← Акыда

Акыда · id 7569

البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار

فوزان السابق

Полный текст (497 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأما قوله: "إن الشيطان أغوانا، وإننا نزعم أن زيارة قبور الرسل والأنبياء والتوسل بجاههم شرك بالله تعالى". فهذا كذب، والذي ننكره من ذلك هو ما صح الخبر عن رسول الله ﷺ بالنهي عنه وكل ما فيه صرف حق الله تعالى لغيره كما تقدم ذكره آنفاً. وأما قوله: "أننا نتزلف للأمراء، وأن هذا التزلف منا أقبح من عبادة الأوثان والأصنام". فهذا القول من هذا الملحد من هذر المجانين، ونزغات الشياطين، التي تحلى بها وبأمثالها من الأقوال الباطلة هذا الأحمق.

стр. 387

إقامة المواليد بدعة وضلالة ... وأما قوله: "زعموا أن القيام في المولد الشريف بدعة. فالجواب: أن القيام والقعود وإقامة الموالد كله بدعة، إذا يقترن بها ما هو واقع فيها اليوم من المفاسد وأنواع الفسوق. فإذا انضمت إليها هذه المنكرات التي يجب أن صان عنها جناب المصطفى ﷺ ويطهر ذكره عن أوساخها، فلا يشك عاقل- فضلاًً عن عالم- في أنها من البدع المحرمة التي لم تكن على عهد الرسول ﷺ ولا عهد أصحابه ولا القرون المفضلة من بعدهم. وفي الصحيحين عن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: " من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد". فهل لهذا الملحد أن يأتينا بدليل عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ في إقامة هذه الموالد، أو عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، أو أحد من التابعين، أو أحد من الأئمة الأربعة؟ وإذا كان هذا ليس معروفاً من أقوال وأفعال من ذكرناهم فلا شك ولا ريب في أنه مردود على قائله، مأزور فاعله بنص حديث عائشة ﵂ الذي قدمناه آنفاً. قال الملحد: "تتبعت المظان من الكتب لأعرف أول قائل بهذه الضلالة،

стр. 388

وداع إليها. فما وجدت لها أثراً عن أحد من علماء أهل السنّة قبل الشيخ أحمد بن تيمية، فتعقبت ما عرفت من مؤلفاته، لأقف على نص صريح له فوجدته ذكر هذه المسألة في موضعين من كتابه "الجواب الصحيح" الأول في صحيفة (١٢١) من الجزء الأول، والثاني في صحيفة (٥٥) من الجزء الثاني. نقل في الأول حديث: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وحديث: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" وحديث: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". ثم قال: إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين، صم استطرد في تشبيه ما جاء في هذه الأحاديث بعبادة الشمس والقمر والأوثان والصور والسجود لها والاستشفاع بها وبأصحابها- إلى أن قال-: وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة فإن هذه من الأمور التي قد تنوعت فيها الشرائع بخلاف السدود لها، والاستشفاع بأصحابها. فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء ولا أمر أحد قط من الأنبياء أن يدعي غير الله ، لا عند قبره ولا في مغبيه، ولا يتشفع به في مغيبه بعد موته، بخلاف الاستشفاع بالنبي ﷺ في حياته، ويوم القيامة وبالتوسل به بدعائه والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء ﵈، وانتهى. فانظر ما في هذا الكلام من التلاعب والتقلب، والقياس الفاسد، والتهور الذي أدخله في زمرة محرفي كلام رسول الله ﷺ عن مواضعه، فالأحاديث التي استدل بها وحرفها صريحة في النهي عن الجلوس على القبور، كما يفعله أهل زماننا نساء ورجالاً والصلاة إليها، كما يفعله الوثنيون. ليس فيها نهي عن الزيارة، ولا تشبيه من يزور قبر نبي أو غيره بعابد الشمس والقمر وغيرهما. وسيأتي حيث النهي عن الزيارة ثم إباحتها، وأنه ﵊ كان يزور أهل البيقع، ويستغفر لهم. ونعوذ بالله من الغلو المؤدي إلى خرق إجماع الأمة من عهد الرسول إلى اليوم، وتشبيه كافة المسلمين بعبادة الشمس والقمر والأوثان. ولا يغرنك ما رأيته من استثناء الرسول ﵊، فإنه حصر الاستثناء في حياته ويوم القيامة ومن هذا الحصر تفهم

стр. 389

اعتقاده بتحريم زيارة القبر الشريف، والتمويه بعدم إنكاره ما جاء في كلام الله، وإنكاره الأحاديث الواردة بحق الزيارة والتوسل والاستشفاع. فهل بعد هذا الضلال ضلال؟ والعياذ بالله. وأما كلامه الثاني: فإنه بعدما نقل آيات في حق المشركين قال: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] فالمسيح صلوات الله وسلامه عليه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد من الأنبياء بأن يعبد ملك، ولا نبي، ولا كوكب، ولا وثن. ولا تسأل الشفاعة إلى الله من ميت ولا غائب ولا نبي ولا ملك فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة ويقول: اشفعوا لنا إلى الله. انتهى. فانظر ما في هذا الكلام من الخلط والضلال: أولاً: قياسه التوسل والاستشفاع على عبادة النصارى والوثنيين للصور والأوثان. ثانياً: جعل الاستشفاع والتوسل بهذا القياس من المكفرات. ثالثاً: استثناء الأحياء والحاضرين وحصر التحريم بالأموات والغائبين، وإدخال الملائكة مع الأموات والغائبين. مع أن الملائكة ليسوا أمواتاً ولا غائبين والتوسل والاستشفاع بالحي أقرب لمظنة الشرك من الميت، وجميع الفرق المشركة ما قالوا بألوهية حدثت لميت بعد موته، بل كلهم قالوا بألوهية أحياء وكلهم ينكرون موت آلهتهم، وسيأتي في البحث الثالث إن شاء الله من كلام الله تعالى رسوله ما يثبت به ضلال هذا المضلّ ويدحض افتراءه على الله وأنبيائه، فلعمر الحق إن كلام هذا الرجل إن لم يكن عن فسق وزيغ فهو أجدر بالجنون واختلال العقل". والجواب أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. إن هذا الملحد الدجال بعدما افترى ما افتراه على الوهابيين من الكذب: بأنهم يقولون: "إن التوسل

стр. 390

بجاه الرسول ﷺ وزيارة قبره الشريف شرك باله، ومناف للتوحيد" إلى آخر ما نسبه إليهم من الأكاذيب الباطلة التي لا تجوز المغالطة فيها، بل ي إفك مبين. قد أوفيناها حق الرد عليها من نصوص الكتاب والسنّة بما أزهق باطلها، فهو هنا يتعرض بالافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه يزعم أنه إمام الوهابيين وأنهم يقلدونه.

стр. 391

تحريف الملحد لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وصرفه عن معناه ... يقول هذا الملحد: "إنه تتبع المظان من الكتب ليرى أول قائل بهذه الضلالة وداع إليها" إلى آخر كلامه الذي نقلناه هنا بالحرف الواحد. فإن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الذين نقله الملحد من كتاب الشيخ المذكور ليس فيه كلمة واحدة تدل على ما زعمه هذا المفتري من أن ابن تيمية يحرم فيه زيارة قبر النبي ﷺ وسائر قبور المسلمين، بل كله في تحقيق التوحيد لله تعالى، وفي الرد على النصارى فيما بدلوه من دين المسيح ﵇، وما جاءوا به من الغلو الشنيع، وعلى اليهود وغيرهم من أهل الملل الضالة وكل من تشبه بهم وسلك سبيلهم ممن جاءوا من بعدهم، لتحذر هذه الأمة المحمدية سلوك سبيلهم، قارعاً أسماعهم بالآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية، وكلها نصوص صريحة في لعن هؤلاء الغلاة، ولعن من تشبه بهم سالكاً سبيلهم، لا تقبل تأويلاً ولا مغالطة، كما تعمده هذا الملحد من صرفه لمعاني كلام شيخ الإسلام وتحريفه له عن مواضعه، ونسبته إلى الشيخ من القول ما لم يقله بل ولم يشر إليه بحرف واحد. لذلك رأيت أن أبلغ رد على هذا الملحد، وبياناً لكذبه وافترائه هو أن أبرز كلام شيخ الإسلام الذي زعم أنه نقله من كتاب الشيخ: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" كاملاً مجرداً عن تعليقه عليه، ومغالطاته ليراه كل مطلع عليه من أهل العلم والتحقيق، فيعلموا براءة شيخ الإسلام مما رماه به هذا الدجال، ويتحققوا جراءة هذا الملحد على أئمة المسلمين في الافتراء عليهم، وتحريف كلامهم عن مواضعه. فأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يتعرض في كلامه هذا

стр. 392

لمسألة زيارة القبور كافة، لا بتحريم ولا كراهة لأن زيارة القبور سنّة متفق عليها عند جميع المسلمين فعلها رسول الله ﷺ ، وأمر بها، وعلمها لأصحابه، فمن فعلها كما فعلها رسول الله ﷺ وعلمها لأصحابه فهو عامل بسنّة، مأجور عليها ومن أهمل العلم بها فهو تارك لسنّة غير مأزور بتركها. وأما المسألة التي يتكلم عليها شيخ الإسلام: فهي أم مسائل دين الإسلام وهي تحقيق التوحيد لله تعالى، وإفراده بجميع أنواع العبادات. وهذا التوحيد هو معنى "لا إله إلا الله" لا مجرد لفظها، وبهذا أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ليكون الدين كله لله تعالى. فأين مسألة زيارة القبور- التي هي سنّة- من هذه المسالة- التي هي أصل دين الإسلام؟ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم، الآية:٥٩] ولكن هذا الملحد ومن قلدهم من دعاة الوثنية سموا دعاء الأموات وصرف أنواع العبادات لهم بزيارة القبور، فضلوا وأضلوا كثيراً من الجهلة عن سواء السبيل.

стр. 393

نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ... وهذا نص كلام شيخ الإسلام الذي حرفه الملحد بقصد المغالطة. قال في"ج١، ص ١٢٢،١٢١". فلما ظهر دين المسيح ﵇ بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة- في بلاد الروم واليونان: كانوا على التوحيد، إلى أن ظهرت فيهم البدع، فصوروا الصور المرقومة في الحيطان، وجعلوا هذه الصور عوضاً عن تلك الصور. وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب، وجعلوا السجود إليها بدلاً عن السجود لها ولهذا جاء خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه الذي ختم الله به الرسالة، وأظهر به من كمال التوحيد ما لم يظهر من قبله. فأمر ﷺ أن لا يتحرى أحد بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها، لأن المشركين يسجدون لها تلك الساعة. فإذا صلى الموحدون لله في تلك الساعة صار ذلك نوع مشابهة لهم، فيتخذ ذريعة إلى السجود لهاز وكان من أعظم

стр. 394

أسباب عبادة الأصنام: تصوير الصور وتعظيم القبور. ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ فأمرني أن لا أدع قبراً مُشْرِفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته" وفي الصحيحين أنه ﷺ قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا" وفي الصحيحين أنه قال قبل موته بخمس ليال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك". ولما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة بأرض الحبشة- وذكرتا من زخرفها وتصاوير فيها- قال: "أولئكِ كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا تلك التصاوير، أولئكِ شرار الخلق عند الله" متفق عليه. ونهي: " أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة" حتى لا يتشبه بالمشركين الذي يسجدون للقبور. ففي الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لرب العالمين، الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله. فأين هذا ممن يصور صور المخلوقين في الكنائس ويعظمها، ويستشفع بمن صُوّرت على صورته؟ وهل كان أصل عبادة الأصنام في بني آدم من عهد نوح ﵇ إلا هذا؟ والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب والسجود إليها ذريعة إلى السجود لها. ولم يأمر أحد من الأنبياء باتّخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب، وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمر التي تتنوع فيها الشرائع بخلاف السجود لها، والاستشفاع بأصحابها. فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله ، لا عند قبره، ولا في مغيبه، ولا يتشفع به في مغيبه ولا بعد موته. بخلاف الاستشفاع بالنبي ﷺ في حياته، وفي يوم القيامة، وبالتوسل به بدعائه، والإيمان به. فهذا من شرع الأنبياء ﵈. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية:٤٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ

стр. 395

لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل، الآية:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس، الآية:١٨] وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ. لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر، الآيات:١-٤] . انتهى ما أشار إليه المعترض من كلام الشيخ في صحيفة "١٢٠" وما بعدها من الجزء الأول. ثم نسوق بعده نص كلام الشيخ في "ج٥، ص٥٥" من "الجواب الصحيح" الذي ذكره الملحد. قال الشيخ رحمه الله تعالى في سياق الرد على النصارى في دعواهم نفي الشرك عن أنفسهم، مستدلين على ذلك بالآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة، الآية:٨٢] . قال: وأما قولهم: "ونفى عنا اسم الشرك" فلا ريب أن الله تعالى فرق بين المشركين وأهل الكتاب في عدة مواضع، ووصف من أشرك منهم في بعض المواضع، بل قد ميز بين الصابئين والمجوس، وبين المشركين في بعض المواضع وكلا الأمرين حق، فالأول: كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة، الآية: ١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا

стр. 396

وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج، الآية:١٧] ، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة، الآية:٨٢] ، وأما وصفهم بالشرك ففي قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، الآية:٣١] فنزه نفسه تعالى عن شركهم. وذلك أن أصل دينهم: ليس فيه شرك، فإن الله إنما بعث رسله بالتوحيد، والنهي عن الشرك كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية:٤٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] فالمسيح صلوات الله وسلامه عليه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد من الأنبياء بأن يعبد ملك، ولا نبي ولا كوكب ولا وثن، ولا أن تسأل الشفاعة إلى الله من ميت ولا غائب ولا نبي ولا ملك، فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله، ولا يدعو الأنبياء ولا الصالحين من الموتى والغائبين. ويقول: اشفعوا لنا إلى الله، ولا نصور تماثيلهم ولا مجسدة ذات ظل، ولا مصورة في الحيطان. ولا يجعل دعاء تماثيلهم وتعظيمها قربة وطاعة، وسواء قصدوا دعاء أصحاب التماثيل وتعظيمهم والاستشفاع بهم، وطلبوا منهم أن يسألوا الله تعالى وجعلوا تلك التماثيل تذكرة بأصحابها، أو قصدوا دعاء التماثيل، ولم يستشعروا أن المقصود دعاء أصحابها، كما فعله جهال المشركين، وإن كانوا في هذا جميعه إنما يعبدون الشيطان. وإن كانوا لا يقصدون عبادته فإنه قد يتصور لهم في صورة ما، يظنون أنها صورة الذي يعظّمونه. ويقول: أنا الخضر، أنا المسيح، أنا جرجس، أنا الشيخ فلان، كما وقع هذا لغير واحد من المنتسبين إلى المسلمين والنصارى. وقد يدخل الشيطان في بعض التماثيل فيخاطبهم وقد يقضي بعض حاجاتهم.

стр. 397

فبهذا السب وأمثاله: ظهر الشرك قديماً وحديثاً وفعل النصارى وأشباههم ما فعلوا من الشرك. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه اله تعالى من كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" فقد نقلناه بالحرف الواحد مبسوطاً، لما كما تصرّف فيه هذا الملحد في تحريف لفظه ومعناه للتمويه على الجهال. وبذلك يعلم كل مطلع عليه بطلان ما نسبه هذا الملحد الكذاب، لشيخ الإسلام ابن تيمية بأنه يحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، وسائر قبور المسلمين ففيما أبرزناه من نص كلام الشيخ- الذي يغالط فيه هذا الملحد- كفاية لرد افترائه على ابن تيمية.

стр. 398

حنقه على شيخ الإسلام لتحقيقه توحيد الله تعالى وإفراده بجميع أنواع العبادات ... وأما ما تمادى فيه هذا الملحد من الفجور وقول الزور، في حق شيخ الإسلام ابن تيمية من وصفه له بأنه م المحرفين لكلام رسول الله ﷺ ، ورميه بالفسق والجنون والافتراء على الله وأنبيائه- إلى آخر ما هذى به من الفجور وقول الزور- فليس هذا بغريب من هذا الملحد المتناقض، الذي قد اتخذ إلهه هواه. نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومن العمى والضلال بعد الهوى. لقد شهد هذا الملحد في رسالته هذه لشيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إمام جليل، مقتدى به، وأنه من أهل الحق والإنصاف، وأنه من أجلاء علماء أهل السنّة الذين كانوا وما زالوا على هذا الهدى، وهذا الصراط المستقيم "راجع صحيفة ١٧ و٢٥ من رسالته هذه" ترى هذه الشهادة من هذا الملحد للشيخ، وبعدها بقليل يرمي الشيخ بهذه الفظائع التي لا تليق ولا تنطبق إلا على من اختلقها. وهو هذا الملحد الذي قد حازها جميعاً متضلعاً بها قولاً وعملاً. إن الذين أثار غضب هذا الملحد على شيخ الإسلام: هو تحقيق الشيخ لتوحيد الله تعالى، وإفراده بجميع أنواع العبادة، ورده على اليهود والنصارى ما غيروه من دين أنبيائهم، فجعلوا مع الله آلهة أخرى، بسبب الغلو الذي أوجب لعنهم على لسان نبيّنا محمد ﷺ ، محذراً أمته أن تسلك سبيلهم، وهذا السبيل

стр. 399

هو الذي يدعو إليه هذا الملحد ومن اقتدى بهم من أئمة الضلال. وإننا نجل شيخ الإسلام ابن تيمية أن نعرّض باسمه مدافعين عنه، أو ناشرين من فضائله ما يلجم كل منافق مارق، متطاول على أئمة المسلمين بالشتم والكذب، من أمثال هذا الملحد بل نعده من الكلاب النابحين. وقد قيل: فما على العنبر الفواح من حرج ... إن مات شمه الزَّيَّال والجُعَل؟ أو هل على الأسد الكرار من ضرر ... أن ينهق العير مربوطاً أو البغل؟ أو هل على الأنجم الزهراء منقصة ... إن عابها من حضيض البيد منجدل؟ وفي كتاب "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص العطار. قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا خلف بن تميم قال: حدثنا عبد الله بن السري عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا علن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل على محمد" وبسنده إلى عبيد الله بن موهب بن عصمة بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لمقام أحدكم في الدنيا يتكلم بكلمة حق يرد بها باطلاً، أو يحق بها حقاً، أفضل من هجرة معي". إن هذا الملحد ومن قلدهم من دعاة الشرك في عبادة الله تعالى- أمثال دحلان والنبهاني- ممن جعلوا الأموات وسائط بين الله عباده، وصرفوا لهم خالص العبادة من دون الله تعالى. هؤلاء هم الذين أضلوا كثيراً من جهلة المسلمين وفتحوا لهم أبواب الشرك في عبادة الله تعالى. وسموها زيارة القبور، وطلب الشفاعة من أهلها، وأن الأموات هم وسيلة الأحياء إلى الله تعالى، لأنهم أقرب منهم إلى الله تعالى، وسواء سموا هؤلاء المدعوين أنبياء أو أولياء فإنهم عباد الله تعالى. يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا

стр. 400

يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر، الآيتان:٢-٣] ويقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر، الآيتان:٤٣-٤٤] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة، نصوص بهذا المعنى لا تقبل تحريفاً ولا تأويلاً. قد صدّ عنها هؤلاء الوثنيون الذي تجب محاربتهم وإشهار ضلالهم، وتحذير جهلة المسلمين من سلوك سبيلهم عملاً بهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ . وأما قول الملحد: "ولا أطيل الرد عليه لأن جمهوراً من علماء عصره، منهم الإمام السبكي ألقوا كتاباً بالرد عليه، وإثبات مخالفته للسنّة والكتاب والإجماع. فلما قام محمد عبده مفتي مصر المعلوم بإحياء هذه الضلالة طبع رسالة بالرد على الإمام السبكي، زعم أنها تأليف أحد تلاميذ شيخه ابن تيمية. فلما عرف علماء مصر مصدرها، تصدى للرد عليه نخبة من علماء القاهرة منهم الشيخ إبراهيم السمنودي، برسالة سماها "نصرة الإمام السبكي: استوفى فيها إبطال كافة أضاليله". والجواب: أن الذين ردوا على شيخ الإسلام ابن تيمية: هم الذي خالفوا الكتاب والسنّة والإجماع بل خالفوا جميع ما جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي بعثهم الله تعالى بكلمة التوحيد وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له وإمام هؤلاء المخالفين هو السبكي الذي رد عليه علماء عصره وأئمة مذهبه. فقد كشفوا ما لفقه من الشبهات، وهدموا ما بناه على جرف هار من المغالطات، بعد أن صار بها إماماً للمبتدعين. فمن الذي ردوا عليه: الحافظ أحمد بن محمد بن عبد الهادي، في كتاب سماه "الصارم المنكبي في الرد على السبكي" فضح به دس السبكي وتدليسه، فيما أورده من الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، وما حرف معناه من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ مستدلاً بها على جعل قبور الأنبياء ومن دونهم من الأموات كعبة يحج إليها ويطاف بها. وتنذر النذور لها وتسفك دماء القرابين لساكنيها في سوحها، إلى أمثال هذه الضلالات التي فتح السبكي أبوابها للجهال الذي لا يفرقون بين الحق والباطل

стр. 401

وسماها "شفاء السقام في زيارة خير الأنام". قال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في مقدمة كتابه "الصارم المنكي": أما بعد، فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية، في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى في مسألة شد الرحال، وإعمال المطي إلى القبور. وذكر أنه قد سماه "شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة" ثم زعم أنه اختار أن يسميه "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" فوجدت كتاب مشتملاً على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة، والآثار القوية المقبولة، وتحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلاً ممارياً، معجباً برأيه، متبعاً لهواه، ذاهباً في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة، والآراء الساقطة، صائراً في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المحيلة، والحجج الداحضة. وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليه. وهو في الجملة: لون عجيب، وبناء غريب. تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين، فيكون مخطئاً في ذلك الاجتهاد، ومرة يزعم فيما يقوله ويدعيه أنه من جملة المقلدين، فيكون من قلده مخطئاً في ذلك الاعتقاد. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا، ويرزقنا الهداية والسداد. هذا مع أنه إن ذكر حديثاً مرفوعاً أو أثراً موقوفاً- وهو غير ثابت- قبله إذا كان موافقاً لهواه، وإن كان ثابتاً رده إما بتأويل أو غيره، ما يوافق رأيه قبله، وإن كان مطعوناً فيه غير صحيح عنه، وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم يقبله، وإن كان صحيحاً ثابتاً عنه وإن حكى شيئاً مما يتعلق بالكلام على الحديث، وأحوال الرواة عن أحد أئمة الجرح والتعديل- كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي حاتم بن حبان البستي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي أحمد بن عدي، وأبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم من الحفاظ- وكان

стр. 402

مخالفاً لما ذهب إليه لم يقبل قوله، ورده عليه، وناقشه فيه وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول، ووافقه عليه غيره من الأئمة، وإن كان موافقاً لما صار إليه تلقاه بالقبول. واحتج به واعتمد عليه، وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك، ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه. وهذا هو الجور والظلم، وعدم القيام بالقسط. نسأل الله التوفيق ونعوذ به من الخذلان، وإتباع الهوى. إلى أن قال: فانظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم والإفك المبين، والكذب الصراح. وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي ﷺ وقبور سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: معصية بالإجماع، مقطوع بها. هكذا هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى، لم يقله قط، ولا يوجد في شيء من كتبه، ولا دل عليه كلامه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه، وأقواله تشهد ببطلان هذا النقل عنه. ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ، وأنه لم يقله قط. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات، الآية:٦] إلى أن قال: فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور أحببت أن أنبه على ما وقع فيه من الأمور المنكرة، والأشياء المردودة، وخلط الحق بالباطل، لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيراً مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين بالعلم بأدنى تأمل، ولله الحمد. ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس: لطال الخطاب، ولبلغ الجواب مجلدات، ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم. والله المستعان. إلى أن قال:

стр. 403

ثم ختم الكتاب بجمع الألفاظ الواردة في كيفية الصلاة على النبي ﷺ وكان قد ذكر قبل ذلك بعدة أوراق كلاماً يشير به إلى التشنيع على شيخ الإسلام وهو قوله: "ولا شك أن من قال: لا يزار أو لا يسافر لزيارته، ولا يستغاث به بعيد من الأدب معه. نسأل الله العافية".

стр. 404

لم يحرم شيخ الإسلام ابن تيمية زيارة القبور على الوجه المشروع بل منع تعظيمها وشد الرحال إليها اتباعا للسنة ... وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض: أن شيخ الإسلام لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينه عنها ولم يكرهها، بل استحبها، وحض عليها. ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور. ثم ذكر طرفاً من نصوص كلام شيخ الإسلام في مناسكه باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ وفضلها. قال في آخره: هذا كلام الشيخ بحروفه وكذلك سائر كتبه، ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي ﷺ القبور وإنما تكلم على مسألة شد الرجال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين: أحدهما: القول بإباحة ذلك، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. الثاني: أنه منهى عنه، كما نص إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى. ولم ينقل عن الأئمة الثلاثة خلافه وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد. هكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحل، وإعمال المطي إلى القبور، ولم يذكر في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطي والسفر إلى زيارة القبور. ومسألة زيارتها من غير سفر مسألة أخرى. ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلهما مسألة واحدة، وحكم عليهما بحكم واحد، وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما، وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق

стр. 405

واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور بالحديث المشهور المتفق على صحته وثبوته، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" هكذا أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بصيغة الخبر "لا تشد الرحال" ومعنى الخبر في هذا معنى النهي، يبين ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تشدوا الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" هكذا رواه مسلم بصيغة النهي ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده بصيغة الحصر: "إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد بيت المقدس". وقد روى عبد الله بن عمر ﵄ هذا الحديث عن النبي ﷺ بصيغة النهي: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس" هذا هو الذي فعل الشيخ، حكى الخلاف في المسألة بين العلماء واحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته. فأي عتب عليه في ذلك؟ ولكن نعوذ بالله من الحسد والبغي، وإتباع الهوى. والله سبحانه المسؤول أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه، من العمل الصالح، والقول الجميل، فإنه يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى المقصود من نقل ما أردنا نقله من مقدمة كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" لبيان طريقة هؤلاء الوثنيين وأئمتهم الضالين، وما يموهون به على الجهال من ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق والادعاءات الكاذبة. وأما قول الملحد: "فلما قام محمد عبده إلى آخر ما قاله في حقه من الافتراء، مستنداً إليه أنه هو الذي طبع كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" وأنه بطبع هذا الكتاب أحيا هذه الضلالة" ويعني بهذه الضلالة: تحقيق التوحيد لله تعالى وحده لا شريك له، والرد على عباد القبور وأمثاله.

стр. 406

فالجواب: أن طابع الكتاب المذكور هو الشيخ الجليل السيد عبد القادر التلمساني رحمه الله تعالى. أما الشيخ الإمام محمد عبده: فإن المعلوم عنه هو تحقيق التوحيد لرب العالمين وتجريد الأتباع لسيد المرسلين ﷺ فمضمون كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" مطبوع في قلب الإمام محمد عبده، وفي أعماله وأقواله التي حاز بها إمامة أهل السنّة في زمانه، رحمه الله تعالى، وأعلى مقامه في جنات النعيم بما قام به من نصر الحق وقمع الباطل وأهله.

стр. 407

كل من تصدى للرد على شيخ الإسلام كانوا من حثالة المقلدين ... وأما قول الملحد: "بأن الشيخ إبراهيم السمنودي قد انتصر للسبكي". فإنه انتصار مزعوم وبشهب الحق مرجوم، لأنه لم يستند في انتصاره إلى ركن وثيق من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ ، بل إلى شبهات وضلالات قلد فيها السبكي: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً، وكلٌّ كاسر مكسور فالسمنودي وأمثاله كلهم من حُثالة المقلدين، ومن الذين لا تقول بهم الحجة ولا يلتفت إلى ما قالوه لمخالفتهم الكتاب والسنّة في تحقيق توحيد الله الذي بعث به رسله في إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، ولسلوكهم سبيل من حذر النبي ﷺ سلوك سبيلهم ممن جعلوا مع الله آلهة أخرى. وأما ما نقله الملحد عن الشيخ خليل أحمد الهندي،: فما كان منه موافقاً في زيارة قبر النبي ﷺ الزيارة الشرعية، مع سائر قبور المسلمين. فهذه الزيارة مما هو متفق عليه عند جميع أهل السنّة، وأما ما خالف الزيارة الشرعية التي علمها الرسول ﷺ لأصحابه، ومضى عليها الصدر الأول من الصحابة والتابعين ومن تبعهم فمردود على من جاء به، لمخالفته لنصوص الكتاب والسنّة. وكذلك ما نقله الملحد عن النبهاني فيما ذكره في كتابه "الفضائل المحمدية" عن السبكي وابن حجر المكي: أنهما ألفاً كتباً مستقلة في فضل زيارة

стр. 408

الرسول ﵊. فهذه الزيارة الشرعية- كما قدمنا- ليس فيها ولا في فضلها خلاف. وقد مضت عليها القرون المفضلة، عاملين فيها بسنّة نبيهم ﵊ حتى جاء السبكي وابن حجر المكي الهيثمي ومن قلدوهم، فجعلوا القبور مساجد، وصرفوا لها ولأهلها مخ العبادة من دون الله تعالى، وسموها زيارة القبور. وما ذكروه من الأحاديث فإنه دائر بين الضعيف والموضوع وقد تكلم عليها لحافظ ابن عبد الهادي في كتابه "الصارم المنكي" وذكر أقوال علماء الحديث في أسانيدها حال رواتها وأنها لا تصلح لمعارضة نصوص الكتاب والسنّة. وما نقله الملحد عن الإمام النووي والقاضي عياض والغزالي: فإنه في الزيارة الشرعية التي لا خلاف فيها، وإنما هو يريد المغالطة بذكر أسماء هؤلاء الأئمة الذين هو ألد أعدائهم. قال الملحد: "وذكر الشيخ الزرقاني في شرح المواهب إجماع السادة المالكية على وجوب زيارة القبر الشريف، وأقام النكير على ابن تيمية وأتباعه الذين اتهموا الإمام مالك بالمنع". والجواب: أن هذا الملحد لا تأخذه لومة لائم في الكذب على أئمة المسلمين وتغيير كلامهم عن مواضعه. وقد تكرر منه هذا العمل، متعمداً متبعاً لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠] وقد نبهنا عليه فيما تقدم. والآن نورد كلام الشيخ الزرقاني بالحرف الواحد من كتابه "شرح المواهب" لفضيحة هذا الملحد المفتري: قال الشيخ الزرقاني رحمه الله تعالى "ج٨، ص٢٩٧" من شرح المواهب: وقد أطلق بعض المالكية- وهو أبو عمران موسى بن عيسى الفقيه الفاسي- إنها، أي الزيارة واجبة. قال: ولعله أراد وجوب السنن والمؤكد طلبها بحيث شبهت بالواجب، وقد صرح الجمال الإقفهسي في شرح الرسالة بأنها سنّة

стр. 409

مؤكدة، وقال القاضي عياض في الشفاء: إنها سنّة من سنن المسلمين، مجمع عليها، أي على كونها سنّة مأثورة، وفضيلة مرغب فيها. انتهى. وقال في صحيفة "٢٩٨" من الجزء المذكور، ولابن عدي في الكامل وابن وآخرين، كلهم عنابن عمر مرفوعاً: "من حج ولم يزرني فقد جفاني" ولا يصح إسناده. وعلى تقدير ثبوته فليتأمل قوله "فقد جفاني" فإنه ظاهر في حرمة ترك الزيارة لأن الجفاء بالمد ويقصر، نقيض الصلة: أذى، والأذى حرام بالإجماع. فتجب الزيارة إذ إزالة الجفاء واجبة وهي- أي إزالة الجفاء- بالزيارة، فالزيارة حينئذ واجبة ولا قائل به إلا الظاهرية، انتهى. فأين هذا مما يزعمه الكذاب الحاج مختار على السادة المالكية؟ جزاه الله بما جزى به الكاذبين أمثاله. قال المعترض الأحمق: "قلت: إن من لم يجاور في المدينة مدة ما، أو يأتيها في الموسم لا يعرف من أحوالها والمعجزات الظاهرة فيها شيئاً، أما وفود الزوار فلو جاء أعداء الله ورسوله إلى المدينة المنورة في شهر محرم، حينما يأتي الزوار القافلون من الحج، ورأوا مئات ألوف من مسلمي أقطار الأرض يطوفون حول الحجرة الطاهرة في الصباح، وبعد العصر وكل منهم ينادي بلغته، ويتوسل بلسانه متوسلاً بصاحب الشفاعة لائذاً بحماه، وسمعوا عجيجهم وثجيجهم، وبكاءهم ونحيبهم، لعميت عيونهم، وانفطرت قلوبهم، وانشقت أفئدتهم. وقال العاقل منهم: كل هؤلاء الناس على ضلال ونحن على هدى؟ إن هذا محال، وهزؤ لا تتصوره عقول العقلاء". أقول: يزعم هذا الملحد المارق بأننا أعداء لله تعالى ولرسوله ﷺ وما ذنبناعنده إلا إتّباعنا لكتاب الله تعالى وسنّة نبيّنا ﷺ ، وهو أننا لا نغلو بالقبر وأصحابها ولا نصرف للمقبورين حقاً من حقول الله تعالى، ولا نتخذها مساجد، ممتثلين أمر نبينا ﷺ فيما جاءتنا به الأحاديث الصحيحة الصريحة، التي

стр. 410

خرَّجها البخاري ومسلم وأهل السنن والإمام مالك رحمهم الله تعالى، فمنها قوله ﷺ : اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وحديث ابن مسعود ﵁: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذي يتخذون القبور مساجد" وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وحديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "لما نُزِل برسول الله ﷺ طفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغْتَمَّ بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت عائشة ﵂: يُحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك لأُبرز قبره. ولكن خَشِي أن يتخذ مسجداً". وفي رواية لمسلم: "وصالحيهم" ومع هذه النصوص التي لا تقبل المغالطة، فقد بلغ الغلو بهذا الملحد مبلغاً من الشرك لم يصل إليه إلا عبدة الأصنام. يقول عنا: "إننا لو جئنا إلى المدينة المنورة في شهر محرم حينما يأتي الزوار القافلون من الحد ورأينا ما يفعله مئات ألوف الحجاج من مسلمي كافة الأقطار حول حجرة الرسول الطاهرة ومن الطواف والتوسل واللواذ بحماه، ونسمع عجيجهم وثجيجهم وبكاءهم ونحيبهم، لعميت عيوننا وانفطرت قلوبنا، وانشقت أفئدتنا- إلى آخر ما ذكره". ونحن نجيب هذا المارق: بأنه قد يصيبنا أكثر مما ذكره إذا رأينا وسمعنا ما يقوله عنهم مم يغضب الله ورسوله ﷺ . وذلك أسفاً منا على المسلمين الذي بدلوا الهدى ضلالاً، والوحيد شركاً، وطاعة الرسول ومشاقة. وكيف لا ينفطر قلب كل مسلم يرى تغيير معالم الدين، ويسمع الشرك برب العالمين في

стр. 411

مهبط وحيه، وفي حرم نبيه ﷺ وفي جوار قبره الشريف؟ فهل فرض الله تعالى ورسوله ﷺ الطواف بغير الكعبة؟ وهل فعل ذلك الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان من القرون المفضلة؟ وهل كان العجيج والثجيج والبكاء والنحيب إلا لله وحده لا شريك له في مناجاته في الخلوات، وفي بيته الحرام ومشاعر الحج التي جعلها الله قياماً للناس وأمناً، ويؤدون فيها مناسكهم بين العجيج والثجيج والبكاء والنحيب، لا يذكرون غير الله تعالى، ولا يتوسلون إليه إلا بالأعمال الصالحة عائذين بجلاله تعالى، لائذين بحماه الذي لا يرام ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] ، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل، الآية:٦٢] هذا هو خالص العبادة لله تعالى، بل مخها، صرفه عباد القبور لو لائجهم الموتى من دون الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة، الآية:٥] ، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة، الآية:٥٩] وما سبب ذلك إلا الغلو بالصالحين، ومجاوزة الحد الذي شرعه الله تعالى من حقوق أنبيائه وأوليائه. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة، الآية:٧٧] وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح، الآية:٢٣] "هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح لما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا لهم أنصاباً، وصوروا تماثيلهم. فلما مات أولئك ونسي العلم: عبدت". وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" وقال ﷺ لمن قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده".

стр. 412

وأما استدلال الملحد بالكثرة: فجوابه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام، الآية:١١٦] . وأما باقي كلام هذا الأحمق: فليس له قيمة، وليس هو من موضوعنا في شيء. إلى أن قال: "وجماع القول في هذه المسألة التي وقع إجماع المسلمين من أهل السنّة والشيعة على فضلها ووجوبها: هي من جملة الأمور التي خرق الوهابيون وإخوانهم الإجماع بحظرها وإنكارها، ومرقوا بهذا الخرق من الإجماع، وخلعوا ربقة الإسلام من عنقهم، والعياذ بالله تعالى". أقول: إن أراد الملحد بهذه المسألة: زيارة القبور الشرعية، فقد كذب علينا، بل ي عندنا سنّة مؤكدة كما أشرنا إلى ذلك في مواضع كثيرة من ردنا هذا. ولم مخالف بحمد الله إجماع المسلمين في زيارة القبور الشرعية. وإن أراد الملحد بالمسألة التي ادعى إجماع المسلمين والشيعة على فضلها ووجوبها: ما عليه الشيعة اليوم من الغلو بالقبور وأهلها، وعبادتهم إياها من دون الله تعالى ومن سل سبيلهم ممن يدعون الإسلام، وأنهم من أهل السنّة، فهؤلاء ليسوا من أهل السنّة، بل هم من عبدة الأوثان. فالوهابيون بريئون منهم جميعاً. ومن إجماعهم، وينكرون ما هم عليه من عبادة الأصنام، وإن سموها بما شاؤوا من الأسماء التي سماها بها أسلافهم من المشركين فهذا هو الشرك بالله تعالى، وهو خرق إجماع المسلمين وصاحبه قد خلع ربقة الإسلام من عنقه حقيقة، لا كما يدعيه هذا المارق على حزب الله تعال وحزم رسوله الموحدين أهل السنّة والجماعة. ثم قال المعترض: "فصل. وأما زيارة سائر القبور من المسلمين ففي إباحتها أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة، فمنها: ما رواه إمامنا مالك ﵀ في باب جامع الوضوء من موطئه عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة. فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا

стр. 413

إن شاء الله بكم لاحقون. إلى آخر الحديث" وهذا الحديث رواه مسلم والقاضي عياض والنووي وغيرهم. وروى الإمام أيضاً فيه عن سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ "نهيتكم عن لحوم الأضاحي، فكلوا وتصدقوا وادخروا. ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام. ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة ولا تقولوا سوءاً" انتهى.

стр. 414

زيارة القبور الشرعية ليست مباحة فقط، بل هي سنة مؤكدة ... أقول: إن زيارة قبور المسلمين ليست مباحة فقط، كما فهم الغبي الأحمق، بل هي سنّة مؤكدة فعلها رسول الله ﷺ وأمر بها، كما هو صريح في هذين الحديثين. ولم يرد في ذلك تخصيص لقبر نبي أو ولي. وكل ما روي في ذلك لا نصيب له من الصحة باتفاق أئمة المسلمين المعول على اتفاقهم. وقد أورد الملحد هذين الحديثين- مع أنهما حجة عليه- لما فيهما من البيان الواضح عن عمل الرسول ﷺ وأمره. وذلك في تحديد زيارة القبور الشرعية، والنهي عن الغلو فيها، وعن قول السوء، ومع ذلك كله فالملحد مخالف لكل ما جاء فيهما من أمر أو نهي من صاحب الشريعة ﵊. فهو كالحمار يحمل أسفاراً ل يدري ما يقول، ولو أنه فهم أن ما جاء فيهما هادم لكل ما يتعلق به عباد القبور أمثاله من الشُّبه والضلالات لنكص على عقبه عن إيرادهما. فأي سوء أسوأ وزور أقبح من مخالفة الرسول ﷺ ومحادته عن الإعلان بأن مئات الألوف من المسلمين الوافدين من أقطار الأرض يطوفون حول قبر الرسول، ويلوذون بحماه، ويصرخون بدعائه والاستغاثة به في حوائجهم الدنيوية والأخروية؟ هل هناك أسوأ وأقبح من هذا؟ فضلاً عما يصنعونه بقبور موتاهم الآخرين من الشرك في عبادة الله تعالى، وهو دعاء الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات ونذر النذور، وتقريب القرابين لهم في حضرتهم، خاضعين متذللين لهم، راجين رضاهم قبل رضاء رب العالمين، مسمين أعمالهم هذه بزيارة القبور، وتعظيم أهلها ليرضوا عنهم، فيرفعون حاجاتهم إلى الله تعالى قائلين كما أسلافهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية:٣] ، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] هذا ما يلبس به

стр. 415

السبكي وابن حجر المكي ومقلدوهم، أمثال دحلان والنبهاني ومقلدهم الملحد مختار العظمي. فهؤلاء الوثنيون يتعلقون بالأسماء ويغيرون الحقائق من نصوص الكتاب والسنّة، ويحرفونها عن مواضعها، ويعارضونها بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، محتجين بها على فتح أبواب شركهم وضلالهم الذي أضلوا به كثيراً من جهلة هذه الأمة، مقتفين في ذلك أثر من حذرهم نبيهم ﷺ عن سلوك سبيلهم. وذلك فيما جاء عنه ﷺ من الأحاديث الصحيحة في لعن متخذي القبور مساجد، لأنه من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه وهو أصل عبادة الأصنام. ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵁: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" فهؤلاء المبتدعة أئمة الضلال- من ذكرناهم آنفاً- يتعمدون الكذب وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعاً لهوائهم، ويلبسون الحق بالباطل على الجهال. وهذه هي بضاعتهم الضالة الخاسرة التي هي تحليل الشرك في عبادة الله تعالى، وتسميته بزيارة القبور وهذا الملحد يستدل هنا على إباحة زيارة القبور بالأحاديث الشريفة عن النبي ﷺ وفيها: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة، ولا تقولوا سوءاً" لكن هذا الملحد يستدل بها على إباحة زيارة القبور فقط، أما ما دلت عليه ودعت إليه من معنى الزيارة والقصد منها، وما أرشد إليه النبي ﷺ وما نهى عنه: فإن هذا الملحد لم يرفع به رأساً، ولم يلتفت إليه، بل صد عنه وصادم أمر النبي ﷺ . ولقد أعمى الشيطان أولياءه من الجاهليين وأصمهم عن قول الرسول ﷺ : "وتذكر الآخرة" فمروا عليها مر اللئام، ولم يحاولوا أن يفهموا ما أراده منها الرسول ﷺ ، فإن معناها البين: أن الزيارة المشروعة التي أبيحت بعد الحظر: إنما هي للقبور الدارسة التي تذكر بالدار الآخرة. أما القبور المشيدة المعظمة ببناء القباب والمساجد عليها والتي يطاف بها، ويدعي أصحابها مع الله فلا يزال النهي منصباً عليها. كما حقق ذلك الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في كلامه على الزيارة الشرعية والبدعية.

стр. 416

ليس قصد التبرك من زيارة القبور إلا على دين المشركين الأولين ... وقد قال الملحد في الصحيفة الثانية بعدها: "وإن سمعت من عامي كلاماً يفهم منه اعتقاد التأثير، فما هو إلا من عجزه عن التعبير الشرعي. لكن قلبه غير زائغ وإن رأيته يقبِّل الأعتاب والأبواب والجدران فليس عن اعتقاد شيء بها، كما يعتقده عبدة الأوثان بل لا قصد له إلا التبرك بها". فهل غاب عن هذا الملحد: أن هذا التبرك هو ما أراده المشركون الأولون حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية:٣] ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] بل أين هذا التبرك مما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ . فيما رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حُدَثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم: والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. لتتبعن سنن من كان قبلكم" فهل طلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يجعل لهم إلهاً كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً، أم طلبوا أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها، ويستظلون وينوطون بها أسلحتهم كما هي للمشركين؟ ثم انظر إلى أن الرسول ﷺ وقد جمع بين الطلبين، وجعلهما متحدذين في المبنى والمعنى، وأقسم على ذلك بأعز قسم وأعظم وأخلصه، بأنَّ طلبهم هذا كطلب بني إسرائيل من موسى. فهل يشك من يعقل عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ في أن ما يعمله غلاة القبوريين اليوم عندها: أنه هو الشرك الذي هو كفر الله به المشركين، ولعنهم عليه رسوله محمد ﷺ وإن اختلفت عباراتهم، كما يزعمون. فقد اتفقت أعمالهم فالأصل يجمعهم، والوعيد يشملهم والله تعالى يحاسبهم بما اتفقوا عليه من ظاهر أعمالهم وباطنها قولاً وعملاً، وسبباً موصلاً إلى ما أقسم عليه رسول الله ﷺ ، فإن الأسماء لا تغير الحقائق.

стр. 417

خلط الملحد بين التوسل والاستشفاع والاستغفار ... قال الملحد: "البحث الثالث في التوسل والاستشفاع والاستغفار: كلها ألفاظ مختلفة معناها واحد عند العلماء. لكن لما كان يتطرق لفهم العوام التوسل ما لا يتطرق لفهمه من الاستغفار والاستشفاع. فذكرته في بحث على حدة. وبالله أستعين". والجواب: أن قول الملحد بأن التوسل والاستشفاع والاستغفار ألفاظ مختلفة، معناها واحد عند العلماء قول مبني على مذهب علمائه الذين قلدهم أر دينه. أمثال دحلان والنبهاني، ممن أشركوا المخلوق في خالص حق الخالق في عبادته التي لا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى. مما هو معلوم من أعمال عباد القبور من دعاء أهلها وخوفهم ورجائهم، ونذر النذور لهم، وسفك دماء الذبائح والقرابين لهم، سائلينهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، إلى غير ذلك من أنواع العبادات ويسمونها زيارة القبور، والتوسل، والوسيلة، والتشفع، والشفاعة، والاستغفار. ويقولون: إن هذه كلها ألفاظ مختلفة. معناها واحد، وطلبها من الأموات والغائبين جائز ومن أنكرها فقد خرق إجماع المسلمين وتنقص الرسل والصالحين، وأنكر كراماتهم، وهكذا يغالط هؤلاء الوثنيون بالأسماء مع تغيير الحقائق. انظر إلى خرط هذا الملحد وتخليطه، ومخرقته التي تدل على عدم توفيقه لتعمده سلوك غير سبيل المؤمنين. يقول الملحد: "إذا نظرت بعين البصيرة رأيت التوسل بمعنييه- اللغوي والمصطلح- ناموس جعله الله في الكون لصالح الإنسان في أمر حياته ومعاشه في الدنيا. لا يستغنى عنه إلا من عصمهم الله، والشرع ما أنكره، كما أنكره هؤلاء الحمقى، مع تلبسهم فيه، وعدم استغنائهم عنه، ولا حسبه شركاً. كما حسبوه، بل أباحه. لكن المنكر منه اعتقاد التأثير من غير الله وهو الشرك الخفي. ومع أنك ترى أكثر الناس واقعين في هذا الشرك الخفي، سيما المعتقدون خلق الأفعال، ومنهم من يعتقد يقيناً أن الإنسان يضر وينفع، كما يعتقد بتأثير الأعراض. كالعَدْوَى والأدوية وأمثالها. لكنك لا تجد مؤمناً يعتقد بالرسول عليه

стр. 418

الصلاة والسلام هكذا اعتقاداً، بل غاية اعتقاده: التوسل بجاهه، مع التفويض لله تعالى. وإن سمعت من عامي كلاماً يفهم منه اعتقاد التأثير، فما هو إلا عن عجزه عن التعبير الشرعي، لكن قلبه غير زائغ. وإن رأيته يقبِّل الأعتاب، والأبواب والجدران فليس عن اعتقاد شيء بها، كما يعتقده عبدة الأوثان، فهذا اعتقاد لا يتطرق لقلب مسلم، بل لا قصد له إلا التبرك بها. ألا ترى مراسم المعايدة عند خلفاء آل عثمان بتقبيل السجق المعلق على طرق السدة الجالس فيها السلطان، فما معنى هذا؟ معناه: تقبيل يد الخليفة، فهل فيه شبهة شرك، أو كفر؟ حاشا وألف حاشا، وخلفاؤنا أنزه وأجل من الرضا بشيء فيه شبهة دينية". هذا بعض مما يقوله الملحد مختار العظمي من النفاق الوضيع، والكفر الشنيع. فما كفاه تحليل الشرك الأكبر في عبادة الله تعالى، وتسميته بالشرك الخفي، ولا ما افتراه على الشرع الشريف بأنه لم ينكر الشرك في عبادة الله تعالى، بل أباحه وما كفته مخرقته فيما يقوله في خلق أفعال العباد والعدوى والأدوية من قلب أوضاع الشريعة، بل أبا دعاء الأموات، وتقبيل أعتابهم وأبوابه وجدرانهم. ويقول: إن هذا ليس عن اعتقاد شيء بها، كما يعتقده عبدة الأوثان وما كفاه هذا الفجور وقول الزور حتى شبه الخالق ﷻ بسلاطين آل عثمان: تعالى لله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فكلام هذا الملحد من أوله إلى آخره كلام باطل متناقض، مبني على مذهب عباد القبور، الذي بنوا مذاهبهم على المغالطة في ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق.

стр. 419

جعله التوسل إلى الله كالتوسل إلى السلاطين ... فأما قول الملحد: "إذا نظرت بعين البصيرة، رأيت التوسل بمعنييه اللغوي والمصطلح، ناموس جعله الله في الكون لصالح الإنسان في أمره حياته ومعاشه في الدنيا، لا يستغنى عنه إلا عصمهم الله". فجوابنا عنه: أن الناظر بعين البصيرة يرى أن كلام هذا الملحد كلام ساقط، لا يستند إلى لغة، ولا إلى اصطلاح صحيح، وإنما هو محض الجهل

стр. 420

والتظليل، مع الافتراء على الله، وعلى رسوله ﷺ . فهذا الملحد المخترع لهاذ الناموس لا يعرف لغة ولا اصطلاحاً ولا ناموساً، غلا ما يتصوره من خيالاته الضالة الشيطانية، وأعمال الجهلة الوثنيين الضالين فإن الله تعالى لم يجعل التوسل والوسيلة ناموساً لدعاء الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربان. بل أمر بابتغاء الوسيلة إليه وحده، وهي التي أجمع المفسرون وأهل اللغة على أنها القربة إليه تعالى بالأعمال الصالحة الخالصة لوجهه الكريم، مع إتّباع رسوله ﷺ في كل ما جاء به من عند الله تعالى. وقد قال ﷺ في الأحاديث الصحيحة عنه: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت عليه شفاعتي يوم القيامة" وأما لفظ "التوسل" في اللغة: فهو التقرب، والوسيلة ما يتقرب به إلى الشيء، ولم يجعل الشرع للتوسل حقيقة غير حقيقته اللغوية. فصرفها إلى دعاء الأموات، وجعلهم وسيلة بين الله وبين عباده، يُدعَون ويرجون من دون الله تعالى جهل وضلال، ما أنزل الله به من سلطان.

стр. 421

كذبه على الله بأن الشرع أباح التوسل ... فقول هذا الملحد "والشرع ما أنكره بل أباحه" ويعني به: توسل عباد القبور الذي هو دعاء الأموات من دون الله تعالى: قول مكابر لا يخشى في الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ لومة لائم. فقد جهل هذا الملحد أو تجاهل أن ما أرسل الله تعالى به رسله من أولهم إلى آخرهم، إنما هو الدعوة إلى عبادته تعالى وحده، حيث يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] و"العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال. فالدعاء: عبادة، بل مخ العبادة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر، الآية:٦٠] كما أن العكوف حول القبور، وتقبيل الأبواب، والأعتاب، والجدران والنذر لساكنيها عبادة، وتقريب القرابين لهم عبادة، واعتقاد النفع والضر منهم وفيهم عبادة. وغيرها كثير من أعمال عباد القبور التي صرفوها لولائجهم من دون الله تعالى كلها عبادة، وإن سموها بما شاؤوا من

стр. 422

الأسماء التي منها التوسل والوسيلة، متعلقين بالأسماء، مع قبل الحقائق لتضليل الجهلة ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام، الآية:١٣٢] .

стр. 423

فصل من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " ... وقد كتب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" ننقل منها ما يلزم نقله لموضوعنا هذا. قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: (فصل) إذا عرف هذا: فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه، ويعطي كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنّة من ذلك ومعناه. وما كان يتكلم به الصحابة ﵃ ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فضل الخطاب. فلفظ "الوسيلة" مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ﴿المائدة، الآية:٣٥] وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء، الآيتان:٥٦-٥٧] فالوسيلة التي أمر الله بها. أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها، تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً. فالواجب والمستحب هو ما شرعه الله ورسوله ﷺ فأمر به أمر إيجاب، أو استحباب. وأصل ذلك: الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه بإتباع ما جاء به الرسول ﷺ لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ : "سلوا الله لي

стр. 424

الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت عليه شفاعتي يوم القيامة" وقوله: "من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة والقائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت عليه الشفاعة" فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبرنا أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجوا أن يكون ذلك العبد وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول ﷺ وأخبرنا أن من سأل له الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل. فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: "إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً". وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة ﵃: فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به، والسؤال به، كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يٌعتقد فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ: "التوسل" يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين. ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنّة، فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء: فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني: دعاؤه وشفاعته، كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين. ومن هذه قول عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" أي بدعائه وشفاعته. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة، الآية:٣٥] أي القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية:٨٠] فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.

стр. 425

وأما التوسل بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به بعد موته إلى التوسل بعمه العباس. ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس. فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته ﷺ ، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له. فإنه مشروع دائماً فلفظ "التوسل" يراد به ثلاثة معان: أحدها: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة، يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته: فهذا هو الذي لم تكن الصحابة ﵃ يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته عليه الصلاة السلام، لا عند قبره ولا قبر غيره. ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل بشيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا هو الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه: أنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل الله بمخلوق، ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك، قاله أبو الحسن القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة. وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد: حدثنا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقاً. انتهى المقصود منه. وبما أوردناه من تحقيق معنى "الوسيلة والتوسل" الوارد ذكرهما في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ لطالب الحق، وبيان لبطلان كل ما يتعلق به دعاة الوثنية ويغالطون به من ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق، وكشف لضلال هذا
следующие страницы →