أسفاراً. ومن ذلك ما نقله هنا عن صاحب "كشف الظنون" فإنه حجة عليه في طعنه على أئمة أهل الحديث وبيان لفساد فهمه وأنه ليس على شيء من العلم. قال المعترض: "قال في كشف الظنون: في حرف الجيم مع الميم: وإن من أصول فرض الكفاية علم أحاديث الرسول ﷺ ، وآثار أصحابه التي هي ثاني

стр. 283

أدلة الأحكام. وله أصول وأحكام وقواعد واصطلاحات ذكرها العلماء يحتاج طالبه إلى معرفتها، كالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم، ووقت وفاتهم، والعلم بصفات الرواة وشرائطهم، والعلم بمستند الرواة وإيرادهم ما سمعوه، وذكر مراتبه، والعلم بجواز نقل الحديث، والعلم بالمسند والعالي والنازل، والمرسل والمنقطع والموقوف، والمعضل، والعلم بالجرح والتعديل الخ ... والعلم بأقسام الصحيح والكذب، والغريب والحسن والمتواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ. وغير ذلك فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها. انتهى".

стр. 284

جهله بالأصول والقواعد والمصطلحات ... قال المعترض: "قلت: قوله إنها ثاني أدلة الأحكام، بناء على قاعدتهم: إذا تعارض حديثان في حكم يرجعون فيه إلى ما صح منهما عن الصحابة وهذه قاعدة إمامنا مالك ﵁ ترجيح ما عمل به أهل المدينة". أقول: انظر كيف خرج هذا الأحمق من كلام صاحب كشف الظنون بهذا الفهم والاستنباط العاطل، ولم يفهم معنى الكلام، وما ورد فيه من مراعاة هذه الأصول وما ذكر معها من الأحكام والقواعد، والمصطلحات التي يجب معرفتها واتقانها على من أراد أن يكون من حملة أحاديث الرسول ﵊ التي هي ثاني أدلة الأحكام بعد كتاب الله تعالى. فقد جهل هذا الملحد أن معرفة هذه الأصول يتوقف عليها مدار علم الحديث. وقد أتقنها أئمة أهل الحديث، واعتنوا بها غاية الاعتناء. لأنه لا يكون إماماً في الحديث من يجهل أصوله واصطلاحاته، كما زعمه هذا الملحد. ويكفيهم إجماع الأمة على إمامتهم، وصحة ما دونوه في كتبهم المشهورة بين المسلمين وفي مقدمتها: الصحيحان – البخاري ومسلم – وهما اللذان ينكر هذا الملحد العمل والفتوى بنصوصهما ولو يعلم المعترض ما تضمنه كلام صاحب "كشف الظنون" لما أورده هنا. فهو كما قلنا عنه آنفاً: كالحمار يحمل أسفاراً. فإن هذا الذي نقله عن صاحب "كشف الظنون" يلقمه حجراً، ويرد كيده في نحره، فيما زعمه من اتهامه أئمة أهل الحديث بالتسامح والتقصير، وأنهم لم يدونوا الأحاديث لأجل العمل بها، بل

стр. 285

لحفظها فقط. وقد فهم هذا الأحمق من كلام صاحب "كشف الظنون": أن آثار الصحابة ﵃ هي ثاني أدلة الأحكام. فقال: "قلت: إن قوله إنها ثاني أدلة الأحكام بناء على قاعدتهم، إلى آخر استنباطه" فما أحق هذا الأحمق بقول القائل: قصرت في الفهم، فاقصر في الكلام فما ... ذا عشك، ادرج، فما حبر كجاهله ثم إن المعترض نقل كلاماً ذكر أنه رآه في الفصل السادس من كتاب "الفلاكة والمفلوكون" ذكر في آخره كلاماً مستطاباً في الثناء على الأئمة المجتهدين، ورواة الحديث في الصدر الأول من هذه الأمة. وهذا مما يضيق له صدر هذا الملحد ولكنه ختمه بقوله: "إنه قد تقرر الإجماع على تقليد المذاهب الأربعة". ثم قال: "فانظر يا أخي أي برهان أوضح لذي بصيرة أنارها الله بالإيمان من اجتماع بضع وتسعين جزءاً من مائة جزء من المسلمين – وهم أهل السنة – على هذه المذاهب الأربعة من حين ظهورهم إلى الآن مع ما هم عليه من تباعد الأقطار واختلاف اللغات والعوائد والأخلاق، ولو أردت إحصاء ما ظهر في هذه القرون من هذه الأمم من كبار العلماء الشاهدة آثارهم على عظيم مقامهم وقوة اقتدارهم على الاجتهاد لو أرادوه لما استطعت ذلك". أقول: إن هذا المعترض قد أكثر من ترديد هذه الافتراءات على المسلمين وأهل السنة بأنهم مجمعون على تقليد الأئمة الأربعة، إلى آخر ما هذى به. وقد تقدم من كلام المعترض شيء كثير في هذا المعنى قد وفيناه حقه من الرد عليه. وربما بكون في ردنا هنا نوع تكرير. فما العمل؟ ونحن أمام أحمق مبطل، بضاعته تكرير الكلام وترويج الباطل. فنقول: قد تقدم قريباً كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الرافضي، حيث رمى أهل السنة بأنهم قد أحدثوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ ، ولا زمن أصحابه. وقال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى
следующие страницы →