الإمام مالك من رواية أشهب. قال: سمعت مالكاً يقول: "ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان صواباً جميعاً. ما الحق والصواب إلا واحد" والكلام في هذا عن الإمام مالك كثير شهير، لا يتفق مع هذه القصة.
قال المعترض: "وأما قولكم عن تاركي التعبد هرباً من الحرج" إلى آخر ما هذى به من المخرقة والخوض في الباطل في كلام لا يعقل، فنتركه فيه حائراً يتخبط في ظلمات جهله، ونعوذ بالله من العمى والضلال بعد الهدى.
قال المعترض: "وأما قولكم إنك تأخذون عن البخاري وغيره ما يرفع عنكم الحرج. فهذا هو التلفيق بعينه والخطأ فيه ظاهر من وجوه".
أقول: قد أجتمعت الأمة على أن صحيح البخاري رحمه الله تعالى أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. فمن تلقاه بالقبول وجعله إمامه- بعد كتاب الله تعالى- فقد نجا وأفلح، وسعد في الدنيا والآخرة، لا كما زعم هذا المعترض الزائغ عن الهدى: أنه ملفق. لقد توغل هذا المعترض الأحمق بالسفاهة، وأطلق لسانه بالخوض في دين الله تعالى خارجاً على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ حيث زعم أن أخذ أحكام الدين من صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث تلفيق، مع ما هو معلوم أن معنى "التلفيق" إنما هو التلاعب في دين الله تعالى بتتبع الرخص المرجوحة، والاستعاضة بها عن أحكام الشريعة الغراء، المتفق على العمل بها بين أئمة المسلمين فقول المعترض هذا: هو عين المحادة لله ولرسوله، والمخالفة لهما، وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور، الآية:٦٣] .
قال المعترض: "أحدها: مكن المسلم به أن الأئمة الأربعة ضبطوا في كتبهم التفسير والحديث بقصد العمل بها، فلذا تحروا وجوه صحة ما دونوه، وما اتفق عليه الصحابة وما اختلفوا فيه وما كان عليه التابعون بعد الصحابة".
أقول: إنه من المسلم به عند يعتد بهم من الأمة ما اشتهر به الأئمة
стр. 317
الأربعة من غزارة العلم في جميع فنون علم الشريعة. ولكن لا يلزم من ذلك أن تدعى الأمة لترك الكتاب والسنة والنظر فيهما، وفقه معانيهما، والحرص على العمل بما فيهما من شرائع، مكتفية عنهما بعلوم الأئمة الأربعة، ولا أن تلتزم تقليدهم وعدم الخروج عن هذه الكتب المنسوبة إلى مذاهبهم، وهم لم يعلموا بها، ولا علم بها أصحابهم المعاصرون لهم. وقد بنيت أكثر هذه الكتب على محض آراء الرجال وتفريعاتهم. وفيها من المسائل المخالفة لمذاهب الأئمة الأربعة في أصول الدين – فضلا عن فروعه- شيء كثير. وقد تغالى كثير من الجهلة الحمقى- أمثال هذا المعترض- في الدعوة إلى التقليد الأعمى. وحرموا النظر في نصوص الكتاب والسنة لأجل العمل بهما والتحاكم إليهما. وقد قال هذا المعترض الملحد: "ومع هذا فأخبرونا متى اجتمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ " ويعني بغيره: كتب الحديث. وهذا شطط عن سلوك سبيل المؤمنين ورفع للتقليد عن حدوده الجائزة بين من يعتد بهم من أئمة المسلمين. وهو عدم وجود النص أما إذا وجد النص من الكتاب أو السنة فلا يجوز التقليد. فكيف بمن ينكر النص والعمل به في أصح كتاب، بعد كتاب الله تعالى باتفاق الأمة وهو صحيح البخاري؟. ويقول: إنه لا يجوز تقليد أحد من هذه الأمة من أولها إلا آخرها، إلا الأئمة الأربعة مع أن الأئمة الأربعة قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم، وأنكروا التقليد أشد إنكار في نصوص عنهم لا تقبل المغالطة. فأي تقليد يدعيه هؤلاء المبطلون، بعد ما اشتهر عن الأئمة من إنكار التقليد؟.
стр. 318
افتراء الملحد على أئمة أهل الحديث والرد عليه
...
قال المعترض: "وأئمة الحديث ما دونوه بهذا القصد، ولا تتبعوا فيه أحوال الصحابة والتابعين، بل دونوه لأجل حفظه. فلذا ما كان من مقصدهم تحري ما تحراه الأئمة سيما أن الأربعة سبقوهم لبيان ما يجوز التعبد به والتعامل فيه وما لا يجوز. ومن البديهي: أن مدون الأحكام بقصد العمل بها أعلم من مدونها بقصد جمعها".
أقول: هذا افتراء من الملحد على أئمة أهل الحديث، وحط من قدرهم
стр. 319
وعلمهم، وبخس لثمرة جدهم واجتهادهم، وفضلهم في حفظ شريعة نبيهم ﷺ وتنقيحها وتنظيمها، وقد أتعبوا في ذلك أجسامهم وأفكارهم، وهجروا في جمعها أوطانهم، واستغرقوا في تقييدها وتصحيحها ليلهم ونهارهم، فأبرزوها في كتب نهجوا فيها منهاج التحقيق والتدقيق، وبينوا فيها صحيحها من سقيمها، وقويها من ضعيفها، وبينوا حال رجالها وعللها وجميع طرقها. وبينوا ناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفصلها، وظاهرها ومضمرها. وبينوا غريبها ومشكلها، ومعانيها وفقهها، واستنبطوا غوامضها وما دلت عليه من فنون الشريعة في جميع العبادات والمعاملات التي كلف الله بها عباده على لسان نبيه ﷺ . ولولا أئمة أهل الحديث واعتناؤهم بحديث رسول الله ﷺ وجمعه وتدوينه ما عرفنا منه شيئاً ولا وصل إلينا منه إلا القليل ممزوجاً بآراء الرجال. فجزى الله أهل الحديث عن حفظهم لشريعة نبيهم محمد ﷺ أفضل ما جزى به المجاهدين المحسنين وإن رغم أنف الملحد الحاج مختار. فليس يضير أهل الحديث شيء من أقوال هؤلاء الحمقى الضالين" ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد، الآية:١٧] فهذه علوم أهل الحديث، وأعلامهم ساطعة أنوارها للسالكين، هادية إلى المحجة لسنة سيد المرسلين.
وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع
وسامح نفوساً أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي
وبعد هذا، فيحسن بنا في هذا المقام أن نورد نبذة يسيرة من كلام أهل العلم تدل على شرف علم الحديث وأهله، وبيان فضلهم وحسن قصدهم في حفظ أحاديث الرسول ﷺ ، وإبرازها لهذه الأمة نقية كما خرجت عن مشكاة النبوة لتقوم بها الحجة على المكلفين بما فيها من أمر ونهي، لا كما يزعمه الهلباجة الحاج مختار، من أنها إنما جمعت لحفظها، لا للعمل بها.
قال الإمام العالم العلامة صديق حسن القنوجي رحمه الله تعالى في كتابه
стр. 320
"الحطة في ذكر الصحاح السنة" الفصل الثاني في شرف علم الحديث، وفضيلة المحدثين: اعلم أن أنف العلوم الشرعية ومفتاحها، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومأخذ الفنون الدينية دقها وجلها، وأسوة جملة الأحكام وأسها، وقاعدة العقائد وأسطقسها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها: هو علم الحديث الشريف، الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم، وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهي وأمر، ولولاه لقال من شاء ما شاء، وخبط الناس خبط عشواء، وركبوا متن عمياء، فطوبى لمن جد فيه، وحصل منه على تنويه، يملك من العلوم النواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرضع من درة، ولم يخض في بحره، ولم يقتطف من زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام: فقد جار فيما حكم، وقال على الله تعالى ما لم يعلم، كيف؟ وهو كلام رسول الله ﷺ . والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أوتي جوامع الكلم، وسواطع الحكم، من عند رب العالمين. فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها، كما قيل: "كلام الملوك ملك الكلام" وهو تلو كلام الملك العلام، وثاني أدلة الأحكام. فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها: تتوقف على بيانه ﷺ ، فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم، ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا يعتمد عليها ولا يصار إليها. فهذا العلم المنصوص، والبناء المرصوص بمنزلة الصيرف لجواهر العلوم، عقليها نقليها، وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها، من وجوه التفاسير والفقهيات، ونصوص الأحكام، ومآخذ عقائد الإسلام، وطرق السلوك إلى الله ذي الجلال والإكرام. فما كان منها كامل المعيار في نقد هذا الصراف، فهوا لحري بالترويج
стр. 321
والاشتهار، وما كان زيفاً غير جيد عند ذاك النقاد فهو القمين بالرد والطرد والإنكار. فكل قول يصدقه خبر الرسول ﵊ فهو الأصلح للقبول، وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان. فهي مصابيح الدجى، ومعالم الهدى، وبمنزلة البدر المنير، من انقاد لها فقد رشد واهتدى، وأوتي الخير الكثير، ومن أعرض عنها وتولى، فقد غوى وهوى. وما زاد نفسه إلا التخسير. فإنه ﷺ نهى وأمر وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر، وإنها لمثل القرآن، بل هي أكثر. وقد ارتبط بها اتباعه ﷺ الذي هو ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مين. كيف؟ وما الحق إلا فيما قاله ﷺ أو عمل به، أو قرره، أو أشار إليه، أو تفكر فيه، أو خطر بباله، أو هجس في خلده، واستقام عليه. فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب. والعمل بهما في كل إياب وذهاب. ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قاله من علم سيط بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى، وقد كان الإمام محمد بن علي بن حسين ﵃ يقول: إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث.
انتهى ما أردت نقله. ثم أطال الكلام رحمه الله تعالى في مدح علم الحديث وأهله مما لا يتسع له ردنا هذا.
ثم قال رحمه الله تعالى الفصل الثاني في مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره: فإنه لما كان من أصول الفروض وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه. ولذلك يسر الله له العلماء الثقات، الذي حفظوا قوانينه، وأحاطوا قوافيه، فتناقلوه كابراً عن كابر، وأوصله كما سمعه أول إلى آخر، وحببه الله تعالى إليهم لحكمة حفظ دينه وحراسة شريعته، فلم يزل هذا العلم من عهد الرسول ﷺ غضاً طرياً، والدين محكم الأساس قوياً، أشرف العلوم وأجلها لدى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، خلفاً بعد سلف. لا يشرف بينهم أحد بعد كتاب الله إلا بقدر ما يحفظ منه ولا يعظم
стр. 322
في النفوس إلا بحسب ما سمع من الأحاديث. فتوفرت فيه الرغبات فما زال لهم من لدن رسول الله إلى أن انقطعت الهمم على تعلمه حتى لقد كان أحدهم يرحل إليه المراحل ذوات العدد، ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً، في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه. فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة طلب ذلك الحديث لذاته، ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه إما لثقته في نفسه، وإما لعلو إسناده، فانبعثت العزائم على تحصيله وكان اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط في القلوب، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب الله ، ولا معولين على ما يسطرونه، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم. فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار وكثرت الفتوحات ومات معظم الصحابة ﵃، وتفرق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط واتسع الخرق، وكاد الباطل أن يلتبس بالحق احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخائف يغفل، والقلم يحفظ، فمارسوا الدفاتر، وسايروا المحابر، وأجالوا في نظم قلائده أفكارهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم، واستغرقوا لتقييده ليلهم ونهارهم، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها ودونوا دواوين ظهرت شفوقها، فاتخذها العالمون قدوة، ونصبها العارفون قبلة، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسن ما جزى به علماء أمة وأحبار ملة.
وكان أول من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة: عمر بن عبد العزيز ﵁ خوف اندراسه. كما في الموطأ رواية محمد بن الحسن، أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم: "أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنته فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء". وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصفهان عن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه كتب إلى الآفاق: "انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه". وعلقه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فيستفاد
стр. 323
منه –كما قال الحافظ ابن حجر- ابتداء تدوين الحديث النبوي. وقال الهروي ﵀ في ذم الكلام: ولم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها حفظاً، ويأخذونها لفظاً، إلا كتب الصدقات، والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت: أمر عمر بن عبد العزيز ﵁ أبا بكر بن محمد فيما كتب إليه"أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه" وفي "هدى الساري مقدمة فتح الباري" أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن انتهى إلى كبار الطبقة الثالثة، وزمن جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس وغيرهما. فدونوا الحديث حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج. وقيل: موطأ مالك. وقيل: أول من صنف وبوب:
الربيع بن صبيح بالبصرة، وقال القسطلاني: صنف مالك الموطأ بالمدينة، وعبد الملك بن جريج بمكة، وعبد الرحمن الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف، كل على حسب ما سنح له وانتهى إليه علمه. انتهى.
стр. 324
مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره
...
وانتشر جمع الحديث وتدوينه وتسطيره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامين العظيمين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. فدونا كتابيهما، وأثبتا فيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله. وسميا "الصحيحين" من الحديث. وقد صدقا فيما قالا، والله مجازيهما عليه. ولذلك رزقهم الله القبول شرقاً وغرباً ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف وكثر في الأيدي وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذي اجتمعوا واتفقوا فيه، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ومثل أبي داود سليمان بن الأشعت السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وغيرهم. فكان ذلك العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا
стр. 325
العلم وإليه المنتهى كذا في كشف الظنون.
وقال ابن خلدون: وكان علم الشريعة في مبدأ هذا الأمر نقلا صرفاً، وشمر لها السلف وتحروا الصحيح حتى أكملوها. وكتب مالك كتاب "الموطأ" أودعه أصول الأحكام من الصحيح المتفق عليه. ورتبه على أبواب الفقه ثم عني الحافظ بمعرفة طرق الأحاديث وأسانيدها المختلفة. وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين. وقد يقع الحديث أيضاً في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها. وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الأحاديث يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه، حتى يقال: إنه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة، وفرق الطرق والأسانيد عليها مختلفة في كل باب. ثم جاء الإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله تعالى فألف مسنده الصحيح، حذا فيه حذو البخاري في نقل المجمع عليه وحذف المتكرر منها وجمع الطرق والأسانيد، وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه. ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله. وقد استدرك الناس عليهما في ذلك ثم كتب أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي في سنن بأوسع من الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل، إما من الرتبة العالية في الأسانيد وهو الصحيح، كما هو معروف، وإما من الذي دونه من الحسن وغيره ليكون ذلك إماماً للسنة والعمل. وهذه هي المسانيد المشهورة في الملة وهي أمهات كتب الحديث في السنة. فإنها- وإن تعددت- ترجع إلى هذه في الأغلب، ومعرفة هذه الشروط والاصطلاحات كلها: هي علم الحديث. وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فنا برأسه. وكذا الغريب. وللناس فيه تآليف مشهورة انتهى.
ثم نقص بعد ذلك الطلب وقل الحرص، وفترت الهمم. وكذلك كل نوع
стр. 326
من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها. فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً ولا يزال ينمو ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هي منتهاه، ثم لا يعود. وكأن غاية هذا العلم: انتهت إلى البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما. ثم نزل وتقاصر إلى ما شاء الله تعالى حتى لا يوجد اليوم ممن يعلم الحديث، واحد في الجمع الجم من الناس. وقد قال رسول الله ﷺ : "الناس كالإبل المائة، لا تكاد توجد فيها راحلة، وإنما هم كحفالة الشعير" (١) فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الفصل الثالث: في اختلاف الأغراض من تصانيف علم الحديث. اعلم أن هذا العلم، على شرفه وعلو منزلته: كان علماً غزيراً، مشكل اللفظ والمعنى. ولذلك كان الناس في تصانيفهم مختلفي الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه، ويستنبط منه الحكم. كما فعله عبد الله بن موسى الضبي، وأبوا داود الطيالسي وغيرهما أولاً. وثانياً أحمد بن حنبل ومن بعده. فإنهم أثبتوا الأحاديث من مسانيد ذواتها. فيذكرون مسند أبي بكر الصديق ﵁ ويثبتون فيه كل ما رووه عنه. ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا المنسق، قال القسطلاني: فمنهم من رتب عل المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وأبي خيثمة، والحسن بن سفيان، وأبي بكر البزار، وغيرهم. انتهى.
ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به فإن كان في معنى الصلاة: ذكروه في باب الصلاة وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها. كما فعل مالك في الموطأ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث: قلت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده. فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاري ومسلم كثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما، واقتدى بهما من جاء بعدهما. وهذا النوع أسهل من الأول، لأن الإنسان قد يعرف المعنى وإن لم يعرف راويه، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه. فإذا أراد حديثاً يتعلق بالصلاة
стр. 327
طلبه من كتاب الصلاة. لأن الحديث إذا أورد في كتاب الصلاة علم الناظر أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم، فلا يحتاج إلى أن يفكر فيه، بخلاف الأول.
ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية، ومعاني مشكلة فوضع لها كتاباً، قصره على ذكر متن الحديث، وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وغيرهما.
ومنهم من رتب على العلل بان يجمع في كل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه، بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلاً، أو وقف ما يكون مرفوعاً، أو غير ذلك.
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغياً وترهيباً، وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة، فدونها وأخرجها متونها وحدها، كما فعل أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في المصالح واللؤلؤء في المشكاة، وغير هؤلاء فإنهما حذفا الإسناد واقتصرا على المتن فقط.
ومنهم من اضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء، مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، في معالم السنن وأعلام السنن (١) .
ومنهم من قصد ذكر الغريب، دون المتن من الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة، ودونها ورتبها وشرحها، كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي وغيره من العلماء.
وبالجملة فقد كثرت في هذا الشأن التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، واتسعت دائرة المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السنة لكل طالب. ولكن لما كان أولئك الأعلام السابقون فيه، لم يأت صنيعهم على أكمل الأوضاع، فإن غرضهم كان أولاً حفظ الحديث مطلقاً وإثباته، ودفع الكذب عنه والنظر في طرقه وحفظ رجاله وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، والتفتيش عن أمورهم، حتى قدحوا وجرحوا، وعدلوا وأخذوا وتركوا. هذا بعد الأحتياط
стр. 328
والضبط والتدبير. فكان هذا مقصدهم الأكبر، وغرضهم الأول، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم. ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل ولا يجوز لهم ذلك. فإن الواجب أولاً إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات والأصل إنما هو عين الحديث ثم ترتيبه، وتحسين وضعه. ففعلوا ما هو الغرض المتعين، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ، والتخلي لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم. فتعبوا لراحة من بعدهم ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، بإبداع ترتيب، او بزيادة تهذيب، أو اختصار أو تقريب، أو استنباط حكم، أو شرح غريب. فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كمن جمع بين كتابي البخاري ومسلم، مثل أبي بكر أحمد بن محمد الرماني، وأبي مسعود إبراهيم بن عبيد الدمشقي، وأبي عبد الله محمد الحميدي، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب كما سبق. وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطأ لمالك، وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي، ورتب على الأبواب إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث وأشهرها، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظاً، وإليهم المنتهى. وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري. فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة بتهذيبه وترتيب أبوابه، وتسهيل مطلبه، وشرح غريبه في "جامع الأصول" فكان أجمع ما جمع فيه. ثم جاء الحافظ جلال الدين السيوطي، فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في "جمع الجوامع" فكان أعظم بكثير من جامع الأصول، من جهة المتون إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة.
وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم خذفوا الأسانيد اكتفاء بذكر من
стр. 329
روى الحديث من الصحابي إن كان خبراً. وبذكر من يرويه عن الصحابي إن كان أثراً، والرمز إلى المخرج، لأن الغرض من ذكر الأسانيد كان أولاً إثبات الحديث وتصحيحه. وهذه كانت وظيفة الأولين، وقد كفوا تلك المؤنة فلا حاجة بهم إلى ذكر ما فرغوا منه. كذا في كشف الظنون.
стр. 330
ثم قال في موضع آخر: الفصل الأول في طبقات كتب الحديث . اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلى خبر النبي ﷺ ، بخلاف المصالح، فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره ﷺ إلا تلقي الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة، سواء كانت من لفظه ﷺ أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة من الصحابة والتابعين، بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لولا النص والإشارة من الشارع. فمثل ذلك رواية عنه ﷺ دلالة، وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليه في يومنا هذا إلا بتتبع الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة وكتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازل متباينة فوجب الاعتناء بمعرفة صفات كتب الحديث.
فنقول: هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات. وذلك لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به ثم استفاض من طرق متعددة، لا يبقى معها شبهة يعتد بها واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة – إلى أن قال: الطبقة الأولى: منحصرة على بالاستقراء في ثلاثة كتب: الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم. قال الشافعي رحمه الله تعالى: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك. وقد اتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه وأما على رأي غيره: فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى. فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه. وقد صنف في زمان مالك موطآت كثيرة في تخريج أحاديثه، ووصل منقطعه مثل كتاب ابن أبي ذئب، وابن عيينة، والثوري، ومعمر، وغيرهم ممن شارك في الشيوخ.
стр. 331
وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل، وقد ضرب الناس فيه أكباد الإبل إلى مالك من أقاصي البلاد. كما كان النبي ﷺ ذكره في حديثه، فمنهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي ومحمد بن الحسن، وابن وهب، وابن القاسم، ومنهم نحارير المحدثين، كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد وابنيه، وقد اشتهر فيه عصره، حتى بلغ إلى جميع ديار الإسلام، ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر له شهرة وأقوى به عناية وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق في بعض أمرهم، ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثهم ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية. وإن شئت الحق الصراح: فقس كتاب الموطأ بكتاب الآثار لمحمد، والأمالي لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بعد المشرقين، فهل سمعت أحداً من المحديثين والفقهاء، تعرض لهما واعتنى بهما؟
أما الصحيحان: فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع. وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب بن أبي شيبة، وكتاب الطحاوي، ومسند الخوارزمي وغيرها تجد بينها وبينهما بعد المشرقين.
وقال في موضع آخر: وأما فضل صحيح البخاري فهو أصح الكتب المؤلفة في هذا الشأن والمتلقى بالقبول من العلماء في كل زمان. يقول أبو زيد المروزي كنت نائماً بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي، وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل البخاري، وقال الذهبي: في تاريخ الإسلام، وأما جامع البخاري الصحيح: فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى وهو أعلى في وقتنا هذا إسناداً للناس، ومن ثلاثين سنة يفرحون بعلو سماعه، فكيف اليوم؟ فلو رحل الشخص ألف فرسخ لسماعه لما ضاعت رحلته. انتهى.
стр. 332
وهذا قاله الذهبي في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. وروي بالإسناد الثابت عن البخاري أنه قال: رأيت النبي ﷺ . وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه. فسألت بعض المعبرين؟ فقال لي: أنت تذب عنه الكذب. فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح. وأيضاً قال البخاري: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لي بعض أصحابه: لو جمع أحد كتاباً مختصراً في السنن الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، التي بلغت من الصحة أقصى درجاتها كان أحسن، وتيسر العمل عليه للعاملين من دون رجوع إلى المجتهدين فوقع ذلك في قلبي. وأخذ بمجامع خاطري، فصنفت هذا الجامع الصحيح. وقال النسائي: أجود هذه الكتب كتاب البخاري. وقال البخاري: ما كتبت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين، وقال: أخرجته من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته في ست عشرة سنة. وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى. وقال: ما أدخلت فيه إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر حتى لا يطول. وقال: صنفت كتابي هذا في السجد الحرام. وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته. وقال الفربري رحمه الله تعالى: قال البخاري: ما وضعت في الصحيح حديثاً إلا اغتلست قبل ذلك، وصليت ركعتين وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنفات. وروى عن عبد القدوس بن همام قال: سمعت عدة من المشايخ يقولون: حول البخاري تراجم جامعه بين قبر النبي ﷺ ومنبره. وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين. وقال عماد الدين بن كثير: وكتاب البخاري الصحيح يستسقي بقراءته الغمام، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهل الإسلام. انتهى ملخصاً.
ثم قال: الفصل الثالث في ذكر الجامع الصحيح للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، المتوفى سنة إحدى وستين وما ئتين. وهو أحد الصحيحين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. والثاني من الأصول الستة قال النيسابوري شيخ الحاكم: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم. ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، ومستندهم: أنه
стр. 333
شرط أن لا يكتب في صحيحه إلا ما رواه تابعيان ثقتان عن صحابيين. قال مسلم: ألفت كتابي من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال: لو أن أهل الأرض يكتبون الحديث مائتي سنة: ما كان مدارهم إلا على هذا المسند. قال: وما وضعت شيئاً في كتابي هذا إلا حجة. وما أسقطت شيئاً منه إلا بحجة. وقال مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور: سمعت مسلماً يقول: عرضت كتابي هذا على أبي رزعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته. وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرجته. رواه الخطيب البغدادي بإسناده. وقال ابن الصلاح: جميع ما حكم مسلم بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر وهكذا ما حكم البخاري بصحته. وذلك: لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع.
قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتاب البخاري ومسلم – مما حكما بصحته– من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته. لإجماع المسلمين على صحتهما. وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق.
ثم قال: الفصل الرابع في ذكر الجامع الصحيح للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي رحمه الله تعالى – إلى أن قال – وبالجملة: فهو ثالث الكتب الستة. قال الترمذي: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان. فرضوا به ومن كان في بيته: فكأنما النبي ﷺ وفي بيته يتكلم. قال ابن الأثير: وكتابه هذا أحسن الكتب، وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيباً، وأقلها تكراراً. وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث الصحيح والحسن الغريب. وقال في بستان المحديثين: تصانيف الترمذي كثيرة وأحسنها هذا الجامع الصحيح، بل هو – من بعض الوجوه والحيثيات – أحسن من جميع كتب الحديث.
стр. 334
الأول: من جهة حسن الترتيب، وعدم التكرار.
الثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكل أحد من أهل المذاهب.
الثالث: من جهة بيان أنواع الحديث، من الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل بالعلل.
الرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم، ونحوها من الفوائد المتعلقة بعلم الرجال. وفي آخر الجامع المذكور كتاب العلل، وفيه من الفوائد الحسنة ما لا يخفى على الفطن. ولهذا قالوا: هو كاف للمجتهد، ومغن للمقلد. قال الترمذي: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به. وبه أخذ بعض أهل العلم. وقال الباجوري في حاشية الشمائل للترمذي: وناهيك بجامعه الصحيح، الجامع للفوائد الحديثة والفقهية والمذاهب السلفية والخلفية فهو كاف للمجتهد مغن للمقلد. انتهى باختصار.
ثم قال: الفصل الخامس في ذكر السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني المتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين – إلى أن قال- قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث. انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب وجمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث من الصحيح وما يشبهه ويقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث أحدها: "إنما الأعمال بالنيات" والثاني: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، والثالث: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه"، الرابع: "الحلال بين والحرام بين ... الحديث" ورى الحافظ أبو طاهر السلفي بسنده إلى حسن بن محمد بن إبراهيم أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام يقول: من أراد أن يتمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود. وروى عن يحيى بن زكريا بن يحيى الساجي أنه قال: أصل الإسلام كتاب الله تعالى. وعماده سنن أبي داود. وقال ابن الأعرابي: إن حصل لأحد علم كتاب الله وسنن أبي داود،
стр. 335
يكفيه ذلك في مقدمات الدين. ولهذا مثلوا في كتب الأصول لبضاعة الاجتهاد في علم الحديث بسنن أبي داود. ولما جمع أبو داود كتاب السنن قديماً عرضه على الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فاستجاده واستحسنه. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كتاب السنن لأبي داود شريف. لم يصنف في علم الدين كتبا مثله. وقد رزق القبول من كافة الناس، وطبقات الفقهاء، على اختلاف مذاهبهم، وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب، وكثير من أقطار الأرض. فكان تصنيف علماء الحديث قبل أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوها. فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وأدباً. فأما السنن المحضة: فلم يقصد أحد جمعها واستيفاءها على حسب ما اتفق لأبي داود، لذلك حل هذا الكتاب عند أئمة أهل الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت إليه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل. قال ابن الأعرابي: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ثم كتاب أبي داود، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم. قال الخطابي: وهو كما قال، لا شك فيه. فقد جمع في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لم نعلم متقدماً سبقه إليه، ولا متأخراً لحقه فيه. وقال النووي رحمه الله تعالى في القطعة التي كتبها من شرح سنن أبي داود: ينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبي داود بمعرفته التامة. فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفة، واعتنائه بتهذيبه. وقال إبراهيم الحربي: لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود الحديد. انتهى ما نقلته من كتاب الحطة لإمام زمانه رحمه الله تعالى.
وقال الإمام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي في كتابه "ذم الكلام" أنبأنا عبد الواحد بن أحمد أنبأنا محمد بن عبد الله سمعت أبا علي الحافظ قال حدثنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي سمعت أحمد بن سنان يقول: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وإذا ابتدع الرجل
стр. 336
بدعة نزعت حلاوة الحديث من قبله. وبسنده إلى الحسين بن حرب عن الحسين بن بشر الأدمي قال: قال لي: يا حسين: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر، الآية: ٧٠] ما هو بعد الكتاب؟ قلت: السنة. قال: صدقت. كان جبريل يختلف إلى رسول الله ﷺ بالسنة، كما يختلف إليه بالكتاب، وبسنده إلى أبي نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى سمعت أبا نصر سلام البخاري الفقيه يقول: ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث. وبإسناده: أنبأنا يعقوب أنبأنا أبو النصر محمد بن الحسين أنبأنا محمد بن إبراهيم بن خالد حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى قال قلت لأبي: رجل وقعت له مسألة، وفي البلد رجل من أهل الحديث فيه ضعف، وفقيه من أهل الرأي. أيهما يسأل؟ قال: لا يسأل أهل الرأي. ضعيف الحديث خير من قوي الرأي. وبسنده حدثنا محمد بن عبد العزيز سمعت أبي عن عبد الله عن سفيان الثوري قال: إنما الدين الآثار. وبسنده إلى إبراهيم بن يحيى يقول: سمعت الزعفراني يقول: ما على وجه الأرض قوم أفضل من أصحاب هذه المحابر يتتبعون آثار رسول الله ﷺ ويكتبونها كيلا تدرس. وبسنده إلى علي بن عمر الحافظ يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري قال: قال البخاري: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي فأتاه رجل. فسأله عن مسألة؟ فقال: قضى رسول الله ﷺ كذا وكذا. فقال الرجل للشافعي. أنت ما تقول؟ قال سبحان الله! تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟ ترى على وسطي زناراً؟ أقول لك: قضى رسول الله ﷺ ، وأنت تقول لي: ما تقول أنت؟ وبسنده حدثنا حرملة: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة رسول الله ﷺ فاتبعوها. ولا تلتفتوا إلى أحد. وفيه: سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول: لولا أصحاب الحديث لكنا نبيع الفول. وبسنده إلى سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ في الناس فقال: "أيها الناس، إلا إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا إذا سألهم الناس أن يقولوا: لا ندري. فعاندوا السنن بأيهم.
стр. 337
فضلوا وأضلوا كثيراً، والذي نفس عمر بيده، ما قبض الله نبيه، ولا رفع الوحي عنهم حتى أغناهم عن الرأي. ولو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان أسفل الخف أحق بالمسح من أعلاه، فإياك وإياهم، ثم إياك وإياهم" وبسنده عن نافع ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة" وبسنده عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال بالرأي فقد اتهمني بالنبوة" زاد إسحاق وقال الحارث: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر، الآية:٧] . انتهى.
ولله در أبي بكر بن حميد القرطبي رحمه الله تعالى حيث يقول:
نور الحديث مبين فادن واقتبس ... واحد الركاب له نحو الرضى الندس
واطلبه بالصين، فهو العلم إن رفعت ... أعلامه برباها يابن أندلس
فلا تضع في سوى تقييد شاردة ... عمراً يفوتك بين اللحظ والنفس
وخل سمعك عن بلوى أخي جدل ... شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر ... ولا أتت عن أبي هر ولا أنس
إلا هوى وخصومات ملفقة ... ليست برطب إذا عدت ولا يبس
فلا يغرنك من أربابها هذر ... أجدى وجدك منها نغمة الجرس
أعرهم أذنا صماً إذا نطقوا ... وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر ... يجلو بنور هداه كل ملتبس
نور لملتبس خير لمقتبس ... حمى لمحترس نعمى لمبتئس
فاعكف ببابهما ... على طلابهما ... تمحو العمى بهما عن كل ملتمس
ورد بقلبك عذباً من حياضهما ... تغسل بماء الهدى ما فيه من دنس
واقف النبي وأتباع النبي، وكن ... من هديهم أبداً تدنو إلى قبس
والزم مجالسهم واحفظ مجالسهم ... واندب مدارسهم بالأربع الدرس
واسلك طريقهم، واتبع فريقهم ... تكن رفيقهم في حضرة القدس
تلك السعادة إن تلمم بساحتها ... فحط رحلك قد عوفيت من تعس
стр. 338
ومن قول أبي بكر بن أبي داود السجستاني رحمه الله تعالى، في التحريض على علم الحديث:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلح
ولذ بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح
ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح
ولا تك في قوم تلهو بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح
إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح
وقال أبو محمد هبة الله بن الحسن الشيرازي رحمه الله تعالى وعفا عنه:
عليك بأصحاب الحديث، فإنهم ... على منهج للدين ما زال معجما
وما النور إلا في الحديث وأهله ... إذا ما دجا الليل البهيم وأظلما
فأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى ... وأعمى البرايا من إلى البدع انتمى
ومن ترك الآثار ضلل سعيه ... وهل يترك الآثار من كان مسلماً؟
وفي هذا القدر كفاية لكشف زيغ هذا الملحد الضال. وبيان كذبه على أئمة أهل الحديث وبهته لهم بما ليس فيهم جازاه الله بما يستحقه.
стр. 339
بين أئمة المذاهب وأئمة الحديث
...
قال المعترض: "ثانيها: من البديه الذي لا مكابرة فيه، أن رواية الأقرب فالأقرب للشارع أصح وأحكم من رواية الأبعد فالأبعد. ولا نزاع بأن الأئمة الأربعة أقرب عهداً للشارع من أئمة الحديث".
والجواب أن يقال لهذا المعترض: نحن لا نقدم تقليد أئمة أهل الحديث برأي دون الأئمة الأربعة، بل إنما نقدم اتباع أحاديث الرسول ﵊ التي حملوها إلينا على أقوال الرجال.
وأيضاً: فإنا نجيب هذا الأحمق على حكم بديهته بأن رواية الأقرب فالأقرب للشارع أصح وأحكم. فندعوه إلى رواية رسول الله ﷺ عن ربه. فهل في هذا القرب تعليل عند المعترض، أو وسيله أقرب منها فيذكرها لنا؟ فإن زعم
стр. 340
هذا الأحمق – على مذهبه الباطل – أن أحكام الله تعالى لا يصح تلقيها، والعمل بها مباشرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إلا بواسطة، فليس أقرب ولا أفضل من أصحاب نبيه ﷺ ، ورضي الله عنهم. وقد قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وهل يشك أحد في أن أصحابه ﷺ هم أفضل هذه الأمة وأقربها إليه، وأكملها علماً وديناً. وقد تلقوا الشريعة منه ﷺ والوحي ينزل عليه وهو بين أظهرهم، ولم يقبضه الله تعالى حتى أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة، الآية: ٣] فالرسول ﷺ بلغ هذا الدين الكامل إلى أصحابه ﵃، وأصحابه بلغوه عنه لمن بعدهم، كما سمعوه من نبيهم ﷺ فهل جاء بعدهم أحد من هذه الأمة بزيادة عن هذا الذي بغله الرسول ﷺ عن ربه لأصحابه؟ أم هل جاء أعلم منهم بكتابه تعالى وسنة نبيه ﷺ ، أو أعلم منهم بلغة العرب الفصحى، لغة القرآن والسنة حتى تدعى الأمة لاتباعه وتقليده دون الصحابة ﵃؟ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء، الآية: ٥٩] ويقول تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية: ٨٠] والرسول ﷺ يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" هؤلاء هم أصحابه ﵃، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.
قال المعترض: "ومن عجيب التوفيق أنك تجد نحو ربع أو ثلث البخاري متصلاً للإمام مالك، كما أنك تجد سنن أبي داود كأنها ملخصة من موطأ مالك وهذا ظاهر على شدة الثقة والاعتماد على روايات مالك ﵃ أجمعين".
والجواب: أن هذا الأحمق – بناء على فهمه الفاسد – يشير بهذا الكلام إلى أن أئمة أهل الحديث – كالبخاري وأبي داود – يعتمدون في أغلب نقلهم في كتبهم على الإمام مالك. فهم بذلك مقلدون له لشدة ثقتهم به، واعتمادهم على
стр. 341
روايته. وهذا مبلغه من العلم لأنه جاهل أحمق. يظن أن رواية الحديث من باب القليد، فلا يستغرب هذا على فهمه العاطل. وقد قال ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ... الحديث" وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: "نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه وبلغه فرب حامل فقه ليس بفقيه" وعن ابن عباس ﵄: قال: قال رسول الله ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" ذكر هذه الأحاديث ابن عبد البر في جامع بيان العلم. فأئمة أهل الحديث – وإن تأخر زمانهم – فقد اجتمع لهم من سنة رسول الله ما لم يجتمع لمن قبلهم من أفراد الأئمة وذلك بما بذلوه من العناية في جمع أحاديث الرسول ﷺ من مختلف أقطار الأرض التي تفرق فيه الصحابة. فقد كابدوا الأسفار الطويلة في طلب الأحاديث من حفاظها. واجتهدوا في تدوين متونها، وضبطها وتمحيصها، وجمع طرقها وتحرير رواياتها، ومعرفة حال رجالها، وصحة أسانيدها، وقويها من ضعيفها، وغير ذلك مما يحتاج إليه علم الحديث، وهذا الأمر مما لم تتجه إليه همة كل من سبقهم من الأئمة. وإن كان أغزر منهم علماً وأقوى منهم استنباطاً للأحكام من الكتاب والسنة. فقد حبا الله بعض عباده بفضل، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وجعل فوق كل ذي علم عليم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
قال المعترض: "الوجه الثالث: لا خلاف أن في الكتاب والسنة: الناسخ والمنسوخ. وهذا منه المنسوخ من الكتاب بالكتاب ومنه المنسوخ من الكتاب بالسنة. ومنه المنسوخ من السنة بالسنة. وهذه الأقسام أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة وفيها العام والخاص، والمقيد والمطلق، والمجمل والمفصل، والظاهر والمضمر – إلى آخره. فهذه كلها أحاط الأئمة الأربعة وأصحابهم بأطرافها وما تركوا فيها زيادة لمستزيد، حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة. بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها، فإذا وجدتم حديثاً في البخاري أو غيره في سألة، ومثله في موطأ مالك مثلاً، أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص، فأنى لكم معرفة الناسخ،
стр. 342
فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها. وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بياناً ولا إشارة تهديكم إلى الصواب أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والتخرص؟ هذه زندقة إسلامية، ثم قال: وأما قولكم إنكم ما خرجتم عن الإجماع، فهذا هو المغالطة لأنا بينما كنا نباحثكم عن إجماع الفقهاء والتعبد والتعامل: التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث. ومع هذا فأخبرونا متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم عن البخاري أو غيره؟ " إلى آخر ما هذى به من الجهل والتخليط الذي لا يعقل.
والجواب: أننا أوردنا كلام هذا الملحد الأحمق جملة واحدة. لأن كله منكر من القول وزور. لا يحتاج إلى رد، ولا تحليل إن لم يكن صحابه مصاباً في عقله. فإنه مروق من الإسلام وخوض في دين الله بالباطل مع الخائضين. فلقد تهور هذا الملحد بذكر الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، حيث جعله عقبة كأداء دون فهم الكتاب والسنة وأنه لا يفهم هذا العلم إلا أفراد قليلون من هذه الأمة، وأن هذا هو أعظم سبب لعدم جواز العمل بنصوص الكتاب والسنة، ووجوب التقليد كما زعم أيضاً أن الناسخ والمنسوخ أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة، مع كذبه أيضاً على أئمة أهل الحديث بأنهم ما تعرضوا لبيان شيء من علوم الكتاب والسنة، بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها، وأن أحاديث الرسول متعارضة، وليس يوجد في كتب الحديث بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب. وأشنع من ذلك: زعمه الباطل بأن أخذ الأحكام من نصوص الكتاب والسنة وترجيح الراجح بما دلت عليه من الأحكام: ظن لا يفيد اليقين، بعد الأخذ به وزندقة لا إسلامية. وهذا كلام في غاية الفحش والنكر، يدلنا دلالة صادقة على أن قائله مسلوب العقل والإيمان نعوذ بالله من ذلك.
стр. 343
ادعاء الملحد أن الأمة لم تجمع على صحيح البخاري
...
ولقد أكد هذا الملحد قوله الباطل بقول أبشع منه، إذ يقول: "ومع هذا فأخبرونا متى أجمعت الأمة على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ " يعني
стр. 344
من كتب الحديث. فزعم أن الأمة قد كفرت بالله وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند الله تعالى. إذ أنكر إجماع الأمة على العمل بأحاديث الرسول ﵊ وخص منها أصح كتاب في الدين بعد كتاب الله تعالى، وهو صحيح البخاري مع أن هذه الدعوى مكابرة، وقلب للحقائق، وإنكار لما أجمعت عليه الأمة من العمل بصحيح البخاري ومسلم. وهذا مما لا تجوز المغالطة فيه. وقد اتفق المحدثون على أن جميع ما في الصحيحين من المتصل المرفوع: صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون من أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين، كما عليه هذا الجاهل الأحمق من إنكار العمل بنصوص الكتاب والسنة. فأين تقع أقوال هذا الملحد مع سنة رسول الله ﷺ ؟ ومما روي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنه أتاه رجل، فسأله عن مسألة: فقال الشافعي: قضى رسول الله ﷺ كذا وكذا. فقال الرجل للشافعي: أنت ما تقول؟ قال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟ ترى على وسطي زناراً؟ أقول لك قضى رسول الله ﷺ وأنت تقول لي ما تقول أنت؟ وأين يقع كلام هذا الملحد أيضاَ من سنة رسول الله ﷺ فيما رواه الهيثم بن جميل قال قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوماً وضعوا كتباً يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم؟ قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صح عندهم قول إبراهيم. فقال مالك: هؤلاء يستتابون وهذا القول من الإمام مالك في حق عمر ﵁ فكيف بمن يرد أحاديث رسول الله ﷺ – التي هي في صحيح البخاري- جملة واحدة، وما في غيره أيضاً من كتب الحديث. وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهم الله تعالى: قلت لأبي: رجل وقعت له مسألة. وفي البلد رجل من أهل الحديث، فيه ضعف. وفقيه من أهل الرأي، أيهما يسأل؟ قال: لا يسأل أهل الرأي. ضعيف الحديث خير من قوي الرأي. هذا هو كلام أئمة الهدى والدين المقتدى بهم، وهذا أدبهم مع سنة رسول الله ﷺ ، فأين هذا الملحد من تقليدهم واتباع سبيلهم؟.
стр. 345
سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرب
ومن تأمل كلام هذا الملحد يعلم أنه كلام جاهل متهوس لا قيمة له، ولا يستحق إضاعة الوقت في مناقشته، ومع أنا قد رددنا على جميع أقواله هذه في مناسبات كثيرة من ردنا هذا. فإن عادة هذا الملحد تكرير الكلام، مع الخلط والتناقض في كل ما يكتبه فلا نطيل في تتبع زلاته ووخيم خزعبلاته.
стр. 346
جهله بالأصول وطعنه في أحاديث الرسول
...
قال الملحد: "بينما كنت أكتب في هذا الفصل رأيت في سنن أبي داود ثمانية أحاديث في احتجام الصائم خمسة في حظره، وثلاثة في إباحته. وما بين أبو داود أيها الناسخ وأيها المنسوخ؟ ومن رواة الحظر: الإمام أحمد، فمن أين لنا الوقوف على الصواب لو لم يبين الإمام مالك وغيره أن حديث الحظر كان عام الفتح، وحديث، الإباحة كان في حجة الوداع، فالثاني ناسخ للأول؟ ".
أقول: إذا كان هذا الجاهل الأحمق ممن طبع الله على قلبه، وصدق فيه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان، الآية:٤٤] فما على الإمام أبي داود وغيره من أئمة أهل الحديث من بأس إذا كان هذا الجاهل الأحمق وأمثاله من المعترضين عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ لا يفهمون منها مواقع الخطاب. ولا حدود الحلال من الحرام، ولا يميزون بين الرخص والعزائم ولا يعرفون الناسخ من المنسوخ، ولا المفصل من المجمل، ولا المقيد من المطلق، ولا الخاص من العام، إلى غير ذلك من القيود والشروط التي يجب معرفتها على كل من يريد أن يعقل عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ أحكام دينه وفقه شريعته. ثم إن هؤلاء الجهلة يزعمون – كذباً منهم- على أئمة أهل الحديث: أنهم لم يتعرضوا لبيان علوم الكتاب والسنة، بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها. وقد بينا بطلان هذه الدعوى بما قدمناه قريباً من ردنا هذا. وبينا فضل أئمة أهل الحديث وما قاموا به من حفظ شريعة المصطفى ﵊، وما أبرزوه لهذه الأمة من أحكامها وغوامض معانيها خالصة نقية، كما خرجت من مشكاة النبوة فقيها
стр. 347
كمال الهدى والنور لكل مفيد ومستفيد بما أغنى عن إعادته ههنا.
وقد صنف بعض الأئمة في علم الناسخ والمنسوخ وما يلحق بهما كتباً مستقلة ككتاب الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس، وكتاب الموجز في الناسخ والمنسوخ للإمام ابن خزيمة ﵀ وكتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحافظ أبي بكر محمد بن موسى ألحازمي، وغيرهم ممن تكلم على هذا العلم الذي ليس هو من عويص العلوم، ولا من بحوره المتلاطمة الأمواج، بل هو علم محدود لا خفاء فيه إلا على المقلدين الجامدين على التقليد الأعمى. أمثال الحاج مختار وشيعته الضالين الذين يقولون: إن الناسخ والمنسوخ هو أوسع أسباب الاختلاف بين الصحابة والتابعين والأئمة وأنه عقبة كئود دون فهم نصوص الكتاب والسنة، بل حائل دون الأخذ بأحكامهما إلا بواسطة تقليد الرجال، والقول بقولهم لا بقول الله ولا بقول رسول الله ﷺ . وهذا الجاهل الأحمق يقول: "بينما كنت أكتب في هذا الفصل" إلى آخر ما ذكره. وهذا منه تشويه لوجه الحق، وقلب للحقائق فإن أبا داود رحمه الله تعالى قد أبان معنى الأحاديث، وميز بين ما دلت عليه من الحظر والرخصة. فقال: "باب في الصائم يحتجم" أورد فيه حديث ثوبان وما في معنا إلى آخر الباب. ثم قال: "باب الرخصة في ذلك" أورد فيه حديث ابن عباس ﵄: "أن الرسول ﷺ احتجم وهو صائم" إلى آخره، فما يريد هذا الأحمق من أبي داود غير هذا البيان؟ ولكن كما قيل:
عليك بالبحث أن تبدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر
فأما جزم المعترض الأحمق بأن حديث الحظر كان عام الفتح، وحديث الإباحة كان في حجة الوداع، ودعواه نسخ الأول بالثاني. فهذا ليس بصحيح لأنه لم يثبت تأخر حديث الرخصة على حديث الحظر. ولم تثبت صحة الزيادة التي في حديث ابن عباس. وهي قوله: "في حجة الوداع" والخلاف في هذه المسألة معروف في محله من كتب الأحكام، وإنما القصد
стр. 348
بيان خطأ هذا الجاهل وافترائه على أئمة أهل الحديث.
قال الجاهل الأحمق: "ورأيت في كثير من أبواب البخاري أحاديث قد أجمعت الأمة على أن أحكامها منسوخة، ولا تجد في البخاري حديثاً يشير لنسخ واحد منها وأمثال هذا لا يكاد يحصى، فذكرت هذا استطراداً".
والجواب: أن هذا الملحد قد تعمد الكذب الصريح الذي لا مغالطة فيه، لا يخشى فيه ما توعد الله به أمثاله من الكاذبين في قوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود، الآية:١٨] يقول هذا الملحد: إنه رأى في كثير من أبواب البخاري أحاديث قد أجمعت الأمة على نسخ أحكامها. وأن البخاري لم يشر إلى نسخ واحد منها قال: وأمثال هذا لا يكاد يحصى وأنه ذكر هذا استطراداً، وهذا الكلام المنكر من هذا الملحد الضال لا شك أنه استطراداً منه بالكذب لنصرة الباطل. يقصد به الطعن في أحاديث المصطفى ﷺ . فقد قال: إنه يستحيل أخذ الأحكام منها مباشرة. لأن فيها الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصل، وأنه لا يعرف صحيحها من ضعيفها- إلى غير ذلك من أقوال هذا الملحد – التي يريد بها الصد عن العمل بنصوص الكتاب والسنة إلى وجوب التقليد.
ولم يكتف هذا الملحد بالكذب على صحيح البخاري، ورمى صاحبه بالتدليس. بل قال: "إن كتب الحديث ليس فيها بيان ولا إشارة تهدي إلى الصواب" إلى آخر ما قاله من الزور والفجور في حق أحاديث الرسول ﷺ بل زاد على ذلك بأن الأمة قد أجمعت على ما زعمه من نسخ كثير من أحاديث صحيح البخاري، مستهيناً بهذه الأمة التي هو بين أظهرها، يفتري عليها الكذب بكل جراءة ووقاحة. لا يرى عليه حسيباً في الدنيا ولا محاسباً في الآخرة بريئة منه ومما نسبه إليه. فقد أجمعت الأمة قديماًً إجماعاً صحيحاً على قبول صحيح البخاري، وصحة ما فيه من أحديث الرسول ﷺ . وفي كتاب "الحطة في ذكر الصحاح السنة" قال: "وأما الصحيحان: فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما
стр. 349
فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين". وقال الإمام عماد الدين بن كثير رحمه الله تعالى: "وكتاب البخاري الصحيح يستسقى بقراءته الغمام، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهل الإسلام" وفي مقدمة فتح الباري على صحيح البخاري: قال أبو جعفر العقيلي: "لما صنف البخاري رحمه الله تعالى كتاب الصحيح عرضه على ابن ألمديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم. فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث". قال العقيلي: "والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة" وقال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: "إن الإجماع الصحيح من الأمة على أن النسخ الواقع في جملة أحاديث الرسول ﵊ لا تبلغ عشرة أحاديث. قالوا: ولا شطرها". انتهى.
فأين هذا مما يزعمه هذا الملحد الضال على أحاديث صحيح البخاري، فضلاً عن جملة أحاديث الرسول ﷺ ؟.
قال الملحد: "وأما قولكم: إنا لا قصد لنا إلا الرجوع إلى الشريعة وإلى ما كان عليه السلف..الخ، فنسألكم: أي شريعة تعنون؟ وأي سلف تريدون؟ فإن قلتم: نعني الشريعة المحمدية ونريد الصحابة والتابعين قلنا لكم: فلنعم ما عنيتم، ونعم ما أردتم. لكنا لا نكون معكم كما قيل: أعمى يقود بصيراً، بل نطالبكم بالدليل لنكون باتباعكم كما نحن باتباع أئمتنا على يقين".
الجواب: أن هذا الملحد يخلق ما يقول، مستحلاً الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ وعلى عباده المؤمنين. فنحن لم نقل: إن قصدنا الرجوع إلى الشريعة وما كان عليه السلف، لأننا لم نخرج عنهما، حتى ندعي الرجوع إليهما. ولم نسلك بحمد الله تعالى طريقاً غير طريق السلف الصالح من هذه الأمة. ولا نعرف شريعة غير شريعة نبينا محمد ﷺ . وهي الشريعة التي ختم الله بها جميع الشرائع. فما وجه سؤال هذا الملحد واستفساره عن أي شريعة نعني؟
стр. 350
وعن أي سلف نريد؟ فهل عنده شرائع متعددة، أو سلف غير من حملوا هذه الشريعة المحمدية إلينا؟ حتى يورد علينا هذا السؤال اللائق به، وبكل أعمى ممن قلدهم، من الملحدين الصادين عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . فالكتاب والسنة هما دليلنا وحجتنا. ومن قال بهما فهو إمامنا وليس لنا سلف إلا من أرشدنا نبينا ﷺ إلى اتباع سنتهم، حيث يقول: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعه ضلالة" فأما الذين يدعون تقليد الأئمة الأربعة، وهم مخالفون لهم فيما هم مجمعون عليه، من النهي عن تقليدهم وتقليد غيرهم، ومع ذلك أيضاً يخالفون فيما هم مجمعون عليه من أصول الدين فضلاً عن فروعه: فدعواهم هذه من أبطل الباطل، بل حقيقتها المغالطة باسم تقليد الأئمة، لترويج باطلهم. يشهد لذلك ما نحن بصدد الرد عليه، مما جاء في رسالة هذا الملحد التي هي بين أيدينا، فقد حشاها بالبدع والشرك في عبادة الله تعالى، ناسباً عمله هذا إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وإلى مذهب من قلده من الأئمة الأربعة، يرى ذلك كل مطلع عليها ممن نور الله بصيرته.
يقول هذا الملحد: "هذه كتب أئمتنا وأتباعهم- إلى قوله- أأنتم أعلم بشريعة محمد ﷺ وطريقة أصحابه وتابعهم، أم من تقدم ومضى من أعلام الفقهاء وأجلاء المحدثين والمفسرين والأولياء والفلاسفة والحكماء من أهل السنة؟ أرأيتم أم سمعتم أن أحداً منهم كان على غير مذهب من المذاهب الأربعة، أو أن أحداً منهم تصدى لوضع مذهب خامس؟ فالافتراء على الأحياء والأموات، وادعاء الإنسان بما ليس فيه سهل. لكن الامتحان يكشف الحق ويكب المبطل على وجهه، فتسود وجوه وتبيض وجوه" إلى آخر ما قاله من الهذيان الذي لا طائل تحته.
فأما قوله" "هذه كتب أئمتنا" فإن كان يقصد الأئمة الأربعة وأتباعهم المحققين لمذهب أئمتهم وما دونوه من الكتب الصحيحة المنقحة في مذهب كل
стр. 351
إمام منهم، فليس لنا اعتراض عليها ونحن أعلم بها منه فإليها نرجع، وهي الحكم بيننا وبين هذا المفتري الضال، والله خير الحاكمين.
وأما إن كان يريد الفلاسفة والحكماء ودحلان وأمثالهم: فلا نلتفت إليه ولا ننظر في كتبهم إلا لرد باطلهم، وتفنيد أكاذبيبهم.
стр. 352
الملحد ليس على مذهب من المذاهب الأربعة
...
وأما قوله: "أرأيتم أم سمعتم – إلى أخره" فالجواب أننا قد رأينا وسمعنا: أن هذا المعترض ليس على مذهب من المذاهب الأربعة، بل هو من المفترين عليهم وهو أيضاً من المفترين على الأحياء والأموات، وهو الذي يدعي لنفسه ما ليس لها. وعند الامتحان يوم القيامة: سوف ينكشف جهله ويظهر الحق على باطله، فيكبه الله على وجهه مسوداً يوم تبيض وجوه أهل السنة والجماعة. وسيأتي هو إن شاء الله تحت لواء مسيلمة الكذاب. لأنه قد وافق مسيلمة بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ . أما شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فسيأتي إن شاء الله تعالى تحت لواء سيد المسلمين لأنه من أنصاره والمجدد لما اندرس من ملته الحنيفية. فهو أحق بها وأهلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة، الآية: ١٢٠] .
стр. 353
عقيدة الملحد في التوسل والرد عليها
...
قال المعترض: "المسألة الثانية في التوسل والزيارة إذا سبق القضاء بشقاء إنسان، تنوعت عليه أساليب إغواء الشيطان، وتفتحت له أبواب الشقاء، فيدخل الشيطان الكفر عليه والعياذ بالله تعالى من باب العبادة، من حيث يرى فيه ميلاً إليه. وقد دخل علي في واقعة حال وقعت لي وأنا في المدينة، فالتزمت التوسل ونذرت صدقه فأتاني من حيث يميل طبعي، فقال: إذا كان القضاء مبرماً والقدر مقدراً، فما فائدة التوسل والصدقة؟ فاتركهما والزم التوكل والتسليم فوقع في نفسي هذا الكلام وملت إليه لكن الله اللطيف أراني في تلك الليلة رؤيا عصمني بها من شر هذا الخبيث".
أقول: إنه مما يجب التنبيه عليه ههنا:
أولاً: هو بيان معنى التوسل والزيارة في عرف ومذهب هذا المعترض لئلا
стр. 354
يلتبس الحق بالباطل. فإن التوسل والزيادة عنده هما: دعاء الأموات استقلالاً من دون الله تعالى، والغلو بالقبور وأصحابها وجعلهما أوثاناً تعبد من دون الله تعالى. وهكذا يتذرع أعداء الله وأعداء رسول الله – لستر ضلالهم – بذكر الأسماء فقط، وقلب الحقائق. فيصادمون نصوص الكتاب والسنة، ويحرفونها عن مواضعها، وقد مهد هذا المعترض لما يسميه مسألة "التوسل والزيادة" بكلام هو أحق به. لأنه ينطبق على قوله وعمله وقد شهد بذلك على نفسه فقال: "وقد دخل علي الشيطان في واقعة حال وقعت لي وأنا في المدينة" إلى آخر القصة. فرجل – كهذا الأحمق – ينزل نفسه منزلة العلماء بل منزلة من يزعم أنه من الأولياء، يقر على نفسه بأن الشيطان دخل عليه فشككه في مسألة من الدين، لا تخفى إلا على الجهلة الطغام أمثاله. وهي أن التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة – من الدعاء ونذر الصدقات لوجه الله تعالى – ينافي التوكل على الله، والتسليم لقضائه وقدره، وأنه أيضاً أتاه الشيطان من حيث يميل طبعه، وهذه شهادة أخرى على جهله وأنه يميل إلى التشكك في أمور دينه. ولم يجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه ﷺ ما يدفع به شر هذا الخبيث. حتى رأى رؤيا في المنام عصمه الله تعالى بها – بزعمه – من شر هذا الخبيث، والواقع أنه زاد استخذاءً له، وازداد تمكن الشيطان منه بزيادة غفلته وعماه عن هدى الله في كتابه وسنه رسوله ﷺ .
نقول: إن هذا رجل أجنبي عن دين الإسلام، فما هو دخل الرؤيا في الأحكام – نفياً أو إثباتاً – ثم ما غرض هذا المشعوذ من إيراد هذه القصة الزائفة، إلا ليزكي بها نفسه، ويعلن أنه من الأولياء الذين يزعم أنهم يأخذون الأحكام من ذات النبي ﷺ بعد وفاته مشافهة. وذلك إما بطريق الرؤيا، أو بكشف الحجاب، وأن ذلك يغنيهم عن النظر في الكتاب والسنة؟ هذا ما يقوله فيما تقدم من رسالته هذه. ولولا تزكية هذا الأحمق لنفسه ما كان لإيراد هذه القصة معنى ولا فائدة، إلا فضيحة نفسه، والله تعالى لا يصلح عمل المفسدين.
وأما قول المعترض: "وقد يرمي الإنسان في شرك الشرك من طريق الطاعة
стр. 355
كما رمى الوهابيين وإخوانهم بإغواهئم على أن التوسل بجاه الرسول ﵊ وزيارة قبره الشريف: شرك بالله ومناف للتوحيد، وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين. فذهب بإيمانهم تحت ستار العبادة، وغرس في قلوبهم بغض رسول الله ﷺ ومعاداته بتعليل الطاعة، ففسروا الزيارة بمعاني عبادة الأوثان، وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق".
فنقول: إن دعوى المعترض على الوهابيين وإخوانهم بأنهم يقولون: إن التوسل بجاه الرسول ﷺ وزيارة قبره الشريف: شرك بالله ومناف للتوحيد، كذب وافتراء من المعترض، بل إن الوهابيين وإخوانهم يقولون: إن التوسل بجاه المخلوقين كافة لم يشرعه الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا فعله أصحابه، ولا التابعون من بعدهم، ولا قال به الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. وإذا كان ذلك كذلك فهو خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وما كان عليه أصحابه ﵃. وكذلك التابعون من بعدهم فيكون ذلك مردوداً على من جاء به بنص رسول الله ﷺ كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد" هذا ولو لم يكن في هذا الحدّث إلا مخالفة أمر الرسول ﵊ ومخالفة عمله وعمل أصحابه ﵃ والتابعين من بعدهم، لكفى في رده. فضلاً عن أنه من أعظم وسائل الشرك في عبادة الله تعالى، كما هو معروف اليوم من أعمال الجهلة الغلاة بالقبور والمقبورين.
وأما زيارة قبر الرسول ﷺ فإنها عند الوهابيين من أفضل الأعمال، وكذا زيارة المسلمين فإنها سنّة، وذلك على ما شرعه رسول الله ﷺ لأمته فيما علمه لأصحابه. وأما شد الرحال لزيارة القبور كافة: ففيها خلاف بين العلماء وحجة المانعين لشد الرحال إليها أقوى.