← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إنكاره بقاء الاجتهاد في الأمة ... ثم قال المعترض: "الفصل الثالث في الاجتهاد، وفيه مقدمة ومباحث". أقول: قد تقدم أن المعترض قال: "ولنرجع إلى المقصود من هذه الرسالة، المسألة الأولى في الاجتهاد". فلم يذكر شيئاً مما يتعلق ببحث الاجتهاد، بل رجع إلى عادته في البهت وافتراء الكذب على الوهابيين وإخوانهم فقال: "إنهم يبيحون التعبد بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم فقط، وينكرون الإجماع الذي اتخذه علماؤنا أصلاً من الأصول التي تنبني عليها الأحكام. فإيضاحاً لفساد قولهم هذا: أتكلم إن شاء الله تعالى عن كل فرع منه على حدة" يعني من فروع الإجماع. ثم شرع في بيان الإجماع وفروعه، فقال: "الفصل الأول في الإجماع – إلى آخره" ثم ذكر الفصل الثاني في أسباب اختلاف الأئمة إلى آخره. وهو فرع من فروع الإجماع عند المعترض ثم قال "الفصل الثالث في الاجتهاد" وهو هذا الذي نحن بصدده. وظاهر هذا الترتيب وهذا التصرف من المعترض: أن الاجتهاد واختلاف الأئمة من فروع الإجماع. وهذا يكفي في سقوط المعترض عن درجة العقلاء، فضلاً عن العلماء. وقد نبهت فيما تقدم على أن هذا الملحد في حالة من الجهل والحمق لا يعرف معها الأصول من الفروع، ولا الفرق بينهما، بل هو أعمى مخلط. فمما يجب التنبيه عليه هنا: أن هذا المعترض ينكر بقاء الاجتهاد ووجود المجتهدين في هذه الأمة بعد عصر الأئمة الأربعة. وقد عقد هذه الترجمة للاجتهاد زاعماً: أنه يرد فيها على القائلين ببقائه، وقد سمى المعترض "الاجتهاد

стр. 282

بدعة في الدين" وذلك في أول رسالته هذه، وفي بدء مناقشته للأئمة الذين ذكرنا أسماءهم. فإن أول ما خاطبهم به مفتتحاً به رسالته قوله: "أما بعد أيها الإخوان المتلقبون بالمتنورين، أراكم تدعون الناس لبدعة الاجتهاد في الدين، وغيرها من البدع" إلى آخر ما هذى به. وقد استوفينا من الرد عليه ما فيه كفاية وذكرنا أقوال جميع علماء المذاهب الأربعة بأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات لا يجوز خلو عصر منه، وأن ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة. فأما ما ذكره المعترض هنا، تحت هذا الفصل من مقدمة ومباحث: فينقسم إلى قسمين: أحدهما: المقدمة وما يتبعها من كلام المعترض نفسه. فإن كلام يدل على جهل محض لا يخالطه شيء من العلم وعلى حمق لا يصحبه شيء من العقل الذي يرشد صاحبه إلى طلب الحق والهداية إليه. وأما القسم الثاني: وهو ما نقله عن بعض العلماء تحت هذه المباحث الثلاثة، وهي تعريف الاجتهاد، وجوازه، وما يجب على المجتهد فيه فإن كلام العلماء الذي نقله المعترض مثبت لبقاء الاجتهاد في هذه الأمة ووجود المجتهدين فيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن هذا الأحمق ومن قلدهم ضالون في زعمهم: انقطاع الاجتهاد بعد عصر الأئمة الأربعة مردود عليهم في ذلك من جميع المذاهب الأربعة. والغريب في أمر هذا المعترض أنه لا يعرف معاني ما ينقله من كلام العلماء، ويكفيه منه مجرد النقل عنهم مغالطاً مع تحريف كلامهم والتصرف فيه بالزيادة والنقصان، حتى إنه لا يفرق فيه بين ما هو حجة له أو عليه. فهو كالحمار يحمل أسفاراً. ومن ذلك ما نقله هنا عن صاحب "كشف الظنون" فإنه حجة عليه في طعنه على أئمة أهل الحديث وبيان لفساد فهمه وأنه ليس على شيء من العلم. قال المعترض: "قال في كشف الظنون: في حرف الجيم مع الميم: وإن من أصول فرض الكفاية علم أحاديث الرسول ﷺ ، وآثار أصحابه التي هي ثاني

стр. 283

أدلة الأحكام. وله أصول وأحكام وقواعد واصطلاحات ذكرها العلماء يحتاج طالبه إلى معرفتها، كالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم، ووقت وفاتهم، والعلم بصفات الرواة وشرائطهم، والعلم بمستند الرواة وإيرادهم ما سمعوه، وذكر مراتبه، والعلم بجواز نقل الحديث، والعلم بالمسند والعالي والنازل، والمرسل والمنقطع والموقوف، والمعضل، والعلم بالجرح والتعديل الخ ... والعلم بأقسام الصحيح والكذب، والغريب والحسن والمتواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ. وغير ذلك فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها. انتهى".

стр. 284

جهله بالأصول والقواعد والمصطلحات ... قال المعترض: "قلت: قوله إنها ثاني أدلة الأحكام، بناء على قاعدتهم: إذا تعارض حديثان في حكم يرجعون فيه إلى ما صح منهما عن الصحابة وهذه قاعدة إمامنا مالك ﵁ ترجيح ما عمل به أهل المدينة". أقول: انظر كيف خرج هذا الأحمق من كلام صاحب كشف الظنون بهذا الفهم والاستنباط العاطل، ولم يفهم معنى الكلام، وما ورد فيه من مراعاة هذه الأصول وما ذكر معها من الأحكام والقواعد، والمصطلحات التي يجب معرفتها واتقانها على من أراد أن يكون من حملة أحاديث الرسول ﵊ التي هي ثاني أدلة الأحكام بعد كتاب الله تعالى. فقد جهل هذا الملحد أن معرفة هذه الأصول يتوقف عليها مدار علم الحديث. وقد أتقنها أئمة أهل الحديث، واعتنوا بها غاية الاعتناء. لأنه لا يكون إماماً في الحديث من يجهل أصوله واصطلاحاته، كما زعمه هذا الملحد. ويكفيهم إجماع الأمة على إمامتهم، وصحة ما دونوه في كتبهم المشهورة بين المسلمين وفي مقدمتها: الصحيحان – البخاري ومسلم – وهما اللذان ينكر هذا الملحد العمل والفتوى بنصوصهما ولو يعلم المعترض ما تضمنه كلام صاحب "كشف الظنون" لما أورده هنا. فهو كما قلنا عنه آنفاً: كالحمار يحمل أسفاراً. فإن هذا الذي نقله عن صاحب "كشف الظنون" يلقمه حجراً، ويرد كيده في نحره، فيما زعمه من اتهامه أئمة أهل الحديث بالتسامح والتقصير، وأنهم لم يدونوا الأحاديث لأجل العمل بها، بل

стр. 285

لحفظها فقط. وقد فهم هذا الأحمق من كلام صاحب "كشف الظنون": أن آثار الصحابة ﵃ هي ثاني أدلة الأحكام. فقال: "قلت: إن قوله إنها ثاني أدلة الأحكام بناء على قاعدتهم، إلى آخر استنباطه" فما أحق هذا الأحمق بقول القائل: قصرت في الفهم، فاقصر في الكلام فما ... ذا عشك، ادرج، فما حبر كجاهله ثم إن المعترض نقل كلاماً ذكر أنه رآه في الفصل السادس من كتاب "الفلاكة والمفلوكون" ذكر في آخره كلاماً مستطاباً في الثناء على الأئمة المجتهدين، ورواة الحديث في الصدر الأول من هذه الأمة. وهذا مما يضيق له صدر هذا الملحد ولكنه ختمه بقوله: "إنه قد تقرر الإجماع على تقليد المذاهب الأربعة". ثم قال: "فانظر يا أخي أي برهان أوضح لذي بصيرة أنارها الله بالإيمان من اجتماع بضع وتسعين جزءاً من مائة جزء من المسلمين – وهم أهل السنة – على هذه المذاهب الأربعة من حين ظهورهم إلى الآن مع ما هم عليه من تباعد الأقطار واختلاف اللغات والعوائد والأخلاق، ولو أردت إحصاء ما ظهر في هذه القرون من هذه الأمم من كبار العلماء الشاهدة آثارهم على عظيم مقامهم وقوة اقتدارهم على الاجتهاد لو أرادوه لما استطعت ذلك". أقول: إن هذا المعترض قد أكثر من ترديد هذه الافتراءات على المسلمين وأهل السنة بأنهم مجمعون على تقليد الأئمة الأربعة، إلى آخر ما هذى به. وقد تقدم من كلام المعترض شيء كثير في هذا المعنى قد وفيناه حقه من الرد عليه. وربما بكون في ردنا هنا نوع تكرير. فما العمل؟ ونحن أمام أحمق مبطل، بضاعته تكرير الكلام وترويج الباطل. فنقول: قد تقدم قريباً كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الرافضي، حيث رمى أهل السنة بأنهم قد أحدثوا مذاهب أربعة، لم تكن في زمن النبي ﷺ ، ولا زمن أصحابه. وقال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى

стр. 286

في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" السادسة عشرة: قال النووي في الروضة تبعاً للرافعي: المنتسبون إلى مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك ثلاثة أصناف: أحدها: العوام. الثاني: البالغون رتبة الاجتهاد، واستعمال الأدلة، وترتيب بعضها على بعض. ووافق اجتهادهم اجتهاد. وإنما خالفوه أحياناً ولم يبالوا بالمخالفة. والصنف الثالث: المتوسطون. وهم الذين لا يبلغون رتبة الاجتهاد في أصل الشرع، لكنهم وقفوا على أصول الإمام في الأبواب وتمكنوا من قياس ما لم يجدوه منصوصاً له على ما نص عليه. وهؤلاء مقلدون له – ثم قال: السابعة عشرة: قال ابن قيم الجوزية في كتابه "ذم التقليد": أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تدريسه في مدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة: والمجتهد ليس منهم فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له. ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم فأتبع الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة، وينقاد للدليل أين كان. وكذلك أبو يوسف أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفته له. وكذلك الأثرم وطبقته من أصحاب أحمد ﵏ أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه. وعلى هذا: فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في الأمر نفسه. انتهى. قال السيوطي: وقد كنت أجبت بمثل هذا الجواب قبل أن أقف عليه لما قيل لي مثل ذلك في العام الماضي، واستندت إلى أن ابن الصلاح ولى تدريس الشافعية بالنظامية وهو موصوف بالاجتهاد المطلق وابن عبد السلام ولى تدريس الشافعية بالصالحية والظاهرية. وابن دقيق العيد ولى تدريس المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي وغيرها من المدارس الموقوفة على الشافعية. وكذلك السبكي والبلقيني كل قد ولى مدارس الشافعية، مع القطع بأنهم مجتهدون بقولهم وشهادة الناس لهم.

стр. 287

الثامنة عشرة: ذكر البلقيني في "تصحيح المنهاج" قال الماوردي في الأحكام السلطانية: إذا كان القاضي شافعياً لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها. وإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل به. وقال في الحاوي: إن القاضي المنتسب إلى مذهب الشافعي وأبي حنيفة لا يجوز له تقليد صاحب المذهب، بل يعمل على اجتهاد نفسه وإن خالف مذهب من اعتزى إليه. وقال بعض أصحابنا: إنه يحكم بمذهب صاحبه وأصول الشرع تنافيه، وكذا في "الذخائر" انتهى. فانظر إلى هؤلاء الأئمة كيف لم يستنكروا أن يكون الإنسان مجتهداً وهو مع ذلك ينتسب إلى الشافعي، أو أبي حنيفة أو غيرهما؟ وقال في موضع آخر: قال الغزالي في المنخول: الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة، لا ينكره منكر وعليه عول الصحابة ﵃ بعد أن استأثر الله برسوله ﷺ وتابعهم عليه التابعون إلى زماننا هذا – إلى أن قال:

стр. 288

ذكر جملة من العلماء المجتهدين ... السابعة والأربعون: قال الغزالي: فصل في التنصيص على مشاهير المجتهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم ولا خفاء بأمر الخلفاء الراشدين، إذ لا يصلح للإمة إلا مجتهد. وكذلك كل من أفتى في زمانهم كالعبادلة وزيد بن ثابت، وأصحاب الشورى، ومعاوية. والضابط عندنا: أن من علمنا قطعاً أنه تصدى للفتوى في أعصارهم، ولم يمتنع عها فهو من المجتهدين. ومن لم يتصد لها قطعاً فلا. ومن ترددنا في ذلك في حقه ترددنا في صفته. قال: وقد انقسمت الصحابة ﵃ إلى ممسكين لا يفتون بالعلم، وإلى معتنين به. وأصحاب العمل منهم لم يكن لهم منصب الفتوى والذين تعلموا وأفتوا فهم المفتون، ولا مطمع في عد آحادهم بعد ذكر الضابط وهو الضابط أيضاً في التابعين. هذا كلام الغزالي. وقال ألكيا الهراسي في تعليقه في الأصول ما نصه، فإن قيل: فاذكروا لنا المجتهدين ممن تقدم، قلنا: بدأ بالصدر الأول، فالخلفاء الأربعة مجتهدون وبعدهم أهل الشورى: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن

стр. 289

عوف، وسعد بن أبي وقاص، وبعدهم معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس ﵃ وكل من تصدى للفتوى. ونقلت عنه المذاهب من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين كالفقهاء السبعة، وابن سيرين. وقال ابن برهان: أما الصحابة فلا شك أن الفقهاء المشهورين منهم من أهل الاجتهاد وأساميهم معلومة في التواريخ، منهم العشرة، وابن مسعود، وعائشة، وابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وأنس وغيرهم. وأما التابعون: فقد اشتهر المجتهدون منهم كسعيد بن المسيب، والأوزاعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين الفقهاء السبعة. وقال الزركشي في البحر: قد عد ابن حزم في الأحكام فقهاء الصحابة فبلغ بهم مائة ونيفاً وهذا حيف. وقد قال الشيخ أبو إسحاق في طبقاته: أكثر الصحابة الملازمين للنبي ﷺ كانوا فقهاء مجتهدين. لأن طريق الفقهاء فهم خطاب الله وخطاب رسوله ﷺ وأفعاله. وقد كانوا عارفين بذلك لأن القرآن نزل بلغتهم وعلى أسباب عرفوها، وعلى قصص كانوا فيها فعرفوا منطوقه ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله. ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب "المجاز" لم ينقل أن أحداً من الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول الله ﷺ ، أي بلغتهم، يعرفون معناه، ويفهمون منطوقه وفحواه. وأفعاله هي التي فعلها من العبادات والمعاملات والسير والسياسات. وقد شاهدوا ذلك كله وعرفوه، وتكرر عليهم وتحروه. ولهذا قال النبي ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأبيهم اقتديتم اهتديتم". ولأن من نظر فيما نقلوه عن رسول الله ﷺ من أقواله، وتأمل ما وصفوه من أفعاله في العبادات وغيرها اضطر إلى العلم بفقههم وفضلهم. هذا كلام الشيخ أبي إسحاق. قال الزركشي في البحر: ولا يطمع في عد آحاد المجتهدين من الصحابة والتابعين لكثرتهم وعدم حصرهم. انتهى. وقد تقدم في كلام ابن حزم عند جماعة من المجتهدين فيهم كثرة، فلا

стр. 290

نطيل بإعادتهم. وقد عق الشيخ أبو إسحاق في طبقاته – وظهر كلامه في خطبته: أنه لم يذكر فيها سوى المجتهدين – فإن قال: هذا كتاب مختصر في ذكر الفقهاء لا يسع الفقيه جهله لحاجته إليه في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الإجماع، ويعتد به في الخلاف. وبدأت بفقهاء الصحابة ثم بمن بعدم من التابعين وتابعي التابعين، ثم بفقهاء الأمصار، ثم ذكر جملة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين والأئمة الأربعة. وجملة من أقرانهم وأتباعهم، وداود الظاهري وجملة من أتباعه. فظاهر صنعه: أن كل من ذكره في هذا الكتاب فهو مجتهد لأنه شرط في كتابه ذكر من يعتبر قوله في انعقاد الإجماع ويعتد به في الخلاف وهذا الوصف ليس إلا للمجتهد. وقال النووي في شرح المهذب: المزني وأبو ثور وأبو بكر بن المنذر أئمة مجتهدون. وهم منسوبون للشافعي. فأما المزني وأبو ثور: فصاحبان للشافعي حقيقة، وابن المنذر متأخر عنهما وقد صرح في المهذب في مواضع كثيرة بأن الثلاثة من أصحابنا أصحاب والوجوه. وجعل أقوالهم وجوهاً في المذهب. وتارة يشير إلى أنها ليست وجوهاً. وقد قال إمام الحرمين في باب ما ينقض الوضوء من النهاية: إذا انفرد المزني برأي فهو صاحب مذهب، وإذا خرج الشافعي قولاً: فتخريجه أولى من تخريج غيره. وهو يلتحق بالمذهب لا محالة. قال النووي: وهذا الذي قاله الإمام حسن لا شك في أنه متعين. وذكر النووي في شرح المهذب: أن حرملة له مذهب مستقل لنفسه. وفي طبقات ابن السبكي في ترجمة عبدان المروزي أحد الحفاظ قال: روى أبو بكر بن السمعاني بإسناده عن بعض المشائخ قال: اجتمع في عبدان أربعة أنواع من المناقب: الفقه والإسناد والورع والاجتهاد. وقال ابن الصلاح في ترجمة محمد بن نصر المروزي: ربما تذرع متذرع بكثرة اختياراته المخالفة لمذهب الشافعي إلى الإنكار على الجماعة العادين له في أصحابنا. وليس الأمر كذلك لأنه في هذا بمنزلة ابن خزيمة والمزني وأبي

стр. 291

ثور وغيرهم. ولقد كثرت اختياراتهم المخالفة لمذهب الشافعي ثم لم يخرجهم ذلك عن أن يكونوا في قبيل أصحاب الشافعي معدودين، وبوصف الاعتزاء إليه موصوفين. ووصف ابن السبكي في طبقاته الإمام أبا بكر ابن خزيمة بالاجتهاد المطلق. وذكر الذهبي وغيره في ترجمة الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري: أنه كان من المجتهدين لا يقلد أحداً، وله مذهب مستقل، وتصانيف على مذهبه، وأتباع مقلدون له، يفتون ويقضون بقوله. وأشار إلى ذلك النووي في تهذيب الأسماء واللغات ونقل فيه عن الرافعي: أنه قال: تفرد ابن جرير لا يعد وجهاً في مذهبنا وإن كان معدوداً في طبقات أصحاب الشافعي. وقال الذهبي في طبقات القراء، في ترجمة أبي عبيد القاسم بن سلام: كان يجتهد ولا يقلد أحداً. وقال ابن السبكي في الطبقات الوسطى، في ترجمة قاسم بن محمد بن سيار القرطبي: كان يذهب مذهب الحجة والنظر، وترك التقليد، ويميل إلى مذهب الشافعي يعني مع كونه من المنسوبين إلى أتباع الإمام مالك – ولكنه كان يترك التقليد، ويميل إلى مذهب الشافعي لأنه أداه اجتهاده إليه ثم قال: الوليد: لم يكن بالأندلس مثله في حسن النظر، والبصر بالحجة. وروى عن ابن عبد الحكم أنه قال: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم بن محمد. وقال الأسنوي في الطبقات في ترجمة ابن المنذر: كان أحد الأئمة الأعلام لم يقلد أحداً في آخر عمره. وقال الدارقطني في ترجمة شيخه القاضي أبي بكر أحمد بن كليل أحد أصحاب ابن جرير: كان يختار ولا يقلد أحداً. قيل له: أما كان جريري المذهب؟ يعنى على مذهب شيخه ابن جرير – فقال: بل خالفه، واختار لنفسه. وقال القرطبي في مختصر التمهيد في ترجمة الإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر: كان يرى الاجتهاد.

стр. 292

وقال الشيخ أبو إسحاق في ترجمة شيخه القاضي أبي الطيب: لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهاداً منه. وألف الشيخ الجويني كتاباً لم يلتزم فيه مذهب الشافعي واختار فيه أشياء مختلفة للمذهب. وكتب له البلقيني رسالة يقول فيها: الشيخ أهل لأن يجتهد ويتخير. ووصفه غير واحد بالاجتهاد ووصف الذهبي في طبقات الحفاظ: البغوي بالاجتهاد، وأشار البغوي نفسه إلى ذلك في خطبة التهذيب. وقال ابن السبكي في الطبقات: قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي: لم أدرك فيمن رأيت وحضرت من العلماء –على اختلاف مذاهبهم- من كملت له شرائط الاجتهاد المطلق إلا ثلاثة: أبو يعلى ابن الفراء، وأبو الفضل الهمداني القرطبي، وأبو نصر بن الصباغ. وادعى عبد الوهاب أحد أئمة المالكية الاجتهاد في كتابه "المقدمات" كما تقدم نقله عنه. وقال ابن السبكي في الطبقات الكبرى، في ترجمة إمام الحرمين: الإمام لا يتقيد بالأشعري، ولا بالشافعي، وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده. وقال الإمام ناصر الدين بن المنير في أول تفسيره في حق إمام الحرمين: له علو همة إلى مساواة المجتهدين. ووصفه بالحافظ سراج الدين القزويني في فهرسته بأنه المجتهد ابن المجتهد. وادعى الغزالي الاجتهاد في كتابه "المنقذ من الضلال" وأشار فيه إلى أنه المبعوث على رأس المائة الخامسة لتجديد الدين. وذكر الصلاح الصفدي في ترجمة ابن خزيز منداد، أحد أئمة المالكية: أن له اختيارات اختارها لنفسه خالف فيها أهل مذهبه، وهذا شأن المجتهدين. وقال أيضاً في ترجمة العلامة أبي عبد الله محمد بن الخيار العبدري القرطبي، صاحب التنبيهات على المدونة: إنه كان من أهل الحفظ والاستبجار،

стр. 293

ورأس قبل موته في النظر وترك التقليد، وأخذ بالحديث وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقال أيضاً في ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد بن علي المازري، أحد أئمة المالكية: أخبرت عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العبد أنه كان يقول: ما رأيت أعجب من هذا –يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد؟ وكانت وفاة المازري سنة ست وثلاثين وخمسمائة. ووصف الذهبي في طبقات الحفاظ القاضي أبا بكر بن العربي أحد أئمة المالكية بالاجتهاد المطلق. وكان أبو علي الحسن بن الخطير النعماني الفارسي، أحد أئمة الحنفية يقول: قد انتحلت مذهب أبي حنفية، وانتصرت له فيما وافق اجتهادي وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وذكر الحافظ أبو جعفر بن الزبير في تاريخ الأندلس في ترجمة القاضي أبي القاسم الطيب بن محمد المرسي: أنه كان ممن يتعاطى درجة الاجتهاد، كانت وفاته سنة ثمان عشرة وستمائة. وأشار ابن الصلاح إلى دعوى الاجتهاد. فإنه أفتى في صلاة الرغائب بأنها من البدع المنكرة. ثم بعد مدة صنف جزءاً في تقريرها وتحسين حالها، وإلحاقها بالبدع الحسنة، فشنع عليه الناس بأنه ناقض ما أفتى به أولاً فاعتذر عن ذلك بأنه تغير اجتهاده. وقال: الاجتهاد يختلف على ما قد عرف. قال أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" بعد حكاية كلامه: ونحن نأخذ باجتهاده الأول الموافق للدليل وفتوى غيره. ونرد اجتهاده الثاني المنفرد هو به. وقال الذهبي في العبر في ترجمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام: انتهت إليه معرفة المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد. ووصفه ابن السبكي في الطبقات بالاجتهاد المطلق.

стр. 294

وقال ابن كثير في تاريخه: كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام في آخر أمره لا يتقيد بالمذهب، بل اتسع نطاقه وأفتى بما أدى إليه اجتهاده. وقال الزركشي في شرح المنهاج: لم يختلف اثنان في أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد. ووصف الشيخ تاج الدين بن الفركاح وأبا شامة بالاجتهاد. وذكره السبكي في طبقاته، فقال في ترجمته: وكان يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. وأشار أبو شامة نفسه إلى ذلك في خطبته الكتاب"المؤمل في الرد إلى الأمر الأول". ومن تأمل صنع النووي في شرح المهذب عرف أنه بلغ رتبة الاجتهاد لا محالة، خصوصاً اختياراته الخارجة عن المذهب. فإن ذلك شأن المجتهد. وخرج الشيخ تاج الدين بن الفركاح بدعوى الاجتهاد لنفسه، فإنه ألف كتاباً سماه "الرخصة العميمة في أحكام الغنيمة" قرر فيه شيئاً خارجاً عن المذهب. وقال في آخره: هذا ما أدى إليه اجتهادي في هذه الأقوال على حسب هذه الأحوال بالاستنباط من كلام الرسول ﷺ ومغازيه. وأقوال العلماء. هذه عبارته. وما زلت في عجب مما كان بلغني من قول ابن الفركاح هذه المقالة. وكنت أقول: هذا شيء لا يعرف في المذهب، حتى رأيت كتابه وتصريحه فيه: بأنه قال ذلك اجتهاداً لنفسه لا نقلاً للمذهب، فانجلى ما كان في خاطري من ذلك. وقال أبو حيان في النضار، في ترجمة قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن علي بن يحيى المعروف بالشريف: كان يميل إلى الاجتهاد. وكانت وفاته سنة اثنتين وثمانين وستمائة. وادعى القاضي ناصر الدين بن المنير أحد أئمة المالكية –وهو رفيق ابن دقيق العيد- الاجتهاد. فقال في أول تفسيره: المقلد أعمى، والمخصوم أعشى، والمجتهد هو الذي يستبصر إن شاء الله، وقد شاء. فقوله: "وقد شاء" تصريح تدعواه إلى: وقد شاء الله إلى. وقال بعد ذلك: إن الإمام جمال الدين بن الحاجب كتب له إجازة بالفتوى. فكتب له فيها: إنه

стр. 295

أهل لذلك، وفوق الأهل لذلك فقيل له: وما فوق الأهل لذلك إلى أين المظهر فقال: الرتبة المصطلح عليها الآن في الفتيا: رتبة متوسطة بين التقليد والاجتهاد، وفوق ذلك: أعلى من الوسط. وكانت وفاته سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وذكر ابن فرحون في طبقات المالكية في ترجمة أخي ابن المثير هذا، واسمه علي: أنه كان يفضل على أخيه، وأنه كان ممن له أهلية الترجيح والاجتهاد في مذهب مالك وكانت وفاته سنة بضع وثمانين وستمائة. وعين المجتهدين في هذا العصر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد. قال في "الطالع السعيد" في ترجمة: ذي الباع الواسع في استنباط المسائل والأجوبة الشافعية لكل سائل- إلى أن قال: إن ذكر التفسير، فمحمد فيه محمود المذهب أو الحديث: فالقشيري صاحب الرقم المعلم والطراز المذهب، أو الفقه فأبو الفتح العزيز، والإمام الذي الاجتهاد إليه ينتسب- إلى أن قال: جعل وظيفة العلم والعمل له ملة، حتى قال بعض الفضلاء: من مائة سنة فقد الناس مثله. وكتب له: بقية المجتهدين وهذا بين يديه فأقر عليه ولا شك أنه من أهل الاجتهاد ولا ينازع في ذلك إلا من هو من أهل العناد، ومن تأمل كلامه عرف أنه أكثر تحقيقاً، وأمثل وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدم واتفق. ثم قال: حكى صاحبنا الفقيه الفاضل العدل علم الدين الأصفوني قال: ذكره شيخنا العلامة علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي، فأثنى عليه. فقلت: لكنه ادعى الاجتهاد. فسكت ساعة مفكراً. فقال: والله ما هو ببعيد. قال: وقال شيخنا أبو حيان: هو أشبه من رأيناه يميل إلى الاجتهاد. وهذا من أبي حيان غاية الإنصاف، فإنه كان بينه وبين ابن دقيق العيد وقفة مشهورة. وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس في ترجمته: كان حسن الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب. وقال ابن السبكي في الطبقات الكبرى: هو المجتهد المطلق. قال: ولم

стр. 296

ندرك أحداً من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، المشار إليه في الحديث النبوي ﷺ فإنه أستاذ زمانه علماً وديناً. وقال الصلاح الصفدي في تذكرته: لم تجتمع شروط الاجتهاد في عصر ابن دقيق العيد إلا فيه، وقال في تاريخ: وكان ابن دقيق العيد مجتهداً ثم نقل عنه أنه قال: طابق اجتهادي اجتهاد الشافعي، إلا في مسألتين إحداهما: أن الابن لا يزوج أمه، ولم يذكر الأخرى. وقال العلامة ركن الدين بن القويع من قصيدة يمدح بها ابن دقيق العيد: إلى صدر الأئمة باتفاق ... وقدوة كل حبر ألْمَعِيٍّ ومن بالاجتهاد غدا فريدا ... وحاز الفضل بالقدم العلي وقال الكمال الإدفوي: أخبرني الشيخ نجم الدين القمولي: أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد أعطاه دراهم، ,أمره أن يشتري بها ورقاً ويجلده أبيض. قال: ففعلت ذلك، وكان عدد الكراريس خمسة وعشرين كراساً فصنف تصنيفاً. وقال: إنه لا يظهر في حياته. قال ابن النقاش: يذكر أن ذلك الكتاب اسمه "التسديد في ذم التقليد" وذكروا: أن ابن عدلان أخذه إليه واختص به. قال: ولعمري إن هذا الكتاب لفرد في معناه، فذ في جلالته ومبناه. وذكر الحافظ ابن حجر في خطبة كتابه"تغليق التعليق" أنه كان مجتهد الوقت. وكان في هذا العصر الإمام نجم الدين بن الرفعة، وله أهلية الاجتهاد والترجيح في المذهب ومات سنة عشر وسبعمائة. وذكر الذهبي في ترجمة الكمال ابن الزملكاني: أنه كان عالم العصر، وكان بقية المجتهدين. ونقل ذلك ابن السبكي في الطبقات. وكانت وفاته سنة سبع وعشرين وسبعمائة. وفي هذا العصر: شيخ الإسلام العلامة تقي الدين بن تيمية رحمه الله

стр. 297

تعالى، وصفه غير واحد بالاجتهاد، منهم الشيخ ولي الدين العراقي في فتاويه. وفيه أيضاً شيخ الإسلام تقي الدين السبكي وصفه غير واحد بالاجتهاد في زمنه، وبعده منهم: ولده الشيخ تاج الدين في الترشيح وفي الطبقات. وبعده ولده الشيخ تاج الدين المذكور، أشار إلى دعوى الاجتهاد في بعض تصانيفه، وقال في كتابه"جمع الجوامع": لما تكلم على مسألة خلو الزمان عن مجتهد. فقال: والمختار أنه لم يثبت وقوعه, فهذا تصريح منه بأن الزمان إلى حين عصره ما خلا عن مجتهد، وفي عصره: شيخ الشافعية جمال الدين الأسنوي كانت له أهلية الاجتهاد في المذهب ترجيحاً وتخريجاً، والعلامة شمس الدين محمد يوسف القونوي الحنفي فإن لاحافظ ابن حجر قال في ترجمته: صار له في ’خر أمره اختيارات تخالف المذاهب الأربعة، لما يظهر له من دليل الحديث. وبعده شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وصفه غير واحد بالاجتهاد، منهم ولده. قال في ترجمته: منحه الله درجتي الاجتهاد والإطلاق، فتمكن من استخراج الأحكام بالاستنباط من الدليل. وبعده: مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس، ادعى الاجتهاد، وصنف في ذلك كتاباً سماه "الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد" وكانت وفاته في شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة والحمد لله وحده، انتهى. وقال السيوطي: أيضاً في موضع آخر من الكتاب المذكور "الباب الثالث" في ذكر من حدث على الاجتهاد وأمر به، وذم التقليد ونهى عنه. اعلم أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد، ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه. وقد صنف جماعة لا يحصون في ذم التقليد. فمن صنف في ذلك: المزني صاحب الإمام الشافعي ألف كتاب"فساد التقليد" نقل عنه ابن عبد البر في كتاب"العلم"، والزركشي في "البحر"، ولم أقف عليه. وألف ابن حزم ثالثة كتب في إبطال التقليد، وقفت عليها، وألف ابن عبد البر كتاب العلم في ذلك، وقفت عليه، وألف أبو شامة في ذلك كتابه المسمى"خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول" وقفت عليه، وألف ابن دقيق العيد كتاب "التسديد في ذم التقليد" لم أقف عليه، وألف ابن قيم الجوزية كتاباً في ذم

стр. 298

التقليد، وقفت على كراسين منه، وألف المجد الشيرازي صاحب القاموس كتاب "الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد" انتهى كلام السيوطي. قال العلامة الشيخ أبو الخير نور الحسن بن أبي الطيب صديق بن حسن رحمهما الله في "الطريق المثلى" دل كلام المحققين من أهل الفروع دلالة أوضح من شمس النهار على أن التقليد لا يجوز لرجل قد بلغ رتبة الاجتهاد لمجتهد مثله أو أعلم منه، وقد عرفوا ما وقع في كتب الأصول: أن علوم الاجتهاد خمسة من عرفها على الصفة التي بينها أهل هذا الشأن وأوضحها أهل التأليف في ذلك صار مجتهداً. فكيف بمن عرفها وعرف زيادة عليها، كما نعرفه من جماعة قريبة من علماء العصر، من يعرف هذه العلوم كما ينبغي. فإن الله – وله الحمد والمنة- قد أوجد في قرب عصرنا هذا –فضلاً عمن تقدم- كثيراً من العلماء القائمين بعلوم الاجتهاد، على الوجه المعتبر، بل عرفت فيمن أدركته من شيوخ مشايخي رحمهم الله تعالى والمعاصرين لهم من لديه من كل علم من العلوم الخمسة التي ذكرها أهل الأصول أضعاف ما اعتبره من كل واحد منها. بل ومنهم – كالعلامة الشوكاني، ومن حذا حذوه من علماء السنة الكائنين بالقطر اليماني، ومن سلك مسلكهم من بعدهم بالتوفيق الرباني – من يعرف علوماً أخرى غير تلك العلوم، يقر بهذا ولا ينكره، ويعترف به ولا يجحده، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أولو الفضل. انتهى. وهذا ما وسع المقام نقله من كلام أئمة أهل السنة قديماً وحديثاً في وجود المجتهدين في هذه الأمة، قبل عصر الأئمة الأربعة وفي عصرهم ومن بعد عصرهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات لا يجوز خلو عصر منه وأن ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة. فدعوى هذا المعترض إجماع الأمة على التقليد الأئمة الأربعة: دعوى مكابر معاند، سالك غير سبيل المؤمنين، خصوصاً ما آل إليه التقليد في هذه الأزمنة المتأخرة من هجرة الكتاب والسنة، وعدم الالتفات إليهما. أعاذنا الله من ذلك.

стр. 299

افتراؤه بوجود أولياء كانوا يتلقون الشريعة من ذات صاحبها ﵇ بدون واسطة ... وأما قوله: "وقد تجد منهم عدداً وافراً من الأولياء الذين كانوا يتلقون الشريعة من ذات صاحبها ﵊، الذي لا خلاف بحياته. ولا تجد واحداً منهم غير متقيد بأحد الأئمة الأربعة - إلى آخر ما هذى به". فأقول: إن تبجح هذا الملحد بهذا الزور والكفر، ودعواه أن هناك عدداً وافراً من الأولياء يتلقون الشريعة من ذات صاحبها ﵊ بعد وفاته، ومن دون واسطة، ومع حصولهم على هذه الكرامة فإنهم لم يتقيدوا بما تلقوه عن صاحب الشريعة. قال: "بل لا تجد واحداً منهم غير متقيد بأحد الأئمة الأربعة" وهذا قول باطل منكر وزور وبهتان من جهة تلقي الشريعة من ذات صاحبها، بعد وفاته ﷺ . وقد ادعى هذه الدعوى من أغواهم الشيطان وزين لهم سوء أعمالهم وأحوالهم ممن غلبت عليهم الزندقة والمروق من الدين جملة. فإن هؤلاء من أولياء الشيطان، وإن زعم هذا الملحد وحزبه الأخسرون أنهم من أولياء الرحمن. وهذا الملحد وشيخه دحلان من جنود الشيطان يبثون الإلحاد بين العباد، ويروجون هذه الضلالات الكفرية بينهم، ويكذبون أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله ﷺ ، ويتنقصون الصحابة ﵃، ويبخسونهم حقهم في أفضليتهم لهذه الأمة المحمدية. إذ يزعم هؤلاء الملاحدة أن الحياة البرزخية كالحياة الدنيوية وأن ما يجوز طلبه من الأحياء يجوز طلبه من الأموات لأنهم أحياء في قبورهم، حياة يتصرفون فيها كتصرفهم في حياتهم الدنيوية. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر، الآية:٢٢] ويقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر، الآية:٣٠] يعني أنكم ببشريتكم تموتون موتة واحدة. ويقول تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] ويقول تعالى عن نبيه ورسوله عيسى ﵇: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة، الآية: ١١٧] وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وروى

стр. 300

البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه، قال:ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر ﵁: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا، وكثر اللغط فقال: قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه". وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا الفرائض والقرآن، وعلموا الناس فإني مقبوض". وفي أحاديث الحوض الذي أكرم الله به نبيه ﷺ ما رواه البخاري، وفيه: "ليردن علي ناس من أصحابي، حتى إذا عرفتم اختلجوا دوني. فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك". ورواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ وفيه: "يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم". قال أبو حاتم: فسمعني النعمان بن عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته وهو يزيد فيه: "فأقول: إنهم من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي". وفي هذه النصوص من الكتاب والسنة: ما يغني عن الإطالة في بيان الأدلة على ضلال هؤلاء المارقين من الدين من زنادقة هذه الأمة، الذين يزعمون أن أولياءهم الكذبة الدجالين يتلقون الشريعة من الرسول بعد موته. ولو أن الله تعالى قد قضى بإعطاء مثل هذه الكرامة لأحد من هذه الأمة المحمدية ما كان أحد أحق بها من أصحاب نبيه ﷺ لأنهم خيار هذه الأمة، وأكرمها على الله، فقد اختار الله لصحبة نبيه وشرفهم بها وأنزل عليه الكتاب يتلى عليهم، وفيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة، الآية: ٣] وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات

стр. 301

تجري من تحتها الأنهار. وفيهم الخلفاء الأربعة، وفيهم عترته وأهل بيته وفيهم المشهود لهم بالجنة، وفيهم الذين غفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، وهم الذين لو أنفق أحدنا من بعدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. وقد حدث بينهم الاختلاف في أمور كثيرة، منها خلاف علي وفاطمة مع أبي بكر في ميراثهما من رسول الله، بل اختلفوا والرسول ﷺ مسجى بين أظهرهم قبل دفنه وبعده فيما تدعو الحاجة – بل الضرورة – إلى بيانه من ذاته الشريفة عليه أفضل الصلاة والسلام. فيما منهم من أحد جاء إلى قبره ﷺ يسأله، كما كانوا يسألونه في حال حياته لأنهم يعلمون بأنه لا يستوي الأحياء ولا الأموات، ولم يطمع الشيطان في أحد منهم، أو ممن بعدهم من القرون المفضلة، فيتمثل لهم أو يسمعهم من الكلام ما يغويهم به، كما أغوى هؤلاء الملاحدة من متأخري هذه الأمة، الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فقد ادعى هؤلاء الزنادقة المحال، وكذبوا المعقول والمنقول، قاتلهم الله أنى يؤفكون. ثم إن المعترض أورد إشكالين، ثم أجاب عنهما من عنده، فالأصل والجواب كله جهل في جهل، وظلمات بعضها فوق بعض، يستحقان الترك والسخرية بصاحبهما.

стр. 302

اعتباره التلفيق أصلا في الشريعة ... قال المعترض: "البحث الرابع: في التلفيق". ثم نقل تحت هذه الترجمة أقوالاً عن بعض العلماء جرى فيها على عادته من الجهل والتخليط. وقد سمى الأخذ بما دلت عليه الأحاديث التي في صحيح البخاري تلفيقاً جازاه الله بما يستحقه. ونحن لا يهمنا من بحث المعترض هذا شيء لأنه بحث مخترع، هو التلفيق بعينه، لأننا لا نعلم للتلفيق أصلاً في الشريعة، ولم ينقل فيه شيء عن الصحابة ﵃، ولا التابعين لهم من القرون المفضلة، ولم يذكروا الأئمة الأربعة ولا أصحابهم. وإنما هو من اختراع المتعصبين للتقليد الأعمى من متأخري جهلة هذه الأمة فإنهم يسمون من يطلب الدليل على مسائل الدين من الكتاب والسنة: ملفقاً. بل يسمون من قلد من قال

стр. 303

بهما من الأئمة ملفقاً لأنه لم يتقيد عندهم بتقليد إمام واحد من الأئمة الأربعة، ويجعله بمنزلة الرسول ﷺ في تجريد الإتباع له. وهذا من محدثات الأمور التي حذر النبي ﷺ أمته عنها، فقال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". نقول: فأي بدعة أقبح مما بلغه التقليد اليوم من الغلو الذي أبطل العمل بنصوص الكتاب والسنة عند هؤلاء المتعصبين للتقيد الأعمى؟ انظر إلى ما يقوله الملحد مختار فيما سبق قريباً في رسالته هذه. قال: "ومع هذا فأخبرونا: متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ " يعني من كتب الحديث. قاتله الله أنى يؤفك هذا المفتري الضال. ثم قال الملحد: "البحث الخامس في ترجمة الأئمة الأربعة" فأخذ يتهوس بكلام من عنده في حق الأئمة الأربعة هم في غنى عنه لأنه يتقول على الله بغير علم. إذ جزم هذا الملحد على الله: بأنه سبق في علمه أن يكون الأئمة الأربعة واسطة تدوين شريعته، وحفظ دينه. رشحهم لذلك كترشيح الأنبياء والرسل- إلى آخر ما هذى به من فضول الكلام، الذي ليس له صلة بترجمة الأئمة الأربعة. فقد ترك من ترجمتهم ما هو اللائق بهم ذكره من إخلاصهم العبادة لله تعالى، والزهد في الدنيا، وطلب الآخرة، مع ما أعطاهم الله من الفهم والفقه في علوم الشريعة، وتجريد الاتباع لصاحبها ﵊، حيث استحقوا أن يسموا بذلك أئمة يقتدى بهم إلى منهج المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. فأما ما يدعيه هذا الملحد من الغلو في تقليدهم: فكله جهل وخوض في دين الله بغير علم. قد نهى الأئمة الأربعة عنه، وأغلظوا القول فيه، والتحذير منه. فقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إنما أنا بشر، أصيب وأخطئ،

стр. 304

فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة" وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأبو يوسف: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه" وقال أبو حنيفة أيضاً: "هذا رأي فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه" وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" وقال: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط" وقال: "إذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فإني أقول بها" وقال أبو داود: قلت لأحمد: "الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ فقال: لا يتقلد دينك أحداً من هؤلاء. ما جاء عن النبي ﷺ فخذ به، ثم التابعين بعد الرجل مخير" وقال الإمام أحمد أيضاً: "لاتقلدني ولاتقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذنا". وقال: "من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال" وقد قدمنا من نصوص الأئمة من جميع المذاهب في هذا المعنى ما فيه كفاية. وأما زعمه هذا الملحد – بل جزم به على الله تعالى – وهو: "أنه تعالى وكل حفظ دينه إلى الأئمة الأربعة، دون غيرهم" فهذا قول لم يقله غيره ممن سبقه من هذه الأمة، بل قد أعلمنا الله في كتابه الكريم المنزل على سيد المرسلين محمد ﷺ أنه تعالى وحده الحافظ لدينه. حيث يقول جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر، الآية: ٩] وقد أخذ الله تعالى الميثاق على الذين أتوا الكتاب ليبينه للناس، ولا يكتمونه. فالأمة كلها مأمورة بحفظ هذا الدين والجهاد في سبيله وليس هذا الأمر محصوراً في أشخاص من هذه الأمة دون غيرهم، كما خص الرسل والأنبياء بالقيام بأعباء ما كلفوا به من أداء النبوة الرسالة. فهذا الغبي الأحمق لا يمنعه مانع من القول على الله بغير علم. وأما إهماله ذكر ترجمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى فلأنه من أئمة أهل الحديث، فليس بمستنكر من الحاج مختار إهماله لترجمة الصديق الثاني الإمام أحمد ﵁.

стр. 305

قال الأحمق: "فإن قيل: إن القائلين بجواز الاجتهاد لا يعنون المعاني التي ذهبتهم إليها، ولا يقولون بالخروج عن الإجماع، ولا غاية لهم إلا العمل بالكتاب والسنة، هم لما سمعوا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ أنه ما جعل في الدين من حرج، وأن شريعتنا سمحاء، لا عذر لأحد في تنكبها، ورأوا الأئمة الأربعة أخذوا الأمة بالشدة والحرج، حتى اضطر كثير من الناس لترك فروض لا عذر لهم في تركها، إلا ما في أدائها من الحرج. ورأوا أئمة الحديث الذي أجمعت الأمة أيضاً على صحة ما دونوه في كتبهم نقلوا أحاديث تخرج الأمة من الحرج. قالوا: أي بأس علينا، وأي خلل في ديننا إذا رجحنا قولاً في مسألة. رواه البخاري مثلاً على قول رواه أبو حنيفة في تلك المسألة، فخرجنا برواية البخاري من الحرج الذي أخذنا به أبو حنيفة، ولم نخرج بذلك عن شرع الشارع، ولا عن إجماع الأمة. ونكون قطعنا عذرا من يعتذر من الحرج؟ فهذا مذهبنا. وهذا ما ندين الله به وما أساء ظنكم بنا إلا عدم التفاهم". أقول: إن هذا الجاهل الأحمق معجب بنفسه، متماد في غيه. فهو يهذي بما لا يدري. فقد افترى على من يقولون بجواز الاجتهاد، كما يعبر عنهم. فإنهم لم يقولوا في حق الأئمة الأربعة إ، هم أخذوا الأمة بالشدة والحرج ... إلى آخر ما قال. فإن هذه التهمة لا يسندها إلى الأئمة الأربعة إلا عدو للإسلام ولأئمته ﵃. فقد جني هذا الملحد على الأئمة الأربعة، ورماهم بما يبرأون منه وممن قاله في حقهم. بل هم فيما يختلفون فيه من فروع الشريعة، وما يستنبطونه من أحكامها يوسعون على الأمة لا يضيقون عليها. عليها. وهم مع ذلك يأمرون بإتباع الكتاب والسنة وينهون عن تقليدهم وتقليد غيرهم كما تقدم ذكره في ردنا هذا. وإن هذا الملحد ليدل قوله على أنه من المتلاعبين، الذين اتخذوا الهوى لهم إلها، والشيطان لهم ولياً. فهو يظن أن الناس مثله، يتتبعون من الدين ما وافق هواهم، ويتلاعبون به كما يتلاعب. ونبرأ إلى الله منه ومن قوله وندين من

стр. 306

قلوب مخلصة: أنه لن يؤمن أحدنا حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به رسول الله كما ورد عنه ﷺ . وأما حجة القائلين ببقاء الاجتهاد في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فليست هي اتهام الأئمة الأربعة بأخذ الأمة بالشدة والحرج، حتى يضطر كثير من الناس لترك فروض لا عذر لهم في تركها إلى ما في أدائها من الحرج، كما يقوله هذا الأحمق سبحانك هذا بهتان عظيم. بل حجتهم هي: اتفاق الأئمة من كل مذهب على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات لا يجوز خلو عصر منه، وأن ترك الاجتهاد مؤد إلى إبطال الشريعة. وهذا الاتفاق المجمع عليه منهم استناداً إلى عمل الصحابة ﵃، وإجازة النبي ﷺ فيه، ثم العمل على ذلك من بعدهم في القرون المفضلة، واتفاق الأئمة الأربعة عليه، لنهيهم عن تقليدهم وتقليد غيرهم. وقد تقدم بحث الاجتهاد فيما مضى من ردنا هذا ونقلنا من أقوال الأئمة في كل مذهب الاتفاق على باء الاجتهاد في هذه الأمة ما أغنى عن إعادته هنا. وقد أقر الملحد هنا بأن الأمة أجمعت على صحة ما دونه أئمة الحديث في كتبهم من أحاديث رسول الله ﷺ . وهذا الإقرار –بعدما تقدم منه من الطعن في أئمة أهل الحديث، وما قاله فيهم، وإنكاره أخذ الأحكام من أحاديث رسول الله ﷺ وقوله: "إن ترجيح الر اجح من نصوص الأحاديث لا يفيد إلا ظناً، يعد الأخذ به زندقة لا إسلامية، قال: وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بياناً ولا إشارة تهديكم إلى الصواب" وهنا يقرن الملحد بين حديث رواه البخاري وبين قول قاله أبو حنيفة، منكراً على من يقدم رواية البخاري على قول أبي حنيفة، وهكذا هذا الملحد هائم في ظلمات كفره وجهلة. وأما قوله: "فالجواب أن في هذا التعليل أنواع مغالطات ... إلى آخر ما قال".

стр. 307

فجوابنا عنه: أن نقول هذا التعليل والمغالطات والجواب عنها من الملحد بدأ وإليه يعود، وقد رد على نفسه بنفسه.

стр. 308

ادعاؤه أن الاختلاف هو عين الرحمة والرد عليه من الكتاب والسنة وكلام العلماء ... وأما قوله: "ولا خلاف بين المسلمين أن اختلاف الأئمة في الفروع هو عين الرحمة". فنقول: إن الاختلاف في الدين – من حيث هو – عذاب لا رحمة، إلا ما كان لإظهار الحق والرجوع إليه مع من كان، لا ما هو واقع بين كثير من الناس من التحزب والتعصب للمذاهب. وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود، الآيتان: ١١٨ – ١١٩] ، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران، الآية: ١٠٥] وقال تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام، الآية: ١٥٣] وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم، الآيتان: ٣١ -٣٢] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه ﵃ والتابعين لهم في ذم الاختلاف في الدين والنهي عنه ما لا يحصر. قال الإمام البغوي ﵀ في تفسيره على قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود، الآيتان: ١١٨ – ١١٩] معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق فهم لا يختلفون – إلى أن قال – وقال الفراء: خلف أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. ومحصول الآية: أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق الله أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. انتهى. وفي كتاب "الإبانة" عن شريعة الفرقة الناجية لأبي عبد الله بن بطة قال: حدثنا أبو حفص عمر الحافظ قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن طلحة عن ابن

стр. 309

عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام، الآية: ٦٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران، الآية: ٧] وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام، الآية: ١٥٣] ، وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى، الآية:١٣] ، وقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء، الآية:١٤٠] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ [الأنعام، الآية:١٩٥] الآية، وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران، الآية: ١٠٥] وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الانبياء، الآية: ٩٣] ونحو هذا في القرآن كثير. قال ابن عباس ﵄: "أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة. وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله " انتهى. وقال الإمام يوسف بن عبد البر ﵀ في كتابه "جامع بيان العلم" باب ذكر الدليل في أقاويل السلف ﵃ على أن الاختلاف خطأ وصواب، يلزم طلب الحجة عنده – ثم ذكر ما خطأ فيه بعضهم بعضاً، وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم، وذكر معنى قوله ﷺ "أصحابي كالنجوم" – ثم روى عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: " إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل، فقال: كذب. حدثني أبي بن كعب عن النبي ﷺ – فذكر الحديث بطوله" قال أبو عمر: قد رد أبو بكر ﵁ قول الصحابة في الردة. وقال: "والله لو منعوني عقالاً – أو قال عناقاً – مما أعطوه رسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه" ثم أطال رحمه الله تعالى في ذكر ما ورد عن الصحابة والتابعين في هذا الباب – إلى أن قال: قال أبو عمر: هذا كثير في كتب العلماء. وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ لا يكاد يحيط به كتاب، فضلاً عن أن يجمع في باب وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا. وفي رجوع أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب. ولولا ذلك كان يقول كل واحد منهم: جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا،

стр. 310

وكلانا نجم يهتدى به، فلا علينا شيء من اختلافنا. قال أبو عمر: والصواب مما اختلف فيه وتدافع: وجه واحد. ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضاً في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم. والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً. وقد أحسن القائل: إثبات ضدين معاً في حال ... أقبح ما يأتي من المحال ومن تدبر رجوع عمر إلى قول معاذ ﵄ في المرأة الحامل، وقوله" لولا معاذ هلك عمر" علم صحة ما قلنا. وكذلك رجع عثمان في مثلها إلى قول علي ﵄-وأطال في ذلك إلى أن قال- وروى عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال: "لو كانت الأهواء كلها واحد لقال القائل: لعل الحق فيه. فلما تشعبت وتفرقت عرف كل ذي عقل أن الحق لا نفرق" وعن مجاهد: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود، الآية: ١١٨] قال: أهل الباطل: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود، الآية: ١١٩] قال: أهل الحق، ليس بينهم اختلاف. وقال أشهب: سمعت مالكاً يقول: ما الحق إلا واحد قولان مختلفان لا يكونان صواباً جميعاً. ما الحق والصواب إلا واحد. قال أشهب: وبه يقول الليث. قال أبو عمر: الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة: إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجة في قوله. قال المازني رحمه الله تعالى: يقال لمن جوز الاختلاف، وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة فقال أحدهما: حلال، والآخر حرام. فقد أدى كل واحد منهما جهده وما كلف. وهو في اجتهاده مصيب الحق: أبأصل قلت هذا، أم بقياس؟ وإن قال: بأصل، قيل له: كيف يكون أصلاً والكتاب أصل ينفي الخلاف؟ وإن قال: بقياس. قيل له: كيف تكون أصلاً والكتاب أصل ينفي الخلاف؟ وإن قال: بقياس. قيل له: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف. ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل، فضلاً عن عالم. ويقال له: أليس إذا ثبت حديثان مختلفان عن رسول الله ﷺ في معنى واحد أحله أحدهما وحرمه الآخر؟

стр. 311

وفي كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ دليل على إثبات أحدهما ونفي الآخر. أليس يثبت الذي يثبته الدليل، ويبطل الآخر، ويبطل الحكم به؟ فإن خفي الدليل على أحدهما، وأشكل الأمر فيهما وجب الوقوف؟ فإذا قال: نعم، ولا بد من نعم، وإلا خالف جماعة العلماء. قيل: فلم لا تصنع هذا برأي العالمين المختلفين فتثبت ما يثبته الدليل وتبطل ما أبطله الدليل؟ قال أبو عمر: ما ألزمه المزني عندي لازم. فلذلك ذكرته وأضفته إلى قائله لأنه يقال: من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله. وهذا باب يتسع فيه القول وقد جمع الفقهاء من أهل النظر في هذا وطولوا. وفيما لوحنا مقنع، ونصاب كاف لمن فهمه وأنصف نفسه، ولم يخادعها بتقليد الرجال. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: لأصحابنا من رد بعضهم لقول بعض بدليل وبغير دليل شيء لا يكاد يحصى كثرة. ولو تقصيته لقام منه كتاب أكبر من كتابنا هذا. ولكني رأيت القصد إلى ما يلزم أولى وأوجب، فاقتصرنا على الحجة عندنا وبالله عصمتنا وتوفيقنا، وهو نعم المولى ونعم المستعان، انتهى مختصراً. وفيما ذكرته كفاية لرد قول الملحد الأحمق المتخبط في دين الله، والقائل عليه ما لا يعلم. قال المعترض: "قال الشيخ عبد الغني النابلسي في المقصد الأول من كتابه خلاصة التحقيق، قال والدي ﵀ في شرحه على شرح الدرر: روى البيهقي في المدخل بسنده عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحد في تركه. فإن لم يكن في كتاب الله فسنة ماضية فإن لم تكن سنة مني فبما قال أصحابي. إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة". والجواب: أن ما نقله المعترض هنا من رواية البيهقي عن ابن عباس ﵄ حجة على فساد التقليد لنص رسول الله ﷺ فيه. وهو أن العمل

стр. 312

بكتاب الله تعالى وبسنته ﷺ لا عذر لأحد في تركه. فإن لم يكن في الكتاب ولا في السنة فبما قال أصحابه ﵃. وهذا هو الذي يعيبه علينا المعترض وينكر علينا الأخذ بأحاديث رسول الله، ويزعم أننا باتباعها والعمل بها ملفقون، ويلزمنا بتقليد أحد الأئمة الأربعة في كل شيء دون جميع الصحابة والتابعين. وقد أورد المعترض هذا الحديث وهو لا يفهم معناه ولا يدري إن كان هو حجة له أو عليه. ولست أقول: إنه مغالط، حاشا المغالطين أن ينحدروا إلى هذه الدركة من الغفلة والبلاهة. وأما قوله: "فبما قال أصحابي". فقد قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر رحمه الله تعالى في كتاب "جامع بيان العلم" قال المزني رحمه الله تعالى في قول رسول الله ﷺ : "أصحابي كالنجوم" قال: إن صح هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم، فلو كان عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضاً، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه، فتدبر. وعن محمد بن أيوب الرقي قال: قال لنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، سألتهم عما يروى عن النبي ﷺ مما في أيدي العامة – يروونه عن النبي ﷺ – أنه قال: "إنما مثل أصحابي كمثل النجوم، أو أصحابي كالنجوم، فبأيها اقتدوا اهتدوا" قالوا: هذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ . رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وبما رواه عبد الرحيم عن أبيه عن ابن عمر، وإنما أتى ضعف الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد، لأهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه. والكلام أيضاً منكر عن النبي ﷺ . وقد روي عن النبي ﷺ بإسناد صحيح "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فعضوا عليها بالنواجذ" وهذا الكلام يعارض حديث عبد الرحيم لو ثبت، فكيف ولم يثبت؟ والنبي ﷺ لا يبيح

стр. 313

الاختلاف بعده من أصحابه والله أعلم. هذا آخر كلام البزار. قال أبو عمر: قد روى أبو شهاب الحناط عن أبي حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم" وهذا إسناد لا يصح، ولا يرويه عن نافع من يحتج به. وليس كلام البزار بصحيح على كل حال لأن الاقتداء بأصحاب النبي ﷺ منفردين، إنما هو لمن جهل ما يسأل عنه ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له. ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض إذا تأولوا تأويلاً سائغاً جائزاً ممكناً في الأصول. وإنما كل واحد منهم نجم جائز أن يقتدي به العامي الجاهل، بمعنى ما يحتاج إليه من دينه. وكذلك سائر العلماء مع العامة. والله أعلم. وقد روى في هذا الحديث إسناد غير ما ذكر البزار عن سلام بن سليم، قال حدثنا الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" قال أبو عمر: هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن غصين مجهول. وعن الحكم بن عتيبة قال: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ " وعن ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "ليس أحد من خلق الله إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ " وعن عبد الله بن وهب قال: سمعت سفيان يحدث عن عبد الكريم عن مجاهد أنه قال: "ليس أحد بعد رسول الله ﷺ إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك" وعن يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن عيينة عن عبد الكريم عن مجاهد مثله. وعن حسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الكريم عن مجاهد مثله أيضاً. قال أبو عمر: وافق الحسن الزعفراني ويونس بن عبد الأعلى: ابن وهب في إسناد هذا الحديث، وخالفهم ابن أبي عمر، وكلام الحديثين صحيح إن شاء الله، وجائز أن يكون عند ابن عيينة هذا الحديث عن عبد الكريم الجزري وابن أبي نجيح جميعاً عن مجاهد. وعن خالد بن الحارث قال: قال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله" وفيه رواية عنه: "إن أخذت

стр. 314

برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله". قال أبو عمر رحمه الله تعالى: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً. انتهى.

стр. 315

كذبه على رسول الله ﷺ ... وأما قول الملحد: "واختلاف أصحابي لكم رحمة". فهذه الزيادة لم تذكر في جميع روايات هذا الحديث، الذي لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، كما هو مبين فيما نقلناه من كتاب الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. ولا شك في أن هذه الزيادة مكذوبة على رسول الله ﷺ ، اختلقها المعترض أو غيره. وقد قال رسول الله ﷺ : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". وأما ما نقله المعترض عن الإمام السيوطي من الكلام على حديث ابن عباس الذي رواه البيهقي فإن سلم النقل من تحريف المعترض –كما هي عادته في تحريف الكلم عن مواضعه- فإنه كلام لا قيمة له، بل صرف لحديث رسول الله ﷺ إلى غير مراده. لا يتابع عليه قائله، فقد دل الحديث دلالة أوضح من شمس الظهيرة على لزوم العمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ثم اتباع أصحابه من بعده، وما ورد عن الله وعن رسوله ﷺ وعن أصحابه والتابعين من بعدهم في ذم الاختلاف في الدين والتحذير منه، يرد هذا الكلام المنسوب إلى الإمام السيوطي. وكيف يصدر هذا الكلام المخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولما عليه سلف الأمة وأئمتها من عالم يدعي الاجتهاد. وله كتاب "الرد على من أخلد إلى الأرض" يبطل به التقليد ويذمه، ويحث على الاجتهاد والعمل بنصوص الكتاب والسنة هذا بعيد عن العقل. فإن صح نقل المعترض هذا عن السيوطي: فإنه يرجع إلى كلام قديم رجع عنه وهدمه في كتاب الرد، وهو الكتاب الذي محا به ما قبله ولا يعلو عليه ما بعده، لأن الحق لا يعلو عليه الباطل. وأما ما نقله المعترض عن الخطيب البغدادي- فيما رواه من قصة هارون الرشيد مع الإمام مالك رحمهما الله تعالى- فإنها قصة يكذبها ما قدمناه قريباً عن

стр. 316

الإمام مالك من رواية أشهب. قال: سمعت مالكاً يقول: "ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان صواباً جميعاً. ما الحق والصواب إلا واحد" والكلام في هذا عن الإمام مالك كثير شهير، لا يتفق مع هذه القصة. قال المعترض: "وأما قولكم عن تاركي التعبد هرباً من الحرج" إلى آخر ما هذى به من المخرقة والخوض في الباطل في كلام لا يعقل، فنتركه فيه حائراً يتخبط في ظلمات جهله، ونعوذ بالله من العمى والضلال بعد الهدى. قال المعترض: "وأما قولكم إنك تأخذون عن البخاري وغيره ما يرفع عنكم الحرج. فهذا هو التلفيق بعينه والخطأ فيه ظاهر من وجوه". أقول: قد أجتمعت الأمة على أن صحيح البخاري رحمه الله تعالى أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. فمن تلقاه بالقبول وجعله إمامه- بعد كتاب الله تعالى- فقد نجا وأفلح، وسعد في الدنيا والآخرة، لا كما زعم هذا المعترض الزائغ عن الهدى: أنه ملفق. لقد توغل هذا المعترض الأحمق بالسفاهة، وأطلق لسانه بالخوض في دين الله تعالى خارجاً على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ حيث زعم أن أخذ أحكام الدين من صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث تلفيق، مع ما هو معلوم أن معنى "التلفيق" إنما هو التلاعب في دين الله تعالى بتتبع الرخص المرجوحة، والاستعاضة بها عن أحكام الشريعة الغراء، المتفق على العمل بها بين أئمة المسلمين فقول المعترض هذا: هو عين المحادة لله ولرسوله، والمخالفة لهما، وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور، الآية:٦٣] . قال المعترض: "أحدها: مكن المسلم به أن الأئمة الأربعة ضبطوا في كتبهم التفسير والحديث بقصد العمل بها، فلذا تحروا وجوه صحة ما دونوه، وما اتفق عليه الصحابة وما اختلفوا فيه وما كان عليه التابعون بعد الصحابة". أقول: إنه من المسلم به عند يعتد بهم من الأمة ما اشتهر به الأئمة

стр. 317

الأربعة من غزارة العلم في جميع فنون علم الشريعة. ولكن لا يلزم من ذلك أن تدعى الأمة لترك الكتاب والسنة والنظر فيهما، وفقه معانيهما، والحرص على العمل بما فيهما من شرائع، مكتفية عنهما بعلوم الأئمة الأربعة، ولا أن تلتزم تقليدهم وعدم الخروج عن هذه الكتب المنسوبة إلى مذاهبهم، وهم لم يعلموا بها، ولا علم بها أصحابهم المعاصرون لهم. وقد بنيت أكثر هذه الكتب على محض آراء الرجال وتفريعاتهم. وفيها من المسائل المخالفة لمذاهب الأئمة الأربعة في أصول الدين – فضلا عن فروعه- شيء كثير. وقد تغالى كثير من الجهلة الحمقى- أمثال هذا المعترض- في الدعوة إلى التقليد الأعمى. وحرموا النظر في نصوص الكتاب والسنة لأجل العمل بهما والتحاكم إليهما. وقد قال هذا المعترض الملحد: "ومع هذا فأخبرونا متى اجتمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ " ويعني بغيره: كتب الحديث. وهذا شطط عن سلوك سبيل المؤمنين ورفع للتقليد عن حدوده الجائزة بين من يعتد بهم من أئمة المسلمين. وهو عدم وجود النص أما إذا وجد النص من الكتاب أو السنة فلا يجوز التقليد. فكيف بمن ينكر النص والعمل به في أصح كتاب، بعد كتاب الله تعالى باتفاق الأمة وهو صحيح البخاري؟. ويقول: إنه لا يجوز تقليد أحد من هذه الأمة من أولها إلا آخرها، إلا الأئمة الأربعة مع أن الأئمة الأربعة قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم، وأنكروا التقليد أشد إنكار في نصوص عنهم لا تقبل المغالطة. فأي تقليد يدعيه هؤلاء المبطلون، بعد ما اشتهر عن الأئمة من إنكار التقليد؟.

стр. 318

افتراء الملحد على أئمة أهل الحديث والرد عليه ... قال المعترض: "وأئمة الحديث ما دونوه بهذا القصد، ولا تتبعوا فيه أحوال الصحابة والتابعين، بل دونوه لأجل حفظه. فلذا ما كان من مقصدهم تحري ما تحراه الأئمة سيما أن الأربعة سبقوهم لبيان ما يجوز التعبد به والتعامل فيه وما لا يجوز. ومن البديهي: أن مدون الأحكام بقصد العمل بها أعلم من مدونها بقصد جمعها". أقول: هذا افتراء من الملحد على أئمة أهل الحديث، وحط من قدرهم

стр. 319

وعلمهم، وبخس لثمرة جدهم واجتهادهم، وفضلهم في حفظ شريعة نبيهم ﷺ وتنقيحها وتنظيمها، وقد أتعبوا في ذلك أجسامهم وأفكارهم، وهجروا في جمعها أوطانهم، واستغرقوا في تقييدها وتصحيحها ليلهم ونهارهم، فأبرزوها في كتب نهجوا فيها منهاج التحقيق والتدقيق، وبينوا فيها صحيحها من سقيمها، وقويها من ضعيفها، وبينوا حال رجالها وعللها وجميع طرقها. وبينوا ناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفصلها، وظاهرها ومضمرها. وبينوا غريبها ومشكلها، ومعانيها وفقهها، واستنبطوا غوامضها وما دلت عليه من فنون الشريعة في جميع العبادات والمعاملات التي كلف الله بها عباده على لسان نبيه ﷺ . ولولا أئمة أهل الحديث واعتناؤهم بحديث رسول الله ﷺ وجمعه وتدوينه ما عرفنا منه شيئاً ولا وصل إلينا منه إلا القليل ممزوجاً بآراء الرجال. فجزى الله أهل الحديث عن حفظهم لشريعة نبيهم محمد ﷺ أفضل ما جزى به المجاهدين المحسنين وإن رغم أنف الملحد الحاج مختار. فليس يضير أهل الحديث شيء من أقوال هؤلاء الحمقى الضالين" ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد، الآية:١٧] فهذه علوم أهل الحديث، وأعلامهم ساطعة أنوارها للسالكين، هادية إلى المحجة لسنة سيد المرسلين. وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وسامح نفوساً أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي وبعد هذا، فيحسن بنا في هذا المقام أن نورد نبذة يسيرة من كلام أهل العلم تدل على شرف علم الحديث وأهله، وبيان فضلهم وحسن قصدهم في حفظ أحاديث الرسول ﷺ ، وإبرازها لهذه الأمة نقية كما خرجت عن مشكاة النبوة لتقوم بها الحجة على المكلفين بما فيها من أمر ونهي، لا كما يزعمه الهلباجة الحاج مختار، من أنها إنما جمعت لحفظها، لا للعمل بها. قال الإمام العالم العلامة صديق حسن القنوجي رحمه الله تعالى في كتابه

стр. 320

"الحطة في ذكر الصحاح السنة" الفصل الثاني في شرف علم الحديث، وفضيلة المحدثين: اعلم أن أنف العلوم الشرعية ومفتاحها، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومأخذ الفنون الدينية دقها وجلها، وأسوة جملة الأحكام وأسها، وقاعدة العقائد وأسطقسها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها: هو علم الحديث الشريف، الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم، وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهي وأمر، ولولاه لقال من شاء ما شاء، وخبط الناس خبط عشواء، وركبوا متن عمياء، فطوبى لمن جد فيه، وحصل منه على تنويه، يملك من العلوم النواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرضع من درة، ولم يخض في بحره، ولم يقتطف من زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام: فقد جار فيما حكم، وقال على الله تعالى ما لم يعلم، كيف؟ وهو كلام رسول الله ﷺ . والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أوتي جوامع الكلم، وسواطع الحكم، من عند رب العالمين. فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها، كما قيل: "كلام الملوك ملك الكلام" وهو تلو كلام الملك العلام، وثاني أدلة الأحكام. فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها: تتوقف على بيانه ﷺ ، فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم، ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا يعتمد عليها ولا يصار إليها. فهذا العلم المنصوص، والبناء المرصوص بمنزلة الصيرف لجواهر العلوم، عقليها نقليها، وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها، من وجوه التفاسير والفقهيات، ونصوص الأحكام، ومآخذ عقائد الإسلام، وطرق السلوك إلى الله ذي الجلال والإكرام. فما كان منها كامل المعيار في نقد هذا الصراف، فهوا لحري بالترويج
следующие страницы →