← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إمام منهم، فليس لنا اعتراض عليها ونحن أعلم بها منه فإليها نرجع، وهي الحكم بيننا وبين هذا المفتري الضال، والله خير الحاكمين. وأما إن كان يريد الفلاسفة والحكماء ودحلان وأمثالهم: فلا نلتفت إليه ولا ننظر في كتبهم إلا لرد باطلهم، وتفنيد أكاذبيبهم.

стр. 352

الملحد ليس على مذهب من المذاهب الأربعة ... وأما قوله: "أرأيتم أم سمعتم – إلى أخره" فالجواب أننا قد رأينا وسمعنا: أن هذا المعترض ليس على مذهب من المذاهب الأربعة، بل هو من المفترين عليهم وهو أيضاً من المفترين على الأحياء والأموات، وهو الذي يدعي لنفسه ما ليس لها. وعند الامتحان يوم القيامة: سوف ينكشف جهله ويظهر الحق على باطله، فيكبه الله على وجهه مسوداً يوم تبيض وجوه أهل السنة والجماعة. وسيأتي هو إن شاء الله تحت لواء مسيلمة الكذاب. لأنه قد وافق مسيلمة بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ . أما شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فسيأتي إن شاء الله تعالى تحت لواء سيد المسلمين لأنه من أنصاره والمجدد لما اندرس من ملته الحنيفية. فهو أحق بها وأهلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة، الآية: ١٢٠] .

стр. 353

عقيدة الملحد في التوسل والرد عليها ... قال المعترض: "المسألة الثانية في التوسل والزيارة إذا سبق القضاء بشقاء إنسان، تنوعت عليه أساليب إغواء الشيطان، وتفتحت له أبواب الشقاء، فيدخل الشيطان الكفر عليه والعياذ بالله تعالى من باب العبادة، من حيث يرى فيه ميلاً إليه. وقد دخل علي في واقعة حال وقعت لي وأنا في المدينة، فالتزمت التوسل ونذرت صدقه فأتاني من حيث يميل طبعي، فقال: إذا كان القضاء مبرماً والقدر مقدراً، فما فائدة التوسل والصدقة؟ فاتركهما والزم التوكل والتسليم فوقع في نفسي هذا الكلام وملت إليه لكن الله اللطيف أراني في تلك الليلة رؤيا عصمني بها من شر هذا الخبيث". أقول: إنه مما يجب التنبيه عليه ههنا: أولاً: هو بيان معنى التوسل والزيارة في عرف ومذهب هذا المعترض لئلا

стр. 354

يلتبس الحق بالباطل. فإن التوسل والزيادة عنده هما: دعاء الأموات استقلالاً من دون الله تعالى، والغلو بالقبور وأصحابها وجعلهما أوثاناً تعبد من دون الله تعالى. وهكذا يتذرع أعداء الله وأعداء رسول الله – لستر ضلالهم – بذكر الأسماء فقط، وقلب الحقائق. فيصادمون نصوص الكتاب والسنة، ويحرفونها عن مواضعها، وقد مهد هذا المعترض لما يسميه مسألة "التوسل والزيادة" بكلام هو أحق به. لأنه ينطبق على قوله وعمله وقد شهد بذلك على نفسه فقال: "وقد دخل علي الشيطان في واقعة حال وقعت لي وأنا في المدينة" إلى آخر القصة. فرجل – كهذا الأحمق – ينزل نفسه منزلة العلماء بل منزلة من يزعم أنه من الأولياء، يقر على نفسه بأن الشيطان دخل عليه فشككه في مسألة من الدين، لا تخفى إلا على الجهلة الطغام أمثاله. وهي أن التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة – من الدعاء ونذر الصدقات لوجه الله تعالى – ينافي التوكل على الله، والتسليم لقضائه وقدره، وأنه أيضاً أتاه الشيطان من حيث يميل طبعه، وهذه شهادة أخرى على جهله وأنه يميل إلى التشكك في أمور دينه. ولم يجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه ﷺ ما يدفع به شر هذا الخبيث. حتى رأى رؤيا في المنام عصمه الله تعالى بها – بزعمه – من شر هذا الخبيث، والواقع أنه زاد استخذاءً له، وازداد تمكن الشيطان منه بزيادة غفلته وعماه عن هدى الله في كتابه وسنه رسوله ﷺ . نقول: إن هذا رجل أجنبي عن دين الإسلام، فما هو دخل الرؤيا في الأحكام – نفياً أو إثباتاً – ثم ما غرض هذا المشعوذ من إيراد هذه القصة الزائفة، إلا ليزكي بها نفسه، ويعلن أنه من الأولياء الذين يزعم أنهم يأخذون الأحكام من ذات النبي ﷺ بعد وفاته مشافهة. وذلك إما بطريق الرؤيا، أو بكشف الحجاب، وأن ذلك يغنيهم عن النظر في الكتاب والسنة؟ هذا ما يقوله فيما تقدم من رسالته هذه. ولولا تزكية هذا الأحمق لنفسه ما كان لإيراد هذه القصة معنى ولا فائدة، إلا فضيحة نفسه، والله تعالى لا يصلح عمل المفسدين. وأما قول المعترض: "وقد يرمي الإنسان في شرك الشرك من طريق الطاعة

стр. 355

كما رمى الوهابيين وإخوانهم بإغواهئم على أن التوسل بجاه الرسول ﵊ وزيارة قبره الشريف: شرك بالله ومناف للتوحيد، وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين. فذهب بإيمانهم تحت ستار العبادة، وغرس في قلوبهم بغض رسول الله ﷺ ومعاداته بتعليل الطاعة، ففسروا الزيارة بمعاني عبادة الأوثان، وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق". فنقول: إن دعوى المعترض على الوهابيين وإخوانهم بأنهم يقولون: إن التوسل بجاه الرسول ﷺ وزيارة قبره الشريف: شرك بالله ومناف للتوحيد، كذب وافتراء من المعترض، بل إن الوهابيين وإخوانهم يقولون: إن التوسل بجاه المخلوقين كافة لم يشرعه الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا فعله أصحابه، ولا التابعون من بعدهم، ولا قال به الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. وإذا كان ذلك كذلك فهو خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وما كان عليه أصحابه ﵃. وكذلك التابعون من بعدهم فيكون ذلك مردوداً على من جاء به بنص رسول الله ﷺ كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد" هذا ولو لم يكن في هذا الحدّث إلا مخالفة أمر الرسول ﵊ ومخالفة عمله وعمل أصحابه ﵃ والتابعين من بعدهم، لكفى في رده. فضلاً عن أنه من أعظم وسائل الشرك في عبادة الله تعالى، كما هو معروف اليوم من أعمال الجهلة الغلاة بالقبور والمقبورين. وأما زيارة قبر الرسول ﷺ فإنها عند الوهابيين من أفضل الأعمال، وكذا زيارة المسلمين فإنها سنّة، وذلك على ما شرعه رسول الله ﷺ لأمته فيما علمه لأصحابه. وأما شد الرحال لزيارة القبور كافة: ففيها خلاف بين العلماء وحجة المانعين لشد الرحال إليها أقوى.

стр. 356

وأما قول المعترض: "وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين" فنقول: سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم، وسنة الغواية لما جاء في القرآن قول وخيم. وهذه جرأة من هذا المعترض تليق بحماقته وجهله، وإلا فإن القرآن العظيم قد جاء لهداية الخلق إلى الحق وإلى طريق السعادة، وتحذيرهم وإنذارهم على طريق الشقاوة والغواية. والقرآن عربي غير ذي عوج أنزله الله هي سنته ﷺ وفيها بيان شرعه، وتفصيل ما أجمل في كتاب ربه، فلم يترك ﷺ خيراً إلا دل أمته عليه، ولا شراً إلا حذرها عنه. وقال ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".

стр. 357

افتراؤه بأن القرآن جاء بالتوسل بالرسل والأولياء ... فقول المعترض: "إن ما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين: هو الذي ذهب بإيمان الوهابيين تحت ستار العبادة" قول مفتر وقح. لا يعرف ما جاء في القرآن العظيم، بل هو من الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون. أما الوهابيون: فإن الكتاب والسنّة هما الإمام المتبع لهم، سالكين طريق السلف الصالح، من الصحابة والتابعين ومن تبعهم. لا يحيدون عن طريقهم ولا يقولون في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ من عند أنفسهم، ولا ينفردون بقول لا يشهد له الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومن تبعهم من الأئمة المحققين. ويعتمدون في القرآن على تفاسير الأئمة المتفق على إمامتهم، كتفسير الإمام محمد بن جرير الطبري، والإمام العماد ابن كثير وغيرهما من أئمة المفسرين. وأما السنّة المطهرة: فعندهم مدونات الحديث، كالصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها من كتب الحديث وشروحها لأئمة أهل الحديث. لا يقولون في شيء منها برأيهم، بل الحق ضالتهم مع من كان. فالوهابيون يعلمون أن نبيهم محمداً ﷺ هو خاتم النبيين، وأن الله تعالى أرسله للناس كافة بشيراً ونذيراً، وأنزل عليه كتاباً لا تغيير فيه ولا تبديل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن ما جاء فيه من الأحكام والأمر والنهي والوعد والوعيد فه ولكافة الأمة المحمدية من أولها إلى آخرها حتى قيام الساعة. وأما القول بأن الآيات

стр. 358

التي نزلت بحق المشركين من العرب: لا يجوز تطبيقها على من عمل عملهم ممن يتسمى بالإسلام، لأنه يقول: "لا إله إلا الله" فهو قول من أغواه الشيطان فآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، لأن مجرد اللفظ بقول "لا إله إلا الله" مع مخالفة العمل بما دلت عليه، لا تنفع قائلها ما لم يقم بحق "لا إله إلا الله" نفياً وإثباتاً. وإلا كان قوله لغواً، لا فائدة فيه، وقد قاتل أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة. وقال: "إنها من حق لا إله إلا الله" إلى آخر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي رضي الله عته قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنيني، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط فمررنا بسدرة. فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر. إنها السنن. قلتم والذي نفسه بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم" فأين هذا ممن يدعون الأموات استقلالاً من دون الله تعالى، ويصرفون لهم من العبادات ما لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، ويعتقدون فيهم النفع والضر، والقدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله ﵎؟ فالمعترض يريد تعطيل أحكام الكتاب والسنّة وقصرها على من نزلت فيهم. وهذا القول يقتضي رفع التكليف عن آخر هذه الأمة، والرجوع بها إلى الجاهلية الأولى. أم الوهابيون وإخوانهم: فأنهم متمسكون بكتاب الله تعالى سنّة نبيّه ﷺ وهما قدوتهم ومن قال بهما، فإنهما يدفعان عمن يتمسك بهما الغواية، ويغرسان في قلبه حبَّ الرسول ﷺ وموالاته، ومعاداة من ألحد فيها وحرفهما عن مواضعهما، أمثال هذه الأحمق المستحق لوصفه بالشقاوة، والبعد عن الحق. والله تعالى هو الحكم العدل، وسيحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.

стр. 359

ادعاؤه بأنه لا يجوز تطبيق صفات الكافرين والمشركين على المسلمين ولو عملوا مثل أعمالهم واعتقدوا مثل عقائده ... قال المعترض: "ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شركاً لأنهم يزورون الأمراء والحكام، ويتزلفون إليهم، ويتوسلون ببعضهم في

стр. 360

حوائجهم بكل قول وعمل. وربما خاب أملهم بما يرجون فماذا علينا إذا توسلنا بجاه من فضله الله على كل خلقه في طلب نعيم دائم ورضا كريم. لا يمن ولا ينفع أو بقضاء حاجة دنيوية؟ فالمؤمن لا يعتقد لمخلوق فعلاً أو تأثيراً. وقد بسط العلماء الجواب عما يفعله العوام مما يظن أن فيه شبهة شرك، وما هي فيه. ونحن وإياهم ما نقصد بذلك إلا إتباع أمر الله تعالى باتخاذ الوسائل، وابتغاء الأسباب التي منها السعي والكسب والدعاء، واتخاذ الوسائط، والتوسل بجاه أحبابه. وكل هذا صريح في القرآن العظيم والسنّة. لكن إذا سبق الشقاء عميت الأبصار وضلت البصائر". أقول: إن المعترض يعني بالتأويل الباطل: تطبيق الآيات القرآنية على جميع الأمة المحمدية، حتى تقول الساعة، فمن اتصف بصفات أهل الخير وعمل عملهم فهو منهم ومن اتصف بصفات أهل الشرك والكفر وعمل عملهم فهو منهم. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة. حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ". يقول المعترض: إننا نتأوَّل آيات نزلت بحق المشركين وقد مضوا. فمن تسمّى بالإسلام ولو عمل عملهم فأنه لا يضره ذلك، ولا يسمى مشركاً. وهذا قول من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفساد هذا القول معلوم بنصوص الكتاب والسنّة التي لا تقبل تأويلاً. ولا يجهلها إلا معاند أو معرض عن معرفة ما فرضه الله تعالى عليه من واجبات دينه. وأما قول المعترض: "إنهم بهذا التأويل يكونون أشد الناس شركاً لأنهم يزورون الأمراء والحكام ... إلى آخره". فإنه قول غبي أحمق، وهو أن دعاء الأحياء فيما بينهم ومخاطبة بعضهم بعضاً في قضاء حوائجهم، وسؤال الضعيف من القوي فيما هو تحت قدرته:

стр. 361

يكون كدعاء الأموات أو الغائبين، وسؤالهم ما لا يجوز سؤاله إلا من رب العالمين. بل يقول المعترض: إن بحق الأحياء أشد شركاً مما هو في حق الأموات والغائبين والله تعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر، الآية:٢٢] وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ومن المعلوم بالحس والعقل أنه إذا مات الإنسان فقد انقطعت عنه كل صلة في هذه الحياة الدنيا، وانقطع عنه كل حبيب من قرب أو بعيد، وأفضى إلى عالم آخر، وبرزخ ينتظر فيه يوماً: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج، الآية:٢] لا يملكون لأنفسهم نفعاً. ولا يدفعون عنها ضراً فضلاً عن غيرهم أإله من الله أيها المشركون المتعلقون على الأموات؟ وأما الأحياء: فإنهم في دار التكليف، خلقهم الله تعالى لعبادته، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً، وقدرة وإرادة. وجعل منافعهم مشتركة فيما بينهم وأمرهم بالتعاون، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. ليتخذ بعضهم بعضاً سُخررياً كل ذلك لحكمة، وهي عمارة هذا الكون الذي يجمعهم ويعيشون فيه ولولا ذلك لتعطلت الأسباب، واختل نظام العالم أجمع، فالمساواة بين الأحياء والأموات، وتكليف الأموات بأعمال الأحياء مخالف للمعقول والمنقول، بل للمحسوس الملموس المستقر في فطرة كل مخلوق، إلا من سلب عقله وينه، والحمد لله الذي عافانا. وأما قول المعترض: "فماذا علينا إذا توسلنا بجاه مَم فضَّله الله على كل خلقه؟ " فقد تقدم الجواب عنه قريباً فلا نعيده. وأما قوله: "فالمؤمن لا يعتقد أن لمخلوق فعلاً أو تأثيراً". فالجواب: أن من يجعل المخلوق شريكاً لله تعالى في عبادته يخافه

стр. 362

ويرجوه، ويدعوه من دون الله تعالى لنفعه، وكشف ضره، إلى غير ذلك مما يصرفه له من أنواع العبادة: فأن هذا مشرك وليس بمؤمن وكيف يكون مؤمناً من يتعلق على الأموات، يخافهم ويرجوهم، وينذر لهم النذور ويقرب لهم القرابين، معرضاً عن رب كريم، قادر سميع بصير، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، إلى ميت عاجز قد انقطع عمله؟ والله تعالى يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] ويقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل، الآية:٦٢] . ثم يقال لهذا المعترض الأحمق: من هم العلماء الذي تقول عنهم إنهم بسطوا الجواب عما يفعله غلاة عباد القبور من الشرك بالله عندها. وزعموا أن عملهم هذا ليس بشرك فلا بد أن هؤلاء العلماء الذين يقول عنهم المعترض هذا القول هم الذين قادوه إلى الضلالة، وأوقعوه في الهاوية، كدحلان وأمثاله من أئمة الضلال. وأما المغالطة وتحريف آيات الكتاب وأحاديث السنّة المطهرة فهذه هي بضاعة أهل الباطل. وأما قوله: "ونحن وإياهم ما نقصد بذلك إلا إتباع أمر الله تعالى". فهذه كذب على الله تعالى. فأن الله لم يأمر بأن يشرك معه أحد في عبادته و ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل، الآية:١٠٥] إن الذين صرح به القرآن هو النهي عن الشرك قليله وكثيره وتخليد المشركين في نار جهنم، وتحريم الجنة عليهم. وأما هذه الحجج التي ينتحلها المعترض فإنما هي حجج باطلة، بل مفاتيح لأبواب الشرك في عبادة الله تعالى، وما يقصد منتحلو هذه الحجج إلا إتباع أهوائهم، وما يسوله لهم الشيطان. فإن هذه الأسماء التي يغالطون بها من اسم "الوسيلة، والشفاعة، والوسائط" وغيرها مجرد أسماء مقلوبة الحقائق. وإنما هي دعاء غير الله تعالى وصرف عبادته لهؤلاء الأموات، الذي يزعمون أنهم وسائط بينهم وبين الله

стр. 363

تعالى وأنهم يشفعون لهم عند الله وقد جاء القرآن بتكذيبهم وتضليلهم ودحض باطلهم لا كما يدعي هذا الملحد.

стр. 364

قوله بحياة الرسول في قبره والرد عليه ... وأما قوله: "وحيث إن هذه المسألة ذات فروع، ويتعلق بها مسائل أخر فأقسمها إلى مباحث: المبحث الأول: في حياة الرسول ﵊ أعلم أن هذه المسألة من أهم المسائل التي اختلف فيها علماؤها ببعضهم، وهم والمعتزلة وغيرهم. وسببه عدم وجود نص في القرآن العظيم يبيّن كيفية حياته ﵊ بعد وفاته، يؤيد الأحاديث الدالة على حياته الجسدية بعد وفاته، وحيث إن هذه الأحاديث مع أحاديث المعراج المشيرة لحياة بعض الرسل الذين رآهم ﵊ في تلك الليلة، وآيتي سورة البقرة وسورة آل عمران المذكور فيهما حياة الشهداء: تكون حجة قوية بإثبات حياته الجسدية من نص القرآن بقاعدة القياس التي هي أحد أصول الدين عندنا. فما أدري كيف غفل علماؤنا عنها؟ وذهب النافون منهم وراء تعاليل يعارضها النص والعقل ... إلى آخر ما هذى به". والجواب: أن في كلام هذا الأحمق من العجمة وسوء التعبير ما هو اللائق بجهله وحماقته. وقد جعل حياة الرسول ﷺ البرزخية بعد وفاته من فروع مسألة التوسل ومتعلقاتها. وثم مضى في بيداء جهله وإتّباع هواه يقلب الحقائق وينصر الباطل والله تعالى لا يصلح عمل المفسدين. فأما قوله: "اعلم أن هذه المسألة من أهم المسائل التي اختلف فيها علماؤنا ببعضهم وهم والمعتزلة وغيرهم". فنقول: إن هذه المسألة التي يعنيها الأحمق ليست كما قال: ذات أهمية لغموضها، وعدم بيانها إلا عليه وعلى علمائه الذين ذكرهم. وإلا فقد وردت بها نصوص الكتاب والسنّة، ولم يختلف أحد من علماء المسلمين المقتدى بهم في أن هذه الحياة البرزخية عامة لجميع الخلق. أما حياة الشهداء البرزخية التي

стр. 365

خصوا بها دون غيرهم فهي جزاء لهم على ما قاموا به من إجابة داعي الجهاد في سبيل الله تعالى وبيع أرواحهم لله ابتغاء مرضاته، وطلباً لوعده بأن لهم الجنة في الدار الباقية، يرزقون من نعيمها المقيم، في حياتهم البرزخية قبل غيرهم، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى. لا أنهم يردون إلى الحياة الدنيا حياة الهم والحزن والتكليف، كما يريده لهم هذا الأحمق ومشايخه أمثال دحلان والنبهاني الذين يزعمون أنهم أحيوا بعد موتهم، وردوا إلى حياتهم الدنيا إلا أنّا لا نراهم، وأنه يسمعون دعاء من يدعوهم، ويجيبون سؤال من يسألهم. ويقولون فوق ذلك: إن الأموات أفضل من الأحياء، وأقرب إلى الله تعالى منهم. فهم أولى وأحق بأن يسأل منهم كل ما يجوز سؤالهم من الأحياء والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر، الآية:٢٢] . وأما قوله: "إن سبب هذا الاختلاف هو عدم وجود نص في القرآن العظيم يبيّن كيفية حياته ﵊ بعد وفاته". فالجواب: أن هذا الأحمق قد غفل أو تغافل، أو جهل أو تجاهل، عما أنزله الله تعالى في كتابه الكريم، وما جاء في سنّة نبيّه ﷺ ، حيث يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: الآيتان٣٠-٣١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] ، وقوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء، الآيتان:٣٤-٣٥] ففي هذه الآيات قد سوى الله تعالى بين نبيه ﷺ وبين كل مخلوق في الموت والبعث، والاختصام عنده تعالى. وقال عن عبده ونبيه عيسى ﵇: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة، الآية: ١١٧] وأما السنّة فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع

стр. 366

عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وروى البخاري في صحيحه حديث الحوض وفيه: "ليردن عليَّ أناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك" وروى البخاري أيضاً في صحيحه عن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني فرطكم على الحوض، من مر عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردن عليَّ أقوام لم أعرفهم، ثم يحال بيني وبينهم" قال أبو حاتم: فسمعني النعمان بن عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته وهو يزيد فيه: "فأقول: إنهم من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي". وروى البخاري عن ابن عباس رض الله عنهما قال: "لما حُضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال- فقال النبي ﷺ هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ : قوموا عني. فكان ابن عباس ﵄ يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لنا ذلك، لاختلافهم ولغطهم". وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني مقبوض" وفي شرح المواهب اللدنية قال: ولما خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع قال للناس: خذوا عني مناسككم، فلعلني لا ألقاكم بعد عامي هذا، وطفق يودع الناس. فقالوا: هذه حجة الوداع، فلما رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بما يدعي خَمًّا في طريقه بين مكة والمدينة. فخطبهم وقال- بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ- أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب. ثم خض على التمسك بكتاب الله تعالى ووصى بأهل بيته. وعن عائشة ﵂: "أن عمر ﵁ لما مات رسول الله ﷺ قام يقول: والله

стр. 367

ما مات رسول الله، فجاء أبو بكر ﵁ فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فقبله وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً. والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً. ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رِسْلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر ﵄، فحمد الله وأنثى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر، الآية:٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] قال: فنشج الناس يبكون" رواه البخاري. ثم قال: "فرجع عمر ﵁ عن مقالته التي قالها" كما ذكره الوائلي أبو نصر عبد الله في كتاب "الإبانة" عن أنس بن مالك ﵁: أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ حين بويع أبو بكر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ استوى على منبره وتشهد عمر ﵁ ثم قال: "أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله تعالى، ولا عهد إليَّ رسول الله، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا- أي يكون آخرنا موتاً أو كما قال- فاختار الله ع وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم. وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله ﷺ . فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسوله ﷺ ". قال: واختلف في معنى قول أبي بكر ﵁: "لا يجمع الله عليك الموتتين" فقيل: هو على حقيقته وأشار بذلك إلى الرد على من زعم- هو عمر- أنه: "سيجئ فيقطع أيدي رجال" كما في البخاري في المناقب. قالت عائشة ﵂: وقال عمر: "وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم" لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى ثانية. إذ لا بد من الموت قبل يوم القيامة. فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره. كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف- أربعة، أو ثمانية، أو عشرة، أو ثلاثون، أو أربعون ألفاً- حذر الموت وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون

стр. 368

ببلادهم ففروا. فقال لهم الله: موتوا. فماتوا. ثم أحياهم بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل. فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالفن، واستمرت في أسباطهم، وكالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة، الآية: ٢٥٩] . وفيما أوردناه من نصوص الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في كيفية وفاة المصطفى ﵊، وفي حياته البرزخية التي يقول عنها الملحد: إنه لا يوجد نص في القرآن العظيم يبيّن كيفية حياته البرزخية بعد وفاته ﷺ كفاية في فضيحته وإشهار جهله بكتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ ، وأنه أجنبي عنهما جملة وتفصيلا.

стр. 369

تناقضه بادعائه الاجتهاد الذي نفاه نفاه قبلا وتفسيره القرآن بهواه ... ومع هذا الجهل المركب في هذا الملحد فهو يدعي الاجتهاد المطلق انظر إلى قوله: "وحيث إن هذه الأحاديث مع أحاديث المعراج المشيرة لحياة بعض الرسل، الذين رآهم ﵊ في تلك الليلة، وآيتي سورة البقرة وآل عمران المذكور فيهما حياة الشهداء: تكون حجة قوية بإثبات حياته الجدية من نص القرآن بقاعدة القياس التي هي أحد أصول الدين عندنا. فما أدري كيف غفل علماؤنا عنها؟ وذهب النافون منهم وراء تعاليل يعارضها النص والعقل" إلى آخر كلامه. فهذا الملحد الأحمق من الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإن هم إلا يظنون. فقد لبس ثوب الاجتهاد المطلق في تأويل كتاب الله تعالى بعدما كان ينكر وجوده في هذه الأمة من بعد عصر الأئمة الأربعة، ويضلل من يقول ببقاء الاجتهاد في هذه الأمة إلى قيام الساعة، ويكفر أيضاً من يخرج من تقليد أحد الأئمة الأربعة ويقول: "إنه خارج عن الإسلام، كما خرج إبليس من بين الملائكة" وها هو الآن يخالف الأئمة الأربعة ويخالف علماء الدين الذين نعى عليهم غفلتهم، عما أحاطت به قريحته من الاستدلال على حياة الشهداء

стр. 370

الجسمية من نص القرآن بقاعدة القياس التي يقول إنها أحد أركان الشرع عندنا. ويقول: "إن القياس المستعمل في الاستدلال ثلاثة: قياس اللغة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه. وحيث إن بحثنا هذا ينطبق القياس فيه على قياس العلة والدلالة، كما سترى، فإن أنكر عليّ منكر فليأت بالبرهان الناقض". ونحن نقول: لا برهان أصرح على فساد قياسك من انفرادك به، ومخالفتك للمعقول والمنقول، ولعلمائك الذين تدّعي تقليدهم، وإقراراك بذلك على نفسك حيث تقول: "فهذا ما ألقاه الله في روعي بدون أن أراه في موضع" فما هي قاعدة القياس التي تقيس بها الأموات على الأحياء، وتقيس بها الآخرة على الدنيا، فأقصر فلست عالماً ولا عاقلاً، وإنما أنت جاهل أحمق، وضعت نفسك في جملة الأئمة المجتهدين وأنت من جملة الأغبياء الضالين الممخرقين.

стр. 371

أقوال العلماء في الحياة البرزخية ... ولما كان هذا الأحمق، قد أطال الكلام على آيتي سورة البقرة وآل عمران بمحض رايه تبعاً لهواه، وجخله المتناهي، الذي لا يستحق النظر فيه ولا الالتفات إليه. فإني ذاكر ما قاله بعض أئمة المفسرين على هاتين الآيتين، ليتبيّن جهله وضلاله، وأنه بوادٍ، وأئمة التفسير بواد آخر. قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] يقول تعالى ذكره، يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوكم، وترك معاصيي، وأداء سائر فرائضي عليكم. ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت. فإن الميت من خلقي من سلبته حياته وأعدمته حواسه. فلا يلتذ لذة ولا يدرك نعيماً. فإن من قتل منكم ومن سائر خلقي في سبيلي أحياء عندي في حياة ونعيم وعيش هنيء، ورزق سني، فرحين بما آتيتهم من فضلي، وحبوتهم به من كرامتي. كما حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، الآية:١٦٩] من ثمرات الجنة، ويجدون

стр. 372

ريحها، وليسوا فيها، حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] كما يحدث "أن أرواح الشهداء تتعارف في طير ببض، يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سدرة المنتهى" وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال من الخير: من قتل في سبيل الله منهم صار حياً مرزوقاً. ومن غُلب آتاه الله أجراً عظيماً. ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] قال: "أرواح الشهداء في صور طير أبيض" حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] "في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا" حدثني المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثن عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة يقول في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] قال: "أرواح الشهداء في طير خضر في الجنة". فإن قال لنا قائل: وما في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعم به غيره. وقد علمت تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم. فأخبر عن المؤمنين أنه يفتح لهم من قبورهم أبواب الجنة يشمون روحها، ويستعجلون لله قيام السّاعة، ليصيروا إلى مساكنهم منها. ويجمع بينهم وبين أهليهم وأولادهم فيها. وعن الكافرين: أنه يفتح لهم من قبورهم أبواب إلى النار، ينظرون إليها، ويصيبهم من نتنها ومكروهها، ويسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة، من يقمعهم فيها. ويسألون الله فيها تأخير قيام الساعة، حذراً من المصير إلى ما أعده الله لهم فيها،

стр. 373

مع أشباه ذلك من الأخبار؟ وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله ﷺ فما الذين خص به القتيل في سبيل الله مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائر الكافر والمؤمنين غيره أحياء في البرزخ. أما الكافر فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك، وأما المؤمنون فمنعّمون بالروح والريحان ونسيم الجنان؟ قيل: إن الذي خص الله به الشهداء في ذلك وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم، ومنعمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يطعمه الله أحداً غيرهم في برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيلة التي لضلهم وخصهم بها عن غيرهم. والفائدة التي أفاد المؤمنين عنهم، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران، الآيتان:١٦٩-١٧٠] وبمثل الذي قلنا جاء الخبر عن رسول الله صلى عليه وسلم: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة بكرة وعشياً" حدثنا أبو كريب قال: حدثنا جابر بن نوح عن الأفريقي عن ابن باشر السلمي- أو أبي بشار، شك أو جعفر- قال: "أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان، رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس: ثور وحوت، فأما الثور ففيه طعم كل ثمرة في الجنة. وأما الحوت: ففيه طعم كل شراب في الجنة" فإن قال قائل: فإن الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكره، أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصهم بها في البرزخ غيره موجود في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] وإنما فيه الخبر عن حالهم أموات هم أم أحيا؟ قيل: إن المقصود بذكر الخبر عن حياتهم: إنما هو الخبر عما هم فيه من النعمة، ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده عما خص

стр. 374

به الشهداء في قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، الآية:١٦٩] وعلموا حالهم بخبره ذلك. ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] نهى خلقه عن أن يقولوا للشهداء: إنهم موتى، ترك إعادة ذكر ما قد بيَّن لهم من خبرهم. وأما قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] فإنه يعني به: ولكنكم لا ترونهم فتعلمون أنهم أحياء، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به، وإنما رفع قوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] بإضمار مكنى عن أسماء من يقتل في سبيل الله. ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، ولا يجوز النصب في "أموات" لأن القول لا يعمل فيهم. وكذلك قوله "بل أحياء" رفع بمعنى: أنهم أحياء. انتهى. وقال على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج، الآية:٥٨] يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم، فتركوا ذلك في رضي الله تعالى وطاعته وجهاد أعدائه. ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك ليرزقنهم الله يوم القيامة في جناته رزقاً حسناً. يعني بالحسن: الكريم، وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج، الآية:٥٨] يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم. وقال على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء، الآيتان:٣٤-٣٥] يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : وما خلدنا أحداً من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها. ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك من رسلنا ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء، الآية:٣٤] يقول: فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك؟ لا، ما ذلك كذلك، بل ميتون بكل حال عشت أو مت. انتهى.

стр. 375

وقال الإمام عماد الدين ابن كثير على قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] الآية، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما في صحيح مسلم: "أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطّلع عليهم ربك اطلاعه. فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يسألوا قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نتقل فبك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب جل دلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم يبعثه" ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضاً، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن، تشريفاً لهم وتكريماً وتعظيماً. قال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعالى، تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشياً، فيصل إليهم الوجع، انتهى. وقال العلامة السيد محمود الألوسي في تفسيره "روح البيان" على قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٥٤] أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر. لأنها من أحوال البرزخ التي لا يُطّلع عليها ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي- ثم ذكر ما ورد في ذلك عن السلف إلى أن قال- وأما القول في حياة هذا الجسد الرميم، مع هَدْم بنيته، وتفرق أجزائه، وذهاب هيئته، وإن لم يكن ذلك بعيداً عن قدرة من بدأَ الخلق ثم يعيده، لكن ليس إليه كثير حاجة. ولا فيه مزيد فضل، ولا عظيم منة. بل ليس فيه سوى إيقاع ضعفة المؤمنين بالشكوك والأوهام، وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدون قائله من سفهاء الأحلام، وما يحكى من مشاهدة بعض الشهداء الذي قتلوا منذ مئات السنين

стр. 376

وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دماً إذا رفعت العصابة عنها، فذلك مما رواه هَيَّان بن بَيَّان وما هو إلا حديث خرافة. وكلام يشهد على مصدقيه بتقديم السخافة. هذا ثم إن نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء "أموات" إما أن يكون دفعاً لإبهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البزرخ، وتلك خصوصية لهم، وإن شاركهم في النعيم- بل وزاد عليهم- بعض عباد الله تعالى المقربين، ممن يقال في حقهم ذلك، وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن أولئك الكرام، قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم يروه أبداً. وليس في الآية نهي عن نسبة "الموت" إليهم بالكلية، بحيث إنهم ما ذاقوه أصلاً ولا طرفة عين، وإلا لقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ماتوا. فحيث عدل عنه إلى ما ترى: علم أنهم امتازوا- بعد أن قتلوا- بحياة لائقة بهم، مانعة عن أن يقال في شأنهم "أموات" وعدل سبحانه عن "قتلوا" المعبر عنه في آل عمران إلى "يتقل" رَوْماً للمبالغة في النهي، وتأكيداً للفعل في تلك السورة، يقول مقام هذا العدول هنا كما قرره بعض أحبابنا من الفضلاء المعاصرين. انتهى. ونحن نكتفي بهذا القدر من الرد على خرافات هذا الأحمق فيما ذكره في هذا البحث من التخليط، من دون أن نتتبع هفواته ومتناقضاته لأنها كلها جهل ومعارضة لنصوص الكتاب والسنّة كما بيّنا ذلك فيما أوردناه من الآيات والأحاديث وأقوال السلف الصالح وأئمة المفسرين. وكما أقر هو بذلك على نفسه في موضعين من بحثه هذا، وهو الذي يريد به إثبات الحياة الجسدية للشهداء والأنبياء، وهي الحياة التي يزعم أنها لا تختلف عن حياتهم في الدنيا يتصرفون فيها كيف شاءوا، ويسمعون ويجيبون، وينفعون ويضرون من دون الله. هذا هو غاية بحثه، ومنتهى قصده. أما الحياة التي شرف الله تعالى بها الشهداء ومن شاء من صالحي عباده، وزادهم فيها شرفاً بالعندية عنده تعالى: فليست في نظر هذا الأحمق شيئاً في جانب الحياة الدنيا، بل الحياة الدنيا عنده أفضل منها. لذلك تراه يحاول، ويعمن في تحريف الكلم عن مواضعه، لإثبات

стр. 377

أن أرواحهم ردت إليهم، وأنهم أذن لهم بالخروج والتصرف، كما نقل ذلك عن دحلان والنبهاني، وذلك نقلاً منهما عن السيوطي من كتاب "تقويم الحلك: له، إن صدق في النقل. وبعد هذا قال: "فإن قيل: أي علاقة لهذا البحث مع ما أنت بصدده؟ قلت: العلاقة كلية. لأنه إذا صح لنا دليل حياته ﷺ الجسمية بعد وفاته- وقد صح بعون الله- تمهد لنا تقرير كل ما أنكروه علينا وحصل لنا بذلك فضيلة أخرى وهي نوع من الصحبة ولم ينقصنا من الصحبة التامة سوى رؤية ذاته الشريفة". هذا ما قاله الأحمق في بيان مقصده من هذا البحث، وهو إثبات الحياة الجسمية الكاملة للشهداء والأنبياء، ليتسنى له تقرير ما أنكرناه عليه من تحريم دعاء الأموات والغائبين، وطلب الحاجات من المخلوقين فيما لا يقدر على إجابته إلا رب العالمين. ومع ما عليه هذا الملحد من الانحراف عن الصراط المستقيم، وكونه من الداعين إلى عبادة الأولياء والصالحين يزعم أنه حصل على نوع من الصحبة لرسول الله ﷺ وأنه لم ينقصه من الصحبة التامة إلا رؤية ذاته الشريفة. ولم يعلم هذا الجاهل الغبي: أنه من أعداء الله تعالى وأعداء رسوله ﷺ ، المشركين في عبادته تعالى غيره. وقد غرَّه الغرور، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر، الآية:٨] .

стр. 378

افتراء الملحد على الوهابيين أنهم أعداء الله ورسوله ﷺ ... قال الملحد: "واعلم يا أخي أن للوهابيين وإخوانهم أعداء الله ورسوله مطاعن كثيرة بالرسول ﵊، كلها من المكفرات، وإن كانت بحد ذاته من المضحكات، تجل عقول الصبيان عن التمسك بها. لكن علماء الحرمين والهند ما قصروا بواجباتهم بل أنزلوا على رؤوسهم صواعق الردود التي لا محيص منها إلا لذي وقاحة وقحة وسفاهة، كهذه الطائفة ومن على شاكلتهم". أقول: على زعم هذا المفتري بأننا أعداء الله ورسوله ﷺ سبحانك هذا

стр. 379

بهتان عظيم، وهذا الزعم الباطل ليس بكثير ولا بمستغرب من الحاد مختار، لأنه سفيه أحمق، وليس له حظ من العلم والتقى، وإنما هو ممن اتخذ إلهه هواه، فزعن أننا أعداء لله ولرسوله ﷺ بغير برهان من الله تعالى. وما حمله على ما رمانا به من الافتراء علينا إلا أننا قد جردنا إتّباعنا لكتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ وحققنا ما جاء بهما قولاً وعملاً، مقتفين أثر السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم من أئمة الهدى والدين، محققين لتوحيد الله تعالى في جميع أنوع العبادة، والبراءة من كل تعلق على غيره تعالى من الأموات وغيرهم، وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ونذر النذور لهم وخوفهم ورجائهم، وغير ذلك مما يفعله عباد القبور ويسمون عملهم هذا "تشفعاً بهم إلى الله تعالى وتوسلاً بجاههم عنده" لأنهم يزعمون أنهم واسطة بين الله تعالى وبين عباده، يرفعون إليه حوائجهم، وهذا الملحد من ورثتهم، ومن الداعين إلى مذهبهم. وقد قال في صحيفة "٥٣" من رسالته هذه: "إن القرآن صرح باتخاذ الوسائط والتوسل بجاه أحبابه". وقال في صحيفة "٨٣" منها: "إن علماءنا ما قالوا بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم. حاشاهم من ذلك، وهم أمناء الدين، وخلفاء الرسل، بل أخذوه من كلام الله وكلام رسوله أمراً وفعلاً". فهذا ما يقوله الأحمق الملحد مفترياً على الله وعلى رسوله ﷺ . فكيف لا يفتري على الوهابيين ويزعم أنهم أعداء لله ولرسوله ﷺ ؟ إذ إنهم يخالفونه في عقيدته الوثنية فأنكروها عليه، وعادوه من أجلها، وتبرأوا منه ومن كل مشرك مع الله غيره في عبادته. وأما قوله: "إن للوهابيين مطاعن كثيرة بالرسول ﵊". فهذا من الفجور وقول الزور، وقد سبق في أول رسالته هذه ما نقل عن دحلان من بهته وافترائه على الوهابيين، ما قد أشبعنا الرد عليه مفصلاً في محله ما أغنانا عن إعادته ههنا.

стр. 380

وأما قوله: "إن علماء الحرمين والهند ما قصروا بواجبهم من الرد على الوهابيين ... إلى آخره". فنقول: إن هذه سنّة الله التي قد مضت في خلقه، فما منهم إلا راد ومردود عليه، فمحق ومبطل. وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود، الآيتان: ١١٨-١١٩] وقال إمام دار الهجرة مالك ﵁: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" يعني رسول الله ﷺ . ثم نقول أيضاً: وهل أوذي أحد من خلق الله تعالى وعورض، ورد عليه أكثر مما أوذي وعورض أنبياء الله تعالى ورسله؟ وقد قال فرعون لعنه الله تعالى لقومه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر، الآية:٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف، الآية:١٧٩] فماذا علينا إذا رد علينا أمثال هؤلاء الحيارى الضالين ما دمنا متمسكين بكتاب ربنا، وبسنّة نبيّنا ﷺ مقتفين أثر سلفنا الصالح من الصحابة ومن تبعهم من أئمة الهدى الدين من هذه الأمة المحمدية؟ وأيضاً فإنه قد رد على هؤلاء الضلاّل المعتدين من قد حقق الحق وأبطل الباطل من علماء الهند المحققين من أهل الحديث، ومن علماء نجد والعراق وقد مضى ذكر ردودهم، وذكر مناظرة علماء الوهابيين مع علماء مكة بمكة، وذلك بحضور الشريف غالب، وأنه بعد المناظرة وإلزام علماء مكة الحجة من الكتاب والسنّة في جميع المسائل التي جرت فيها الخصومة بين الفريقين: أقر علماء مكة بأن الحق هو ما كان عليه الوهابيون، فرادعه ترى الحق واضحاً، فلا نطيل بترديد الكلام إتباعاً لهذا الأحمق المفلس من الحق والصدق. وأما ما ذكره الملحد عن أحمد رضا خان: فإنه رواية. ولم يذكر من كلامه كلمة واحدة ونحن أيضاً لم نقف على شيء من كلام هذا الرجل، وحيث

стр. 381

إن من عادة هذا الأحمق الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى العلماء أيضاً من بعدهم، والجرأة على تحريف كلامهم مع ما اتصف به من الغباء والفهم العاطل، والنظر القاصر، اللذين لا يمكن أن يدرك معهما معاني كلام الله تعالى، ولا كلام رسوله ﷺ ، ولا يفرق بين أئمة الإسلام المحققين وبين المبتدعين الضالين، فليس هو أمين فيما ينقله أو بعزوه لعالم من علماء المسلمين. وعلى تقدير صحة ما يقوله عن محمد رضا خان: هو بمعصوم، فقد يكون أرضى هذا الملحد في تعضيد باطله والله تعالى لا يرضى عن القوم الظالمين.

стр. 382

زعمه أن رسول الله ﷺ يعلم الغيب استقلالا ... وأما المسألة: "اطلاع الرسول ﷺ على علم الغيب". فإن هذا الملحد، ومن أتبعه من المارقين من الدين، يزعمون أن الرسول ﷺ يعلم الغيب استقلالاً، كما يعلمه الله ﵎: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف، الآية:٥] وهذا الزعم ينكره كل مؤمن بالله وبكتابه وبرسوله ﷺ ، وكل مؤمن يؤمن بأن الله تعالى يطلق من يشاء من أنبيائه ورسله على بعض المغيبات. وهذه مسألة لا تحتاج إلى جدل، كيف؟ ونصوص الكتاب والكريم ناطقة بذلك. يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل، الآية:٦٥] ، ويقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف، الآية:١٨٨﴾ ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف، الآية:٩] وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (الجن، الآيتان:٢٦-٢٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام، الآية:٥٠] فمن لم يقف مع هذه النصوص ويعطي كل ذي حق حقه فقد جعل مع الله إلهاً غيره.

стр. 383

عقيدته في الزيارة ودحض مفترياته ... قال الملحد: "البحث الثاني: في الزيارة. اعلم يا أخي- شرح الله قلبي وقلبك بنور الإخلاص- إن لنا معشر المؤمنين وجداناً في حب نبيّنا ﵊ يكفينا عن الاستدلال والاستشهاد على ما نحن في صدده، فيمن شاء فليتبعنا فيتذوق بما ذقنا، ولا تنازع في الأذواق". أقول: في كلام هذا الجاهل من الركاكة وسوء التعبير ما هو اللائق بجهله وغروره في نفسهن إذ إنه لم يكن من الذين شرح الله صدورهم للإسلام، ونوَّر قلوبهم بنور الإيمان، المتلقى من مشكاة النبوة، وإنما هو من الجامدين على العادات الجاهلية والتقاليد والوثنية التي نشأوا عليها وحكموها في وجدانهم الضال، فجعلوها ديناً يقدمونها على كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ . فلم يكن مصدر وجدانهم عن علم ولا هدى ولا نور، وإنما هي عن بلادة وتقليد أعمى وغرور بما ورثوا من الجهالات والضلالات والبعيدة كل البعد عن خالص الإيمان بالله وبرسوله وما جاء به من عند الله تعالى من تعزيزه وتوقيره وإتباع النور الذي أنزله معه. فمواجيدهم صادرة عن هوى نفوسهم الأمارة بالسوء، وعن وسوسة الشيطان الذي أضلهم عن سلوك سبيل المؤمنين، لذلك يقول الأحمق: "إنه يكتفي بوجدانه فيما يزعمه من حب نبيّنا ﵊ عن الاستدلال والاستشهاد لما هو في صدده" ويعني به: ما سيذكره من الغلو الذي آله بهم إلى الكفر الشنيع، ومن ثم حذر ونهى الله عنه ورسوله في حقه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وفي حق كل مخلوق، وذلك فيما يموه به عباد القبور من اسم الزيارة عامة وزيارة قبره الشريف خاصة، فإن حقيقة هذه الزيارة عندهم هي دعاء الأموات وصرف خالص العبادة لهم من دون الله فاطر الأرض والسموات. وأما محبة الرسول ﷺ : فإنها تبع لمحبة الله تعالى. وقد ادعى قوم محبة الله تعالى، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران، الآية:٣١] ، وكل من ادعى ما ليس فيه طولب بالدليل: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة، الآية:١١١] وكيف يدعي محبة الرسول ﷺ من هو خصم لدعوته إخوانه من الرسل، وهي توحيد الله

стр. 384

تعالى؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] ، وهذا الملحد وإخوانه من عباد القبور يصرفون العبادة للموتى الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ويسمونها زيارة القبور، ويقول هذا الأحمق بكل وقاحة: "فمن شاء فليتبعنا فيتذوق بما ذقنا، ولا تنازع في الأذواق". فنقول له: ومن أنت أيها الجهول الظلوم الكفار، حتى تكون متبوعاً؟ ألست من حثالة الجهلة المقلدين؟ الدُّعاة إلى غير سبيل المؤمنين؟ فبعداً وسحقاً للقول الظالمين. ثم يقال لهذا الإمعة: إن التنازع كل التنازع في الأذواق التي جعلتها أساس دينك، فبطل وانهار فوق رأسك: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر، الآية:٨] ولولا التنازع في الأذواق، ما كن في الدنيا راد ولا مردود عليه، ولا كان شيطان أبي واستكبر وكان من الكافرين، ولا كنت وسلفك من أولياء الشيطان الرجيم. ثم إن هذا الأحمق قام يتهوس بكلام كله نفاق ورياء لا يهمنا، وليس هو من موضوعنا في شيء إلا أنه زعم فيه: "أن من لم يرقص ويتمرغ في الرمل في عرفات" وما ذكر معه من هراء القول والسخرية حيث قال: "فإنه لا يشعر بشيء، ولا يدرك ولا يد لذة باغتنام أجر، ولا رغبة في زيادة فضل- إلى أن قال- بل قف في الحرم المكي، واصرف نظرك إلى الناس إذا قال المؤذن يا أرحم الراحمين ارحمنا. ترى من خَرَّ مصروعاً، ومن علا نحيبه وبكاؤه وشخص ببصره إلى السماء مندهشاً" إلى آخر ما هذى به من هذه الخرافات والنفاق الخالص الذي ينضح بخبيث الشرك والكفر والفسوق عن أمر الله وهدى رسوله ﷺ فإن هذا هو شأن هؤلاء المنافقين الدجالين الذين يتصنعون في هذه المجتمعات الشريفة أنواع الحيل لبلوغ في نفوسهم، مكراً وخداعاً، فليس

стр. 385

هؤلاء السفلة- إخوان الحاج مختار- أفضل من أصحاب رسول الله ﷺ ولا أتقى لله، ولا أعرف به منهم. فإنهم لم يعملوا هذه الأعمال فلم يرقصوا ولم يتمرغوا في الرمل، ولم يصرعوا متخبطين، كما يصرع حزب الشيطان من وليهم الشطان الرجيم، وإنما كانوا كما وصفهم الله، وأثنى عليهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد، الآية:٢٨] . ثم قال الأحمق: "أما الأحاديث الواردة بفضل زيارة الرسول ﵊، والأنبياء والأولياء والصالحين، وما يحصل منها من البركات والخيرات فهي أكثر من أن تجمع في مختصر مثل هذا" إلى آخر ما هذى به. فالجواب: أن الزيارة الشرعية لقبور موتى المؤمنين من الأنبياء والأولياء والصالحين وكافة قبور المسلمين سنّة متفق عليها، لا خلاف فيها عند كافة المسلمين. وأما القبور الوثنية التي بنيت عليها القباب، وأقيمت عليها الأستار والأنصاب، وبنيت عليها المساجد، فكل ذلك مما لعن رسول الله فاعله، وكذلك الزيادة البدعية الشرعية المخالفة لهدى الرسول ﷺ ، وما كان عليه أصحابه ﵃ ومن تبعهم من القرون المفضلة، وما يحدث بسببها من الغلو بأصحاب القبور وما يُصْرف لهم من أنواع العبادات من الدعاء والخوف والرجاء ونذر النذور لهم، وغيرهم مما لا يجوز صرفه لغير الله تعالى. فإن هذه هي الزيارة المحرمة وصاحبها ملعون على لسان رسول الله ﷺ . وهذه هي الزيارة التي ننكرها وينكرها كل من نوَّر الله بصيرته بهدى الإسلام، ورزقه فهماً صالحاً يميز به بين الحق والباطل. وأما من أغواهم الشيطان: فإنهم يجعلون مع الله تعالى آلهة أخرى، يصرفون لهم ما لله من العبادة من الدعاء والخوف والرجاء، وغير ذلك مما عليه عباد القبور من الغلو بأصحابها، وهذا أمر واقع لا ينكره إلا مكابر معاند، أمثال الحاج مختارة من قلدهم.

стр. 386

وأما قوله: "إن الشيطان أغوانا، وإننا نزعم أن زيارة قبور الرسل والأنبياء والتوسل بجاههم شرك بالله تعالى". فهذا كذب، والذي ننكره من ذلك هو ما صح الخبر عن رسول الله ﷺ بالنهي عنه وكل ما فيه صرف حق الله تعالى لغيره كما تقدم ذكره آنفاً. وأما قوله: "أننا نتزلف للأمراء، وأن هذا التزلف منا أقبح من عبادة الأوثان والأصنام". فهذا القول من هذا الملحد من هذر المجانين، ونزغات الشياطين، التي تحلى بها وبأمثالها من الأقوال الباطلة هذا الأحمق.

стр. 387

إقامة المواليد بدعة وضلالة ... وأما قوله: "زعموا أن القيام في المولد الشريف بدعة. فالجواب: أن القيام والقعود وإقامة الموالد كله بدعة، إذا يقترن بها ما هو واقع فيها اليوم من المفاسد وأنواع الفسوق. فإذا انضمت إليها هذه المنكرات التي يجب أن صان عنها جناب المصطفى ﷺ ويطهر ذكره عن أوساخها، فلا يشك عاقل- فضلاًً عن عالم- في أنها من البدع المحرمة التي لم تكن على عهد الرسول ﷺ ولا عهد أصحابه ولا القرون المفضلة من بعدهم. وفي الصحيحين عن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: " من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد". فهل لهذا الملحد أن يأتينا بدليل عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ في إقامة هذه الموالد، أو عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، أو أحد من التابعين، أو أحد من الأئمة الأربعة؟ وإذا كان هذا ليس معروفاً من أقوال وأفعال من ذكرناهم فلا شك ولا ريب في أنه مردود على قائله، مأزور فاعله بنص حديث عائشة ﵂ الذي قدمناه آنفاً. قال الملحد: "تتبعت المظان من الكتب لأعرف أول قائل بهذه الضلالة،

стр. 388

وداع إليها. فما وجدت لها أثراً عن أحد من علماء أهل السنّة قبل الشيخ أحمد بن تيمية، فتعقبت ما عرفت من مؤلفاته، لأقف على نص صريح له فوجدته ذكر هذه المسألة في موضعين من كتابه "الجواب الصحيح" الأول في صحيفة (١٢١) من الجزء الأول، والثاني في صحيفة (٥٥) من الجزء الثاني. نقل في الأول حديث: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وحديث: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" وحديث: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". ثم قال: إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين، صم استطرد في تشبيه ما جاء في هذه الأحاديث بعبادة الشمس والقمر والأوثان والصور والسجود لها والاستشفاع بها وبأصحابها- إلى أن قال-: وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة فإن هذه من الأمور التي قد تنوعت فيها الشرائع بخلاف السدود لها، والاستشفاع بأصحابها. فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء ولا أمر أحد قط من الأنبياء أن يدعي غير الله ، لا عند قبره ولا في مغبيه، ولا يتشفع به في مغيبه بعد موته، بخلاف الاستشفاع بالنبي ﷺ في حياته، ويوم القيامة وبالتوسل به بدعائه والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء ﵈، وانتهى. فانظر ما في هذا الكلام من التلاعب والتقلب، والقياس الفاسد، والتهور الذي أدخله في زمرة محرفي كلام رسول الله ﷺ عن مواضعه، فالأحاديث التي استدل بها وحرفها صريحة في النهي عن الجلوس على القبور، كما يفعله أهل زماننا نساء ورجالاً والصلاة إليها، كما يفعله الوثنيون. ليس فيها نهي عن الزيارة، ولا تشبيه من يزور قبر نبي أو غيره بعابد الشمس والقمر وغيرهما. وسيأتي حيث النهي عن الزيارة ثم إباحتها، وأنه ﵊ كان يزور أهل البيقع، ويستغفر لهم. ونعوذ بالله من الغلو المؤدي إلى خرق إجماع الأمة من عهد الرسول إلى اليوم، وتشبيه كافة المسلمين بعبادة الشمس والقمر والأوثان. ولا يغرنك ما رأيته من استثناء الرسول ﵊، فإنه حصر الاستثناء في حياته ويوم القيامة ومن هذا الحصر تفهم

стр. 389

اعتقاده بتحريم زيارة القبر الشريف، والتمويه بعدم إنكاره ما جاء في كلام الله، وإنكاره الأحاديث الواردة بحق الزيارة والتوسل والاستشفاع. فهل بعد هذا الضلال ضلال؟ والعياذ بالله. وأما كلامه الثاني: فإنه بعدما نقل آيات في حق المشركين قال: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] فالمسيح صلوات الله وسلامه عليه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد من الأنبياء بأن يعبد ملك، ولا نبي، ولا كوكب، ولا وثن. ولا تسأل الشفاعة إلى الله من ميت ولا غائب ولا نبي ولا ملك فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة ويقول: اشفعوا لنا إلى الله. انتهى. فانظر ما في هذا الكلام من الخلط والضلال: أولاً: قياسه التوسل والاستشفاع على عبادة النصارى والوثنيين للصور والأوثان. ثانياً: جعل الاستشفاع والتوسل بهذا القياس من المكفرات. ثالثاً: استثناء الأحياء والحاضرين وحصر التحريم بالأموات والغائبين، وإدخال الملائكة مع الأموات والغائبين. مع أن الملائكة ليسوا أمواتاً ولا غائبين والتوسل والاستشفاع بالحي أقرب لمظنة الشرك من الميت، وجميع الفرق المشركة ما قالوا بألوهية حدثت لميت بعد موته، بل كلهم قالوا بألوهية أحياء وكلهم ينكرون موت آلهتهم، وسيأتي في البحث الثالث إن شاء الله من كلام الله تعالى رسوله ما يثبت به ضلال هذا المضلّ ويدحض افتراءه على الله وأنبيائه، فلعمر الحق إن كلام هذا الرجل إن لم يكن عن فسق وزيغ فهو أجدر بالجنون واختلال العقل". والجواب أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. إن هذا الملحد الدجال بعدما افترى ما افتراه على الوهابيين من الكذب: بأنهم يقولون: "إن التوسل

стр. 390

بجاه الرسول ﷺ وزيارة قبره الشريف شرك باله، ومناف للتوحيد" إلى آخر ما نسبه إليهم من الأكاذيب الباطلة التي لا تجوز المغالطة فيها، بل ي إفك مبين. قد أوفيناها حق الرد عليها من نصوص الكتاب والسنّة بما أزهق باطلها، فهو هنا يتعرض بالافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه يزعم أنه إمام الوهابيين وأنهم يقلدونه.
следующие страницы →